Verse. 1211 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ اَيْدِيْكُمْ وَاَنَّ اللہَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيْدِ۝۵۱ۙ
Thalika bima qaddamat aydeekum waanna Allaha laysa bithallamin lilAAabeedi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» التعذيب «بما قدَّمت أيديكم» عبَّر بها دون غيرها لأن أكثر الأفعال تزاول بها «وأن الله ليس بظلام» أي بذي ظلم «للعبيد» فيعذِّبهم بغير ذنب.

51

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } التعذيب {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } عبَّر بها دون غيرها لأن أكثر الأفعال تزاول بها {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ } أي بذي ظلم {لّلْعَبِيدِ } فيعذبهم بغير ذنب.

الخازن

تفسير : {ذلك} يعني الذي نزل بكم من القتل والضرب والحريق {بما قدمت أيديكم} يعني إنما حصل لكم ذلك بسبب ما كسبت أيديكم من الكفر والمعاصي. فإن قلت: اليد ليست محلاً للكفر وإنما محله القلب لأن الكفر اعتقاد والاعتقاد محله القلب وظاهر الآية يقتضي أن فاعل هذا الكفر هي اليد وذلك ممتنع. قلت: اليد هنا عبارة عن القدرة لأن اليد آلة العمل والقدرة هي المؤثرة في العمل فاليد كناية عن القدرة. قوله تعالى: {وأن الله ليس بظلام للعبيد} يعني أنه سبحانه وتعالى لا يعذر أحداً من خلقه إلا بجرم اجترمه لأنه لا يظلم أحداً من خلقه وإنما نفى الظلم عن نفسه مع أنه يعذب الكافر على كفره والعاصي على عصيانه لأنه يتصرف في ملكه كيف شاء ومن كان كذلك استحال نسبة الظلم إليه فلا يتوهم متوهم أنه سبحانه وتعالى مع خلقه كفر الكافر وتعذيبه عليه ظالم فلهذا قال الله سبحانه وتعالى وأن الله ليس بظلام للعبيد لأنهم في ملكه وتحت قدرته فهو يتصرف فيهم كيف يشاء. قوله تعالى: {كدأب آل فرعون} يعني أن عادة هؤلاء الكفار في كفرهم كعادة آل فرعون في كفرهم فجوزي هؤلاء بالقتل والأسر يوم بدر كما جوزي آل فرعون بالإغراق وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل يقال فلان يدأب في كذا وكذا يداوم عليه ويتعب نفسه فيه ثم سميت العادة دأباً لأن الإنسان يداوم على عادته ويواظب عليها. قال ابن عباس: معناه أن آل فرعون أيقنوا أن موسى عليه السلام نبي من الله تعالى فكذبوه فكذلك هؤلاء لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق كذبوه فأنزل الله بهم عقوبته كما أنزل بآل فرعون {والذين من قبلهم} يعني من قبل آل فرعون {كفروا بآيات الله} يعني أن عادة الأمم السالفة هو كفرهم بآيات الله {فأخذهم الله بذنوبهم} يعني بسبب كفرهم وذنوبهم {إن الله قوي} يعني في أخذه وانتقامه ممن كفر به وكذب رسله {شديد العقاب} يعني لمن كفر به وكذب رسله {ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} يعني: أن الله سبحانه وتعالى أنعم على أهل مكة بأن أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف وبعث إليهم محمداً صلى الله عليه وسلم فقابلوا هذه النعمة بأن تركوا شكرها وكذبوا رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وغيَّروا ما بأنفسهم فسلبهم الله سبحانه وتعالى النعمة وأخذهم بالعقاب قال السدي: نعمة الله هو محمد صلى الله عليه وسلم أنعم به على قريش فكفروا به وكذبوه فنقله الله تعالى إلى الأنصار {وأن الله سميع} يعني لأقوال خلقه لا يخفى عليه شيء من كلامهم {عليم} يعني بما في صدورهم من خير وشر، فيجازي كل واحد على عمله {كدأب آل فرعون} يعني أن هؤلاء الكفار الذين قتلوا يوم بدر غيروا نعمة الله عليهم كصنيع آل فرعون {والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم} يعني: أهلكنا بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالحجارة وبعضهم بالريح وبعضهم بالمسخ فكذلك أهكلنا كفار قريش بالسيف {وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين} يعني الأولين والآخرين، فإن قلت ما الفائدة في تكرير هذه الآية مرة ثانية؟. قلت: فيها فوائد منها الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول لأن الآية الأولى فيها ذكر أخذهم، وفي الآية الثانية ذكر إغراقهم، فهذه تفسير للأولى. الفائدة الثانية: أنه ذكر في الآية الأولى أنهم كفروا بآيات الله وفي الآية الثانية أنهم كذبوا بآيات ربهم ففي الآية الأولى إشارة إلى أنهم أنكروا آيات الله وجحدوها، وفي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها وكفرهم بها. الفائدة الثالثة: أن تكرير هذه القصة للتأكيد وفي قوله {كذبوا بآيات ربهم} زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذنوب.

