٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
52
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما بين ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلاً وآجلاً كما شرحناه أتبعه بأن بين أن هذه طريقته وسنته في الكل. فقال: {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } والمعنى: عادة هؤلاء في كفرهم كعادة آل فرعون في كفرهم. فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإغراق وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل يقال: فلان يدأب في كذا، أي يداوم عليه ويواظب ويتعب نفسه، ثم سميت العادة دأباً لأن الإنسان مداوم على عادته ومواظب عليها. ثم قال تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } والغرض منه التنبيه على أن لهم عذاباً مدخراً سوى ما نزل بهم من العذاب العاجل، ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم، فقال: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {لَمْ يَكُ } أكثر النحويين يقولون إنما حذفت النون. لأنها لم تشبه الغنة المحضة، فأشبهت حروف اللين ووقعت طرفاً، فحذفت تشبيهاً بها كما تقول لم يدع ولم يرم ولم يل وقال الواحدي: وهذا ينتقض بقولهم لم يزن ولم يخن فلم يسمع حذف النون ههنا. وأجاب علي بن عيسى عنه. فقال إن كان ويكون أم الأفعال من أجل أن كل فعل قد حصل فيه معنى كان فقولنا ضرب معناه كان ضرب ويضرب معناه يكون ضرب، وهكذا القول في الكل فثبت أن هذه الكلمة أم الأفعال. فاحتيج إلى استعمالها في أكثر الأوقات، فاحتملت هذا الحذف بخلاف قولنا لم يخن ولم يزن، فإنه لا حاجة إلى ذكرها كثيرًا فظهر الفرق. والله أعلم. المسألة الثانية: قال القاضي: معنى الآية أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر، فقد غيروا نعمة الله تعالى على أنفسهم، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن قال: وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى لا يبتدىء أحداً بالعذاب والمضرة، والذي يفعله لا يكون الأجزاء على معاص سلفت، ولو كان تعالى خلقهم وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنار كما يقوله القوم، لما صح ذلك، قال أصحابنا: ظاهر الآية مشعر بما قاله القاضي الإمام إلا أنا لو حملنا الآية عليه لزم أن يكون صفة الله تعالى معللة بفعل الإنسان، وذلك لأن حكم الله بذلك التغيير وإرادته لما كان لا يحصل إلا عند إتيان الأنسان بذلك الفعل، فلو لم يصدر عند ذلك الفعل لم يحصل لله تعالى ذلك الحكم وتلك الإرادة، فحينئذ يكون فعل الإنسان مؤثراً في حدوث صفة في ذات الله تعالى، ويكون الإنسان مغيراً صفة الله ومؤثراً فيها، وذلك محال في بديهة العقل، فثبت أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره، بل الحق أن صفة الله غالبة على صفات المحدثات، فلولا حكمه وقضاؤه أولاً لما أمكن للعبد أن يأتي بشيء من الأفعال والأقوال. المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر مرة أخرى قوله تعالى: {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } ذكروا فيه وجوهاً كثيرة: الأول: أن الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول، لأن الكلام الأول فيه ذكر أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم وذلك تفصيل. والثاني: أنه أريد بالأول ما نزل بهم من العقوبة في حال الموت، وبالثاني ما ينزل بهم في القبر في الآخرة. الثالث: أن الكلام الأول هو قوله: {كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } والكلام الثاني هو قوله: {كَذَّبُواْ بآيَـٰتِ رَبّهِمْ } فالأول إشارة إلى أنهم أنكروا الدلائل الإلهية، والثاني إشارة إلى أنه سبحانه رباهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة، فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها وتواليها عليهم، فكان الأثر اللازم من الأول هو الأخذ والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك والإغراق، وذلك يدل على أن لكفران النعمة أثراً عظيماً في حصول الهلاك والبوار، ثم ختم تعالى الكلام بقوله: {وَكُلٌّ كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } والمراد منه أنهم كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعصية، وظالمي سائر الناس بسبب الإيذاء والإيحاش، وأن الله تعالى إنما هلكهم بسبب ظلمهم، وأقول في هذا المقام اللهم أهلك الظالمين وطهر وجه الأرض منهم فقد عظمت فتنتهم وكثر شرهم، ولا يقدر أحد على دفعهم إلا أنت، فادفع يا قهار يا جبار يا منتقم.
القرطبي
تفسير : الدأب العادة. وقد تقدّم في «آل عمران». أي العادة في تعذيبهم عند قبض الأرواح وفي القبور كعادة آل فرعون. وقيل: المعنى جُوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جُوزي آل فرعون بالغرق. أي دأبهم كدأب آل فرعون.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: فعل هؤلاء من المشركين المكذبين بما أرسلت به يا محمد؛ كما فعل الأمم المكذبة قبلهم، ففعلنا بهم ما هو دأبنا، أي: عادتنا وسنتنا في أمثالهم من المكذبين؛ من آل فرعون ومن قبلهم من الأمم المكذبة بالرسل، الكافرين بآيات الله {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} أي: بسبب ذنوبهم أهلكهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي: لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب.
