Verse. 1209 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

اِذْ يَقُوْلُ الْمُنٰفِقُوْنَ وَالَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِہِمْ مَّرَضٌ غَرَّ ھٰۗؤُلَاۗءِ دِيْنُہُمْ۝۰ۭ وَمَنْ يَّتَوَكَّلْ عَلَي اللہِ فَاِنَّ اللہَ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ۝۴۹
Ith yaqoolu almunafiqoona waallatheena fee quloobihim maradun gharra haolai deenuhum waman yatawakkal AAala Allahi fainna Allaha AAazeezun hakeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض» ضعف اعتقاد «غرَّ هؤلاء» أي المسلمين «دينُهم» إذ خرجوا مع قتلهم يقاتلون الجمع الكثير توهما أنهم ينصرون بسببه قال تعال في جوابهم: «ومن يتوكل على الله» يثق به يغلب «فإن الله عزيز» غالب على أمره «حكيم» في صنعه.

49

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: إنما لم تدخل الواو في قوله: {إِذْ يَقُولُ } ودخلت في قوله: {أية : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ }تفسير : [الأنفال: 48] لأن قوله: {وَإِذْ زَيَّنَ } عطف على هذا التزيين على حالهم وخروجهم بطراً ورئاء، وأما هنا وهو قوله: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } فليس فيه عطف لهذا الكلام على ما قبله بل هو كلام مبتدأ منقطع عما قبله، وعامل الإعراب في {إِذْ } فيه وجهان: الأول: التقدير والله شديد العقاب إذ يقول المنافقون والثاني: اذكروا إذ يقول المنافقون. المسألة الثانية: أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا. ثم إن قريشاً لما خرجوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا. قال محمد بن إسحق: ثم قتل هؤلاء جميعاً مع المشركين يوم بدر. وقوله: {غَرَّ هَـؤُلاء دِينُهُمْ } قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلثمائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل، وما ذاك إلا أنهم اعتمدوا على دينهم. وقيل المراد: إن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم، رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت ويثابون على هذا القتل. ثم قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي ومن يسلم أمره إلى الله ويثق بفضله ويعول على إحسان الله، فإن الله حافظه وناصره، لأنه عزيز لا يغلبه شيء، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه، والرحمة والثواب إلى أوليائه:

القرطبي

تفسير : قيل: المنافقون: الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر. والذين في قلوبهم مرض: الشاكّون، وهم دون المنافقين؛ لأنهم حديثو عهد بالإسلام، وفيهم بعض ضعف نية. قالوا عند الخروج إلى القتال وعند التقاء الصفّين: غَرّ هؤلاء دينهم. وقيل: هما واحد؛ وهو أولىٰ. ألا ترىٰ إلى قوله عز وجل: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [البقرة: 3] ثم قال: {أية : وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ}تفسير : [البقرة: 4] وهما لواحد.

البيضاوي

تفسير : {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} والذين لم يطمئنوا إلى الإِيمان بعد وبقي في قلوبهم شبهة. وقيل هم المشركون. وقيل المنافقون والعطف لتغاير الوصفين. {غَرَّ هَـؤُلاء} يعنون المؤمنين. {دِينَهُمُ} حتى تعرضوا لما لا يدي لهم به فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشرة إلى زهاء ألف. {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} جواب لهم. {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب لا يذل من استجار به وإن قل {حَكِيمٌ} يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل ويعجز عن إدراكه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } ضعف اعتقاد {غَرَّ هَٱؤُلآءِ } أي المسلمين {دِينُهُم } إذ خرجوا مع قلتهم يقاتلون الجمع الكثير توهماً أنهم ينصرون بسببه. قال تعالى: في جوابهم {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } يثق به يغلب {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } غالب على أمره {حَكِيمٌ } في صنعه.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} المشركون، أو قوم تكلموا بالإسلام وهم بمكة، أو قوم مرتابون لم يظهروا عداوة النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف المنافقين، والمرض في القلب: هو الشك.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إذ يقول المنافقون} يعني من أهل المدينة {والذين في قلوبهم مرض} أي شك وارتياب وهم قوم من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يقو الإسلام في قلوبهم ولم يتمكن فلما خرج كفار قريش إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا معهم إلى بدر فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وارتدوا وقالوا {غر هؤلاء دينهم} يعني أن هؤلاء نفر قليلون يقاتلون أضعافهم فقد غرهم دينهم الإسلام على ذلك وحملهم على قتل أنفسهم رجاء الثواب في الآخرة فقتلوا جميعاً يوم بدر. وقال مجاهد: إن فئة من قريش وهم قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج، خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب، فحبسهم ارتيابهم فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: غر هؤلاء دينهم ثم قال تعالى: {ومن يتوكل على الله} يعني ومن يسلم أمره إلى الله ويثق بفضله ويعول على إحسانه {فإن الله} حافظه وناصره لأنه {عزيز} لا يغلبه شيء {حكيم} فيما قضى وحكم فيوصل الثواب إلى أوليائه والعقاب إلى أعدائه. قوله عز وجل: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} يعني: ولو عاينت يا محمد وشهدت إذ تقبض الملائكة أرواح الذين كفروا عند الموت لرأيت أمراً عظيماً ومنظراً فظيعاً وعذاباً شديداً ينالهم في ذلك الوقت {يضربون وجوههم وأدبارهم} اختلفوا في وقت هذا الضرب، فقيل: هو عند الموت تضرب الملائكة وجوه الكفار وأدبارهم بسياط من نار. وقيل: إن الذين قتلوا يوم بدر من المشركين كانت الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم. وقال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربت الملائكة وجوههم بالسيوف وإذا ولوا أدبارهم ضربت الملائكة أدبارهم. وقال ابن جريج: يريد، ما أقبل من أجسادهم وأدبر يعني يضربون جميع أجسادهم {وذوقوا عذاب الحريق} يعني وتقول لهم الملائكة عند القتل: ذوقوا عذاب الحريق. قيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد محمية بالنار يضربون بها الكفار فتلتهب النار في جراحاتهم. وقال ابن عباس: تقول لهم الملائكة ذلك بعد الموت. وقال الحسن: هذا يوم القيامة تقول لهم الزبانية ذوقوا عذاب الحريق.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...} الآية: قال المفسرون: إِن هؤلاء الموصوفين بالنِّفاق، إِنما هُمْ من أهْل عَسْكر الكُفَّار ممَّن كان الإِسلام دَاخِلَ قلوبهم، خَرَجُوا مع المُشْركين إِلَى بَدْرٍ، منهم مكرَهٌ وغيرُ مُكْرَهٍ، فلما أشرفوا على المسلمينَ، ورأَوْا قلَّتهم، ٱرتَابُوا، وقالُوا مشيرين إِلى المسلمين: غَرَّ هؤلاءِ دينُهُمْ. قال * ع *: ولم يُذْكَرْ أحدٌ ممَّن شهد بدراً بنفاقٍ إِلا ما ظَهَرَ بعْدَ ذلك من مُعَتِّب ابن قُشَيْرٍ؛ فإِنه القائل يَوْمَ أحُدٍ: { أية : لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا } تفسير : [آل عمران:154] وقد يحتمل أنْ يكون منافقو المدينة، لما وَصَلَهم خروجُ قريشٍ في قوَّة عظيمةٍ، قالوا هذه المقالةَ، ثم أخبر اللَّه سبحانه بأنَّ مَنْ توكَّل عليه، وفوَّض أمره إليه، فإِن عزَّته سبحانه وحِكْمته كفيلةٌ بنَصْره، وقوله سبحانه: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَٰـئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ...} الآية هذه الآيةُ تتضمَّن التعجيبَ ممَّا حلَّ بالكُفَّار يوم بَدْر؛ قاله مجاهدٌ وغيره، وفي ذلك وعيدٌ لمن بَقِيَ منهم، وقوله: و{أَدْبَـٰرَهُمْ }، قال جُلُّ المفسِّرين: يريد أَسْتَاهَهْم، ولكنَّ اللَّه كريمٌ كَنَّى، وقال ابن عبَّاس، والحسن: أراد ظهورَهُمْ وما أَدْبَرَ منهم وباقي الآية بيِّن.

