٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع نعمه على الرسول وعلى المؤمنين يوم بدر علمهم إذا التقوا بالفئة وهي الجماعة من المحاربين نوعين من الأدب: الأول: الثبات وهو أن يوطنوا أنفسهم على اللقاء ولا يحدثوها بالتولي. والثاني: أن يذكروا الله كثيراً، وفي تفسير هذا الذكر قولان: القول الأول: أن يكونوا بقلوبهم ذاكرين الله وبألسنتهم ذاكرين الله. قال ابن عباس: أمر الله أولياءه بذكره في أشد أحوالهم، تنبيهاً على أن الإنسان لا يجوز أن يخلى قلبه ولسانه عن ذكر الله، ولو أن رجلاً أقبل من المغرب إلى المشرق ينفق الأموال سخاء، والآخر من المشرق إلى المغرب يضرب بسيفه في سبيل الله، كان الذاكر لله أعظم أجراً. والقول الثاني: أن المراد من هذا الذكر الدعاء بالنصر والظفر، لأن ذلك لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى. ثم قال: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } وذلك لأن مقاتلة الكافر إن كانت لأجل طاعة الله تعالى كان ذلك جارياً مجرى بذل الروح في طلب مرضاة الله تعالى، وهذا هو أعظم مقامات العبودية، فإن غلب الخصم فاز بالثواب والغنيمة، وإن صار مغلوباً فاز بالشهادة والدرجات العالية، أما إن كانت المقاتلة لا لله بل لأجل الثناء في الدنيا وطلب المال لم يكن ذلك وسيلة إلى الفلاح والنجاح. فإن قيل: فهذه الآية توجب الثبات على كل حال، وهذا يوهم أنها ناسخة لآية التحرف والتحيز. قلنا: هذه الآية توجب الثبات في الجملة، والمراد من الثبات الجد في المحاربة. وآية التحرف والتحيز لا تقدح في حصول الثبات في المحاربة بل كان الثبات في هذا المقصود، لا يحصل إلا بذلك التحرف والتحيز. ثم قال تعالى مؤكداً لذلك: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في سائر ما يأمر به، لأن الجهاد لا ينفع إلا مع التمسك بسائر الطاعات. ثم قال: {وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: بين تعالى أن النزاع يوجب أمرين: أحدهما: أنه يوجب حصول الفشل والضعف. والثاني: قوله: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } وفيه قولان: الأول: المراد بالريح الدولة، شبهت الدولة وقت نفاذها وتمشية أمرها بالريح وهبوبها. يقال: هبت رياح فلان، إذا دانت له الدولة ونفد أمره. الثاني: أنه لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله، وفي الحديث «حديث : نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» تفسير : والقول الأول أقوى، لأنه تعالى جعل تنازعهم مؤثراً في ذهاب الريح، ومعلوم أن اختلافهم لا يؤثر في هبوب الصبا. قال مجاهد: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } أي نصرتكم، وذهبت ريح أصحاب محمد حين تنازعوا يوم أحد. المسألة الثانية: احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: القول بالقياس يفضي إلى المنازعة، والمنازعة محرمة، فهذه الآية توجب أن يكون العمل بالقياس حراماً، بيان الملازمة المشاهدة، فإنا نرى أن الدنيا صارت مملوءة من الاختلافات بسبب القياسات، وبيان أن المنازعة محرمة. قوله: {وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ } وأيضاً القائلون بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس تمسكوا بهذه الآية. وقالوا: قوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } صريح في وجوب طاعة الله ورسوله في كل ما نص عليه، ثم أتبعه بأن قال: {وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ } ومعلوم أن من تمسك بالقياس المخصص بالنص فقد ترك طاعة الله وطاعة رسوله. وتمسك بالقياس الذي يوجب التنازع والفشل، وكل ذلك حرام، ومثبتو القياس أجابوا عن الأول؛ بأنه ليس كل قياس يوجب المنازعة. ثم قال تعالى: {وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } والمقصود أن كمال أمر الجهاد مبني على الصبر، فأمرهم بالصبر. كما قال في آية أخرى: {أية : ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ } تفسير : [آل عمران: 200] وبين أنه تعالى مع الصابرين، ولا شبهة أن المراد بهذه المعية النصرة والمعونة. ثم قال: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَراً وَرِئَاء ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال المفسرون: المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير، فلما وردوا الجحفة بعث الحقاف الكناني كان صديقاً لأبي جهل إليه بهدايا مع ابن له، فلما أتاه قال: إن أبي ينعمك صباحاً ويقول لك إن شئت أن أمدك بالرجال أمددتك، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معي من قرابتي فعلت، فقال أبو جهل: قل لأبيك جزاك الله والرحم خيراً، إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله من طاقة، وإن كنا نقاتل الناس، فوالله إن بنا على الناس لقوة، والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدراً فنشرب فيها الخمور وتعزف علينا فيها القيان، فإن بدراً موسم من مواسم العرب، وسوق من أسواقهم حتى تسمع العرب بهذه الواقعة. قال المفسرون: فوردوا بدراً وشربوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان. واعلم أنه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء: الأول: البطر قال الزجاج: البطر الطغيان في النعمة. والتحقيق أن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها إلى مرضاته وعرف أنها من الله تعالى فذاك هو الشكر. وأما إن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أهل الزمان فذاك هو البطر. والثاني: قوله: {وَرِئَاء ٱلنَّاسِ } والرئاء عبارة عن القصد إلى إظهار الجميل مع أن باطنه يكون قبيحاً، والفرق بينه وبين النفاق أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرئاء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية. روي أنه صلى الله عليه وسلم لما رآهم في موقف بدر قال: «حديث : اللهم أن قريشاً أقبلت بفخرها وخيلائها لمعارضة دينك ومحاربة رسولك» تفسير : والثالث: قوله: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } فعل مضارع وعطف الفعل على الاسم غير حسن. وذكر الواحدي فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون قوله: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } بمنزلة صادين. والثاني: أن يكون قوله: {بَطَراً وَرِئَاء } بمنزلة يبطرون ويراؤن، وأقول: إن شيئاً من هذه الوجوه لا يشفي الغليل، لأنه تارة يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل، ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر، وعن الثالث بالفعل. وأقول: إن الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ذكر أن الاسم يدل على التمكين والاستمرار والفعل على التجدد والحدوث، قال ومثاله في الاسم قوله تعالى: {أية : وَكَلْبُهُمْ بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ }تفسير : [الكهف: 18] وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة، ومثال الفعل قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلاْرْضِ }تفسير : [يونس: 31] وذلك يدل على أنه تعالى يوصل الرزق إليهم ساعة فساعة، هذا ما ذكره الشيخ عبد القاهر. إذا عرفت هذا فنقول: إن أبا جهل ورهطه وشيعته كانوا مجبولين على البطر والمفاخرة والعجب، وأما صدهم عن سبيل الله فإنما حصل في الزمان الذي ادعى محمد عليه الصلاة والسلام النبوة. ولهذا السبب ذكر البطر والرئاء بصيغة الاسم، وذكر الصد عن سبيل الله بصيغة الفعل والله أعلم. وحاصل الكلام: أنه تعالى أمرهم عند لقاء العدو بالثبات والاشتغال بذكر الله، ومنعهم من أن يكون الحامل لهم على ذلك الثبات؛ البطر والرئاء، بل أوجب عليهم أن يكون الحامل لهم عليه طلب عبودية الله. واعلم أن حاصل القرآن من أوله إلى آخره دعوة الخلق من الاشتغال بالخلق، وأمرهم بالعناء في طريق عبودية الحق، والمعصية مع الانكسار أقرب إلى الإخلاص من الطاعة مع الافتخار، ثم ختم هذه الآية بقوله: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } والمقصود أن الإنسان ربما أظهر من نفسه أن الحامل له والداعي إلى الفعل المخصوص طلب مرضاة الله تعالى مع أنه لا يكون الأمر كذلك في الحقيقة، فبين تعالى كونه عالماً بما في دواخل القلوب، وذلك كالتهديد والزجر عن الرئاء والتصنع.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} أي جماعة {فَٱثْبُتُواْ} أمر بالثبات عند قتال الكفار، كما في الآية قبلها النّهيُ عن الفرار عنهم، فالتقى الأمر والنهي على سواء. وهذا تأكيد على الوقوف للعدوّ والتجلُّد له. قوله تعالىٰ: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ } للعلماء في هذا الذكر ثلاثة أقوال: الأول ـ ٱذكروا الله عند جزع قلوبكم؛ فإن ذكره يُعين على الثبات في الشدائد. الثاني ـ اثبتوا بقلوبكم، واذكروه بألسنتكم؛ فإن القلب لا يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان؛ فأمر بالذكر حتى يثبت القلب على اليقين، ويثبت اللسان على الذكر، ويقول ما قاله أصحاب طالوت: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}. وهذه الحالة لا تكون إلا عن قوة المعرفة، واتقاد البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة في الناس. الثالث ـ ٱذكروا ما عندكم من وعد الله لكم في ٱبتياعه أنفسكم ومُثامنته لكم. قلت: والأظهر أنه ذكرُ اللسان الموافقُ للجَنان. قال محمد بن كعب القُرَظِيّ: لو رُخصّ لأحد في ترك الذكر لرُخّص لزكريا؛ يقول الله عز وجل: {أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً}. ولَرُخّص للرجل يكون في الحرب؛ يقول الله عز وجل: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً}. وقال قتادة: افترض الله جل وعز ذكره على عباده، أشغلَ ما يكونون عند الضّراب بالسيوف. وحكم هذا الذكر أن يكون خفياً؛ لأن رفع الصوت في مواطن القتال رديء مكروه إذا كان الذاكر واحداً. فأما إذا كان من الجميع عند الحملة فحسن؛ لأنه يَفُتّ في أعضاد العدوّ. وروى أبو داود عن قيس بن عُباد قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال. وروىٰ أبو بُرْدة عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. قال ابن عباس: يكره التلثمّ عند القتال. قال ابن عطية: وبهذا والله أعلم استنّ المرابطون بطَرْحه عند القتال على صيانتهم به.
البيضاوي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} حاربتم جماعة ولم يصفها لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار، واللقاء مما غلب في القتال. {فَٱثْبُتُواْ} للقائهم. {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} في مواطن الحرب داعين له مستظهرين بذكره مترقبين لنصره. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة، وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر الله، وأن يلتجىء إليه عند الشدائد ويقبل عليه بشراشره فارغ البال واثقاً بأن لطفه لا ينفك عنه في شيء من الأحوال.
ابن كثير
تفسير : هذا تعليم من الله تعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ} ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، حتى إذا مالت الشمس، قام فيهم، فقال: «حديث : يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» تفسير : ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» تفسير : وقال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، واذكروا الله، فإن أجلبوا وصخبوا وصاحوا، فعليكم بالصمت»تفسير : ، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا معتمر بن سليمان، حدثنا ثابت بن زيد عن رجل عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً، قال: «حديث : إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة» تفسير : وفي الحديث الآخر المرفوع: «حديث : يقول الله تعالى: إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه» تفسير : أي: لا يشغله ذلك الحال عن ذكري ودعائي واستعانتي. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في هذه الآية، قال: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون؛ عند الضرب بالسيوف، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء، قال: وجب الإنصات وذكر الله عند الزحف، ثم تلا هذه الآية، قلت: يجهرون بالذكر؟ قال: نعم، وقال أيضاً: قرأ علي يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش عن يزيد بن فوذر عن كعب الأحبار، قال: ما من شيء أحب إلى الله تعالى من قراءة القرآن والذكر، ولولا ذلك، ما أمر الناس بالصلاة والقتال، ألا ترون أنه أمر الناس بالذكر عند القتال، فقال: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} قال الشاعر:شعر : ذكرتُكَ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا وَقَدْ نَهَلَتْ فينا المُثَقَّفَةُ السُّمْرُ تفسير : وقال عنترة:شعر : ولَقَدْ ذَكَرْتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ مِنِّي وبِيْضُ الهِنْدِ تَقْطُرُ مِنْ دَمِي تفسير : فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء، والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا، ولا ينكلوا، ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال، ولا ينسوه، بل يستعينوا به، ويتوكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك، فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضاً، فيختلفوا، فيكون سبباً لتخاذلهم وفشلهم، {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي: قوتكم وحدتكم، وما كنتم فيه من الإقبال، {وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} وقد كان للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة، والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به، وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقاً وغرباً في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم؛ من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش، وأصناف السودان والقبط، وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلأُمُورُ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً } جماعة كافرة {فَٱثْبُتُواْ } لقتالهم ولا تنهزموا {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً } ادعوه بالنصر {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفوزون.
