Verse. 1208 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

وَاِذْ زَيَّنَ لَہُمُ الشَّيْطٰنُ اَعْمَالَہُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَاِنِّىْ جَارٌ لَّكُمْ۝۰ۚ فَلَمَّا تَرَاۗءَتِ الْفِئَتٰنِ نَكَصَ عَلٰي عَقِبَيْہِ وَقَالَ اِنِّىْ بَرِيْۗءٌ مِّنْكُمْ اِنِّىْۗ اَرٰي مَا لَا تَرَوْنَ اِنِّىْۗ اَخَافُ اللہَ۝۰ۭ وَاللہُ شَدِيْدُ الْعِقَابِ۝۴۸ۧ
Waith zayyana lahumu alshshaytanu aAAmalahum waqala la ghaliba lakumu alyawma mina alnnasi wainnee jarun lakum falamma taraati alfiatani nakasa AAala AAaqibayhi waqala innee bareeon minkum innee ara ma la tarawna innee akhafu Allaha waAllahu shadeedu alAAiqabi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ زيَّن لهم الشيطان» إبليس «أعمالهم» بأن شجعهم على لقاء المسلمين لما خافوا الخروج من أعدائهم بني بكر «وقال» لهم «لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم» من كنانة وكان أتاهم في صورة سراقة بن مالك سيد تلك الناحية «فلما تراءت» التقت «الفئتان» المسلمة والكافرة ورأى الملائكة يده في يد الحارث بن هشام «نكص» رجع «على عقبيه» هاربا «وقال» لما قالوا له أتخذلنا على هذه الحال: «إني بريء منكم» من جواركم «إني أرى ما لا ترون» من الملائكة «إني أخاف الله» أن يهلكني «والله شديد العقاب».

48

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا من جملة النعم التي خص أهل بدر بها وفيه مسائل: المسألة الأولى: العامل في {إِذْ } فيه وجوه: قيل: تقديره اذكر إذ زين لهم، وقيل: هو عطف على ما تقدم من تذكير النعم، وتقديره: واذكروا إذ يريكموهم وإذ زين، وقيل: هو عطف على قوله: خرجوا بطراً ورئاء الناس. وتقديره: لا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورثاء الناس وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم. المسألة الثانية: في كيفية هذا التزيين وجهان: الأول: أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتحول في صورة الإنسان، وهو قول الحسن والأصم. والثاني: أنه ظهر في صورة الإنسان. قالوا: إن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة، لأنهم كانوا قتلوا منهم واحداً، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتصور لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو من بني بكر بن كنانة وكان من أشرافهم في جند من الشياطين، ومعه راية، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم مجيركم من بني كنانة، فلما رأى إبليس نزول الملائكة نكص على عقيبه. وقيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام، فلما نكص قال له الحرث: أتخذ لنا في هذه الحال؟ فقال: إني أرى ما لا ترونٰ ودفع في صدر الحرث وانهزموا. وفي هذه القصة سؤالات: السؤال الأول: ما الفائدة في تغيير صورة إبليس إلى صورة سراقة؟ والجواب فيه معجزة عظيمة للرسول عليه السلام وذلك لأن كفار قريش لما رجعوا إلى مكة قالوا هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم. فعند ذلك تبين للقوم أن ذلك الشخص ما كان سراقة بل كان شيطاناً. فإن قيل: فإذا حضر إبليس لمحاربة المؤمنين. ومعلوم أنه في غاية القوة، فلم لم يهزموا جيوش المسلمين؟ قلنا: لأنه رأى في جيش المسلمين جبريل مع ألف من الملائكة، فلهذا السبب خاف وفر. فإن قيل: فعلى هذا الطريق وجب أن ينهزم جميع جيوش المسلمين لأنه يتشبه بصورة البشر ويحضر ويعين جمع الكفار ويهزم جموع المسلمين، والحاصل: أنه إن قدر على هذا المعنى فلم لا يفعل ذلك في سائر وقائع المسلمين؟ وإن لم يقدر عليه فكيف أضفتم إليه هذا العمل في واقعة بدر؟ الجواب: لعله تعالى إنما غير صورته إلى صورة البشر في تلك الواقعة أما في سائر الوقائع فلا يفعل ذلك التغيير. السؤال الثاني: أنه تعالى لما غير صورته إلى صورة البشر فما بقي شيطاناً بل صار بشراً. الجواب أن الإنسان إنما كان إنساناً بجوهر نفسه الناطقة، ونفوس الشياطين مخالفة لنفوس البشر فلم يلزم من تغيير الصورة تغيير الحقيقة، وهذا الباب أحد الدلائل السمعية على أن الإنسان ليس إنساناً بحسب بنيته الظاهرة وصورته المخصوصة. السؤال الثالث: ما معنى قول الشيطان {لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ } وما الفائدة في هذا الكلام مع أنهم كانوا كثيرين غالبين؟ والجواب: أنهم وإن كانوا كثيرين في العدد إلا أنهم كانوا يشاهدون أن دولة محمد عليه الصلاة والسلام كل يوم في الترقي والتزايد، ولأن محمداً كلما أخبر عن شيء فقد وقع فكانوا لهذا السبب خائفين جداً من قوم محمد صلى الله عليه وسلم، فذكر إبليس هذا الكلام إزالة للخوف عن قلوبهم، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يؤمنهم من شر بني بكر بن كنانة خصوصاً وقد تصور بصورة زعيم منهم، وقال: {إِنّى جَارٌ لَّكُمْ } والمعنى: إني إذا كنت وقومي ظهيراً لكم فلا يغلبكم أحد من الناس ومعنى الجار ههنا: الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن جاره، والعرب تقول: أنا جار لك من فلان أي حافظ من مضرته فلا يصل إليك مكروه منه. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءتِ ٱلْفِئَتَانِ } أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى نكص على عقيبه، والنكوص الأحجام عن الشيء، والمعنى: رجع وقال: إني أرى مالا ترون، وفيه وجوه: الأول: أنه روحاني، فرأى الملائكة فخافهم. قيل: رأى جبريل يمشي بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام. وقيل: رأى ألفاً من الملائكة مردفين. الثاني: أنه رأى أثر النصرة والظفر في حق النبي عليه الصلاة والسلام، فعلم أنه لو وقف لنزلت عليه بلية. ثم قال: {إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ } قال قتادة صدق في قوله: {إِنّي أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ } وكذب في قوله: {إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ } وقيل لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خاف أن يكون الوقت الذي أنظر إليه قد حضر فقال: ما قال إشفاقاً على نفسه. أما قوله: {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } فيجوز أن يكون من بقية كلام إبليس، ويجوز أن ينقطع كلامه عند قوله أخاف الله. ثم قال تعالى بعده: {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }.

القرطبي

تفسير : روي أن الشيطان تمثل لهم يومئذ في صورة سُراقة بن مالك بن جُعْشم، وهو من بني بكر بن كنانة، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم، لأنهم قتلوا رجلاً منهم. فلما تمثّل لهم قال ما أخبر الله به عنه. وقال الضحّاك: جاءهم إبليس يوم بدر برايته وجنوده. وألقىٰ في قلوبهم أنهم لن يهزموا وهم يقاتلون على دين آبائهم. وعن ابن عباس قال:حديث : أمدّ الله نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة؛ فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مُجَنِّبة، وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مُجَنِّبة. وجاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مُدْلِج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشم. فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم؛ فلما ٱصطفّ القوم قال أبو جهل: اللَّهُمّ أوْلانا بالحق فٱنصره. ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال: «يا رَبّ إنك إن تُهلك هذه العصابةُ فلن تُعبد في الأرض أبداً». فقال جبريل: «خذ قبضة من التراب» فأخذ قبضة من التراب فرمىٰ بها وجوههم؛ فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه. فولّوْا مدبرين، وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس فلما رآه كانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده ثم ولىٰ مدبراً وشِيعتَه؛ فقال له الرجل: يا سُراقة، ألم تزعم أنك لنا جارٌ؛ قال: أني بريءٌ منكم إني أرىٰ ما لا ترونتفسير : . ذكره البيهقي وغيره. وفي مُوَطّأ مالك عن إبراهيم بن أبي عَبْلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : «ما رأىٰ الشيطان نفسه يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأىٰ من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأىٰ يوم بدر». قيل: وما رأىٰ يوم بدر يا رسول الله؟ قال: «أمَا إنه رأىٰ جبريل يزع الملائكة»تفسير : . ومعنىٰ نكص: رجع بلغة سليم؛ عن مؤرِّج وغيره. وقال الشاعر:شعر : ليس النكُوصُ على الأدبار مَكرمةً إن المكارمَ إقدامٌ على الأَسَل تفسير : وقال آخر:شعر : وما ينفع المستأخرين نكوصُهم ولا ضرّ أهل السابقاتِ التقدّمُ تفسير : وليس هٰهنا قهقرى بل هو فرار؛ كما قال: «حديث : إذا سمع الأذانَ أدبر وله ضراط»تفسير : . {إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ} قيل: خاف إبليس أن يكون يوم بدر اليوم الذي أُنْظِرَ إليه. وقيل: كذب إبليس في قوله: {إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ} ولكن علم أنه لا قوّة له. ويجمع جار على أجوار وجيران، وفي القليل جِيرة.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} مقدر باذكر. {أَعْمَـٰلَهُمْ} في معاداة الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرها بأن وسوس إليهم. {وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ} مقالة نفسانية والمعنى: أنه ألقى في روعهم وخيل إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون لكثرة عددهم وعدتهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات مجير لهم حتى قالوا: اللهم انصر أهدى الفئتين وأفضل الدينين، ولكم خبر لا غالب أو صفته وليس صلته وإلا لانتصب كقولك: لا ضارباً زيداً عندنا. {فَلَمَّا تَرَاءتِ ٱلْفِئَتَانِ} أي تلاقى الفريقان. {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} رجع القهقرى أي بطل كيده وعاد ما خيل إليهم أنه مجيرهم سبب هلاكهم. {وَقَالَ إِنّي بَرِىء مّنْكُمْ إِنّي أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنّي أَخَافُ ٱللَّهَ} أي تبرأ منهم وخاف عليهم وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة، وقيل: لما اجتمعت قريش على المسير ذكرت ما بينهم وبين كنانة من الإِحنة وكاد ذلك يثنيهم، فتمثل لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك الكناني وقال لا غالب لكم اليوم وإني مجيركم من بني كنانة، فلما رأى الملائكة تنزل نكص وكان يده في يد الحارث بن هشام فقال له: إلى أين أتخذلنا في هذه الحالة فقال إني أرى ما لا ترون، ودفع في صدر الحارث وانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا هزم الناس سراقة فبلغه ذلك فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فلما أسلموا علموا أنه الشيطان. وعلى هذا يحتمل أن يكون معنى قوله: {إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ} إني أخافه أن يصيبني بمكروه من الملائكة أو يهلكني ويكون الوقت هو الوقت الموعود إذ رأى فيه ما لم ير قبله، والأول ما قاله الحسن واختاره ابن بحر. {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} يجوز أن يكون من كلامه وأن يكون مستأنفاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ } إبليس {أَعْمَٰلَهُمْ } بأن شجعهم على لقاء المسلمين لما خافوا الخروج من أعدائهم بني بكر {وَقَالَ } لهم {لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ } من (كنانة)، وكان أتاهم في صورة سراقة بن مالك سيد تلك الناحية {فَلَمَّا تَرَآءتِ } التقت {ٱلْفِئَتَانِ } المسلمة والكافرة ورأى الملائكة وكان يده في يد الحارث بن هشام {نَكَصَ } رجع {عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } هارباً {وَقَالَ } لما قالوا له: أتخذلنا على هذا الحال؟ {إِنّي بَرِىءٌ مِّنْكُمْ } من جواركم {إِنِّي أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ } من الملائكة {إِنِّى أَخَافُ ٱللَّهَ } أن يهلكني {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }.

