٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
50
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار شرح أحوال موتهم، والعذاب الذي يصل إليهم في ذلك الوقت، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحده {إِذْ } بالتاء على تأنيث لفظ الملائكة والجمع، والباقون بالياء على المعنى. المسألة الثانية: جواب {عَلَيْهِمْ لَوْ } محذوف. والتقدير: لرأيت منظراً هائلاً، وأمراً فظيعاً، وعذاباً شديداً. المسألة الثالثة: {وَلَوْ تَرَى } ولو عاينت وشاهدت، لأن لو ترد المضارع إلى الماضي كما ترد إن الماضي إلى المضارع. المسألة الرابعة: الملائكة رفعها بالفعل، ويضربون حال منهم، ويجوز أن يكون في قوله: {يَتَوَفَّى } ضمير لله تعالى، والملائكة مرفوعة بالابتداء، ويضربون خبر. المسألة الخامسة: قال الواحدي: معنى يتوفى الذين كفروا يقبضون أرواحهم على استيفائها وهذا يدل على أن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد، وأنه هو الروح فقط؛ لأن قوله: {يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } يدل على أنه استوفى الذات الكافرة، وذلك يدل على أن الذات الكافرة هي التي استوفيت من هذا الجسد، وهذا برهان ظاهر على أن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد، وقوله: {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ } قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم، فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت نزع الروح، وأقول فيه معنى آخر ألطف منه، وهو أن روح الكافر إذا خرج من جسده فهو معرض عن عالم الدنيا مقبل على الآخرة، وهو لكفره لا يشاهد في عالم الآخرة إلا الظلمات، وهو لشدة حبه للجسمانيات، ومفارقته لها لا ينال من مباعدته عنها إلا الآلام والحسرات، فسبب مفارقته لعالم الدنيا تحصل له الآلام بعد الآلام والحسرات، وبسبب إقباله على الآخرة مع عدم النور والمعرفة، ينتقل من ظلمات إلى ظلمات، فهاتان الجهتان هما المراد من قوله: {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ }. ثم قال تعالى: {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } وفيه إضمار، والتقدير: ونقول ذوقوا عذاب الحريق ونظيره في القرآن كثير قال تعالى: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا }تفسير : [البقرة: 127] أي ويقولان ربنا، وكذا قوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ عِندَ رَبّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا }تفسير : [السجدة: 12] أي يقولون ربنا. قال ابن عباس: قول الملائكة لهم: {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } إنما صح لأنه كان مع الملائكة مقامع، وكلما ضربوا بها التهبت النار في الأجزاء والأبعاض، فذاك قوله: {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } قال الواحدي: والصحيح أن هذا تقوله الملائكة لهم في الآخرة. وأقول: أما العذاب الجسماني فحق وصدق. وأما الروحاني فحق أيضاً لدلالة العقل عليه، وذلك لأنا بينا أن الجاهل إذا فارق الدنيا حصل له الحزن الشديد بسبب مفارقة الدنيا المحبوبة، والخوف الشديد بسبب تراكم الظلمات عليه في عالم الخوف والحزن. والخوف والحزن كلاهما يوجبان الحرقة الروحانية، والنار الروحانية. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } قيل هذا إخبار عن قول الملائكة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: يجوز أن يقال ذلك مبتدأ، وخبره قوله: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } ويجوز أن يكون محل ذلك نصباً، والتقدير: فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم. المسألة الثانية: المراد من قوله: {ذٰلِكَ } هذا أي هذا العذاب الذي هو عذاب الحريق، حصل بسبب ما قدمت أيديكم، وذكرنا في قوله: {الم * ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } أن معناه هذا الكتاب وهذا المعنى جائز. المسألة الثالثة: ظاهر قوله: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ } يقتضي أن فاعل هذا الفعل هو اليد، وذلك ممتنع من وجوه: أحدها: أن هذا العذاب إنما وصل إليهم بسبب كفرهم، ومحل الكفر هو القلب لا اليد. وثانيها: أن اليد ليست محلاً للمعرفة والعلم، فلا يتوجه التكليف عليها، فلا يمكن إيصا العذاب إليها، فوجب حمل اليد ههنا على القدرة، وسبب هذا المجازان اليد آلة العمل والقدرة هي المؤثرة في العمل، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة. واعلم أن التحقيق أن الإنسان جوهر واحد وهو الفعل وهو الدراك وهو المؤمن وهو الكافر وهو المطيع والعاصي، وهذه الأعضاء آلات له وأدوات له في الفعل فأضيف الفعل في الظاهر إلى الآلة، وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذات الإنسان. المسألة الرابعة: قوله: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } يقتضي أن ذلك العقاب كالأمر المتولد من الفعل الذي صدر عنه، وقد عرفت أن العقاب إنما يتولد من العقائد الباطلة التي يكتبها الإنسان، ومن الملكات الراسخة التي يكتسبها الإنسان، فكان هذا الكلام مطابقاً للمعقول. ثم قال تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في محل أن وجهان: أحدهما: النصب بنزع الخافض يعني بأن الله: والثاني: أنك إن جعلت قوله: {ذٰلِكَ } في موضع رفع جعلت أن في موضع رفع أيضاً، بمعنى وذلك أن الله قال الكسائي ولو كسرت ألف أن على الابتداء كان صواباً، وعلى هذا التقدير: يكون هذا كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: لو كان تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يعذبه عليه لكان ظالماً، وأيضاً قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } يدل على أنه تعالى إنما لم يكن ظالماً بهذا العذاب، لأنه قدم ما استوجب عليه هذا العذاب، وذلك يدل على أنه لو لم يصدر منه ذلك التقديم لكان الله تعالى ظالماً في هذا العذاب، فلو كان الموجد للكفر والمعصية هو الله لا العبد لوجب كون الله ظالماً، وأيضاً تدل هذه الآية على كونه قادراً على الظلم، إذ لو لم يصح منه لما كان في التمدح بنفيه فائدة. واعلم أن هذه المسألة قد سبق ذكرها على الاستقصاء في سورة آل عمران، فلا فائدة في الإعادة. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قيل: أراد من بقي ولم يُقتل يوم بدر. وقيل: هي فيمن قُتل ببدر. وجواب «لو» محذوف، تقديره: لرأيت أمراً عظيماً. {يَضْرِبُونَ} في موضع الحال. {وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} أي أستاههم، كنىٰ عنها بالأدبار؛ قاله مجاهد وسعيد بن جُبير. الحسن: ظهورهم، وقال: حديث : إن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشرَّاك؟ قال: «ذلك ضرب الملائكة»»تفسير : . وقيل: هذا الضرب يكون عند الموت. وقد يكون يوم القيامة حين يصيرون بهم إلى النار. {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} قال الفرّاء: المعنى ويقولون ذوقوا؛ فحذف. وقال الحسن: هذا يوم القيامة، تقول لهم خزنة جهنم: ذوقوا عذاب الحريق. وروي أن في بعض التفاسير أنه كان مع الملائكة مقامعُ من حديد، كلما ضربوا التهبت النار في الجراحات؛ فذلك قوله: {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}. والذوق يكون محسوساً ومعنىً. وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار؛ تقول: اركب هذا الفرس فذقه. وٱنظر فلاناً فذق ما عنده. قال الشمّاخ يصف فرساً:شعر : فذاق فأعطتهُ من اللِّين جانباً كفىٰ ولها أن يُغرقَ السهم حاجزُ تفسير : وأصله من الذوق بالفم. {ذٰلِكَ} في موضع رفع؛ أي الأمر ذلك. أو «ذلك» جزاؤكم. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي اكتسبتم من الآثام. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} إذ قد أوضح السبيل وبعث الرسل، فلم خالفتم؟. «وأنّ» في موضع خفض عطف على «ما» وإن شئت نصبت، بمعنىٰ وبأنّ، وحذفت الباء، أو بمعنىٰ: وذلك أن الله. ويجوز أن يكون في موضع رفع نسقاً على ذلك.
البيضاوي
تفسير : {وَلَوْ تَرَى} ولو رأيت فإن لو تجعل المضارع ماضياً عكس إن. {إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَـئِكَةُ} ببدر، وإذ ظرف ترى والمفعول محذوف أي ولو ترى الكفرة أو حالهم حينئذ، والملائكة فاعل يتوفى ويدل عليه قراءة ابن عامر بالتاء ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الله عز وجل وهو مبتدأ خبره {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ} والجملة حال من الذين كفروا، واستغني فيه بالضمير عن الواو وهو على الأول حال منهم أو من الملائكة أو منهما لاشتماله على الضميرين. {وَأَدْبَـٰرَهُمْ} ظهورهم أو أستاههم، ولعل المراد تعميم الضرب أي يضربون ما أقبل منهم وما أدبر. {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} عطف على يضربون بإضمار القول أي ويقولون ذوقوا بشارة لهم بعذاب الآخرة. وقيل كانت معهم مقامع من حديد كلما ضربوا التهبت النار منها، وجواب {لَوْ} محذوف لتفظيع الأمر وتهويله. {ذٰلِكَ } الضرب والعذاب. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} بسبب ما كسبت من الكفر والمعاصي وهو خبر لذلك. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ} عطف على «ما» للدلالة على أن سببيته بانضمامه إليه إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنوبهم لا أن لا يعذبهم بذنوبهم. فإن ترك التعذيب من مستحقه ليس بظلم شرعاً ولا عقلاً حتى ينتهض نفي الظلم سبباً للتعذيب وظلام التكثير لأجل العبيد. {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ} أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون وهو عملهم وطريقهم الذي دأبوا فيه أي داموا عليه. {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من قبل آل فرعون. {كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } تفسير لدأبهم. {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} كما أخذ هؤلاء. {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لا يغلبه في دفعه شيء. {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما حل بهم. {بِأَنَّ ٱللَّهَ } بسبب أن الله. {لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ} مبدلاً إياها بالنقمة. {حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } يبدلوا ما بهم من الحال إلى حال أسوأ، كتغيير قريش حالهم في صلة الرحم والكف عن تعرض الآيات والرسل بمعادة الرسول عليه الصلاة والسلام ومن تبعه منهم، والسعي في إراقة دمائهم والتكذيب بالآيات والاستهزاء بها إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد المبعث، وليس السبب عدم تغيير الله ما أنعم عليهم حتى يغيروا حالهم بل ما هو المفهوم له وهو جري عادته على تغييره متى يغيروا حالهم، وأصل يك يكون فحذفت الحركة للجزم ثم الواو لالتقاء الساكنين ثم النون لشبهه بالحروف اللينة تخفيفاً. {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لما يقولون. {عَلِيمٌ } بما يفعلون. {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَـٰتِ رَبّهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا ءالَ فِرْعَونَ} تكرير للتأكيد ولما نيط به من الدلالة على كفران النعم بقوله: {بآيَـٰتِ رَبّهِمْ } وبيان ما أخذ به آل فرعون. وقيل الأول لتشبيه الكفر والأخذ به والثاني لتشبيه التغيير في النعمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم. {وَكُلٌّ } من الفرق المكذبة، أو من غرقى القبط وقتلى قريش. {كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ} أنفسهم بالكفر والمعاصي. {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أصروا على الكفر ورسخوا فيه. {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فلا يتوقع منهم إيمان، ولعله إخبار عن قوم مطبوعين على الكفر بأنهم لا يؤمنون، والفاء للعطف والتنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقق المعطوف، وقوله: {ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرَّةٍ } بدل من الذين كفروا بدل البعض للبيان والتخصيص، وهم يهود قريظة عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يمالئوا عليه فأعانوا المشركين بالسلاح وقالوا: نسينا ثم عاهدهم فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم. ومن لتضمين المعاهدة معنى الأخذ والمراد بالمرة مرة المعاهدة أو المحاربة. {وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ} سبة الغدر ومغبته، أو لا يتقون الله فيه أو نصره للمؤمنين وتسليطه إياهم عليهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: ولو عاينت يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار، لرأيت أمراً عظيماً هائلاً فظيعاً منكراً، إذ {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ} ويقولون لهم: {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}، قال ابن جريج: عن مجاهد {أَدْبَـٰرَهُمْ} أستاههم، قال: يوم بدر. قال ابن جريج: قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا، أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم. وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد، في قوله: {إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ} يوم بدر، وقال وكيع: عن سفيان الثوري عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير عن مجاهد، وعن شعبة عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، يضربون وجوههم وأدبارهم، قال: وأستاههم، ولكن الله يَكْني، وكذا قال عمر مولى غُفْرَة. وعن الحسن البصري قال: قال رجل: يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشوك، قال: «حديث : ذاك ضرب الملائكة» تفسير : رواه ابن جرير، وهو مرسل، وهذا السياق وإن كان سببه وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر، بل قال تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ} وفي سورة القتال مثلها، وتقدم في سورة الأنعام قوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنفُسَكُمُ} تفسير : [الأنعام: 93] أي: باسطو أيديهم بالضرب فيهم بأمر ربهم، إذ استصعبت أنفسهم، وامتنعت من الخروج من الأجساد أن تخرج قهراً، وذلك إذ بشروهم بالعذاب والغضب من الله؛ كما في حديث البراء: أن ملك الموت إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة المنكرة، يقول: اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سموم وحميم وظل من يحموم، فتتفرق في بدنه، فيستخرجونها من جسده، كما يخرج السفود من الصوف المبلول، فتخرج معها العروق والعصب، ولهذا أخبر تعالى: أن الملائكة تقول لهم: ذوقوا عذاب الحريق، وقوله تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي: هذا الجزاء بسبب ما عملتم من الأعمال السيئة في حياتكم الدنيا، جازاكم الله بها هذا الجزاء، {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي: لا يظلم أحداً من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور، تبارك وتعالى، وتقدس وتنزه، الغني الحميد، ولهذا جاء في الحديث الصحيح، عند مسلم رحمه الله، من رواية أبي ذر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى يقول: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيراً، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه» تفسير : ولهذا قال تعالى:
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ } يا محمد صلى الله عليه وسلم {إِذْ يَتَوَفَّى } بالياء والتاء {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَٱئِكَةُ يَضْرِبُونَ } حال {وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ } بمقامع من حديد {وَ} يقولون لهم {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } أي النار، وجواب «لو» لرأيت أمراً عظيماً.