القشيري

تفسير : يُعرِّفهم أنَّ ما أصابهم مِنْ شِدَّةِ الوَطْأَةِ جَزَاءٌ لهم على ما أسلفوه من قبيح الزَّلةَ، كما قيل: شعر : سَـنَنْتَ فينــا ســننـا قذف البلايا عُقْبَه يصير على أهوالها مَنْ بَرَّ يوم ربَّه تفسير : {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي كيفما يعاملهم في السَّراء والضرَّاء فذلك منه حَسَن وعَدْلٌ، إذ المُلْكُ مُلْكُه، والخلْقُ خَلْقُه، والحكمْ حُكْمُه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} المذكور من الضرب والعذاب واقع {بما قدمت أيديكم} اى بسبب ما كسبتم من الكفر والمعاصى فاليد عبارة عن النفس الدراكة عبر عنها باسم اغلب آلاتها فى اكتساب الافعال {وان الله ليس بظلام للعبيد} محله الرفع على انه خبر مبتدأ محذوف والجملة اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبلها اى والامر انه تعالى ليس بمعذب لعبيده ذنب من قبلهم فلا يجازى اهل الايمان بجهنم وعذابها وانما يجازى اهل الكفر والنفاق والارتداد بظلمهم على انفسهم وسر التعبير عن نفى التعذيب بنفى الظلم مع ان تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم قطعا عند اهل السنة فضلا عن كونه ظلما بالغا قد مر فى سورة آل عمران. فان قلت ظلام اخص من ظالم لانه للمبالغة المقتضية للتكثير ولا يلزم من نفى الاخص نفى الاعم. قلت المراد بكثرة الظلم كثرته باعتبار كثرة متعلقة فان لفظ العبيد يدل على الكثرة فيكون ما اصابهم من الظلم كثيرا نظرا الى كثرتهم فالمنفى عن كل واحد منهم اصل الظلم. فالمعنى انه تعالى لا يظلم احدا من عبيده وايضا اذا نفى الظلم الكثير انتفى القليل لان الذى يظلم للانتفاع بالظلم فاذا تركه كثيره مع زيادة نفعه فى حق من يجوز عليه النفع والضر كان لقليله مع قلة نفعه اترك. وايضا ان الظلام للنسبة كما فى بزاز وعطار اى لا ينسب اليه ظلم البتة