ابن عطية

تفسير : التقدير واذكروا إذ، والضمير في {لهم} عائد على الكفار، و {الشيطان} إبليس نفسه، وحكى المهدوي وغيره أن التزيين في هذه الآية وما بعده من الأقوال هو بالوسوسة والمحادثة في النفوس. قال القاضي أبو محمد: ويضعف هذا القول أن قوله {وإني جار لكم} ليس مما يلقى بالوسوسة، وقال الجمهور في ذلك بما روي وتظاهر أن إبليس جاء كفار قريش ففي السير لابن هشام أنه جاءهم بمكة، وفي غيرها أنه جاءهم وهم في طريقهم إلى بدر، وقد لحقهم خوف من بني بكر وكنانة لحروب كانت بينهم، فجاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو سيد من ساداتهم، فقال لهم "إني جار لكم" ولن تخافوا من قومي وهم لكم أعوان على مقصدكم ولن يغلبكم أحد، فسروا عند ذلك ومضوا لطيتهم وقال لهم أنتم تقاتلون عن دين الآباء ولن تعدموا نصراً. فروي أنه لما التقى الجمعان كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما رأى الملائكة نكص فقال له الحارث أتفر يا سراقة فلم يلو عليه، ويروى أنه قال له ما تضمنت الآية. وروي أن عمرو بن وهب أو الحارث بن هشام قال له أين سراقة؟ فلم يلو ومثل عدو الله فذهب ووقعت الهزيمة، فتحدث أن سراقة فر بالناس، فبلغ ذلك سراقة بن مالك، فأتى مكة فقال لهم: والله ما علمت بشيء من أمركم حتى بلغتني هزيمتكم ولا رأيتكم ولا كنت معكم، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رأيته في صورة رجل من بني مدلج، فقال {لا غالب لكم اليوم} الآية، و {اليوم} ظرف، والعمل فيه معنى نفي الغلبة، ويحتمل أن يكون العامل متعلق {لكم} وممتنع أن يعمل {غالب} لأنه كان يلزم أن يكون لا غالباً، وقوله {إني جار لكم} معناه فأنتم في ذمتي وحماي، و {وتراءت} تفاعلت من الرؤية أي رأى هؤلاء هؤلاء، وقرأ الأعمش وعيسى بن عمر "ترأت" مقصورة، وحكى أبو حاتم عن الأعمش أنه أمال والراء مرققة ثم رجع عن ذلك، وقوله {نكص على عقيبه} معناه رجع من حيث جاء، وأصل النكوص في اللغة الرجوع القهقرى، وقال زهير: شعر : هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا تفسير : كذا أنشد الطبري، وفي رواية الأصمعي إذا ما استلأموا وبذلك فسر الطبري هذه الآية، وفي ذلك بعد، وإنما رجوعه في هذه الآية مشبه بالنكوص الحقيقي، وقال اللغويون: النكوص، الإحجام عن الشيء، يقال أراد أمراً ثم نكص عنه، وقال تأبَّطَ شرّاً: [البسيط] شعر : ليس النكوصُ على الأدبار مكرمةً إن المكارم إقدامٌ علىالأسَل تفسير : قال القاضي أبو محمد: فليس هنا قهقرى بل هو فرار، وقال مؤرج: نكص هي رجع بلغة سليم. قال القاضي أبو محمد: وقوله {على عقبيه} يبين أنه إنما أراد الانهزام والرجوع في ضد إقباله، وقوله {إني بريء منكم} هو خذلانه لهم وانفصاله عنهم، وقوله {إني أرى ما لا ترون} يريد الملائكة وهو الخبيث إنما شرط أن لا غالب من الناس فلما رأى الملائكة وخرق العادة خاف وفرَّ، وفي الموطأ وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما ريء الشيطان في يوم أقل ولا أحقر ولا أصغر منه في يوم عرفة، لما يرى من نزول الرحمة إلا ما رأى يوم بدر، قيل وما رأى يا رسول الله؟ قال: رأى الملائكة يزعمها جبريل ". تفسير : وقال الحسن: رأى إبليس جبريل يقود فرسه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو معتجر ببردة وفي يده اللجام، وقوله {إني أخاف الله} قيل إن هذه معذرة منه كاذبة ولم تلحقه قط مخافة، قاله قتادة وابن الكلبي، وقال الزجّاج وغيره: بل خاف مما رأى من الأمر وهوله وأنه يومه الذي أنظر إليه، ويقوي هذا أنه رأى خرق العادة ونزول الملائكة للحرب، وحكى الطبري بسنده أنه لما انهزم المشركون يوم بدر حين رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضة من التراب وجوه الكفار أقبل جبريل صلى الله عليه وسلم إلى إبليس، فلما رآه إبليس وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع يده ثم ولى مدبراً، فقال له الرجل أي سراقة تزعم أنك لنا جار؟ فقال {إني أرى ما لا ترون} الآية، ثم ذهب، وقوله تعالى: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} الآية، العامل في {إذ} {زين} أو {نكص} لأن ذلك الموقف كان ظرفاً لهذه الأمور كلها، وقال المفسرون إن هؤلاء الموصوفين بالنفاق ومرض القلوب إنما هم من أهل عسكر الكفار لما أشرفوا على المسلمين ورأوا قلتهم وقلة عددهم، قالوا مشيرين إلى المسلمين {غرَّ هؤلاء دينهم} أي اغتروا فأدخلوا نفوسهم فيما لا طاقة لهم به. قال القاضي أبو محمد: والنفاق أخص من مرض القلب لأن مرض القلب مطلق على الكافر وعلى من اعترضته شبهة وعلى من بينهما، وكني بالقلوب عن الاعتقادات إذ القلوب محلها، وروي في نحو هذا التأويل عن الشعبي أن قوماً ممن كان الإسلام داخل قلوبهم خرجوا مع المشركين إلى بدر، منهم من أكره ومنهم من داجى وداهن، فلما أشرفوا على المسلمين ورأوا قلتهم ارتابوا واعتقدوا أنهم مغلوبون، فقالوا {غر هؤلاء دينهم} ، قال مجاهد: منهم قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن أمية. قال القاضي أبو محمد: ولم يذكر أحد ممن شهد بدراً بنفاق إلا ما ظهر بعد ذلك من معتب بن قشير أخي بني عمرو بن عوف، فإنه القائل يوم أحد {أية : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا} تفسير : [آل عمران:154] وقد يحتمل أن يكون منافقو المدينة لما وصلهم خروج قريش في قوة عظيمة قالوا عن المسلمين هذه المقالة، فأخبر الله بها نبيه في هذه الآية، ثم أخبر الله عز وجل بأن من توكل على الله واستند إليه، فإن عزة الله تعالى وحكمته كفيلة بنصره وشد أعضاده، وخرجت العبارة عن هذا المعنى بأوجز لفظ وأبلغه.