المحلي و السيوطي
تفسير : دأب هؤلاء {كَدَأْبِ } كعادة {ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِئَايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ } بالعقاب {بِذُنُوبِهِمْ } جملة «كفروا» وما بعدها مفسرة لما قبلها {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ } على ما يريده {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} يحتمل خمسة أوجه: أحدها: لم يك مغيراً نعمة أنعمها عليهم بالنصر لهم على أعدائهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من الثقة به والتوكل عليه. والثاني: لم يك مغيراً نعمته عليهم في كف أعدائهم عنهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعته والكف عن معصيته. والثالث: لم يك مغيراً نعمته عليهم في الغنى والسعة حتى يغيروا ما بأنفسهم. من تأدية حق الله تعالى منه. والرابع: لم يك مغيراً نعمته في الثواب والجزاء حتى يغيروا ما بأنفسهم من الإيمان. والخامس: لم يك مغيراً نعمته عليهم في الإرشاد حتى يغيروا ما بأنفسهم من الانقياد.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ...} الآية: الدَّأْبُ: العادةُ في كلام العربِ، وهو مأخوذٌ من دَأَبَ عَلَى العمل، إِذا لازمه. وقوله سبحانه: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ...} الآية: معنى هذه الآية إِخبارٌ من اللَّه سبحانه، إِذا أنعم على قومٍ نعمةً، فإِنه بلُطْفه ورحمته لا يبدأُ بتغييرها وتنْكِيدها، حتى يجيءَ ذلك منْهم؛ بأنْ يغيِّروا حالهم الَّتي تُرَادُ، أو تَحْسُنُ منهم، فإِذا فعلوا ذلك، غيَّر اللَّه نعمته عنْدَهم بِنِقْمته منْهم، ومثالُ هذه نِعْمَةُ اللَّه عَلَى قُرَيْشٍ بنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، فكَفَروا به، فغيَّر اللَّه تلك النعمة، بأنْ نقلها إِلى غيرهم من الأنصار، وأَحَلَّ بهم عقوبَتَهُ. وقوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَـٰتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ }، هذا التكريرُ هو لمعنًى ليس للأول؛ إذ الأول دَأْبٌ في أنْ هَلَكُوا لما كَفَرُوا، وهذا الثَّاني دأْبٌ في أَنَّهُ لم يغيِّرْ نعمتهم؛ حتَّى غيروا ما بأنْفُسِهِم، والإِشارة بقوله: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }، إِلى قومِ شعيبٍ وصالحٍ وهودٍ ونوحٍ وغيرهِمِ.
القشيري
تفسير : لمَّا سلكوا مسلكَ أَهلِ فرعون في الضلال، سَلَكْنا بهم مسلكهم فيما أذقناهم من العذاب وسوء الحال، وسُنَّةُ الله ألا تغيير في الإنعام، وعادته ألا تبديلَ في الانتقام، ومَنْ لم يَعْتَبِرْ بما يشهد اعْتَبَرَ بما يصنعه به.
اسماعيل حقي
تفسير : {كدأب آل فرعون} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم اى عادة كفار قريش فى كفرهم وعنادهم كعادة آل فرعون المشهورين بقباحة الاعمال. واصل الدأب فى اللغة ادامة العمل يقال فلان يدأب فى كذا اى يداوم عليه ويواظب ويتعب نفسه فيه ثم سميت العادة دأبا لان الانسان يداوم على عادته وآل الرجل الذين يرجعون اليه باوكد الاسباب ولهذا لا يقال لقرابة الرجل آل الرجل ولا يقال لاصحابه آله والمقصود هنا كدأب فرعون وآله اى اتباعه {والذين من قبلهم} اى من قبل آل فرعون كقوم نوح وثمود وعاد وغيرهم من اهل الكفر والعناد {كفروا بآيات الله} تفسير للدأب والآيات هى دلائل التوحيد المنصوبة فى الانفس والآفاق او معجزات الانبياء على الاطلاق {فأخذهم الله بذنوبهم} اى عاقبهم الله تعالى بسبب كفرهم وسائر معاصيهم {إن الله قوى شديد العقاب} لا يغلبه فى دفعه شيء
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (كدأب): خبر عن مضمر، أي: دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون، وهو عملهم وطريقتهم، التي دأبوا فيها، أي: داموا عليها (ذلك)؛ مبتدأ، و(بأنَّ الله): خبر، وقال سيبويه: خبر، أي: الأمر ذلك، والفاء سببية. يقول الحق جل جلاله: عادة هؤلاء الكفرة العاصين المعاصرين لك، في استمرارهم على الكفر والمعاصي، كعادة {آل فِرعون والذين} مضوا {مِنْ قبلهم}، ثم فسر دأبهم فقال: {كفروا بآيات الله} الدالة على توحيده، المنزلة على رسله، {فأخذهم الله بذنوبهم} كما أخذ هؤلاء، {إن الله قوي شديد العقاب}؛ لا يغلبه في دفعه شيء. {ذلك} العذاب الذي حل بهم، بسبب ذنوبهم وكفرهم؛ لأن {الله لم يكُ مغيراً نعمةً أنعمها على قوم} فيبدلها بالنقمة، {حتى يغيروا ما بأنفسهم} أي: حتى يبدلوا ما بأنفسهم، من حال الشكر إلى حال الكفر، أو من حال الطاعة إلى حال المعصية، كتغيير قريش حالهم: من صلة الرحم، والكف عن التعرض لإيذاء الرسول ومن تبعه، بمعاداة الرسول، والسعي في إراقة دم من تبعه، والتكذيب بالآيات والاستهزاء بها. إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد البعثة، {وأنَّ الله سميعٌ} لما يقولون: {عليم} بما يفعلون. دأبهم في ذلك التغيير {كَدأْب آل فِرعون والذين من قبلهم كذّبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آلَ فرعون} لمّا بدلوا وغيَّروا، ولم يشكروا ما بأيديهم من النعم، {وكلِّ} من الفرق المكذبة {كانوا ظالمين}؛ فأغرقنا آل فرعون، وقتلنا صناديد قريش؛ بظلمهم وما كنا ظالمين. الإشارة: إذا أنعم الله على قوم بنعم ظاهرة أو باطنة، ثم لم يشكروا الله عليها، بل قابلوها بالكفران، وبارزوا المنعم بالذنوب والعصيان، فاعلم أن الله تعالى أراد أن يسلبهم تلك النعم، ويبدلها بأضدادها من النقم، فمن شكر النعم فقد قيدها بعقالها، ومن لم يشكرها فقد تعرض لزوالها. فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود، فمن أعطي ولم يشكر، سُلب منها ولم يشعر، والشكر؛ أَلا يُعْصَى الله بنعمه، كما قال الجنيد رضي الله عنه. والله تعالى أعلم. ومن جملة كفران النعم، نقض العهد، كما أبان ذلك بقوله: {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ}.
