٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
القرطبي
تفسير : يعني أبا جهل وأصحابه الخارجين يوم بدر لنُصرة العِير. خرجوا بالقيَان والمغنياتِ والمعازف؛ فلما وردوا الجحفة بعث خُفافُ الكنانيّ: وكان صديقاً لأبي جهل ـ بهدايا إليه مع ابن له، وقال: إن شئت أمددتك بالرجال، وإن شئت أمددتك بنفسي مع من خفّ من قومي. فقال أبو جهل: إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد، فوالله ما لنا بالله من طاقة. وإن كنا نقاتل الناس فوالله إن بنا على الناس لقوة، والله لا نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدراً فنشرب فيها الخمور، وتعزف علينا القِيان؛ فإن بدراً موسم من مواسم العرب، وسوق من أسواقهم، حتى تسمع العرب بمخرجنا فتهابنا آخر الأبد. فَورَدُوا بدراً و لكن جرىٰ ما جرىٰ من هلاكهم. والبَطَر في اللغة: التقوية بنعم الله عز وجل وما ألبسه من العافية على المعاصي. وهو مصدر في موضع الحال. أي خرجوا بَطرِين مُراءين صادّين. وصدُّهم إضلالُ الناس.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم} يعني أهل مكة حين خرجوا منها لحماية العير. {بَطَراً} فخراً وأشراً. {وَرِئَاء ٱلنَّاسِ} ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة، وذلك أنهم لما بلغوا الجحفة وافاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد سلمت عيركم فقال أبو جهل: لا والله حتى نقدم بدراً ونشرب فيها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب، فوافوها ولكن سقوا كأس المنايا وناحت عليهم النوائح، فنهى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم بطرين مرائين، وأمرهم بأن يكونوا أهل تقوى وإخلاص من حيث إن النهي عن الشيء أمر بضده. {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} معطوف على بطراً إن جعل مصدراً في موضع الحال وكذا إن جعل مفعولاً له لكن على تأويل المصدر. {وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} فيجازيكم عليه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى بعد أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله، وكثرة ذكره، ناهياً لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم بطراً، أي: دفعاً للحق، {وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ} وهو المفاخرة والتكبر عليهم، كما قال أبو جهل لما قيل له: إن العير قد نجا، فارجعوا، فقال: لا، والله لا نرجع، حتى نرد ماء بدر، وننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، وتتحدث العرب بمكاننا فيها يومنا أبداً، فانعكس ذلك عليه أجمع؛ لأنهم لما وردوا ماء بدر، وردوا به الحمام، ورُمُوا في أطواء بدر مهانين أذلاء، صغرة أشقياء في عذاب سرمدي أبدي، ولهذا قال: {وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي: عالم بما جاؤوا به وله، ولهذا جازاهم عليه شر الجزاء لهم. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ} قالوا: هم المشركون الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وقال محمد بن كعب: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله: { وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} وقوله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} الآية، حسن لهم - لعنه الله - ما جاؤوا له، وما هموا به، وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر، فقال: إني جار لكم، وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، سيد بني مدلج كبير تلك الناحية، وكل ذلك منه؛ كما قال تعالى عنه: {أية : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً} تفسير : [النساء: 120] قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر، سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أن أحداً لن يغلبكم، وأني جارلكم، فلما التقوا ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة، {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} قال: رجع مدبراً، وقال: {إِنِّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ} الآية. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، فلما اصطف الناس، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس، فلما رآه، وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع يده، ثم ولى مدبراً وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب، وذلك حين رأى الملائكة. وقال محمد بن إسحاق: حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن إبليس خرج مع قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فلما حضر القتال، ورأى الملائكة، نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، فتشبث به الحارث بن هشام، فنخر في وجهه، فخر صعقاً، فقيل له: ويلك يا سراقة على هذه الحال تخذلنا وتبرأ منا؟ فقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب. وقال محمد بن عمر الواقدي: أخبرني عمر بن عقبة عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: لما تواقف الناس، أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم كشف عنه، فبشر الناس بجبريل في جند من الملائكة ميمنة الناس، وميكائيل في جند آخر ميسرة الناس، وإسرافيل في جند آخر ألف، وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي يدبر المشركين، ويخبرهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، فلما أبصر عدو الله الملائكة، نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، فتشبث به الحارث بن هشام، وهو يرى أنه سراقة؛ لما سمع من كلامه، فضرب في صدر الحارث، فسقط الحارث، وانطلق إبليس لا يرى حتى سقط في البحر، ورفع ثوبه، وقال: يا رب موعدك الذي وعدتني. وفي الطبراني عن رفاعة بن رافع، قريب من هذا السياق، وأبسط منه، ذكرناه في السيرة. وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: لما أجمعت قريش المسير، ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب، فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: أنا جارلكم أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعاً، قال محمد بن إسحاق: فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة بن مالك، لا ينكرونه، حتى إذا كان يوم بدر، والتقى الجمعان، كان الذي رآه حين نكص، الحارث بن هشام، أو عمير بن وهب، فقال: أين سراقة؟ أين وميل عدو الله فذهب، قال: فأوردهم ثم أسلمهم، قال: ونظر عدو الله إلى جنود الله قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين، فنكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، وصدق عدو الله، وقال: إني أخاف الله والله شديد العقاب، وهكذا روي عن السدي والضحاك والحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم رحمهم الله. وقال قتادة: وذكر لنا أنه رأى جبريل عليه السلام تنزل معه الملائكة، فعلم عدو الله أنه لا يدان له بالملائكة، فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، وكذب عدو الله، والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه واستقاد له، حتى إذا التقى الحق والباطل، أسلمهم شر مسلم، وتبرأ منهم عند ذلك، قلت: يعني بعادته لمن أطاعه: قوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ } تفسير : [الحشر: 16] وقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [إبراهيم: 22]. وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن بعض بني ساعدة، قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعدما كف بصره، يقول: لو كنت معكم الآن ببدر، ومعي بصري، لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى، فلما نزلت الملائكة، ورآها إبليس، وأوحى الله إليهم أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، وتثبيتهم: أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه، فيقول له: أبشر، فإنهم ليسوا بشيء، والله معكم، فكروا عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة، نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحضض أصحابه، ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه. ثم قال: واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمداً وأصحابه في الحبال، فلا تقتلوهم، وخذوهم أخذاً، وهذا من أبي جهل لعنه الله؛ كقول فرعون للسحرة لما أسلموا: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا} تفسير : [الأعراف: 123] وكقوله: {أية : إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ} تفسير : [الشعراء: 49] وهو من باب البهت والافتراء، ولهذا كان أبو جهل فرعون هذه الأمة. وقال مالك بن أنس: عن إبراهيم بن أبي عَبْلة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما رُئي إبليس يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من نزول الرحمة والعفو عن الذنوب، إلا ما رأى يوم بدر» تفسير : قالوا: يا رسول الله وما رأى يوم بدر؟ قال: «حديث : أما إنه رأى جبريل عليه السلام يزع الملائكة» تفسير : وهذا مرسل من هذا الوجه. وقوله: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: لما دنا القوم بعضهم من بعض، قلل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلل المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: غر هؤلاء دينهم، وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، فظنوا أنهم سيهزمونهم، لا يشكون في ذلك، فقال الله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وقال قتادة: رأوا عصابة من المؤمنين تشددت لأمر الله، وذكر لنا أن أبا جهل عدو الله لما أشرف على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: والله لا يعبد الله بعد اليوم قسوة وعتواً. وقال ابن جريج في قوله: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} هم قوم كانوا من المنافقين بمكة، قالوه يوم بدر، وقال عامر الشعبي: كان ناس من أهل مكة قد تكلموا بالإسلام، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين، قالوا: غر هؤلاء دينهم. وقال مجاهد في قوله عز وجل: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} قال: فئة من قريش؛ قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج، خرجوا مع قريش من مكة، وهم على الارتياب، فحبسهم ارتيابهم، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: غر هؤلاء دينهم حتى قدموا على ما قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم، وهكذا قال محمد بن إسحاق بن يسار سواء. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر عن الحسن في هذه الآية قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا منافقين، قال معمر: وقال بعضهم: هم قوم كانوا أقروا بالإسلام وهم بمكة، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين، قالوا: غر هؤلاء دينهم، وقوله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي: يعتمد على جنابه {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} أي: لا يضام من التجأ إليه، فإن الله عزيز منيع الجناب عظيم السلطان {حَكِيمٌ} في أفعاله، لا يضعها إلا في مواضعها، فينصر من يستحق النصر، ويخذل من هو أهل لذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم } ليمنعوا عِيرهم ولم يرجعوا بعد نجاتها {بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ } حيث قالوا: لا نرجع حتى نشرب الخمر وننحر الجزور وتضرب علينا القيان ببدر فيتسامع بذلك الناس {وَيَصُدُّونَ } الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ } بالياء والتاء {مُحِيطٌ } علماً فيجازيهم به.
