٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ} هذا استمرار على الوصية لهم، والأخذ على أيديهم في اختلافهم في أمر بَدْر وتنازعهم. {فَتَفْشَلُواْ} نصب بالفاء في جواب النهي. ولا يُجيز سيبويه حذف الفاء والجزم وأجازه الكسائيّ. وقُرىء «تَفْشِلوا» بكسر الشين. وهو غير معروف. {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي قوتكم ونصركم؛ كما تقول: الريح لفلان، إذا كان غالباً في الأمر. قال الشاعر:شعر : إذا هَبّت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون تفسير : وقال قتادة وابن زيد: إنه لم يكن نصر قطّ إلا بريح تُهبُّ فتضرب في وجوه الكفار. ومنه قوله عليه السلام: «حديث : نُصرتُ بالصَّبا وأهلكت عاد بالدَّبور»تفسير : . قال الحكم: «وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ» يعني الصَّبا؛ إذ بها نصر محمد عليه الصلاة والسلام وأمّتهُ. وقال مجاهد: وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أُحد. قوله تعالىٰ: {وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} أمر بالصبر، وهو محمود في كل المواطن وخاصّةً موطن الحرب؛ كما قال: {أية : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ}تفسير : [الأنفال: 45].
البيضاوي
تفسير : {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ} باختلاف الآراء كما فعلتم ببدر أو أحد. {فَتَفْشَلُواْ} جواب النهي. وقيل عطف عليه ولذلك قرىء: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} بالجزم، والريح مستعارة للدولة من حيث إنها في تمشي أمرها ونفاذه مشبهة بها في هبوبها ونفوذها. وقيل المراد بها الحقيقة فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثها الله وفي الحديث «حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور»تفسير : {وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } بالكلاءة والنصرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَٰزَعُواْ } تختلفوا فيما بينكم {فَتَفْشَلُواْ } تجبنوا {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } قوّتكم ودولتكم {وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ } بالنصر والعون.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَتَفْشَلُواْ} هو التقاعد عن القتال جبناً، {رِيحُكُمْ} قوتكم، أو دولتكم، أو الريح المرسلة لنصر أولياء الله وخذلان أعدائه، قاله قتادة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} قال: يقول: لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وتذهب ريحكم} قال: نصركم، وقد ذهب ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أُحد. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {وتذهب ريحكم} قال: الريح النصر، لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله تضرب وجوه العدوّ، وإذا كان كذلك لم يكن لهم قوام. وأخرج ابن أبي شيبة عن النعمان بن مقرن رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عند القتال لم يقاتل أول النهار وآخره إلى أن تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر.
التستري
تفسير : وقوله: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}[46] أي دولتكم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [الآية: 46]. سُئل محمد بن موسى الواسطى رحمة الله عليه عن ماهية الصبر وحقيقة قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} قال: هو إسِنالُ التولى قبل مخامرة المحبة، فإذا صادقت المحبة التولى حمتها بلا كلفة، هذا صفة من كان الله معه فى صبره.
القشيري
تفسير : الموافقة بين المسلمين أصلُ الدِّين. وأولُ الفساد ورأسُ الزَّلَلِ الاختلافُ. وكما تجب الموافقة في الدين والعقيدة تجب الموافقة في الرأي والعزيمة. قال تعالى في صفة الكفَّار: {أية : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}تفسير : [الحشر: 14]، وإنما تتحد عزائم المسلم لأنهم كلَّهم يجمعهم التبرِّي مِنْ حوْلِهم وقُوَّتِّهم، ويتمحضون في رجوعهم إلى الله، وشهودهم التقدير، فيتحدون في هذه الحالة الواحدة. وأمَّا الذين تَوهَّمُوا الحادثاتِ من أنفسهم فَضَلُّوا في ساحات حسبانهم، وأجْرَوْا الأمور على ما يسنح لرأيهم، فكلٌّ يبني على ما يقع له ويختار، فإذا تنازعوا تَشَعَبَّتْ بهم الآراءُ، وافترقت بهم الطرقُ، فيضعفون، وتختلف طُرُقُهم. وكما تجب في الدين طاعةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجب طاعة أولي الأمر، ولهذا يجب في كل وقت نَصْبُ إمام للمسلمين، ثم لا تجوز مخالفته، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : أطيعوه ولو كان عبداً مجده" تفسير : وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث سرِيَّةً أمَّر عليهم أميراً وقال: "حديث : عليكم بالسواد الأعظم ". تفسير : وإجماعُ المسلمين حُجَةٌ، وصلاة الجماعة سُنَّةٌ مؤكَّدة، والاتِّباعُ محمودٌ والابتداع ضلالة. قوله {وَٱصْبِرُوۤاْ} الصبر حَبْسُ النَّفْس على الشيء، والمأمور به من الصبر ما يكون على خلاف هواك. {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} يتولى بالكافية إذا حصل منهم الثباتُ وحَسُنَ التفويضُ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} اول الصبر التصبر وهو مقام التكليف والصبر مقام التشريف الاوّل مجاهدة والاخر مشاهدة اى اصبر بانى فى لوعات شوقكم انّى فانى اشتياق اليكم واصبر كما يصبرون فهذا معنى قوله ان الله مع الصبر وايضاً اصبروا فى بلاء محبتى وانظروا الى مقام البلاء حتى ترونى فانى اتجلى الصابرون فى مكان صبرهم بى وايضا اصبروا بى فان الصبر معى يوجب مراد الصابرين فى نصرتهم على عدوهم من النفوس والشياطين سئل محمد بن موسى الواسطى عن ماهية الصبر وحقيقة الذى قال الله ان الله مع الصابرين قال هو اسال التولى قبل مخامرة المحنة فاذا صادقت المحبة التولى حملها بلا كلفة هذا صفة من كان الله معا فى صبره.