الشوكاني
. تفسير : قوله: {وَلَوْ تَرَى } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له كما تقدّم تحقيقه في غير موضع. والمعنى: ولو رأيت، لأن "لو" تقلب المضارع ماضياً، و "إِذْ" ظرف لترى، والمفعول محذوف، أي ولو ترى الكافرين وقت توفي الملائكة لهم. قيل أراد بالذين كفروا من لم يقتل يوم بدر. وقيل: هي فيمن قتل ببدر وجواب "لو" محذوف تقديره لرأيت أمراً عظيماً. وجملة {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ } في محل نصب على الحال، والمراد بأدبارهم أستاههم، كنى عنها بالأدبار. وقيل ظهورهم. قيل هذا الضرب يكون عند الموت كما يفيده ذكر التوفي. وقيل: هو يوم القيامة حين يسيرون بهم إلى النار. قوله: {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } قاله: الفراء، المعنى: ويقولون ذوقوا عذاب الحريق، والجملة معطوفة على يضربون. وقيل: إنه يقول لهم هذه المقالة خزنة جهنم، والذوق قد يكون محسوساً، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، وأصله من الذوق بالضم، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم من الضرب والعذاب والباء في {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } سببية، أي ذلك واقع بسبب ما كسبتم من المعاصي، واقترفتم من الذنوب. وجملة {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي والأمر أنه لا يظلمهم، ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة الواقعة خبراً لقوله: {ذٰلِكَ } وهي: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } أي ذلك العذاب بسبب المعاصي، وبسبب: {أَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } لأنه سبحانه قد أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وأوضح لهم السبيل، وهداهم النجدين كما قال سبحانه: {أية : وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } تفسير : [النحل: 118]. قوله: {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } لما ذكر الله سبحانه ما أنزله بأهل بدر أتبعه بما يدل على أن هذه سنته في فرق الكافرين. والدأب: العادة، والكاف في محل الرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف، أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }، والمعنى: أنه جوزي هؤلاء كما جوزي أولئك، فكانت العادة في عذاب هؤلاء كالعادة الماضية لله في تعذيب طوائف الكفر، وجملة قوله: {كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } مفسرة لدأب آل فرعون، أي دأبهم هذا هو أنهم كفروا بآيات الله، فتسبب عن كفرهم أخذ الله سبحانه لهم، والمراد بذنوبهم: معاصيهم المترتبة على كفرهم، فيكون الباء في {بذنوبهم} للملابسة، أي فأخذهم متلبسين بذنوبهم غير تائبين عنها، وجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } معترضة مقرّرة لمضمون ما قبلها. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى العقاب الذي أنزله الله بهم، وهو مبتدأ وخبره ما بعده، والجملة جارية مجرى التعليل لما حلّ بهم من عذاب الله. والمعنى: أن ذلك العقاب بسبب أن عادة الله في عباده عدم تغيير نعمه التي ينعم بها عليهم {حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } من الأحوال والأخلاق بكفران نعم الله وغمط إحسانه وإهمال أوامره ونواهيه، وذلك كما كان من آل فرعون ومن قبلهم ومن قريش ومن يماثلهم من المشركين، فإن الله فتح لهم أبواب الخيرات في الدنيا ومنّ عليهم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، فقابلوا هذه النعم بالكفر فاستحقوا تغيير النعم، كما غيروا ما كان يجب عليهم سلوكه، والعمل به من شكرها وقبولها، وجملة {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } معطوفة على {بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً } داخلة معها في التعليل، أي ذلك بسبب أن الله لم يك مغيراً، إلخ. وبسبب أن الله سميع عليم يسمع ما يقولونه ويعلم ما يفعلونه. وقرىء بكسر الهمزة على الاستئناف. ثم كرّر ما تقدّم، فقال {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَـٰتِ رَبّهِمْ } لقصد التأكيد مع زيادة أنه كالبيان للأخذ بالذنوب بأنه كان بالإغراق، وقيل: إن الأوّل باعتبار ما فعله آل فرعون ومن شبه بهم، والثاني: باعتبار ما فعل بهم. وقيل: المراد بالأوّل كفرهم بالله، والثاني تكذيبهم الأنبياء. وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تعسف، والكلام في {أَهْلَكْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ } كالكلام المتقدّم في {فأخذهم الله بذنوبهم} {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْن} معطوف على أهلكناهم، عطف الخاص على العام، لفظاعته وكونه من أشدّ أنواع الإهلاك، ثم حكم على كلا الطائفتين من آل فرعون والذين من قبلهم، ومن كفار قريش بالظلم لأنفسهم، بما تسببوا به لعذاب الله من الكفر بالله وآياته ورسله، وبالظلم لغيرهم، كما كان يجري منهم في معاملاتهم للناس بأنواع الظلم. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاَئِكَةُ } قال: الذين قتلهم الله ببدر من المشركين. وأخرج ابن جرير، عن الحسن، قال: قال رجل يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشوك قال: "حديث : ذلك ضرب الملائكة"تفسير : . وهذا مرسل. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَأَدْبَـٰرَهُمْ } قال: وأستاههم، ولكن الله كريم يكنى. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنعمَها عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } قال: نعمة الله: محمد صلى الله عليه وسلم أنعم الله به على قريش فكفروا فنقله الله إلى الأنصار.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وَجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} فيه قولان: أحدهما: يتوفاهم ملك الموت عند قبض أرواحهم، قاله مقاتل. والثاني: قتل الملائكة لهم حين قاتلوهم يوم بدر. {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدبَارَهُمْ} تأويله على القول الأول: يضربون وجوههم يوم القيامة إذا واجهوهم، وأدبارهم إذا ساقوهم إلى النار. وتأويله على القول الثاني يحتمل وجهين: أحدهما: يضربون وجوههم ببدر لما قاتلوا، وأدبارهم لما انهزموا. والثاني: أنهم جاءوهم من أمامهم وورائهم، فمن كان من أمامهم ضرب وجوههم، ومن كان من ورائهم ضرب أدبارهم.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية تتضمن التعجيب مما حل بالكفار يوم بدر، قاله مجاهد وغيره، وفي ذلك وعيد لمن بقي منهم، وحذف جواب، {لو} إبهام بليغ، وقرأ جمهور السبعة والناس "يتوفى" بالياء فعل فيه علامة التذكير إلى مؤنث في اللفظ، وساغ ذلك أن التأنيث غير حقيقي، وارتفعت {الملائكة} بـ {يتوفى}، وقال بعض من قرأ هذه القراءة إن المعنى إذ يتوفى الله الذين كفروا و {الملائكة} رفع بالابتداء، و {يضربون} خبره والجملة في موضع الحال. قال القاضي أبو محمد: ويضعف هذا التأويل سقوط واو الحال فإنها في الأغلب تلزم مثل هذا، وقرأ ابن عامر من السبعة والأعرج "تتوفى" بالتاء على الإسناد إلى لفظ "الملائكة"، و {يضربون} في موضع الحال، وقوله {وأدبارهم} قال جمهور المفسرين يريد أستاههم، ولكن الله كريم كنى، وقال ابن عباس أراد ظهورهم وما أدبر منهم، ومعنى هذا أن الملائكة كانت تلحقهم في حال الإدبار فتضرب أدبارهم، فأما في حال الإقبال فبين تمكن ضرب الوجوه، وروى الحسنحديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله رأيت في ظهر أبي جهل مثل الشراك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك ضرب الملائكة"تفسير : ، وعبر بجمع الملائكة، وملك الموت واحد إذ له على ذلك أعوان من الملائكة، وقوله {وذوقوا عذاب الحريق} قيل كانوا يقولون للكفار حينئذ هذا اللفظ فحذف يقولون اختصار، وقيل معناه وحالهم يوم القيامة أن يقال لهم هذا، و {الحريق} فعيل من الحرق، وقوله تعالى: {ذلك بما قدمت أيديكم} يحتمل أن يكون من قول الملائكة في وقت توفيتهم لهم على الصورة المذكورة، ويحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً تقريعاً من الله عز وجل للكافرين حيهم وميتهم، {وأن} يصح أن تكون في موضع رفع على تقدير والحكم أن، ويصح أن تكون في موضع خفض عطفاً على ما في قوله {بما قدمت} ، وقال مكي والزهراوي: ويصح أن تكون في موضع نصب بإسقاط الباء تقديره "وبأن"، فلما حذفت الباء حصلت في موضع نصب. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير متجه ولا بيّن إلا أن تنصب بإضمار فعل، وقوله {كدأب آل فرعون} الآية، الدأب: العادة في كلام العرب، ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسل تفسير : ويروى كدينك، ومنه قول خراش بن زهير العامري: شعر : فما زال ذاك الدأب حتى تخاذلت هوازن وارفضَّت سليم وعامر تفسير : وهو مأخوذ من دأب على العمل إذا لزمه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، لصاحب الجميل الذي هش إليه وأقبل نحوه وقد ذل ودمعت عيناه: حديث : إنه شكا إليّ أنك تجيعه وتدئبه فكأن العادة دؤوب ما تفسير : , وقال جابر بن زيد وعامر الشعبي ومجاهد وعطاء: المعنى كسنن آل فرعون، ويحتمل أن يراد كعادة آل فرعون وغيرهم، فتكون عادة الأمم بجملتها لا على انفراد أمة، إذ آل فرعون لم يكفروا وأهلكوا مراراً بل لكل أمة مرة واحدة، ويحتمل أن يكون المراد كعادة الله فيهم، فأضاف العادة إليهم إذ لهم نسبة إليها يضاف المصدر إلى الفاعل وإلى المفعول، والكاف من قوله {كدأب} يجوز أن يتعلق بقوله {وذوقوا} وفيه بعد، والكاف على هذا في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، ويجوز أن تتعلق بقوله {قدمت أيديكم} وموضعها أيضاً على هذا نصب كما تقدم، ويجوز أن يكون معنى الكلام الأمر مثل دأب آل فرعون فتكون الكاف في موضع خبر الابتداء، وقوله {فأخذهم} معناه أهلكهم وأتى عليهم بقرينة قوله {بذنوبهم} ثم ابتدأ الإخبار بقوة الله تعالى وشدة عقابه.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ} عند قبض أرواحهم. {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ} يوم القيامة، أو القتل ببدر.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {تتوفى} بتاء التأنيث: شامي. الباقون: بالتذكير {ولا يحسبن} بياء الغيبة: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل. الآخرون: بتاء الخطاب. {أنهم} بالفتح: ابن عامر {السلم} بكسر السين: أبو بكر وحماد {ترهبون} بالتشديد: رويس. الباقون: بالتخفيف من الإرهاب {وإن يكن منكم} بالياء التحتانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بالتاء الفوقانية {وعلم} مبنياً للمفعول {ضعفاء} بالمد جمعاً: يزيد وقرأ حمزة وعاصم غير المفضل وخلف لنفسه {ضعفاً} بفتح الضاد. الآخرون بالضم.{فإن لم يكن منكم مائة} بالتحتانية: عاصم وحمزة وعلي وخلف. الوقوف: {كفروا} لا لأن فاعل {يتوفى} الملائكة. وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا واسطة. {وأدبارهم} ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا {الحريق} ه {للعبيد} ه لا لتعلق الكاف {فرعون} لا للعطف. {من قبلهم} ط {بذنوبهم} ط {العقاب} ه {بأنفسهم} لا لعطف "أنّ" على "أنَّ" {عليم} ه لا للكاف {من قبلهم} ط {بآيات ربهم} ج لاختلاف الجملتين من الفاء {آل فرعون} ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال {ظالمين} ه {لا يؤمنون} ه ج لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم {لا يتقون} ه {يذكرون} ه {على سواء} ط {الخائنين} ه {سبقوا} ط لمن قرأ {إنهم} بالكسر {لا يعجزون} ه {من دونهم} ج لاحتمال الجملة الجملة بعده الوصف والاستئناف {لا تعلمونهم} ج لذلك {يعلمهم} ط {لا تظلمون} ه {على الله} ط {العليم} ه {حسبك الله} ط {بين قلوبهم} الأول ط {بينهم} ط {حكيم} ه{من المؤمنين} ه {على القتال} ط {مائتين} ج لابتداء الشرط مع العطف {لا يفقهون} ه {ضعفاً} ج {مائتين} ج {بإذن الله} ط {الصابرين} ه. التفسير: لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في حياتهم شرح أحوالهم حين وفاتهم. وجواب "لو" محذوف، وترى في معنى الماضي الخاصية "لو"، وكذا {يتوفى} لخاصية "إذ" وإذ نصب على الظرف قاله في الكشاف. ويمكن أن يكون مفعولاً به والمعنى لو رأيت أو عاينت أو شاهدت وقت قبض الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمراً فظيعاً. {يضربون وجوههم وأدبارهم} قال مجاهد: يريد بالأدبار الأستاه ولكن الله كريم يكني. وفي تخصيص العضوين بالضرب نوع من الخزي والنكال. وعن ابن عباس: المراد ما أقبل منهم وما أدبر. وذلك أن المشركين كانوا إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف. وإذا ولّوا ضربوا أدبارهم فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت خروج أرواحهم. ومعنى {عذاب الحريق} مقدمة عذاب النار أو عذاب النار نفسها في الآخرة تبشيراً لهم بذلك. وعن ابن عباس أن معهم مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار. قوله {ذلك بما قدمت أيديكم} الآية قد مر تفسيرها في آخر آل عمران، ويحتمل أن يكون هنا حكاية كلام الملائكة. ولما بين سبحانه ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلاً أم آجلاً ذكر أن هذه سنة في فرق الكفرة كلهم فقال {كدأب آل فرعون} يريد أن عادتهم وعملهم الذي داموا عليه كعادة آل فرعون فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإهلاك والإغراق. ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم فقال {ذلك بأن الله لم يك} حذف النون لكثرة الاستعمال. ومعنى الآية أن ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم يستقم في حكمته وتدبيره أن يغير {نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما} بهم من الأحوال والأخلاق. والغرض أن آل فرعون ومشركي مكة قد فتح الله عليهم أبواب الخيرات وأزال الموانع وسهل السبل ومنّ عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ثم إنهم قابلوا هذه النعم بالكفر والفسوق والعصيان فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن {وأن الله سميع} للأقوال {عليم} بالأحوال فيجزي كل فريق بما يستأهله. ثم ذكر مرة أخرى قوله {كدأب آل فرعون} وفي التكرير بعد التأكيد فوائد استنبطها العلماء منها أن الثاني كالتفصيل للأول لأن الإغراق كالبيان للأخذ بالذنوب. ومنها أن الأول لعله في حال الموت والثاني لما بعد الموت. قلت: ويشبه أن يكون بالعكس لأن الإهلاك والإغراق بحال الموت أنسب. ومنها أن الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحداً من فعله وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم. والثاني إخبار عن عذاب مكن الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق. ومنها أن المراد في الأول {كدأب آل فرعون} فيما فعلوا وفي الثاني {كدأب آل فرعون} فيما فُعل بهم فهم فاعلون في الأول ومفعولون في الثاني. ومنها أن المراد بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء لأن التقدير: كذبوا الرسل برد آيات ربهم. ومنها أن يجعل الضمير في {كفروا} و {كذبوا} لكفار قريش أي كفروا بآيات الله كدأب آل فرعون، وكذبوا بآيات ربهم كدأب آل فرعون. ومنها أن الأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل الإليهة فكان لازمه الأخذ، والثاني إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل التربية والإحسان فكان لازمه الإهلاك والإغراق. ثم ختم الآية بقوله {وكل كانوا ظالمين} أي وكل واحد من غرقى القبط وقتلى قريش وممن قبلهم من الكفرة كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظالمي غيرهم بالإيذاء والإيحاش، فلا جرم دمرهم الله بسبب ظلمهم. ثم خص من الظلمة سرهم فقال {إن شر الدواب} الآية. جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون منهم وأشار إلى هذا بقوله {فهم لا يؤمنون} وشر المصرين الناكثون للعهود وأشار إليهم بقوله {الذين عاهدت منهم} و "من" للتبعيض ومفعول {عاهدت} محذوف أي الذين عاهدتهم وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف الذين معهم تليق المعاهدة {ثم ينقضون} عطف المستقبل على الماضي لفائدة الاستمرار وأن من شأنهم نقض العهد {في كل مرة} من مرات المعاهدة. ومعنى "ثم" تبعيد النقض عن المعاهدة. قال ابن عباس: هم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوا عليه المشركين بالسلاح يوم بدر وقالوا: قد نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا وأعانوا عليه يوم الخندق {وهم لا يتقون} عاقبة الغدر وما فيه من العار والنار. ثم أمر رسوله بالمخاشنة معهم والغلظة عليهم جزاء على قبح فعلهم وسوء عقيدتهم فقال {فأما تثقفنهم} تصادفنهم وتظفرن بهم في الحرب {فشرد بهم من خلفهم} والتشريد التفريق مع الاضطراب أي ففرق عن محاربتك من وراءهم. وقال عطاء: معناه أكثر فيهم القتل حتى يخافك غيرهم. والضمير في {لعلهم يذكرون} لمن خلفهم لأنه إذا نكل بالناكثين وقتلهم شر قتلة لن يجسر عليه أحد بعدهم اتعاظاً بحالهم {وإما تخافنّ من قوم} معاهدين {خيانة} ونكثاً بأمارات تلوح لك {فانبذ إليهم} فاطرح إليهم العهد {على سواء} على طريق مستوٍ قصد أي أخبرهم أخباراً مكشوفاً بيناً أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك. وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد. وقيل: على استواء في العداوة. قال في الكشاف: الجار والمجرور في موضع الحال كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتاً على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء في العلم، أو العداوة على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معاً. قلت: ويحتمل أن يكون حالاً من المنبوذ أي حال كون المنبوذ وهو العهد واقعاً على طريق واضح فيكون كناية عن تحقير شأن العهد إذ ذاك، أو عن انكشاف حاله في النبذ. قال أهل العلم: إن آثار نقض العهد إذا ظهرت فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به. فإن كان الأول وجب الإعلام به كما هو مذكور في الآية. وذلك أن قريظة عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً قطعياً فلا حاجة إلى نبذ العهد إليهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل مكة لما نقضوا العهد. ثم بيّن حال من فاته يوم بدر ولم يتمكن من التشفي منه والانتقام كيلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذيته مبلغاً عظيماً فقال {ولا يحسبن} من قرأ بتاء الخطاب فمفعوله الأول {الذين كفروا} وثانيه {سبقوا} أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم {إنهم لا يعجزون} كل من المكسورة والمفتوحة تعليل له إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف كأن سائلاً سأل ما لهم لا يحسبون سابقين؟ فأجيب بما أجيب. والمفتوحة تعليل صريح والجار محذوف أي لأنهم يعجزون الله من الانتقام منهم ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم. أو عجزت فلاناً وعجزته جعلته أو وجدته عاجزاً. والمراد لا تحسبنهم أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل يوم بدر فقد تخلصوا من العقاب عاجلاً أم آجلاً. ومن قرأ بالياء التحتانية تذكر فيه وجوهاً منها "أن" فاعله {الذين كفروا} ومفعولاه {سبقوا} على أن الأصل أن سبقوا فحذفت "أن" كقوله {ومن آياته يريكم البرق} ويؤيده قراءة ابن مسعود أنهم سبقوا. ومنها أن الفعل وقع على أنهم لا يعجزون على أن لا صلة وسبقوا في موضع الحال. ومنها أن المفعول الأول محذوف للعلم به والتقدير لا يحسبنهم أو لا يحسبن أنفسهم الذين كفروا وسبقوا. ومنها أن فاعله محذوف أي لا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا. ثم إنه لما أنفق لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة وعدة، أمرهم أن لا يعودوا لمثله ويتأهبوا لقتال الأعداء فقال {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} عن عكرمة: هي الحصون. وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: إلا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله والأصح أنها عامة في كل ما يتقوى به في الحرب من آلة وعدّة. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : القوة الرمي" تفسير : كقوله: "حديث : الحج عرفة" تفسير : وفيه تنبيه على أن المذكور جزء شريف في جملة المقصود {ومن رباط الخيل} هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله الخمس فما فوقها. ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال وفصيل، والظاهر أنه بمعنى المرابط. ويجوز أن يكون قوله {ومن رباط الخيل} تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوّى به كقوله {وجبريل وميكائيل} فلا ريب أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد. روي عن ابن سيرين أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون فقال: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزي عليها. فقيل له: إنما أوصى في الحصون. فقال: ألم تسمع قول الشاعر: شعر : ولقد علمت على توقّي الردى أن الحصون الخيل لا مدر القرى تفسير : وعن عكرمة أن الخيل ههنا الإناث لأنها أولى بالربط لتفيد النسل. وقيل: هي الفحول لأنها أقوى على الكر والفر. والظاهر العموم. ثم ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء فقال {ترهبون به} أي بما استطعتم {عدو الله وعدوكم} لأن الكفار إذا علموا تأهب المسلمين للقتال لم يجسروا عليهم وخافوهم وربما يدعوهم ذلك إلى الانقياد والطاعة {وآخرين من دونهم} يريد بالأوّلين أهل مكة وبالآخرين اليهود على قول ولكنه لا يجاريه قوله {لا تعلمونهم الله يعلمهم} والمنافقين على قول. واعترض عليه بأنهم لا يرهبون لانخراطهم في سلك المسلمين ظاهراً. وأجيب بأن الخائن خائف فلكما اشتدت شوكة المسلمين ازداد المنافقون في أنفسهم خوفاً ورعباً فربما يدعوهم ذلك إلى الإخلاص. وعن السدي: هم أهل فارس. وروي ابن جريج عن سليمان بن موسى أنهم كفرة الجن وجاء في الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا داراً فيها فرس عتيق وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن. وقيل: المراد بالآخرين أعداء المرء من دينه فإن المسلم قد يعاديه مسلم آخر. ثم رغبهم في الإنفاق في باب الجهاد فقال {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم} أي ثوابه {وأنتم لا تظلمون} لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً. ثم رخص في المصالحة إن مال الأعداء إليها فقال {وإن جنحوا للسلم} الآية جنح له وإليه جنوحاً إذا مال. وإنما قيل {فاجنح لها} لأن السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، أو بتأويل الخصلة أو الفعلة. عن ابن عباس ومجاهد أن الآية منسوخة بقوله{أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله}تفسير : [التوبة: 29] وبقوله {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5] والأوْلى أن يقال: إنها ثابتة فليس بحتم أن يقاتل المشركون أبداً، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً، وإنما الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وذويه، فإذا رأى الصلاح في الصلح فذاك. والمصلحة قد تظهر عند ضعف المسلمين إما لقلة العدد أو لقلة المال وبعد العدوّ وقد تكون مع القوة للطمع في إسلامهم أو قبولهم الجزية إذا خالطوا المسلمين أو بأن يعينوه على قتال غيرهم. وأما مدة المهادنة فإذا لم يكن بالمسلمين ضعف ورأى الإمام الصلاح في المهادنة فقد قال الشافعي يهادن أربعة أشهر فما دونها لقوله تعالى{أية : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} تفسير : [التوبة: 2] وذلك كان في أقوى ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك. وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة بحسب الحاجة إلى عشر سنين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حين صالح أهل مكة بالحديبية على وضع القتال عشر سنين: إلا أنهم نقضوا العهد قبل كمال المدة وإن نقضت المدة والحاجة باقية استأنف العقد. ثم قال {وتوكل على الله} أي فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة وينصرك عليهم. إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء كما كان من شأن قريظة والنضير. وعن مجاهد نزلت فيهم {إنه هو السميع} للأقوال {العليم} بالأحوال. وفيه زجر عن نقض الصلح ما أمكن. ثم ذكر حكماً من أحكام المهادنة فقال {وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك} محسبك وكافيك {الله} والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة وجب قبول ذلك الصلح لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر كما أن أصل الإيمان مبني على الظاهر. ولا تنافي بين هذه الاية وبين ما تقدم من قوله {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم} [الأنفال: 58] لأن هذه المخادعة محمولة على أمور خيفة تدل على الغل والنفاق، وذلك الخوف محمول على أمارة قوية يدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة. ثم أكد كون الله تعالى كافياً له بقوله {هو الذي أيدك بنصره} أي من غير واسطة أسباب معتادة. {وبالمؤمنين} أي بوساطة الأنصار. ثم بين أنه كيف أيده بالمؤمنين فقال {وألف بين قلوبهم} قال جمع من المفسرين: هم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك أشرافهم ودق جماجمهم، فرفع الله تعالى ذلك بلطيف صنعه، والأولى حمله على العموم والتأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغائن في الأمور المستحقرة لم تكد تأتلف أهواؤهم وينتظم شملهم، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله حتى بذلوا دونه المهج والأرواح والأموال فليس ذلك الأمن مقلب القلوب والأحوال. والتحقيق في الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير من المحبوب. ثم إن كان سبب انعقاد المحبة أمراً سريع التغير كالمال أو الجاه أو اللذة الجسمانية كانت تلك المحبة بصدد الزوال والاضمحلال، فالمعشوق يريد العاشق لماله، والعاشق يحب المعشوق لاستيفاء لذة بهيمية، فمهما حصل مرادهما كانا متحابين ومتى لم يحصل عادا متباغضين وإن كان سبب انعقاد المودة كمالاً حقيقياً روحانياً دائماً لم يتصور لها تغير وزوال. ثم إن العرب كانوا قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم مقبلين على المفاخرة والتسابق في المار والجاه والتعصب والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة ومتباغضين أخرى، فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبادة الله تعالى والإعراض عن الدنيا والإقبال على تحصيل السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم وصاروا إخواناً متراحمين متحابين في الله ولله. {إنه عزيز حكيم} أي قادر قاهر على تقليب القلوب والدواعي فاعل لكل ما يفعل على وجه الإحكام والإتقان أو على حسب المصالح على اختلاف القولين في مسألة الجبر والقدر. قال القاضي: لولا ألطاف الله تعالى ساعة فساعة لما حصلت هذه الأحوال. ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، وأجيب بأنه عدول عن الظاهر والآية صريحة في أن العقائد والإرادات والكراهات كلها بخلق الله تعالى وإيجاده، اللهم يا مصرف القلوب ومقلبها ثبت قلبي على دينك ووفقني لمتابعة نبيك إنك قادر على ما تشاء ولا يكون إلا ما تشاء. ثم إنه سبحانه لما وعد نبيه النصر والكفاية عند مخادعة الأعداء وعده النصر والكفاية على الإطلاق فقال {يا أيها النبي حسبك الله} ومحل {ومن اتبعك} منصوب بمنزلة "زيداً" في قولك "حسبك وزيداً درهم" قال الفراء: وليس بكثير في كلامهم أن يقولوا حسبك وأخيك بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار. فلو كان قوله {ومن اتبعك} مجروراً لقيل حسبك وحسب من اتبعك. ومعنى الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً. وجوّز أن يكون محل الرفع أي كفاك الله وكفاك المؤمنون فيكون كقوله {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} ويؤكده ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فأنزل الله تعالى الآية. ثم بيّن سبحانه أن كفايته مشروطة بالجد والاجتهاد في الجهاد فقال {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} والتحريض. في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء. وذكروا في اشتقاقه أنه من الحرض وهو الإشراف على الهلاك من شدّة الضنى كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور، أو كأنه يأمره أن يبالغ فيه وفي تحصيله حتى يدنو من التلف. وفي قوله {إن يكن منكم عشرون صابرون} عدّة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم بعون الله وتأييده. واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ويمكن أن يجاب بعد تسليم وقوع مثل ذلك أن الخلل لعله يكون من فقدان الشرط وهو الصبر. قال بعض العلماء: هذا خبر في معنى الأمر كقوله {أية : والوالدات يرضعن}تفسير : [البقرة: 233]{أية : والمطلقات يتربصن}تفسير : [البقرة: 228] بدليل قوله {الآن خفف الله عنكم} والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل. قال الفراء: قد جمع بين "إما" و "أن" في هذه الآية بخلاف قوله {وما يعذبهم} {وإما يتوب عليهم} لأن الفعل ههنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا. كأنهم قالوا: اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن الأمر لا يصلح هناك. قال موسى للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر. فالجواب من وجوه: أحدها: أنه إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر ألبتة كقول القائل: اسقني الماء من الجرة. فهذا إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء من الجرة. والثاني: أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع في التقديم والتأخير. الثالث: أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها يقول له: هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها {أية : فلما ألقوا سحروا أعين الناس}تفسير : [الأعراف: 116] قال القاضي: لو كان السحر حقاً لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه. وقال الواحدي: بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات. وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل إلى الناس أنها تسعى {أية : واسترهبوهم}تفسير : [الأعراف: 116] أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا رهبتهم. وقال الزجاج: اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب{أية : وجاؤا بسحر عظيم}تفسير : [الأعراف: 116] كما زعموا أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض. عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى عليه السلام أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن الق عصاك. وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي ههنا الإلهام وههنا إضمار والتقدير: فألقاها فإذا هي تلقف. قال الجوهري: لقفت الشيء بالكسر ألقفه وتلقفته أيضاً تناولته بسرعة و "ما" في ما يأفكون موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي: من الرجل؟ قلت له: من العرب سمعت بك وبجمعك ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال: أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة. وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فر من ثلاثة فمل يفر، فإن فر من اثنين فقد فر. والحاصل أن الجمهور ادّعوا أن قوله {الآن خفف الله عنكم} ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم الأصفهاني قال: لأن لفظ الآية ورد على الخبر. سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم قلتم إن التقدير ليكن العشرون يغلب فإن قيل: إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم وإذا كان الشرط غير حاصل في حق هؤلاء لقوله {وعلم أن فيكم ضعفاً} فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا يتصور النسخ. ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام قد تقوله العرب ابتداء. ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب أن يكون بعد المنسوخ بزمان. وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم. ومعنى قوله {وعلم أن فيكم ضعفاً} ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها. والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك. والظاهر أن المراد الضعف الإنساني المذكور في قوله{أية : وخلق الإنسان ضعيفاً}تفسير : [النساء: 28]. التأويل: {يضربون وجوههم وأدبارهم} لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام و {لم يك مغيراً نعمة} مبدلاً حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده {حتى يغيروا} بالكفر والتكذيب {ما بأنفسهم} من نعم الاستعداد الفطري {الذين عاهدت منهم} يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها {فشرد} يا روح {بهم من خلفهم} أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها {فانبذ إليهم على سواء} أي أظهر عداوتك معهم {وجاهدهم} أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق ومن رباط الخيل} ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها {ترهبون} من نفوس شياطين الإنس {لا تعلمونهم} أنهم عدّوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء {الله يعلمهم} أنهم عدوّ لكم كقوله{أية : إن من أزواجكم وأولادكم}تفسير : [التغابن: 14] {وما تنفقوا من شيء} من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة {يوف إليكم} فوائد من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً {وألف بين قلوبهم} بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها. {لو أنفقت ما في أرض} وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد {ولكن الله ألف} بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده لم يكسر الطلسم للوصول إلى الكنز والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} قال: الذين قتلهم الله ببدر من المشركين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: آيتان يبشر بهما الكافر عند موته {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وأدبارهم} قال: وأشباههم ولكن الله كريم يكني. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله {ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} قال: نعمة الله: محمد صلى الله عليه وسلم، أنعم الله بها على قريش فكفروا فنقله إلى الأنصار.
ابو السعود
تفسير : {وَلَوْ تَرَى} أي ولو رأيتَ، فإن لو الامتناعيةَ تردّ المضارعَ ماضياً كما أن إنْ تردّ الماضيَ مضارعاً، والخطابُ إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ ممن له حظٌّ من الخطاب وقد مر تحقيقُه في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ }تفسير : (سورة الأنعام، الآية 27) وكلمةُ إذ في قوله تعالى: {إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَـئِكَةُ} ظرفٌ لترى والمفعولُ محذوفٌ أي ولو ترى الكفرةَ، أو حالَ الكفرةِ حين يتوفاهم الملائكةُ ببدر، وتقديمُ المفعولِ للاهتمام به، وقيل: الفاعلُ ضميرٌ عائدٌ إلى الله عز وجل، والملائكةُ مبتدأٌ وقوله تعالى: {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ} خبرُه، والجملةُ حالُ من الموصول قد استُغني فيها بالضمير عن الواو، وهو على الأول حالٌ منه أو من الملائكة أو منهما لاشتماله على ضميريهما {وَأَدْبَـٰرَهُمْ} أي وأستاهَهم أو ما أَقبل منهم وما أَدبر من الأعضاء {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} على إرادة القولِ معطوفاً على يضربون أو حالاً من فاعله أي ويقولون أو قائلين: ذوقوا بشارةً لهم بعذاب الآخرة وقيل: كانت معهم مقامِعُ من حديد كلما ضَربوا التهبت النارُ منها، وجوابُ لو محذوفٌ للإيذان بخروجه عن حدود البـيانِ أي لرأيتَ أمراً فظيعاً لا يكاد يوصف. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذكر من الضرب والعذابِ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بكونهما في الغاية القاصيةِ من الهول والفظاعةِ، وهو مبتدأٌ خبرُه {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي ذلك الضربُ واقعٌ بسبب ما كسبتم من الكفر والمعاصي، ومحلُّ أن في قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ} الرفعُ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي والأمُر أنه تعالى ليس بمعذب لعبـيده بغير ذنبٍ من قِبَلهم والتعبـيرُ عن ذلك بنفي الظلمِ مع أن تعذيبَهم بغير ذنب ليس بظلم قطعاً على ما تقرر من قاعدة أهل السنة فضلاً عن كونه ظلماً بالغاً قد مر تحقيقُه في سورة آل عمران، والجملُة اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها، وأما ما قيل من أنها معطوفةْ على ما للدِلالة على أن سببـيته مقيدةٌ بانضمامه إليه إذ لولاه لأمكن أن يعذبَهم بغير ذنوبِهم فليس (ذلك) بسديد لما أن إمكانَ تعذيبِه تعالى لعبـيده بغير ذنب بل وقوعَه لا ينافي كونَ تعذيبِ هؤلاء الكفرةِ المعينة بسبب ذنوبِهم حتى يُحتاجَ إلى اعتبار عدمِه معه، نعم لو كان المدَّعىٰ كونَ جميعِ تعذيباتِه تعالى بسبب ذنوب المعذبـين لاحتيج إلى ذلك. {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ} في محل الرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ والجملةُ استئنافٌ مَسوقٌ لبـيان أن ما حل بهم من العذاب بسبب كفرِهم لا بشيء آخرَ، من جهة غيرِهم بتشبـيه حالِهم بحال المعروفين بالإهلاك بسبب جرائمِهم لزيادة تقبـيحِ حالِهم وللتنبـيه على أن ذلك سنةٌ مطردةٌ فيما بـين الأمم المهلَكةِ أي شأنُهم الذي استمروا عليه مما فعلوا وفُعل بهم من الأخذ كدأب آل فرعونَ المشهورين بقباحة الأعمالِ وفظاعةِ العذابِ والنكال {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي من قبل آلِ فوعونَ من الأمم التي فعلوا من المعاصي ما فعلوا ولقُوا من العقاب ما لقُوا كقوم نوحٍ وعادٍ وأضرابِهم من أهل الكفر والعناد وقوله تعالى: {كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ} تفسيرٌ لدأبهم الذي فعلوه لا لدأب آلِ فرعونَ ونحوِهم كما قيل، فإن ذلك معلومٌ منه بقضية التشبـيهِ، وقوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} تفسيرٌ لدأبهم الذي فُعل بهم، وإلقاءٌ لبـيان كونِه من لوازم جناياتِهم وتبعاتِها المتفرِّعةِ عليها، وقوله تعالى: {بِذُنُوبِهِمْ} لتأكيد ما أفاده الفاءُ من السببـية مع الإشارةِ إلى أن لهم مع كفرهم ذنوباً أُخَرَ لها دخلٌ في استتباع العقابِ، ويجوز أن يكون المرادُ بذنوبهم معاصيَهم المتفرِّعةَ على كفرهم فتكونُ الباءُ للملابسة أي فأخذهم متلبسين بذنوبهم غيرَ تائبـين عنها فدأبُهم مجموعُ ما فعلوا وفُعل بهم لا ما فعلوه فقط كما قيل. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن آلَ فرعون أيقنوا أن موسى عليه السلام نبـيُّ الله فكذّبوه كذلك هؤلاء جاء محمدٌ صلى الله عليه وسلم بالصدق فكذبوه فأنزل الله تعالى بهم عقوبتَه كما أنزل بآل فرعونَ، وجعلُ العذابِ من جملة دأبِهم ـ مع أنه ليس مما يُتصوَّر مداومتُهم عليه واعتيادُهم إياه كما هو المعتبرُ في مدلول الدأبِ ـ إما لتغليب ما فعلوه على ما فُعل بهم أو لتنزيل مداومتِهم على ما يوجبه من الكفر والمعاصي منزلةَ مداومتِهم عليه لما بـينهما من الملابسة التامةِ، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله من الأخذ.