الماوردي
تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ النَّاسِ} هم قريش حين خرجوا في حماية العير فنجا بها أبو سفيان، فقال لهم أبو جهل: لا نرجع حتى نرِد بدراً وننحر جزوراً ونشرب خمراً وتعزف علينا القيان، فكان من أمر الله فيهم ما كان. قوله عز وجل {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالَهُمْ} قال المفسرون: ظهر لهم في صورة سراقة بن جعشم من بني كنانة فزين للمشركين أعمالهم. يحتمل وجهين: أحدهما: زين لهم شركهم. والثاني: زين لهم قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه وجه ثالث: أنه زين لهم قوتهم حتى اعتمدوها. {وَقَالَ: لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ} يعني أنكم الغالبون دون المؤمنين. {وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: يعني أني معكم. وفي جواركم ينالني ما نالكم. الثاني: مجير لكم وناصر. فيكون على الوجه الأول من الجوار، وعلى الوجه الثاني من الإجارة. {فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ} يحتمل وجهين: أحدهما: فئة المسلمين وفئة المشركين. والثاني: المسلمون ومن أمدوا به من الملائكة. فكانوا فئتين. {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} والنكوص أن يهرب ذليلاً خازياً، قال الشاعر: شعر : وما ينفعل المستأخرين نكوصهم ولا ضَرّ أهل السابقات التقدم. تفسير : {وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ} يعني من الملائكة الذين أمد الله بهم رسوله والمؤمنين. {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ} وإنما ذكر خوفه من الله تعالى في هذا الموضع ولم يذكره في امتناعه من السجود لآدم لأنه قد كان سأل الإنظار إلى قيام الساعة فلما رأى نزول الملائكة ببدر تصور قيام الساعة فخاف فقال {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. قوله عز وجل {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم قوم في قلوبهم شك كانوا تكلموا بالإسلام وهم بمكة، قاله ابن عباس ومجاهد. والثاني: أنهم المشركون، قاله الحسن. والثالث: أنهم قوم مرتابون لم يظهروا العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم بخلاف المنافقين. والمرض في القلب كله هو الشك، وهو مشهور في كلام العرب، قال الشاعر: شعر : ولا مرضاً أتقيه إني لصائن لعرضي ولي في الأليّة مفخر تفسير : وقوله تعالى {غَرَّ هَؤُلآءِ} يعني المسلمين. {دينُهُمْ} يعني الإسلام، لأن الله تعالى قلل المشركين في أعين المسلمين ليتقدموا عليهم، وقلَّل المسلمين في أعين المشركين ليستهينوا بهم حتى أظفر بهم المسلمين فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَالَّذِينَ خَرَجُواْ} قريش لحماية العير فنجا بها أبو سفيان، فقال أبو جهل: لا نرجع حتى نردَ بدراً وننحر جزوراً ونشرب خمراً وتعزف علينا القينات فكان من أمرهم ما كان.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً} يعني فخراً وأشراً. وقيل: البطر: الطغيان في النعمة وذلك أن النعم إذا كثرت من الله تعالى على العبد فإن صرفها في المفاخرة على الأقران وكاثر بها أبناء الزمان وأنفقها في غير طاعة الرحمن فذلك هو البطر في النعم وإن صرفها في طاعة الله وابتغاء مرضاته فذلك شكرها، وهذا معنى قول الزجاج البطر الطغيان في النعمة وترك شكرها {ورئاء الناس} الرياء إظهار الجميل ليراه الناس مع إبطال القبيح والفرق بين الرياء والنفاق أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر والرياء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية {ويصدون عن سبيل الله} يعني ويمنعون الناس عن الدخول في دين الله نزلت هذه الآية في كفار قريش حين خرجوا إلى بدر ولهم فخر وبغي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تجادل وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني به ". تفسير : قال ابن عباس: إن أبا سفيان لما رأى أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش أنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورحالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدراً وكان في بدر موسم من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق في كل عام قال فنقيم عليها ثلاثاً وننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبداً فامضوا. زاد غيره قال: فلما وافوا بدراً سقوا كؤوس الحمام عوضاً عن الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فنهى الله عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم والمعنى لا يكونن أمركم أيها المؤمنون رياء وسمعة ولا لالتماس ما عند الله ولكن أخلصوا لله عز وجل النية وقاتلوا حسبة في نصر دينكم ومؤازرة نبيكم صلى الله عليه وسلم ولا تعملوا إلا لذلك ولا تطلبوا غيره. وقوله تعالى: {والله بما يعلمون محيط} فيه وعيد وتهديد يعني أنه تعالى عالم بجميع الأشياء لا يخفى عن علمه شيء لأنه محيط بأعمال العباد كلها فيجازي المحسنين ويعاقب المسيئين قوله سبحانه تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم} يعني اذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم إذ زين الشيطان يريد إبليس للمشركين أعمالهم الخبيثة {وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} قال بعضهم: كان تزيينه وسوسة ألقاها في قلوبهم من غير أن يتحول في صورة غير صورته. وقال جمهور المفسرين: تصور إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وكان تزيينه أن قريشاً لما أجمعت على المسير إلى بدر ذكرت الذي بينها وبين بكر بن الحرث من الحروب فكاد ذلك أن يثنيهم فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشرف بني كنانة، فقال: أنا جار لكم من أن يأتيكم من كنانة شيء تكرهونه فخرجوا سراحاً. وقال ابن عباس: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رأيته في صورة رجل من رجال بني مدلج سراقة بن مالك بن جعشم فقال للمشركين لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين فولوا مدبرين. وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس، لعنه الله فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده ثم ولى مدبراً وشيعته، فقال الرجل يا سراقة أتزعم أنك جار لنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب وذلك حين رأى الملائكة. وقوله: إني جار لكم، يعني مجير لكم من كنانة {فلما تراءت الفئتان} أي التقى الجمعان رأى إبليس الملائكة قد نزلوا من السماء فعلم عدو الله إبليس أنه لا طاقة له بهم {نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم} يعني رجع القهقرى وولى مدبراً هارباً على قفاه، وقال الكلبي: لما التقى الجمعان كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو آخذ بيد الحرث بن هشام فنكص عدو الله إبليس على عقبيه فقال له الحرث: أفراراً من غير قتال؟ وجعل يمسكه فدفع في صدره وانطلق فانهزم الناس فلما قدموا مكة قالوا هزم الناس سراقة. فبلغ ذلك سراقة فقال: بلغني أنكم تقولون أني هزمت الناس فوالله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم. فقالوا: أما أتيتنا في يوم كذا وكذا فحلف لهم، فلما أسلموا علموا أن ذلك كان شيطاناً قال الحسن في قوله: {إني أرى ما لا ترون} قال: رأى إبليس جبريل عليه السلام معتجراً ببرد يمشي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده اللجام يقود الفرس ما ركب. وقال قتادة: قال إبليس إني أرى ما لا ترون وصدق وقال: إني أخاف الله وكذب ما به مخافة الله ولكن علم أنه لا قوة له ولا منفعة فأوردهم وأسلمهم وتلك عادة عدو الله إبليس لمن أطاعه إذ التقى الحق والباطل أسلمهم وتبرأ منهم وقيل إنه خاف أن يهلك فيمن هلك وقيل خاف أن يأخذه جبريل فيعرف حاله فلا يطيعوه وقيل معناه {إني أخاف الله} أعلم صدق وعده لأوليائه لأنه كان على ثقة من أمر ربه وقيل لما رأى الملائكة قد نزلت من السماء خاف أن تكون القيامة {والله شديد العقاب} قيل معناه إني أخاف الله لأنه شديد العقاب فعلى هذا يكون من تمام قول إبليس. وقيل: تم كلامه عند قوله: إني أخاف الله. وقوله تعالى: والله شديد العقاب ابتداء كلام. يقول الله سبحانه وتعالى: والله شديد العقاب لمن خالف الله وكفر به. عن طلحة بن عبيد الله بن كرز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة"تفسير : . أخرجه مالك في الموطأ. قوله: ولا أدحر هو بالدال والحاء المهملتين من الدحور، وهو الإبعاد والطرد مع الإهانة. وقوله: يزع الملائكة، أي يكفهم ويحبسهم لئلا يتقدم بعضهم على بعض. والوازع: هو الذي يتقدم ويتأخر في الصف ليصلحه. فإن قلت: كيف يقدر إبليس على أن يتصور بصورة البشر وإذا تشكل بصورة البشر فكيف يسمى شيطاناً؟ قلت: إن الله عز وجل أعطاه قوة وأقدره على ذلك كما أعطى الملائكة قوة وأقدرهم على أن يتشكلوا بصورة البشر لكن النفس الباطنة لم تتغير فلم يلزم من تغير الصورة تغير الحقيقة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}. نزلت في المشركين حين أقْبَلُوا إلى بدر، ولهم بغي وفخرٌ. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم هذه قريشٌ قد أقبلت بخيلائها، وفخرها تُجادل وتُكذِّب رسولك، اللَّهُمَّ فنصرك الذي وعدتني ". تفسير : ولمَّا رأى أبُو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش إنكم إنَّما خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نجَّاها اللَّهُ، فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتَّى نردَ بَدْراً - وكان في بدر موسم من مواسم العرب، يجتمعُ لهم بها سوق كل عام - فنُقيم بها ثلاثاً، فننحر الجزور، ونطعم الطَّعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيانُ، وتسمع بنا العربُ، فلا يزالُونَ يهابوننا أبَداً. فوافوها فَسُقُوا كئوس المنايا مكان الخمر، وناحَتْ عليهم النَّوائحُ مكان القيان، فنهى اللَّهُ تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النِّية، والحسبة في نصر دينه ومؤازرة نبيه. واعلم أنَّه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء: أحدها: البطر. قال الزَّجَّاجُ: البَطَرُ: الطغيان في النعمة وترك شكرها. وثانيها: الرِّئاءُ، وهو إظهار الجميل ليرى، مع أنَّ باطنهُ يكون قبيحاً. والفرق بينه وبين النفاق: أنَّ النفاق: إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرئاء: إظهار الطَّاعة مع إبطان المعصية. وثالثها: صدهم عن سبيل اللَّهِ، وهو كونهم مانعين عن دين محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام -. قوله: "بَطَراً ورِئاءَ" منصوبان على المفعول له، ويجوزُ أن يكونا مصدرين في موضع نصبٍ على الحال، من فاعل: "خَرَجُوا"، أي: خَرُجوا بطرينَ ومُرائين، و "رئَاءَ" مصدرٌ مضاف لمفعوله. قوله "ويَصُدُّونَ": يجوزُ أن يكون مستأنفاً، وأن يكون عطفاً على: "بَطَراً ورِئَاءَ" وحذفَ المفعولُ للدَّلالةِ عليه. فإن قيل: "يَصُدُّون" فعل مضارع، وعطف الفعل على الاسم غير حسن. فذكر الواحديُّ في الجواب ثلاثة أوجه: الأول: أن "يَصُدُّون" بمعنى: صادين، أي: بطرين ومرائين وصادين. والثاني: أن يكون قوله "بَطَراً ورِئَاءَ" حالان على تأويل: مبطرين ومرائين، ويكون قوله "ويصدون" أي: وصادين. الثالث: أن يكون قوله "بَطَراً ورِئَاءَ" بمنزلة: يبطرون ويراؤون. قال ابنُ الخطيبِ: "إن شيئاً من هذه الوجوه لا يشفي الغليل؛ لأنَّهُ تارةً يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها. وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبَّر عن الأولين بالمصدر، وعن الثالث بالفعل. قال: إنَّ الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ذكر أنَّ الاسم يدلُّ على التَّمكين والاستمرار، والفعل على التجدد والحدوث، مثاله في الاسم قوله تعالى {أية : وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ}تفسير : [الكهف: 18] وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة، ومثال الفعل قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [يونس: 31] وذلك يُدلُّ على أنه تعالى يوصل الرِّزق إليهم ساعة فساعة. وإذا عرفت ذلك فنقول: إنَّ أبا جهلٍ ورهطهُ كانوا مجبولين على البطرِ، والمفاخرة والعجب وأما صدهم عن سبيل اللَّهِ فإنما حصل في الزَّمانِ الذي ادَّعى محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - فيه النبوة، فلهذا ذكر البطر والرئاء بصيغة الاسم، وذكر الصد بصيغة الفعل". واعلم أنَّ الذي قاله ابن الخطيب لا يخدش فيما أجاب به الواحديُّ؛ لأنَّ الواحدي إنَّما أراد من حيث الصِّناعة، لا من حيث المعنى. ثم قال: {وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي: أنه عالم بما في دواخل القلوب، وذلك كالتَّهديدِ والزَّجر عن الرئاء. قوله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} الآية. وهذه من جملة النعم التي خصَّ اللَّهُ أهل بدر بها، وفي العامل في "إذْ" وجوه: قيل: تقديره اذكر إذْ زيَّن لهم، وقيل: عطف على ما تقدم من تذكير النعم، وتقديره: واذكروا إذ يريكموهم وإذْ زيَّن. وقيل: هو عطف على قوله: {خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ} تقديره: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس وإذ زيَّن لهم الشيطان أعمالهم؛ فتكون الواو للحال، و "قد" مضمرة بعد الواو، عند من يشترط ذلك والله أعلم فصل في هذا التَّزيين وجهان: الأول: أن الشيطان زيَّن بوسوسته من غير أن يتحوَّل في صورة إنسان، وهو قول الحسن والأصم. والثاني: أنَّه ظهر في سورة إنسان. قالوا: إن المشركين حين أرَادُوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة؛ لأنَّهُم كانوا قتلوا منهم واحداً، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتصوَّر لهم إبليسُ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وهو في بني بكر بن كنانة من أشرافهم في جند من الشياطين، ومعه راية، وقال لا غالِبَ لَكُمْ اليَوْمَ من النَّاسِ وإني جار لكم، مجيركم، من بني كنانة، {فَلَمَّا ترَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ} أي: التقى الجمعان، رأى إبليسُ الملائكة نزلوا من السماء، فعلم أنْ لا طاقةَ لهم بهم {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} وكانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما نَكَصَ، قال الحارثُ: أتَخْذلنا في هذه الحال؟. فقال: إني أرى ما لا ترون ودفع في صدر الحارث وانهزموا. قوله {لاَ غَالبَ لَكُمُ} لكم خبر "لا" فيتعلق بمحذوف، و "اليَوْمَ" منصوب بما تعلَّق به الخبر، ولا يجوزُ أن يكون "لكم" أو الظرف متعلقاً بـ "غَالِبَ"؛ لأنه يكون مُطَوَّلاً ومتى كان مُطَوَّلاً أعرب نَصْباً. قوله "مِنَ النَّاس" بيان لجنس الغالبِ. وقيل: هو حالٌ من الضَّميرِ في "لَكُمُ" لتضمُّنه معنى الاستقرار، ومنع أبو البقاءِ أن يكون "من النَّاس" حالاً من الضمير في "غَالِبَ"، قال: "لأنَّ اسمَ "لا" إذا عمل فيما بعده أعرب" والأمر كذلك. قوله {وَإنِّي جَارٌ لَّكُمْ} يجوزُ في هذه الجملةِ أن تكُون معطوفةً على قوله {لا غالبَ لَكُمْ} فيكون قد عطف جملة مثبتة على أخرى منفيَّة، ويجوزُ أن تكون الواو للحال، وألف "جارٌ" من واو، لقولهم: "تَجاورُوا" وقد تقدَّم تحقيقه [النساء: 36]. و "لكم" متعلِّقٌ بمحذوف؛ لأنَّهُ لـ "جارٌ"، ويجُوز أن يتعلَّق بـ "جار" لما فيه من معنى الفعل، ومعنى "جار لكم" أي: مجير لكم من كنانة. قوله {فَلَمَّا ترَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ} أي: التقى الجمعان؛ {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} "نَكَصَ": جواب "لمَّا" والنُّكُوص: قال النضر بنُ شميلٍ: الرُّجوع قَهْقَرَى هارباً، قال بعضهم: هذا أصله، إلاَّ أنه قد اتُّسِع فيه، حتى استُعْمل في كلِّ رجوع، وإن لم يكن قَهْقَرَى؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 2721 - هُمْ يَضْربُونَ حَبيكَ البَيْض إذْ لَحِقُوا لا يَنْكُصُونَ إذَا مَا استُلْحِمُوا وحَمُوا تفسير : وقال مُؤرِّج: "النُّكُوصُ: الرجوعُ بلغة سُلَيْم"؛ قال: [البسيط] شعر : 2722 - لَيْسَ النُّكُوصُ على الأعقابِ مَكْرُمَةً إنَّ المكارِمَ إقْدَامٌ على الأسَلِ تفسير : فهذا إنَّما يريدُ به مُطْلَق الرُّجوع؛ لأنَّهُ كنايةٌ عن الفرارِ، وفيه نظر؛ لأنَّ غالب الفرار في القتال إنَّما هو كما ذُكِر، رجوعُ القَهْقَرَى، كخوف الفَار. و "عَلَى عَقبَيْهِ" حال، إمَّا مؤكدةٌ، عند من يَخُصُّه بالقهقرى، أو مُؤسِّسةٌ، عند من يستعمله في مطلق الرُّجُوعِ. ثم قال: {إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ}. قيل: رأى الملائكة فخافهم. وقيل: رأى أثر النُّصْرَة والظَّفر في حق النبي صلى الله عليه وسلم، فعلم أنه لو وقف لنزلت عليه بليّة. وقيل: رأى جبريل فخافه. وقيل: لمَّا رأى الملائكة ينزلون من السماء ظنَّ أنَّ الوقت الذي أنظر إليه قد حضر، وأشفق على نفسه، وقيل "أرَى مَا لاَ تَرَوْنَ" من الرأي. وقوله: {إنَّي أخَافُ اللَّه} قال قتادة: "قال إبليس {إنِّي أرَى مَا لاَ تَرَوْنَ} وصدق، وقال {إنَّي أَخَافُ اللَّهُ} وكذب ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، فأوردهم وأسلمهم". وقال عطاءٌ: إنّي أخاف اللَّهَ أن يهلكني فيمن هلك. وقال الكلبيُّ: خاف أن يأخذه جبريل ويعرفهم حاله، فلا يطيعوه. وقيل: معناه إنِّي أخافُ الله، أي: أعلم صدق وعده لأوليائه؛ لأنه كان على ثقة من أمره، وقيل: معناه إنِّي أخاف الله عليكم. وقوله: {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. قيل: انقطع الكلام عند قوله "أخَافُ اللَّه" ثم قال {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} ويجُوز أن يكون من بقيِّة كلام إبليس. روى طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَا رُئيِ الشيطانُ يوماً هُو فيه أصغرُ، ولا أدحرُ، ولا أحقَرُ، ولا أغْيَظُ مِنْهُ في يَوْمِ عرفةَ، وما ذاكَ إلاَّ لِمَا رَأى من تنزُّلِ الرَّحْمَة وتجاوزُ الله عن الذُّنُوبِ العظام، إلاَّ ما كان من يَوْمِ بدرٍ ". تفسير : فقيل: وَمَا رأى يَوْمَ بدرٍ؟ قال: "أما إنَّهُ رَأى جبريلَ وهُوَ يَنْزعُ المَلائِكَة"، حديث مرسل. قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} العامل في "إذْ" إمَّا "زيَّن"، وإمَّا "نَكَصَ" وإما "شديدُ العقاب" وإما "اذكروا". قال ابنُ الخطيب: "وإنما لم تدخل الواو في قوله "إذْ يقُولُ" ودخلت في قوله "وإذْ زَيَّن"؛ لأنَّ قوله: "وإذْ زيَّن" عطف التزين على حالهم وخروجهم بطراً ورئاء النَّاس. وأما قوله {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} فليس فيه عطف على ما قبله، بل هو ابتداء كلام منقطع عما قبله". فصل المنافقون: قوم من الأوس والخزرجِ، وأمَّا الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم، وكانوا بمكَّة مستضعفين، قد أسلموا وحبسهم أقرباؤهم عن الهجرة فلما خرجت قريش إلى بدرٍ أخرجوهم كُرْهاً، فلمَّا نظروا إلى قلّة المسلمين ارتابوا وارتدوا، وقالوا {غَرَّ هؤلاءِ دينُهُمْ}. و {غرَّ هؤلاء دينهم} منصوب المحل بالقول. قال ابن عباس - رضي الله عنه -: "معناه أنه خرج بثلاث مائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل" وقيل المرادُ: إن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم، رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموتِ، ويثابون على هذا القَتْلِ. فقالوا: غرَّ هؤلاء دينهم. فقتلوا جميعاً، منهم: قيسُ بنُ الوليد بن المغيرة، وأبُو قيس بنُ الفاكه بن المغيرة المخزوميان، والحارثُ بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بنُ أميّة بن خلف الجمحيُّ، والعاصي بن منبه بن الحجَّاج. ثم قال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي: يسلم أمره إلى اللَّه، ويثقُ به، فإنَّ اللَّهَ حافظه وناصره؛ لأنَّهُ عزيز لا يغلبه شيء، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه، والرحمة والثواب إلى أوليائه. قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} الآية. لمَّا شرح أحوال الكُفَّار، شرح أحوال موتهم، والعذاب الذي يصل إليهم. قرأ ابن عامر والأعرج "تَتَوفَّى" بتاء التأنيث، لتأنيث الجماعة، والباقون بياء الغيبة وفيها تخريجان، أظهرهما - لموافقة قراءة من تقدَّم -: أنَّ الفاعل هم الملائكة، وإنما ذُكِّرَ للفصل؛ ولأنَّ التأنيث مجازي. والثاني: أنَّ الفاعل ضمير الله تعالى: لتقدم ذكره و "الملائكةُ" مبتدأ، و "يَضْرِبُونَ" خبره، وفي هذه الجملةِ حينئذٍ وجهان: أحدهما: أنَّها حالٌ من المفعول. والثاني: أنَّها استئنافيةٌ، جواباً