اسماعيل حقي
تفسير : {وأطيعوا الله ورسوله} فى كل ما تأتون وما تذرون خصوصا فى امر الجهاد وثبات القدم فى معركة القتال {ولا تنازعوا} باختلاف الآراء كما فعلتم ببدر واحد {فتفشلوا} جواب للنهى يقال فشل اى كسل وضعف وتراخى وجبن {وتذهب ريحكم} بالنصب عطف على جواب النهى اى تذهب دولتكم وشوكتكم فانها مستعارة للدولة من حيث انها فى تمشى امرها ونفاذه مشبهة بها فى هبوبها وجريانها. وقيل المراد بها الحقيقة فان النصرة لا تكون الا بريح يبعثها الله تعالى ويقال لها ريح النصرة -وروى- انه حاصر المدينة قريش وغطفان وبنوا قريظة وبنوا النضير يوم الخندق فهبت ريح الصبا شديدا فقلعت خيامهم واراقت قدورهم وهربوا فقال عليه السلام "حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" تفسير : والصبا بفتح الصاد وبالقصر ريح تهب من المشرق والدبور هى ما يقابل الصبا فى الهبوب يعنى الريح مأمورة تجيء تارة للنصرة وتارة للاهلاك وفى المثنوى شعر : جمله ذرات زمين وآسمان لشكر حقند كاه امتحان بادرا ديديكه باعادان جه كرد ابرا ديديكه باطوفان جه كرد تفسير : {واصبروا} على شدائد الحرب وقتال المشركين ولا تولوهم الادبار {إن الله مع الصابرين} بالنصرة والكلاءة وما يفهم من كلمة مع من اصالتهم انما هى من حيث انهم المباشرون للصبر فهم متبوعون من تلك الحيثية ومعيته تعالى انما هي من حيث الامداد والاعانة
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى هؤلاء المؤمنين الذين ذكرهم بأن يطيعوا الله ورسوله، ولا يختلفوا فيضعفوا عن الحرب. والعامل في {فتفشلوا} الفاء التي هي بدل من (أن) على معنى جواب النهي كقولك لا تأت زيداً فيهينك، ولذلك عطف بالنصب في قوله {وتذهب ريحكم} عليه. وقوله {وتذهب ريحكم} معناه كالمثل أي ان لكم ريحاً تنصرون بها يقال ذهب ريح فلان اي كان يجري في امره على السعادة بريح تحمله اليها، فلما ذهبت وقف امره، فهذه بلاغة حسنة. وقيل: المعنى ريح النصرة التي يبعثها الله مع من ينصره على من يخذله، في قول قتادة وابن زيد. وقيل: تذهب دولتكم، من قولهم ذهب ريحه، أي ذهبت دولته. في قول ابي عبيدة وابي علي. وقال عبيد ابن الابرص: شعر : كما حميناك يوم النعف من شطب والفضل للقوم من ريح ومن عدد تفسير : اي من ريح عز ومن عدد. وقال أبو جعفر عليه السلام: هذه الآية نزلت حين أشار خباب بن المنذر على النبي صلى الله عليه وآله ان ينتقل من مكانه حتى ينزلوا على الماء ويجيؤهم من خلفهم، فقال بعضهم لا تنغفر معصاتك يا رسول الله. فتنازعوا، فنزلت الآية وعمل النبي صلى الله عليه وآله على قول خباب.
الجنابذي
تفسير : {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيما يأمركم به فى امر القتال وغيره {وَلاَ تَنَازَعُواْ} باختلاف الآراء {فَتَفْشَلُواْ} تضعفوا عن القتال {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} عظمكم فى نظر الاعداء شبّهت العظمة المعنويّة بالرّيح الدّاخلة تحت الثّياب الّتى بها تعظم جثّة الانسان، او بالانتفاخ والانتقاش الّذى يكون للسّباع حين ثوران الغضب وهو مثل دائر فى العرب والعجم {وَٱصْبِرُوۤاْ} على الجهاد {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم} يعنى قريشاً حين خرجوا مع آلات اللّهو {بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ} ليثنوا عليهم بالشّجاعة والشّوكة فانّهم أخرجوا معهم القيان والخمور وآلات اللّهو {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} فلا يخفى عليه اعمالكم ولا نّياتكم.