ابن عبد السلام

تفسير : {زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ} ظهر لهم في صورة سراقة بن جعشم من بني كنانة. {نَكَصَ} هرب ذليلاً خازياً. {مَا لا تَرَوْنَ} من إمداد الملائكة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ }، الضمير في {لَهُمْ } عائدٌ على الكُفَّار، و{ٱلشَّيْطَـٰنُ }: إبليس نفْسُه، والذي عليه الجمهورُ، وتظاهرَتْ به الرواياتُ أن إبْلِيسَ جاء كُفَّار قريشٍ، ففي «السِّيَر» لابن هشامٍ: أنه جاءهم بمكَّة، وفي غيرها: أنَّه جاءهم، وهُمْ في طريقهم إِلى بَدْرٍ، وقد لحقهم خَوْفٌ من بني بَكْر وكِنَانَةَ؛ لحروبٍ كانَتْ بينهم، فجاءهم إِبليس في صورة سُرَاقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُم، وهو سيِّد مِنْ ساداتهم، فقال لهم: {إِنِّي جَارٌ لَّكُمْ}، ولن تخافوا من قومي، وهم لكُمْ أعوانٌ على مَقْصِدِكم، ولَنْ يغلبكم أحدٌ، فروي أنه لما ٱلْتَقَى الجمعانِ، كانَتُ يده في يدِ الحَارِثِ بن هشام، فلما رأَى الملائكَةَ، نَكَصَ، فقال له الحارثُ: أَتَفِرُّ يا سُرَاقَةُ؟! فلم يَلْو عَليه، وَيُرْوَىٰ أَنه قال له ما تضمَّنته الآيةُ، وروي أن عُمَيْرَ بْنَ وهبٍ، أو الحارثِ بْنَ هشامٍ قال له: أَيْنَ يا سُرَاقُ؟ فلم يَلْوِ مِثْلَ عَدُوِّ اللَّه، فذهبَ، ووقعتِ الهزيمة، فتحدَّثوا أنَّ سُرَاقَةَ فَرَّ بالنَّاسِ، فبلغ ذلك سُرَاقَةَ بْنَ مالك، فأتى مكَّة، فقال لهم: واللَّه، ما عَلِمْتُ بشيء منْ أمركم حتى بَلَغَتْني هزيمَتُكُمْ، ولا رأْيْتُكُم، ولا كُنْتُ معكم. * ت *: قال ابنُ إسحاق: ذكر لي أنهم كانوا يرونه في كلِّ مَنْزِلٍ في صُورَة سُرَاقَة لا يُنْكِرُونه حتَّى إِذا كان يَوْمُ بَدْر، وٱلتَقَىٰ الجمعان، نكَصَ عدوُّ اللَّه على عَقِبَيْه، فأوردهم ثُمَّ أَسلمهم. انتهى من «السيرة» لابن هشام. وقوله: {إِنِّي جَارٌ لَكُمْ} أي: أنتم في ذمَّتي وحِمَائي، و«تراءت»: تفاعلَتْ من الرؤية، أي: رأى هؤلاءِ هؤلاءِ. قوله: {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}، أي: رَجَعَ من حيث جاء، وأصْل النُّكُوص؛ في اللغة: الرجوعُ القَهْقَرَى. وقوله: {إِنِّي أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ }، يريد: الملائكةَ، وهو الخبيثُ، إِنما شرط أَنْ لاَ غَالِبَ لهم من الناس، فلما رأَى الملائكة، وخَرْقَ العادةِ، خَافَ وَفَرَّ. وقوله: {إِنِّي أَخَافُ ٱللَّهَ}، قال الزَّجَّاج وغيره: خافَ ممَّا رأَى مِنَ الأمر، وهَوْلِهِ؛ أنَّه يومُهُ الذي أُنْظِرَ إِليه؛ ويقوِّي هذا أَنه رأَى خَرْقَ العادةِ، ونزولَ الملائكةِ للحَرْب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم‏} ‏ قال‏:‏ قريش يوم بدر‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ جاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان ‏ {‏لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم‏}‏ وأقبل جبريل عليه السلام على إبليس وكانت يده في يد رجل من المشركين فلما رأى جبريل انتزع يد، وولى مدبراً هو وشيعته، فقال الرجل‏:‏ يا سراقة انك جار لنا‏؟‏‏!‏ فقال ‏ {‏إني أرى ما لا ترون‏}‏ وذلك حين رأى الملائكة ‏ {‏إني أخاف الله والله شديد العقاب‏} ‏ قال‏:‏ ولما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين فقال المشركون‏:‏ وما هؤلاء ‏ {‏غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم‏} ‏‏.‏ وأخرج الواقدي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما تواقف الناس أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم سري عنه فبشر الناس بجبريل عليه السلام في جند من الملائكة ميمنة الناس، وميكائيل في جند آخر ميسرة، وإسرافيل في جند آخر ألف، وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن جعشم المدلجي يجير المشركين ويخبرهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، فلما أبصر عدوّ الله الملائكة ‏ {‏نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون‏} ‏ فتشبت به الحارث، وانطلق إبليس لا يرى حتى سقط في البحر ورفع يديه وقال‏:‏ يا رب موعدك الذي وعدتني‏. وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الدلائل عن رفاعة بن رافع الأنصار رضي الله عنه قال‏:‏ لما رأى إبليس ما يفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه ثم خرج هارباً حتى ألقى نفسه في البحر، فرفع يديه فقال‏:‏ اللهم إني أسألك نظرتك إياي‏. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة ‏{أية : ‏سيهزم الجمع ويولون الدبر} ‏تفسير : [‏القمر : 45‏]‏ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ أي جمع يهزم‏؟‏‏!‏ - وذلك قبل بدر - فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش، نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم مصلتاً بالسيف ويقول‏:‏ ‏{سيهزم الجمع ويولون الدبر}‏ فكانت بيوم بدر، فأنزل الله فيهم ‏{أية : ‏حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب‏}‏ تفسير : ‏[‏المؤمنون : 24‏]‏ الآية‏.‏ وأنزل الله ‏{أية : ‏ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا‏ً}‏ ‏تفسير : [‏إبراهيم : 28‏]‏ الآية‏.‏ ورماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوسعهم الرمية، وملأت أعينهم وأفواههم حتى أن الرجل ليقتل وهو يقذي عينيه وفاه، فأنزل الله {أية : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى‏}‏ ‏تفسير : [‏الأنفال: 17‏]‏ وأنزل الله في إبليس ‏ {‏فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون‏} ‏ وقال عتبة بن ربيعة وناس معه من المشركين يوم بدر ‏ {‏غر هؤلاء دينهم‏}‏ فأنزل الله ‏ {‏إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم‏} ‏‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إني أرى ما لا ترون‏} ‏ قال‏:‏ أرى جبريل عليه السلام معتجراً بردائه يقود الفرس بين يدي أصحابه ما ركبه‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إني أرى ما لا ترون‏} ‏ قال‏:‏ ذكر لنا أنه رأى جبريل تنزل معه الملائكة، فعلم عدو الله أنه لا يدان له بالملائكة، وقال ‏ {‏إني أخاف الله‏} ‏ وكذب عدو الله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوّة له به ولا منعة له‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن معمر قال‏:‏ ذكروا أنهم أقبلوا على سراقة بن مالك بعد ذلك، فأنكر أن يكون شيء من ذلك‏. وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عبادة بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال‏:‏ كان الذي رآه نكص حين نكص الحارث بن هشام، أو عمرو بن وهب الجمحي‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏إذ يقول المنافقون‏} ‏ قال‏:‏ وهم يومئذ في المسلمين‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض‏} ‏ قال‏:‏ هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي رضي الله عنه قال‏:‏ هم قوم كانوا أقروا بالإِسلام وهم بمكة، ثم خرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا المسلمين قالوا ‏ {‏غر هؤلاء دينهم‏}‏‏ . وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ كان أناس من أهل مكة تكلموا بالإِسلام فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا وفد المسلمين قالوا ‏{‏غر هؤلاء دينهم‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن إسحق رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض‏} ‏ قال‏:‏ هم الفئة الذين خرجوا مع قريش، احتبسهم آباؤهم فخرجوا وهم على الارتياب، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا ‏ {‏غر هؤلاء دينهم‏} ‏ حين قدموا على ما قدموا عليه من قلة عددهم وكثرة عدوّهم، وهم فئة من قريش مسمون خمسة: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميان، والحارث بن زمعة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه‏.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ} منصوبٌ بمضمر خوطب به النبـيُّ صلى الله عليه وسلم بطريق التلوينِ، أي واذكُر وقتَ تزيـينِ الشيطانِ أعمالَهم في معاداة المؤمنين وغيرِها بأن وسوس إليهم {وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ} أي ألقَى في رُوعِهم وخيّل إليهم أنهم لا يُغلبون ولا يطاقون لكثرة عددِهم وعُددهم، وأوهمهم أن اتّباعَهم إياه فيما يظنون أنها قُربات مجيرٌ لهم حتى قالوا: اللهمَّ انصُرْ إحدى الفئتين وأفضلَ الدينَين، ولكم خبرُ (لا غالب) أو صفتُه وليس صلتَه، وإلا لانتصب كقولك: لا ضارباً زيداً عندنا. {فَلَمَّا تَرَاءتِ ٱلْفِئَتَانِ} أي تلاقى الفريقان {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} رجَع القهقرىٰ أي بطل كيدُه وعاد ما خيَّل إليهم أنه مجيرُهم سبباً لهلاكهم {وَقَالَ إِنّي بَرِىء مّنْكُمْ إِنّي أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنّي أَخَافُ ٱللَّهَ} أي تبرأ منهم وخاف عليهم ويئِس من حالهم لما رأى إمدادَ الله تعالى للمسلمين بالملائكة، وقيل: لما اجتمعت قريشٌ على المسير ذَكَرت ما بـينهم وبـين كِنانةَ من الإحنةِ فكاد ذلك يَثْنيهم فتمثل لهم إبليسُ في صورة سُراقةَ بنِ مالك الكِناني وقال: لا غالبَ لكم اليوم من الناس وإني مجيرُكم من كِنانةَ فلما رأى الملائكةَ تنزِل نكَص وكان يدُه في يد الحارث بن هشام فقال له: إلى أين؟ أتخذُلنا في هذه الحالة فقال: إني أرى مالا ترون ودفع في صدر الحارثِ وانطلق فانهزموا فلما بلغوا مكةَ قالوا: هزَم الناسَ سراقةُ، فبلغه ذلك فقال: والله ما شعَرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتُكم فلما أسلموا علِموا أنه الشيطانُ وعلى هذا يحتمل أن يكون معنى قولهِ: إني أخاف الله أخافه أن يُصيبَني بمكروه من الملائكة أو يُهلكَني ويكونُ الوقتُ هو الوقتُ الموعود إذ رأى فيه ما لم يرَه قبله، والأول ما قاله الحسنُ واختاره ابن بحر {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} يجوز أن يكون من كلامه أو مستأنفاً من جهة الله عز وجل. {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ} منصوبٌ بزيّن أو بنكَص أو بشديد العقاب {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي الذين لم تطمئن قلوبُهم بالإيمان بعد وبقيَ فيها نوعُ شُبهةٍ وقيل: هم المشركون وقيل: هم المنافقون في المدينة، والعطفُ لتغايُر الوصفين كما في قوله: شعر : يالهفَ زيابةَ للحارث الصابحِ فالغانم فالآيبِ تفسير : {غَرَّ هَـؤُلاء} يعنون المؤمنين {دِينَهُمُ} حتى تعرّضوا لما طاقةَ لهم به فخرجوا وهم ثلثُمائةٍ وبضعةَ عشرَ إلى زُهاء ألف {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} جوابٌ لهم من جهته تعالى وردٌّ لمقالتهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالبٌ لا يذِلُّ من توكل عليه واستجار به وإن قلَّ {حَكِيمٌ} يفعل بحكمته البالغةِ ما تستبعده العقولُ وتحار في فهمه ألبابُ الفحول، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدِلالة المذكور عليه.

التستري

تفسير : وقوله: {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}[48] من حيث جاء.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} [الآية: 48]. قال: عظَّم طاعاتهم فى أعينهم، وصَغَّر نعم الله عندهم. وقال بعضهم: أظهر لهم قوتهم حتى اعتمدوها. وقيل: هو مخالفاتهم للسنن. قوله تعالى: {فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: ترك الذنوب على ضروب: منهم من تركها حياء من نعمه كيوسف صلى الله عليه وسلم، ومنهم من تركها خوفًا كإبليس حين قال: {فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}.

القشيري

تفسير : الشيطان إذا زيَّن للإنسان بوساوسه أمراً، والنَّفْسُ إذا سوَّلت له شيئاً عَمِيَتْ بصائرُ أرباب الغفلة عن شهود صواب الرُّشد، فيبقى الغافل في قِياد وساوسه، ثم تلحقه هواجمُ التقدير من كوامن المكر من حيث لا يرتقب، فلا الشيطان يفي بما يَعِدُه، ولا النفس شيئاً مما تتمنَّاه تجده، وكما قال القائل: شعر : أحسنتَ ظنَّك بالأيام إذ حَسُنَتْ ولم تَخَفْ سوءَ ما يأتي به القَدَرُ وسالمتْكَ الليالي فاغتَررْتَ بها وعند صفوِ الليالي يَحْدُثُ الكَدرُ