الشوكاني
.تفسير : قوله: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً } اللقاء. الحرب، والفئة: الجماعة، أي إذا حاربتم جماعة من المشركين {فَٱثْبُتُواْ } لهم ولا تجبنوا عنهم، وهذا لا ينافي الرخصة المتقدّمة في قوله: {إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ } [الأنفال: 16] فإن الأمر بالثبات هو في حال السعة، والرخصة هي في حال الضرورة. وقد لا يحصل الثبات إلا بالتحرّف والتحيز {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } أي: اذكروا الله عند جزع قلوبكم، فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد؛ وقيل المعنى: اثبتوا بقلوبكم واذكروا بألسنتكم فإن القلب قد يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمرهم بالذكر حتى يجتمع ثبات القلب واللسان. قيل وينبغي أن يكون الذكر في هذه الحالة بما قاله أصحاب طالوت: {أية : رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [البقرة: 250]. وفي الآية دليل على مشروعية الذكر في جميع الأحوال، حتى في هذه الحالة التي ترجف فيها القلوب، وتزيغ عندها البصائر، ثم أمرهم بطاعة الله فيما يأمرهم به وطاعة رسوله فيما يرشدهم إليه، ونهاهم عن التنازع وهو الاختلاف في الرأي، فإن ذلك يتسبب عنه الفشل، وهو الجبن في الحرب. والفاء جواب النهي، والفعل منصوب بإضمار أن، ويجوز أن يكون الفعل معطوفاً على {تنازعوا} مجزوماً بجازمه. قوله: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } قرىء بنصب الفعل، وجزمه عطفاً على تفشلوا على الوجهين، والريح: القوّة والنصر، كما يقال الريح لفلان إذا كان غالباً في الأمر. وقيل الريح الدولة، شبهت في نفوذ أمرها بالريح في هبوبها، ومنه قول الشاعر:شعر : إذ هبت رياحك فاغتنمها فعقبى كل خافقة سكون تفسير : وقيل المراد بالريح: ريح الصبا، لأن بها كان ينصر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمرهم بالصبر على شدائد الحرب، وأخبرهم بأنه مع الصابرين في كل أمر ينبغي الصبر فيه، ويا حبذا هذه المعية التي لا يغلب من رزقها غالب، ولا يؤتى صاحبها من جهة من الجهات، وإن كانت كثيرة، ثم نهاهم عن أن تكون حالتهم كحالة هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس، وهم قريش. فإنهم خرجوا يوم بدر ليحفظوا العير التي مع أبي سفيان، ومعهم القيان والمعازف، فلما بلغوا الجحفة بلغهم أن العير قد نجت وسلمت، فلم يرجعوا بل قالوا لا بدّ لهم من الوصول إلى بدر ليشربوا الخمر، وتغني لهم القيان، وتسمع العرب بمخرجهم، فكان ذلك منهم بطراً وأشراً وطلباً للثناء من الناس، وللتمدح إليهم، والفخر عندهم، وهو الرياء؛ وقيل والبطر في اللغة: التقوّي بنعم الله على معاصيه، وهو مصدر في موضع الحال، أي خرجوا بطرين مرائين. وقيل هو مفعول له وكذا رياء، أي خرجوا للبطر والرياء. وقوله: {وَيَصُدُّونَ } معطوف على بطراً، والمعنى كما تقدّم، أي خرجوا بطرين مرائين صادّين عن سبيل الله، أو للصدّ عن سبيل الله. والصدّ: إضلال الناس والحيلولة بينهم وبين طرق الهداية. ويجوز أن يكون و{يصدّون} معطوفاً على يخرجون، والمعنى: يجمعون بين الخروج على تلك الصفة والصدّ {وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } لا تخفى عليه من أعمالهم خافية، فهو: مجازيهم عليها. قوله: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ } الظرف متعلق بمحذوف، أي واذكر يا محمد وقت تزيين الشيطان لهم أعمالهم، والتزيين: التحسين، وقد روي أن الشيطان تمثل لهم وقال لهم تلك المقالة، وهي: {لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ } أي: مجير لكم من كل عدوّ أو من بني كنانة، ومعنى الجار هنا: الدافع عن صاحبه أنواع الضرر، كما يدفع الجار عن الجار، وكان في صورة سراقة بن مالك بن جشعم، وهو من بني بكر بن كنانة، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم. وقيل المعنى: إنه ألقى في روعهم هذه المقالة، وخيل إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون {فَلَمَّا تَرَاءتِ ٱلْفِئَتَانِ } أي: فئة المسلمين والمشركين {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } أي: رجع القهقري، ومنه قول الشاعر:شعر : ليس النكوص على الأعقاب مكرمة إن المكارم إقدام على الأمل تفسير : وقول الآخر:شعر : وما نفع المستأخرين نكوصهم ولا ضرّ أهل السابقات التقدّم تفسير : وقيل معنى نكص هاهنا: بطل كيده وذهب ما خيله {وَقَالَ إِنّي بَرِىء مّنْكُمْ } أي: تبرأ منهم لما رأى أمارات النصر مع المسلمين بإمداد الله لهم بالملائكة، ثم علل ذلك بقوله: {إِنّى أَرَىٰ مَالاً تَرَوْنَ } يعني: الملائكة، ثم علل بعلة أخرى فقال: {إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ } قيل: خاف أن يصاب بمكروه من الملائكة الذين حضروا الوقعة؛ وقيل إن دعوى الخوف كذب منه، ولكنه رأى أنه لا قوّة له ولا للمشركين فاعتلّ بذلك، وجملة {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } يحتمل أن تكون من تمام كلام إبليس، ويحتمل أن تكون كلاماً مستأنفاً من جهة الله سبحانه. قوله: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } الظرف معمول لفعل محذوف هو اذكر، ويجوز أن يتعلق بنكص أو بزين أو بشديد العقاب. قيل: المنافقون هم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } هم الشاكون من غير نفاق، بل لكونهم حديثي عهد بالإسلام، فوافقوا المنافقين في قولهم بهذه المقالة، أعني: {غَرَّ هَـؤُلاء } أي: المسلمين {دِينَهُمُ } حتى تكلفوا ما لا طاقة لهم به من قتال قريش. وقيل: الذين في قلوبهم مرض هم المشركون، ولا يبعد أن يراد بهم اليهود الساكنون في المدينة وما حولها، وأنهم هم والمنافقون من أهل المدينة، قالوا هذه المقالة عند خروج المسلمين إلى بدر لما رأوهم في قلة من العدد وضعف من العدد، فأجاب الله عليهم بقوله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } لا يغلبه غالب، ولا يذلّ من توكل عليه {حَكِيمٌ } له الحكمة البالغة التي تقصر عندها العقول. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } قال: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكونون: عند الضراب بالسيوف. وأخرج الحاكم وصححه، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثنتان لا يردّان: الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً» تفسير : وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الصوت عند القتال. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } يقول: لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } قال: نصركم. وقد ذهب ريح أصحاب محمد حين نازعوه يوم أحد. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم } الآية، يعني المشركين الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي قال: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن مجاهد، في الآية قال: أبو جهل وأصحابه يوم بدر. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال: كان مشركو قريش الذين قاتلوا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر خرجوا ولهم بغي وفخر، وقد قيل لهم يومئذ ارجعوا فقد انطلقت عيركم وقد ظفرتم، فقالوا: لا والله حتى يتحدّث أهل الحجاز بمسيرنا وعددنا، وذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ «حديث : اللهم إن قريشاً قد أقبلت بفخرها وخيلائها لتجادل رسولك» وتفسير : وذكر لنا أنه صلى الله عليه وسلم قال يومئذ «حديث : جاءت من مكة أفلاذها».تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس، قال: جاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان: {لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ } وأقبل جبريل على إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده وولى مدبراً وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة إنك جار لنا فقال: {إِنّي أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ } وذلك حين رأى الملائكة {إِنّي أَخَافُ ٱللَّهَ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } قال: ولما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلل المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: وما هؤلاء؟ غرّ هؤلاء دينهم، وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، وظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }. وأخرج الطبراني، وأبو نعيم، عن رفاعة بن رافع الأنصاري، قال: لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه فتشبث به الحارث بن هشام، وهو يظنّ أنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث، فألقاه ثم خرج هارباً حتى ألقى نفسه في البحر، ورفع يديه فقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي. وأخرج الواقدي وابن مردويه، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {إِنّي أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ } قال: ذكر لنا أنه رأى جبريل تنزل معه الملائكة، فعلم عدوّ الله أنه لا يدان له بالملائكة، وقال: {إِنّى أَخَافُ ٱللَّهَ } وكذب عدوّ الله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوّة له به ولا منعة له. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن معمر قال: ذكروا أنهم أقبلوا على سراقة بن مالك بعد ذلك، فأنكر أن يكون قال شيئاً من ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } قال: وهم يومئذ في المسلمين. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن، في قوله: {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن الكلبي في قوله: {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } قال: هم قوم كانوا أقرّوا بالإسلام، وهم بمكة ثم خرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا المسلمين قالوا: {غَرَّ هَـؤُلاء دِينُهُمْ }. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن الشعبي نحوه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {... وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ} والفشل هو التقاعد عن القتال جبناً. {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يريد بالريح القوة، وضرب الريح لها مثلاً. والثاني: يريد بالريح الدولة. ومعناه فتذهب دولتكم، قاله أبو عبيدة. والثالث: يريد ريح النصر التي يرسلها الله عز وجل لنصر أوليائه وهلاك أعدائه قاله قتادة وابن زيد. ويحتمل رابعاً، أن الريح الهيبة، وريح القوم هيبتهم التي تتقدمهم كتقدم الريح. ويكون معنى الكلام.فتذهب ريحكم وهيبتكم.