الطوسي

تفسير : قوله {ذلك} إشارة من الملائكة للكفار إلى ما تقدم ذكره من قولهم {ذوقوا عذاب الحريق} قالوا ذلك العذاب {بما قدمت أيديكم} وموضع {بما قدمت أيديكم} يحتمل وجهين من الاعراب: أحدهما - الرفع بأنه خبر ذلك. والثاني - النصب بأنه متصل بمحذوف، وتقديره ذلك جزاؤكم {بما قدمت أيديكم} وإنما قيل بما قدمت أيديكم مع أن اليد لا تعمل شيئاً لتبين أنه بمنزلة ما يعمل باليد في الجناية، ولذلك لم يذكر القلوب، وإن كان بها معتمد العصيان، لانه قصد إظهار ما يقع به الجنايات في غالب الأمر وتعارف الناس. والتقديم ترتيب الشيء أولا قبل غيره: قدمه تقديماً وتقدم تقدما واستقدم استقداماً وتقادم عهده تقادماً واقدم على الأمر إقداما. وقوله: {إن الله ليس بظلام للعبيد} العامل في "ان" يحتمل شيئين: احدهما - أن يكون موضعه نصباً بتقدير وبأن الله او خفضاً على الخلاف فيه. والثاني - ان يكون رفعاً بمعنى وذلك ان الله كما تقول ذلك هذا. وإنما نفى المبالغة في الظلم عنه تعالى دون نفي الظلم رأساً، لأنه جاء على جواب من اضاف اليه فعل جميع الظلم، ولأن ما ينزل بالكفار لولم يكن باستحقاق لكان ظلماً عظيماً، ولكان فاعله ظلاماً.

الجنابذي

تفسير : {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} من قول الله او الملائكة {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} عطف على ما قدّمت والمقصود نفى سببيّة ظلمه تعالى وحقّ العبارة حينئذٍ ان يقول لا بانّ الله ظلاّم للعبيد لكنّها لمّا كانت موهمةً لنسبة الظّلم اليه تعالى ونفى سببيّته للعقوبة ادّاه بصورة نفى الظّلم وسببيّة النّفى للعقوبة فانّه كثيراً ما يؤتى باداة التّسبيب ويراد نفى السبّبية كما يقال: فلان بنفسه يفعل كذا ويراد لا بسببٍ فهو نفى لنسبة الظّلم اليه تعالى صريحاً وبسبيّة الظّلم فحوىً لا انّه بيان لسببيّة عدم الظّلم خصوصاً على قاعدة انّ الاعدام لا سبيّة لها لشيءٍ وما يقال: عدم الشّرط سبب لعدم المشروط فهو بالمقايسة الى الملكات، والظّلاّم من صيغ النسب كتمّارٍ لا من صيغ المبالغة.

اطفيش

تفسير : {ذَلكَ} المذكور من الضرب والعقاب مبتدأ خبره {بمَا} بسبب ما {قَدَّمت أيدِيكُم} من الكفر والمعاصى، وذلك من كلام الملائكة فى أحد الأوقات المذكورة، أو من كلام الله سبحانه، والمراد بما كسبتم بقلوبكم وجوارحكم، وعبر عن ذلك باليد، لأن غالب الأعمال فى الجملة بها، أو المراد بالأيدى القوة. {وأنَّ اللهَ لَيسَ بظلاَّم للعَبيدِ} عطف على ما، أى وبأن الله للدلالة على أن كون ما قدمت أيديهم سببا للضرب، والعذاب إنما هو لكونه لا يظلم، ولو كان يظلم حاشاه لأمكن أن يعذبهم وتضربهم ملائكته بغير ما قدمت أيديهم، ولا يترتب على كونه يظلم حاشاه أن لا يعذبهم بما قدمت أيديهم، ولا تضربهم ملائكته، فإن ترك عقاب المسئ ليس ظلما شرعا ولا عقلا، فضلا عن أن يكون نفى الظلم سببا للعقاب، ولو كان ترك عقاب المسئ فى حق الله خروجا عن الحكمة، والعدل، فإن عقاب المسئ عدل، كما أن إثابة المحسن عدل، وثوابه وعقابه إنما هما على اختيار المكلف وتناوله، لا على مجرد الخير والشر، فإنه خالقهما والإلزام أن يكون يظلم حاشاه. والمبالغة فى ظلام ترجع للنفى فيما يقال، أو ظلام للنسب، أى ليس بذى ظلم، أو للمبالغة باعتبار كثرة العبيد، أو باعتبار عظم الذنب من حيث إنه لولا الاستحقاق لكان المعذب بالعبيد الكثير، أو المعذب بذلك العذاب العظيم بليغا فى الظلم، ويصح أن يكون ذلك خبرا لمحذوف هكذا، والحكم أن الله الخ.