اطفيش
تفسير : {وأطِيعُوا اللهَ ورسولَه} فى أمر القتال وغيره {ولا تَنازعُوا} الأصل تتنازعوا، حذفت إحدى التاءين، وقرئ بإثباتهما مع إدغام الأولى فى الثانية اعتمادا على لا قبلها، والتنازع باختلاف الآراء كما فعلوا بأحد وببدر قبله. {فَتفْشلُوا} منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية الواقعة فى وجوب النهى، ولذا عطف عليه بالنصب فى قوله: {وتَذْهبَ ريحُكُم} وقرأ هبيرة عن حفص، عن عاصم بالجزم فى تذهب، فيكون تفشلوا معطوفا على تنازعوا، وتذهب معطوفا عليه، فكلاهما مجزوم، وكذا قرأ عيسى بن عمرو بالجزم، لكنه قرأ بالمثنات تحت، لأن الريح يذكر ويؤنث، بل تحتمل هذه القراءة التأنيث أيضا كما يقال: طلع الشمس، وقرأ أبو حيوة بالنصب والمثناة تحت، ورواه إبان وعصمت عن عاصم ويجوز فى النصب مطلقا أن يكون على أن الواو واو الجمع التى ينصب المضار بعدها، وفى الجزم مطلقا أن يكون عطفا على تنازعوا، كأنه قيل: ولا تذهب ريحكم على حد لا أرينك هاهنا، والجمهور على أن الريح مستعارة للدولة أو النصر، والقوة استعارة تصريحية أصلية تحقيقية، فإن الدولة فى تمشى أمرها ونفاذه كالريح هبوبها ونفوذها، فجعلت الدولة من جنس الريح على طريق مبالغة العرب، وادعائها، فأطلق عليها لفظ الريح، يقال: هبت ريح فلان، والريح لفلان، إذ دالت له الدولة ونفذ أمره. قال الشاعر: شعر : أتنظران قليلا ريث غفلتهم أم تعدوان فإن الريح للعادى تفسير : وقال عبيدة بن الأبرص: شعر : كما حميناك يوم النعب من شطب والفضل للقوم من ريح ومن عدد تفسير : وقال الشاعر الأنصارى: شعر : قد عودتهم ظباهم أن تكون لهم ريح القتال وأسلاب الذين لقوا تفسير : وقال الشاعر: شعر : إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل عاصفة سكونا تفسير : وعن زيد بن على: ويحكم رعبكم الذى فى قلوب أعدائكم، يذهب بأمر الله من قلوب العدو إذا تنازعوا، ولو لم يعلم العدو بالتنازع، وقيل: إن علم وإلا فالذاهب قوة المتنازعين، وقد فسر مجاهد الريح بالنصر والقوة، وقد ذهبت ريح أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أحد، وفسره السدى بالجراءة والجد، ومقاتل بالجدة، وابن زيد وقتادة بالريح الحقيق، فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثها الله، يضرب بها وجوه العدو، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : نصرت بالصباء وأهلكت عاد بالدبور }. تفسير : قال بعضهم: فالريح فى الآية الصبا إذ بها نصر محمد وأمته، وقيل: هذا فى غزوة الخندق خاصة، والمشهور العموم، وقد خرج أبو داود عن النعمان بن مقرن أنه قال: شاهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح، وينزل النصر، قال أبو حاتم فى كتابه، عن إبراهيم: فتفشلوا بكسر الشين وهذا غير معروف. {واصْبِرُوا} فى اللقى {إن الله مع الصابرين} بالحفظ والنصر، قال جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإن جاءوكم يزحفون ويصيحون ويبرقون فالزموا الأرض جلوسا، واعلموا أن الجنة تحت الأبارقة" تفسير : ذكره الشيخ، وذكره البخارى ومسلم، عن عبد الله بن أبى أوفى هكذا حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض أيامه التى أفنى فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم وقال: "أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ثم قال: "اللهم منزل الكتاب، ومجرى السحاب، وهازم الأحزار، اهزمهم وانصرنا عليهم" تفسير : انتهى أو هكذا ينبغي أن يكون المسلم فى ولاية الإمارة والقضاء، لا يتمنى ولا يطلب، فإن امتحن صبر على إقامة الحق.