الطوسي
تفسير : العامل في قوله: {كدأب آل فرعون} الابتداء وتقديره دأبهم كدأب آل فرعون، فموضعه رفع، لانه خبر المبتدأ، كما تقول زيد خلفك، فموضع خلفك رفع بأنه خبر المبتدأ، ولفظه نصب بالاستقرار، فكذلك الكاف في {كدأب}. والداب العادة والطريقة تقول ما ذلك دأبه ودينه وديدنه. والمعنى انه جوزي هؤلاء بالقتل والأسر كما جوزي آل فرعون بالغرق. وقال الزجاج الدأب إدامة الفعل داب يدأب في كذا إذا دام عليه، ودأب يداب داباً ودؤباً فهو دائب يفعل كذا اي يجري فيه على عادة. وقال خداش بن زهير العامري: شعر : وما زال ذاك الداب حتى تجادلت هوازن وارفضت سليم وعامر تفسير : وآل فرعون المراد به اتباعه فيما دعاهم اليه من ربوبيته. سموا {آل} لأن مرجع امرهم اليه بسبب اكيد. والفرق بين "آل فلان" و "الأصحاب" ان الاصحاب مأخوذ من الصحبة لطلب علم او غيره. كالأصحاب في السفر، وكثر في الموافقة على المذهب، كما يقولون اصحاب مالك واصحاب الشافعي يراد به الموافقة في المذهب، لا يوصفون بأنهم آل الشافعي او ابي حنيفة. والآل يرجعون اليه بالسبب الأوكد الأقرب. وقوله: {إن الله قوي} معناه قادر وقد يكون القوي بمعني الشديد، وذلك لا يجوز اطلاقة على الله، وكذلك لا يوصف بأنه شديد العقاب وإنما وصف عقابه بأنه شديد دون الله تعالى. فمعنى الآية تشبيه حال المشركين في تكذيبهم بآيات الله التى اتى بها محمد صلى الله عليه وآله بحال آل فرعون في التكذيب بآيات الله التي اتى بها موسى عليه السلام لأن تعجيل العقاب لهؤلاء بالاهلاك كتعجيله لأولئك بعذاب الاستئصال.
الجنابذي
تفسير : {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} اى ما هم عليه من الكفر والمعاصى المستتبعة للعقوبة كدأب آل فرعون ان هو متعلّق بقوله يتوفىّ والتّشبيه تمثيلىّ والدّأب الخصلة والسنةّ الّتى اعتادها وداوم عليها صاحبها {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} كاقوام الانبياء (ع) السّلف {كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} استيناف جواباً للسّؤال المقدّر عن دأبهم كأنّه قيل: ما كان دأبهم؟ وما فعل بهم؟ {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ذٰلِكَ} العقاب عقيب الكفر والعصيان بانّ عادة الله جرت بان يغيّر النّعمة عقيب تغيير صاحب النّعمة حاله فحقّ العبارة ان يقال بانّ الله يغيّر ما بقومٍ من نعمة بتغييرهم احوالهم لكنّه قال {بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} افادة للحصر مع هذا المعنى ونفى التّغيير عنه لا التّصريح بنسبة التّغيير اليه ابتداء {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فيسمع مقالتهم السّوءى ويعلم تغييرهم حسن أحوالهم فيجرى عادته بتغير نعمته.
اطفيش
تفسير : {كَدَأبِ آل فِرعَونَ} أى دأب هؤلاء الذين كفروا بك يا محمد، كدأب آل فرعون {والَّذينَ مِنْ قَبلهِم} من قبل آل فرعون، كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وأجاز بعضهم تعليقه بقدمت، والدأب العادة أو ما يدأب عليه يداوم، أو السنن والطريقة كما قال به جابر بن زيد رحمه الله، والشعبى، ومجاهد، وعطاء، والمصدق واحد، وفسر الدأب بقوله: {كَفرُوا} أى آل فرعون والذين من قبلهم {بآياتِ اللهِ} داموا على الكفر بالآيات، والكفر بها يستلزم أيضا الدوام على سائر المعاصى، فكانت عادة كل قوم من هؤلاء الكفر والمعاصى {فَأخَذَهُم اللهُ بذُنُوبهم} فمن مفرق، ومن مرجوف، ومن مرجوم، ومن ممسوخ وغير ذلك، كما أخذ هؤلاء الذين كذبوا بك بوقعة بدر، ولك أن تجعل العادة مجموع الكفر والأخذ فى مجموع الأمم، وأن تجعلها الأخذ فيكون تقديم الكفر بيانا لما يترتب عليه العادة، وهى الأخذ لا لأنه عادة أو بعض عادة، فالتقدير على هذا كعادة الله فى آل فرعون ومن قبلهم، وأضيفت العادة إليهم كما يضاف المصدر إلى ظرفه ومفعوله، وعلى كل حال فالأخذ إنما يتصور عادة أو بعضها باعتبار وقوعه فى ذاك القوم، وفى ذاك وفى ذاك وهكذا إلا فى الواحد، لأن الواحد لهم أخذ واحد، إلا إن يعتبر أحاد القوم. {إنَّ اللهَ قوىٌّ} فى أخذه الكفار {شَدِيدُ العِقابِ} عليهم فلا أحد يقوى عليه ولا على رفعه.