اطفيش

تفسير : {ذلِكَ} العذاب أَو الضرب أَو ما ذكر منهما معا، وإِشارة البعد للتعظيم {بِمَا قَدَّمَتْ} كسبت قبل هذا فى الدنيا {أَيْدِيكُمْ} أَى بما قدمتم، لكن نسب التقديم للأَيدى لأَن أَكثر الأَعمال بها، وذلك تعبير بالجزءِ عن الكل {وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} هنا انتهى كلام الملائكة والعطف على ما، كأَنه قيل: ذلك بما قدمت أَيديكم وبانتفاءِ ظلم الله عباده، ولولا انتفاؤه لأَمكن أَن يعذبهم بما لم يقدموه، وكأَنه قيل: ما ساغ تعذيبكم إِلا بما قدمتم وأَما أَن يعذبكم بدونه فلا، واقتضت حكمته أَلا يهمل العاصى إِلا بالتوبة، ولا حرام على الله، ولا واجب على الله، وهلكت المعتزلة بقولهم يجب على الله الأَصلح، ولنفى الظلم معنيان: إِثابة المحسن، وعدم التعذيب بلا ذنب، وكل منهما عدل فلا منافاة كما ادعى بعض أَن ما هنا يخالف ما فى آل عمران من أَن سببية للعذاب من حيث إِن نفى الظلم يستلزم العدل المقتضى إِثابة المحسن وعقاب المسئ، وأَما جعله هناك سببا وهنا قيدا للسبب فوجهه أَن التسبب الوسيلة المحضة اعتبرت سببا مستقلا، أَو فيدل للسبب، وظلاَّم للنسب، أَى ليس بذى ظلم فلا يوهم أَن له ظلما قليلا، وكذا إِن قلنا أَنه للمبالغة بكثرة الأَفراد، إِذ لو كان له أَصل الظلم ولو بلا كثرة ظلم لكان ظلمه كثيراً لكثرة عباده الذين يظلمهم، حاشاه، فنفى أَصل الظلم عن نفسه ونفى أَن يصل ظلم منه عبدا ما من عبيده وما صدقه مبالغة كأَنه قيل: انتفى الظلم عنه انتفاء بليغا.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ} أي الضرب والعذاب اللذان هما هما وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} والباء للسببية، وتقديم الأيدي مجاز عن الكسب والفعل، أي ذلك واقع بسبب ما كسبتم من الكفر والمعاصي، وقوله سبحانه: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ} قيل خبر مبتدأ محذوف، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها، أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده من غير ذنب من قبلهم، والتعبير عن ذلك بنفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم قطعاً على ما تقرر من قاعدة أهل السنة فضلاً عن كونه ظلماً بالغاً لبيان كمال نزاهته تعالى بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى من الظلم. وقال البيضاوي بيض الله غرة أحواله: هو عطف على {مَا} للدلالة على أن سببيته مقيدة بانضمامه إليه إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنوبهم لا أن لا يعذبهم بذنوبهم، فإن ترك التعذيب من مستحقه ليس بظلم شرعاً ولا عقلاً / حتى ينتهض نفي الظلم سبباً للتعذيب وأراد بذلك الرد على الزمخشري عامله الله تعالى بعدله حيث جعل كلاً من الأمرين سبباً بناءً على مذهبه في وجوب الأصلح، فقوله: لا أن لا يعذبهم عطف على أن يعذبهم والمعنى أن سبب هذا القيد دفع احتمال أن يعذبهم بغير ذنوبهم لا احتمال أن لا يعذبهم بذنوبهم فإنه أمر حسن، وقوله للدلالة الخ على معنى أن تعينه