ابن عطية
تفسير : هذا أمر بما فيه داعية النصر وسبب العز، وهي وصية من الله متوجهة بحسب التقييد التي في آية الضعف، ويجري مع معنى الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهكذا ينبغي أن يكون المسلم في ولاية الإمارة والقضاء لا يطلب ولا يتمنى، فإن ابتلي صبر على إقامة الحق، و "الفئة" الجماعة أصلها فئوة وهي من فأوت أي جمعت، ثم أمر الله تعالى بإكثار ذكره هنالك إذ هو عصمة المستنجد ووزر المستعين، قال قتادة: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف. قال القاضي أبو محمد: وهذا ذكر خفي لأن رفع الأصوات في موطن القتال رديء مكروه إذا كان إلغاطاً، فأما إن كان من الجمع عند الحملة فحسن فاتٌّ في عضد العدو، وقال قيس بن عباد: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند ثلاث: عند قراءة القرآن وعند الجنازة والقتال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : اطلبوا إجابة الدعاء عند القتال وإقامة الصلاة ونزول الغيث، تفسير : وقال ابن عباس يكره التلثم عند القتال. قال القاضي أبو محمد: ولهذا والله أعلم يتسنن المرابطون بطرحه عند القتال على ضنانتهم به و {تفلحون} تنالون بغيتكم وتبلغون آمالكم، وهذا مثل قول لبيد: [الرجز] شعر : أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضْـ ضعف وقد يخدع الأريب تفسير : وقوله {وأطيعوا الله ورسوله} الآية استمرار على الوصية لهم والأخذ على أيديهم في اختلافهم في أمر بدر وتنازعهم، و {تفشلوا} نصب بالفاء في جواب النهي، قال أبو حاتم في كتاب عن إبراهيم "فتفشِلوا" بكسر الشين وهذا غير معروف وقرأ جمهور الناس "وتذهبَ" بالتاء من فوق ونصب الباء، وقرأ هبيرة عن حفص عن عاصم "وتذهبْ ريحكم" بالتاء وجزم الباء، وقرأ عيسى بن عمر "ويذهبْ" بالياء من تحت وبجزم يذهب، وقرأ أبو حيوة "ويذهبَ" بالياء من تحت ونصب الباء، ورواها أبان وعصمة عن عاصم، والجمهور على أن الريح هنا مستعارة والمراد بها النصر والقوة كما تقول: الريح لفلان إذا كان غالباً في أمر، ومن هذا المعنى قول الشاعر وهو عبيد بن الأبرص: [البسيط] شعر : كما حميناك يوم العنف من شطبٍ والفضل للقوم من ريح ومن عدد تفسير : وقال مجاهد: "الريح" النصر والقوة، وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أحد، وقال زيد بن علي {وتذهب ريحكم} معناه الرعب من قلوب عدوكم. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن بشرط أن يعلم العدو بالتنازع، وإذا لم يعلم فالذاهب قوة المتنازعين فيهزمون، وقال شاعر الأنصار: [البسيط] شعر : قد عوَّدَتْهمْ ظباهم أن تكونَ لهمْ ريحُ القتالِ وأسلابُ الذين لقوا تفسير : ومن استعارة الريح قول الآخر: [الوافر] شعر : إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل عاصفة سكون تفسير : وهذا كثير مستعمل, وقال ابن زيد وغيره: الريح على بابها، وروي أن النصر لم يكن قط إلا بريح تهب فتضرب في وجوه الكفار، واستند بعضهم في هذه المقالة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نصرت بالصبا" تفسير : . وقال الحكم {وتذهب ريحكم} يعني الصبا إذ بها نصر محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما كان في غزوة الخندق خاصة، وقوله {واصبروا} إلى آخر الآية، تتميم في الوصية وعدة مؤنسة، وقوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم} الآية، آية تتضمن الطعن على المشار إليهم وهم كفار قريش، وخرج ذلك على طريق النهي عن سلوك سبيلهم، والإشارة هي إلى كفار قريش بإجماع، و "البطر" الأشر وغمط النعمة والشغل بالمرح فيها عن شكرها، و "الرياء" المباهاة والتصنع بما يراه غيرك، وهو فعال من راءى يرائي سهلت همزته، وروي أن أبا سفيان لما أحس أنه قد تجاوز بعيره الخوف من النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه بعث إلى قريش فقال: "إن الله قد سلم عيركم التي خرجتم إلى نصرتها فارجعوا سالمين قد بلغتم مرادكم"، فأتى رأي الجماعة على ذلك، فقال أبو جهل: والله لا نفعل حتى نأتي بدراً، وكانت بدر سوقاً من أسواق العرب لها يوم موسم، فننحر عليها الإبل ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان ويسمع بنا العرب ويهابنا الناس. قال القاضي أبو محمد: فهذا معنى قوله تعالى: {ورئاء الناس} ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم إن قريشاً أقبلت بفخرها وخيلائها تحادّك وتكذب رسولك، اللهم فاحنها الغداة " تفسير : ، وقال محمد بن كعب القرظي: خرجت قريش بالقيان والدفوف، وقوله {ويصدون عن سبيل الله}، أي غيرهم. قال القاضي أبو محمد: لأنهم أحرى بذلك من أن يقتصر صدهم على أنفسهم، وقوله {والله بما يعملون محيط} آية تتضمن الوعيد والتهديد لمن بقي من الكفار ونفوذ القدر فيمن مضى بالقتل.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة} يعني جماعة كافرة {فاثبتوا} يعني لقتالهم وهو أن يوطنوا أنفسهم على لقاء العدو وقتاله ولا يحدثوها بالتوالي {واذكروا الله كثيراً} يعني كونوا ذاكرين الله عند لقاء عدوكم ذكراً كثيراً بقلوبكم وألسنتكم أمر الله عباده المؤمنين وأولياءه الصالحين بأن يذكروه في أشد الأحوال وذلك عند لقاء العدو وقتاله، وفيه تنبيه على أن الإنسان لا يجوز أن يخلو قلبه ولسانه عن ذكر الله. وقيل: المراد من هذا الذكر هو الدعاء بالنصر على العدو وذلك لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى فأمر الله سبحانه وتعالى عباده أن يسألوه النصر على العدو عند اللقاء ثم قال تعالى: {لعلكم تفلحون} يعني: وكونوا على رجاء الفلاح والنصر والظفرة. فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الثبات على كل حال وذلك يوهم أنها ناسخة لآية التحرف والتحيز. قلت المراد من الثبات هو الثبات عند المحاربة والمقاتلة في الجملة وآية التحرف والتحيز لا تقدح في حصول هذا الثبات في المحاربة بل ربما كان الثبات لا يحصل إلا بذلك التحرف والتحيز ثم قال تعالى مؤكداً لذلك {وأطيعوا الله ورسوله} يعني في أمر الجهاد والثبات عند لقاء العدو {ولا تنازعوا فتفشلوا} يعني: ولا تختلفوا فإن التنازع والاختلاف يوجب الفشل والضعف والجبن. وقوله تعالى: {وتذهب ريحكم} يعني قوتكم. وقال مجاهد: نصرتكم. قال: وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أحد. وقال السدي: جراءتكم وجدكم وقال مقاتل: حدتكم وقال الأخفش وأبو عبيدة: دولتكم. والريح هنا كناية في نفاذ الأمر وجريانه على المراد. تقول العرب: هبت ريح فلان إذا أقبل أمره على ما يريد وقال قتادة وابن زيد: هي ريح النصر ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله تعالى تضرب وجوه العدو، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور . تفسير : وعن النعمان بن مقرن قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر أخرجه أبو داود. وقوله سبحانه وتعالى: {واصبروا} يعني عند لقاء عدوكم ولا تنهزموا عنهم {إن الله مع الصابرين} يعني بالنصر والمعونة (ق). عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: حديث : أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وأسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوفتفسير : ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم" تفسير : (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا ".
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ...} الآية: هذا أَمْرٌ من اللَّه سبحانه بما فيه داعيةُ النَّصْر، وسبَبُ العزِّ، وهي وصيَّة منه سبحانه بِحَسَبِ التقْييد الذي في آية الضَّعْفِ، والفِئَةُ الجماعة، أصلها: «فِئَوَة»، وهي مِنْ: «فأَوْتُ»، أي: جمعتُ، ثم أمر سبحانه بإِكثار ذكْره هناك؛ إِذ هو عصمةُ المستنجد، وَوَزَرُ المستعين. قال قتادة: افترض اللَّه ذِكْرَهُ عند ٱشْغَلِ ما يكونُ؛ عنْدَ الضرِّاب والسُّيوف. قال * ع *: وهذا ذِكْرٌ خفيٌّ؛ لأن رَفْعَ الصَّوْت في موطن القتَال رديءٌ مكروهٌ؛ إِذا كان ألغاطاً، فأما إِن كان من الجميعِ عند الحَمْلة، فَحَسَنٌ فَاتٌّ في عَضُد العَدُوِّ؛ قال قيسُ بْنُ عُبَادٍ: كان أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم يكرهُونَ الصَّوْت عند ثلاثٍ؛ عند قراءة القُرآن، وعند الجنازة، وعنْدَ القتال، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱطْلُبُوا إِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ القِتَالِ، وإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، ونُزُولِ الغَيْثِ» تفسير : وكان ابن عباس يُكْرَه التلثُّم عنْدَ القتالِ. قال النَّوويُّ: وسُئِلَ الشيخُ أبو عَمْرِو بْنُ الصَّلاَحِ، عن القَدْرِ الذي يصيرُ به المرء من الذَّاكرين اللَّهَ كثيراً، فقال: إِذا واظب على الأَذْكَارِ المأثورة المُثْبَتَةِ؛ صباحاً ومساءً، وفي الأوقاتِ والأحوال المختلفة؛ ليلاً ونهاراً - وهي مبيَّنةٌ في كتب «عمل اليوم والليلة» - كان من الذاكرين اللَّه كثيراً؛ واللَّه سبحانه أعلم. انتهى من «الحلية». * ت *: وأَحْسَنُ من هذا جوابُهُ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قَالَ: حديث : سَبَقَ المُفْرِّدُون قَالُوا: «وَمَا المُفَرِّدُونَ، يا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً والذَّاكِرَاتُ»تفسير : ، رواه مسلمٌ، والترمذيُّ، وعنده: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا المُفَرِّدُونَ؟ قَالَ: المُسْتَهْتِرُونَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ؛ يَضَعُ عَنْهُمُ الذِّكْرُ أَثْقَالَهُمْ، فَيَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ خِفَافاً » قال صاحب «سلاح المؤمنين»: المستَهْتِرُونَ في ذكْر اللَّهِ، - هو بفتح التاءَيْنِ المُثَنَّاتَيْنِ ـــ يعني: الذي أُولِعُوا به؛ يقال: ٱسْتُهْتِرَ فُلانٌ بكذا، أي: أَولِعَ به، واللَّه أعلم. انتهى. فقَد بيَّن صلى الله عليه وسلم هنا صفةَ الذاكرين اللَّه كثيراً، وقد نقلنا في غير هذا المَحَلِّ بيانَ صفةَ الذاكرين اللَّه كثيراً، بنحو هذا مِنْ طريق ابن المبارك، وإِذا كان العبد مُسْتَهْتِراً بِذِكْرِ مولاه، أَنِسَ به، وأَحبَّه، وأحبَّ لقاءه؛ فلم يبال بلقاءِ العَدُوِّ، وإِن هي إِلا إِحدى ٱلْحُسْنَيَيْنِ: إِما النصْرُ؛ وهو الأغلب لمن هذه صفته، أو الشهادةُ؛ وذلك مناه، ومطلبه. انتهى. و{تُفْلِحُونَ}: تنالون بغيتكم، وتنالون آمالكم، والجمهور علَى أن الرِّيحَ هنا مستعارةٌ. قال مجاهد: الرِّيح: النصْرُ والقوةُ، وذَهَب رِيحُ أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم حينَ نازعُوه يَوْمَ أحد، وقوله سبحانه: {وَٱصْبِرُواْ...} إلى آخر الآية: تتميمٌ في الوصية وِعدَةٌ مُؤْنِسَة، وقوله سبحانه: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم...} الآية: الإشارة إِلى كفار قريش، والبَطَر: الأَشَر وغَمْطُ النِّعْمة، ورُوِيَ أن أبا سفيان، لمَّا أحرز عِيَره، بعث إِلى قريش، وقال: إِن اللَّه قد سَلَّم عِيركُمْ، فٱرجعوا، فأتَى رأْي الجماعةِ علَى ذلك، وخالَفَ أبو جَهْل، وقال: واللَّهِ، لاَ نَفْعَلُ حَتَّى نَأْتيَ بَدْراً - وكانَتْ بَدْرٌ سُوقاً من أسواقِ العَرَبِ لها يومُ موسمٍ ـــ فننحَرُ عليها الإِبلَ، ونَشْرَب الخمر، وتَعْزِفُ علينا القِيَانُ، وتسمع بنا العربُ، ويَهَابُنا النَّاسُ، فهذا معنى قوله تعالى: {وَرِئَاءَ ٱلنَّاسِ }.