البقاعي

تفسير : ولما استوفى ما كان يقطع به في حق أولئك مما هو من أنفسهم ومما هو من تزيين الشيطان، أبدل منه ما كان يقطع به في حقهم من أهل الجهل بالله وبأيامه الماضية وآثاره عند أوليائه وأعدائه فقال: {إذ يقول المنافقون} أي من العرب وبني إسرائيل قولاً يجددونه كل وقت لما لهم فيه من الرغبة {والذين في قلوبهم مرض} أي ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه ممن آمن ولم يهاجر أو من اليهود المصارحين بالكفر حين يرون الكفار وقوتهم وكثرتهم والمؤمنين وضعفهم وقلتهم {غرَّ هؤلاء} مشيرين إليكم {دينهم} أي في إقدامهم على ما يقطع فيه بهلاكهم ظناً منهم أن الله ناصرهم وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف ملوك العرب، فيغيظكم ذلك، فكذبهم الله وصدق أمركم بتوكلكم عليه وصبركم على دينكم {ومن} أي قالوا ذلك عالمين بأنكم متوكلون عليه وصبركم على دينكم {ومن} أي قالو ذلك عالمين بأنكم متوكلون على من تدينون له والحال أنه من {يتوكل على الله} أي الذي له الإحاطة الشاملة، فهو يفعل ما يشاء منكم ومن غيركم بشرطه من الإيمان والسعي في الطاعة كما فعلتم فإنه معز ومكرم. ولما كان سبحانه محيطاً بكل صفة كمال على الإطلاق من غير قيد توكل ولا غيره، أظهر تعالى فقال عاطفاً على تقديره: فإن الله قادر على نصره: {فإن الله} أي الذي له الكمال المطلق {عزيز} أي غالب لكل من يغالبه فهو جدير بنصره {حكيم*} أي متقن لأفعاله فهو حقيق بأن يأخذ عدو المتوكل عليه من الموضع الذي لا ينفعه فيه حيلة. ولما ذكر ما سرّهم من حال أعدائهم المجاهرين والمساترين في الدنيا مرصعاً ذلك بجواهر الحكم وبدائع الكلم التي بملازمتها تكون السعادة وبالإخلال بها تحل الشقاوة، أتبعه ما يسرهم من حال أعدائهم عند الموت وبعده، فقال مخاطباً لمن لو كشف الغطاء لم يزدد يقيناً، حادياً بتخصيصه بالخطاب كل سامع على قوة اليقين ليؤهل لمثل هذا الخطاب حكاية لحالهم في ذاك الوقت {ولو} أي يقولون ذلك والحال أنك {لو ترى} يا أعلى الخلق {إذ يتوفى} أي يستوفي إخراج نفوس {الذين كفروا} أي من هؤلاء القائلين ومن غيرهم ممن قتلتموهم ببدر ومن غيرهم بعد ذلك وقبله {الملائكة} أي جنودها الذي وكلناهم بهم حال كونهم {يضربون}. ولما كان ضرب الوجه والدبر أدل ما يكون على الذل والخزي، قال: {وجوههم وأدبارهم} أي أعلى أجسامهم وأدناها فغيره أولى {و} حال كونهم يقولون لهم: ذوقوا ما كنتم به تكذبون {ذوقوا عذاب الحريق*} أي لرأيتم منظراً هائلاً وأمراً فظيعاً. فسركم ذلك غاية السرور، وما أثر كلامهم في غيظهم، فإنهم يعلمون حينئذ من الذي غره دينه و"لو" وإن كانت تقلب المضارع ماضياً فلا يخلو التعبير بالمضارع في حيزها من فائدة، وهي ما ذكر من الإشارة إلى أن هذا لا يخص ميتاً منهم دون ميت، بل لا فرق بين متقدمهم ومتأخرهم، من مات ببدر أو غيرها وليس في الكلام ما يقتضي أن يكون القائلون {غر هؤلاء دينهم} حضروا بدراً، بل الظاهر أن قائليه كانوا بالمدينة وتعبيرهم بـ {هؤلاء} التي هي أداة القرب للتحقير واستسهال أخذهم كما أن أداة البعد تستعمل للتعظيم ببعد الرتبة، وعلى مثل هذا يتنزل قول فرعون بعد أن سار بنو إسرائيل زماناً أقله ليلة وبعض يوم كما حكاه الله عنهم {أية : إن هؤلاء لشرذمة قليلون}تفسير : [الشعراء: 54] على أن البغوي قد نقل في تفسير قوله تعالى{أية : يرونهم مثليهم رأي العين} تفسير : [آل عمران: 13] أن جماعة من اليهود حضروا قتال بدر لينظروا على من تكون الدائرة. وإذا تأملت هذا مع قوله تعالى {كدأب آل فرعون} علمت أن جلَّ المقصود من هذه الآيات إلى قوله {ذلك بأنهم قوم لا يفقهون} اليهود، وفي تعبيره ب {لا يفقهون} تبكيت شديد لهم كما قال تعالى في آية الحشر {أية : لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون}تفسير : [الحشر: 13]. ولما عذبوهم قولاً وفعلاً، عللوا لهم ذلك بقولهم زيادة في تأسيفهم: {ذلك} أي هذا الفعل العظيم الذي يفعله بكم من العذاب الأليم {بما قدمت أيديكم} أي من الجراءة على الله {وأن} أي وبسبب أن له أن يفعل ذلك وإن لم تقدموا شيئاً فإن {الله} أي الذي له صفات الكمال {ليس بظلام} أي بذي ظلم {للعبيد*} فإن ملكه لهم تام. والمالك التام المُلك على ما يملكه المِلك الذي لا شيء يخرج عن دائرة ملكه، وهو الذي جبلكم هذه الجبلة الشريرة التي تأثرت عنها هذه الأفعال القبيحة، وهو لا يُسأل عما يفعل، من الذي يسأله! ويجوز أن يكون المعنى: وليس بذي ظلم لأنه لا يترك الظالم يبغي على المظلوم من غير جزاء لكم على ظلمكم لأهل طاعته، وسيأتي في "فصلت" حكمة التعبير بصيغة تحتمل المبالغة. ولما بين بما مضى ما يوجب الاجتماع عليه والرجوع في كل أمر إليه، وبين أن من خالف ذلك هلك كائناً من كان؛ أتبعه بما يبين أن هذا من العموم والاطراد بحيث لا يخص زماناً دون زمان ولا مكاناً سوى مكان فقال تعالى: {كدأب} أي عادة هؤلاء الكفار وشأنهم الذي دأبوا فيه وداموا وواظبوا فمونوا عليه كعادة {آل فرعون} أي الذين هؤلاء اليهود من أعلم الناس بأحوالهم {والذين} ولما كان المهلكون لأجل تكذيب الرسل بعض أهل الزمان الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبلهم} وهو مع ذلك من أدلة {فلم تقتلوهم} لأن هؤلاء الذين أشار إليهم كان هلاكهم بغير قتال، بل بعضهم بالريح وبعضهم بالصيحة وبعضهم بالغرق وبعضهم بالخسف الذي هو غرق في الجامد، فكأنه يقول: لا ينسب أحد لنفسه فعلاً، فإنه لا فرق عندي في إهلاك أعدائي بين أن يكون إهلاكهم بتسليط من قتال أو غيره، الكل بفعلي، لولا أنا ما وقع، وذلك زاجر عظيم لمن افتخر بقتل من قتله الله على يده، أو نازع في النفل، وهو راجع إلى قوله تعالى {أية : لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} تفسير : [الحديد: 23] وفي ذلك حث على التمرن على عدم الاكتراث بشيء يكون للنفس فيه أدنى حظ ليصير ذلك خلقاً كما هو دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يضيف شيئاً من محاسنه إلا إلى خالقه إلا إن كان مأموراً فيه بالتشريع، بل يقول: قتلهم الله، صرفهم الله، نصرنا الله، كفى الله، فإذا صار ذلك للمستمسكين به خلقاً أفضى بهم إلى مدح الخالق والمخلوق لهم كما قال كعب بن زهير رضي الله عنه في مدحهم: شعر : ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا تفسير : ثم بين تعالى الحال الذي شابهوا فيه من قبلهم بقوله: {كفروا بآيات الله} أي ستروا ما دلتهم عليه أنوار عقولهم من دلالات الملك الأعلى وغطوها لأنهم لم يعملوا بها وصدوا عن ذلك من تبعهم، فكان جزاؤهم ما تسبب عن ذلك من قوله: {فأخذهم الله} اي الذي له مجامع الكبر ومقاعد العظمة والعز أخذ غلبة وقهر وعقوبة {بذنوبهم} كما أخذهم فإنهم تجرؤوا على رتبة الألوهية التي تخسأ دون شوامخها نوافذ الأبصار، وتظلم عند بوارق أشعتها سواطع الأنوار، وتضمحل بالبعد عن أول مراقبها القوى، وتنقطع بتوهم الدنو من فيافيها الأعناق، فنزلت بهم صواعق هيبتها، وأناخت عليهم صروف عظمتها، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ولا تحس إلا ملاعبهم وأمكاكنهم. ولما أخبر بأخذهم، علله بقوله: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الشامله {قوي} أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {شديد العقاب*}.