القشيري
تفسير : يُسَلِّيهم عندما يُقاسُون من اختبارات التقدير بما يُذَكِّرهم زوالَ المحنة، ووَشْكَ رَوْح اليسر، وسرعةَ حصول النصر، وحلولَ النِّقَم بمرتكبي الظلم. والمؤمنُ كثيرُ الظَّفَرِ؛ فإذا شاهد بأرباب الجرائم حلولَ الانتقام رَقَّ قلبُه لهم، فلا ينخرط في سِلْكِ الشماتة؛ إذ يخلو قلبه من شهوة الانتقام، بل يجب أن يكون كل أحد بحُسْنِ الصفة، وكما قيل: شعر : قومٌ إذا ظَفِروا بنا جادوا بعتق رقابنا
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو ترى} يا محمد حال الكفرة اى لو رأيت فان لو تجعل المضارع ماضيا عكس ان {اذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} اى حين تقبض اعوان ملك الموت ارواح الكفار ببدر فالملائكة فاعل يتوفى {يضربون} اى حال كون الملائكة يضربون بمقامع من حديد كلما ضربوا التهب النار منها {وجوههم} اى ما اقبل من اعضائهم {وأدبارهم} ا ما ادبر منها {وذوقوا} اى يضربون ويقولون ذوقوا بعد السيف فى الدنيا {عذاب الحريق} اى العذاب المحرق الذى هو مقدمة عذاب الآخرة فهو فعيل بمعنى مفعل يقال حرقه بالنار واحرقه فاحترق وتحرق وجواب لو محذوف للايذان بخروجه عن حدود البيان اى لرأيت امرا فظيعا لا يكاد يوصف
ابن عجيبة
تفسير : قلت: جواب (لو) محذوف أي: لرأيت أمراً عظيماً، و(الملائكة): فاعل (يتوفى) فلا يوقف على ما قبله، ويرجحه قراءة ابن عامر بالتاء، ويجوز أن يكون الفاعل ضمير (الله)، و (الملائكة) مبتدأ، و (يضربون): خبر، والجملة: حال من (الذين كفروا)، والرابط: ضمير الواو، وعلى هذا فيوقف على ما قبله، وعلى الأول (يضربون): حال من الملائكة، (وذُوقوا): عطف على (يضربون) على حذف القول، أي: ويقولون ذوقوا. و (ذلك): مبتدأ، (بما قدمت): خبر، و (أن الله): عطف على "ما"؛ للدلالة على أن مقيدة بانضمامه إليه. انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: {ولو ترى} يا محمد، أو يا من تصح منكم الرؤية، حال {الذين كفروا} حين تتوفاهم {الملائكةُ} ببدر، أو مطلقاً، وهم {يضربون وجوهَهُم وأدبارَهم}، أو حين يتوفاهم الله ويقبض أرواحهم، حال كونهم الملائكة يضربون وجوههم وظهورهم، أو أستاهَهُم، لرأيت أمراً فظيعاً. {و} يقولون لهم: {ذُوقوا} أي: باشروا {عذابَ الحريق} يوم القيامة؛ بشارة لهم بما يلقون من العذاب في الآخرة. وقيل: تكون معهم مقامع من حديد، كلما ضربوا التهبت النار منها، {ذلك} العذاب إنما وقع بكم {بما}؛ بسبب {قدمت أيديكم} أي: بما كسبتم من الكفر والمعاصي، {وأَنَّ الله ليس بظلام للعبيد}؛ حتى يعذب بلا سبب، أو يهمل العباد بلا جزاء. الإشارة: قد ذكر الحق جل جلاله حال الكاملين في العصيان في هذه الآية، وذكر في سورة النحل الكاملين في الطاعة بقوله: {أية : الَّذِينَ تَتَوَفّاَهُمُ المَلائَكَةُ طَيِّبِينَ}...تفسير : [النحل:32] الآية، وسكت عن المخلطين، ولعلهم يرون طرفاً من هذا أو طرفاً من هذا، والله تعالى أعلم. ثم ذكر حال المتقدمين من الجبابرة، فقال: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر {إذ تتوفى} بتأءين فأدغم احدهما في الاخرى هشام عنه. الباقون بالياء والتاء. من قرأ بالتاء أسند الفعل إلى الملائكة كقوله {أية : إذ قالت الملائكة } تفسير : ومن قرأ بالياء، فلان التأنيث غير حقيقي. هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله يقول الله تعالى له: {ولو ترى} الوقت الذي تتوقى الملائكة الذين كفروا بمعنى انهم يقبضون أرواحهم على استيفائها، لان الموت انما يكون باخراج الروح على تمامها. وجواب "لو" محذوف، وتقديره لرأيت منظراً عظيماً او امراً عجيباً او عقاباً شديداً، وحذف الجواب في مثل هذا أبلغ، لان الكلام يدل عليه. والمرئي ليس بمذكور في الكلام لكن فيه دلالة عليه لان تقديره: لو رأيت الملائكة يضربون من الكفار الوجوه والادبار، وحذفه ابلغ وأوجز مع أن الكلام يدل عليه. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: معنى أدبارهم استاههم لكنه كنى عنه. وقال الحسن: معناه ظهورهم. وقال ابو علي: المعنى ستضربهم الملائكة عند الموت. قال الرماني: وهذا غلط، لأنه خلاف الظاهر، وخلاف الاجماع المتقدم أنه يوم بدر. وروى الحسن: ان رجلا قال يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشرك، فقال: ذاك ضرب الملائكة. وروي عن مجاهد ان رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله اني حملت على رجل من المشركين فذهبت لاضربه فبدر رأسه، فقال: سبقك اليه الملائكة. وعن ابن عباس انه كان يوم بدر. وقوله: {وذوقوا عذاب الحريق} تقديره، ويقولون يعني الملائكة للكفار يقولون لهم ذوقوا عذاب الحريق يوم القيامة وحذف لدلالة الكلام عليه. ومثله قوله {أية : ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا} تفسير : أي يقولون ربنا أبصرنا، ودل الكلام عليه. والحريق تفريق الاجسام الكبيرة العظيمة بالنار العظيمة يقال: احترق احتراقاً واحرق إحراقاً وتحرق تحرقاً وحرقه تحريقاً، وجواب "لو" محذوف، وتقديره لرأيت منظراً هائلاً وإنما حذف جواب "لو" لأن ذكره يخص وجهاً ومع الحذف يظن وجوه كثيرة فهو أبلغ.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لو للتمنّى لأنّه كثيراً ما يستعمل ليت فى امثال تلك القضايا ولا مانع من جعل لو بمعناها مع انّه غنىّ عن تقدير الجواب ولو جعل لو للشّرط فالجواب محذوف اى لرأيت امراً فظيعاً والخطاب لمحمّد (ص) او عامّ والمراد توفّيهم يوم بدرٍ او عامّ {ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} يعمّ الضّرب جميع اطرافهم او المراد الوجوه والاستاه كما فى الخبر لانّ الله حيى ويكنّى {وَ} يقولون {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} او يقول الله: ذوقوا عذاب الحريق فى الدّنيا او فى الآخرة.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} يعني في يوم بدر ضربت الملائكة وجوه المشركين وأدبارهم {وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ} أي في الآخرة. { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}. قوله: {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ} قال الحسن: كفعل آل فرعون وجحودهم؛ يقول فعل المشركون كما فعل آل فرعون. { وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي الكفار {كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ} أي فعذبهم الله {إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقَابِ}. قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} أي إذا جحدوا الرسول وكذبوه أهلكهم الله. { وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قوله: {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ} وفرعون معهم. أي غيّر هؤلاء كما غيّر آل فرعون والذين من قبلهم فأهلكهم الله. كقوله: (أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَارِ) تفسير : [إبراهيم:28] وهم المشركون من أهل بدر. والبوار الهلاك. قال: {وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} لأنفسهم. قوله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي الذين يموتون على كفرهم. وقوله: {شَرَّ الدَّوَابِّ} أي: شر الخلق. كقوله: (أية : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ البَرِيَّةِ)تفسير : [البيِّنة:6] والبرية خلق الله.
اطفيش
تفسير : {ولوْ تَرَى} يا محمد أو كل من يصلح للرؤية، والظاهر الأول {إذْ} متعلق بترى، والمضارع بعد لو الشرطية بمعنى الماضى، وقال السعد: ليس المعنى على حقيقة المضى {يتَوفَّى الَّذينَ كفَرُوا} مفعول يتوفى الذين، ومفعول ترى محذوف، أى ولو ترى الذين كفروا، أو حال الذين كفروا، ولحذفه أتى بمفعول يتوفى ظاهرا لا ضميرا، ويجوز أن يكون الذين مفعولا لترى، ومفعول يتوفى ضمير محذوف، أى يتوفاهم، ويجوز أن يكون ذلك من باب التنازع. {الملائِكَةُ} فاعل يتوفى، والجمع من حيث إن لملك الموت أعوانا، أو لأن الكلام فى قتال بدر، ومن ضرب أحدا ضربا يموت به صح أنه قتله، ولو كان القابض الله {يضْرِبُون وُجوهَهم وأدْبارهُم} حال من الملائكة، أو من الذين، أو منهما لاشتماله على ضميرهما، ويجوز أن يكون فاعل يتوفى ضمير الله، والملائكة مبتدأ خبره ما بعده، والجملة حال من الذين مربوطة بالضمير دون الواو الأولى ما مر من أن الفاعل الملائكة، ويدل له قراءة ابن عامر، والأعرج: تتوفى بالمثناة فوق، وأن الغالب فى الجملة الاسمية الواقعة حال أن تقرن بالواو، والمراد بالرجوه ظاهرها وبالأدبار الأستاه، وخص الموضعان لأن الوجه أعز الأعضاء الظاهرة، والدبر أصون شئ أن ينال، فالضرب فيهما أشد خزيا ونكالا، والله كريم فكنى عن الاستاه بالأدبار هذا هو الظاهر، وبه قال مجاهد، وابن عباس فى رواية. وقال الحسن، وابن عباس فى رواية: أراد بالوجوه ما أقبل منهم من وجه وصدر وبطن وغير ذلك، وبالأدبار ما أدبر من دبر وظهر وغيرهما، وبه قال ابن جريج، ويجوز أن يراد بالوجه والدبر ظاهرهما، ويكنى عن جميع الجسد بهما، كما تقول: زيد بنام صباحا ومساء، تريد وصفه بكثرة النوم، وأنه لا يحصره بوقت، وذلك أن الملائكة يضربون الكفار عند الموت بسياط من نار، وقيل ذلك يوم بدر يضربون وجوههم إذا أقبلوا، وأدبارهم إذا أدبروا بالسيوف، وبه قال ابن عباس. قال الحسن: حديث : إن رجلا قال: يا رسول الله رأيت فى ظهر أبى جهل مثل الشراك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك ضرب الملائكة" تفسير : وقيل: إن الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم بعد ما يصرعون بالقتال يوم بدر، وجواب لو محذوف تفظيعا للأمر وتهويله، أى لرأيت أمرا فظيعا منكرا، ويجوز تقديره بعد الحريق أو بعد العبيد. {وذُوقُوا عَذَابَ الحَريقِ} مفعول لقول محذوف معطوف على يضربون، أى ويقولون ذوقوا، وهذا يوم القيامة عند الحسن، فالمراد بالملائكة ملائكة التوفى والزبانية، فملائكة التوفى تضرب الوجوه والأدبار عند التوفى، والملائكة الزبانية تقول: ذوقوا عذاب الحريق، فيجوز تقدير: وتقول الملائكة أو ملائكة العذاب: ذوقوا، وقال ابن عباس ذلك بعد التوفى، فالقائلون ملائكة التوفى، وقيل ذلك عند التوفى والضرب، كانت لهم مقامع من حديد محمية بالنار يضربونهم بها فيجرحونهم جروحا تلتهب نارا، وقيل: الأصل وحالهم يوم القيامة أن يقال لهم ذوقوا، والتعبير بالذوق بشارة على جهة التهكم، فإن الذوق فى الأكل والشرب والحريق الحرق.