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ} الآية. لمَّا ذكر نعمه على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين يوم بدر، علَّمهم - إذا التقوا - نوعين من الأدبِ، الأوَّل: الثَّبات وهو أن يُوَطِّنُوا أنفسهم على اللَّقاء، ولا يحدثوها بالتولِّي. والثاني: أن يذكروا اللَّه كثيراً، فقال: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواَْ} فيه، أي: جماعة كافرة "فاثبتُوا" لقتالهم. {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} ادعوا الله بالنصر والظفر بهم. وقيل: المرادُ أن يذكروا الله كثيراً بقلوبهم، وبألسنتهم. ثم قال تعالى: {لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: كونوا على رجال الفلاح. فإن قيل: هذه الآية تُوجب الثَّبات على كلِّ حال، وهذا يُوهمُ أنَّها ناسخةٌ لآية التَّحرف والتحيُّز. فالجوابُ: أنَّ هذه الآية توجب الثَّبات في الجملة، وهو الجدّ في المحاربة، وآيةُ التحرّف والتحيّز لا تقدحُ في حصول الثبات في المحاربة، بل الثبات في هذا المقصود، لا يحصل إلاَّ بذلك التحرف والتحيز، ثمَّ أكد ذلك بقوله: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيما يأمر به؛ لأن الجهاد لا ينفع إلاَّ مع التَّمسُّك بسائر الطاعات، "ولاَ تَنَازعُوا" لا تختلفوا، فإنَّ النزاعَ يوجب أمرين. أحدهما: الفشل، وهو الجُبن والضَّعف. والثاني: "تَذْهبَ ريحُكُمْ". قال مجاهدٌ: نصرتكم. وقال السُّديُّ: جراءتكم وجدكم. وقال مقاتل: حدَّتكم. وقال النضرُ بنُ شُميلٍ: قُوَّتكم. وقال الأخفشُ: دولتكم. و "الرِّيح" هاهنا - كنايةٌ عن بقاء الأمر وجريانه على المرادِ؛ تقول العربُ: "هَبَّت ريحُ فلان" إذا أقبل أمره على ما يريدُ، وهو كنايةُ عن الدَّوْلة والغلبة؛ قال: [الوافر] شعر : 2717 - إذَا هَبَّتْ رياحُكَ فاغْتَنِمْهَا فإنَّ لِكُلِّ عَاصِفَةٍ سُكُونَا تفسير : ورواه أبو عبيدٍ "رُكُوداً". وقال آخر: [البسيط] شعر : 2718 - أتَنْظُرانِ قَلِيلاً رَيْثَ غَفْلتِهِم أو تَعْدُوانِ فإنَّ الرِّيحَ للْعَادِي تفسير : وقال: [البسيط] شعر : 2719 - قَدْ عَوَّدتْهُمْ ظبَاهُمْ أن يكُونَ لَهُمْ ريحُ القتالِ وأسْلابُ الَّذينَ لَقُوا تفسير : وقيل: الريح: الهيبةُ، وهو قريبٌ من الأولِ؛ كقوله: [البسيط] شعر : 2720 - كَمَا حَميناكَ يوْمَ النَّعْفِ من شَطَطٍ والفَضلُ لِلْقومِ منْ ريحٍ ومِنْ عَدَدِ تفسير : وقال قتادة وابن زيد: "هو ريح النصر، ولم يكن نصر قط إلاَّ بريحٍ يبعثُهَا اللَّهُ تضرب وجوه العدوّ". ومنه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : نُصِرْتُ بالصَّبَا وأهْلِكَتْ عَادٌ بالدَّبُورِ ". تفسير : وقال النعمانُ بنُ مقرن: "حديث : شَهِدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذَا لم يُقاتِل في أول النَّهارِ، انتظر حتَّى تزولَ الشَّمسُ، وتهب الريح، وينزل النّصر ". تفسير : قوله "فَتَفْشَلُوا" يحتملُ وجهين: أحدهما: نصبٌ على جواب النَّهي. والثاني: الجزم عطفاً على فعل النَّهْي قبله، وقد تقدَّم تحقيقهما في "وتَخُونُوا" قبل ذلك، ويدُلُّ على الثاني قراءة عيسى بن عمر "ويَذْهَبْ" بياء الغيبة وجزمه، ونقل أبو البقاء قراءة الجزم ولم يُقيِّدها بياء الغيبة. وقرأ أبُو حيوة وأبان وعصمة "ويَذْهَبَ" بياء الغيبة ونصبه. وقرأ الحسنُ "فَتَفْشِلُوا" بكسر الشين، قال أبو حاتمٍ: "هذا غيرُ معروفٍ" وقال غيره: إنَّها لغةٌ ثانية. فصل احتجَّ نُفَاة القياسِ بهذه الآية فقالوا: القياس يفضي إلى المنازعةِ، والمنازعةُ محرَّمةٌ بهذه الآية؛ فوجب أن يكون العمل بالقياس محرماً ببيان الملازمة، فإنّا نشاهد الدُّنيا مَمْلُوءةً من الاختلافات بسبب القياس. وأيضاً القائلون بأنَّ النَّص لا يجوز تخصيصه بالقياس تَمَسَّكُوا بهذه الآية، وقالوا: قوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} صريح في وجوب طاعة الله ورسوله في كل ما نصَّا عليه، ثم أتبعه بقوله: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ومَنْ تمسَّك بالقياس المخصص بالنَّصِّ فقد ترك طاعة اللَّهِ وطاعة رسوله، وتمسَّك بالقياس الذي يوجب التنازع والفشل، وكلُّ ذلك حرام. والجوابُ: بأنَّهُ ليس كلُّ قياس يوجب المنازعة. قوله: "ولا تنَازَعُوا" معطوف على قوله: "فاثْبُتُوا" وهو جواب الشَّرطِ في قوله: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} فالمحرَّم التنازع عند لقاء فئة الكُفَّارِ، فلا حجة فيها، وأيضاً: فقد ترتَّب على التنازع الفشل وذهاب الريح التي هي الدولة، وذلك لا يترتَّب على القياس. ثم قال: {وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} والمقصودُ أنَّ كمال أمر الجهادِ مبنيٌّ على الصَّبْرِ فأمرهم بالصبر. كما قال في آية أخرى: {أية : ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ}تفسير : [آل عمران: 200]. عن سالم أبي النضر مولى عُمَر بن عُبيدِ اللَّهِ وكان كاتباً له، قال: كتب إليه عبدُ الله بن أبِي أوفَى حديث : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيَّامِهِ الَّتي لقيَ فيها العَدُو، انتظر حتَّى مالتِ الشَّمْسُ، ثمَّ قام في النَّاسِ، فقال: "يا أيُّهَا النَّاسُ لا تَتمنوا لقاء العدُوِّ، وأسْألُوا اللَّهَ العَافيةَ فإذا لقِيتُمُوهُم فاصْبِرُوا، واعلَمُوا أنَّ الجنَّة تحتَ ظلالٍ السُّيُوفِ" ثم قال: "اللَّهُمَّ مُنزلَ الكتابِ، ومُجْرِي السَّحابِ، وهازِمَ الأحْزابِ، اهزمْهُمْ، وانْصُرْنا عليْهِمْ" .
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تتمنوا لقاء العدوّ وأسالوا الله العافية، فإن لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله كثيراً، فإذا جلبوا وصيحوا فعليكم بالصمت ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: ما من شيء أحب إلى الله من قراءة القرآن والذكر، ولولا ذلك ما أمر الله الناس بالصلاة والقتال: ألا ترون أنه قد أمر الناس بالذكر عند القتال فقال {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون} . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونون، عند الضراب بالسيوف. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر رضي الله عنه قال: أشد الأعمال ثلاثة: ذكر الله على كل حال، وانصافك من نفسك، ومواساة الأخ في المال. وأخرج عبد الرزاق عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تتمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم ستبلون بهم وسلوا الله العافية، فإذا جاءوكم يبرقون ويرجفون ويصيحون بالأرض، الأرض جلوساً ثم قولوا: اللهم ربنا وربهم نواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تقتلهم أنت، فإذا دنوا منكم فثوروا إليهم واعلموا أن الجنة تحت البارقة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء رضي الله عنه قال: وجب الانصات والذكر عند الرجف، ثم تلا {واذكروا الله كثيراً} . وأخرج ابن عساكر عن عطاء بن أبي مسلم رضي الله عنه قال: حديث : لما ودع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه قال ابن رواحة: يا رسول الله مرني بشيء أحفظه عنك؟ قال "إنك قادم غداً بلداً السجود به قليل فأكثر السجود. قال: زدني. قال: اذكر الله فإنه عون لك على ما تطلب. قال: زدني. قال: يا ابن رواحة فلا تعجزن إن أسأت عشراً أن تحسن واحدة. فقال ابن رواحة رضي الله عنه: لا أسألك عن شيء بعدها" . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ثِنيتان لا تردان، الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي موسى رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الصوت عند القتال". وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم عن قيس بن عباد رضي الله عنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال. وأخرج ابن أبي شيبة عن قيس بن عباد رضي الله عنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يستحبون خفض الصوت عند ثلاث. عند القتال، وعند القرآن، وعند الجنائز. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره رفع الصوت عند ثلاث. عند الجنازة، وإذا التقى الزحفان، وعند قراءة القرآن".
ابو السعود
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} صُدِّر الخطابُ بحرفي النداء والتنبـيه إظهاراً لكمال الاعتناءِ بمضمون ما بعده {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} أي حاربتم جماعةً من الكفرة وإنما لم يوصَفوا بالكفر لظهور أن المؤمنين لا يحارِبون إلا الكفَرة، واللقاءُ مما غلبَ في القتال {فَٱثْبُتُواْ} أي للقائهم في مواطن الحربِ {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} أي في تضاعيف القتالِ مستمدّين منه مستعينين به مستظهِرين بذكره مترقّبـين لنصره {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي تفوزون بمرامكم وتظفَرون بمُرادكم من النُّصرة والمَثوبةِ، وفيه تنبـيهٌ على أن العبدَ ينبغي أن لا يشغَلَه شيءٌ عن ذكر الله تعالى وأن يلتجِيءَ عند الشدائد ويُقبلَ إليه بكليته فارغَ البال واثقاً بأن لطفَه لا ينفكّ عنه في حال من الأحوال {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في كل ما تأتون وما تذرون فيندرج فيه ما أُمروا به هٰهنا اندراجاً أولياً {وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ} باختلاف الآراءِ كما فعلتم ببدر أو أحُد {فَتَفْشَلُواْ} جوابٌ للنهي وقيل: عطفٌ عليه {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} بالنصب عطفٌ على جواب النهي وقرىء بالجزم على تقدير عطفِ فتفشلوا على النهي أي تذهبَ دولتُكم وشَوْكتُكم فإنها مستعارةٌ للدولة من حيث إنها في تمشّي أمرِها ونفاذِه مشبهةٌ بها في هُبوبها وجَرَيانها. وقيل: المرادُ بها الحقيقةُ فإن النُصرةَ لا تكون إلا بريح يبعثها الله تعالى وفي الحديث (حديث : نُصِرتُ بالصَّبا وأُهكلتْ عادٌ بالدَّبور)تفسير : {وَٱصْبِرُواْ} على شدائد الحرب {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} بالنُصرة والكَلاءة وما يفهم من كلمة مع من أصالتهم إنما هي من حيث إنهم المباشرون للصبر فهم متّبعون من تلك الحيثية، ومعيَّتُه تعالى إنما هي من حيث الإمدادُ والإعانة. {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم} بعد ما أُمروا بما أُمروا به من أحاسن الأعمالِ ونُهوا عما يقابلها من قبائحها، والمرادُ بهم أهلُ مكةَ حين خرجوا لحماية العِير {بَطَراً} أي فخراً وأشَراً {وَرِئَاء ٱلنَّاسِ} ليُثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة، وذلك أنهم لما بلغوا جَحفةَ أتاهم رسولُ أبـي سفيان وقال: ارجِعوا فقد سلِمت عِيرُكم فأبَوا إلا إظهارَ آثارِ الجلادة فلقُوا ما لقوا حسبما ذُكر في أوائل السورةِ الكريمة فنُهي المؤمنون أن يكونوا أمثالَهم مرائين بطِرين وأُمروا بالتقوى والإخلاص من حيث إن النهيَ عن الشيء مستلِزمٌ للأمر بضده {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} عطفٌ على بطَر إن جُعل مصدراً في موضع الحال وكذا إن جُعل مفعولاً له لكن على تأويل المصدر {وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} فيجازيهم عليه.