القشيري

تفسير : إن أصحابَ الغفلة وأرباب الغِرَّة إذا هبَّتَ رياحْ صَوْلَتهِم في زمان غفلتهم يلاحظون أهلَ الحقيقة بعينِ الاستحقار، ويَحْكمُون عليهم بضعف الحال، وينسبونهم إلى الضلال، ويعدونهم من جملة الجهَّال، وذلك في زمان الفترة ومدة مُهْلةِ أهل الغيبة. والذين لهم قوة اليقين ونور البصيرة ساكنون تحت جريان الحكم، يَرَوْن الغائبات عن الحواس بعيون البصيرة من وراء ستر رقيق؛ فلا الطوارقُ تهزمهم، ولا هواجم الوقت تستفزهم، وعن قريب يلوح عَلَمُ اليُسْرِ، وتنجلي سحائبُ العُسْر، ويمحق اللهُ كيد الكائدين.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذ} منصوب با ذكر {يقول المنافقون} من اهل المدينة من الاوس والخزرج {والذين فى قلوبهم مرض} من قريش كانوا قد اسلموا ولم يهاجروا لعدم قوة اسلامهم ولمنع اقربائهم اياهم من الهجرة فلما خرجت قريش الى بدر اخرجوهم معهم كرها ولما رأوا قلة عدد المسلمين ارتابوا وارتدوا وقالوا لاهل مكة {غر هؤلاء} يعنون المؤمنين {دينهم} اذ خرجوا مع قلة عددهم وعددهم لحرب قريش مع كثرتهم وشوكتهم ولم يشكوا بل قطعوا بان قريشا تغلبهم لانهم زهاء الالف والمؤمنون ثلاثمائة وبضعة عشر فقال الله تعالى جوابا لهم {ومن} [هركه] {يتوكل على الله} اى ومن يسلم امره الى الله تعالى ويثق به وبقضائه {فان الله عزيز} غالب لا يذل من توكل عليه واستجار به وان قل {حكيم} يفعل بحكمته البالغة ما تستبعده العقول وتحار فى فهمه الباب الفحول -روى- ان الحجاج بن يوسف سمع ملبيا يلبى حول البيت رافعا صوته بالتلبية وكان اذ ذاك بمكة فقال على بالرجل فاتى به اليه فقال ممن الرجل قال من المسلمين فقال ليس عن الاسلام سألتك قال فعمَّ سألت قال سألتك عن البلد قال من اهل اليمن قال كيف تركت محمد بن يوسف يعنى اخاه قال تركته عظيما جسيما لباسا ركابا خراجا ولاجا قال ليس عن هذا سألتك قال سألت قال سألتك عن سيرته قال تركته ظلوما غشوما مطيعا للمخلوق عاصياً للخالق فقال له الحجاج ما حملك على هذا الكلام وانت تعلم مكانه منى قال الرجل أترى مكانه منك اعز منى بمكانى من الله وانا وافد بيته وزائر نبيه وقاضى دينه ومتبع دينه فسكت الحجاج ولم يجر جوابا وانصرف الرجل من غير اذن فتعلق باستار الكعبة وقال اللهم بك اعوذ وبك الوذ اللهم فرجك القريب ومعروفك القديم وعادتك الحسنة فانظر الى هذا الرجل كيف اظهر الحق ولم يخف من المخلوق خصوصا من الحجاج الذى كان اظلم خلق الله فى زمانه حتى كسر الاعراض وسفك الدماء وفعل ما فعل الى حيث يضيق نطاق البيان عنه فلما توكل على الله واستجار به نصره الله وهو بانفراده على الحجاج وهو مع جمعه لان الصحيح السالم وهو المؤمن غالب على السقيم المتبلى وهو المنافق والحجاج كان من منافق هذه الامة. واعلم ان مرض القلوب على نوعين. نوع منه الشك فى الايمان والدين وحقيقته فذلك مرض قلوب الكفار والمنافقين. والثانى ميلها الى الدنيا وشهواتها وملاحظة الحظوظ النفسانية وهو مرض قلوب المسلمين. والاشارة فيه ان المعالجة لما يكون فى قلوب الكفار والمنافقين بالايمان والتصديق واليقين وان ماتوا فى مرضهم فهم من الهالكين. ومعالجة مرض قلوب المسلمين بالتوبة والاستغفار والزهد والطاعة والورع والتقوى وان ماتوا فى مرضهم فهم من اهل النجاة من النار بعد العذاب وشفاعة الانبياء وربما يؤدى مرصهم بترك المعالجة والاحتماء الى الهلاك وهو الكفر ألا ترى الى حال بعض المسلمين من اهل مكة لما تركوا العلاج وانقطعوا عن الطبيب وهو النبى عليه السلام وما احتموا عن الغذاء المخالف وهو قولهم غرّ هؤلاء دينهم هلكوا من الهالكين ظاهرا وباطنا. فعلى العاقل تحصيل حسن الحال قبل حلول الاجل وهو انما يكون بصحبة واصل الى الله عز وجل والله تعالى يجود على الخلق عامة فكيف على العقلاء والعشاق: قال الحافظ شعر : عاشق كه شدكه يار بحالش نظر نكرد اى خواجه دردنيست وكرنه طبيب هست تفسير : وقال آخر شعر : مكو اصحاب دل رفتند وشهر عشق شد خالى جهان برشمس تبريزاست ومردى كوجو مولانا تفسير : اللهم وفقنا لما تحب وترضى وسهل علينا مداواة هذه القلوب المرضى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: واذكروا {إذْ يقول المنافقون} من أهل المدينة، أو نفر من قريش كانوا أسلموا وبقوا بمكة، فخرجوا يوم بدر مع الكفار، منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو القيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن ربيعة بن الأسود، وعلي بن أمية بن خلف، {و} هم {الذين في قلوبهم مرض} أي: شك؛ لم تطمئن قلوبهم، بل بقي فيها شبهة، قالوا: {غرَّ هؤلاء دينُهُم} أي: اغتر المسلمون بدينهم، فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به، فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف. فأجابهم الحق تعالى بقوله: {ومن يتوكل على الله فإن الله عزيزٌ} أي: غالب لا يذل من استجار به، وإن قلَّ، {حكيمٌ} يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل، ويعجز عن دركه الفهم. الإشارة: إذا عظم اليقين في قلوب أهل التقى أقدموا على أمور عظام، تستغرب العادة إدراكها، أو يغلب العطب فيها، فيقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: غرَّ هؤلاء طريقتهم، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز لا يُغلبْ، ولا يُغلبْ من انتسب إليه، وتوكل في أموره عليه، حكيم فلا يَخرج عن حكمته وقدرته شيء، أو عزيز لا يُذل من استجار به، ولا يضيع من لاذ به، والتجأ إلى ذماره، حكيم لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره، قاله في الإحياء. ثم قال: وكل ما ذكر في القرآن من التوحيد هو تنبيه على قطع الملاحظة عن الأغيار، والتوكل على الواحد القهار. هـ. وبالله التوفيق. ثم ذكر عاقبة أهل النفاق والريب، فقال: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}.