اسماعيل حقي

تفسير : {وإذ زين لهم الشيطان اعمالهم} [آورده اندكه جون قريش از مكه برون آمده بحوالى منزل بنى كنانة رسيدند بجهت كيفيت قديمى كه ميان ايشان بود انديشه ناك شده خواستند باز كردند ابليس بصورة سراقة بن مالك مهتر كنانه بود برآمد برايشان ملاقات نمودو كفت شمانيكو حمايتى ميكنيد برويد من ضامن كه از بنى كنانة بشمانرسد ومن نيز طريق رفاقه مرعى دارم بس ابليس باجمعن از شياطين همراه ايشان روى ببدرآوردند حق سبحانه وتعالى ازين قصة خبر ميدهد] والمعنى واذكر يا محمد وقت تزيين الشيطان اعمال كفار مكة معاداة المؤمنين وغيرها [ودر حقائق سلمى فرموده كه قوة ايشانرا بنظر ايشان در آورد تا اعتماد بدان كردند] {وقال لا غالب لكم اليوم من الناس} فإنكم كثير وهم قليل. قوله لكم خبر لا غالب اي لا غالب كائن لكم واليوم منصوب بما تعلق به الخبر ومن الناس حال من الضمير فيه والمراد من الناس المؤمنون {وانى جار لكم} اى مجيركم من بنى كنانة ومعين لكم فمعنى الجار المجير الحافظ الذى يدفع عن صاحبه انواع الضر كما يدفع الجار عن جاره تقول العرب انا جار لك من فلان اى حافظ لك من مضرته فلا يصل اليك منه مكروه. وقال فى القاموس الجار المجاور والذى اجرته من انه يظلم والمجير واجاره انقذه {فلما تراءت الفئتان} اى تلاقى الفريقان يوم بدر. قال الكاشفى [بس آن هنكام كه بديدند هر دو كروه لشكر يكديكررا] {نكص على عقبيه} رجع القهقرى وهو اصل معنى النكوص لان الغالب فيمن يفر عن موضع القتال ان يرجع قهقرى لخوفه من جهة العدو. وقوله على عقبيه حال مؤكدة لان رجوع القهقرى انما يكون على العقبين [واين عبارتست از هزيمت كردن بمكر وحيله آورده اندكه جون روز بدر ملائكه فرود آمدند ابليس ايشانرا ديد روى بفرار نهاد در آن محل دست بردست حارث بن هشام بود حارث كفت اى سراقه در جنين حال مارا فروميكذارى ابليس دست برسينه اوزد] {وقال انى بريئ منكم} [من بيزارم از زنهار شما] {انى ارى ما لا ترون} من نزول الملائكة للامداد فقال الحارث وما نرى الا جعا شيش اهل يثرب والجعشوش الرجل القصير {انى اخاف الله} من ان يصيبنى بمكروه من الملائكة او يهلكنى على ان يكون الوقت هو الوقت المعلوم الذى انظر اليه {والله شديد العقاب} لمن يخاف منه وقد صدق الكذاب انه يخاف من شدة عذاب الله فان عقابه لو وقع عليه لتلاشى ولذلك كان يفر من ظل عمر رضى الله عنه وما سلك فجا الا وسلك الشيطان فجا آخر لئلا يقع عليه عكس نور ولاية عمر فيحرقه وقد علم الشيطان انه من المعذبين المعاقبين وانما خوفه من الله من شدة عقابه لانه يعلم انه لا نهاية لشدة عقابه والله قادر على ان يعاقبه بعقوبة اشد من الاخرى. وفيه اشارة الى ان خوفه من الله يدل على انه غير منقطع الرجاء منه كذا فى التأويلات النجمية. [نقلست كه منهزمان بدر بعد از رجوع بمكه سراقه را بيغام فرستادندكه لشكر ماراتو منهزم ساختى سراقه سوكند يادكردكه تا هزيمت شمانشنيدم از عزيمت شما وقوف نيافتم بس همه را معلوم شد كه آن شيطان بودكه خودرا برصورت سراقه نموده]. فان قيل كيف يجوز ان يتمكن ابليس من ان يخلع صورة نفسه ويلبس صورة سراقة ولو كان قادرا على ان يجعل نفسه فى مثل صورة انسان لكان قادرا على ان يجعل غيره انسانا. قيل اذا صحت هذه الرواية فالجواب ان الله خلق ابليس فى صورة سراقة والله تعالى قادر على خلق انسان فى مثل صورة سراقة ابتداء فكان قادرا على ان يصور ابليس فى مثل صورة سراقة كما فى التفسير الحدادى. وقال القاضى ابو يعلى ولا قدرة للشياطين على تغيير خلقهم والانتقال فى الصور وانما يجوز ان يعلمهم الله تعالى كلمات وضربا من ضروب الافعال اذا فعله اوتكلم بها نقله الله تعالى من صورة الى صورة فيقال انه قادر على التصوير والتخييل على معنى انع قادر على قول اذا قاله او فعل اذا فعله نقله الله تعالى من صورته الى صورة اخرى يجرى العادة واما ان يصور نفسه فذاك محال لان انتقالها من صورة الى صورة انما يكون بنقض البنية وتفريق الاجزاء واذا انتقضت بطلت الحياة واستحال وقوع الفعل بالجملة فكيف بنقل نفسها قال والقول فى تشكيل الملائكة مثل ذلك والذى روى ان ابليس تصور فى صورة سراقة بن مالك وان جبريل تمثل فى صورة دحية وقوله تعالى {أية : فأَرسلنا إِليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً} تفسير : [مريم: 17]. محمول على ما ذكرنا وهو انه قدره الله تعالى على قول قاله فنقله الله تعالى من صورته الى صورة اخرى كذا فى آكام المرجان ونظر فيه والهى الاسكوبى بان من قال تمثل جبريل عليه السلام وتصور ابليس عليه ما يستحق ليس مراده انهما احدثا تلك الصورة والمثال من قدرتهما نفسهما بل باقدار الله لهما على التصور والتمثل كيف شاآ فلا منافاة بين القولين غاية ما فى الباب ان العمل من طريق ما اقدره الله به من الاسباب المخصوصة انتهى. يقول الفقير ان الملائكة والشياطين من قبيل الارواح اللطيفة وللارواح التصور بانواع الصور كما ان للاجسام التلون بالوان الالبسة وكل ذلك باقدار الله تعالى فى الحقيقة لكن هذا المعنى صعب المسلك فلا يهتدى الى دركه ا الانبياء والاولياء المكاشفون عن حقيقة الامر والله اعلم. ثم ان من عادة الشيطان ان يقحم من اطاعه ورطة الهلاك ثم يتبرأ منه -حكى- ان عابدا عبد الله فى صومعته دهرا طويلا فولدت لمللهم ابنة فانف الملك ان يمسها الرجال فاخرجها الى صومعته واسكنها معه كيلا يعرف احد مكانها ويستخطبها منه فكبرت الابنة فحضر ابليس على صورة شيخ وخدعه بها حتى واقعها الزاهد واحبلها فلما ظهر بها الحبل رجع اليه فقال له انك زاهدنا وانها لو ولدت يظهر زناك فتصير فضيحة فاقتلها قبل الولادة واعلم والدها انها قد ماتت فيصدقك فتنجو من العذاب والشين فقتلها الزاهد فجاء الشيطان الى الملك فى زىّ العلماء فاخبره بصنع الزاهد بابنته من الاحبال والقتل وقال ان اردت ان تعرف حقيقة ما اخبرتك فانبش قبرها وشق بطنها فان خرج منها ولد فهو مصداق مقالتى وان لم يخرج فاقتلنى ففعل الملك ذلك فاذا الامر كما قال فاخذ الزاهد واركبه الابل وحمله الى بلده فصلبه فجاءه الشيطان وهو مصلوب فقال له انك زنيت بامرى وقتلت نفسا بامرى فآمن بى انجك من عذاب الملك فادركته الشقاوة فآمن به فهرب الشيطان منه ووقف من بعيد فقال الزاهد نجنى فقال الشيطان انى اخاف الله رب العالمين. فعلى العاقل الحذر من كيده وفى المثنوى شعر : آدمى را دشمن بنهان بسيست آدمى باحذر عاقل كسيست تفسير : واعلم ان الشيطان اذا ظفر بالسالك يغره بالقوة والكمال والبلوغ الى مرتبة الرجال وانه لا يضره التصرف فى الدنيا وارتكاب بعض المنهيات بل ينفعه فى نفى الرياء والعجب كما هو طريقة اهل الملامة قال بعض ارباب الحقيقة يجوز ان تظهر لنفسك ما يوجب نفى دعواها من مباح مستبشع او مكروه لم يمنع دواء لعلة العجب لا محرما متفقا عليه انتهى. فليكن هذا على ذكر منك فان صوفية الزمان قد تجاوزوا الحلال الى الحرام وتركوا العهود بينهم وبين المشايخ الكرام ولم يعرفوا ان السلامة فى الاخذ بالكتاب وسنة النبى عليه السلام والتأدب بآداب وضعها الخواص من الانام لمن يطلب الدخول الى حرم اسرار الله الملك العلام: قال الحافظ شعر : در راه عشق وسوسه اهر من بسيست هش دار وكوش دل ببيام سروش كن

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وإذْ زيّنَ لهم الشيطانُ أعمالهم} السيئة، ومن جملتها: خروجهم إلى حربك؛ بأن وسوس لهم، {وقال لا غالبَ لكم اليومَ من الناس وإني جارٌ لكم} قيل: قال لهم ذلك مقالة نفسانية، بأن ألقي في رُوعهم، وخيَّل إليهم أنهم لا يُغلبون ولا يطاقون، لكثرة عَددهم وعُددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه في ذلك قربة مجيرة لهم من المكاره. {فلما تراءت الفئتان} أي: تلاقي الفريقان، ورأى بعضهم بعضاً، {نَكصَ على عقبيه}؛ رجع القهقري، أي: بطل كيده، وعاد ما خيل لهم أنه مجير لهم سبب هلاكهم، {وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله}، أي: تبرأ منهم وخاف عليهم، وأيس من حولهم، لمّا رأى إمداد المسلمين بالملائكة. وقيل: إن هذه المقالة كانت حقيقة لسانِيَّة. رُوي أن قريشاً لما اجتمعت على المسير إلى بدر، ذكرت ما بينهم وبين بني كنانة من العداوة، فهموا بالرجوع عن المسير، فمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك الكناني، وقال: لا غالب لكم اليوم وإني جارٌ لكم، وإني مجيركم من بني كنانة، فلما رأى الملائكة تنزل نكص على عقبيه، وكانت يده في يد الحارث بن هشام، فقال له: إلى أين؟ أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، ودفع في صدر الحارث، فانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة، قالوا: هزم النَّاسَ سُراقَةُ، فبلغه ذلك، فقال: والله ما شعرت بسيركم حتى بلغني هزيمتكم! فلما أسلموا علموا أنه الشيطان. وعلى هذا، يحتمل أن يكون معنى قوله: {إني أخافُ الله} أي: أخاف أن يصيبني مكروهاً من الملائكة، أو يهلكني، ويكون هذا الوقت هو الوقت الموعود، إذ رأى فيه ما لم ير قبله. والأول: ما قاله الحسن، واختاره ابن حجر. وقال الورتجبي: أي: إني أخاف عذاب الله، وذلك بعد رؤية البأس، ولا ينفع ذلك، ولو كان متحققاً في خوفه ما عصى الله طرفة عين. هـ. وذكر ابن حجر عن البيهقي، عن عليّ ـ كرم الله وجهه ـ، قال: هبت ريح شديدة، فلم أر مثلها، ثم هبت ريح شديدة، وأظنه ذكر ثالثة، فكانت الأولى جبريل، والثانية: ميكائيل، والثالثة: إسرافيل، وكان ميكائيل عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها أبو بكر، وإسرافيل عن يساره، وأنا فيها. وعن عليّ ايضاً: قيل ليَّ ولأبي بكر يوم بدر: مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل وإسرافيل ملك عظيم يحضر لصف ويشهد القتال. انتهى. وقوله تعالى: {والله شديدُ العقاب}، يجوز أن يكون من كلام إبليس، وأن يكون مستأنفاً. الإشارة: عادة الشيطان مع العوام أن يُغريهم على الطعن والإنكار على أولياء الله، وإيذائهم لهم، فإذا رأى غيرة الله على أوليائه نكص على عقبيه، وقال: إني منكم بريء؛ إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب. ثم ذكر مقالة المنافقين في شأن المسلمين، حيث خرجوا لغزوة بدر، فقال: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}.