القشيري
تفسير : أراد إذا لقيتم فئةً من المشركين فأثبتوا. والثباتُ إنما يكون بقوة القلب وشدة اليقين، ولا يكون ذلك إلا لنفاذ البصيرة، والتحقق بالله، وشهود الحادثات كلها مِنْهُ، فعند ذلك يستسلم الله، ويرضى بحكمه، ويتوقع منه حُسْنَ الإعانة، ولهذا أحالَهم على الذكر فقال: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً}. ويقال إنَّ جميعَ الخيراتِ في ثبات القلب، وبه تَبِينُ أقدارُ الرجالِ، فإذا وَرَدَ على الإنسان خاطرٌ يزعجه أو هاجِسٌ في نفسه يهيجه... فَمَنْ كان صاحبَ بصيرةٍ تَوَقفَ ريثما تَتَبَيَّنُ له حقيقةُ الوارد، فيثبُتُ لكونه رابطَ الجأش، ساكنَ القلب، صافيَ اللُّب.. وهذا نعت الأكابر.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة} اى حاربتم جماعة كافرة لان اللقاء مما غلب فى الحرب والقتال وهم ما كانوا يحاربون الا الكفار {فاثبتوا} وقت لقائهم وقتالهم ولا تنهزموا وفى الحديث "حديث : لا تتمنوا لقاء العدو فاذا لقيتموهم فاصبروا" تفسير : وانما نهى عن تمنى لقاء العدو لما فيه من صورة الاعجاب والوثوق بلقوة ولانه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو وتحقيرهم وهذا يخالف الاحتياط كما قالوا فى آداب المناظرة انه ينبغى ان لا يحسب المناظر الخصم حقيرا اى صغيرا ذليلا لان استحقار الخصم ربما يؤدى الى صدور الكلام الضعيف من المناظر لعدم المبالاة فيكون سببا لغلبة الخصم الضعيف عليه فيكون الضعيف قويا والقوى ضعيفا والشر اذا جاء من حيث لا يحتسب كان اعم. فعلى العاقل ان يسال العفو والعافية فانه لا يدرى ما يفعل به شعر : اول شكسته باش كه اوج سرير ملك يوسف بس ازمجاورت قعر جاه يافت تفسير : {واذكروا الله كثيرا} اى فى تضاعيف القتال ومواطن الشدة بالتكبير والتهليل وغيرهما وادعوه بنصر المؤمنين وخذلان الكافرين كالذين {أية : قالوا ربنا أَفرغ علينا صبرا وثبت أَقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} تفسير : [البقرة: 250]. {لعلكم تفلحون} اى تفوزون بمرامكم وتظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة. وفيه تنبيه على ان العبد ينبغى ان لا يشغله شيء عن ذكر الله وان يلتجئ اليه عند الشدائد ويقبل اليه بالكلية فارغ البال واثقا بانه لطفه لا ينفعك عنه فى حال من الاحوال وعلى ان ذكر الله تعالى له تأثير عظيم فى دفع المضار وجلب المنافع شعر : توبهر حالى كه باشى روز وشب يك نفس غافل مباش ازذكررب درخوشى ذكر توشكر نعمتست دربلاها التجا باحضر تست تفسير : قال بعض الحكماء ان لله جنة فى الدنيا من دخلها يطيب عيشه وهو مجالس الذكر وفى الحديث "حديث : ان لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر فاذا اتوا عليهم حفوا بهم ثم بعثوا رائدهم الى السماء الى رب العزة تبارك وتعالى فيقولون ربنا أتينا على عباد من عبادك يعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ويسألونك لآخرتهم ودنياهم فيقول الله تبارك وتعالى غشوهم رحمتى فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم ". تفسير : قال فى انوار المشارق وكما يستحب الذكر يستحب الجلوس فى حلق اهله والعادة جرت فى حلق الذكر بالعلانية اذ لم يعرف فى كرّ الدهور حلقة ذكر اجتمع عليها قوم ذاكرون فى انفسهم فالذكر برفع الصوت اشد تأثيرا فى قمع الخواطر الراسخة على قلب المبتدى وايضا يغتنم الناس باظهار الدين بركة الذكر من السامعين فى الدور والبيوت ويشهد له يوم القيامة كل رطب ويابس سمع صوته خصوصا فى مواضع الازدحام بين الغافلين من العوام لتنبيه الغافلين وتوفيق الفاسقين. وفى بعض الفتاوى لو ذكر الله فى مجلس الفسق ناويا انهم يشتغلون بالفسق وانا اشتغل بالذكر فهو افضل كالذكر فى السوق افضل من الذكر فى غيره وحضور مجلس الذكر يكفر سبعين مجلسا من مجالس السوء وقد نهى عن ان يجلس الانسان مجلسا لا يذكر الله ولا يصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويكون ذلك المجلس حسرة عليه يوم القيامة وفى الحديث "حديث : من جلس مجلسا كثر فيه لغطه فقال قبل ان يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا انت استغفرك واتوب اليك غفر له ما كان فى مجلسه ذلك " .تفسير : فعلى العاقل ان يكون رطب اللسان بالذكر والدعاء والاستغفار دائما خصوصا فى الاوقات المباركة -روى- ان النبى عليه السلام بعث بعثا الى نجد فغنموا واسرعوا وقال رجل ما رأينا بعثا افضل غنيمة واسرع رجعة فقال النبى عليه السلام "حديث : ألا ادلكم على قوم افضل غنيمة واسرع رجعة الذين شهدوا صلاة الصبح ثم جلسوا يذكرون الله حتى تطلع الشمس ثم يصلون ركعتين ثم يرجعون الى اهاليهم وهى صلاة الاشراق وهو اول وقت الضحى وذلك بعد ان تطلع الشمس ويصلى ركعتين كانت كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة ". تفسير : ذكر فى شرح المصابيح ان فى قوله ثم قعد يذكر الله تعالى دلالة على ان المستحب فى هذا الوقت انما هو ذكر الله تعالى لا القراءة لان هذا وقت شريف وان للمواظبة للذكر فيه تأثيرا عظيما فى النفوس. وقال فى المنية ناقلا عن جمع العلوم ومن وقت الفجر الى طلوع الشمس ذكر الله تعالى اولى من القراءة ويؤيده ما ذكره فى القنية من ان الصلاة على ان النبى عليه السلام والدعاء والتسبيح افضل من قراءة القرآن فى الاوقات التى نهى عن الصلاة فيها وعن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا ادلكم على ساعة من ساعات الجنة الظل فيها ممدود والرزق فيها مقسوم والرحمة فيها مبسوطة والدعاء مستجاب قالوا بلى يا رسول الله قال ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس ".تفسير : قال على المرتضى رضى الله عنه مر النبى عليه السلام بعائشة رضى الله عنها قبل طلوع الشمس وهى نائمة فحركها برجله فقال "حديث : قومى لتشاهدى رزق ربك ولا تكونى من الغافلين ان الله يقسم ارزاق العباد بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس" تفسير : واختلف فى ان التهليل والتسبيح ونحوهما بمجرد القلب افضل او باللسان مع حضور القلب. احتج من رجح الاول بان عمل السر افضل واحتج من رجح الثانى بان العمل فيه اكثر فافتضى زيادة الصحيح وهو الثانى ذكره النووى فى شرح مسلم والذكر الكثير ما كان بصفاء القلب فصفاء القلب جنة العارف فى الدنيا فانه يجاوز بذكر الله تعالى عن جحيم النفس الامارة وهاويتها فيترقى الى نعيم الحضور. قال ابو بكر الفرغانى كنت اسقط فى بعض الايام عن القافلة فقلت يا رب لو علمتنى الاسم الاعظم فدخل على رجلان وقال احدهما للآخر الاسم الاعظم ان تقول يا الله ففرحت به فقال ليس كما تقول بل بصدق اللجأ اى الالتجاء والاضطرار كما يقول من كان فى لجة البحر ليس ملجا غير الله. واعلم ان الجهاد من اعظم الطاعات ولذلك لا يجتمع غبار المجاهد مع دخان جهنم وبخطوة من المجاهد يغفر ذنب وباخرى تكتب حسنة ولكن ينبغى للمجاهد ان يصحح نيته ويثبت فى مواطن الحرب فان بثبات القلب والقدم يتبين اقدار الرجال كما كان للصديق رضى الله عنه حين صدمته الوجيعة بوفاة رسول الله حين قال من كان يعبد رب محمد فانه حى لا يموت ويجتنب عن الظلم وارتكاب المعاصى فان الغلبة على الاعداء بالقوة القدسية والتأييد الالهى لا بالقوة الجسمانية وكثرة العدد والعدد ألا يرى الى الله تعالى كيف ايد المؤمنين بالملائكة فى غزوة بدر مع قلتهم وكثرة الكافرين فالذين جاهدوا فى سبيل الله بالتقى والصبر والثبات فقد غلبوا على الاعداء ووصلوا الى الدرجات شعر : كه شتاب حوصر كه قرار جوكوه كه نشيب كبوتركه فراز عقاب تفسير : واستعرض الاسكندر جنده فتقدم اليه رجل بفرس اعرج فامر باسقاطه فضحك الرجل فاستعظم ضحكه فى ذلك المقام فقال له ما اضحكك وقد اسقطتك قال العجب منك قال كيف قال تحتك آلة الهرب وتحتى آلة الثبات ثم تسقطنى فاعجب بقوله واثبته. ثم اعلم ان الفئة الباغية ظاهرة كالطائفة الكافرة والجماعة الفاجرة وباطنة كطائفة القوى النفسانية وجماعة النفس الامارة فكما ان المؤمن مأمور بالثبات عند ظهور الفئة الباغة الظاهرة فكذلك مأمور بالثبات عند ظهور الفئة الباغية الباطنة بالمجاهدات والجهاد مع الكفار جهاد اصغر والجهاد مع النفس جهاد اكبر والاكبر افضل من الاصغر ولذلك يقول القتيل فى الاكبر صديقا وفى الاصغر شهيدا فالصديق فوق الشهيد كما قال الله تعالى {أية : فاولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء} تفسير : [النساء: 69]. والخلاص من ظلمات الخلقية والفوز بانوار الذكر الذى الاشتغال به من اكبر انواع الجهاد واسرع قدم فى الوصول الى رب العباد نسأل الله تعالى ان يحققنا بحقائق الذكر والتوحيد
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (بطراً ورئاء): مصدران في موضع الحال، أي: بطرين ومراءين، أو مفعول لأجله، و(ويصُدُّون): عطف على (بطراً)؛ على الوجهين، أي: صادين، أو للصد. يقول الحق جل جلاله: {يا أيها آمنوا إذا لَقيتُم فئةً}؛ جماعة من الكفار عند الحرب {فاثبتُوا} للقائهم، ولا تفروا، {واذكروا الله} في تلك الحال سراً داعين له، مستظهرين بذكره، متوجهين لنصره، معتمدين على حوله وقوته، غير ذاهلين عنه بهجوم الأحوال وشدائد الأهوال؛ إذ لا يذكر الله تعالى في ذلك الحال إلا الأبطال من الرجال {لعلكم تفلحون} بالظفر وعظيم النوال. قال البيضاوي: وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي ألا يشغله شيء عن ذكر الله، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد ويقبل عليه بشراشره، فارغ البال، واثقاً بأن لطفه لا ينفك عنه في جميع الأحوال. هـ. {وأطيعوا الله ورسوله} فيما يأمركم به وينهاكم عنه؛ فإن الطاعة مفتاح الخيرات، {ولا تنازعوا} باختلاف الآراء كما فعلتم في شأن الأنفال، {فتفشلوا} وتجبنوا، {وتذهب ريحُكم} أي: ريح نصركم بانقطاع دولتكم، شبه النصر والدولة بهبوب الريح؛ من حيث إنها تمشي على مرادها، لا يقدر أحد أن يردها، وقيل: المراد بها الريح حقيقة، فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثه الله من ناحية المنصور تذهب إلى ناحية المخذول. وفي الحديث: "حديث : نُصِرتُ بالصِّبَا، وأُهْلِكَتْ عَادٌ بالدَّبُورِ".تفسير : {واصبروا إن الله مع الصابرين} بالمعونة والكلاءة والنصر. {ولا تكونُوا كالذين خرجُوا من ديارهم}، يعني: أهل مكة، خرجوا {بطراً} أي: فخراً وشَرّاً {ورئاء الناس}؛ ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة، وذلك أنهم لما بلغوا الجحفة أتاهم رسولُ أبي سفيان، يقول لهم: ارجعوا فقد سلمت عيركم، فقال أبو جهل: لا والله حتى نأتي بدراً، ونشرب بها الخمور، وتغني علينا القيان، ونطعم بها من حضرنا من العرب، فتسمع بنا سائر العرب، فتهابُنا، فوافوها، ولكن سُقوا بها كأس المنايا، وناحت عليهم النوائح؛ مما نزل بهم من البلايا، فنهى الله المؤمنين أن يكون أمثالهم بطرين مراءين، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص، لأن النهي عن الشيء امرٌ بضده. {ويصدّون عن سبيل الله} أي: خرجوا ليصدوا الناس عن طريق الله، باتباع طريقهم، {والله بما يعملون محيطٌ} فيجازيهم عليه. الإشارة: خاطب الله المتوجهين إليه، السائرين إلى حضرته، وأمرهم بالثبوت ودوام السير، وبالصبر ولزوم الذكر عند ملاقاة القواطع والشواغب، وكل ما يصدهم عن طريق الحضرة، وذلك بالغيبة عنه والاشتغال بالله عنه، وعدم الإصغاء إلى خوضه وتكديره، فمن صبر ظفر، ومن دام على السير وصل، وأمرهم ايضاً بطاعة الله ورسوله، ومن يدلهم على الوصول إليه، ممن هو خليفة عنه في أرضه، وأمرهم بعدم المنازعة والملاججة، فإن التنازع يُوجب تفرق القلوب والأبدان، ويوجب الفشل والوهن، ويذهب بريح النصر والإعزاز، كما أن الوفاق يوجب النصر ودوام العز. ونهاهم عن التشبه بأهل الخوض والتكدير، ممن أولع بالطعن والتنكير، بل يكونون على خلافهم مخلصين في أعمالهم وأحوالهم، دالين على الله، داعين إلى طريق الله، يُحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، وهذه صفة أهل الله. نفعنا الله بذكرهم. آمين. ثم ذكر الباعث على خروج الكفار لغزوة بدر، فقال: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين خاصة يأمرهم بأنهم اذا لقوا جماعة من الكفار لحربهم أن يثبتوا ويذكروا الله كثيراً، ويستنصروه عليهم لكي يفلحوا ويفوزوا بالظفر بهم، وبالثواب عند الله يوم القيامة. وقد بينا ان معنى الايمان هو التصديق بما أوجبه الله على المكلفين أو ندبهم اليه. والفئة الجماعة المنقطعة من غيرها وأصله من فأوت رأسه بالسيف اذا قطعته. والثبوت حصول الشيء في المكان على استمرار، يقال لمن استمر على صفة: قد ثبت كثبوت الطين. والذكر ضد السهو، وقد يكون الذكر القول من غير سهو. والفئة المذكورة في الآية وان كانت مطلقة، فالمراد بها المشركة او الباغية، لأن الله لا يأمر المؤمنين بالثبوت لقتال احد الا من هو بهذه الصفة، ولا يأمر بقتال المؤمنين.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} من المشركين والكفّار للقتال فانّ اللّقاء غلّب فى القتال {فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} ثقة بنصره واستضهاراً بذكره فانّ القلب يطمئنّ عن الاضطراب والخوف بذكره {لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} بالظّفر على الاعداء.