لسؤالٍ مقدر، وعلى هذا فيوقف على "الَّذين كَفَرُوا" بخلاف الوجهين قبله. وضعَّف ابنُ عطية وجه الحالِ بعدم الواو، وليس بضعيفٍ لكثرة مجيء الجملة الحالية مشتملة على ضمير ذي الحال خاليةً من "واو" نظماً ونثراً، وعلى كون "الملائكةُ" فاعلاً، يكون "يَضْربُونَ" جملةً حاليةً، سواءً قرىء بالتأنيث أم بالتذكير، وجوابُ "لَوْ" محذوفٌ للدلالة عليه، أي: رأيت أمراً عظيماً. فصل المعنى: ولو عاينت؛ لأنَّ "لو" ترد المضارع إلى الماضي، كما ترد "إن" الماضي إلى المضارع. قال الواحديُّ - رحمه الله -: "معنى يتوفى الذين كفروا، يقبضون أرواحهم" قيل: عند الموت تضرب الملائكة وجوه الكفار وأدبارهم. وقيل: أراد المشركين الذين قتلوا ببدر، كانت الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم. قال سعيدُ بن جبيرٍ، ومجاهد: يريدُ: أستاههم ولكن الله تعالى حَييٌّ يُكَنِّي. وقال ابن عباس "كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف وإذا ولَّوْا أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم" وقال ابن جريح "يريدُ ما أقبل منهم وما أدبر يضربون أجسادهم كلها". والمراد بالتوفي: القتل. قوله {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} هذا منصوب بإضمار قول الملائكة، أي: يضربونهم ويقولون لهم: ذوقوا. وقيل: الواو في "يَضْربُونَ" للمؤمنين أي: يَضْربونهم حال القتال، وحال توفِّي أرواحهم الملائكة. قيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد، يضربون بها الكُفَّار، فتلتهب النَّار في جراحاتهم؛ فذلك قوله: {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}، وقال الحسن - رضي الله عنه -: "هذا يوم القيامة، تقولُ لهم خزنةُ جهنم: ذوقوا عذاب الحريقِ" وقال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: "يقولون لهم ذلك بعد الموت". قوله: {ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ}. أي: ذلك الضرب الذي وقع بكم، أو عذاب الحريق: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} بما كسبت أيديكم وهذا إخبار عن قول الملائكة - عليهم السلام -. قال الواحديُّ: "يجوز أن يقال "ذلك" مبتدأ، وخبره {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} ويجوز أن يكون خبره محذوفاً، والتقدير: ذلك جزاؤكم بما قدمت أيديكم، ويجوزُ أن يكون محل "ذلك" نَصْباً والتقدير: فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم". فصل فإن قيل: قوله {ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} يقتضي أنَّ فاعل هذا الفعل هو اليد، وذلك ممتنع لوجوه، أولها: أنَّ هذا العذاب إنما وصل إليهم بسبب كفرهم، ومحل الكفر هو القلب لا اليد وثانيها: أن اليد ليست محلاًّ للمعرفة والعلم، فلا يتوجَّه التكليف عليها، فلا يمكن إيصال العذاب إليها. فالجوابُ: أن اليد ههنا عبارة عن القدرة وحسن هذا المجاز كون اليد آلة العمل، والقدرة هي المؤثرة في العمل، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة. واعْلَمْ أن الإنسان جوهر واحد، وهو الفعال، وهو الدراك، وهو المؤمن، وهو الكافر وهو المطيعُ، وهو العاصي، وهذه الأعضاء آلات لهُ، وأدوات له في الفعل؛ فأضيف الفعل في الظَّاهر إلى الآله، وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذاتِ الإنسان. فإن قيل: إنَّه جعل هذا العقاب، إنَّما تولَّد من الفعل الذي صدر عنه، والعقاب إنما يتولَّد من العقائد الباطلة. فالجوابُ: أنَّا بيَّنا أنَّ الفعل إنما ينشأ عن الاعتقاد، فأطلق على المسبب اسم السَّببِ وهذا من أشهر وجوه المجاز. قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}. في محل "أنَّ" وجهان: أحدهما: النصبُ بنزع الخافض يعني: بأنَّ اللَّهَ. والثاني: أنَّكَ إن جعلت قوله: "ذلك" في موضع رفع، جعلت "أنَّ" في موضع رفع أيضاً، أي: وذلك أنَّ الله. قال الكسائيُّ: "ولو كسرت ألف "أنَّ" على الابتداء كان صواباً، وعلى هذا التقدير يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عمَّا قبله". فصل قالت المعتزلةُ: لو كان اللَّه تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثم يعذبه عليه لكان ظالماً، وأيضاً قوله تعالى: {ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} يدلُّ على أنه تعالى إنَّما لم يكن ظالماً بهذا العذاب؛ لأنَ العبد قدَّم ما استوجب عليه هذا العذاب، وذلك يدلُّ على أنَّهُ لو لم يصدر منه تعالى ذلك التقديم لكان ظالماً في هذا العذاب، وأيضاً: لو كان موجد الكفر والمعصية هو الله لا العبد لوجب كون الله ظالماً، وهذه المسألة قد سبق ذكرها مُسْتَقْصَاةً في آل عمران. قوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} الآية. لمَّا بيَّن ما أنزله بأهل بدر من الكفَّار عاجلاً وآجلاً، أتبعه بأن بيَّن أنَّ هذه طريقته وسنته ودأبه في الكل فقال: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ}. قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما "هو أن آل فرعون أيقنوا أنَّ موسى نبي الله فكذبوه، كذلك هؤلاء جاءهم محمد بالصِّدق فكذَّبوه، فأنزل الله عقوبته، كما أنزل بآل عمران". {والذينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: كعادة الذين من قبلهم، وتقدَّم الكلامُ على "كَدَأبِ" في آل عمران. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} والغرضُ منه: التَّنبيه على أن لهم عذاباً مُدخراً سوى ما نزل بهم من العذاب العاجل، ثمَّ ذكر ما يجري مجرى العلَّة في العقاب الذي أنزله بهم، فقال: {ذلكَ بأنَّ اللَّهَ}، "ذلك" مبتدأ وخبر أيضاً، كنظيره أي: ذلك العذابُ أو الانتقامُ بسبب أنَّ اللَّه. قوله "لَمْ يَكُ" قال أكثرُ النحاةِ: إنَّما حذفت النون؛ لأنَّها لم تشبه الغُنَّة المحضة فأشبهت حروف اللين ووقعت طرفاً، فحذفت تشبيهاً بها، كما تقولُ: لَمْ يَدْعُ، ولمْ يَرْمِ. قال الواحدي - رحمه الله تعالى -: "وهذا ينتقض بقولهم: لَمْ يَزنْ، ولمْ يَخنْ، ولم يسمع حذف النون ههنا". وأجاب علي بن عيسى فقال: إنَّ "كان" و "يكون" أم الأفعال، من أجل أن كل فعل قد حصل فيه معنى "كان"، فقولنا: ضرب، معناه: كان ضرب، ويضرب معناه: يكون ضرب، وهكذا القول في الكُلِّ؛ فثبت أنَّ هذه الكلمة أم الأفعال، فاحتيج إلى الاستعمال في أكثر الأوقات، فاحتملت هذا الحذف، بخلاف قولنا: لم يخُنْ، ولم يزن، فإنَّه لا حاجة إلى ذكرها كثيراً، فظهر الفرق. فصل معنى الآية إنَّ الله لا يُغَيِّر ما أنعم على قوم، حتى يُغَيِّرُوا ما بهم بالكفران وترك الشكر، فإذا فعلوا ذلك غيَّر اللَّهُ ما بهم، فسلبهم النعمة فصل قال القاضي "معنى الآية: أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع، وتسهيل السبل، والمقصودُ: أن يشتغلوا بالعبادة والشُّكْرِ، ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأمور إلى الكفر والفسق، فقد غيَّروا نعم اللَّهِ على أنفسهم فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن". قال: "وهذا من أوكد ما يدلُّ على أنه تعالى لا يبتدأ أحداً بالعذاب والمضرة، وأنَّ الذي يفعله لا يكون إلاّ َجزاء على معاصٍ سلفت، لو كان تعالى خلقهم، وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنَّارِ كما يقوله القومُ لما صحَّ ذلك". وأجيب: بأن ظاهر الآية مشعر بما قاله القاضي؛ إلاَّ أنَّا لو حملنا الآية عليه لزم أن يكون صفةُ اللَّهِ تعالى مُعَلَّلَةً بفعل الإنسان؛ لأنَّ حكمَ اللَّهِ بذلك التغيير وإرادته، لمَّا كان لا يحصل إلاَّ عند إتيان الإنسان بذلك الفعل، فلو لم يصدر عنه ذلك الفعل لم يحصل للَّه تعالى ذلك الحكم وتلك الإرادة، فحينئذٍ يكون فعل الإنسان مؤثراً في حدوث صفة في ذات اللَّهِ تعالى، ويكون الإنسان مغيراً صفة اللَّهِ ومؤثراً فيها، وذلك محال في بديهة العقل؛ فثبت أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره، بل الحقُ أنَّ صفة الله غالبة على صفات المحدثات، فلولا حكمه وقضاؤه أولاً لما أمكن للعبد أن يأتي بشيء من الأفعال والأقوال. ثم قال: {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: سميع لأقوالهم، عليم بأفعالهم. قوله: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. فإن قيل: إنه تعالى ذكر: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} مرتين، فما فائدته؟ فالجوابُ من وجوه، منها: أنَّ الكلام الثَّاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول؛ لأنَّ الأول فيه ذكرُ أخذهم، وفي الثاني ذكر إغراقهم، وذلك تفصيل، ومنها: أنَّهُ أريد بالأوَّلِ ما نزل بهم من العقوبة في حال الموت، وبالثاني ما ينزلُ بهم في القبر وفي الآخرة، ومنها: أنَّ الكلام الأول هو قوله: {كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} والكلام الثاني هو قوله: {كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ} فالأوَّلُ إشارة إلى أنَّهم أنكروا دلائل الإلهية، والثاني إشارة إلى أنَّهُ سبحانه ربَّاهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة، فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها، وتواليها عليهم فكان الأثر اللازم من الأول الأخذ، والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك والإغراق وذلك يدلُّ على أنَّ للكفر أثراً عظيماً في حصول الإهلاك، ومنها: أنَّ الأول دَأبٌ في أن هلكوا لمَّا كفروا، وهذا دأبٌ في أن لم يُغيِّر اللَّهُ نعمتهم حتَّى يُغيروها هم. ومنها: قال الكرمانيُّ: "يحتملُ أن يكون الضميرُ في: "كفرُوا" في الآية الأولى عائداً على قريش، والضمير في: "كذَّبُوا" في الثانية عائداً على آل فرعون والذين من قبلهم، كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم، أهلكنا بعضهم بالرجفةِ، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالريحِ، وبعضهم بالغرق، وكذلك أهلكنا كفار بدر بالسيفِ لما كذبوا، وأغرقنا آل فرعون". {وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} جمع الضمير في: "كانوا"، وجمع: "ظالمين" مراعاةً لمعنى "كُل" لأنَّ "كُلاًّ" متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاةُ لفظها تارةً، ومعناها أخرى. وإنَّما اختير هنا مراعاةُ المعنى؛ لأجل الفواصل، ولو رُوعي اللَّفظُ فقيل مثلاً وكلٌّ كان ظالماً، لَمْ تتَّفِق الفواصل.