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْ تَرَى} يا محمد، أَو يا من يصلح لخطاب المقام بعينك حال الكفار، أَو ولو ترى الكفار وجواب لو محذوف تقديره لرأَيت أَمرا فظيعا، وتقديره بعد قوله للعبيد أَولى من تقديره بعد الحريق، والحذف فى مثل هذا أَولى ليستحضر كل ممكن، ويجوز أَن تكون للتمنية فلا جواب لها، وحكمتها التشفى، والمضارع إِذا كان بعد لو يكون بمعنى الماضى {إِذْ} متعلق بترى {يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ} فاعل يتوفى، يأخذون عددهم وافيا بالنزع لأَرواحهم بالله عز وجل، ويتوفى بمعنى الماضى لدخول إِذ ولفظ المضارع لتكرار التوفى فيما مضى، أَو فاعل يتوفى الله، والملائكة مبتدأ خبره ما بعده والجملة حال من الذين والرابط ضميرهم، وإِذ جعلنا الملائكة فاعلا فيضربون إِلخ حال من الملائكة أَو من الذين وقدم الذين على طريق الاهتمام {يَضْرِبُونَ} بسيوف أَو بمقامع أَو بسياط من نار {وُجُوهَهُمْ} ما استقبل منهم من أَعلى الرأَس إِلى أَسفل الرجلين، خلفه إِلى العقب من وراءَ. وذلك يوم بدر لما قتلوا ضربت الملائكة وجوههم وظهورهم وما فوقها وما تحتها عند قبض أَرواحهم، أَو المراد التعميم، ويجوز أَن يراد خصوص المقاعد والوجوه، وعن ابن عباس: إِذا أَقبلوا فى القتال ضرب الملائكة وجوههم بالسيوف، وإِذا أَدبروا ضربوا أَدبارهم بها، فضربوا أَدبارهم ووجوههم عند نزع أَرواحهم أَيضا، وعن الحسن أَن رجلا قال: يا رسول الله، رأَيت بظهر أَبى جهل مثل الشراك، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ذلك ضرب الملائكة"تفسير : ، ويجوز أَن يكون ذلك فى الآخرة فى أَهل بدر الذين لم يقتلوا فيه، أَو من الكفار مطلقا، ويلوح بذلك إِلى أَنه قد فعل مثل ذلك بمن قتل بها، وترى بمعنى رأَيت على أَنها فى بدر، أَى مضى ذلك ولم تره، ولو رأَيته لرأَيت أَمرا فظيعا، فمدخول لو هنا ماض تقديرا مستقبل تحقيقا {وَذُوقُوا} ويقولون لهم ذوقوا، وستشبعون، وذلك تبشير لهم بالعذاب تهكما، وهذا كذوق أَول الطعام، وعنوان لما يتضاعف بعد، ويجوز أَن يقدر ونقول ذوقوا كما فى آية أُخرى "أية : ونقول ذوقوا عذاب الحريق" تفسير : [آل عمران: 181] {عَذَابَ الْحَرِيقِ} تضربهم الملائكة بسيوف وسياط، أَو مقامع فتلتهب ناراً كلما ضربوهم، وهى نار قبل جهنم، أَو يضربونهم بلا نار ويقولون ذوقوا عن قريب نار جهنم، والحريق النار.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ تَرَى} خطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن له حظ من الخطاب، والمضارع هنا بمعنى الماضي لأن {لَوْ} الامتناعية ترد المضارع ماضياً كما أن إن ترد الماضي مضارعاً، أي ولو رأيت {إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} الخ لرأيت أمراً فظيعاً، ولا بد عند العلامة من حمل معنى المضي هنا على الفرض والتقدير، وليس المعنى على حقيقة المضي، قيل: والقصد إلى استمرار امتناع الرؤية وتجدده وفيه بحث، وإذ ظرف لترى والمفعول محذوف، أي ولو ترى الكفرة أو حالهم حينئذٍ، و {ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} فاعل {يَتَوَفَّى}، وتقديم المفعول للاهتمام به، ولم يؤنث الفعل لأن الفاعل غير حقيقي التأنيث، وحسن ذلك الفصل / بينهما، ويؤيد هذا الوجه قراءة ابن عامر {تتوقى} بالتاء. وجوز أبو البقاء أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى، والملائكة على هذا مبتدأ خبره جملة: { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ} والجملة الإسمية مستأنفة، وعند أبـي البقاء في موضع الحال، ولم يحتج إلى الواو لأجل الضمير، ومن يرى أنه لا بد فيها من الواو وتركها ضعيف يلتزم الأول، وعلى الأول يحتمل أن يكون جملة {يَضْرِبُونَ} مستأنفة وأن تكون حالاً من الفاعل أو المفعول أو منهما لاشتمالها على ضميريهما وهي مضارعية يكتفي فيها بالضمير كما لا يخفى. والمراد من وجوههم ما أقبل منهم، ومن قوله سبحانه: {وَأَدْبَـٰرَهُمْ} ما أدبر وهو كل الظهر. وعن مجاهد أن المراد منه أستاههم ولكن الله تعالى كريم يكني والأول أولى، وذكرهما يحتمل أن يكون للتخصيص بهما لأن الخزي والنكال في ضربهما أشد ويحتمل أن يراد التعميم على حد قوله تعالى: {أية : بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ } تفسير : [الأعراف: 205] لأنه أقوى ألماً، والمراد من الذين كفروا قتلى بدر كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره. وروي عن الحسن أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت بظهر أبـي جهل مثل الشراك فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك ضرب الملائكة. وفي رواية عن ابن عباس ما يشعر بالعموم. فقد أخرج ابن أبـي حاتم عنه أنه قال: آيتان يبشر بهما الكافر عند موته وقرأ {وَلَوْ تَرَى} الخ، ولعل الرواية عنه رضي الله تعالى عنه لم تصح. {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} عطف على {يَضْرِبُونَ} بإضمار القول، أي ويقولون ذوقوا، أو حال من ضميره كذلك أي ضاربين وجوههم وقائلين ذوقوا، وهو على الوجهين من قول الملائكة، والمراد بعذاب الحريق عذاب النار في الآخرة، فهو بشارة لهم من الملائكة بما هو أدهى وأمر مما هم فيه، وقيل كان مع الملائكة يوم بدر مقامع من حديد كلما ضربوا المشركين بها التهبت النار في جراحاتهم، وعليه فالقول للتوبيخ، والتعبير بذوقوا قيل: للتهكم لأن الذوق يكون في المطعومات المستلذة غالباً، وفيه نكتة أخرى وهو أنه قليل من كثير وأنه مقدمة كأنموذج الذائق. وبهذا الاعتبار يكون فيه المبالغة، وإن أشعر الذوق بقلته. وذكر بعضهم: وهو خلاف الظاهر أنه يحتمل أن يكون هذا القول من كلام الله تعالى كما في آل عمران [181] {أية : وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } تفسير : وجواب {لَوْ} محذوف لتفظيع الأمر وتهويله وتقديره ما أشرنا إليه سابقاً، وقدره الطيبـي لرأيت قوة أوليائه ونصرهم على أعدائه.
ابن عاشور
تفسير : لمّا وُفِّيَ وصفُ حال المشركين حقَّه، وفصّلت أحوال هزيمتهم ببدر، وكيف أمكن الله منهم المسلمين، على ضُعف هؤلاء وقوة أولئك، بما شاهده كلّ حاضر حتّى ليوقن السامع أنّ ما نال المشركين يومئذ إنّما هو خذلان من الله إيّاهم، وإيذان بأنّهم لاقون هلاكهم ما داموا مناوئين لله ورسوله، انتُقِل إلى وصف ما لقيه من العذاب مَنْ قُتل منهم يوم بدر، ممّا هو مغيب عن الناس، ليعلم المؤمنون ويرتدع الكافرون، والمراد بالذين كفروا هنا الذين قتلوا يوم بدر، وتكون هذه الآية من تمام الخبر عن قوم بدر. ويجوز أن يكون المراد بالذين كفروا: جميع الكافرين حملاً للموصول على معنى العموم فتكون الآية اعتراضاً مستطرداً في خلال القصّة بمناسبة وَصف ما لقيه المشركون في ذلك اليوم، الذي عجّل لهم فيه عذاب الموت. وابتدىء الخبر بـ{ولو ترى} مخاطباً به غير معين، ليعمّ كلّ مخاطب، أي: لو ترى أيّها السامع، إذ ليس المقصود بهذا الخبر خصوص النبي صلى الله عليه وسلم حتّى يحمل الخطاب على ظاهره، بل غير النبي أولى به منه، لأن الله قادر أن يطلع نبيه على ذلك كما أراه الجنّة في عرض الحائط. ثمّ إن كان المراد بالذين كفروا مشركي يوم بدر، وكان ذلك قد مضى يكن مقتضى الظاهر أن يقال: ولو رأيت إذ تَوفَّى الذين كفروا الملائكة. فالإتيان بالمضارع في الموضعين مكانَ الماضي؛ لقصد استحضار تلك الحالة العجيبة، وهي حالة ضرب الوجوه والأدبار، ليخيّل للسامع أنّه يشاهد تلك الحالة، وإن كان المراد المشركين حيثما كانوا كان التعبير بالمضارع على مقتضى الظاهر. وجواب {لو} محذوف تقديره: لرأيت أمراً عجيباً. وقرأ الجمهور: يتوفّى ـ بياء الغائب ـ وقرأه ابن عامر: تتوفّى ـ بتاء التأنيث ـ رعيا لصورة جمع الملائكة. والتوفِّي: الإماتة سمّيت توفّياً؛ لأنها تنهي حياة المرء أو تستوفيها {أية : قل يتوفّاكم ملك الموت الذي وكل بكم}تفسير : [السجدة: 11] وجملة: {يضربون وجوههم وأدبارهم} في موضع الحال إن كان المراد من التوفّي قبض أرواح المشركين يوم بدر حين يقتلهم المسلمون، أي: يزيدهم الملائكة تعذيباً عند نزع أرواحهم، وهي بدل اشتمال من جملة: {يتوفّى} إن كان المراد بالتوفّي توفياً يتوفّاه الملائكة الكافرين. وجملة: {وذوقوا عذاب الحريق} معطوفة على جملة: {يضربون} بتقدير القول، لأنّ هذه الجملة لا موقع لها مع التي قبلها، إلاّ أن تكون من قول الملائكة، أي: ويقولون: ذوقوا عذاب الحريق كقوله: {أية : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا}تفسير : [البقرة: 127]، وقوله: {أية : ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربّنا أبصرنا وسمعنا}تفسير : [السجدة: 12]. وذكر الوجوه والأدبار للتعميم، أي: يضربون جميع أجسادهم. فالأدبار: جمع دبر وهو ما دَبَر من الإنسان. ومنه قوله تعالى: {أية : سيهزم الجمع ويولون الدبر}تفسير : [القمر: 45]. وكذلك الوجوه كناية عمّا أقبل من الإنسان، وهذا كقول العرب: ضربته الظهر والبطن، كناية عمّا أقبل وما أدبر أي ضربته في جميع جسده. و«الذوق» مستعمل في مطلق الإحساس، بعلاقة الإطلاق. وإضافة العذاب إلى الحريق من إضافة الجنس إلى نوعه، لبيان النوع، أي عذاباً هو الحريق، فهي إضافة بيانية. و{الحريق} هو اضطرام النار، والمراد به جهنّم، فلعلّ الله عجّل بأرواح هؤلاء المشركين إلى النار قبل يوم الحساب، فالأمر مستعمل في التكوين، أي: يذيقونهم، أو مستعمل في التشفّي، أو المراد بقول الملائكة {وذوقوا} إنذارهم بأنّهم سيذوقونه، وإنّما يقع الذوق يوم القيامة، فيكون الأمر مستعملاً في الإنذار كقوله تعالى: {أية : قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار}تفسير : [إبراهيم: 30] بناء على أنّ التمتّع يؤذن بشيء سيحدث بعد التمتّع مضاد لما به التمتّع. واسم الإشارة {ذلك بما قدمت أيديكم} إلى ما يشاهدونه من العذاب، وجيء بإشارة البعيد لتعظيم ما يشاهدونه من الأهوال. والجملة مستأنفة لقصد التنكيل والتشفّي. والباء للسببية، وهي، مع المجرور، خبر عن اسم الإشارة. و«ما» في قوله: {بما قدمت أيديكم} موصولة، ومعنى {قدمت أيديكم} أسلفته من الأعمال فيما مضى، أي من الشرك وفروعه من الفواحش. وذكر الأيدي استعارة مكنية بتشبيه الأعمال التي اقترفوها، وهي ما صدقُ {ما قدمت} بما يجتنيه المجتني من الثمر، أو يقبضه البائع من الأثمان، تشبيه المعقول بالمحسوس، وذكر رديف المشبه وهو الأيدي التي هي آلة الاكتساب، أي: بما قدّمته أيديكم لكم. وقوله: {وأن الله ليس بظالم للعبيد} عطف على {ما قدمت أيديكم} والتقدير: وبأنّ الله ليس بظلام للعبيد، وهذا علّة ثانية لإيقاع تلك العقوبة عليهم، فالعلة الأولى، المفادة من باء السببية تعليل لإيقاع العقاب. والعلّة الثانية، المفادة من العطف على الباء ومجرورها، تعليل لصفة العذاب؛ أي هو عذاب معادل لأعمالهم، فمورد العلّتين شيء واحد لكن باختلاف الاعتبار. ونفي الظلم عن الله تعالى كناية عن عدله، وأنّ الجزاء الأليم كَانَ كِفاء للعمل المجازَى عنه دون إفراط. وجعل صاحب «الكشّاف» التعليلين لشيء واحد، وهو ذلك العذاب، فجعلهما سببين لكفرهم ومعاصيهم، وأنّ التعذيب من العَدل مثل الإثابة، وهو بعيد، لأنّ ترك الله المؤاخذة على الاعتداء على حقوقه إذا شاء ذلك، ليس بظلم، والموضوع هو العقاب على الإشراك والفواحش، وأمّا الاعتداء على حقوق الناس فترك المؤاخذة به على تسليم أنّه ليس بعدل، وقد يعوض المعتدى عليه بترضية من الله، فلذلك كان ما في «الكشّاف» غير خال عن تعسف حمله عليه الإسراع لنصرة مذهب الاعتزال من استحالة العفو عن العصاة، لأنّه مناف للعدل أو للحكمة. ونفي ظَلاَّم ـ بصيغة المبالغة ـ لا يفيد إثبات ظلم غير قوي؛ لأنّ الصيغ لا مفاهيم لها، وجرت عادة العلماء أن يجيبوا بأنّ المبالغة منصرفة إلى النفي كما جاء ذلك كثيراً في مثل هذا، ويزاد هنا الجواب باحتمال أنّ الكثرة باعتبار تعلّق الظلم المنفي، لو قدر ثبوته، بالعبيد الكثيرين، فعبّر بالمبالغة عن كثرة إعداد الظلم باعتبار تعدّد أفراد معموله. والتعريف باللام في {العبيد} عوض عن المضاف إليه، أي: لعبيدِهِ كقوله: {أية : فإن الجنة هي المأوى}تفسير : [النازعات: 41] ويجوز أن يكون {العبيد} أطلق على ما يرادف الناس كما أطلق العباد في قوله تعالى: {أية : يا حسرة على العباد}تفسير : في سورة [يس: 30].