الهواري
تفسير : قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} يعني من المشركين {فَاثْبُتُوا} في صفوفكم { وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي لكي تفلحوا. قال بعضهم: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون الناس، عند الضراب بالسيوف. ذكروا عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تتمَنَّوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإن جاءوكم يرجفون ويصيحون ويبرقون فالزموا الأرض جلوساً، واعلموا أن الجنة تحت الأبارق تفسير : ذكر الحسن عن قيس بن عباد قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند ثلاثة: عند القتال، وعند الجنائز، وعند قراءة القرآن. ذكروا عن ابن عباس أنه كان يكره التلثم عند القتال. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : اطلبوا إجابة الدعاء عند ثلاثة: عند إقامة الصلاة، وعند التقاء الجيوش، وعند نزول الغيث تفسير : قوله: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} قال بعضهم: لا تختلفوا فتجبنُوا. قوله: { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي يذهب نصركم. قال مجاهد: ويذهب نصركم؛ قال: فذهب نصر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أُحد. قال: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} أي في العون والتأييد.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إذا لَقيتُم فئةً} أى إذا حاربتم جماعة من الكفار، فإن اللقاء اسم غالب للقتال، وما كان المؤمنون يحاربون إلا الكفار، والفئة من الأسماء التى حذف لامها وعوض عنه التاء التى تبدل فى الوقف هاء، والأصل فئوة من فاوت بمعنى جمعت {فاثْبتُوا} لقتالهم، ولا تحدثوا أنفسكم بالفرار، ومن الثبوت التحريف للقتال، والتحيز إلى فئة، فيه، فليس هذا نسخا للتحرف وللتحيز، بل تقرير لهما، لأن بهما التمكن من القتال. {واذْكُروا اللهَ كَثيراً} فى لقاء عدوكم بقلوبكم وألسنتكم، مثل أن يقول: لا إله إلا الله، أو سبحان الله، أو يقرءوا القرآن، وفى ذلك استظهار على العدو، وموت على ذكر الله لمن مات، ولذلك أمروا بالذكر، وهكذا فى الأحوال الشديدة، وقيل: إن ذلك تنبيه على أنه لا يجوز خلو القلب واللسان عن الذكر، ولا يرفع الصوت بالذكر ولا بغيره فى القتال، لأنه ربما ذهبت فيه قوة الإنسان، وربما ظن العدو به دهشا، ولا سيما إذا كان ألفاظا إلا إن كان من الجميع عند الجملة، فإنه كاسر لعضد العدو. وكان أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند قراءة القرآن والجنازة والقتال، قال ابن عباس: يكره التلثم عند القتال، ولذا تسنن المرابطون بثغور الاندلس وغيره بطرحه مع حبهم له، وقيل: المراد بذكر الله الدعاء بالنصر، وقيل ذلك كله، وفى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اطلبوا إجابة الدعاء عند القتال، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث" تفسير : وذكروا أيضا ذلك بين الأذان والإقامة، وفى السحر وغير ذلك {لعلَّكم تفْلحُونَ} ترج مصروف إلى المؤمنين وأو تعليل.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ} أَى للقتال فحذف للعلم به، أَى اللقاء معهود فى القتال عند العرب حتى لو ذكر قوله للقتال كان ذلك من التجريد {فِئَةً} جماعة كافرة، ولم يقل كافرة لأَن المؤمنين يومئذ لا يقاتلون إِلا المشركين، والمراد فئة تستحق القتال لشرك أَو بغيره عموماً لما بعد، كما قال الله عز وجل "أية : وإِن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا" تفسير : [الحجرات: 9] إِلخ.. ووزن فئة فعة، حذفت لامه أَصله فأو فحذفت الواو وعوض عنها التاء ففتحت الهمزة للتاء كما فى عدة وزنة، يقال فأَوت رأسه أَى شققته، أَو وزنه فلة من فاء يفئ بمعنى رجع وأَصله فئَ بفاء مكسورة فمثناة ساكنة فهمزة حذفت المثناة وعوض عنها التاء {فَاثْبُتُوا} وقت لقائهم وقتالهم وجوباً إِلا إِن كانوا أَكثر من ضعفيكم فيجوز لكم الفرار {وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا} ذكراً كثيرًا أَو زماناً كثيراً حال اللقاء وغيره بقلوبكم أَو مع أَلسنتكم بالدعاء بالنصر والمغفرة والتكبير وسائر الأَذكار، ومنها: اللهم أَنت ربنا وربهم نواصيهم ونواصينا بيدك فاقتلهم واهزمهم. وقيل المراد إِحضار الله تعالى فى القلب، وتوقع نصره، وقيل استحضار وعد الله بالنصر فى الدنيا والثواب فى الآخرة، وذلك استحباب لا وجوب، واستحب الإِخفاء، والآية دليل على الترغيب فى ذكر الله عز وجل إِذ أَمر به ولو فى هذه الحال. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} بالنصر والثواب والسلامة.
الالوسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} أي حاربتم جماعة من الكفرة ولم يصفها سبحانه لظهور أن المؤمنين لا يحاربون إلا الكفار، وقيل: ليشمل بإطلاقه البغاة ولا ينافيه خصوص سبب النزول، ومنهم من زعم أن الانقطاع معتبر في معنى الفئة لأنها من فأوت أي قطعت والمنقطع عن المؤمنين إما كفار أو بغاة، وبنى على ذلك أنه لا ينبغي أن يقال: لم توصف لظهور الخ وليس بشيء كما لا يخفى، واللقاء قد غلب في القتال كالنزال. وتصدير الخطاب بحرفي النداء والتنبيه إظهاراً لكمال الاعتناء بمضمون ما بعده {فَٱثْبُتُواْ} للقائهم ولا تولوهم الأدبار والظاهر أن المراد إلا وأو على ما مر {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} أي في تضاعيف القتال، وفسر بعضهم هذا الذكر بالتكبير، وبعضهم بالدعاء ورووا أدعية كثيرة في القتال منها «اللهم أنت ربنا وربهم نواصينا ونواصيهم بيدك فاقتلهم واهزمهم» وقيل: المراد بذكره سبحانه إخطاره بالقلب وتوقع نصره، وقيل: المراد اذكروا ما وعدكم الله تعالى من النصر على الأعداء في الدنيا والثواب في الآخرة ليدعوكم ذلك إلى الثبات في القتال {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي تفوزون بمرامكم من النصر والمثوبة، والأولى حمل الذكر على ما يعم التكبير والدعاء وغير ذلك من أنواع الذكر، وفي الآية تنبيه على أن العبد ينبغي أنه لا يشغله شيء عن ذكر مولاه سبحانه، وذكره جل شأنه في مثل ذلك الموطن من أقوى أدلة محبته جل شأنه، ألا ترى من أحب مخلوقاً مثله كيف يقول:شعر : ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تشرب من دمي فوددت تقبيل السيوف لأنها برقت كبارق ثغرك المتبسم
ابن عاشور
تفسير : لمّا عرّفهم الله بنعمه ودلائل عنايته، وكشف لهم عن سرّ من أسرار نصره إيّاهم، وكيف خذل أعداءهم، وصرفهم عن أذاهم، فاستتبَّ لهم النصر مع قلتهم وكثرة أعدائهم، أقبل في هذه الآية على أن يأمرهم بما يهيءّ لهم النصر في المواقع كلّها، ويستدعي عناية الله بهم وتأييدَه إيّاهم، فجمع لهم في هذه الآية ما به قِوام النصر في الحروب. وهذه الجمل معترضة بين جملة: {أية : وإذ يريكموهم}تفسير : [الأنفال: 44] وجملة: {أية : وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم}تفسير : [الأنفال: 48]. وافتتحت هذه الوصايا بالنداء اهتماماً بها، وجُعل طريق تعريف المنادى طريق الموصولية لما تؤذن به الصلة من الاستعداد لامتثال ما يأمرهم به الله تعالى، لأنّ ذلك أخصّ صفاتهم تلقاءَ أوامر الله تعالى، كما قال تعالى: {أية : إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا}تفسير : [النور: 51]. واللقاء: أصله مصادفة الشخص ومواجهته، باجتماع في مكان واحد، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : فتلقى آدم من ربه كلمات}تفسير : [البقرة: 37] وقوله: {أية : واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه}تفسير : في سورة [البقرة: 223]. وقد غلب إطلاقه على لقاء خاصّ وهو لقاء القتال، فيرادف القتال والنزال. وقد تقدم اللقاء قريباً في قوله تعالى:{أية : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا}تفسير : [الأنفال: 15] وبهذا المعنى تعيّن أنّ المراد بالفئة: فئة خاصّة وهي فئة العدوّ، يعني المشركين. و«الفئة» الجماعة من الناس، وقد تقدّم اشتقاقها عند قوله تعالى: {أية : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة}تفسير : في سورة [البقرة: 249]. وذكِر الله، المأمور به هنا: هو ذكره باللسان، لأنّه يتضمّن ذكر القلب، وزيادة فإنّه إذا ذكر بلسانه فقد ذكر بقلبه وبلسانه، وسَمِع الذكرَ بسمعه، وذكَّر مَن يليه بذلك الذّكر، ففيه فوائد زائدة على ذكر القلب المجرّد، وقرينة إرادة ذكر اللسان ظاهرُ وصفهِ بـ"كثير" لأنّ الذكر بالقلب يوصف بالقوة، والمقصود تذكر أنّه الناصر. وهذان أمران أمروا بهما وهما يَخصّان المجاهد في نفسه، ولذلك قال: {لعلكم تفلحون}. فهما لإصلاح الأفراد، ثم أمرهم بأعمال راجعة إلى انتظام جيشهم وجماعتهم، وهي علائق بعضهم مع بعض، وهي الطاعة وترك التنازع، فأمّا طاعة الله ورسوله فتشمل اتّباع سائر أحكام القتال المشروعة بالتعيين، مثل الغنائم. وكذلك ما يأمرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من آراء الحرب، كقوله للرُّماة يوم أحد: «حديث : لا تبرحوا من مكانكم ولو تَخَطَّفَنَا الطيرُ»تفسير : . وتشمل طاعةُ الرسول عليه الصلاة والسلام طاعةَ أمرائه في حياته، لقوله: «حديث : ومن أطاع أميري فقد أطاعني»تفسير : وتشمل طاعة أمراء الجيوش بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لمساواتهم لأمرائه الغائبين عنه في الغزوات والسرايا في حكم الغَيبة عن شخصه. وأمّا النهي عن التنازع فهو يقتضي الأمر بتحصيل أسباب ذلك: بالتفاهم والتشاور، ومراجعة بعضهم بعضاً، حتّى يصدروا عن رأي واحد، فإن تنازعوا في شيء رجعوا إلى أمرائهم لقوله تعالى: {أية : ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم}تفسير : [النساء: 83]. وقوله: {أية : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}تفسير : [النساء: 59]. والنهي عن التنازع أعّم من الأمر بالطاعة لوُلاَة الأمور: لأنّهم إذا نهوا عن التنازع بينهم، فالتنازع مع ولي الأمر أَوْلَى بالنهي. ولمّا كان التنازع من شأنه أن ينشأ عن اختلاف الآراء، وهو أمر مرتكز في الفطرة بسَطَ القرآن القولَ فيه ببيان سيّىءِ آثاره، فجاء بالتفريع بالفاء في قوله: {فتفشلوا وتذهب ريحكم} فحذّرهم أمرين معلوماً سوءُ مَغبتهما: وهما الفشلَ وذهاب الريح. والفشل: انحطاط القوة وقد تقدّم آنفاً عند قوله: {أية : ولو أراكهم كثيراً لفشلتم}تفسير : [الأنفال: 43] وهو هنا مراد به حقيقة الفشل في خصوص القتال ومدافعة العدوّ، ويصحّ أن يكون تمثيلاً لحال المتقاعس عن القتال بحال من خارت قوته وفشلت أعضاؤه، في انعدام إقدامه على العمل. وإنّما كان التنازع مفضياً إلى الفشل؛ لأنّه يثير التغاضب ويزيل التعاون بين القوم، ويحدث فيهم أن يتربّص بعضهم ببعض الدوائرَ، فيَحدث في نفوسهم الإشتغال باتّقاء بعضهم بعضاً، وتوقع عدم إلفاء النصير عند مآزق القتال، فيصرف الأمّة عن التوجّه إلى شغل واحد فيما فيه نفع جميعهم، ويصرف الجيش عن الإقدام على أعدائهم، فيتمكّن منهم العدوّ، كما قال في سورة [آل عمران: 152] {أية : حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم}تفسير : . والريح حقيقتها تحرّك الهواء وتموّجه، واستعيرت هنا للغلبة، وأحسب أنّ وجه الشبه في هذه الاستعارة هو أنّ الريح لا يمانع جَريها ولا عملَها شيء فشبه بها الغلب والحكم وأنشد ابن عطية، لعَبيد بن الأبرص: شعر : كما حميناك يوم النعب من شطب والفضل للقوم من ريح ومن عدد تفسير : وفي الكشّاف قال سليك بن السلكة: شعر : يا صَاحِبَيَّ ألاَ لاَ حيَّ بالوادي إلاّ عبيدٌ قعودٌ بين أذواد هل تنظران قليلاً ريثَ غفلتهم أو تعدوان فإنّ الريح للعادي تفسير : وقال الحريري، في ديباجة «المقامات»: «قد جرى ببعض أندية الأدب الذي ركدَت في هذا العصر ريحه». والمعنى: وتَزولَ قوتكم ونفوذُ أمركم، وذلك لأنّ التنازع يفضي إلى التفرّق، وهو يوهن أمر الأمّة، كما تقدّم في معنى الفشل. ثم أمرهم الله بشيء يعمّ نفعه المرء في نفسه وفي علاقته مع أصحابه، ويسهل عليهم الأمور الأربعة، التي أمروا بها آنفاً في قوله: {فاثبتوا واذكروا الله كثيراً} وفي قوله: {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا} الآية. ألاَ وهو الصبر، فقال: {واصبروا} لأنّ الصبر هو تحمّل المكروه، وما هو شديد على النفس، وتلك المأمورات كلّها تحتاج إلى تحمّل المكاره، فالصبر يجمع تحمّل الشدائد والمصاعب، ولذلك كان قوله: {واصبروا} بمنزلة التذييل. وقوله: {إن الله مع الصابرين} إيماء إلى منفعة للصبرِ إلهيةٍ، وهي إعانة الله لمن صبر امتثالاً لأمره، وهذا مشاهد في تصرفات الحياة كلها. وجملة {إن الله مع الصابرين} قائمة مقام التعليل للأمر، لأنّ حرف التأكيد في مثل هذا قائم مقام فاء التفريع، كما تقدّم في مواضع.