البقاعي
تفسير : ولما ذكرهم سبحانه ما أوجب نصرهم آمراً لهم بالثبات عليه، ذكر لهم حال أعدائهم الذي أوجب قهرهم ناهياً عنه تعريضاً بحال المنازعة في الأنفال وأنها حال من يريد الدنيا، ويوشك - إن تمادت - أن تجر إلى مثل حال هؤلاء الذي محط نظرهم الدنيا فقال: {ولا تكونوا} أي يا معشر المؤمنين {كالذين} وصور قبح عملهم من أوله إلى آخره فقال: {خرجوا من ديارهم} أي كل واحد من داره وهم أهل مكة، وكل من عمل مثل عملهم كان مثلهم، ولذا عبر بالوصف ليعم {بطراً} أي طغياناً وتكبراً على الحق، ومادة بطر - بأيّ ترتيب اتفق - تدور على اللين القابل للعمل حتى ربط، فإنه لولا الضعف ما استوثق من المربوط، ومنه بطر الجرح - وهو شقه - والبيطار، وتارة يكون ذلك اللين عن دهش. ومنه أبطرت حلمه أي أدهشته عنه، وذهب دمه بطراً أي باطلاً للضعف عنه للحيرة في الأمر الموصل إليه، وتارة يكون عن مجاوزة الحد في الصلابة، ومنه بطر النعمة - إذا لم يشكرها فتجاوز الحد في المرح، فإن فاعل ذلك يمكنه الحكيم من مقاتله فيأخذه وهو يرجع إلى عدم احتمال القوى للشكر، ففاعل ذلك ضعيف وإن ظهر منه خلاف ذلك ما قال عمر رضي الله عنه: العدل وإن رئي ليناً أكف عن الظلم من الجور وإن رئي شديداً - أو كما قال رضي الله عنه. وأقرب من ذلك أن تكون المادة دائرة على الخلطة الناقلة من حال إلى حال. ولما ذكر الحامل لهم على الخروج من أنفسهم، ذكر ما أوجبه لهم من غيرها فقال: {ورئاء الناس} أي خرجوا يرون الناس خروجهم وما يتأثر عنه ليروهم ما يقولون فيه، فإنهم لما قيل لهم؛ قد نجى الله عيركم فارجعوا، بطروا النعمة تبعاً لأبي جهل حيث قال: والله لا نرجع حتى نرد بدراً فنشرب الخمور وننحر الجزور وتعزف علينا القيان فتسمع بنا العرب فلا تزال تهابنا أبداً! فسقوا مكان الخمر كؤوس المنايا الحمر، وناحت عليهم نوائح الزمان مكان العزف والقيان. ولما ذكر نفس الخروج وما فيه من الفساد وذكر ثمرته الخبيثة الناشئة عن ذينك الخلقين، وعبر عنهما بالاسم إشارة إلى الثبات كما هو شأن الأخلاق، وعن الثمرة بالمضارع تنبيهاً على أنهم لا يزالون يجددونها فقال: {ويصدون} أي يوجدون الصد وهو المنع لأنفسهم وغيرهم {عن سبيل الله} أي الملك الأعظم في ذلك الوجه وهم عازمون على تجديد ذلك في كل وقت، فلما كانت هذه مقاصدهم كان نسجهم هلهلاً وبنيانهم واهياً، فإنها من عمل الشيطان، وكل عمل لا يكون لله إذا صدم بما هو لله اضمحل، بذلك سبحانه أجرى سنته ولن تجد لسنته تحويلاً، فإن العاملين عبيد الله {والله} أي فعلوا ذلك والحال أن المحيط بكل شيء الذي عادوا أولياءه {بما} أو يكون ذلك معطوفاً على تقديره: فأبطل الله بجلاله وعظمته أعمالهم وهو بكل ما {يعملون محيط*} فهم في قبضته، فأوردهم - إذ خرجوا يحادونه - بدراً فنحر مكان الجزور رقابهم وسقاهم مكان الخمور كؤوس المنايا، وأصاح عليهم مكان القيان صوائح النوائح، ولعله قدم الجار إشارة إلى أنه لشدة إحاطته بأعمالهم كأنه لا نظر له إلى غيرها فلا شاغل له عنها. ولما كان بين لهم فساد أعمالهم لفساد نياتهم تنفيراً منها، زاد في التنفير بالإشارة إلى الأمر بدوام تذكرها بعاطف على غير معطوف عليه مذكور فقال؛ {وإذ} فعلم أن التقدير قطعاً: اذكروا ذلك واذكروا إذ، وزاد في التنفير بذكر العدو المبين والتنبيه على أن كل ما يأمر به إنما هو خيال لا حقيقة له كما كان ما سول لهم في هذا الأمر فقال: {زين لهم الشيطان} أي العدو المحترق البعيد من الخير {أعمالهم} التي أتقنوها بزعمهم في معاداة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني حين خافوا من قومه بني كنانة أن يخلفوهم في أهليهم بسوء لما كان بينهم مما يوجب ذلك، فكاد ذلك أن يثبطهم عن الميسر {وقال} غارّاً لهم في أنفسهم {لا غالب لكم} والجار خبر {لا} وإلاّ لا انتصب اسمها لكونه يكون إذ ذاك شبيهاً بالمضاف {اليوم من الناس} وغارّاً لهم فيمن خلفوه بقوله: {وإني جار لكم} من أن تخلفكم كنانة بشيء تكرهونه، وسار معهم إلى بدر ينشطهم وينشدهم ويسلطهم بهذا القول الظاهر إلى ما يوسوس لهم به في الصدور {فلما تراءت الفئتان} أي رأت كل فئة الأخرى ورأى جبريل عليه السلام في جنود الله {نكص} أي رجع يمشي القهقرى وبطل كيده وآثار وسوسته {على عقبيه} أي إلى ورائه، فقالوا أين أي سراق؟ ولا يظنونه إلا سراقة، فمر ولم يجبهم ولا عرج عليهم {وقال} أي بلسان الحال أو القال وهو يسمعونه أو لا يسمعونه {إني بريء منكم} ثم علل براءته منهم بقوله: {إني أرى} أي بعين بصري {ما لا ترون} أي من الملائكة والغضب الذي هو نازل بكم، فقال له الحارث بن هشام وكانت يده في يده: والله ما نرى إلا جواسيس يثرب! فاستأنف قوله مؤكداً لإنكارهم لذلك: {إني أخاف الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً أن يهلكني معكم بالمعاجلة بالعقاب {والله} أي الملك الأعظم {شديد العقاب*} فكانوا يقولون: انهزم بنا سراقة، فقال؛ بلغني أنكم تقولون كذا! والله ما علمت بمسيركم هذا إلا عندما بلغني انهزامكم فكانوا يكذبونه حتى أسلموا فعلموا أن الذي غرهم الشيطان، وذلك مشهور في السير، وهو أولى من أن يحمل على مجرد الوسوسة، وفي الحديث" حديث : ما رئي إبليس يوماً أصغر ولا أحقر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة إلا ما رئي يوم بدر ".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس} يعني المشركين الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله تعالى {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً} الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً} قال: أبو جهل وأصحابه يوم بدر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال "حديث : كان مشركو قريش الذين قاتلوا نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر خرجوا ولهم بغي وفخر، وقد قيل لهم يومئذ: ارجعوا فقد انطلقت عيركم وقد ظفرتم، فقالوا: لا والله حتى يتحدث أهل الحجاز بمسيرنا وعددنا، وذُكِرَ لنا أن نبي الله قال يومئذ: اللهم إن قريشاً قد أقبلت بفخرها وخيلائها لتجادل رسولك، وذكر لنا أنه قال يومئذ: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم... } .
القشيري
تفسير : يريد أنَّ أهل مكة لما خرجوا من مكة عام بدر لنصرة العير مَلَكَتْهُم العِزَّةُ، واستمكن منهم البَطَرُ، وداخَلَهم رياءُ الناس، فارتكبوا في شِبَاكِ غَلَطِهم، وحصلوا على ما لم يحتسبوه. وأمَّا المؤمنون فَنَصَرَهم نَصْراً عزيزاً، وأزال عن نبيِّه - عليه السلام - ما أظَلَّه من الخوف وبِصِدْقِ تبريه عن حوله ومُنَّتِه - حين قال: "حديث : لا تكلني إلى نفسي"تفسير : - كفاه بحسن التولِّي فقال {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}.