الطوسي

تفسير : العامل في "إذ" يحتمل أن يكون شيئين: احدهما - الابتداء والتقدير ذاك {إذ يقول} والآخر بتقدير اذكر {إذ يقول المنافقون} وهم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الايمان {والذين في قلوبهم مرض} الشاكين في الاسلام مع اظهارهم كلمة الايمان، وهم بمكة جماعة خرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا هذا القول، وهم قيس بن الوليد بن المغيرة والحارث بن زمعة وعلي بن أمية والعاص بن المنبه بن الحجاج، هذا قول مجاهد، والشعبي وقال الحسن: المرض الشرك {والذين في قلوبهم مرض} المشركون. وقال ابو علي فصلوا في الذكر لان المنافقين كانوا يضمرون عداوة النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين، وكانوا هؤلاء مرتبتين وكلهم في معنى المنافقين، لان الشك في الاسلام كفر. وقوله {غر هؤلاء دينهم} معناه ان المسلمين اغتروا بالاسلام. والغرور: اظهار النصح مع إبطان الغش تقول: غره يغره غروراً واغتر به اغتراراً ومنه الغرر، لانه عمل بما لا يؤمن معه الغرور. وقوله {ومن يتوكل على الله} معناه ومن يسلم لأمر الله ويثق به ويرضى بفعله، لان التوكل على الله هو التسليم لأمره مع الثقة والرضا به، تقول: وكل امره إلى الله، يكل واتكل عليه يتكل اتكالا وتوكل توكلا وتواكل القوم تواكلا اذا اتكل بعضهم على بعض، ووكل توكيلا. وقوله {فإن الله عزيز حكيم} معناه انه قادر لا يغالب واضع للاشياء مواضعها

الجنابذي

تفسير : {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} ممّن اسلم ظاهراً متعلّق بواحد من الافعال السّابقة او بدل من اذ زيّن لهم الشّيطان {غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} عزّ وغلب {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} لا يغلب من يتوكّل عليه {حَكِيمٌ} يفعل بحكمته ما هو صلاح عباده من تجرئة القليل على الكثير وغلبتهم ليظهر حقّيّة دينهم.

الهواري

تفسير : قوله: {إِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} وهم المنافقون أيضاً. والمرض في تفسير الحسن الشك. وفي تفسير العامة المرض النفاق، وهو واحد، إلا أنه كلام مثنى. {غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ} قال الكلبي: بلغنا أن المشركين لما نفروا من مكة إلى بدر لم يخلفوا بعدهم أحداً قد احتلم، فنفر معهم أناس كانوا أجابوا إلى الإِسلام وتكلموا به. فلما رأوا قلة المؤمنين ارتابوا ونافقوا وقاتلوا مع المشركين، وقالوا: {غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ}، يعنون المؤمنين. قال الله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي عزيز في نقمته، حكيم في أمره.

اطفيش

تفسير : {إذْ يقُولُ المنافِقُون} بدل من إذ قبلها، أو متعلق بنكص، أو زين، والمنافقون إنما هم من أهل المدينة {والَّذينَ فى قُلُوبِهِم مَرضٌ} شبهة وشك، لم يخلص إيمانهم من أهل مكة، أو منها ومن المدينة: وقيل: المرض الشرك فهم المشركون، وقيل: هم المنافقون، فيكون العطف لتغاير الوصفين. {غَرَّ هؤلاءِ} أى المسلمين {دِينَهمْ} الإسلام بأن حملهم على قتل أنفسهم رجاء للثواب، قالوا ذلك لما رأوا قلة المؤمنين، وكثرة الكافرين، وقتلوا جميعا يوم بدر، قال بعضهم: الذين فى قلوبهم مرض ناس تكلموا بالإسلام فى مكة، ولم يرسخ فيهم، شاهدوا بدراً، قال الكلبى: لم يخلف المشركون بعدهم أحدا قد احتلم فنفر معهم ناس أجابوا إلى الإسلام، وتكلموا به. قال الشعبى: منهم من أكره، ومنهم من داهنَ، فلما رأوا قلة المؤمنين ارتابوا ونافقوا وقاتلوا مع المشركين، وقالوا: غر هؤلاء دينهم، وكذا قال مجاهد، وبين أنهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، والعاصى بن منبه بن الحجاج، وعلى بن أمية بن خلف، والحارث بن زمعة بن الأسود ابن عبد المطلب، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، قال عياض: ولم يذكر أحدا ممن شهد بدرا، وقد يحتمل أن يكون منافقو المدينة لما وصلهم خروج قريش فى قوة عظيمة قالوا ذلك، انتهى. قلت: هذا ما جزمت به فى تفسير الآية كما رأيت، والحمد لله على موافقة عالم وتعبيره بالاحتمال، يدل على أن الراجح أن المنافقين من أهل مكة، وقد قيل بذلك بأن لم يسلم من لم يرسخ إيمانه منافقا. {ومَنْ يتوكَّلْ عَلى اللهِ} جوابه محذوف، أى فإن الله حافظه وناصره، دل عليه قوله: {فإنَّ اللهَ عَزيزٌ} لا يغلبه أحد فلا يذل من استجار به {حَكيمٌ} فيعاقب ويثبت ويفعل ما يستبعده العقل، ومن قال: خبر اسم الشرط جملة الشرط أجاز كون {فإن الله عزيز حكيم} جوابا لكن الصحيح التزام عود الضمير من الجواب، والأظهر هنا والكلام كله جواب لقول المنافقين.

اطفيش

تفسير : {إِذْ يَقُولُ} بدل من إِذ زين {الْمُنَافِقُونَ} بالمدينة {وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} شك فى دين الله لضعف إِيمانهم فيها أَو فى مكة، أَو هم المشركون والمرض الشرك، ويجوز أَن يكونوا المنافقين فالعطف لتنزل تغاير الصفتين منزلة تعاير الذوات، وكأَنه قيل: إِذ يقول المتصفون بالنفاق وبثبوت المرض فى قلوبهم {غَرَّ هَؤُلاَءِ} المؤمنين {دِينُهُمْ} ظنوا أَن تغلب قلتهم وضعفهم كثرة قريش وقوتهم بدينهم، أَو ظنوا به الحياة بعد الموت وأَن يثابوا، وارتد بعض من ضعف إِيمانه لما رأَى قلتهم وضعفهم وقد خرج مع الكفرة قهرا كما قيل الذين فى قلوبهم مرض فئة أَسلموا بمكة وحبسهم آباؤهم فخرجوا معهم إِلى بدر كقيس ابن الوليد ابن المغيرة والعاصى بن منبه بن الحجاج والحارث ابن زمعة وأَبى قيس بن الفاكه لما رأَوا قلة المسلمين قالوا ذلك، والحق أَن المنافقين لم يحضروا بدرا، وقال ذلك، وأَجابهم الله عز وجل بقوله {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} ينصره، لا يذل من اعتز به، ولا يكشف من استتر به {فَإِنَّ اللهَ }لأَن الله {عَزِيزٌ} لا يغلبه أَحد أَراد {حَكِيمٌ} فى صنعه لا يعبث ولا يسفه.