اطفيش
تفسير : {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ} فى اللقاء كغيره، ولا تفعلوا ما يكون عوناً لأَعدائكم عليكم {وَلاَ تَنَازَعُوا} لا تختلفوا فيما بينكم من أَمر الحرب كبدر وأُحد، وأَما المنازعة فى بيان الحقْ فمأْمور بها مع الإِخلاص وعلامته الفرح بظهور الحق ولو على لسان خصمه، وسواء فى ذلك ما يرجع لشأن الحرب وغير ذلك {فَتَفْشَلُوا} تكسلوا جبناً أَو اغتياظاً منصوب فى جواب النهى، أَو مجزوم بالعطف أَى فلا تفشلوا، ويدل له أَنه قرئَ {وَتَذْهَب} ريحكم بالجزم، والمشهور وهو قراءَة نافع النصب على أَن تفشلوا منصوب، وعلى جزمه يكون نصب تذهب على المعية فى جواب النهى {رِيحُكُمْ} دولتكم الشبيهة بالريح لجامع النفاذ، أَو الريح الحقيقية فإِنه لا نصر للمؤمنين إِلا بريح تهب من الله إِلى جهة المؤمنين فتذهب منهم إِلى العدو وتضرب وجهه، وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : نصرت بالصبا وأُهلكت عاد بالدبورتفسير : . ونصر بها هود فى غير قتال. قال النعمان بن مقرن: شهدت القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إِذا لم يقاتل أَول النهار انتظر حتى تميل الشمس وتهب الريح، والنزاع كان فشا فى أَهل التوحيد فملكهم أَهل الشرك، ولو رجعوا إِلى مذهبنا فى الأُصول أَو أَغضوا عن مسائل الخلاف كأَن لم تكن، وكانوا يداً واحدة لغلبوا على أَهل الشرك، وأَهل الشرك الآن مشغولون بالاحتيال فيما يملكون به غيرهم، وأَهل التوحيد بعضهم معين لهؤلاء وبعضهم بطال معرض، وبعضهم يعبد الله عز وجل ولا يشتغل بالدعاء عليهم، وبعضهم مكب على التأْليف ولا يحسن إِلا ما كان على طريق تأَليف الشيخ عبده والشيخ مصطفى بن إِسماعيل والشيخ قاسم بن سعيد، ولذلك قلت أَكب على التأْليف، إِذ لم نجد لنا بنا غازياً يوماً ولا من يهم بغزو. وقد كان هذا الخلاف والزلل فى زمان الصحابة، كما أَعطى عثمان بن عفان ابن الطريد مروان ابن الحكم إِفريقية ستمائة أَلف دينار، وكما كان يعزل عمال عمر ويستخلف أَقاربه كسعد بن أَبى وقاص أَبدل به الوليد بن عقبة، وكان أَخا عثمان لأُمه، وكعمرو بن العاص أَبدل به عبد الله بن سعد ابن أَبى سرح، وكان أَخاه من الرضاع، وكأَبى موسى الأَشعرى أَبدل به عبد الله بن عامر بن كريز وهو ابن خاله، واستكتب مروان ابن الحكم بن أَبى العاص، وهو ابن عمه، واجتماع أَمثال هذه الأُمور ونحوها مسقطة لأَن يقال فيه فعل ذلك لمصلحة شرعية اقتضاها الحال، وقد ندم على بن أَبى طالب على قتل من قتل، وقال إِنهم أَصحاب القرآن والتوراة والإِنجيل، إِلا أَنه لم يكمل ندمه. وقد قالوا: لا تنزع منك اسم الإِمامة وقد ثبتت لك ولو كره معاوية، وقد ارتضاهم الإِمام عمر بن عبد العزيز، وأَثبت الإِمامة لعلى، وفى المسعودى ارتقى الأَمر بأَصحاب معاوية إِلى أَن جعلوا لعن على سنة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير ويلعنونه على المنابر {وَاصْبِرُوا} على شدة الحرب {إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} بالحفظ والنصر بمعنى أَن من أَسبابها الصبر. أَو من قتل فى الله محفوظ الدين منصور أَيضاً بالجنة والحجة {وَلاَ تَكُونُوا} بعد بدر، أَو هذا قبل خروج الكفرة {كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} بمكة فيصيبكم مثل ما أَصابهم كَأَبى جهل ومن معه {بَطَرًا} ذوى بطر أَوبمعنى بطرين بكسر الطاء، أَو يبطرون بطرا أَو لأَجل البطر، وكذا فى قوله {وَرِئَاءَ النَّاسِ} والحال مقارنة، وقيل مقدرة والتعليل للحصول أَو للتحصيل، والبطر كفر النعمة أَو الفخرِ، والفخر أَيضاً كفرها. والخروج لمنع العير لا ينافى أَنهم قرنوا بالفجر والرياء بإراءة الناس أَنهم ممن لا يجبن، وأَنهم ممن لا يترك ماله لعدوه وأَنهم ممن لا تعجزه النفقة على العدد الكثير فلا حاجة إِلى أَن يقال إِنهم خرجوا للعير فقط، وحدث لهم البطر والرياء حيث سلمت العير وقبل وقوع القتال، وأَن التقدير ولم يرجعوا بعد سلامة العير بطراً ورئاءَ الناس، وافاهم رسول أَبى سفيان من الركب وهم بالجحفة، وقال: ارجعوا فقد سلمت عيركم، فقال أَبو جهل لعنه الله، وكان سفيها يعجل حديداً: لا والله حتى نقدم بدراً، ونشرب الخمور، وننحر الجزور، وتضرب علينا القينات، ويشهر ذلك. قال صلى الله عليه وسلم: حديث : اللهم إِن قريشاً قد أَقبلت بفخرها وخيلائها لمعارضة دينك ومحاربة رسولك.. اللهم فنصرك الذى وعدتنىتفسير : . وقال لأَبى جهل بعض من معه: ارجعوا فقد سلمت عيركم واجعلوا علىَّ جبنها، فأَبى، والقينة الأَمة مغنية وغيرها، لا كما قيل يختص بالمغنية {وَيَصُدُّونَ} الناس أَو يعرضون أَنفسهم {عَنْ سَبِيلِ اللهِ} عطف على خرجوا أَو حال من واو خرجوا، أَى وهم يصدون، وكان بالمضارع للتكرر من عادتهم الصد للناس، أَو الصدود عن سبيل الله بخلاف الخروج المذكور فإِنه مرة، وبخلاف بطرهم ورئائهم فإِنهما دأَبهم قبل الإِسلام وبعده، ولا حاجة إِلى عطفه على بطراً أَو على رئاء بتقدير أَن الأَصل وأَن يصدوا فحذفت أَن ورفع المضارع، ولا إِلى دعوى العطف بلا تقدير حرف المصدر شذوذاً وتنزيلا للمضارع منزلة الاسم، ولا إِلى عطفه على بطرا ورئاءَ بتأْويلهما باسم الفاعل أَى بطرين بكسر الطاء ومرائين على الحالية، وفى الآية الأَمر بالشكر والاتضاع لله بدل البطر. والإِخلاص بدل الرئاء، والدعاء إِلى سبيل الله والإِقبال إِليه بدل الصد عنه والصدود، فذلك النهى أَمر بالضد {وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} علماً به كله قليله وكثيره، فهو يعاقبهم عقابا عظيماً وقد بدلهم الله بشرب الخمور شرب كأس الموت. وبدل ضرب القيان بنوح النائحات، ونحر الجزور بقتل سبعين، وبدل تعاظمهم بأَسر سبعين منهم، وبدل إِنفاق أَموالهم بغنم ما بقى منها.