اطفيش
تفسير : {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} دأبهم كدأْب آل فرعون أَى معتادهم الذى يدأَبوه عليه، أَى يدومون كمعتاد آل فرعون، أَو شأنهم كشأن آل فرعون، أَو عملهم كعملهم، أَو يضربون وجوههم إِلخ. ضربا ثابتا كدأب آل فرعون فى الضرب، أَو ذوقوا إِلخ.. ذوقا ثابتا كدأب آل فرعون فى الذوق، فذلك ما فعل آل فرعون وما فعل بهم، أَو ما فعلوا أَو ما فعل بهم. والأَولى أَولى. أَلا ترى إِلى قوله عز وجل {كفروا بآيات الله فأَخذهم الله بذنوبهم} قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: آل فرعون أَيقنوا بأَن موسى نبى الله عليه السلام فكذبوه، كذلك هؤلاء جاءَهم محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق فكذبوه فعاقبهم كما عاقب آل فرعون {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أَى من قبل آل فرعون، عطف على آل فرعون {كَفَرُوا بآيَاتِ اللهِ} تفسير لدأْب آل فرعون بأَنه الكفر بآيات الله، وإِذا أَعدنا التشبيه إِلى الضرب أَو الذوق فهذا بيان لموجب الضرب أَو الذوق {فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ} كفر قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم فأَهلكهم عاجلا، ولهم عذاب آخر فى قبورهم وبعدها كما كفر آل فرعون بموسى فأهلكوا وعذبوا بعد موتهم، ويجوز عود الضمير لكفار قريش {إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ} لا يعجز عما أَراد {شَدِيدُ الْعِقَابِ} لا يطاق عذابه ولا يدفع، وكل أَمره شديد خيره وشره حتى أَنه لو كان له الظلم لكان ظلاما كما أَنه لما كان عالماً كان علاما، فنفى اللازم وهو المبالغة فى الظلم إِذ قال: ليس بظلام للعبيد ليتوصل به إِلى نفى الملزوم وهو أَصل الظلم على وجه الكناية.
الالوسي
تفسير : {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ} خبر مبتدأ محذوف أي دأب هؤلاء كائن كدأب الخ؛ والجملة استئناف مسوق لبيان أن ما حل بهم من العذاب بسبب كفرهم لا بشيء آخر حيث شبه حالهم بحال المعروفين بالإهلاك لذلك لزيادة تقبيح حالهم وللتنبيه على أن ذلك سنة مطردة فيما بين الأمم المهلكة، والدأب العادة المستمرة ومنه قوله:شعر : وما زال ذاك الدأب حتى تجادلت هوازن وارفضت سليم وعامر تفسير : والمراد شأنهم الذي استمروا عليه مما فعلوا وفعل بهم من الأخذ كدأب آل فرعون المشهورين بقباحة الأعمال وفظاعة العذاب والنكال {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي من قبل آل فرعون وأصحابه من الأمم الذين فعلوا ما فعلوا ولقوا من العذاب ما لقوا كقوم نوح وعاد وأضرابهم. وقوله تعالى: {كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ} تفسير لدأبهم لكن بملاحظة أنه الذي فعلوه لا لدأب آل فرعون ومن بعدهم فإن ذلك معلوم منه بقضية التشبيه. والجملة لا محل لها من الإعراب لما أشير إليه، وكذا على ما قيل: من أنها مستأنفة استئنافاً نحوياً أو بيانياً، وقيل: إنها حالية بتقدير قد فهي في محل نصب، وقوله سبحانه: {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} عطف عليها وحكمه في التفسير حكمها لكن بملاحظة الدأب الذي فعل بهم، والفاء لبيان كونه من لوازم جناياتهم وتبعاتها المتفرعة عليها. وذكر الذنوب لتأكيد ما أفادته الفاء من السببية من الإشارة إلى أن لهم مع كفرهم ذنوباً أخر لها دخل في استتباع العقاب، وجوز أن يراد بذنوبهم معاصيهم المتفرعة على كفرهم فيكون الباء للملابسة أي فأخذهم ملتبسين بذنوبهم غير تائبين عنها، وجعل العذاب من جملة دأبهم مع أنه ليس مما يتصور مداومتهم عليه واعتيادهم إياه كما هو المعتبر في مدلول الدأب كما عرفت إما لتغليب ما فعلوه على ما فعل بهم أو لتنزيل مداومتهم على ما يوجبه من الكفر والمعاصي بمنزلة مداومتهم عليه لما بينهما من الملابسة التامة، وإلى كون المراد بدأبهم مجموع ما فعلوه وما فعل بهم يشير ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن آل فرعون أيقنوا بأن موسى عليه السلام نبي الله تعالى فكذبوه كذلك هؤلاء جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق فكذبوه فأنزل الله تعالى لهم عقوبة كما أنزل بآل فرعون، وإلى ذلك ذهب ابن الخازن وغيره، وقيل: المراد بدأبهم ما فعلوا فقط، وقيل: ما فعل بهم فقط، وليس بشيء. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من الأخذ أي أنه سبحانه لا يغلبه غالب فيدفع عقابه عمن أراد معاقبته.