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} حذروا ابائه عن المشابهة بهؤلاء المرائين الذين يخرجون من دورهم وزواياهم الخبيثة بالوان زى السالوسين ويتبخترون فيها من فرجهم بالجاه عند الظالمين الذين لا يعرفون الهه من البرّ وهم كالنعام بل هم اضل ويدفعون اهل من صحبته الاولياء لتسعير اسواقهم وترويح نفاقهم حتى يجتمعوا عليهم ويبخلونهم فى اعين الخلق اهلكهم الله قهره ثم وصفهم بان الشياطين مزين قبائح اعمالهم فى اعينهم بقوله {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} يريهم اعمالهم الفاسدة بصورة الحسنة وهم بها يغترون قال بعضهم عظم طاعاتمن فى === وصغّر نعم الله عنهدهم وقال الاستاذ الشيطان اذا زين للانسان يوسوسه امروا النفس اذا تولت له أرباب الغفلة عن شهود صواب الرشد === الغافل معه فى قياد وسواسه ثم يحفه هو بهم لتقدير == من المكر من حيث لا يرتقب فلا الشيطان يفى له بما بعده ولا النفس شيئا مما يتمناه تجده وهو كما قال القائل وسالتك الليالى فاعتردت بها. وعند صفر الليالى يحدث الكدر. وذكر الله سبحانه فعل ذلك الشيطان بعد تربيتهم مخائيله لهم بقوله {فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ} بين تعالى ان الشيطان زين للمريدين شيئا من الامل ويدليه بخيال المنية فى ورطة الغفلة ليغويه عن طريق قربة الله وبحجبه عن مشاهدته وبعده بالكرامات ووجدان الايات فلما ايّده الله ووارد وجده نكض العدو على عقبيه ويحترز من احتراقه بنيران مواجيده ويبقى المريد بلا خيال فى مشاهدة الجمال فيقول نفسه لشيطانه اين انت من وسوسة فيقول انى ارى ما لا يرون من عجائب مكاشفة الملكوت له واخاف الله من ان يجعلني فى جنس مجاهدته اسيرا باسر هيبته وايضاً يوسوس نفس الولى بانها تغلب بشهواتها عليه باعانته فلما راى صولة حده واستعانته بربه ورميه اليها بانفاس محبته يفر منه ويترك النفس اسيرا فى يده ويقول انى برئ منكم انى ارى ما لا ترون انى اخاف الله بيّن الله سبحانه ان الشيطان يرى ما لا يرى الادمى من احكام الملكوت بعد ظهورها فى هذا العالم وذلك انه راى قبل هذا العالم عجائب الملكوت ويريه الله انوار المؤمنين بتفريقه عنهم وقوله {إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ} اى انّى اخاف عذاب الله وذلك بعد رؤية الباس ولا ينفع ذلك ولو كان متحققاً فى خوفه ما عصى الله طرفة عين قال الواسطى ترك الذنوب على ضروب منهم من تركه حياء من نعمه كيوسف عليه السّلام ومنهم من تركه خوفا كابليس حين قال فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تكونوا} ايها المؤمنون {كالذين خرجوا من ديارهم} يعنى اهل مكة حيث خرجوا منها لحماية العير اى القافلة المقبلة من الشأم {بطرا} مفعول له اى افتخارا بمآثر الاصول من الآباء والامهات واشرا وهو مقابلة النعمة بالتكبر والخيلاء {ورئاء الناس} ليثبتوا عليهم بالشجاعة والسماحة وذلك انهم لما بلغو الجحفة اتاهم رسول ابى سفيان وقال ارجعوا فقد سلمت عيركم من اصحاب محمد ومن نبههم فقال ابو جهل لا والله حتى نقدم بدرا ونشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب فوافوها اى اتوا بدرا ولكن سقوا كأس المنايا بدل كأس الخمور وناحت عليهم النوائح مكان تغنى القيان فنهى المؤمنون ان يكونوا امثالهم بطرين مرائين وامرهم بالتقوى والاخلاص لان النهى عن الشيء مستلزم للامر بصده {ويصدون عن سبيل الله} عطف على بطرا بتأويل المصدر اى وصدا ومنعا للناس عن دين الله المؤدى الى الجنة والثواب {والله بما يعملون محيط} فيجازيهم عليه. وفيه تهديد على الاعمال القبيحة خصوصا ما ذكر فى هذه الآية من البطر. والرئاء هو اظهار الجميل وابطان القبيح وهو من الصفات المذمومة للنفس -وحكى- عن بعض الصالحين انه قال كنت ليلة فى وقت السحر فى غرفة لى على الطريق اقرأ سورة طه فلما ختمتها غفوت غفوة فرأيت شخصا نزل من السماء بيده صحيفة فنشرها بين يدى فاذا فيها سورة طه واذا تحت كل كلمة عشر حسنات مثبتة الا كلمة واحدة فانى رأيت مكانها محوا ولم ار تحتها شيئاً فقلت والله لقد قرأت هذه الكلمة ولا ارى ثوابا ولا اراها اثبتت فقال الشخص صدقت قد قرأتها وكتبناها الا انا قد سمعنا مناديا ينادى من قبل العرش امحوها واسقطوا ثوابها فمحوناها قال فبكيت فى منامى فقلت لم فعلتم ذلك فقال مر رجل فرفعت بها صوتك لاجله فذهب ثوابها وفى الحديث "حديث : ان النار واهلها يعجون من اهل الرياء" تفسير : اى يتضرعون ويرفعون الصوت قيل يا رسول الله وكيف تعج النار قال "حديث : من ضر الناس الذين يعذبون بها " .تفسير : فويل للمرائى فى عمله ومن الرياء التزيى بزى القوم تصنعا ودوران البلاد تفرجا ليتباهى بذلك على الاخوان كما يفعله اكثر المتسمين بالصوفية فى هذا الزمان فان مقصودهم ليس التقليد بلباس القوم تبركا مع التحقق بمعانيهم فهم محرومون من انوار المعرفة واسرار الحقيقة خارجون عن دائرة الطريقة: قال الحافظ شعر : مدعى خواست كه آيد بتماشا كه راز دست غيب آمد سينه نامحرم زد تفسير : فعلى العاقل اخلاص العمل وهو ارادة التقرب الى الله تعالى وتعظيم امره واجابة دعوته سواء كان من العبادات المالية او البدنية وفى التتارخانية لو افتتح الصلاة خالصا لله تعالى ثم دخل فى قلبه الرياء فهو على ما افتتح والرياء انه لو خلا عن الناس لا يصلى ولو كان مع الناس يصلى فاما لو صلى مع الناس يحسنها ولو صلى وحده لا يحسن فله ثواب اصل الصلاة دون الاحسان ولا رياء فى الصوم الا ان يكون مراده من الرياضة اصفرار الوجه وهزال البدن ليظنه الناس رجلا صالحا متقيا مريدا للآخرة فانظر الى تعبه لاجل الناس ولو كان له عقل صحيح وفكر ثاقب لما فعل هذا وفى مثل هذا قالوا اخف حلما من عصفور قال حسان ابن ثابت الانصارى رضى الله عنه شعر : لا بأس بالقوم من طول ومن عظم جسم البغال واحلام العصافير تفسير : وما الدنيا حتى يطلبها العاقل بعمله ويضيع عمره الى حلول اجله حديث : وعن ابى الدرداء رضى الله عنه ان النبى عليه السلام مر بدمنة قوم فيها سخلة ميتة فقال ما لأهلها فيها حاجة قالوا يا نبى الله لو كان لاهلها فيها حاجة ما نبذوها قال "فوالله الدنيا اهون على الله من هذه السخلة على اهلها"تفسير : : قال السعدى قدس سره شعر : وكرسيم اندوده باشد نحاس توان خرج كردن برناشناش منه آب زرجان كن بر بشيز كه صراف دانا نكيرد بجيز جه قدر آوردبنده خوردبيس كه زير قبادارد اندام بيس تفسير : نسأل الله ان يعصمنا من الزلل فى مسالك الدين ويوصلنا الى رضاه فى كل قول وعمل وهو المعين آمين بجاه النبى الامين
الطوسي
تفسير : نهى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية ان يكونوا مثل {الذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس} وهم قريش، لما خرجت لتحمي العير، فلما نجا ابو سفيان ارسل اليهم ان ارجعوا، فقد سلمت عيركم وهم بالجحفة: فقال أبو جهل والله لا نرجع حتى نرد بدراً وننحر جزراً، ونشرب خمراً وتعزف علينا القيان ويرانا من غشينا من اهل الحجاز، ذكره ابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير وابن اسحاق. والبطر الخروج عن موجب النعمة - من شكرها، والقيام بحقها - إلى خلافه. وأصله الشق فمنه البيطار الذي يشق اللحم بالمبضع، وبطر الانسان بطراً وابطره كثرة النعمة عليه إبطاراً وبطره تبطيراً. والرئاء اظهار الجميل مع ابطان القبيح تقول: راءى يرائي مراءاة ورياء. والمرائي رجل سوء لما بينا. والنفاق اظهار الايمان مع ابطان الكفر. والصد المنع. وقيل هو جعل ما يدعو إلى الاعراض فهؤلاء يصدون عن سبيل الله بما يدعون الناس إلى الاعراض عنها من معادات اهلها وقتالهم عليها وتكذيبهم بما جاء به الداعي اليها. والفرق بين الصد والمنع أن المنع ما يتعذر معه الفعل والصد ما يدعو إلى ترك الفعل. وقوله {والله بما تعملون محيط} معناه يحتمل أمرين: احدهما - انه يحيط علمه بما يعملونه. الثاني - انه قادر على جزاء ما يعملونه من ثواب أو عقاب.