الطوسي

تفسير : التقدير: واذكر {إذ زين لهم} يعني المشركين {زين لهم الشيطان أعمالهم} بمعنى حسنها في نفوسهم والتزيين هو التحسين. والمعنى أن ابليس حسن للمشركين أعمالهم وحرضهم على قتال محمد، وخروجهم من مكة، وقوى نفوسهم، وقال لهم {لا غالب لكم اليوم من الناس}. تقول غلب يغلب غلبة، فهو غالب، وغالبه مغالبة وتغالبا تغالباً وغلبه تغليباً. والغلبة القهر للمنازع، والملك لامره. وقوله {وإني جار لكم} حكاية عما قال ابليس للمشركين، فانه قال لهم اني جار لكم، لأنهم خافوا بني كنانة لما كان بينهم، فأراد إبليس بأن يسكن خوفهم، والجار هو الدافع عن صاحبه السوء أجاره يجيره جواراً. ومنه قوله {أية : وهو يجير ولا يجار عليه } تفسير : اي يعقد لمن احب دفع الضرر عنه من كل احد ولا يعقد عليه، فالجار المجير. وقوله {فلما تراءت الفئتان} معناه، فلما التقتا ورأى بعضهم بعضاً {نكص} يعني ابليس {على عقبيه} والنكوص هو الرجوع ققهرى خوفاً مما يرى. نكص ينكص نكوصاً، قال زهير: شعر : هم يضربون حبيك البيض اذ لحقوا لا ينكصون اذا ما استلحموا وحموا تفسير : واختلفوا في ظهور الشيطان لهم حتى رأوه، فقال ابن عباس، والسدي وقتادة، وابن اسحاق: ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني المدلجي في جماعة من جنده، وقال لهم: هذه كنانة قد أتتكم نجدة، فلما رأى الملائكة {نكص على عقبيه} فقال الحارث بن هشام إلى اين يا سراقة، فقال {إني أرى ما لا ترون} وهو قول أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وقيل إنه راى جبرائيل بين يدي النبي صلى الله عليه وآله. وقال ابو علي الجبائي حوّله الله على صورة إنسان علماً للنبي صلى الله عليه وآله بما يخبر به عنه. وقال الحسن والبلخي: إنما هو يوسوس من غير ان يحول في صورة انسان. وقوله {إني أخاف الله والله شديد العقاب} حكاية عن قول ابليس حين ولى فقال لقريش اني ارى من الملائكة ما لا ترون اني اخاف الله والله شديد العقاب. وانما خافه من ان يأخذه في تلك الحال بعقوبته دون ان يكون خاف معصيته فامتنع منها. قال الحسن: إبليس عدو الله لا يخاف الله لكن كلما استؤصل جند من جنوده وقعت بذلك عليه مخافة وذلة. وقال البلخي هو كقولك للرجل جمعت بين الفريقين حتى اذا وقع الشر بينهم خليتهم وانصرفت، وقلت اعملوا ما شئتم وتريد بذلك انك خليت بينهم دون ان يكون هناك قول، والاول هو المشهور في التفاسير. والواو دخلت في قوله {وإذ زين لهم الشيطان} للعطف على خروجهم بطراً ورئاء الناس، فعطف حالهم في تزيين الشيطان اعمالهم على حالهم في خروجهم بطراً.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} عطف على اذ انتم بالعدوة او اذ يريكهم الله، او اذ يريكموهم على جواز عدّة معطوفات كلاًّ على سابقه {وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ} وكان تزيينه باذن الله ليقضى الله امراً كان مفعولاً {وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} مجير لكم او مجاور تمثّل لهم بصورة شخصٍ بشرىّ يقال له سراقة كما فى الخبر، او اوقع فى روعهم ذلك وسوس اليهم انّ الثّبات على الاصنام وحفظ دينهم امرٌ آلهىّ وهو مجيرهم ويحفظهم {فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} رجع القهقرى وهو مثل يضرب لمن خاب من مأموله ورجع عن طلبه { وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ} يعنى الملائكة {إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} من كلامه او من كلام الله عطفاً على قال، فى الخبر: انّ ابليس كان فى صفّ المشركين آخذاً بيد الحارث بن هشام فنكص على عقبيه فقال له الحارث: يا سراقة اتخذلنا على هذه الحال؟ - فقال: انّى ارى مالا ترون، فقال: والله ما ترى الاّ جواسيس يثرب، فدفع فى صدر الحارث وانطق وانهرم النّاس، فلمّا قدموا مكّة قال النّاس: هزم سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتّى بلغنى هزيمتكم فقالوا: انّك اتيتنا يوم كذا فحلف لهم فلمّا أسلموا علموا انّ ذلك كان الشّيطان.