الشنقيطي
تفسير : أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة بالثبات عند لقاء العدو، وذكر الله كثيراً مشيراً إلى أن ذلك سبب للفلاح. والأمر بالشيء نهي عن ضده، أو مستلزم للنهي عن ضده، كما علم في الأصول، فتدل الآية الكريمة على النهي عن عدم الثبات. أمام الكفار، وقد صرح تعالى بهذا المدلول في قوله: {أية : يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ}تفسير : [الأنفال: 15] إلى قوله: {أية : وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} تفسير : [الأنفال: 16]، وفي الأمر بالإكثار من ذكر الله تعالى في أضيق الأوقات. وهو وقت التحام القتال دليل واضح على أن المسلم ينبغي له الإكثار من ذكر الله على كل حال. ولا سيما في وقت الضيق، والمحب الصادق في حبه لا ينسى محبوبه عند نزول الشدائد. قال عنترة في معلقته: شعر : ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي تفسير : وقال الآخر: شعر : ذكرتك والخطى يخطر بيننا وقد نهلت فينا المثقفة السمر تفسير : تنبيه قال بعض العلماء: كل "لعل" في القرآن فهي للتعليل إلا التي في سورة الشعراء: {أية : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} تفسير : [الشعراء: 129] فهي بمعنى "كأنكم تخلدون". قال مقيده - عفا الله عنه-: لفظة "لعل" قد ترد في كلام العرب مراداً بها التعليل، ومنه قوله: شعر : فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كشبه سراب بالملا متألق تفسير : فقوله "لعلنا نكف" يعني "لأجل أن نكف"، وكونها للتعليل لا ينافي "معنى الترجي"، ولأن وجود المعلول يرجى عند وجود علته.
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة} جماعةً كافرةً {فاثبتوا} لقتالهم ولا تنهزموا {واذكروا الله كثيراً} ادعوه بالنَّصر عليهم {لعلكم تفلحون} كي تسعدوا وتبقوا في الجنة، فإنَّهما خصلتان؛ إمَّا الغنيمة؛ وإمَّا الشَّهادة. {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا} ولا تختلفوا {فتفشلوا} تجبنوا {وتذهب ريحكم} جَلَدكم وجرأتكم ودولتكم. {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم} يعني: النَّفير {بطراً} طُغياناً في النِّعمة، للجميل مع إبطان القبيح {ويصدون عن سبيل الله} لمعاداة المؤمنين وقتالهم {والله بما يعملون محيط} عالم فيجازيهم به. {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم...} الآية. وذلك أنَّ قريشاً لمَّا أجمعت المسير خافت كنانة وبني مدلج لطوائلَ كانت بينهم، فتبدَّى لهم إبليس [في جنده] على صورة سُراقة بن مالك بن جعشم الكنانيِّ ثمَّ المدلجيِّ، فقالوا له: نحنُ نريد قتال هذا الرَّجل، ونخاف من قومك، فقال لهم: أنا جارٌ لكم، أَيْ: حافظٌ من قومي، فلا غالب لكم اليوم من النَّاس {فلما تراءت الفئتان} التقى الجمعان {نكص على عقبيه} رجع مولياً، فقيل له: يا سراقة، أفراراً من غير قتال؟! فقال: {إني أرى ما لا ترون} وذلك أنَّه رأى جبريل مع الملائكة جاؤوا لنصر المؤمنين {إني أخاف الله} أن يهلكني فيمن يهلك {والله شديد العقاب}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فئة: طائفة مقاتلة. فاثبتوا: لقتالها واصمدوا. واذكروا الله كثيراً: مهللين مكبرين راجين النصر طامعين فيه سائلين الله تعالى ذلك. تفلحون: تفوزون بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة بعد النجاة من الهزيمة في الدنيا والنار في الآخرة. ولا تنازعوا: أي لا تختلفوا وأنتم في مواجهة العدو أبداً. وتذهب ريحكم: أي قوتكم بسبب الخلاف. خرجوا من ديارهم بطراً: أي للبطر الذي هو دفع الحق ومنعه. وقال إني جار لكم: أي مجير لكم ومعين على عدوكم. تراءت الفئتان: أي التقتا ورأت كل منهما عدوها. نكص على عقبيه: أي رجع إلى الوراء هارباً، لأنه جاءهم في صورة سراقة بن مالك. إني أرى ما لا ترون: من الملائكة. والذين في قلوبهم مرض: أي ضعف في إيمانهم وخلل في اعتقادهم. معنى الآيات: هذا النداء الكريم موجه إلى المؤمنين وقد أذن لهم في قتال الكافرين، وبدأ بسرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه وثنى بهذه الغزوة غزوة بدر الكبرى فلذا هم في حاجة إلى تعليم رباني وهداية إلهية يعرفون بموجبها كيف يخوضون المعارك وينتصرون فيها وفي هذه الآيات الأربع تعليم عال جداً لخوض المعارك والانتصار فيها وهذا بيانها: 1- الثبات في وجه العدو والصمود في القتال حتى لكأن المجاهدين جبل شامخ لا يتحرك {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} أي جماعة مقاتلة {فَٱثْبُتُواْ}. 2- ذكر الله تعالى تهليلاً وتكبيراً وتسبيحاً ودعاء وضراعة ووعداً ووعيداً. {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} أي تفوزون بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة بعد النجاة من الهزيمة والمذلة في الدنيا، والنار والعذاب في الآخرة. 3- طاعة الله ورسوله في أمرهما ونهيهما ومنه طاعة قائد المعركة ومديرها وهذا من أكبر عوامل النصر حسب سنة الله تعالى في الكون {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}. 4- عدم التنازع والخلاف عند التدبير للمعركة وعند دخولها وأثناء خوضها. 5- بيان نتائج التنازع والخلاف وأنها: الفشل الذريع، وذهاب القوة المعبر عنها بالريح {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}. 6- الصبر على مواصلة القتال والإِعداد له وتوطين النفس واعدادها لذلك {وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}. 7- الإِخلاص في القتال والخروج له لله تعالى فلا ينبغي أن يكون لأي اعتبار سوى مرضاة الله تعالى {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}. هذه عوامل النصر وشروط الجهاد في سبيل الله. تضمنتها ثلاث آيات من هذه الآيات الخمس وقوله تعالى في الآية الرابعة [48] {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} يذكِّر تعالى المؤمنين بحادثة حدثت يوم بدر من أغرب الحوادث لتكون عبرة وموعظة للمؤمنين فيقول عز وجل واذكروا إذ زين الشيطان للمشركين الذين نهيتكم أن تتشبهوا بهم في سيرهم وقتالهم وفي كل حياتهم، فقال لهم: أقدموا على قتال محمد والمؤمنين، ولا ترهبوا ولا تخافوا إنه لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم أي مجير لكم وناصر ومعين. وكان الشيطان في هذه الساعة في صورة رجل من أشراف قبيلته يقال له سراقة بن مالك فلما تراءت الفئتان لبعضهما البعض وتقدموا للقتال رأى الشيطان جبريل في صفوف الملائكة، فنكص على عقبيه، وكان آخذاً بيد الحارث بن هاشم يحدثه يعده ويمنيه بعد ما زين لهم خوض المعركة وشجعهم على ذلك، وولى هارباً فقال له الحارث ما بك ما أصابك تعال فقال وهو هارب {إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ} يعني الملائكة {إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} وصدق وهو كذوب وقوله تعالى في نهاية الآية [49] {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} أي واذكروا أيها المؤمنون للعبرة والاتعاظ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض أي ضعف في الإِيمان وتخلخل في العقيدة: غر هؤلاء دينهم وإلا لما خرجوا لقتال قريش وهي تفوقهم عدداً وعدة، ومثل هذا الكلام يعتبر عادياً من ضعاف الإِيمان والمنافقين المستترين بزيف إيمانهم، فاذكروا هذا، ولا يفت في أعضادكم مثل هذا الكلام، وتوكلوا على الله واثقين في نصره فإنه ينصركم لأنه عزيز لا يغالب ولا يمانع في ما يريده أبداً. حكيم يضع النصر في المتأهلين له بالإِيمان والصبر والطاعة له، ولرسوله، والإِخلاص له في العمل والطاعة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أسباب النصر وعوامله ووجوب الأخذ بها في كل معركة وهي: الثبات وذكر الله تعالى، وطاعة الله ورسوله وطاعة القيادة وترك النزاع والخلاف والصبر والإِخلاص. 2- بيان عوامل الفشل والخيبة وهي النزاع والاختلاف والبطر والرياء والاغترار. 3- بيان عمل الشيطان في نفوس الكافرين بتزيينه لهم الحرب ووعده وتمنيته لهم. 4- بيان حال المنافقين وضعفة الإِيمان عند وجود القتال ونشوب الحروب. 5- وجوب التوكل على الله والاعتماد عليه مهما كانت دعاوى المبطلين والمثبطين والمنهزمين.