الأعقم
تفسير : {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً} وهم أهل مكة حين نفروا لحماية العير، وأتاهم رسول أبو سفيان بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأتى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدر ونشرب فيها الخمور، وننحر الجزور، ونطعم الطعام من حضرنا من العرب، وتعزف علينا القينات، فذلك بطرهم {ورئاء الناس} وكان بدر موسماً من مواسم العرب يجتمع اليه لهم به سوق كل عام، فيقيموا ثلاثة أيام فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمور، وناحت عليهم النوائح مكان القينات {ويصدون عن سبيل الله} عطف على قوله: بطراً {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم} التي فعلوها في معاداة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {وقال لا غالب لكم اليوم من الناس}، قيل: زين لهم بذلك بوسوسته، وقيل: ظهر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني وكان من أشراف كنانة وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني مجيركم من بني كنانة، قال في الثعلبي: وذلك أن قريشاً لما اجتمعت للمسير ذكرت الذي بينها وبين كنانة فجاء ابليس في جند من الشياطين معه راية في صورة سراقة {فلما تراءت الفئتان} التقى الجمعان ورأى إبليس الملائكة ينزلون من السماء وعلم أنه لا طاقة لهم به {نكص على عقبيه} يعني ولى مدبراً، وقيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام، فلما نكص قال له الحرث: إلى أين أتخذلنا في هذه الحال؟ فقال: {اني أرى ما لا ترون} ودفع في صدر الحرث وانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فقالوا: هو الشيطان، فقال الشيطان: {إني أخاف الله} فقال له الحرث: هلا كان هذا أمس {والله شديد العقاب}، قال بعضهم: هذه حكاية عن ابليس، وقال آخرون: انقضى الكلام عند قوله إني أخاف الله، ثم قال الله: {والله شديد العقاب} {والذين في قلوبهم} مرض يعني شك ونفاق غرّ هؤلاء دينهم الآية، نزلت في الذين نافقوا في المدينة، وقيل: في قوم من قريش، وقيل: هم قوم كانوا بمكة مستضعفين فلما خرجت قريش إلى بدر أخرجوهم كرهاً، فلما نظروا إلى قلَّة المسلمين ارتدوا وقالوا: {غرّ هؤلاء دينهم} ثم قال جواباً لهم: {ومن يتوكل على الله} أي يفوض أمره إلى الله تعالى {فإن الله عزيز حكيم ولو ترى} تعاين يا محمد {إذ يتوفى} الملائكة يعني يقبضون أرواحهم عند الموت، قيل: بيوم بدر، وقيل: هم هؤلاء المنافقون الذين قالوا {غر هؤلاء دينهم}، وقيل: جميع الكفار {يضربون وجوههم} ما أقبل منهم {وأدبارهم} ما أدبر وتقديره ويضربون وجوههم بالسيوف، وإذا ولّوا أدركتهم الملائكة فيضربون أدبارهم {وذوقوا} فيه إضمار ومعناه وتقول الملائكة ذوقوا {عذاب الحريق} {ذلك بما قدمت أيديكم} كسبت وعملت {وأنَّ الله ليس بظلاَّم للعبيد} لا يأخذهم من غير جرم {كدأب آل فرعون} الآية نزلت في أهل مكة لما أخرجوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قتلوا يوم بدر، كدأب آل فرعون أي كعادة آل فرعون أي قومه وأتباعه، وقيل: كعادة الله تعالى في آل فرعون وسائر الكفار أن يهلكهم الله تعالى إذ كذبوا، قوله: {فأخذهم الله بذنوبهم} أي فعاقبهم {ذلك} يعني ما فعلناه بالمشركين من العقوبة إنما فعلناه لكفرهم ولاء غيروا ما أنعم الله عليهم {بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم}، وقيل: أراد به هل مكة بعث الله إليهم محمداً فغيروا نعمة الله وتغييرها كفرها وترك شكرها.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ} يعني المشركين. { وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي: يحفظها عليهم حتى يجازيهم بها. قوله: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَابِ}. قال الكلبي: إن المشركين لما خرجوا من مكة إلى بدر أتاهم الخبر، وهم بالجحفة قبل أن يصلوا إلى بدر، أن عيرهم قد نجت؛ فأراد القوم الرجوع. فأتاهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا قوم، لا ترجعوا حتى تستأصلوهم، فإنكم كثير، وعدوكم قليل، فتأمن عيركم. وإني جار لكم على بني كنانة ألا تمروا على حي من بني كنانة إلا أمدوكم بالخيل والرجال والسلاح. فمضوا كما أمرهم للذي أراد الله من هلاكهم. فالتقوا هم والمسلمون ببدر؛ فنزلت الملائكة مع المسلمين [في صف]، وإبليس في صف المشركين في صورة سراقة بن مالك. فلما نظر إبليس إلى الملائكة مع المسلمين نكص على عقبيه. وأخذ الحارث بن هشام المخزومي بيده فقال: يا سراقة، على هذه الحال تخذلنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، أي الملائكة، إني أخاف الله والله شديد العقاب. فقال له الحارث: ألا كان هذا القول أمس. فلما رأى إبليس أن المؤمنين أقبلوا إليهم، دفع في صدر الحارث فخرّ، وانطلق إبليس وانهزم المشركون. فلما قدموا مكة قالوا: إنما انهزم بالناس سراقة بن مالك ونقض الصف، ثم انهزم الناس. فبلغ ذلك سُرَاقة، فقدم عليهم مكة فقال: بلغني أنكم تزعمون أني انهزمت بالناس؛ فوالذي يحلف به سراقة ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فجعلوا يذكّرونه: أما أتيتنا يوم كذا وكذا، وقلت لنا كذا وكذا؟ فجعل يحلف لهم. فلما أسلموا علموا أنه الشيطان. ذكروا أن مجاهداً قال: هو أبو جهل وأصحابه يوم بدر. ذكر بعضهم قال: كان الذين قاتلوا نبي الله يوم بدر خرجوا ولهم بغي وفخر. وقد قيل لهم يومئذٍ: ارجعوا فقد انطلقت عيركم، وقد ظفرتم. فقالوا: لا والله حتى يبلغ أهل الحجاز مسيرُنا وعددُنا. وأما قوله: {لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النَّاسِ} أي إنه ليس أحد من الناس يغلبكم اليوم في تفسير الحسن. {وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} أي معكم. وقوله: {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} أي رجع على عقبيه هارباً. وقوله: {إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ} إِنِّي أَخَافُ اللهَ أي أنه رأى جبريل يزع الملائكة. وقال الحسن: رأى الملائكة تضرب وجوه المشركين. وقال بعضهم: ذكر لنا أن الشيطان رأى جبريل تنزل معه الملائكة. قوله: {إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ} قال بعضهم: كذب، ولكن علم أن لا طاقة لهم بهم. قال الكلبي: أما قوله: {إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ} فصدق. وأما قوله: {إِنِّي أَخَافُ اللهَ} فكذب.
اطفيش
تفسير : {ولا تكُونوا كالَّذينَ خرجُوا من دِيارِهم} وهم أهل مكة حين خرجوا منها لحماية العير {بَطراً} فخرا وكفرانا للنعمة بصرفها فى غير محلها {ورِئاءَ النَّاسِ} الرئاء فعال كقتال من الرؤية فهو بالهمزة بعد الراء، لأن عين راء همزة والألف بعدها زائدة، والهمزة الآخرة بدل من الباء التى هى لام الكلمة، وقد تسهل الهمزة الأولى إلى الباء، أظهروا شجاعتهم وسماحتهم للناس ليثبتوا عليهم وهو شرك صغير، وقيل: نفاق، وترك العمل لأجل الناس شرك، وحقيقة النفاق فى عرف فقهائنا عمل الموحد الكبيرة سرا أو جهرا غير كبيرة الشرك، ويطلق أيضا على أسرار الشرك، وإظهار التوحيد، هذا تحقيق المقام. نهى الله المؤمنين أن يكون خروجهم إلا شكرا وتواضعا لله، وإخلاصا له عكس هؤلاء الكفار فى خروجهم، وزادوا أيضا بطرا ورياء حين بلغوا الجحفة، أرسل إليهم أبو سفيان: ارجعوا فقد نجت عيركم ورجالكم، فقال أبو جهل: لا والله حتى نرد بدرا ونشرب الخمور، وتعزف أى تغنى وتضرب الدفوف القينات، أى الإماء، ونطعم من حضر من العرب، وتسمع بنا العرب، فلا تزال تهابنا. وذكر الشيخ هود: أن إبليس آتاهم فى صورة سراقة بن مالك، فقال: يا قوم لا ترجعوا حتى تستأصلوهم، وإنى جار لكم من كنانة أن يأتيكم من كنانة ما تكرهون، والمشهور أن هذا حين الخروج من مكة لا فى الجحفة، ولعله قاله أيضا فى الجحفة لئلا يستعجل الرجوع مخافة من كنانة، وتفسير بعضهم البطر فى الآية والرياء بما قالوا وبما فعلوا فى الجحفة، لا يصح إلا على قول من لم يشترط فى المفعول لأجله اتحاد زمانه وزمان عامله، فإن بطرا ورياء مفعول لأجلهما، والثانى بواسطة العطف، أو على جعلهما حالين مقدرتين على طريق المبالغة، بأنهم نفس البطر والرياء، أو على تقدير ذوى بطر ورياء، أو بطرين ومرائين، لكن على أن التقدير فى الحال المقدرة يجوز من غير صاحبها، ولم يجوزه ابن هشام. قال جار الله: فوافوها يعنى بدرا، فسقوا كأس المنايا مكان الخمور، وناحت عليهم النوائح مكان القينات. انتهى، ولله در ابن جابر الأندلسى إذ قال: شعر : بدا يوم بدر وهو كالبدر حَوله كواكبُ فى أفْق المواكب تتجلى وجبريلُ فى جُند الملائك دونه فلم تغْنِ أعداد العدو المخذلى رمى بالحصى فى أوجه القوم رميةً فشرَّدهم مثل النعام المجفَّل وجادلهم بالمشرفىّ فسلَّموا فجادله بالنَّفس كل مجدل عبيدةُ سَل عنْهم وحمزة واسْتَمع حديثهم فى ذلك اليوم من عَلى هم عتبُوا بالسَّيف عتبة إذ غدا فذاقَ الوليدُ الموتَ ليس لَه ولى وشيبةُ لما شابَ خوفاً تبادرت إليه العوالى بالخِضَاب المعجَّل وجال أبو جَهْل فحقق جهله غداة تردَّى بالرَّدى عن تذلل فأضحى قليباً فى القليب وقومه يؤمُّونه فيها إلى شر منهل وجاءهُم خير الأنام مُوبخاً ففتَّح من أسماعهم كل مقفل وأخبر ما أنتم بأسْمع منْهم ولكنَّهم لا يهتَدون لمقْوَل سلُوا عنْهم يومَ السَّلا إذ تضاحَكُوا فعادَ بكاءً عاجلا لم يؤجَّل ألم يعلَموا علم اليقين بصدْقِه ولكنَّهم لا يرجِعُون لمعقل فيا خيْرَ خَلق اللهِ جاهكَ مُلجئٌ وحبُّك ذُخْرى فى الحساب وموئلى عَليك صلاةٌ يشْمَل الآل عرفها وأصْحابك الأخْيار أهل التفضُّل تفسير : {ويصدُّونَ} يمنعون الناس {عَنْ سبيلِ الله} الجملة مستأنفة أو حال بتقدير المبتدأ أو بلا تقديره عند بعض أو معطوفة على بطرا أو رياء إذا جعلا حالين، وأولى ببطرين ومرائين، أو على خرجوا أو على بطرا أو رياء إذا جعلا مفعولا لأجلهما على حذف حرف المصدر، ورفع الفعل، والأصل وإن يصدوا أى وصدا لكن هذا يصح على عدم شرط اتحاد الزمان، أو يكون الصد فى خروجهم نفسه {واللهُ بما يعْملُون مُحيطْ} لا يخفى عليه شئ فهو معاقبهم عليه.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم} بعد أن أمروا بما أمروا من أحاسن الأعمال ونهوا عما يقابلها، والمراد بهم أهل مكة أبو جهل وأصحابه حين خرجوا لحماية العير {بَطَراً} أي فخراً وأشراً {وَرِئَاءَ ٱلنَّاسِ} ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما رأى أبو سفيان أنه أحرز عيره أرسل إلى قريش أن ارجعوا فقد سلمت العير فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدراً ونشرب الخمور وتعزف علينا القينات ونطعم بها من حضرنا من العرب فوافوها ولكن سقوا كأس المنايا بدل الخمور وناحت عليهم النوائح، بدل القينات وكانت أموالهم غنائم بدلاً عن بذلها، ونصب المصدرين على التعليل، ويجوز أن يكونا في موضع الحال، أي بطرين مرائين، وعلى التقديرين المقصود نهى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم في البطر والرياء وأمرهم بأن يكونوا أهل تقوى وإخلاص إذا قلنا: إن النهي عن الشيء أمر بضده. {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} عطف على {بَطَراً} وهو ظاهر على تقدير أنه حال بتأويل اسم الفاعل لأن الجملة تقع حالاً من غير تكلف وأما على تقدير كونه مفعولاً له فيحتاج إلى تكلف لأن الجملة لا تقع مفعولاً له، ومن هنا قيل: الأصل أن يصدوا فلما حذفت أن المصدرية ارتفع الفعل مع القصد إلى معنى المصدرية بدون سابك كقوله:شعر : ألا أيها الزاجري أحضر الوغى تفسير : أي عن أن أحضر وهو شاذ. واختير جعله على هذا استئنافاً؛ ونكتة التعبير بالاسم أولاً والفعل أخيراً أن البطر والرياء دأبهم بخلاف الصد فإنه تجدد لهم في زمن النبوة {وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} فيجازيهم عليه.