اطفيش

تفسير : {وإذْ زيَّن لَهم الشَّيطانُ أعْمالَهم} من معادات رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها، والتزيين بالوسوسة أو بالكلام بأن ظهر لهم، وتكلم فى صورة إنسان {وقالَ} بلسانه {لا غالبَ لكُم اليومَ} يوم بدر على أن تصوره سراقة كان يوم بدر، وهذا القول قاله يوم بدر، أو أراد باليوم الزمان مطلقا الذى هو وقت إرادة الخروج من مكة وما بعده إلى وقت القتال، على أنه تصور لهم بصورته حينئذ، وقال هذا القول حينئذ، ولكم متعلق بمحذوف خبر لا، واليوم متعلق به أيضا أو بلكم، أو تعلق أحدهما باسم لا لكان شبيها بالمضاف فيقال لا غالبا، وأجيز كون لكم لقتاله واليوم ظرف خبرى. {مِنَ النَّاسِ} لكثرة عُددكم وعددكم {وإنِّى جارٌ لكُم} مانع أن يأتيكم كنانة بما تكرهون، تقدم أنهم لما أرادوا الخروج لمنع العير، ذكروا حروبا كانت بينهم وبين بكر بن وائل من كنانة، حتى كادوا يتركون الخروج خوفا على أموارهم ونسائهم وذراريهم وضعفائهم، فظهر لهم إبليس فى صورة سراقة بن مالك بن جشعم الشاعر، وكان من أشراف كنانة، وهو من بكر بن وائل، وهم من كنانة فقال لهم: إنى جار لكم من أن يأتوا من خلفكم بما تكرهون، وزاد بعضهم أنه قال: لا تمرون بحى من كنانة إلا أمدوكم بالخيل والرجال والسلاح، وذلك قول الجمهور فى الآية. وقال ابن عباس فيها: إنه جاء إبليس يوم بدر فى جند من الشياطين معه راية فى صورة سراقة فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم، أى ناصر ومصاحب وزين لهم أن جند الشياطين جند من كنانة، وأن من بقى منهم لا يأتيكم بسوء، ولما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبضة انهزم المشركون، وأقل جبريل إلى إبليس لعنه الله وكان فى صف المشركين، يده فى يدى الحارث بن هشام، انتزع يده منه ثم ولى مدبرا، وقيل: فعل ذلك لما رأى الملائكة تنزل، وأن الحارث قال له: أفراراً من غير قتال، وقيل قال له: اتخذ لنا فى هذه الحال، فجعل الحارث يمسكه فما أطلقه حتى ضربه فى صدره فوقع فانطلق منهزما مع جند من الشياطين، وتصوره تخييل لا تغيير للحقيقة، لأنه لا قادر على ذلكم إلا الله. وقال غير الجمهور: إن تزين الشيطان لهم بالوسوسة، وكذا القول، قال لهم فى صدورهم: إنكم على الحق أو إن اتباعكم إياى فميا تفعلون من القربات مجير لكم من أن يغلبكم محمد وأصحابه حتى قالوا: إنهم أهدى الفئتين، ودينهم أفضل الدينين كما مر، وبذلك قال الحسن، ولا إشكال فى إمكان وسوسته بذلك، فبطل قول بعضهم إنه لا يمكن أن يوسوس بقوله: {إنى جار لكم}. {فلمَّا تَراءتِ الفِئتانِ} فئة الإسلام وفئة الكفر، أى رأت كل منهما الأخرى والتقتا للقتال، وتراءت تفاءلت لكن حذفت لام الكلمة وهى الياء المبدلة ألفا، والأصل تراءت بألف بعد الهمزة أيضا حذفت لسكون التاء الأصيل ولم يعتد بكسرتها لعروضها للساكن، وقرأ الأعمش، وعيسى بن عمر: ترد بإسقاط الألف قبل الهمزة أيضا، وحكى أبو حاتم، عن الأعمش أنه أمال ورقق الراء، ثم رجع عن ذلك. {نَكَصَ} رجع من حيث جاء فقوله: {عَلَى عَقِبيْهِ} تأكيد لنكوصه زيادة لذمه، وقيل: نكص بمعنى رجع على عقبيه أو غيرهما، فقوله: {على عقبيه} بيان لكون الرجوع من حيث جاء، وقيل: معنى تكون صه على عقبيه الانهزام والإحجام، وليس المراد أنه رجع إلى عقبيه، واختار بعض واستبعد القولين قبله، وقيل: معناه أنه صار ما خيل لهم أنه مجيرهم سببا لهلاكهم، ثم أعلم أنه إذا بنينا على قول الجمهور أن القول باللسان فى مكة فقد تبعهم أيضا فى صورة سراقة حتى تراءت الفئتان، انتزع يده فهرب، وكانت الهزيمة، ولما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة بن مالك، فبلغ ذلك سراقة، فأتى مكة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتنى هزيمتكم، فقالوا أما أتيتنا يوم كذا فى مكان كذا؟ وقلت كذا وفعلت كذا؟ فحلف بالله ما رأيتكم وما كنت معكم، ولما أسلموا علموا أنه الشيطان. {وقالَ إنِّى بَرِئٌ منْكُم} أتخلص منكم لا يصيبنى ما يصيبكم، وهذه المقالة أيضا فى الظاهر بلسانه يسمعونها، أو تمثيل بحاله وعدم إغنائه عنهم شيئا {إنِّى أرَى مَا لا تَروْنَ} رأى جبريل بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم معتجرا ببرد يمشى، وفى يده اللجام يقود الفرس، ورأى الملائكة، ورأى جبريل قاصدا له، وسكن غير نافع، وابن كثير هذه الياء، والياء فى قوله: {إنِّى أخافُ اللهَ} أن يعذبنى بعذاب، أو يصيبنى بمكروه، ولم يخف الموت على أنه عالم بأن الأجل المنظَّر هو إليه يوم القيامة كما قال الحسن، واختاره ابن بحر، وخاف أن يميته فيكون ذلك الوقت هو الوقت المنظر إليه، على أنه غير عالم بأن أجله يوم القيامة، وعلى كل حال فليس المعنى أنى أتقى الله. وقال الكلبى: إنه أراد أنى أتقى الله، قال: وهو كاذب، وقيل: لما رأى نزول الملائكة خاف قيام الساعة، وقيل خاف أن يأخذه جبريل فيعرف حاله فلا يطيعوه، وهكذا عادة عدو الله إبليس لعنه الله، أن يخذل أولياءه ويتبرأ منهم إذا رأى الحق غالبا. قال ابن إسحاق: ذكرنى أنهم كانوا يرونه فى كل منزل فى صورة سراقة لا ينكرونه، حتى إذا كان يوم بدر، و التقى الجمعان نكص على عقبيه، فقال له الحارث بن هشام، أو عمير بن وهب: أين أى سراقة أتزعم أنك لنا جار؟ قال حسان: شعر : قَومى الذين هم آوَوْا نبيَّهم وقدَّموه وأهلُ الأرض كفَّارُ إلا خَصَائص أقواهم هم سلَفُوا للصَّالحين مع الأنصار أنصارُ مسْتبشرينَ بقسم الله قَولَهم لما أتاهم كريم الأصل مختارُ أهلاً وسهلاً ففى أمن وفى سعةٍ نعم النبىُّ ونعم القسم الجارُ فأنْزلوهُ بدارٍ لا يخافُ بها مَن كان جارهُم جاراً هى الدارُ وقاسَمُوهم بها الأموال إذ قَدمُوا مُهاجرين وقسم الجاحد النارُ سِرنا وساروا إلى بدرٍ لحينهم لَوْ يعلمُون يقينَ العلم ما سارُ دَلاَّهم بغرورٍ ثم أسْلمهم إنَّ الخبيث لمن ولاه غَرَّارُ وقالَ إنى لكم جارٌ فاوْردهم شَر الموارد فيه الخزىُ والعارُ ثم التقينا فولَّوا عَن سُراتهم من منْجدِين وفيهم فرقة غارُ تفسير : وفى الحديث: "حديث : ما رُئىَ إبليس يوما فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فى يوم عرفة لما رأى من نزول الرحمة ومحو الذنوب العظام إلا ما رُئى يوم بدر فإنه رأى جبريل يزع الملائكة أى يحبسهم لئلا يتقدم بعض عن بعض فى الصف" تفسير : وفى رواية: "حديث : إلا ما أرى يوم قيل: يا رسول الله وما رأى؟ قال: "رأى الملائكة يزعها جبريل ". تفسير : {واللهُ شَديدُ العقابِ} من قول ابن إبليس، ويجوز أن يكون من كلام الله مستأنفا.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ زَيَّنَ} واذكروا بواو الجمع ليطابق قوله ولا تكونوا أَو اذكر يا محمد، وتذكيره تذكيرا لهم.. والتزيين بالوسوسة فى الصدور كما هو المتبادر والغالب من الشياطين {لَهُمُ الشَّيْطَانُ} إِبليس {أَعْمَالَهُمْ} فى إِبطال دين الله، وإِهلاك رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وذلك التزيين تشجيعهم على قتال المسلمين بأَن المسلمين ضعاف قليل فاستعدوا لهم بالرجال والنفقة، وذلك لما خافوا أَن يجيئهم أَعداؤهم بنو بكر من كنانة فيخلفوهم فى مكة على أَولادهم ونسائهم وأَموالهم، أَو يقاتلوهم من خلفهم إِذا نشب القتال بينهم وبين المسلمين {وَقَالَ} بالوسوسة، أَو بلسانه فى صورة رجل وهو أَولى هنا ويجوز صرف التزيين إِلى هذا بحمله على اللسان {لاَ غَالِبَ لَكُمْ} خبر لا، وليس متعلقا بقوله غالب ولا حال من الضمير فيه إِذ لو كان ذلك لنون غالب لشبهه بالمضاف كما فى قولك لا حول عن معاصى الله إِلا بعصمة من الله، ولا قوة على طاعة الله إِلا بعون من الله بتنوين حول وقوة، لتعلق عن وعلى بهما، وقيل بالتعليق باسم لا فى مثل ذلك، وعدم التنوين ليس للبناءِ، بل تشبيه بالمضاف، وعليه البغداديون، ويجوز كون التزيين والقول واحدا، فيكون العطف للتفسير كما قال تعالى "أية : قال إِنما أَشكو بثى وحزنى إِلى الله" تفسير : [يوسف: 86] {الْيَوْمَ} متعلق بلكم أَو بمتعلقه {مِنَ النَّاسِ} لقوتكم وكثرتكم فلا يغلبكم المؤمنون {وَإِنِّى جَارٌ لَكُمْ} مانع أَن تجيئكم بنو بكر، وكافل لكم أَلاَّ يأتوكم، وإِن أَتوا يأتوا لكم لا عليكم، أَتاهم فى سورة سراقة بن مالك من تلك الجهة جهة بنى بكر فى جند من الشياطين ومعه راية، وكانوا يقولون: اللهم انصر أَهدى الفئتين وأَفضل الدينين {فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ} رأَت كل من فئة المسلمين وفئة المشركين الأُخرى، وحضرتا للقتال ومعناه تلاقت لأَنه نكص عند التلاقى لا عند رؤية كل واحدة الأُخرى، وقيل عند الرؤية على أَنه رأَى الملائكة فى جهة المؤمنين، على وجه الإِعانة قبل التلاقى ولا خفاءَ فى هذا {نكَصَ} رجع {عَلَى عَقِبَيْهِ} فى عقبيه أَى خلفه، وإِن قلنا أَن أَصل النكوص الرجوع خلف لا مطلق الرجوع واستعمل على أَصله كان قوله على عقبيه تجريدا وهو أَن يجرد اللفظ عن بعض معناه فيعبر عن ذلك البعض بلفظ آخر، أَو يبقى على أَصله فيكون على عقبيه توكيدا {وَقَالَ إِنِّى بَرِئٌ مِنْكُمْ} مخالف لكم، لا تطمعوا أَن أَنفعكم، وكانت يده فى يد الحارث بن هشام وهو فى صورة سراقة رضى الله عن سراقة وإِسلامه بعد، ولما رأَى الملائكة تنزل على صورة إِمداد المؤمنين نزع يده ونكص، فقال له: إِلى أَين أَتخذلنا فى هذه الحالة، فقال: إِنى برئٌ منكم {إِنِّى أَرَى مَالاَ تَرَوْنَ} من نزول الملائكة لقتالكم ودفع فى صدر الحارث وانطلق، ولما انهزموا ودخلوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، وبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما علمت بمسيركم حتى سمعت بهزيمتكم، ولما أَسلم من أَسلم أَيقنوا أَن الشيطان تصور بصورته، {إِنِّى أَخَافُ اللهَ} عليكم أَن يبطش بكم ويبطش بى بطشة فى الدنيا قبل بطشة الآخرة الآتية إِذا قامت القيامة، مثل أَن يقبضه جبريل فيعذبه، قال بعض: وليس يقول لهم: إِنى أَخاف على نفسى لأَنهم لا يعذرونه بذلك، وليس كذلك فإِنه يقوله بطريق أَن يقول: الأَمر شديد لا أطيقه إِلا بالفرار، فكيف أَنتم؟ روى مالك فى الموطأَ بسنده: ما رؤى الشيطان يوما أَصغر ولا أَحقر ولا أَدحر ولا أَغيظ منه فى يوم عرفة لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله تعالى عن الذنوب العظام إِلا ما رؤى يوم بدر، فإِنه قد رأَى جبريل عليه السلام يزع الملائكة، وإِما أَن يقال: المعنى أَخاف أَن تقوم الساعة، وأَن هذا الوقت هو الوقت الموعود لى وهو يوم البعث فيمنع لعلمه، أَن يوم بدر ليس يوم القيامة، ويبعد أَن يقال أَخاف أَن أَعصى الله لأَنه لا يخافها، ولأَنه لا يليق أَن يقوله للكفرة، ولو أَجاز ذلك قتادة، وكان والعياذ بالله منه متلذذا بالمعصية وإِغراء الناس كتلذذ الملائكة بالطاعة، فهو يغويهم ولا يمل ولو فى آخر الدنيا المتصل بقيام الساعة مع قرب عذابه جدا {وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} هذا آخر كلامه والعياذ بالله منه معتذرا به إِليهم، أَو هو من كلام الله عز وجل بين به سبب خوف اللعين حيث إِنه علم ذلك.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ} مقدر بمضمر خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين على ما قيل، ويجوز أن يكون المضمر / مخاطباً به المؤمنون والعطف على {أية : لاَ تَكُونُواْ} تفسير : [الأنفال: 47] أي واذكروا إذ زين لهم الشيطان أعمالهم في معاداة المؤمنين وغيرها بأن وسوس إليهم {وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ} أي ألقى في روعهم وخيل لهم أنهم لا يغلبون لكثرة عددهم وعددهم وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات مجير لهم وحافظ عن السوء حتى قالوا: اللهم أنصر أهدى الفئتين وأفضل الدينين، فالقول مجاز عن الوسوسة، والإسناد في {إِنِّي جَارٌ} من قبيل الإسناد إلى السبب الداعي و {لَكُمْ} خبر {لا} أو صفة {غَالِبَ} والخبر محذوف، أي لا غالب كائناً لكم موجود و {ٱلْيَوْمَ} معمول الخبر ولا يجوز تعلق الجار بغالب وإلا لانتصب لشبهه بالمضاف حينئذٍ، وأجاز البغداديون الفتح وعليه يصح تعلقه به، و {مِنَ ٱلنَّاسِ} حال من ضمير الخبر لا من المستتر في {غَالِبَ} لما ذكرنا وجملة {إِنِّي جَارٌ} تحتمل العطف والحالية. {فَلَمَّا تَرَاءَتِ ٱلْفِئَتَانِ} أي تلاقى الفريقان وكثيراً ما يكنى بالترائي عن التلاقي وإنما أول بذلك لمكان قوله تعالى: {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} أي رجع القهقرى فإن النكوص كان عند التلاقي لا عند الترائي، والتزام كونه عنده فيه خفاء. والجار والمجرور في موضع الحال المؤكدة أو المؤسسة أن فسر النكوص بمطلق الرجوع، وأياً ما كان ففي الكلام استعارة تمثيلية، شبه بطلان كيده بعد تزيينه بمن رجع القهقرى عما يخافه كأنه قيل: لما تلاقتا بطل كيده وعاد ما خيل إليهم أنه مجيرهم سبب هلاكهم. {وَقَالَ إِنّي بَرِىءَ مّنْكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ} تبرأ منهم إما بتركهم أو بترك الوسوسة لهم التي كان يفعلها أولاً وخاف عليهم وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله تعالى المسلمين بالملائكة عليهم السلام، وإنما لم نقل خاف على نفسه لأن الوسوسة بخوفه عليهم أقرب إلى القبول بل يبعد وسوسته إليهم بخوفه على نفسه، وقيل: إنه لا يخاف على نفسه لأنه من المنظرين وليس بشيء. وقد يقال: المقصود من هذا الكلام أنه عظم عليهم الأمر وأخذ يخوفهم بعد أن كان يحرضهم ويشجعهم كأنه قال: يا قوم الأمر عظيم والخطب جسيم وإني تارككم لذلك وخائف على نفسي الوقوع في مهاوي المهالك مع أني أقدر منكم على الفرار وعلى مراحل هذه القفار، وحينئذٍ لا يبعد أن يراد من الخوف الخوف على نفسه حيث لم يكن هناك قول حقيقة، وقال غير واحد من المفسرين: أنه لما اجتمعت قريش على المسير ذكرت ما بينها وبين كنانة من الأحنة والحرب فكاد ذلك يثبطهم فتمثل لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك الكناني وكان من أشراف كنانة فقال لهم لا غالب لكم اليوم وإني جار لكم من بني كنانة وحافظكم ومانع عنكم فلا يصل إليكم مكروه منهم فلما رأى الملائكة تنزل من السماء نكص وكانت يده في يد الحرث بن هاشم فقال له: إلى أين أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال له: إني أرى ما لا ترون فقال: والله ما نرى إلا جعاسيس يثرب فدفع في صدر الحرث وانطلق وانهزم الناس فلما قدموا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغه الخبر فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فلما أسلموا علموا أنه الشيطان، وروي هذا عن ابن عباس والكلبـي والسدي وغيرهم، وعليه يحتمل أن يكون معنى قوله: {إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ} إني أخاف أن يصيبني بمكروه من الملائكة أو يهلكني، ويكون الوقت هو الوقت الموعود إذ رأى فيه ما لم ير قبله، وفي «الموطأ» «ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله تعالى عن الذنوب العظام إلا ما أري يوم بدر فإنه قد رأى جبريل عليه السلام يزع الملائكة عليهم السلام»، وما في كتاب «التيجان» من أن إبليس قتل ذلك اليوم مخرج على هذا وإلا فهو تاج سلطان الكذب، / وروي الأول عن الحسن واختاره البلخي والجاحظ. وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} يحتمل أن يكون من كلام اللعين وإن يكون مستأنفاً من جهته سبحانه وتعالى، وادعى بعضهم أن الأول هو الظاهر إذ على احتمال كونه مستأنفاً يكون تقريراً لمعذرته ولا يقتضيه المقام فيكون فضلة من الكلام، وتعقب بأنه بيان لسبب خوفه حيث أنه يعلم ذلك فافهم.