الالوسي

تفسير : {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ} ظرف لزين أو نكص أو {أية : شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تفسير : [الأنفال: 48]، وجوز أبو البقاء أيضاً أن يقدر اذكروا {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي الذين لم تطمئن قلوبهم بالإيمان بعد وبقي فيها شبهة، قيل: وهم فتية من قريش أسلموا بمكة وحبسهم آباؤهم حتى خرجوا معهم إلى بدر منهم قيس بن الوليد بن المغيرة والعاص بن منبه بن الحجاج والحرث بن زمعة وأبو قيس بن الفاكه، فالمرض على هذا مجاز عن الشبهة. وقيل: المراد بهم المنافقون سواء جعل العطف تفسيرياً أو فسر مرض القلوب بالأحن والعداوات والشك مما هو غير النفاق، والمعنى إذ يقول الجامعون بين النفاق ومرض القلوب، وقيل: يجوز أن يكون الموصول صفة المنافقين، وتوسطت الواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف لأن هذه صفة للمنافقين لا تنفك عنهم، أو تكون الواو داخلة بين المفسر والمفسر نحو أعجبني زيد وكرمه، وزعم بعضهم أن ذلك وهم وهو من التحامل بمكان إذ لا مانع من ذلك صناعة ولا معنى، والقول بأن وجه الوهم فيه أن المنافقين جار على موصوف مقدر أي القوم المنافقون فلا يوصف ليس بوجيه إذ للقائل أن يقول: إنه أجرى المنافقون هنا مجرى الأسماء مع أن الصفة لا مانع من أن توصف وقيام العرض بالعرض دون إثبات امتناعه خرط القتاد، ومن فسر الذين في قلوبهم مرض بأولئك الفئة الذين أسلموا بمكة قال: إنهم لما رأوا قلة المسلمين قالوا: {غَرَّ هَـٰؤُلاءِ} يعنون المؤمنين الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {دِينَهُمُ} حتى تعرضوا لمن لا يدي لهم به فخرجوا وهم ثلثمائة وبضعة عشر إلى زهاء الألف، وعلى احتمال جعله صفة للمنافقين يشعر كلام البعض أن القول لم يكن عند التلاقي، فقد روي عن الحسن أن هؤلاء المنافقين لم يشهدوا القتال يوم بدر. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: هم يومئذٍ في المسلمين، وفي القلب من هذا شيء، فإن الذي تشهد له الآثار أن أهل بدر كانوا خلاصة المؤمنين. {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} جواب لهم ورد لمقالتهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب لا يذل من توكل عليه ولا يخذل من استجار به وإن قل {حَكِيمٌ} يفعل بحكمته البالغة ما تستبعده العقول، وتحار في فهمه ألباب الفحول. وجواب الشرط محذوف لدلالة المذكور عليه أو أنه قائم مقامه.

ابن عاشور

تفسير : يتعلّق {إذ يقول} بأقرب الأفعال إليه وهو قوله: {أية : زَيَّن لهم الشيطان أعمالهم}تفسير : [الأنفال: 48] مع ما عطف عليه من الأفعال، لأنّ {إذ} لا تقتضي أكثر من المقارنة في الزمان بين ما تضاف إليه وبين متعلَّقها، فتعين أن يكون قول المنافقين واقعاً في وقت تزيين الشيطان أعمال المشركين فيتم تعليق وقت قول المنافقين بوقت تزيين الشيطان أعمال المشركين، وإنّما تُطلب المناسبة لذكر هذا الخبر عقب الذي وَليه هو، وتلك هي أنّ كلا الخبرين يتضمّن قوّة جيش المشركين، وضعف جيش المسلمين، ويقينَ أولياء الشيطان بأنّ النصر سيكون للمشركين على المسلمين. فالخبر الأول عن طائفة أعانت المشركين بتأمينهم من عدوّ يخشونه فانحازت إليهم علناً، وذلك يستلزم تقبيح ما أقحم المسلمون فيه أنفسهم إذ عمدوا إلى قتال قوم أقوياء. والخبر الثاني: عن طائفتين شوَّهتا صنيع المسلمين حَمَّقتَاهُم ونَسَبَتاهم إلى الغرور فأسرّوا ذلك ولم يبوحوا به، وتحدّثوا به فيما بينهم، أو أسرّوه في نفوسهم. فنَظْم الكلام هكذا: وزيَّن الشيطان للمشركين أعمالهم حين كان المنافقون يقبحون أعمال المسلمين ويصفونهم بالغرور وقلّة التدبير من اعتقادهم في دينهم الذي أوقعهم في هذا الغرور ويجول في نفوس الذين في قلوبهم مرض مثل هذا. و«القول» هنا مستعمل في حقيقته ومجازه: الشامل لحديث النفس، لأنّ المنافقين يقولون ذلك بألسنتهم، وأمّا الذين في قلوبهم مرض وهم طائفة غير المنافقين، بل هم مَن لم يتمكّن الإيمان من قلوبهم. فيقولونه في أنفسهم لما لهم من الشكّ في صدق وعد النبي صلى الله عليه وسلم لأنّهم غير موالين للمنافقين، ويجوز أن يتحدّثوا به بين جماعتهم. و«المرض» هنا مجاز في اختلال الاعتقاد، شبه بالمرض بِوجهِ سوء عاقبته عليهم. وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : في قلوبهم مرض}تفسير : في أول [البقرة: 10]. وأشاروا بـ{هؤلاء} إلى المسلمين الذين خرجوا إلى بدر، وقد جرت الإشارة على غير مشاهد، لأنّهم مذكورون في حديثهم أو مستحضَرون في أذهانهم، فكانوا بمنزلة الحاضر المشاهد لهم وهم يتعارفون بمثل هذه الإشارة في حديثهم عن المسلمين. والغرور: الإيقاع في المضرّة بإيهام المنفعة، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : لا يغُرنك تقلب الذين كفروا في البلاد}تفسير : في سورة [آل عمران: 196]، وقوله: {أية : زخرف القول غروراً}تفسير : في سورة [الأنعام: 112]. والدين هو الإسلام، وإسنادهم الغرور إلى الدين باعتبار ما فيه من الوعد بالنصر من نحو قوله:{أية : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين}تفسير : [الأنفال: 65] الآية، أي غرّهم ذلك فخرجوا وهم عدد قليل للقاء جيش كثير، والمعنى: إذ يقولون ذلك عند اللقاء وقبل حصول النصر. فإطلاق الغرور هنا مجاز، وإسناده إلى الدين حقيقة عقلية. وجملة: {ومن يتوكّل على الله فإن الله عزيزٌ حكيم} معطوفة على جملة: {أية : وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم}تفسير : [الأنفال: 48] لأنّها من جملة الأخبار المسوقة؛ لبيان عناية الله تعالى بالمسلمين، وللامتنان عليهم، فالمناسبة بينها وبين الجملة التي قبلها: أنها كالعلّة لخيبة ظنون المشركين ونصرائهم، أي أنّ الله خيّب ظنونهم لأنّ المسلمين توكّلوا عليه وهو عزيز لا يغلب، فمن تمسك بالاعتماد عليه نصره، وهو حكيم يكوّن أسباب النصر من حيث يجهلها البشر. والتوكّل: الاستسلام والتفويض، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : فإذا عزمت فتوكل على الله}تفسير : في سورة [آل عمران: 159]. وجعل قوله: {فإن الله عزيز حكيم} جواباً للشرط باعتبار لازمه وهو عزّة المُتَوكِّل على الله وإلفائه منجياً من مضيق أمره، فهو كناية عن الجواب وهذا من وجوه البيان وهو كثير الوقوع في القرآن، وعليه قول زهير:شعر : من يلقَ يوما على عِلاته هَرِماً يَلْقَ السماحة فيه والندى خُلقا تفسير : أي ينل من كرمه ولا يتخلّف ذلك عنه في حال من الأحوال، وقولُ الربيع بن زياد العبسي: شعر : مَن كان مسروراً بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجهِ نهار يجدِ النساء حواسراً يندبنه بالليل قبل تبلُّج الأسفار تفسير : أي من كان مسروراً بمقتله فسروره لا يدوم إلاّ بعض يوم ثم يحزنه أخذ الثأرِ إمّا من ذلك المسرور إن كان هو القاتل أو من أحد قومه وذلك يُحزن قومه.