الالوسي
تفسير : {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في كل ما تأتون وما تذرون ويندرج في ذلك ما أمروا به هنا {وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ} / باختلاف الآراء كما فعلتم ببدر وأحد. وقرىء {وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ} بتشديد التاء {فَتَفْشَلُواْ} أي فتجبنوا عن عدوكم وتضعفوا عن قتالهم، والفعل منصوب بأن مقدرة في جواب النهي، ويحتمل أن يكون مجزوماً عطفاً عليه، وقوله تعالى: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} بالنصب معطوف على {تَفْشَلُواْ} على الاحتمال الأول. وقرأ عيسى بن عمر {وَيُذْهِبَ} بياء الغيبة والجزم وهو عطف عليه أيضاً على الاحتمال الثاني، والريح كما قال الأخفش مستعارة للدولة لشبهها بها في نفوذ أمرها وتمشيه. ومن كلامهم هبت رياح فلان إذ دالت له الدولة وجرى أمره على ما يريد وركدت رياحه إذا ولت عنه وأدبر أمره وقال:شعر : إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكون تفسير : وعن قتادة وابن زيد أن المراد بها ريح النصر وقالا: لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله تعالى تضرب وجوه العدو. وعن النعمان بن مقرن قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تميل الشمس وتهب الرياح، وعلى هذا تكون الريح على حقيقتها، وجوز أن تكون كناية عن النصر وبذلك فسرها مجاهد {وَٱصْبِرُواْ} على شدائد الحرب {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} بالإمداد والإعانة وما يفهم من كلمة مع من أصالتهم بناءً على المشهور من حيث إنهم المباشرون للصبر فهم متبوعون من تلك الحيثية.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} الآية. نهى الله جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التنازع، مبيناً أنه سبب الفشل، وذهاب القوة، ونهى عن الفرقة أيضاً في مواضع أخر، كقوله: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} تفسير : [آل عمران: 103]، ونحوها من الآيات، وقوله في هذه الآية: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي قوتكم. وقال بعض العلماء: نصركم. كما تقول العرب الريح لفلان إذا كان غالباً، ومنه قوله: شعر : إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل عاصفة سكون تفسير : واسم "إن" ضمير الشان. وقال صاحب الكشاف: الريح: الدولة، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح في هبوبها، فقيل: هبت رياح فلان، إذا دالت له الدولة، ونفذ أمره، ومنه قوله: شعر : يا صاحبي ألا لا حي بالوادي إلا عبيد قعود بني أذوادي أتنظران قليلا ريث غفلتهم أم تعدوان فإن الريح للعادي
د. أسعد حومد
تفسير : {وَلاَ تَنَازَعُواْ} {ٱلصَّابِرِينَ} (46) - وَأمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِطَاعَتِهِ تَعَالَى فِي الثَّبَاتِ عِنْدَ لِقَاءِ الأعْدَاءِ المُشْرِكِينَ، وَبِالإِخْلاَصِ لَهُ، وَبِبَذْلِ الجُهْدِ فِي القِتَالِ، وَبِذِكْرِ اللهِ كَثِيراً لِتَطْمَئِنَّ النُّفُوسُ وَتَهْدَأ، وَيُزَايلَهَا الخَوْفُ وَالتَّرَدُّدُ وَالقَلَقُ، كَمَا أمَرَهُمْ بِطَاعَةِ رَسُولِ اللهِ، وَالتِزَامِ أَوَامِرِهِ، إنْجَاحاً لِلْخُطَّةِ العَامَّةِ لِلْجَيْشِ فِي المَعْرَكَةِ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِألاَّ يَتَنَازَعُوا، وَلاَ يَخْتَلِفُوا، لأنَّ فِي التَّنَازُعِ وَالاخْتِلاَفِ الفشلَ وَالخِذْلاَنَ وَضَيَاعَ مَا حَقَّقَهُ المُسْلِمُونَ فِي المَعْرَكَةِ {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}. ثُمَّ يُكَرِّرُ اللهُ تَعَالَى أَمْرَهُ لِلْمُؤْمِنينَ بِالتِزَامِ الصَّبْرِ، لأنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. تَذْهَبَ رِيحُكُمْ - تَتَلاشَى قُوَّتُكُمْ أوْ دَوْلَتُكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وعرفنا من قبل أن طاعة الله تعالى تتمثل في تنفيذ ما أمر به في المنهج، وطاعة الرسول هي طاعة تطبيقية في السلوك، وهي طاعة لله أيضاً؛ لأن الرسول مبلغ عن ربه، ولا بد للطائع أن يتعبد عن التنازع مع إخوته المؤمنين؛ لأن التنازع هو تعاند القوي، أي توجد قوة تعاند قوة أخرى، والقوى المتعاندة تهدر طاقة بعضها البعض، فالتعاند بين قوتين يهدر طاقة كل منهما فتصبح كل قوة ضعيفة وغير مؤثرة. فكونوا يداً واحدة؛ لأنكم إن تنازعتم فستضيع قوتكم وتقابلون الفشل، أي لن تحققوا شيئاً مما تريدون لأنكم أهدرتم قوتكم في التنازع، ولم تعد لكم