للسببية إنما يحصل بهذا القيد إذ بإمكان تعذيبهم بغير ذنب يحتمل أن يكون سبب التعذيب إرادة العذاب بلا ذنب، فحاصل معنى الآية أن عذابكم هذا إنما نشأ من ذنوبكم لا من شيء آخر. فلا يرد عليه ما قيل: كون تعذيب الله تعالى للعباد بغير ذنب ظلماً لا يوافق مذهب الجماعة، وما قيل: إن هذا يخالف ما في آل عمران [182] من أن سببيته للعذاب من حيث أن نفي الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ومعاقبة المسىء مدفوع بأن لنفي الظلم معنيين: أحدهما ما ذكر من إثابة المحسن إلخ، والآخر عدم التعذيب بلا ذنب وكل منهما يؤول إلى معنى العدل فلا تدافع بين كلاميه. وأما جعله هناك سبباً وهنا قيداً للسبب فلا يوجب التدافع أيضاً فإن المراد كما ذكرنا فيما قبل بالسبب الوسيلة المحضة وهو وسيلة سواء اعتبر سبباً مستقلاً أو قيداً للسبب. ولمولانا شيخ الإسلام في هذا المقام كلام لا يخفى عليك رده بعد الوقوف على ما ذكرنا. وقد تقدم لك بسط الكلام فيه. ومن الناس من بين قول القاضي: للدلالة الخ بقوله يريد أن سببية الذنوب للعذاب تتوقف على انتفاء الظلم منه تعالى فإنه لو جاز صدوره عنه سبحانه لأمكن أن يعذب عبيده بغير ذنوبهم. فلا يصلح أن يكون الذنب سبباً للعذاب لا في هذه الصورة ولا في غيرها؛ ثم قال: فإن قلت: لا يلزم من هذا إلا نفي انحصار السبب للعذاب في الذنوب لا نفي سببيتها له والكلام فيه إذ يجوز أن يقع العذاب في الصورة المفروضة بسبب غير الذنوب، ولا ينافي هذا كونها سبباً له في غير هذه الصورة كما في أهل بدر فلا يتم التقريب. قلت: السبب المفروض في الصورة المذكورة إن أوجب استحقاق العذاب يكون ذنباً لا محالة. والمفروض خلافه وإن لم يوجب فلا يتصور أن يكون سبباً إذ لا معنى لكون شيء سبباً إلا كونه مقتضياً لاستحقاقه له فإذا انتفى هذا ينتفي ذلك، وبالجملة فمآل كون التعذيب من غير ذنب إلى كونه بدون السبب لانحصار السبب فيه انتهى. ورد بأن قوله: وإن لم يوجب فلا يتصور أن يكون سبباً ممنوع فإن السبب الموجب ما يكون مؤثراً في حصول شيء سواء كان عن استحقاق أو لم يكن، ألا يرى أن الضرب بظلم والقتل كذلك سببان للإيلام والموت مع أنهما ليسا عن استحقاق، فاعتراض السائل واقع موقعه ولا يمكن التقصي عنه إلا بما قرر سابقاً من معنى الآية، فإن المقام مقام تعيين السببية وتخصيصها للذنوب وذلك لا يحصل إلا بنفي صدور العذاب بلا ذنب منه سبحانه وتعالى، ومن هنا علم أن قوله: وبالجملة الخ ليس بسديد فإن مبناه كون الاستحقاق شرطاً للسببية وقد مر ما فيه مع ما فيه من المخالفة لكلام الأجلة من كون نفي الظلم سبباً آخر للتعذيب لأن سببية نفي الظلم موقوفة على إمكان إرادة التعذيب بلا ذنب وكونها سبباً للعذاب فكيف يكون مآل كون التعذيب بلا ذنب إلى كونه بدون السبب فتأمل فالمقام معترك الأفهام، ثم إن المراد في الآية نفي نفس الظلم وإنما كثر توزيعاً على الآحاد كأنه قيل: ليس بظالم لفلان ولا بظالم لفلان وهكذا فلما جمع هؤلاء عدل إلى ظلام لذلك، وجوز أن يكون إشارة إلى عظم العذاب على سبيل الكناية وذلك لأن الفعل يدل بظاهره على غاية الظلم إذا لم يتعلق بمستحقه فإذا صدر ممن هو أعدل العادلين دل على أنه استحق أشد العذاب لأنه أشد المسيئين. قال في «الكشف»: وهذا أوفق للطائف / كلام الله تعالى المجيد، وفيه وجوه أخر مر لك بعضها.