الواحدي

تفسير : {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} وهم قومٌ أسلموا بمكة ولم يهاجروا، فلمَّا خرجت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا معهم، وقالوا: نكون مع أكثر الفئتين، فلمَّا رأوا قلَّة المسلمين قالوا: {غرَّ هٰؤلاء دينهم} إذ خرجوا مع قلَّتهم يقاتلون الجمع الكثير، ثمَّ قُتلوا جميعاً مع المشركين. قال الله تعالى: {ومَنْ يتوكل على الله} يُسلم أمره إلى الله {فإنَّ الله عزيز} قويٌّ منيع {حكيم} في خلقه. {ولو ترى} يا محمَّد {إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} يأخذون أرواحهم. يعني: مَنْ قُتلوا ببدرٍ {يضربون وجوههم وأدبارهم} مقاديمهم إذا أقبلوا إلى المسلمين، ومآخيرهم إذا ولًّوا {وذوقوا} أَيْ: ويقولون لهم بعد الموت: ذوقوا بعد الموت {عذاب الحريق}. {ذلك} أَيْ: هذا العذاب {بما قدَّمت أيديكم} بما كسبتم وجنيتم {وأنَّ الله ليس بظلام للعبيد} لأنَّه حكم فيما يقضي. {كدأب آل فرعون...} الآية. يريد: عادة هؤلاء في التَّكذيب كعادة آل فرعون، فأنزل الله تعالى بهم عقوبته، كما أنزل بآل فرعون {إنَّ الله قويٌّ} قادرٌ لا يغلبه شيء {شديد العقاب} لمَنْ كفر به وكذَّب رسله. {ذلك بأنَّ الله...} الآية. إنَّ الله تعالى أطعم أهل مكَّة من جوعٍ، وآمنهم من خوف، وبعث إليهم محمداً رسولاً، وكان هذا كلُّه ممَّا أنعم عليهم، ولم يكن يُغيِّر عليهم لو لم يُغيِّروا هم، وتغييرهم كفرهم بها وتركهم شكرها، فلمَّا غيَّروا ذلك غيَّر الله ما بهم، فسلبهم النِّعمة وأخذهم، ثمَّ نزل في يهود قريظة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمُنَافِقُونَ} (49) - لَمَّا اقْتَرَبَ المُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلاَحَظَ المُشْرِكُونَ قِلَّةَ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، اسْتَخَفُّوا بِهِمْ، وَظَنَّوا أنَّهُمْ هَازِمُوهُمْ لاَ مَحَالَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينَهُمْ حَتَّى أقْدَموا عَلى قِتَالِ قُرَيْشٍ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِ عَدُوِّهِمْ. وَلكنَّ النَّصْرَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ العَدَدِ، فَإنَّ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ، وَيُسَلِّمْ أمْرَهُ إلَيهِ، فَإنَّهُ يَكُونُ قَدِ الْتَجَأ إلَى جَانِبٍ عَزِيزٍ مَنيعٍ لاَ يُضَامُ. وَاللهُ حَكِيمٌ يَعْرِفُ وَضْعَ الأمُورِ فِي مَوَاضِعِهَا، فَيَنْصُرُ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : "المنافق" كلمة مأخوذة من نافقاء اليربوع، وهو حيوان يشبه الفأر يعيش في الجبال في سراديب، وحين يتتبعه حيوان آخر ليفترسه، فهو يسرع إلى جحره الذي يشبه السرداب، وهو يفتح أكثر من فتحة لهذا الجحر لتكون مخارج له، ومثل هذه الفتحات كالأبواب الخلفية، فينجو من الافتراس، فكأنه فتح لنفسه نفقاً، ينافق منه غيره فلا يقوى على اللحاق به. ولذلك نجد المنافق متعارضاً مع نفسه؛ ينطق لسانه بما لا يؤمن به، وبينما المؤمن منسجم النفس؛ ينطق لسانه بما في قلبه، والكافر أيضا كذلك منسجم ينطق لسانه بما في قلبه من الكفر، ولكن المنافق متخبط مع نفسه، لسانه يقول كلمات الإيمان وقلبه يضمر الكفر، وهكذا تتعاند ملكات المنافق، وحينما يكون القلب واللسان متعاندين لا توجد راحة نفسية، وحسبك من المنافق أنه متعاند في الملكات. ويصف الحق سبحانه وتعالى المنافقين بقوله: {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}تفسير : [البقرة: 14]. إذن فالذاتية ضائعة؛ لأن الإنسان لا يفقد ذاته حينما تكون ملكاته منسجمة ولا توجد ملكة تعارض ملكة أخرى ويكون عمله متوازناً، ولكن الذي تتعاند ملكاته يعيش دائما في قلق نفسي وحيرة. ولذلك يحاول أن يهرب من واقعه، فيلجأ إلى المخدرات أو غيرها، وليس الحل بأن يخدر الإنسان نفسه أمام الأحداث، ولكن لا بد أن يواجه الإنسان الأحداث ويحاول إيجاد حل لها، والمنافق لا يقدر على ذلك فينهار، ويقول الله تعالى: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} [الأنفال: 49]. وبعد أن ينتصر المؤمنون نجدهم وهم يزدادون إيماناً وثقة في أنفسهم، وتملؤهم عزة الإيمان، فينظر إليهم المنافقون بحسد وحقد؛ لأنهم يكرهون المؤمنين؛ ولا يتمنون لهم خيراً، فهم في نفاقهم كفار، في قلوبهم غل للمؤمنين يخاطب بعضهم البعض ويقولون: أصاب هؤلاء الغرور بدينهم. ولكن ما أصاب المؤمنين ليس غروراً؛ لأن معنى الغرور أن تغار بخصلة فيك تجعلك متفوقاً على غيرك؛ والمؤمن ساعة النصر لا يغتر بنفسه ولكنه يعتز بالله القوي العزيز، ويزداد تواضعاً له ويكون مشغولاً بشكر الله على ما حققه له من نصر، أما المغرور فهو من يعزل النعمة عن المنعم وينسبها لنفسه. والمؤمنون ينسبون كل شيء لله تبارك وتعالى؛ لأنهم يعلمون أن النعمة عطاء من يد الله الممدودة بالنعم التي لا تعد ولا تحصى وما دامت النعمة لم تبعد الإنسان عن الله، فإن الله يزيده منها؛ لأنه مأمون على النعمة وينسبها لصاحبها، والمغرور يستعلي بأي خصلة يتميز بها عكس المؤمن الذي لا يستعلي أبداً بها؛ لأنه يعلم أنه لا ذاتية له، وأن الفضل لله تعالى، وذلك يقول الحق تبارك وتعالى وهو يصف المؤمنين: {أية : أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29]. والشدة هنا ليست غروراً، ولكنها طبع وملكة، ولو كانت غروراً لبقيت كما هي، ولكن المؤمن شديد على الكفار ذليل على المؤمنين لا يتكبر عليهم أبداً، ولا يمكن أن يجعله إيمانه في قالب جامد؛ لأن الإيمان يعطي المؤمنين مرونة أمام الأحداث، لذلك نجد المؤمن لا هو شديد على إطلاقه، لأن هناك مواقف تتطلب الرحمة في التعامل مع المؤمنين، ولا هو رحيم على إطلاقه؛ لأن هناك مواقف تتطلب الشدة في مواجهة الكفار. وكان سيدنا أبو بكر - رضي الله عنه - معروفاً بأنه كان كثير البكاء من خوفه وخشيته لله؛ وقلبه مليء بالرحمة على المؤمنين. ولكن عندما جاءت حرب الردة لمانعي الزكاة ماذا حدث؟. جلس هو وعمر بن الخطاب، والمعروف عن عمر أنه كان شديدا، وجلسا يتشاوران، وكان رأي عمر ألا يقاتلوا من ارتدوا بإنكارهم ومنعهم الزكاة؛ لأنهم قالوا: لا إله إلا الله، فقال له أبو بكر: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه". هذا هو أبو بكر الذي