قوة تحققون بها ما تريدون وستذهب ريحكم في هذه الحالة. والفشل هو إخفاق الإنسان دون المهمة التي كان يرجوها من نفسه. وانظروا إلى عبارة الحق تبارك وتعالى: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]. نحن نعرف أن الريح يُطلق على الهواء الذي حيزه الفضاء على سطح الأرض، إذن فمكان الهواء هو أي مكان خال على سطح الأرض، ولذلك نجد العمود المكون من الأسمنت والحديد مثلاً، لا يوجد فيه هواء لأنه لا يوجد فيه فراغ، أما الفواصل التي بين الأعمدة فيوجد فيها هواء لأن فيها فراغاً. ونعلم أن مقومات الحياة طعام وشراب وهواء، ولكن الهواء هو المقوم الأول للحياة؛ لأنك لا تستطيع أن تصبر على الهواء مقدار شهيق وزفير. إذن فالهواء هو المقوم الأول لحياتك وحياة كل من في هذا الكون، وما دام الهواء محيطاً بالشيء بحيث يتساوى الضغط من جميع نواحيه يكون الشيء ثابتاً، فإذا فرّغت الهواء من ناحية قام ضغط الهواء بتحطيم هذا الشيء. وفي التجارب المدرسية شاهدنا تأثير ضغط الهواء، وكانوا يأتوننا بصفيحة وضع فيها ماء ويتركونها تغلي على النار، فيطرد بخار الماء الهواء الموجود في الجزء الفارغ من الصفيحة ليملأ البخار هذا الفراغ، ثم يغلقون الصفيحة بإحكام ويسكبون عليها من الخارج ماءً بارداً؛ فيتكثف البخار، ويقل حجمه، ويصبح جزء من الصفيحة خالياً من الهواء، فتنهار جدران الصفيحة إلى الداخل بسبب ضغط الهواء خارج الجدران، وتفريغ الهواء داخل الصفيحة. ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى حينما يعذب قوماً أو ينزل بهم عقاباً، فهو يرسل عليهم ريحاً. ويقول جل وعلا: {أية : وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6-7] وكذلك نجده سبحانه وتعالى يقول: {أية : هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} تفسير : [الأحقاف: 24-25] وأيضاً يقول الحق سبحانه عن الريح التي تغرق بأمواجها العالية: {أية : إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ}تفسير : [يونس: 22] إذن فكلمة ريح تعبر عن القوة المدمرة للهواء؛ لأن الريح إذا اتحدت قوتها واتجاهها أصبحت مدمرة. ولكن إن قابلتها ريح ثانية فالتوازن يحدث بين القوتين. ولذلك حين يستخدم الحق كلمة الريح لا يتكلم عنها إلا للتخريب والتدمير. أما إن تكلم عنها للخير فسبحانه يأتي بكلمة "رياح"؛ لأن تعدد اتجاهات الرياح هو الذي يوجد التوازن في الحياة. فإذا أراد الله أن يهلك بالريح جاء بها من جهة واحدة فتصير قوة الريح من ناحية لا تعادلها قوة أخرى للريح من الجهة المقابلة لتتعادل القوتان. {أية : وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}تفسير : [الفرقان: 48]. ويقول سبحانه وتعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} تفسير : [الحجر: 22]. أي أن الرياح تنقل اللقاح بين النبات، فيتم التلقيح وتنبت الثمار ويأتي الخير. ولكن هناك آية واحدة جاءت فيها كلمة "ريح" وكانت تحمل الخير في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا} تفسير : [يونس: 22]. وسبحانه وتعالى عندما استخدم كلمة {ريح} في هذه الآية وصفها بأنها {طَيِّبَةٍ}. وهنا في الآية سبحانه وتعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]. و"ريحكم" أي قوتكم؛ لأن الريح هنا معناها القوة التي تدمر عدوكم. ونعلم أن السفن في الماضي كانت تُبحر بقوة الريح. وعندما تقَّدم العلم وجاء البخار والكهرباء أُلِغي شراع المراكب واستخدم بدلاً منه ماكينات تدفع حركة السفينة. وتطلق كلمة {الريح} على الرائحة، فيقال: (ريح عطرة)، وهذه الرائحة تبقى في المكان حتى بعد أن يغادره من استخدم هذه الرائحة، ولكل إنسان من رائحة خاصة، تماماً كما أنّ لكل إنسان بصمة خاصة، ولكننا لا نستطيع أن نميزها، ولكن الكلاب المدربة تميز الرائحة الخاصة بالإنسان، فيأتي الكلب ويشم رائحة الإنسان ويتتبعه إلى المكان الذي ذهب إليه. أو يستطيع أن يخرجه من بين عشرات الأشخاص. ولا تختلط رائحة أحد بأحد رغم وجودهم في مكان واحد، وإلا لما استطاع الكلب المدرب لأن يميز رائحة شخص معين ضمن عشرات الأشخاص الموجودين. وقول الحق سبحانه وتعالى: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} يعني بأن تنتهوا ولا يكون لكم أثر؛ لأنه ما دام لكم أثر في الأرض فلكم ريح تميزكم. وتلك التي - كما قلنا - أن الكلاب المدربة تميزها، ولكن الإنسان إذا مات ودفن فلا رائحة له. ويدلنا القرآن الكريم على ذلك حين يتكلم عن قصة يوسف عليه السلام حين ألقاه إخوته في الجب. وعثرت عليه قافلة، ثم اشتراه