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِظَلاَّمٍ} (51) - وَيُتَابِعُ المَلاَئِكَةُ حَدِيثَهُمْ مَعَ الكُفَّارِ وَهُمْ يَقْبِضُونَ أَرْوَاحَهُمْ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: إنَّ هذا العَذَابَ الذِي يَنْزِلُ بِكُمْ إنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، وَمَا عَمِلْتُمْ مِنْ سَيِّئَاتٍ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيا، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ الحَكَمُ العَدْلُ الذِي لاَ يَجُورُ أبَداً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نحن نعلم أن معظم أعمال الإنسان يزاولها بيده، وقد يفعل أشياء بقدميه أو بلسانه؛ لكن معظم الأعمال تتم باليد؛ لأن اليد تحمل القدرة على الفعل. فسبحانه لم يفتئت عليهم. و"ذلك" إشارة إلى الضرب والعذاب الذي ينالونه جزاء ما قدمت أيديهم. ويقول سبحانه وتعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [الأنفال: 51]. أي أن العذاب الذي يصيب الكفار يكون نتيجة أمرين؛ ما قدمت أيديهم أي بما كسبت من الآثام والمعاصي، وعدل الله سبحانه وتعالى. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ * ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [آل عمران: 181-182]. ويقول سبحانه وتعالى في سورة الحج: {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ} تفسير : [الحج: 10]. وهكذا نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد قال: إنه ليس بظلام للعبيد ثلاث مرات في القرآن الكريم، والذين يحبون أن يستدركوا على كتاب الله يقولون: إنَّه جاء في القرآن أكثر من مرة أنه سبحانه وتعالى ليس بظلام للعبيد. فهل هذا يعني أن الله - معاذ الله - ظالم؟. ونقول: لا، فسبحانه ينفي الظلم عن نفسه على إطلاقه. والإنسان حين يظلم فهو ظالم، فإذا اشتد ظلمه وتعدد، يقال: "ظلاَّم". إذن فهذه صيغة مبالغة في الظلم، مثلما تقول: فلان "آكل" وفلان "أكّال" أي كثير الأكل مبالغة في تناول الطعام. وتقول: فلان "ناجر" أي أمسك قطعة خشب بدون خبرة وصنع منها شيئاً. ولكنك إذا قلت: "نجَّار" كانت هذه صيغة مبالغة تبين إاتقانه في صنعته، كذلك "خائط" و"خيَّاط"، ونقول: فلان "جازر" أي يستطيع أن يذبح، فإذا قلت: "جزَّار" أي عمله هو أن يذبح بإتقان. إذن "فعَّال" صيغة مبالغة في الفعل. وصيغ المبالغة لها حالتان، حالة إثبات وحالة نفي. فأنت حين تقول: فلان "أكّال" أثبت له صفة المبالغة في الأكل - أي كثرة الأكل، ومن باب أولى صفة الأكل مطلقاً، وما دمت قد أثبت له الصفة الأعلى تكون الصفة الأدنى ثابتة، فإذا قلت: إن فلاناً "خياط" أثبت له أنه يعرف الخياطة ويجيدها. وإن قلت: إنه "نجَّار" أثبت