ابن عاشور
تفسير : {كدأب} خبر مبتدأ محذوف، وهو حذف تابع للاستعمال في مثله، فإنّ العرب إذا تَحَدَّثوا عن شيء ثم أتَوا بخبر دون مبتدأ عُلم أنّ المبتدأ محذوف، فقُدّر بما يدل عليه الكلام السابق. فالتقدير هنا: دأبُهم كدَأب آللِ فرعون والذين من قبلهم، أي من الأمم المكذّبين برسل ربّهم، مثل عاد وثمود. والدأب: العادة والسيرة المألوفة، وقد تقدّم مثله في سورة آل عمران. وتقدّم وجه تخصيص آل فرعون بالذكر. ولا فرق بين الآيتين إلاّ اختلاف العبارة، ففي سورة [آل عمران: 11] {أية : كذبوا بآياتنا}تفسير : وهنا {كفروا بآيات الله}، وهنالك {أية : والله شديد العقاب}تفسير : [آل عمران: 11] وهنا {إن الله قوي شديد العقاب}. فأمّا المخالفة بين {أية : كذبوا}تفسير : [آل عمران: 11] و{كفروا} فلأنَّ قوم فرعون والذين من قبلهم شاركوا المشركين في الكفر بالله وتكذيب رسله، وفي جحد دلالة الآيات على الوحدانية وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فذُكِروا هنا ابتداء بالأفظع من الأمرين فعبّر بالكفر بالآيات عن جحد الآيات الدالّة على وحدانية الله تعالى، لأنّ الكفر أصرح في إنكار صفات الله تعالى. وقد عقبت هذه الآية بالتي بعدها، فذكر في التي بعدها التكذيب بالآيات، أي التكذيب بآيات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وجَحد الآيات الدالّة على صدقه. فأمّا في سورة آل عمران [11] فقد ذكر تكذيبهم بالآيات، أي الدالّة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأنّ التكذيب متبادر في معنى تكذيب المخبِر، لوقوع ذلك عقب ذكر تنزيل القرآن وتصديق من صدق به، وإلحاد من قصد الفتنة بمتشابهه، فعبّر عن الذين شابَهوهم في تكذيب رسولهم بوصف التكذيب. فأمّا الإظهار هنا في مقام الإضمار، فاقتضاه أنّ الكفر كفر بما يرجع إلى صفات الله فأضيفت الآيات إلى اسم الجلالة؛ ليدلّ على الذات بعنوان الإله الحَقّ وهو الوحدانية. وأمّا الإضمار في آل عمران فلكون التكذيب تكذيباً لآيات دالّة على ثبوت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فأضيفت الآيات إلى الضمير على الأصل في التكلّم. وأمّا الاختلاف بذكر حرف التأكيد هنا، دونه في سورة آل عمران [11]، فلأنّه قصد هنا التعريض بالمشركين، وكانوا ينكرون قوّة الله عليهم، بمعنى لازمها، وهو إنزال الضرّ بهم، وينكرون أنّه شديد العقاب لهم، فأكّد الخبر باعتبار لازمه التعريضي الذي هو إبلاغ هذا الإنذار إلى من بقي من المشركين، وفي سورة آل عمران [11] لم يقصد إلا الإخبار عن كون الله شديد العقاب إذا عاقب، فهو تذكير للمسلمين وهم المقصود بالإخبار بقرينة قوله، عقِبَه: {أية : قل للذين كفروا ستغلبون}تفسير : [آل عمران: 12] الآية. وزيد وصفُ «قوي» هنا مبالغة في تهديد المشركين المقصودين بالإنذار والتهديد. والقوي الموصوف بالقوة، وحقيقتها كمال صلابة الأعضاء لأداء الأعمال التي تراد منها، وهي متفاوتة مقول عليها بالتشكيك. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : فخذها بقوة}تفسير : [الأعراف: 145]. وهي إذا وصف الله بها مستعملة في معناها اللزومي وهي منتهى القدرة على فعل ما تتعلّق به إرادته تعالى من المُمْكنات. والمقصود من ذكر هذين الوصفين: الإيماء إلى أنّ أخذهم كان قوياً شديداً، لأنّه عقابُ قوي شديد العقاب، كقوله: {أية : فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر}تفسير : [القمر: 42]، وقوله: {أية : إن أخذه أليم شديد}تفسير : [هود: 102].
د. أسعد حومد
تفسير : {آلِ} {بِآيَاتِ} (52) - هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ، يَا مُحَمَّدُ، إنَّمَا يَفْعَلُونَ مَا فَعَلَهُ قَبْلَهُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ (آل فِرْعَوْنَ)، وَنَحْنُ نَفْعَلُ بِهِمْ مَا كَانَ مِنْ دَأْبِنَا وَعَادَتِنَا أنْ نَفْعَلَهُ بِأمْثَالِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ الذِينَ سَبَقُوهُمْ، فَقَدْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَاللهُ شَدِيدُ العِقَابِ. الدَّأبُ - العَادَةُ.
الثعلبي
تفسير : {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} قال ابن عباس: كفعل آل فرعون، وقال الضحاك: كصنيعهم، وقال مجاهد، وعطاء: كسنّتهم، وقال يمان: كمثلهم يعني أن أهل بدر فعلوا كفعل آل فرعون من الكفر والذنوب، ففعل الله بهم كما فعل بآل فرعون من الهلاك والعذاب، وقال الكسائي: كما أن آل فرعون جحدوا كما جحدتم وكفروا كما كفرتم. قال الاخفش، والمؤرخ، وأبو عبيدة: كعادة آل فرعون. {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} فعاقبهم الله {بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ * ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. قال الكلبي: يعني أهل مكة، أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، وبعث إليهم محمداً (عليه السلام) فغيّروا نعم الله، وتغييرها أن كفروا بها وتركوا شكرها، وقال السدّي: نعمة الله محمد صلى الله عليه وسلم أنعم به على قريش فكذبوه وكفروا به فنقله إلى الأنصار. {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من كفار الامم {كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} بعضاً بالرجفة وبعضاً بالخسف وبعضاً بالمسخ وبعضاً بالحصى وبعضاً بالماء، فكذلك أهلكنا كفار مكة بالسيف والذل {وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} الآية {ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ}. سمعت أبا القاسم بن حبيب، سمعت أبا بكر عبدش يقول: من هاهنا صلة الذين عاهدتهم، وسمعته يقول سمعت المنهل بن محمد بن محمد بن الاشعث يقول: دخلت بين لأن المعنى: الذين أخذت منهم العهد، وقيل: عاهدت منهم أي معهم {ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ} وهم بنو قريظة، نقظوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قبال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم الثانية فنقضوا العهد ومالوا إلى الكفار على رسول الله يوم الخندق، وكتب كعب بن الاشرف إلى مكة يوافقهم على مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ} لا يخافون الله في نقض العهد. {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ} ترينّهم وتجدنّهم {فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ} قال ابن عباس: فنكّل بهم من ورائهم، وقال قتادة: عِظ بهم مَنْ سواهم من الناس، وقال سعيد بن جبير: أنذر بهم مَنْ خلفهم، وقال ابن زيد: أخفهم بهم. وقيل: فرَّق جمع كل ناقض مما بلغ من هؤلاء، وقال عطاء: أثخن فيهم القتل حتى يخافك غيرهم من أهل مكة وأهل اليمن، وقال ابن كيسان: اقتلهم فلا من يهرب عنك مَن بعدهم. وقال القتيبي: سمِّع بهم، وأنشد: شعر : أُطوّف في الاباطح كل يوم مخافة أن يشردّ بي حكيمُ تفسير : وأصل التشريد: التطريد والتفريق والتبديد، وقرأ أبن مسعود (وشرّذ) بالذال معجم وهو واحد. قال قطرب التشريذ بالذال التنكيل، وبالدال للتفريق من خلفهم أي من ورائهم، وقيل من يأتي خلفهم، وقرأ الأعمش مِن (خلفِهم) بكسر الميم والفاء تقديره: فشرِّد بهم من خلفهم من عمل قبل عملهم {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} يعتبرون العهد فلا ينقضون العهد. {وَإِمَّا تَخَافَنَّ} تعلمنّ يا محمد {مِن قَوْمٍ} معاهدين لك {خِيَانَةً} نكث عهد ونقض عقد بما يظهر لك منهم من آثار الغدر والخيانة كما ظهر من قريظة والنضير {فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ} فاطرح إليهم عهدهم {عَلَىٰ سَوَآءٍ} وهذا من الحان القرآن، ومعناه: فناجزهم الحرب، وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك فسخت العهد بينك وبينهم حتى تصير أنت وهم على سواء من العلم بأنك محارب، فيأخذوا للحرب أهبتها وتبرؤوا من الغدر، وقال الوليد بن مسلم: على سواء أي على مهل وذلك قوله {أية : فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} تفسير : [التوبة: 2]. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ * وَلاَ يَحْسَبَنَّ} قرأ أبو جعفر، وابن عامر بالباء على معنى لاتحسبن الذين كفروا انهم أنفسهم سابقين فائتين من عذابنا، وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ} قرأ العامة بالكسر على الابتداء، وقرأ أهل الشام وفارس بالفتح ويكون لا صلة، تقديره: ولا تحسبن الذين كفروا أن سبقوا أنّهم يعجزون أي يفوتون. {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} أي من الآلات يكون قوة له عليهم من الخيل والسلاح والكراع. صالح بن كيسان عن رجل عن عقبة بن مسافر الجهني حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر، وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة، فقال: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، تفسير : وروى ضمرة بن ربيعة عن رجاء بن أبي سلمة فقال: لقي رجل مجاهداً بمكة ومع مجاهد جوالق فقال مجاهد هذا من القوة، ومجاهد يتجهز للغزو، وقال عكرمة القوة الحصون. {وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} [الاناث] {تُرْهِبُونَ بِهِ} تخوفون، ابن عباس: تخزون، وقرأ يعقوب: ترهبون بتشديد الهاء وهما لغتان: أرهبته ورهّبته {عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} قال مجاهد: بنو قريظة. السدّي: أهل فارس. ابن زيد: المنافقون لا تعلمونهم لأنهم منكم يقولون: لا إله إلا الله، ويغزون معكم، وقال بعضم: هم كفار الجن، وقال بعضهم: هم كل عدو من المسلمين غير الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشردّ بهم. {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} يدّخر ويوفّر لكم أجره {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و{الدأب} هو العادة التي تتكرر مع الإنسان ويقال: دؤوب على كذا؛ أي يفعله باستمرار. ويوضح الله سبحانه وتعالى هنا لرسوله صلى الله عليه وسلم: دأب هؤلاء الكفار معك يا محمد، أي عادتهم معك، كدأب آل فرعون مع رسولهم، أي أنهم يفعلون معك يا محمد، أي عادتهم معك، كدأب آل فرعون مع رسولهم، أي أنهم يفعلون معك كما فعل آل فرعون مع موسى عليه السلام. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي قوم نوح وهود وصالح ولوط وغيرهم، ما الذي حدث لهؤلاء؟؛ هلاك أو اسئصال أو تعذيب أو إغراق أو خسف. إذن فالكفار الذين يعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحاربونه، ويقفون موقف الأذى منه، هذا الدأب والموقف منهم معه مثل دأب وموقف آل فرعون مع موسى عليه السلام، وقوم لوط مع لوط عليه السلام، وكذلك الذين من قبلهم، ويقول الحق تبارك وتعالى: {كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [الأنفال: 52]. فهل تركهم الله؟. لا. {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} فمنهم من أُغرقوا، ومنهم من أصابتهم الصاعقة، ومنهم من خسف الله بهم الأرض، وما دام الله سبحانه وتعالى قد فعل ذلك مع الكفار السابقين كما هو ثابت. فسبحانه سوف ينزل عقابه على الكفار الذين يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم لن يخرجوا عن قاعدة التعامل مع المكذبين للرسل، وقد حدثت سوابق مشابهة في الكون وقضايا واقعية. فآل فرعون مثلاً بلغوا قمة التقدم والحضارة في عصرهم وسبحانه وتعالى يقول عن حضارة الفراعنة: {أية : وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ} تفسير : [الفجر: 