عُرف عنه أنه كان كثير البكاء من خشية الله تعالى، وكان قلبه يمتلىء بالرحمة للمؤمنين. إنه يعلن في قوة وشدة في الحق أنه سوف يقاتل الخارجين على حدود الله والمانعين المنكرين للزكاة. ولو أن هذا الأمر حدث من عمر لقال الناس: شدة ألفناها، ولكن أن يحدث هذا الأمر من هذا الرجل الطيب الرحيم المطبوع على الرقة وعلى اللين؛ فهو أمر يبين لنا شدة المؤمن في مواجهة الكفر. المؤمن - إذن - لا هو مطبوع على الشدة المطلقة ولا هو مطبوع على الرحمة المطلقة، لكنه شديد حين تكون الشدة مطلوبة للدين، ورحيم حينما تكون الرحمة مطلوبة للدين، وعزيز حين تكون العزة للدين، وذليل حين تكون الذلة للدين. إذن فقول المنافقين: {غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} لا يستند إلى حكم صحيح، بل هو مما يمليه عليهم نفاقهم، لماذا؟. لأن المؤمنين يتوكلون على الله دائما وينسبون كل الفضل لله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49]. وما دام الله عزيزاً فالذي آمن به عزيز، وسبحانه وتعالى يقول: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [المنافقون: 8]. وما دام الله حكيماً فهو يعطي الحكمة للمؤمنين، والتوكل على الله معناه أن تكل كل أمورك إليه سبحانه وتعالى، وأول هذه الأمور أنه أمرك بالأخذ بالأسباب، فلا تترك الأسباب أبداً، بل خذ بها دائما مع التوكل عليه فإذا لم تسعفك فهناك المسبب. فقد قال الحق تبارك وتعالى لعباده المؤمنين: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [التوبة: 14]. وأمرنا سبحانه وتعالى: بالسعي فقال عز وجل: {أية : فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ}تفسير : [الملك: 15]. فهو سبحانه وتعالى كما أمر المؤمنين بأن يقاتلوا ويأخذوا بالأسباب؛ لأنه سبحانه يريد أن يعذب الكفار بأيدي المؤمنين، أمرهم سبحانه وتعالى كذلك أن يسعوا في سبيل الرزق. وأنت حين تتواكل تنقل صفة إلى صفة؛ لأن التوكل عمل القلوب، والعمل تقوم به الجوارح، فلا تجعل التواكل عمل الجوارح؛ لأن الجوارح تعمل بالأسباب. والقلوب تتوكل على الله، وهكذا نفهم أن التوكل الحقيقي للجوارح هو أن تعمل ولذلك فلا بد من العمل والأخذ بالأسباب مع التوكل، ولا بد لنا أن ننتبه إلى المنافقين في بدر الذين قال عنهم الله سبحانه وتعالى: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} [الأنفال: 49]. والمنافقون - كما قلنا - هم القوم الذين تتصارع ملكاتهم، وما على ألسنتهم يتناقض مع ما في صدورهم، أما الذين في قلوبهم مرض فهم ضعيفو الإيمان؛ مسلمون ساعة الرخاء؛ فارون من الدين ساعة الشدة. إذن فهناك فريقان ذكرهما الحق سبحانه وتعالى؛ المنافقون وهؤلاء كانوا من الأوس والخزرج ملكاتهم متضاربة؛ لأنهم كانوا يريدون السيادة على المدينة. وواحد منهم كان ينتظر أن يلبس تاج الملك، وبمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تنتهي منه هذه الفرصة وتضيع فرصة الملك والزعامة، وقد أوجد ذلك في نفسه حقداً وغيظاً. ولكن ظاهرة الإقبال من أهل المدينة كلهم على الإيمان والدخول في الإسلام؛ جعلت هؤلاء المنافقين لا يستطيعون المقاومة؛ لذلك نطقوا الشهادتين بألسنتهم وبقي في قلوبهم حقد وضغينة على الإسلام، فالواحد منهم تتجاذبه ناحيتان متعارضتان. والذين في قلوبهم مرض ليسوا منافقين ولكنهم ضعيفو الإسلام، وقد دخلوا إلى الدين ليأخذوا وهم لا يعطون، فإذا أعطاهم الإسلام بعضاً من نعم الدنيا فرحوا بها، وإذا أصابتهم شدة هربوا. ومن هؤلاء بعض الذين أسلموا في مكة. ولكن إسلامهم لم يصل بهم إلى أن يهاجروا إلى المدينة؛ خوفا من أن يتركوا أموالهم وأولادهم فظلوا في مكة، ومرضى القلوب هؤلاء لا يعدمون الحياة؛ لأن المرض لا يعدم الحياة، لكنهم كانوا يعانون من عدم صحة الإيمان، ولما جاءت عملية القتال في غزوة بدر تشاوروا: أيذهبون مع الكفار أو لا يذهبون؟ ومع أي من الفريقين يقاتلون؟. وقالوا: نخرج مع الكفار فإن وجدنا أنهم أقوى كنا معهم، وإن وجدنا المسلمين هم الأقوياء انضممنا إليهم. ومن هؤلاء قيس بن الوليد المغيرة وعلي بن أمية بن خلف والعاصي ابن منيه بن الحجاج والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب وأبو القيس بن الفاكه ابن المغيرة. وتجمع هؤلاء مع بعضهم وذهبوا إلى المعركة لينضموا إلى المنتصر، مؤمنا كان أو كافرا. وهم أخذوا هذا الموقف؛ لأن صحة الإيمان في قلوب هؤلاء غير موجودة فهم أصحاب قلوب مريضة ومتعلقة بحب الدنيا. وما قاله المنافقون والذين في قلوبهم مرض يدل على الرغبة في اتقاء الضرر، مع أن هؤلاء في المدينة وهؤلاء في مكة ولكنهم قالوا شيئاً واحداً، وهذا دليل على أن إغواء الشيطان للفريقين كان واحداً. ولذلك اتحدت العبارة. وقال هؤلاء وهؤلاء: {غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} قالها الفريقان (فريق المنافقين وفريق الذين في قلوبهم مرض) مع اختلاف المكان، فبعضهم - كما علمنا - من مكة وبعضهم من المدينة. إذن فلا بد من وجود قاسم مشترك دفعهم أن يقولوا قولاً واحداً، أي أن الشيطان وسوس إليهم بهذه العبارة. ولذلك كان الوجب أن ينتبهوا إلى أن اتفاق القول دليل إغواء الشيطان لهم. وما معنى: {غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ}. غررت فلاناً أي زينت له الأمر تزييناً بحيث يقبل عليه إقبالاً لا ترشحه قوته له، وقويت استعداده لكي يقوم به، فإذا جئت لإنسان محدود الدخل مثلاً وأردت أن تغريه بشراء سيارة. فأنت تقول لتزين له المسألة: اقترض من فلان وفلان وادفع الباقي بالتقسيط، كأنك تغريه أن يتخذ موقفاً غير موقفه الذي كان ينوي القيام به. ولكن ما وجه الغرور في الدين؟. إن المؤمنين المغترين بدينهم قد أحسوا بكثرتهم رغم أن عددهم قليل. فأقبلوا على الحرب بالرؤيا التي أراها الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن عدد الكفار قليل، وبوعد الله لهم بالنصر، أو غرهم بأن أوضح لهم أنَّ الذي يموت مقتولاً في هذه الحرب يصير شهيداً وتكتب له حياة خالدة، وقد جعل ذلك القوي منهم والضعيف يقاتلان بقوة؛ لأن الشهيد سيذهب إلى الجنة. وهكذا - في رأي المنافقين - اغتر المؤمنون بدينهم. ويرد الله عز وجل عليهم بقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49]. هذا هو الرد عليهم في أن المؤمنين لم يغرهم دينهم، بل