له أنه ناجر متقن للنجارة، أما من ناحية النفي فإذا قلت: إن فلاناً ليس أكَّالاً تنفي المبالغة ولكنها لا تنفي أنه يأكل، فإذا قلت: إن فلاناً ليس نجاراً نفيت عنه إتقانه للنجارة ولكنك لا تنفي عنه أنه قد يكون ناجراً، وإذا قلت: إن فلاناً ليس علاّمة فقد يكون عالماً. وأنت عندما تثبت الأعلى تثبت الأدنى، وعندما تنفي الأعلى لا تنفي الأدنى. وعندما تقول: إن فلاناً ليس ظلاَّماً، تكون قد نفيت الأعلى. ولكن لا يلزم نفي الأدنى فقد يكون ظالماً فقط وليس ظلاَّما. إذن فكلمة "ليس ظّلاماً" نفت المبالغة فقط ولكنها لم تنف الظلم. وهذا ما قاله المستشرقون: إن آيات القرآن يناقض بعضها بعضاً، ففي آية مثلاً يقول: {لَيْسَ بِظَلاَّمٍ} فنفي الأعلى ولا يلزم من نفي الأعلى نفي الأدنى. ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} تفسير : [النساء: 40]. فنفي الأدنى والأعلى. وهذا في رأيهم تضارب. نقول: هل إذا نفي الأعلى يلزم أن يثبت الأدنى؟ طبعاً لا، إن نفي الأعلى لا يمنع أن يوجد الأدنى ولكنه لا يلزم بوجوده. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: نفي مبدأ الظلم، وقوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [الأنفال: 51]. نفي مبدأ المبالغة، والقرآن يكمل بعضه بعضاً، فإذا قيل: إن الله نفى الأعلى وهذا إثبات للأدنى نقول: إن نفي الأعلى لا يلزم منه إثبات الأدنى ولا يمنع من وجود الأدنى، فإذا جاءت آية أخرى ونفت الأدنى، إذن فلا هو بظلاَّم ولا هو بظالم. ولا بد أن نلتفت إلى الإعجاز القرآني في الأسلوب، فالمتكلم هو الله. نقول: هل قال الله سبحانه وتعالى: ليس بظلاَّم للعبد أم ليس بظلاَّم للعبيد؟ لقد قال الحق: {لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} وهي هنا صيغة مبالغة، والمبالغة مرة تكون في قوة الحدث وإن لم يتكرر، ومرة تكون في المبالغة في تكرار الحدث، والإنسان حين يظلم ظلماً بيّناً مبالغاً فيه يقال عنه: إنه ظلاَّم؛ لأنه بالغ في الظلم، فإذا لم يبالغ في الظلم وكان ظلماً بسيطاً ولكنه شمل عدداً كبيراً من الناس يكون ظلاَّما نظراً لتعدد المظلومين. وما دام الحق سبحانه وتعالى قال: {لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}؛ ولم يقل: ليس بظلاَّم للعبد، وبما أن الظلم يتناسب مع القدرة. نجد مثلاً قدرة الحاكم على الظلم أكبر من قدرة محدود النفوذ؛ وهذه أكبر من قدرة الشخص العادي، فلو كان الله سبحانه وتعالى مع كل واحد من عباده ظالماً ولو مثقال ذرة لقيل: ظلاَّم. وقد أراد الله سبحانه وتعالى بهذه الآية الكريمة أن يخبرنا أنه لا يظلم أحداً ولو مثقال ذرة، إذن فهو ليس بظلاَّم للعبيد؛ لأنه لو ظلم كل عبد من عباده ذرة لكانت كمية الظلم هائلة لكثرة العباد. ولكن حتى هذه الذرة من الظلم لا تحدث من الله سبحانه؛ لأن الله ليس بظلاَّم للعبيد. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى أمثلة قمة الكفر في الحياة الدنيا فيقول تبارك وتعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ...}