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إذ يتوفى: أي يقبض أرواحهم لإِماتتهم. وجوههم وأدبارهم: أي يضربونهم من أمامهم ومن خلفهم. بظلام للعبيد: أي ليس بذي ظلم للعبيد كقوله {أية : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} تفسير : [الكهف: 49]. كدأب آل فرعون: أي دأب كفار قريش كدأب آل فرعون في الكفر والتكذيب والدأب العادة. لم يك مغيراً نعمة: تغيير النعمة تبديلها بنقمة بالسلب لها أو تعذيب أهلها. آل فرعون: هم كل من كان على دينه من الأقباط مشاركاً له في ظلمه وكفره. معنى الآيات: ما زال السياق مع كفار قريش الذين خرجوا من ديارهم بطرأ ورئاء الناس فيقول تعالى لرسوله {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} وهم يقولون لهم {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} وجواب لولا محذوف تقديره (لرأيت أمراً فظيعاً) وقوله تعالى {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} هو قول الملائكة لمن يتوفونهم من الذين كفروا. أي ذلكم الضرب والتعذيب بسبب ما قدمت أيديكم من الكفر والظلم والشر والفساد وأن الله تعالى ليس بظالم لكم فإنه تعالى لا يظلم أحداً. وقوله تعالى {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي دأب هؤلاء المشركين من كفار قريش في كفرهم وتكذيبهم كدأب آل فرعون والذين من قبلهم {كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} وكفر هؤلاء فأخذهم الله بذنوبهم، وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} يشهد له فعله بآل فرعون والذين من قبلهم عاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات وأخيراً أخذه تعالى كفار قريش في بدر أخذ العزيز المقتدر، وقوله تعالى {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} إشارة إلى ما أنزله من عذاب على الأمم المكذبة الكافرة الظالمة، وإلى بيان سنته في عباده وهي أنه تعالى لم يكن من شأنه أن يغير نعمة أنعمها على قوم كالأمن والرخاء، أو الطهر والصفاء حتى يغيروا هم ما بأنفسهم بأن يكفروا ويكذبوا، ويظلموا أو يفسقوا ويفجروا، وعندئذ يغير تلك النعم بنقم فيحل محل الأمن والرخاء الخوف والغلاء ومحل الطهر والصفاء الخبث والشر والفساد هذا إن لم يأخذهم بالإِبادة الشاملة والاستئصال التام. وقوله تعالى {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي لأقوال عباده وأفعالهم فلذا يتم الجزاء عادلاً لا ظلم فيه. وقوله تعالى {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} هذه الآية تشبه الآية السابقة إلا أنها تخالفها فيما يلي: في الأولى الذنب الذي أخذ به الهالكون كان الكفر، وفي هذه: كانت التكذيب، في الأولى: لم يذكر نوع العذاب، وفي الثانية أنه الإِغراق، في الأولى لم يسجل عليهم سوى الكفر فهو ذنبهم لا غير. وفي الثانية سجل على الكل ذنباً آخر وهو الظلم إذ قال {وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} أي بكفرهم وتكذيبهم، وصدهم عن سبيل الله وفسقهم عن طاعة الله ورسوله مع زيادة التأكيد والتقرير. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عذاب القبر بتقرير العذاب عند النزع. 2- هذه الآية نظيرها آية الأنعام {أية : وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [الآية: 93] أي بالضرب. 3- تنزه الخالق عز وجل عن الظلم لأحد. 4- سنة الله تعالى في أخذ الظالمين وإبدال النعم بالنقم. 5- لم يكن من سنة الله تعالى في الخلق تغيير ما عليه الناس من خير أو شر حتى يكونوا هم البادئين. 6- التنديد بالظلم وأهله، وأنه الذنب الذي يطلق على سائر الذنوب.
القطان
تفسير : أدبارهم: ظهورهم. عذاب الحريق: عذاب النار في الآخرة كدأب: كعادة. بعد ان بيّن الله تعالى حال هؤلاء الكفار في خروجهم إلى قتال المؤمنين بَطَراً ورياءً، وتزيينَ الشيطان لهم أعمالَهم - قفّى على ذلك بذِكر أحوالهم حين موتهم وبيان العذاب الذي ينالونه عندئذٍ ثم ذكر ان الملائكة تأخذ الذين كفروا بالتعذيب والتأنيب حين يقبضون ارواحهم بصورة منكرة، ويؤذونهم أذى مهينا، جزاء على البطر والاستكبار. ويذكر في اثناء هذا العرض ان أخْذ الكفار بتكذيبهم سنّةٌ ماضية. وانه كذلك أخَذ فرعون. ولو ترى ايها الرسول ذلك الهول الخطير ينزل بهؤلاء الكفار حين تتوفاهم الملائكة لرأيتهم يضربون وجوههم وظهورهم، ويقولون لم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذّبون. قراءاتك قرأ ابن عامر: "اذ تتوفَّى" بتائين. والباقون: "يَتَوفى" بالياء. ان الله لا يظلم أحداً من عبيده، فلا يعذّب الا بما عمل من سوء. {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ}. ان الله تعالى لا يترك الناس سُدى، وانما هي سنّته يمضي بها قدَرُه، وليس فعل هؤلاء المشركين من قريش الذين قُلتوا ببدر وما أصابهم الا ما يصيب المشركين في كل زمان. لقد اصاب مثلُه آل فرعون والذين من قبلهم من الأمم الخالية، وقد آتاهم الله من نعمته، وزرقهم من فضله، ومكن لهم في الأرض، وجعلهم خلائف فيها، فطغَوا وبغَوا وتجبروا، وجاءتهم آيات الله فكفروا بها، فحقَّت عليهم كلمة ربك، وأخذَهم بالعذاب. {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لا يغلبه غالب، شديد المجازاة لمن يستحقه عقابه. روى مسلم في صحيحه عن أبي ذرّ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ان الله تعالى يقول: إني حرّمت الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تَظالموا، يا عبادي انما هي اعمالكم أُحصيها لكم، فمن وجَد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ الا نفسه" تفسير : والحديث طويل نفيس. {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. ذلك، أي الذي ذُكر من أخْذه لقريش بكفرهم بنعم الله عليهم. لقد كذّبوا رسوله واخرجوه من دياره وحاربوه، ففعل الله بهم كما فعل بالأمم من قبلهم ولقد جرت سنّة الله ان لا يغيرّ نعمة أنعمها على قوم، كنعمة الامن والرخاء والعافية، حتى يغيروا ما بأنفسِهم. وهذا عدل في الجزاء. {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} سميع لما يقولون عليم بما يفعلون. {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ}. هنا كرر قضية آل فرعون فقد كانت المرة الأولى لبيان كفرهم فأخذَهم بالعذاب، اما الثانية فهي أن حال هؤلاء كحال آل فرعون والذين من قبلهم في تغيير النعم. وكما أن دأْب هؤلاء الكفار في الإنكار لآيات الله ونعمه كدأبِ آل فرعون والذين من قبلهم - فان دأبهم ايضا الاستمرار على التكذيب برسله، مثل آل فرعون والذين من قبلهم - من ثم كان الشبه بينهم في الكفر بالآيات وجحود رسالة الرسل، وفي الاستمرار على ذلك. لهذا أخذ الله الجميع بذنوبهم: أولئك بالصواعق والرياح ونحوها، وآل فرعون بالغرق، وكلهم كانوا ظالمين، فاستحقوا ما نزل بهم من العقاب.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمَلاۤئِكَةُ} {وَأَدْبَارَهُمْ} (50) - وَلَوْ عَايَنْتَ يَا مُحَمَّدُ الكُفَّارَ حِينَمَا تَأْتِي المَلاَئِكَةُ لِقَبْضِ أرْوَاحِهِمْ، إِذاً لَرَأَيْتَ أمْراً عَظِيماً مَهُولاً، إِذْ يَضْرِبُونَ (يَوْمَ بَدْرٍ) وُجُوهَهُمْ بِالسُّيُوفِ إذا أقْدَمُوا، وَيَضْرِبُونَ أدْبَارَهُمْ إذا وَلَّوا، وَيَقُولُونَ لَهُمْ: ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ، بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ وَسُوءِ أَعْمَالِكُمْ. (وَقَالَ بَعْضُ المُفَسِّرينَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَشْمَلُ أيْضاً حَالَةَ مُوَافَاةِ المَلاَئِكَةِ الكُفَّارَ وَهُمْ عَلَى فِرَاشِ المَوْتِ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، وَنُفُوسُهُمْ تَرْفُضُ الخُرُوجَ، لِما تَعْلَمُهُ مِمّا ارْتَكَبَتْهُ مِنْ شُرورٍ وَمَآثِمَ فِي الدُّنْيا، وَلِما تَعْلَمُهُ مِمّا يَنْتَظِرُهَا مِنْ عَذَابِ اللهِ الشَّدِيدِ فِي الآخِرَةِ، كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أخْرَى {أية : وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والذي يُوجه إليه هذا الخطاب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعناه لو كشفنا لك الغيب لترى، وتلاحظ أن الله سبحانه وتعالى ترك الجواب، فلم يقل ماذا يحدث لهذا الكافر الملائكة يضربونه، وإذا ما حذف الجواب فإنك تترك لخيال كل إنسان أن يتصور ما حدث في أبشع صورة، ولو أن الحق سبحانه وتعالى جاء بجوابه لحدد لنا ما يحدث، ولكن ترك الجواب جعل كلا منا يتخيل أمراً عجيباً لا يخطر على البال، ويكون هذا تفظيعاً لما سوف يحدث. والصورة هنا تنتقل بنا من عذاب الدنيا للكفار إلى ساعة الموت. و{يَتَوَفَّى} أي لحظة أن تقبض الملائكة أرواح الكافرين، والتوفي وهو قبض الأرواح يجيء مرة منسوباً لله سبحانه وتعالى مصداقاً لقوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم} ومرة يأتي منسوباً لرسل من الله: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} ومرة يأتي منسوباً إلى ملك الموت وهو عزرائيل: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ} وبذلك يكون التوفي في أسند مرة إلى الله عز وجل ومرة إلى عزرائيل ومرة إلى رسل الموت، ونقول: لا تعارض في هذه الأقوال؛ لأن الأمر في كل الأحوال يصدر من الله سبحانه وتعالى، إما أن يقوم عزرائيل بتنفيذه وإما جنوده وهم كثيرون. الأمر الأصيل - إذن - من الله، وينسب إلى المتلقي المباشر من الله وهو عزرائيل، ويُنسب إلى من يطلب منهم ملك الموت أن يقوموا بهذه العمليات. وهذا العذاب يحدث ساعة الاحتضار وهي اللحظة التي لا يكذب الإنسان فيها على نفسه؛ لأن الإنسان قد يكذب على نفسه في الدنيا، وقد يكون مريضاً بمرض لا شفاء منه فيقول: سأشفى غداً، ويعطي لنفسه الأمل في الحياة، وقد يكون فقيراً لا يملك من وسائل الدنيا شيئاً ويقول: سوف أغتني؛ لأن الإنسان دائما يغلب عليه الأمل إلا ساعة الاحتضار، فهذه لحظة يوقن فيها كل ميت أنه ميت فعلاً ولا مفَّر له من لقاء الله، ولذلك تجد أن الذي ظلم إنساناً لحظة يموت يقول لأولاده: أحضروا فلاناً لقد ظلمته فردوا له حقوقه نحوي وما ظلمته فيه، والإنسان لحظة الاحتضار يرى كل شريط عمله. فإن كان مؤمناً رأى شريطاً منيراً؛ فيبتسم ويستقبل الموت وهو مطمئن. وإن كانت أعماله سيئة فهو يرى ظلاماً، ويتملكه الذعر والخوف لأنه عرف مصيره. وحينما زين الشيطان للكفار أن يقاتلوا المؤمنين ووعدهم بالنصر، وقال: إنني سأجيركم إذا دارت عليكم الدائرة، فلما أصبح المؤمنون والكفار على مدى الرؤية من بعضهم البعض هرب الشيطان؛ لأنه رأى من بأس الله ما لم يره الكفار، وهذا هو موقف الشيطان دائماً، إذا رأى بأس الله أسرع بالفرار، ويعترف أن كل حديثه لابن آدم إنما هو وعد كاذب سببه الحقد الذي في قلبه؛ لأنه تلقى العقاب من الله عز وجل بعد أن رفض تنفيذ أمر الله له بالسجود لآدم، وهو الذي أوجب عليه العذاب الذي سيلاقيه. ونرى الشيطان مثلاً كما يخبرنا الحق سبحانه وتعالى بقوله: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82]. أي أنه أقسم بجلال الله وعزته. ومعنى عزة الله أنه غني عن خلقه جميعاً لا يحتاج لأحد منهم، فهو الله بجلال وجمال صفاته قبل أن يوجد أحد من خلقه قد خلق هذا الكون وأوجده ولم يستعن بأحد، ولو آمن به الناس جميعاً ما زاد ذلك في ملكه شيئاً. ولو كفر به الناس جميعاً ما نقص ذلك من ملكه شيئاً. وقسم إبليس بعزة الله إقرار منه بها. وقد أقسم بعزة الله أن يطلب الغواية للإنسان؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما دام لا يزيد ملكه ولا ينقص بإيمان خلقه؛ لذلك أعطاهم حرية الاختيار، ولو أراد الله الناس مؤمنين ما استطاع إبليس أن يقترب من أحد منهم، ويحاول إبليس بحقده على الإنسان وكرهه له أن يصرفه عن طريق الإيمان، ولكن هل يملك إبليس قوة إغواء على مؤمن؟. لا، ولذلك فهناك استثناء: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 83]. أي أن إبليس لا يستطيع أن يقترب من عبد مؤمن مخلص في إيمانه. ولذلك لا بد أن نلتفت إلى قول الشيطان الذي جاء على لسانه في الآية الكريمة: {أية : إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تفسير : [الأنفال: 48]. إذن فما دام إبليس يخاف الله، وما دام يعلم أن الله شديد العقاب فما الذي أذهب عنه هذا الخوف حين أمره الله بالسجود لآدم فعصى؟. خصوصاً وهو يعلم أن الله شديد العقاب، ولو كان قد عرف أن الله لا يعاقب أو يعاقب عقاباً خفيفاً لقلنا أغرته بساطة العقاب بالمعصية. ولكن علمه بشدة العقاب كان يجب أن يدفعه إلى الطاعة من باب أولى. ونقول: إنه في ساعة الكبر نسي إبليس كل شيء!! فأنت في حين يأخذك الكبر تتعالى ولو في مواقع الشدة، حتى وإن علمت أنه قد يصيبك عقاب شديد، ولكن يختفي كل هذا من نفسك إذا دخل فيها الكبر. ولذلك قد تجد إنساناً يُعذب بضرب شديد ولكن الكبر في نفسه يجعله لا يصيح ولا يصرخ. ونجد إنساناً قد يتخذ في لحظة كبر قراراً له عواقب وخيمة ولكنه يتحمله. وإبليس ساعة رفضه تنفيذ أمر السجود كان يمتلىء بالكبر والغرور، فتكبر على أمر الله وملكه الغرور فقال: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61]. إذن ففي لحظة الكبر نسي إبليس كل شيء، واندفع في معصيته يملؤه الزهو وأصر على المعصية رغم علمه أن الله شديد العقاب. وفي قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} [الأنفال: 50]. نجد أنه قد حذف جواب "لو" والمعنى لو كشف الحجاب لترى الملائكة وهم يتوفون الذين كفروا لرأيت أمرا عظيما فظيعا، وهل يحدث هذا ساعة القتال عندما يُقتل الكفار في المعركة وتستقبلهم الملائكة بالضرب، أم يحدث هذا الأمر لحظة الوفاة الطبيعية؟. كلاهما صحيح والعذاب هذا أخذ صفة الإقبال ومحاولة الهرب، ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ..} [الأنفال: 50]. فالمقبل منهم يضربونه على وجهه، فإذا أدار، وجهه ليتقي الضرب، يضربونه على ظهره، وكان الكفار يعذبون المؤمنين بهذه الطريقة؛ فالمقبل عليهم من المؤمنين يضربونه على وجهه، فإذا حاول الفرار ضربوه على ظهره وعلى رأسه. ويذيق الله الكافرين ما كانوا يفعلونه مع المؤمنين. ولكن الفارق أن الضارب من الكفار كان يضرب بقوته البشرية المحدودة. أما الضارب من الملائكة فيضرب بقوة الملائكة. ويقال: إن الملائكة معهم مقامع من حديد. أي قطع حديد ضخمة يضربون بها وجوه الكفار وأدبارهم. ومن شدة الضربة واحتكاك الحديد بالجسم تخرج منه شرارة من نار لتحرق أجساد الكفار. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} [الأنفال: 50]. إذن فهم يضربون الكفار ساعة الاحتضار ضرباً مؤلماً جدا هذا الضرب رغم قسوته، والشرر الذي يخرج منه لا ينجيهم في الآخرة من عذاب الحريق. ولذلك حديث : أقبل صحابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله.. لقد رأيت في ظهر أبي جهل مثل شراك النعل. أي علامة من الضرب الشديد ظاهرة على جسده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك ضرب الملائكة، وجاء صحابي آخر وقال: يا رسول الله.. لقد هممت بأن أقتل فلانا فتوجهت إليه بسيفي، وقبل أن يصل سيفي إلى رقبته رأيت رأسه قد طار من فوق جسده. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبقك إليه الملكتفسير : . وذلك مصداقاً لقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}تفسير : [الأنفال: 12]. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: 50]. أي أن الضرب فيه إهانة أكثر من العذاب، ولو أن العذاب قد يكون أكثر إيلاماً. فقد يقوم مجرم بارتكاب جريمة ما فإذا أُخِذَ وعُذب ربما تحمل العذاب بجلد، ولكنَّه إذا ضُرب أمام الناس كان ذلك أشدَ إهانة له، فإذا كان الضرب من الذي وقعت عليه الجريمة كانت الإهانة أكبر. ولكن هذا الضرب والعذاب لا ينجيهم من عذاب النار، بل يدخلون إلى أشد العذاب يوم القيامة، وهذه نتيجة منطقية لما يفعله الكفار من عدم الإيمان بالله ومن قيامهم بإيذاء المؤمنين به والإفساد في الأرض. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الآية: 50]. قال: ذلك يوم بدر. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} [الآية: 52] قال: كَفِعْلِ آل فرعون. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله: {ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ} [الآية: 56]. وهم بنو قريظة مالَؤوا على نبي الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الخندق. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} [الآية: 60]. قال: هم بنو قريظة. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} [الآية: 58]. يعني: بني قريظة. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} [الآية: 61]. يعني: الصلح. يعني: قريظة. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ} [الآية: 62]. يعني: قريظة. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} [الآية: 65]. قال: كان أَصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر جعلوا على كل رجل منهم، قتال عشرة من الكفار، فضجوا من ذلك. فجعل على كل رجل منهم قتال رجلين. فنزل التخفيف من الله، عز وجل فقال: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ} [الآية: 66]. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم / 27و / قال: حدثنا آدم، قال: ثنا شريك عن سالم الأَفطس عن سعيد بن جبير: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ} [الآية: 68]، لأَهل بدر، {لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ} من الغنائم والفدى {عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الآية: 68]. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} [الآية: 68]، لأَهل بدر.
الجيلاني
تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ} أيها الرائي وقت {إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} أي: يتوفاهم الملائكة، ويقتلهم يوم بدر حال كونهم {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ} من يأتي منهم من أمامهم {وَأَدْبَارَهُمْ} أي: يضربون من خلفهم من يأتي من ورائهم {وَ} يقولون حين ضربهم وقتلهم تقريعاً وتوبيخاً: {ذُوقُواْ} أيها المعاندون المعادون مع الله ورسوله {عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} [الأنفال: 50] أي: أنموذج عذاب النار حتى تصلوا إليها، ولو رأيت حالهم حينئذٍ أيها الرائي لرأيت أمراً فظيعاً فجيعاً. {ذٰلِكَ} العذاب والنكال في النشأة الأولى والآخرة إنما عرض عليكم أيها المسرفون {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي: بشؤم ما كسبتم لأنفسكم من الكفر والشرك ومعاداة الرسول والمؤمنين، وبمقدار ما اقترفتم بلا ظلم عليكم {وَ} اعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ} المستوي على العدل القويم {لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ} أي: ظالم {لِّلْعَبِيدِ} [الأنفال: 51] الذين يظلمون أنفسهم باقتراف المعاصي والآثام، بل يجازيهم على مقتضى جرائمهم عدلاً منه سبحانه. إذ دأب هؤلاء المصرين المعاندين {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} أي: سنتهم وعملهم كعمل آل فرعون وسنتهم {وَ} كدأب القوم {ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِهِمْ} كعاد وثمود {كَفَرُواْ} أولئك البعداء الخارجون عن طريق الحق {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} المنزلة على رسله عتواً وعناداً كهؤلاء المصرين المستكبرين {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ} المنتقم منهم {بِذُنُوبِهِمْ} التي كسبوها لنفوسهم كهؤلاء {إِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والجلال {قَوِيٌّ} على الانتقام {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 52] على من خرج عن مقتضى أمره، بحيث لا يرفع عقابه شيء. {ذٰلِكَ} أي: حلول الغضب والنكال عليهم {بِأَنَّ ٱللَّهَ} المنعم المفضل {لَمْ يَكُ مُغَيِّراً} مبدلاً محولاً {نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ} تفضلاً وامتناناً {حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ} ويبلدوا {مَا بِأَنْفُسِهِمْ} من مقتضيات العبودية والانقياد بالخروج عن حدود الله، ونقض عهوده وارتكاب نواهيه ومحظوراته، وتكذيب آياته ورسله كما غيرها قريش {وَأَنَّ ٱللَّهَ} المطلع لأحوال عباده {سَمِيعٌ} لما يقولون على الله وعلى رسوله حين بطرهم وغفلتهم {عَلِيمٌ} [الأنفال: 53] بما يخفون في نفوسهم من الأباطيل.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: ولو ترى الذين كفروا بآيات اللّه حين توفاهم الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم وقد اشتد بهم القلق وعظم كربهم، و { الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم، ونفوسهم متمنعة مستعصية على الخروج، لعلمها ما أمامها من العذاب الأليم. ولهذا قال: { وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيق } أي: العذاب الشديد المحرق، ذلك العذاب حصل لكم، غير ظلم ولا جور من ربكم، وإنما هو بما قدمت أيديكم من المعاصي التي أثرت لكم ما أثرت، وهذه سنة اللّه في الأولين والآخرين، فإن دأب هؤلاء المكذبين أي: سنتهم وما أجرى اللّه عليهم من الهلاك بذنوبهم. { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } من الأمم المكذبة. { كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ } بالعقاب { بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ } لا يعجزه أحد يريد أخذه {أية : مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 314 : 20 : 10 - سفين عن أبي هاشم عن مجاهد {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} قال، استاههم. [الآية 50].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):