ابن عاشور
تفسير : جملة: {ولا تكونوا} معطوفة على {أية : ولا تنازعوا}تفسير : [الأنفال: 46] عطف نهي على نهي. ويصحّ أن تكون معطوفة على جملة {أية : فاثبتوا}تفسير : [الأنفال: 45] عطف نهي على أمر، إكمالاً لأسباب النجاح والفوز عند اللقاء، بأن يتلبسوا بما يدنيهم من النصر، وأن يتجنّبوا ما يفسد إخلاصهم في الجهاد. وجِيء في نهيهم عن البطَر والرئَاء بطريقة النهي عن التشبّه بالمشركين إدماجاً للتشنيع بالمشركين وأحوالِهم، وتَكريهاً للمسلمين تلكَ الأحوالَ، لأنّ الأحوال الذميمة تتّضح مذمتها، وتنكشف مزيد الانكشاف إذا كانت من أحوال قوم مذمومين عند آخرين، وذلك أبلغ في النهي، وأكشف لقبْح المنهي عنه. ونظيره قوله تعالى: {أية : ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون}تفسير : [الأنفال: 21] وقد تقدّم آنفاً. فنهوا عن أن يشبهوا حال المشركين في خروجهم لبَدْر إذْ خرجوا بطَراً ورئاء الناس، لأنّ حقّ كلّ مسلم أن يريد بكلّ قول وعمل وجه الله، والجهاد من أعظم الأعمال الدينية. والموصول مراد به جماعة خاصّة، وهم أبو جهل وأصحابه، وقد مضى خبر خروجهم إلى بدر، فإنّهم خرجوا من مكة بقصد حماية غيرهم فلمّا بلغوا الجحفة جاءهم رسول أبي سفيان، وهو كبير العير يخبرهم أنّ العِير قد سلمت، فقال أبو جهل: «لا نرجع حتّى نَقدمَ بدراً نَشْرب بها وتعزف علينا القيان ونطعِم من حضَرَنا من العرب حتّى يتسامع العرب بأنّنا غلبنا محمداً وأصحابه». فعبّر عن تجاوزهم الجحفة إلى بدر، بالخروج لأنّه تكملة لخروجهم من مكة. وانتصب {بطراً ورئاء الناس} على الحالية، أي بَطِرينَ مرائين، ووصفهم بالمصدر للمبالغة في تمكّن الصفتين منهم لأنّ البطَر والريَاء خلقان من خلقهم. و«البطر» إعجاب المرء بما هو فيه من نعمة، والاستكبار والفخر بها، فالمشركون لمّا خرجوا من الجحفة، خرجوا عُجباً بما هم فيه من القوة والجِدّة. «والرئاء» ـ بهمزتين ـ أولاهما أصيلة والأخيرة مبدلة عن الياء لوقوعها متطرفة أثر ألف زائدة. ووزنه فِعَال مصدر رَاءَىَ فَاعَلَ من الرؤية ويقال: مرَاآة، وصيغة المفاعلة فيه مبالغة، أي بالغ في إراءة الناس عمله مَحَبَّة أن يروه ليفخر عليهم. و{سبيل الله} الطريق الموصلة إليه، وهو الإسلام، شبّه الدين في إبلاغه إلى رضى الله تعالى، بالسبيل الموصّل إلى بيت سَيِّد الحي ليصفح عن وارده أو يكرمه. وجيء في {يصدون} بصيغة الفعل المضارع للدلالة على حدوثِ وتجدّد صدّهم الناسَ عن سبيل الله، وأنّهم حين خرجوا صادّين عن سبيل الله ومكرّرين ذلك ومجدّدينه. وباعتبار الحدوث كانت الحال مقارنة، وأمّا التجدّد فمستفاد من المضارعية ولا يَجعل الحال مقدَّرة. وقوله: {والله بما يعملون محيط} تذكير للمسلمين بصريحه، ووعيد للمشركين بالمعنى الكنائي، لأنّ إحاطة العلم بما يعملون مجاز في عدم خفاء شيء من عملهم عن علم الله تعالى، ويلزمه أنّه مجازيهم عن عملهم بما يجازي به العليمُ القدير مَن اعتدى على حُرمه، والجملة حال من ضمير {أية : كالذين خرجوا}تفسير : [الأنفال: 47]. وإسناد الإحاطة إلى اسم الله تعالى مجاز عقلي، لأنّ المحيط هو علم الله تعالى فَإسناد الإحاطة إلى صاحب العلم مجاز.
د. أسعد حومد
تفسير : {دِيَارِهِم} (47) - وَعَلَيْكُمْ، أيُّها المُؤْمِنُونَ، أنْ تَمْتَثِلُوا لِمَا أمَرَكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ مِنْ طَاعَتِهِ تَعَالَى، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ الكَرِيمِ صلى الله عليه وسلم، وَالتِزَامِ أَوَامِرِهِمَا، وَلاَ تَكُونُوا كَأَعْدَائِكُمُ المُشْرِكِينَ الذِينَ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ بَطَراً بِمَا أوتُوا مِنَ النِّعْمَةِ، وَمُرَاءَاةً لِلنَّاسِ لِيُعْجَبُوا بِهِمْ، وَيُثْنُوا عَلَيْهِمْ بِالغِنَى وَالقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ .. وَهُمْ إنَّمَا يَقْصِدُونَ بِخُرُوجِهِم الصَّدَّ عَنْ سَبيلِ اللهِ، وَمَنْعَ النَّاسِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ، وَالحَدَّ مِنِ انْتِشَارِ الإِسْلاَمِ، وَاللهُ مُحِيطٌ بِأعْمَالِهِمْ، وَلاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ، وَسَوْفَ يُجَازِيهِمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ. بَطَراً - طُغْيَاناً وَفَخْراً وَأشَراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والذين خرجوا من ديارهم بطراً هم الكفار عندما علموا أن أبا سفيان قد نجا بالقافلة ولم يتمكن المسلمون من الاستيلاء عليها، وهم قد خرجوا من مكة ليخلصوا القافلة من أيدي المسلمين، فلما قيل لهم إنَّ القافلة نجت يقيادة أبي سفيان فارجعوا. قالوا: لا يكفينان هذا، بل لا بد أن نخرج ونقاتل محمدا ومن معه، وننتصر عليهم وندق الطبول ونذبح الذبائح ليعلم أهل الجزيرة بخبر هزيمة محمد ومن معه فلا يجرؤ احد أن يتعرض لقافلة من قوافلنا. إذن فهم لم يكتفوا بأن أموالهم قد رجعت إليهم، بل أرادوا أكثر مما يقتضي الموقف، أرادوا أن يخرجوا في مظاهرة ضلالية للمفاخرة والتكبر تُثبت أن لهم قوة. وكان يكفيهم نجاة القافلة وينتهي الأمر. وكان عليهم أن يرجعوا، ولكنهم أرادوا أن يقوموا بمظاهرة لا لزوم لها. إذن فالمسألة شماتة، وهذا لون من البطر؛ أن تكون عندك نعمة فلا تقدرها حق قدرها، وتحب أن تعلو عليها. ويقال فلان بطران إذا أحضروا له الإفطار من الفول مثلاً ويقول: إنه يريد المربى والزبد وعسل النحل. وهكذا فعل كفار قريش، فلم يكتفوا بنجاة القافلة، بل استخفوا هذه النعمة فلم يكتفوا بها وطلبوا المزيد. وقوله سبحانه وتعالى: {وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ} أي يريدون بالحرب مع رسول الله والذين آمنوا؛ السمعة بين الناس، وأن يعرف العرب أنهم خرجوا إلى المدينة وقاتلوا محمداً وصحبه لتكون لهم سمعة وهيبة بين الناس في الجزيرة العربية. وقوله تعالى: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الأنفال: 47]. لأن الناس حين يرون الكفار المعاندين لمنهج الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد صارت لهم اليد العليا، وهم يرقصون ويغنون لانتصارهم، ويرون المسلمين وهم مختفون خائفون من مواجهة الكفار، فسوف يغري ذلك الناس باتباع منهج الكفر، فكأن الكفار برغبتهم في قتال رسول الله وصحبه إنما يصدون عن سبيل الله. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى ليوضح: لا تحسبوا أنهم بعيدون عن علمي. {وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47]. أي أن الله سبحانه وتعالى محيط بكل أعمالهم، لا يغيب عنه عمل واحد مما يفعلونه، هو محيط بهم تماماً وهم لا يستطيعون أن يفلتوا منه. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى دور الشيطان وأعوانه وما يفعله بالكافرين؛ فيقول تبارك وتعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ} [الآية: 47]. قال: كان أَبو جهل ومشركو قريش، الذين قاتلوا نبي الله صلى الله عليه وسلم، يوم بدر، خرجوا ولهم بغي وفخر. وقد قيل لهم يومئذ: ارجعوا فقد انطلقت عيركم وسلمت. فقالوا: والله لا نرجع حتى يتحدث أَهل الحجاز بمسيرنا وعددنا. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: اللهم إِن قريشاً قد أَقبلت بفخرها وخيلائها ليحادّوك ويحادّوا رسولك. وبلغنا أَن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال يومئذ: قآءَت مكة مقاليدها.
همام الصنعاني
تفسير : 1021- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً}: [الآية: 47]، قال: هم قريش، أبو جهل وأصحابه الذين خرجوا يوم بَدْرٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):