ملك مصر، ثم دخل السجن وخرج وأصبح هو عزيز مصر. وجاءه إخوته وأعطاهم يوسف عليه السلام قميصه ليلقوه على وجه أبيه يعقوب؛ ليرتد بصيراً، بعد أن أذهب الحزن بصره، يقول الحق عن خروج العير من مصر إلى الشام حيث كان يعيش سيدنا يعقوب: {أية : وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} تفسير : [يوسف: 94]. أي أن القافلة حين خرجت من بين المباني التي يمكن أن تكتم الريح بقوة كتلتها؛ لأن المباني لها إشعاعات قد تكتم الريح وتحجبه، وبعد أن صارت القافلة في الخلاء عرف يعقوب عليه السلام ريح ابنه يوسف من القميص الذي يحملونه: {قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} ثم يذيل الحق سبحانه وتعالى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]. وهذه تتمة الصورة التي يريدنا الله أن نلتفت إليها، فقد أمرهم الله أن يثبتوا في القتال، والقتال يحتاج إلى قوة وإلى عدم تنازع وإلى صبر على الشدائد؛ خصوصاً إذا كان عدوك صابراً شديد البأس. إذن ففي المعركة يريد الله عز وجل من المؤمنين الثبات في القتال وعدم الفرار، وذكر الله كثيراً، وعدم التنازع حتى لا تضيع قوة المؤمنين، ويوصيهم سبحانه بالصبر؛ لأن عدوهم قد يكون عنده صبر وجلد، فلا بد أن يمتلك المؤمن رصيداً من الجلد والصبر؛ يُمَكّنه من هزيمة عدوه، وصفة الصبر تدل على المنافسة. وهي مأخوذة عندما كانوا يغطسون في الماء، فالذي يبقى تحت الماء أكثر من الآخر يكون نفسه أطول. ولذلك فسيدنا عباس وسيدنا عمر - رضي الله عنهما - دخلا في منافسة في الغطس. وقال له: نافسني، أي لنرى من الذي سيمكث تحت الماء أكثر - ويكون {صابراً} أي يتحمل أكثر في المواقف الصعبة ويصبر صبراً فوق صبر الخصوم. وقوله الحق عز وجل هنا: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]. يثبت به سبحانه وتعالى أن كل مؤمن عليه أن يشعر أن الله تبارك وتعالى هو الذي انتدبه ليقوم بهذه المهمة القتالية وهو معه، فلا تخور نفسه؛ لأن الضعيف إذا ما تحصن بالقوي؛ أعطاه الجرأة والقدرة على الاحتمال، تماماً كالولد الصغير، إذا مشى في الشارع وحده قد يعتدي عليه الأولاد الآخرون، ولكن إذا كان يسير مع أبيه لا يقترب منه أحد، فما بالك بالإنسان الذي هو مع ربه؛ لذلك يوصي الحق كل مقاتل أن يتذكر أنه في معية ربه وأن أي حدث ضار في الكون لا يستطيع أن يناله مهما كان ضعيفاً لأن قوة الله معه. ولذلك يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: "حديث : يابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده.. أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده. يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه.. أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. يابن آدم استسقيتك فلم تسقني؟ قال يا رب وكيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي " تفسير : فإذا مرض إنسان فقد سُلبت منه العافية فلا يستطيع أن يسير ولا أن يتحرك، بل يرقد في فراشه ليتألم، ويوضح لنا الحق سبحانه وتعالى: أنا إن سلبت منه العافية، وهي نعمة فأنا عنده. ولذلك إياك أن تفزع إذا تركتك النعمة ما دام المنعم معك. والمريض المؤمن يستشعر أن الله معه. وحين يكون المسلم في معيّة الله فإن مقاييس المادة والبشريات لا تجيء أبداً، والمثال هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار، وقد جاء الكفار عند باب الغار فرآهم أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا. هذا كلام منطقي مع النظرة المادية، فلو انحنى أحد هؤلاء الكفار ونظر من باب الغار لرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطمئن أبا بكر وينفي عنه ما جاء في باله من خوف أن يراهما الكفار. كان المفروض أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا اطمئن، إنهم لن ينظروا داخل الغار، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما وفي ذلك قال الإمام أحمد عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: حديث : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه قال، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما . تفسير : وما دام الله ثالثهما تكون المعيّة موجودة، وإذا كنت في معيّة من لا تدركه الأبصار، أتدركك الأبصار؟. طبعاً لا تدركك أبصار الأعداء والخصوم. اللهم اجعلنا في معيّتك دائماً. ثم يكمل الحق سبحانه وتعالى ما يريد ألا يكون عليه المؤمنون في ساعات الشدة فيقول تبارك وتعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} معناهُ تَنقَطِعُ دَوْلَتُكُمْ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ} [الأنفال: 46] ببذل الوجود في هويته. {وَرَسُولَهُ} [الأنفال: 46] فيما يقربكم إلى الله بأعماله وأحواله، فإن طاعته طاعة الله على الحقيقة على الحقيقة وطاعة رسوله فيما يتيسر للعبد خلاصه عن صفات الوجود بآثار الوجود، {وَلاَ تَنَازَعُواْ} [الأنفال: 46] مع الإخوان في الله والأقران، فإنه يثبت الأنانية ويحجب عن الهوية ويزل الإقدام في طلب المرام، {فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] عند الأعداء فتستولي النفس والشيطان، {وَٱصْبِرُوۤاْ} [الأنفال: 46] عند تنازع الأقران والأخوان على الدين والتواضع وخفض الجناح وترك الرعونة وإخفاء السر، {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] الذين لا تنازع فيهم لحفظهم عن الرجوع إلى البشرية بالنصرة الربوبية. {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم} [الأنفال: 47] أي: ديار أوصافهم، {بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ} [الأنفال: 47] يعني: إذا كان الله معكم عند صبركم معيناً لكم على الاستقامة، فلا تكونوا كالذين خرجوا من الدنيا وزينتها وتركوا أوطانهم وتزييوا بزي القوم تصنعاً وشرفاً في الإرادة، وما خرجوا عن أطوارهم ودواعي نفوسهم وداروا البلاد وزاروا العباد، وتفرحوا ليتباهوا بذلك على الإخوان ويتنافسوا مع الأقران، {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الأنفال: 47] الطالبين الصادقين بأقوالهم وأعمالهم وأحوالهم، {وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47] أي: بما يعملون مهلكهم يعني: إنما يهلكون بما يعملون. ثم أخبر عن أحوال أهل التنازع، فقال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ} [الأنفال: 48] حين ظفر بهم عند التنازع، {أَعْمَالَهُمْ} [الأنفال: 48] التي بها تنازعوا واختلفوا وتفاخروا. {وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ} [الأنفال: 48] أي: النفس والهوى والدنيا والشيطان فغرهم بذلك، قال: {وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} [الأنفال: 48] أي: مجيركم من آفة الرياء والعجب، وذلك أن الشيطان إذا ظفر بالسالك يغره بالقوة والكمال والبلوغ إلى مرتبة الرجال أنه لا يضره التصرف في الدنيا وارتكاب بعض المنهيات؛ بل يضعه في نفي الرياء إذ هو طريق أصل الملامة وبه ليسلك سبيل السلام. {فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ} [الأنفال: 48] فئة الأرواح والقلوب، وفئة النفوس وصفاتها وهواها والدنيا وشهواتها، وأمد الله تعالى فئة القلوب والأرواح بالأوصاف الملكية والواردات الربانية، وانهزمت النفوس وعساكرها، وزهقت أباطليهم بمجيء الحق، {نَكَصَ} [الأنفال: 48] الشيطان. {عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} [الأنفال: 48] فيه إشارة إلى أن الشيطان عند استيلاء النفس وغلبات أوصافها وهواها يزين الدنيا وشهواتها وزخارفها للنفوس، ويعينها على طلبها واستيفاء لذاتها؛ ليضلها عن سبيل الله، فلمَّا استولت القلوب والأرواح على النفوس، وانقادت النفوس لحزب الله انكسرت أوصافها وهواها، واطمأنت بذكر الله وطاعته يكون الشيطان مخالفاً لها بعد أن كان موافقاً ومحباً ومعاوناً لها، فيفر منها ويتبرأ منها، كما قال تعالى: {وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ} [الأنفال: 48] فلا يبقى له مدخل يدخل بها في النفوس ويوسوسها؛ لأنه يرى بنظر الروحاني على النفوس من القلوب أنوار الرباني ولو وقع على الشيطان منها تلألؤ يحرقه في الحال ولهذا قال: {إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 48] وقد صدق الكذوب أنه يخاف من شدة عقاب الله تعالى، فإن عقابه وومضان بروق صفة قهره لو وقع عليه لتلاشى، ولذلك كان من يفر من ظل عمر و"ما سلك عمر رضي الله عنه فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً آخر"؛ لئلا يقع عليه عكس نور ولاية عمر رضي الله عنه فيحرقه، وقد علم الشيطان أنه من العذبين المعاقبين، وإنما خوفه من الله من شدة عقابه؛ لأنه يعلم أن لا نهاية لشدة عقابه والله قادر على أن يعاقبه بعقوبة أشد من الأخرى، وفيه إشارة أخرى إلى أن خوفه من الله تعالى يدل على أنه غير منقطع الرجاء، والله أعلم.
همام الصنعاني
تفسير : 1020- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}: [الآية: 46]، قال: ريح الحرب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):