إنهم متوكلون على الله ومن يتوكل على الله فهو حسبه وكافيه، وسبحانه عزيز لا يغلب، وحكيم يضع الهزيمة في موضعها والنصر في موضعه. إذن فالمسألة أن هؤلاء المؤمنين قد اختاروا الله فأعزهم ونصرهم. ولكن هل قيلت هذه العبارة من المنافقين علناً؟. لا، إنهم لم يجرءوا أن يعلنوها بل قالوها سّراً في أنفسهم، فأعلم الله سبحانه وتعالى رسوله بما حدث في نفوسهم، وكانت هذه لفتة من الله سبحانه وتعالى بأن فضح حقيقتهم لعلهم ساعة يسمعون ما يدور في نفوسهم؛ قد يتركون نفاقهم ويعودون إلى حظيرة الإيمان الصحيح، خصوصاً إذا انتبهوا إلى قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} تفسير : [التوبة: 52]. ففي هذه الآية الكريمة يوضح الله سبحانه وتعالى موقف المؤمنين في كل معركة يخوضونها، فهم إما أن ينتصروا ويهزموا الكفار ويقتلوهم ويأخذوا غنائمهم، وإما أن يستشهدوا فيدخلوا الجنة، وكلّ من الأمرين خير. وكشف الحق ما يدور في صدور المنافقين، وكان ذلك تنبيهاً للمؤمنين بألا يؤثر فيهم كلام المنافقين؛ لأن المؤمنين قد توكلوا على الله والله غالب على أمره. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن مرض قلوب الشقاوة وسلامة قلوب أهل الوفاق بقوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} [الأنفال: 49] إلى قوله: {وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} [الأنفال: 54] الإشارة فيه: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} ومرض القلب على نوعين: نوع منه الشك في الإيمان والدين وحقيقته فذلك مرض قلوب الكفار والمنافقينن، والثاني: ميلها للدنيا وشهواتها ملاحظة الحظوظ النفسانية وهو مرض قلوب المسلمين، والإشارة فيه: أن المرض كما يكون في قلوب الكفار والمنافقين بقدر كفرهم ونفاقهم وبقية ظلمات الكفر يكون في قلوب المسلمين بقدر معاصيهم من الأوصاف الذميمة الحيوانية، فمعالجة مرض قلوب الكفار والمنافقين بالإيمان والتصديق واليقين، ومعالجة مرض قلوب المسلمين بترك الدنيا وشهواتها وترك الحظوظ النفسانية، فإن ماتوا في مرضهم فهم من أهل النجاة من النار بعد العذاب وشفاعة الأنبياء، وربما يؤدي مرضهم بترك المعالجة والاحتمال إلى الهلاك وهو الكفر كما كان حال بعض المسلمين من الذين قالوا: غر هؤلاء دينهم، فلمَّا تركوا العلاج وانقطعوا عن الطبيب وهو النبي صلى الله عليه وسلم وما اجتمعوا من الغداء والمخالف وهو قولهم: {غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} [الأنفال: 49] هلكوا مع الهالكين ومن مرض قلوبهم فاعلموا أن {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} [الأعراف: 49] منيع شر الأعداء من المتوكلين عليه: {حَكِيمٌ} [الأنفال: 49] بنصرة المقللين على المكثرين، {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الأنفال: 50] أي: الذين قالوا: غر هؤلاء دينهم، وكفروا باستحقاقهم بالدين، وأهل الدين {ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ} [الأنفال: 50] يعني: إذا يقلبون وجوههم عن الإيمان إلى الكفر، {وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: 50] عن الكفر إلى الإيمان، ويقولون يوم القيامة {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} [الأنفال: 50] والندم على ما فعلوا وارتدوا، {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [الأنفال: 51] من الارتداد والكفر، {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ} [الأنفال: 51] بأن يجازي أهل الأيمان بجهنم وعذابها، وإنما يجازي أهل الكفر والنفاق والارتداد بظلمهم على أنفسهم. {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [الأنفال: 52] أي: بمعجزات الأنبياء، {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} [الأنفال: 52] أي: جازاهم الله بقدر ذنوبهم، {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ} [الأنفال: 52] في المجازات إظهاراً للعزة والعظم، {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 52] لو يعاقبهم على قدر كماليته، فإن غير منتاه، وإنما يعاقبهم على قدر ذنوبهم {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ} [الأنفال: 53] أي: يكن مبدلاً أحسن تقويم واستعداد عطائهم بضده، {حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ} [الأنفال: 53] بالكفر والتكذيب وسوء العمل، {مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53] من نعمة الاستعدادات الحسنة، {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} [الأنفال: 53] لمن دعاه إلى قهره بسوء أعماله ولسان حاله، {عَلِيمٌ} [الأنفال: 53] بما يستحقون في المجازاة، وبقدر استحقاقهم العذاب فيجازيهم به، {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [الأنفال: 54] إذا غيروا ما بأنفسهم من نعمة حسن الاستعداد بأن {كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ} [الأنفال: 54] من معجزات الأنبياء والكتب المنزلة عليهم، فلمَّا غيروا ما بأنفسهم من النعمة غيرنا نعمة حسن الاستعداد الفطري. {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} [الأنفال: 54] أي: أفسدنا استعدادهم بشؤم معاملاتهم السيئة فهلكوا، {وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ} [الأنفال: 54] يعني: فرعون وقومه أغرقناهم في بحر الهلاك لفساد استعدادهم بالكلية، فاختصوا بالاستغراق في بحر الهلاك عن غيرهم ادعاء فرعون بالربوبية وإقرار قومه وتصديقهم إياه بها، وهذا غاية فساد جوهر الروحانية باستيلاء الصفات النفسانية، ثم قال تعالى: {وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} [الأنفال: 54] يعني: كل من كفر بالله وكذب بآياته كانوا ظالمي أنفسهم؛ لاستعدادهم أن يبلغوا في الظلم والكفر وما بلغ فرعون وقومه.

همام الصنعاني

تفسير : 1023- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ}: [الآية: 49]. قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا منافقين. 1024- عبد الرزاق، عن معمر، وقال الكلبي: هم قوم كانوا أقروا بالإسلام بمكة، ثم خرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا المسلمين قالوا {غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} [الآية: 49].