ابن عاشور

تفسير : {وإذ زين} عطف على {أية : وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً}تفسير : [الأنفال: 44] الآية. وما بينهما اعتراض، رُتّب نظمه على أسلوبه العجيب؛ ليقع هذا الظرف عقب تلك الجمل المعتَرضة، فيكون له إتمام المناسبة بحكاية خروجهم وأحوالِه، فإنّه من عجيب صنع الله فيما عرض للمشركين من الأحوال في خروجهم إلى بدر، ممّا كان فيه سبب نصر المسلمين، وليقع قوله: {أية : ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم}تفسير : [الأنفال: 47] عَقِب أمر المسلمين بما ينبغي لهم عند اللقاء، ليجمع لهم بين الأمر بما ينبغي والتحذير ممّا لا ينبغي، وترك التشبه بمن لا يرتضَى، فيتمّ هذا الأسلوب البديع المحكمُ الانتظامِ. وأشارت هاته الآية إلى أمر عجيب كان من أسباب خِذلان المشركين إذ صرف الله عن المسلمين كيداً لهم حين وسوس الشيطان لسراقَةَ بنِ مالك بن جعْشُم الكناني أن يجيء في جيش من قومه بني كنانة لنصر المشركين حين خرجوا للدفاع عن عِيرهم، فألقى الله في رُوع سراقة من الخوف، ما أوجب انخزاله وجيشه عن نصر المشركين، وأفسد الله كيد الشيطان بما قذفه الله في نفس سُراقة من الخوف وذلك أنّ قريشاً لمّا أجمعوا أمرهم على السير إلى إنقاذ العِير ذكروا ما كان بينهم وبين كنانة من الحرب فكاد أن يثبّطهم عن الخروج، فلقيهم في مسيرهم سُراقة بن مالك في جند معه راية وقال لهم: لا غالب لكم اليوم، وإنّي مجيركم من كنانة، فقوي عزم قريش على المسير، فلمّا أمعنوا السير وتقارَبَ المشركون من منازل جيش المسلمين، ورأى سُراقة الجيشين، نكص سُراقة بمن معه وانطلقوا، فقال له الحارث بن هشام، أخُو أبي جهل: «إلى أينَ أتخذلنا في هذه الحال» فقال سراقة «إني أرى ما لا ترون» فكان ذلك من أسباب عزم قريش على الخروج والمسير، حتّى لقوا هزيمتهم التي كتب الله لهم في بدر، وكان خروج سُراقة ومن معه بوسوسة من الشيطان، لئلا ينثني قريش عن الخروج، وكان انخزال سراقة بتقدير من الله ليتمّ نصر المسلمين، وكان خاطر رجوع سراقة خاطراً ملَكياً ساقه الله إليه؛ لأنّ سراقة لم يزل يتردّد في أن يسلم منذ يوم لقائه رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة، حين شاهد معجزة سَوْخ قوائم فرسه في الأرض، وأخذِه الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورويت له أبيات خاطب بها أبا جهل في قضيته في يوم الهجرة، وما زال به ذلك حتى أسلم يوم الفتح. وتزيين الشيطان للمشركين أعمالهم، يجوز أن يكون إسناداً مجازياً، وإنّما المزيّن لهم سُراقة بإغراء الشيطان، بما سوّل إلى سراقة بن مالك من تثبيته المشركين على المضي في طريقهم لإنقاذ عيرهم، وأن لا يخشوا غَدْر كنانة بهم، وقيل تمثّل الشّيطان للمشركين في صورة سراقة، وليس تمثّل الشيطان وجنده بصورة سراقة وجيشه بمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنّما روي ذلك عن قول ابن عبّاس، وتأويلُ ذلك: أنّ ما صدر من سراقة كان بوسوسة من الشيطان، ويجوز أن يكون اسم الشيطان أطلق على سراقة لأنّه فعل فعل الشيطان كما يقولون: فلان من شياطين العرب ويجوز أن يكون إسناداً حقيقاً أي زيّن لهم في نفوسهم بخواطر وسوسته، وكذلك إسناد قوله: {لا غالب لكم} إليه مجاز عقلي باعتبار صدور القول والنكوص من سُراقة المتأثر بوسوسة الشيطان. وكذلك قوله: {إني أرى ما لا ترون}. وقوله: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون} إن كان من الشيطان فهو قول في نفسه، وضمير الخطاب التفات استحضرهم كأنّهم يسمعونه، فقال قوله هذا، وتكون الرؤية بصرية يعني رأى نزول الملائكة وخاف أن يضرّوه بإذن الله وقوله: {إني أخاف الله} بيان لقوله: {إني أرى ما لا ترون} أي أخاف عقاب الله فيما رأيت من جنود الله. وإن كان ذلك كلّه من قول سراقة فهو إعلان لهم بردّ جواره إيّاهم لئلا يكون خائناً لهم، لأنّ العرب كانوا إذا أرادوا نقض جوار أعلنوا ذلك لمن أجاروه، كما فعل ابن الدغنة حين أجار أبا بكر من أذى قريش ثم ردّ جواره من أبي بكر، ومنه قوله تعالى: {أية : وإما تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآءٍ إن الله لا يحب الخائنين}تفسير : [الأنفال: 58] فالمعنى: إنّي بريء من جواركم، ولذلك قال له الحارث بن هشام: «إلى أين أتخذلنا» فيكون قد اقتصر على تأمينهم من غدر قومه بني كنانة. وتكون الرؤية علمية ومفعولها الثاني محذوفاً اقتصاراً. وأمّا قوله: {إني أخاف الله والله شديد العقاب} فعلى احتمال أن يكون الإسناد إلى الشيطان حقيقة فالمراد من خوف الله توقع أن يصيبه الله بضرّ، من نحوِ الرجم بالشهب، وإن كان مجازاً عقلياً وأنّ حقيقته قول سُراقة فلعلّ سراقة قال قولاً في نفسه، لأنّه كان عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يدلّ عليه المشركين، فلعلّه تذكّر ذلك ورأى أنّ فيما وعد المشركين من الإعانة ضرباً من خيانة العهد فخاف سوء عاقبة الخيانة. و«التزيين» إظهار الشيء زيْناً، أي حسناٍ، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : كذلك زينا لكل أمة عملهم}تفسير : في سورة [الأنعام: 108]، وفي قوله: {أية : زيّن للذين كفروا الحياة الدنيا}تفسير : في سورة [البقرة: 212]. والمعنى: أنّه أراهم حسناً ما يعملونه من الخروج إلى إنقاذ العير، ثم من إزماع السير إلى بدر. و{تراءت} مفاعلة من الرؤية، أي رأت كلتا الفئتين الأخرى. و{نكص على عقبيه} رجع من حيث جاء. وعن مؤرج السدوسي: أنّ نكص رجع بلغة سُليم، ومصدره النكوص وهو من باب رجع. وقوله: {على عقبيه} مؤكّد لمعنى نكص إذ النكوص لا يكون إلاّ على العقبين، لأنّه الرجوع إلى الوراء كقولهم: رجع القهقرى، ونظيره قوله تعالى في سورة [المؤمنين: 66]: {أية : فكنتم على أعقابكم تنكصون}تفسير : . و{على} مفيدة للتمكّن من السير بالعقبين. والعقبان: تثنية العقب، وهو مؤخّر الرجل، وقد تقدّم في قوله: {أية : ونردّ على أعقابنا}تفسير : في سورة [الأنعام: 71]. والمقصود من ذكر العقبين تفظيع التقهقر لأنّ عقب الرجل أخسّ القوائم لملاقاته الغبار والأوساخ.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ} إلى قوله: {إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان غر الكفار، وخدعهم، وقال لهم: لا غالب لكم وأنا جار لكم. وذكر المفسرون: أنه تمثل لهم في صورة "سراقة بن مالك بن جعشم" سيد بني مدلج بن بكر بن كنانة، وقال لهم ما ذكر الله عنه، وأنه مجيرهم من بني كنانة، وكانت بينهم عداوة، {فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}، عندما رأى الملائكة وقال لهم: {إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ}، فكان حاصل أمره أنه غرهم، وخدعهم حتى أوردهم الهلاك، ثم تبرأ منهم. وهذه هي عادة الشيطان مع الإنسان كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله: {أية : كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ}تفسير : [الحشر: 16] الآية. وقوله: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 22]، إلى قوله: {أية : إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} تفسير : [إبراهيم: 22]. وكقوله: {أية : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} تفسير : [النساء: 120]، وقد قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: شعر : سرنا وساروا إلى بدر لحينهم لو يعلمون يقين الأمر ما ساروا دلاهم بغرور ثم أسلمهم إن الخبيث لمن ولاه غرار