10]. وبالنسبة لثمود إذا ذهبنا إلى مدائن صالح في السعودية نجد آثار ثمود وقد حفروا بيوتهم في صخور الجبال، ويقول الحق عن حضارة ثمود: {أية : وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ}تفسير : [الفجر: 9]. وكل الحضارات القديمة قد زالت في غالبيتها ولا أثر لها، وإن وجد أثر، فهو أثر قليل وبسيط لا يحمل كل سمات الحضارة، إلا آثار الفراعنة؛ حيث تحوي مسلات ضخمة وأعمدة عالية وأهرامات كبيرة وهي باقية، أما حضارة قوم عاد فالحق سبحانه قد طمس آثارها فلم نعثر منها على شيء حتى الآن. لقد انطمست غالبية آثار الحضارات إلا آثار حضارة آل فرعون التي يأتي إليها الناس من أنحاء الدنيا كلها؛ ليتعجبوا من جمال البناء وروعة الفن وقمة التقدم في التصميم الهندسي، وكيف نُقِلت هذه الأحجار الضخمة إلى الأماكن العليا بدون سقالات، وكيف ارتبطت الأحجار كلها مع بعضها البعض كل هذه السنوات الطويلة دون استخدام الأسمنت أو غيره من مواد التثبيت للأحجار، بل تم ذلك بتفريغ الهواء. فكيف استطاعت هذه الهندسة العجيبة أن تفرغ الهواء بين حجرين كبيرين ضخمين؛ ليلتصقا ببعضهما التصاقاً محكماً بغير لاصق ولا يستطيع أحد أن يزحزحه، فإذا كانت حضارة الفراعنة قد وصلت إلى هذا الفن الهندسي باستخدام تفريغ الهواء بين أثقال ضخمة فهي حضارة راقية جدا. هذا إن نظرت إلى فن البناء فقط، وكذلك إن نظرنا إلى تحنيط الجثث التي لا يعرف أحد سرها حتى الآن، وكيف أمكن المحافظة على المومياوات آلاف السنين دون أن تتحلل. وكذلك إن نظرت إلى الألوان التي طليت بها المعابد والرسومات وبقيت زاهية كما هي رغم كل ذلك الزمن الطويل، وإلى الحبوب التي حُنطت وبقيت آلاف السنين دون أن يصيبها أي تلف، بل وصالحة للطعام، هذه الحضارة التي احتفظت بأسرار هذه الأشياء فلم تصل إليها البشرية حتى الآن، لا بد أن تكون حضارة قوية وعالية، ولكنها رغم قوتها وعلوها لم تستطع أن تحفظ نفسها من الانهيار لتصبح أثراً وتظل آثارا. أين ذهب صناع هذه الحضارة وقد بلغوا شأواً كبيرا وملكوا زمام الدنيا في عصرهم؟ لا بد - إذن - من وجود قوة أعلى منهم، قد دكتهم. ولماذا أتى الله بآل فرعون في هذه الآية بالاسم بينما أتى بالحضارات التي كانت قبلهم إجمالاً؟، فقال تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [الأنفال: 52]. لأن آثار آل فرعون قد كشف الله عنها ورَغّبَ فيها البشرية كلها؛ ليأتوا ويروا تلك الحضارة الهائلة التي لم تستطع أن تحمي نفسها، وذلك الفرعون الذي ادعى أنه إله يستطع أن يضمن لنفسه البقاء. وشاء الله سبحانه أن تبقى آثار هذه الحضارة ليشاهدها الناس جميعاً، ثم يروا أن الله عز وجل قد أهلك أصحابها وأصبحوا أثراً بعد عين؛ ليعرفوا أن القوة لله جميعاً، وأن الألوهية لله وحده، وأن كل شيء هالك إلا الله؛ لذلك ذكرت حضارة آل فرعون مخصصة، وهذا الذكر لآثار قوم فرعون من إعجازات القرآن؛ لأنه ذكر هذه الحضارة تخصيصاً ثم جاء الحق بخير الحضارات الأخرى إجمالاً؛ قوم نوح وعاد وإرم وثمود. وكلهم: {كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} وعرفنا أن الآيات تطلق ثلاث إطلاقات: الآيات الكونية التي تثبت وجود الخالق الأعلى مثل قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} تفسير : [فصلت: 37]. وكذلك المعجزات التي يؤتيها الله رسله لإثبات صدق بلاغهم عن الله مثل انشقاق البحر لموسى عليه السلام، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله لعيسى عليه السلام، ثم آيات القرآن الكريم التي هي محكم منهج الله في الأرض. وقول الحق: {كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ}، نعلم منه أنهم أنكروا وجود الخالق، والأصل في الكفر هو الستر، وكفر يعني ستر. ولذلك يسمون الزارع بالمعنى اللغوي: كافر؛ لأنه يحضر الحب ويستره بالتراب، ويسمون الليل لغويا: كافر؛ لأنه يستر الأشياء. والشاعر يقول: شعر : لي فيك أجر مجاهد إن صح أن الليل كافر تفسير : ومعنى "كفروا" أي ستروا وجود الله تعالى، إذن فالله عز وجل موجود ثابت الوجود قبل أن يستروه بالكفر؛ لأن الإيمان أصل في وجود الخلق، والخلق قد وجدوا على الإيمان، ثم جاء أناس ستروا هذا الإيمان. إذن فكلمة الكفر التي معناها الستر دليل من أدلة الإيمان، وإلا لو لم يكن الله موجوداً فكيف يسترون ما ليس له وجود؟، فإذا قال لك أحد: إنه كفر - والعياذ بالله - تقول: الكفر هو الستر؛ فماذا سترت؟ لا بد أنك سترت ما هو موجود، وقول الحق سبحانه وتعالى: {كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي كفروا بآياته الكونية فلم يؤمنوا رغم الآيات الظاهرة التي تملأ الكون، وكفروا بآيات الرسل فكذبوا رسلهم رغم أنهم جاءوهم بمعجزات تخرق قوانين الحياة، ولم يصدقوا آيات الكتاب التي أنزلت من السماء لتبين لهم منهج الله تعالى: وقوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [الأنفال: 52]. إيجاز معبر يذكر لك لماذا أخذهم الله بذنوبهم: {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 52]. والأخذ في قوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ} كان بسبب ما ارتكبوه من ذنوب وإفساد في الأرض. والإنسان حين يجد سوءاً يحيط به وعذاباً أليماً يأتيه فهو يحاول أن يفّر منه، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى: {أية : أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 42]. أي أن قدرة الله تعالى تمسك الكافر مسكة محكمة فلا يستطيع فرارا أو هروبا. وقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 52]. أي أن الله أقوى من كل ما تصنعون في كونه، وعقابه تعالى شديد وأليم. ونعلم أن العقاب لا يعم الناس إلا بقدر ذنوبهم، فليس معنى أن الله شديد العقاب أن تصيب شدة العذاب مَنْ فعل ذنباً بسيطاً، ولكنْ لكلٍ جزاؤه على قدر ذنبه؛ وهذا العقاب مهما كان بسيطاً فهو شديد أليم، وقول الحق سبحانه وتعالى: {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} هذا القول لا يدخل في الجبرية التي يقول عنها الشاعر: شعر : ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء تفسير : ويخطىء من يظن أن الله قد كتب جبرا على إنسان أن يكون كافراً ثم يلقى به في نار جهنم، لا؛ لأن مثل هذا الأمر يتنافى مع عدالة الله سبحانه وتعالى، فأنت أيها الإنسان مخير بين الطاعة وبين المعصية، بين الإيمان وبين الكفر. وعلى هذا نفهم قول الحق: {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} [الأنفال: 52]. أي بسبب ذنوبهم، وما دام الحق تبارك وتعالى قد توعدهم بعقاب شديد فهذا دليل على شدة ظلمهم. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى الحيثية لذلك فيقول تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ...}
الأندلسي
تفسير : {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} تقدم الكلام عليه في آل عمران. {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً} الآية، ذلك مبتدأ، وخبره بأن الله لم يك، أي ذلك العذاب والانتقام بسبب كذا. وظاهر النعمة أنه يراد بها ما يكون فيه من سعة الحال والرفاعية والعزة والأمن والخصب وكثرة الأولاد. {حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} حتى هنا للغاية. المعنى إلى أن يغيروا وما موصولة بمعنى الذي، وبأنفسهم صلته، والباء ظرفية أي في أنفسهم من تبديل شكر الله تعالى بكفران النعمة. {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} الدأب العادة وهذه الجملة تأكيد للجملة السابقة. {وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} حمل على معنى كل فجمع الضمير في كانوا لأجل الفواصل ولم يحمل على لفظه كما حمل في قوله: {أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} تفسير : [الإسراء: 84]، فأفرد الضمير وكما أفرده في قوله: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} تفسير : [العنكبوت: 40]. قال الزمخشري: وكلهم من غرقى القبط وقتلى قريش كانوا ظالمين أنفسهم بالكفر والمعاصي. "انتهى". لا يظهر تخصيص الزمخشري كلا لغرقى القبط وقتلى قريش إذ الضمير في كذبوا وفي أهلكناهم لا يختص بهما فالذي يظهر عموم المشبّه به وهم آل فرعون والذين من قبلهم. {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} نزلت في بني قريظة منهم كعب بن الأشرف وأصحابه عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يمالؤا عليه فنكثوا بأن أعانوا مشركي مكة بالسلاح وقالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم فنكثوا ومالؤا معهم يوم الخندق، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة مخالفهم. {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} إخبار منه تعالى أنهم لا يؤمنون فلا يمكن أن يقع منهم إيمان. قال ابن عباس: شر الناس الكفار وشر الكفار منهم المصرون وشر المصرين الناكثون للعهود، فأخبر تعالى أنهم جامعون لأنواع الشر. {ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ} بدل من الذين كفروا. {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ} أي فاما تظفر بهم وثم محذوف تقديره فاقتلهم لأن التشريد لا يتسبب عن الظفر فقط بل عن الظفر والقتل والتشريد التطريد والابعاد. {مَّنْ خَلْفَهُمْ} أي من الكفار. وقرأ الأعمش بخلاف عنه فشرذ بالذال المعجمة وكذا في مصحف عبد الله. قالوا: ولم تحفظ هذه المادة في لغة العرب. وقيل: الذال بدل من الدال كما قالوا لحم خراديل وخراذيل. {وَإِمَّا تَخَافَنَّ} الظاهر أن هذا استئناف كلام أخبره تعالى بما يصنع في المستقبل مع من يخاف منه خيانة. وقوله: {مِن قَوْمٍ} يدل على أنهم ليسوا الذين تقدم ذكرهم إذ لو كانوا إياهم لكان التركيب واما تخافن منهم، أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إذا أحس من أهل عهد ما ذكرنا وخاف خيانتهم أن يلقى إليهم عهدهم وهو النبذ ومفعول فانبذ محذوف التقدير فانبذ إليهم عهدهم أي ارمه واطرحه. وفي قوله: فانبذ، عدم اكتراث به كقوله: {أية : فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 187]. ومعنى على سواء على طريق مستو قصد، وذلك أن يظهر لهم نبذ العهد ويخبرهم إخباراً مكشوفاً بينا انك قطعت ما بينك وبينهم. {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ} قال الزهري: نزلت فيمن أفلت من الكفار يوم بدر، فالمعنى لا تظنهم ناجين مفلتين لا يعجزون طالبهم بل لا بد من أخذهم الدنيا. وقرىء: ولا يحسبن بياء الغيبة، والفاعل ضمير يعود على الرسول أو على السامع، والمفعول الأول الذين، والثاني سبقوا. وقال الزمخشري: وليست هذه القراءة التي تفرد بها حمزة بنيرة يشير إلى قراءته ولا يحسبن الذين كفروا بياء الغيبة. "انتهى". لم ينفرد بها حمزة كما ذكر بل قرأ بها ابن عامر وهو من العرب الذين سبقوا اللحن. وقرأ على عليّ وعثمان وحفص عن عاصم وأبو جعفر يزيد بن القعقاع وأبو عبد الرحمن وابن محيصن وعيسى والأعمش وكان الزمخشري توهم أن الفاعل الذين فما استنارت له. وقرىء: تحسبن بتاء الخطاب والمفعول الأول الذين كفروا، والثاني سبقوا. وقرىء: انهم بكسر الهمزة. واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم هذه القراءة ولا استبعاد فيها لأنها تعليل للنهي أي لا تحسبنهم فائتين لأنهم لا يعجزون، أي لا يقع منك حسبان لقوتهم لأنهم لا يعجزون. وقرىء: انهم بفتح الهمزة وهو تعليل للنهي أي لأنهم لا يعجزون من طلبهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):