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 48- واذكروا - أيها المسلمون - حينما حَسَّن الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته قائلا لهم: إنه لا يستطيع أحد من الناس أن يغلبهم، ويؤكد لهم أنه مجير لهم، فلما تقابل الفريقان فى الحرب بطل كيده ووسوسته ورجع مدبراً، وتبرأ منهم، وخاف أن يهلكه الله، والله شديد العقاب على الذنوب. 49- واذكر - أيها الرسول - حينما يقول المنافقون من الكفار وضعفاء الإيمان عند رؤيتكم فى إقدامكم وثباتكم: غرَّ هؤلاء المسلمين دينهم، وإن مَنْ وكل إلى الله أمره مؤمناً به معتمداً عليه، فإن الله يكفيه ما أهمه، وينصره على أعدائه، لأن الله قوى السلطان حكيم فى تدبيره. 50- ولو ترى - أيها الرسول - ذلك الهول الخطير، الذى ينزل بهؤلاء الكفار حين تتوفاهم الملائكة فينزعون أرواحهم، وهم يضربونهم من أمام ومن خلف، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب النار بسبب أفعالكم السيئة. 51- وإنَّ الله ليس ظالماً لعبيده فى تعذيبهم على ما ارتكبوه، بل ذلك هو العدل، لأنه لا يستوى المسئ والمحسن، فعقابه على ما اقترفوا من أعمال سيئة. 52- إنَّ عادة هؤلاء المشركين وشأنهم فى الكفر، كشأن الفراعنة وسائر العتاة من قبلهم. جحوداً منهم بآيات الله، فعذبهم الله على ذنوبهم، وهو غير ظالم لهم إنَّ الله قوى فى تنفيذ حكمه، شديد المجازاة لمن يستحق عقابه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} {أَعْمَالَهُمْ} (48) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إذْ زَيَّنَ الشَّيْطَانُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ أعْمَالَهُمْ بِوَسْوَسَتِهِ، وَإِذْ حَسَّنَ فِي أَعْيُنِهِمْ مَا جَاؤُوا لَهُ، وَمَا هَمُّوا بِهِ، وَأَطْمَعَهُمْ بِأنَّهُمْ مَنْصُورُونَ، وَأنَّهُمْ لاَ غَالِبَ لَهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَطَمْأَنَهُمْ إلى أنَّهُمْ لَنْ يُؤْتَوْا فِي دِيَارِهِمْ أثْنَاءَ غَيْبَتِهِمْ فِي قِتَالِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، لأنَّهُ جَارٌ لَهُمْ وَمُجِيرٌ، فَلَمَّا التَقَى المُسْلِمُونَ بِالمُشْرِكِينَ، وَرَأى الشَّيْطَانُ مَلاَئِكَةَ اللهِ يَحْمُونَ المُسْلِمِينَ، وَلَّى هَارِباً {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}، وَقَالَ لأوْلِيَائِهِ مِنَ الكُفَّارِ: إنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُمْ لأنَّهُ يَرَى مَا لاَ يَرَوْنَ، إنَّهَ يَرَى المَلاَئِكَةَ يِنْصُرُونَ المُسْلِمِينَ، وَإِنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ وَقُوَّتِهِ وَسَطْوَتِهِ، مَا لاَ يَعْلَمُهُ أوْلِيَاؤُهُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَخَافُ اللهَ، وَيَعْرِفُ أنَّهُ تَعَالَى شَدِيدُ العِقَابِ. إنِّي جَارٌ لَكُمْ - مُجِيرٌ وَمُعِينٌ وَنَاصِرٌ لَكُمْ. نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ - رَجَعَ القَهْقَرَى وَوَلَّى مُدْبِراً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه الكفار وهم قليل وذلك من صنع الله تعالى لتتم المعركة، وبدأ الشيطان يزين للكافرين أعمالهم ويمتدحها، ويغويهم: أنتم كثيرون ولا أحد مثلكم في فنون القتال وستحصلون على النصر في لمح البصر. لكن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يثبت المؤمنين ويقويهم، ولذلك شاء الله سبحانه أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكفار وهم قليل. والواقع أنهم قليل؛ لأن النصر ليس هنا بالعدد ولكن بتأييد الله تعالى، ومهما كثر الكفار فهم أمام تأييد الله قليل. ويحاول الشيطان أن يزين للكفار قتال المؤمنين، أي يجعله محبباً إلى نفوسهم وأنهم سيحققون النصر، ويصبحون حديث الجزيرة العربية كلها، وتخافهم الناس وتهابهم ويصبحون هم الكبراء وأصحاب الكلمة. وهكذا صور الشيطان لهم عملية قتال المسلمين في صورة محببة إلى قلوبهم. وهنا نرى بوضوح غباء الشيطان وعجزه عن أن يعلم قضاء الله، فلو علم ما ستنتهي إليه معركة بدر ما زين للكفار دخول المعركة؛ لأن المعركة انتهت بنصر المسلمين وقتل صناديد قريش، وعلت صورة المؤمنين في الجزيرة العربية كلها. ولم يكن النصر هو ما يريده الشيطان، ولكنه لجهله زين للكافرين المعركة. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} [الأنفال: 48]. أي أن وسوسة الشيطان للكفار كانت في صورة تضخيم قوتهم وأن أحداً لن يغلبهم في قتالهم ببدر، وأنه - أي الشيطان - سيناصرهم في المعركة ويجيرهم إن حدث لهم سوء، ولكن هل للشيطان سلطان على أن يُعين الكفار؟ نحن نعلم أن الشيطان ليس له سلطان إلا التزيين فقط، فكيف يكون له سلطان على نتيجة المواجهة بين الحق والباطل؟. إن الشيطان يأتي في الآخرة فيطلب منه الكفار أن يجبرهم من عذاب الله تعالى؛ لأنه هو الذي أغواهم وزين لهم سوء أعمالهم وجرهم إلى طريق النار، فيتبرأ منهم ويقول لهم: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ}تفسير : [إبراهيم: 22]. أي أنه يقول للكافرين: أنا لم أجبركم على المعاصي، فلم يكن لي عليكم سلطان القهر؛ لأقهركم على أن تفعلوا شيئاً ولا سلطان الحجة لأقنعكم بأن تفعلوا المعاصي، ولكني بمجرد أن دعوتكم استجبتم لي؛ لأنكم تريدون المعصية واتباع شهواتكم. وقوله: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} وأصرخ فلاناً أي سمع صراخه فذهب إليه لينقذه، والإنسان عندما يواجه قوة أكبر منه يلجأ إلى الصراخ لعل أحداً يسمع صراخه ويأتي لنجدته. والذي يسمع الصراخ إما أن يكون ضعيفاً فلا يستجيب؛ لأنه لا يستطيع أن ينقذ ذلك الذي يواجه الخطر، وإما أن يكون قوّياً فيذهب لنجدته، فيقال: (أصرخه) أي أنقذه وأزال سبب صراخه، وقوله تعالى: حاكيا ما يقوله الشيطان {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} أي أن الشيطان لا يستطيع أن ينجيهم من العذاب وينقذهم منه، فيزيل سبب صراخهم: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} أي أنتم لا تستطيعون دفع العذاب عني. وقد أخذ الشيطان يزين لهم أعمالهم ويعدهم كذباً بأنه سيجيرهم ويؤازرهم ويعمل على نصرهم حتى اقترب المؤمنون والكفار من بعضهم البعض وأصبحوا على مدى رؤية العين. {فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ} [الأنفال: 48]. أي أنه بمجرد الترائي بين المؤمنين والكفار، وقبل أن يلتحموا في المعركة ويبدأ القتال هرب الشيطان وتبرأ من الكفار وجرى بعيداً، وهذا ما يشرحه الله تعالى في قوله: {أية : كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الحشر: 16]. وهذا كلام منطقي مع موقف الشيطان حينما طرده الله ولعنه؛ لأنه رفض تنفيذ أمر السجود لآدم؛ فقال له الله عز وجل: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [ص: 78]. حينئذ تضرع الشيطان إلى الله تعالى أن يبقيه إلى يوم القيامة: {أية : قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}تفسير : [الأعراف: 14]. وهكذا أقر الشيطان بطلاقة القدرة لله تعالى وبأنه عاجز لا يقدر على شيء أمام قوة الله، فقال الحق تبارك وتعالى: {أية : قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ}تفسير : [الحجر: 37-38]. إذن فالشيطان لا قدرة له ولا قوة على فعل شيء، وكل ما يمكنه هو الخداع والتزيين والكذب، ولذلك أخذ يخدع الكفار ويكذب عليهم، وما أن صار المؤمنون والكفار على مدى رؤية العين بعضهم لبعض، هرب الشيطان وفزع ونكص على عقبيه، وأعلن خوفه من الله؛ لأنه يعلم أن الله شديد العقاب. إذن فمصدر خوف الشيطان هنا هو الخوف من العقاب ومن العذاب الذي سيصيبه حتماً، ولم يفزع الشيطان - إذن - حبّاً لله تعالى. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} معناهُ رَجَعَ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من جملة ما يعين عليكم ويمد لنصركم: تغرير الشيطان وإغراؤه على أعدائكم إمداداً لكم فيصير وبالاً عليهم، اذكروا {إِذْ زَيَّنَ} أي: حسن وحبب {لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أي: عداوتهم وقتالهم معكم {وَقَالَ} الشيطان تحريضاً لهم على القتال ملقياً في روعهم على سبيل الوسوسة، حتى خيلوا أنهم لا يغلبون أصلاً اعتماداً على كثرة عددهم وعُددهم: {لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ} فلكم اليد والغلبة {وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} مجير لكم {فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ} أي: تلافيا وتلاحقا فرأى اللعين من صفوف الملائكة ما رأى {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} أي: رجع قهقرى {وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ} ومن جواركم {إِنَّيۤ أَرَىٰ} من جنود السماء {مَا لاَ تَرَوْنَ} ينزلون منها؛ لإمداد هؤلاء بإذن الله {إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ} من قهره وغضبه {وَٱللَّهُ} القادر على جميع وجوه الانتقام {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 48] أليم العذاب، لا نجاة للعصاة الغواة من عذابه وعقابه. اذكروا {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي: الذين لم يصفوا عن شوب الشبهة، ولم يصلوا إلى مرتبة الاطمئنان في الإيمان، حين خرجتم نحو العدو مجزئين مع قلتكم وكثرة عددكم: {غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} فألقوا أنفسهم إلى التهلكة بأيديهم بخروج ثلاثمائة عزل بلا عدة إلى زهاء ألف مستعدين، لا تبالوا أيها المطمئنون بالإيمان بهم وبقولهم، لا تفتروا وتضعفوا من هذياناتهم، بل توكلوا على ربكم وفوضوا الأمر إليه {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} فهو حسبه {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب في ذاته، قادر على إعانة من استعان منه {حَكِيمٌ} [الأنفال: 49] متقن في فعله وأمره، ويأمر ما تستبعده العقول وتدهش فيه الأحلام.

همام الصنعاني

تفسير : 1022- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ}: [الآية: 48]، قال: الكلبي: إن سراقة بن مَالِك تمثل به الشيطان، وقال: {لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} فاثتبوا، فلما رأى الملائكة نكَصَ عَلَى عقبيه، وقَالَ: {إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ} فذلك منه كذب، فذكروا أنهم أقبلوا على سراقبة بعد ذلك. فأنكر أن يقول شيئاً من ذلِكَ.