القطان
تفسير : تفشلوا: تجبنوا وتضعفوا. تذهب ريحكم: تذهب قوتكم وهيبتكم. البطر: إظهار الفخر، والطغيان في النعمة. رئاء: رياء. نكَص: رجع، تولى الى الوراء. الذين في قلوبهم مرض: ضعاف الإيمان. هذا هو النداء السادس: يؤكد ما تضمّنته النداءات السابقة من مبادئ وأُسسٍ ضرورية للحصول على النصر، وفيه يأمر الله المؤمنين بالتزام الفضائل والاخلاق التي لا بد من التحلي بها ساعةَ اللقاء في الحرب. وأوّلها الثباتُ أمام الأعداء، ثم ذِكر الله بالقلب واللسان، واستحضارُ عظَمة الله، ثم طاعةُ الله والرسول، فكلّ مخالفةٍ تؤخر النصر، وتفتح ثغرة للعدوّ. ثم يؤكد ذلك كله بتحذير يسد به نافذةً خطِرة يهبُّ منها الشر والفساد، هي نافذة التنازع والاختلاف فيما بينهم، مما يؤدي الى الفشل وذهاب القوة. هذه قاعدة مطّردة من قواعد الاجتماع، وسنّة ثابتة من سنن الله. وهذا ما هو حاصل في مجتمعنا العربي، وهو داؤنا الّذي يفتّت قوانا ويجعل العدو يعيش ويتوسّع. يا أيها الّذين آمنوا إذا لقيتم فئةً من أعدائكم فاثبُتوا، وأكثِروا من ذِكر الله مستحضِرين عظمته وحسن وعده بنصركم. إن الثباتَ وذِكر الله هما وسيلتان من وسائل الفوز والنصر. وأطيعوا الله ورسوله فيما أُمرتم به او نُهيتم عنه، وتجنّبوا التنازعَ والاختلاف فيما بينكم، فإن ذلك من اكبر اسباب الفشل والخيبة. واصبِروا على الشدائد وما تلقَون من مكارِه الحرب من بأس العدوّ واستعداده وكثرة عدده، فإن الله مع الصابرين يمدُّهم بالعَون والتأييد.. ومَن كان الله معه فلا غالب له. {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ} ولا تكونوا كأعدائكم المشرِكين الذين خرجوا من ديارهم في مكة مغرورين بَطِرين،متظاهرين أمام الناس رياءً يريدون الثناء عليهم بالشجاعة. {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} والله عليم بما جاءوا من أجله، عالِم بأعمالهم، وسوف يجازيهم عليها في الدنيا والآخرة. {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} اذكر أيّها الرسول للمؤمنين كيف زيّن الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوستِه، قائلا لهم إنه لا أحدَ من الناس يغلبهُم، لأنه هو مجيرٌ لهم، فلما تقابلَ الفريقان في الحرب نكص على عقِبيه وهرب وتبرّأ منهم. لقد خاف أن يُهلكه الله، واللهُ شديد العقاب على الذنوب. {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} اذكر يا محمد ماذا كان يقول المنافقون من الكفّار، وضعفاء الإيمان عند رؤيتكم في إقدامكم وثباتكم: لقد غرَّ هؤلاء المسلمين دينهم. {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ومن يكِل أمره إلى الله ويؤمن إيماناً خالصاً فان الله يكفيه ما أهمَّه، وينصره على أعدائه، فهو العزيز الغالب، والحكيم الذي يضع كل امر في موضعه.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} (45) - يَحُثُّ اللهُ المُؤْمِنينَ عَلَى الثَّبَاتِ عِنْدَ لِقَاءِ الأعْدَاءِ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ، وَيَأمُرُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، لِتَقْوَى قُلُوبُهُمْ، وَتَثْبُتَ نُفُوسُهُمْ، وَهذانِ مِنْ أكْبَرِ أسْبَابِ الفَوْزِ وَالنَّصْرِ عَلَى الأَعْدَاءِ فِي الدُّنْيا، وَمِنْ أسْبَابِ الفَوْزِ بِالفَلاَحِ وَبِرِضْوَانِ اللهِ فِي الآخِرَةِ.
الثعلبي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} أي جماعة كافرة (فاثبتوا) لقتالهم ولا تنهزموا {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} أي ادعو الله بالنصر عليهم والظفر بهم، وقال قتادة: أمر الله بذكره [أثقل] ما يكونون عند الضراب بالسيوف {لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} تنجحون بالنصر والظفر {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ} ولا تختلفوا {فَتَفْشَلُواْ} أي تخسروا وتضعفوا. وقال الحسن: فتفشلوا بكسر الشين {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} قال مجاهد: نصركم وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أُحد. وقال السدي: جماعتكم وحدتكم، وقال مقاتل: [حياتكم]، وقال عطاء: جَلَدكم. وقال يمان: غَلَبَتكم، وقال النضر بن شميل: قوتكم، وقال الأخفش: دولتكم، وقال ابن زيد: هو ريح النصر لم يكن نصر قط إلاّ بريح يبعثه الله في وجوه العدو، فإذا كان كذلك لم يكن لهم قوام، ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور ". تفسير : يقال للرجل إذا أقبلت الدنيا عليه بما يهواه: الريح اليوم لفلان. قال عبيد بن الأبرص: شعر : كما حميناك يوم النعف من شطب والفضل للقوم من ريح ومن عدد تفسير : وقال الشاعر: شعر : يا صاحبي ألا لا حي بالوادي إلا عبيد وأم بين أذواد أتنتظران قليلاً ريث غفلتهم أو تعدوان فإن الريح للعادي تفسير : أنشدني أبو القاسم المذكور قال: أنشدني أبا نصر بن منصور الكرجي الكاتب: شعر : إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكلّ خافقة سكون ولا يغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكون تفسير : قوله تعالى {وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً} فخرا وأشَرِاً {وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} معطوف على قوله: [بطراً ورئاء الناس] ومعناه ينظرون ويرون، إذ لا يعطف مستقبل على ماض، {وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} وهؤلاء أهل مكّة خرجوا يوم بدر ولهم بغيٌ وفخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللّهمّ إن قريشاً أقبلت بفخرها وخيلائها ليحادك ورسولك ". تفسير : قال ابن عباس: لمّا رأى أبو سفيان أنّه أحرز عيره أرسل إلى قريش أنّكم خرجتم لتمنعوا عليكم فقد نجاها الله فارجعوا فوافى الركب الذي فيه أبو سفيان ليأمروا قريشاً بالرجعة إلى مكّة فقال لهم: انصرفوا، فقال أبو جهل: والله لا ننصرف حتّى نرد بدراً وكان بدر موسماً من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام فنقيم بها ثلاثاً وننحر الجزر ونطعِم الطعام ونسقي الخمور ونعزف عليها القيان وتسمع بها العرب. فلا يزالون يهابوننا أبداً فوافوها فسُقوا كؤوس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان. ونهى الله عباده المؤمنين بأن يكونوا مثلهم وأمرهم بإخلاص النيّة والخشية في نصرة دينه وموأزرة نبيه صلى الله عليه وسلم {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} وكانت الزينة لهم على ما قاله ابن عباس وابن إسحاق والسدي والكلبي وغيرهم: إن قريشاً لمّا أجمعت المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناف بن كنانة من الحرب التي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فكان ذلك أن يثبتهم، فجاء إبليس في جند من الشياطين معه رايته فتبدّى في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني، وكان من أشراف كنانة. قال الشاعر: شعر : يا ظالمي أنّى تروم ظلامتي والله من كل الحوادث خالي تفسير : {فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ} أي التقى الجمعان ورأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء وعلم أنّه لا طاقة له بهم {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}. قال الضحاك: ولّى مدبراً. قال النضر بن شميل: رجع القهقري على قفاه هارباً، وقال قطرب وابان بن ثعلبة: رجع من حيث جاء. قال الشاعر: شعر : نكصتم على أعقابكم يوم جئتمُ وتزجون أنفال الخميس العرمرم تفسير : وقال عبد الله بن رواحة: فلمّا رأيتم رسول الله نكصتم على أعقابكم هاربينا. قال الكلبي: لما التقوا كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة بن كنانة آخذاً بيد الحرث بن هشام، فنكص على عقبيه وقال له الحرث: يا سراقة أين؟ أتخذلنا على هذه الحالة؟ فقال له { إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ} فقال: والله ما نرى إلا جواسيس يثرب. فقال: {إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ}. قال الحرث: فهلاّ كان هذا أمس، فدفع في صدر الحرث فانطلق وانهزم الناس، فلمّا قدموا مكة قالوا هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال بلغني أنكم تقولون أني هزمت الناس، فوالله ماشعرت حتى بلغني هزيمتكم، فقالوا أما أتيتنا في يوم كذا فحلف لهم، فلمّا تابوا علموا أن ذلك كان الشيطان. وقال الحسن في قوله: (أني أرى مالا ترون) فأتى إبليس جبرئيل معتجراً بردة يمشي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده اللجام يقود الفرس ماركب. سمعت أبا القاسم الحبيبي سمعت أبا زكريا العنبري، سمعت أبا عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي يقول أفخر بيت قيل في الإسلام قوله بغيض الأنصاري يوم بدر: شعر : وببئر بدر إذ نردّ وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد تفسير : وقال قتادة وابن إسحاق. قال إبليس: إني أرى مالا ترون وصدق الله في عدوّه، وقال: إني أخاف الله، وكذب عدوّ الله، والله ما به مخافة الله ولكن علم أنّه لا قوة له ولا منعة فأيّدهم وأسلمهم، وذلك عادة عدو الله لمن أطاعه، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم وتبرّأ منهم. قال عطاء إني أخاف الله أن يهلكني فيمن هلك، وقال الكلبي: خاف أن يأخذه جبرئيل ويعرّفهم حاله فلا يطيعوه من بعد، وقال معناه: إني أخاف الله، أي أعلم صدق وعده لأوليائه لأنه على ثقة من أمره. قال الاستاذ الامام أبو إسحاق، رأيت في بعض التفاسير: إني أخاف الله عليكم والله شديد العقاب. قال بعضهم هذا حكاية عن إبليس، وقال أخرون: انقطع الكلام عند قوله: إني أخاف الله قال الله {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدجر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لمّا رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر"تفسير : ، وذلك أنه رأى جبرائيل وهو يزع الملائكة. {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شك ونفاق {غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} يعني المؤمنين هؤلاء قوم بمكة مستضعفين حبسهم آباؤهم وأقرباؤهم من الهجرة، فلمّا خرجت قريش إلى بدر أخرجوهم كرهاً، فلمّا نظروا إلى حلة المسلمين ارتابوا وارتدّوا وقالوا: غرّ هؤلاء دينهم فقتلوا جميعاً منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميان والحرث بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج والوليد بن عتبة وعمرو بن بن أمية، فلما قُتلوا مع المشركين ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم فذلك قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ} تعاين يا محمد {إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} أي يقبضون أرواحهم ببدر {يَضْرِبُونَ} حال أي ضاربين {وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} قال سعيد بن جبير، ومجاهد: يريد أستاههم ولكن الله تعالى كريم [يكني]. وقال مُرّة الهمذاني وابن جريج: وجوههم ما أقبل عنهم، وأدبارهم ما أدبر عنهم، وتقديره: يضربون أجسادهم كلها، وقال ابن عباس: كانوا إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولّوا أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم، وقال الحسن: حديث : قال رجل: يا رسول الله رأيت بظهراني رجل مثل الشراك، قال: ذلك ضرب الملائكة، تفسير : وقال الحسين بن الفضل: ضرب الوجه عقوبة كفرهم، وضرب الأدبار عقوبة معاصيهم. {وَذُوقُواْ} فيه إضمار، أي ويقولون لهم ذوقوا {عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} في الآخرة، ورأيت في بعض التفاسير: كان مع الملائكة مقامع من حديد كلمّا ضربوا التهب النار في الجراحات فذلك قوله تعالى: وذوقوا عذاب الحريق، ومعنى قوله ذوقوا: قاسوا واحتملوا. قال الشاعر: شعر : فذوقوا كما ذقنا غداة محجر من الغيظ في أكبادنا والتحوب تفسير : ويجوز ذوقوا بمعنى موضع الابتلاء والاختبار يقول العرب اركب هذا الفرس فذقه، وانظر فلاناً وذق ما عنده. قال الشماخ في وصف قوس: شعر : فذاق وأعطاه من اللين جانباً كفى ولهاً أن يغرق السهم حاجز تفسير : وأصله من الذوق بالفم {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ} كسبت وعملت { أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أخذهم من غير جزم، وفي محل "أنّ" وجهان من الاعراب: أحدهما النصب عطفاً على قوله (بما قدمت) تقديره: وأن الله، والآخر: الرفع عطفاً على قوله (ذلك) معناه: وذلك أن الله.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة تسمع كلمة "فئة" فاعلم أن معناها جماعة اختصت بخوض المعارك في ميدان القتال، فليست مطلق جماعة، بل هي جماعة مترابطة من المقاتلين؛ لأن كل مقاتل يفيء لغيره من زملائه، أي جماعة أخرى غير مترابطة تستطيع تفريقهم بصرخة أو عصا، أما المقاتلون فأنت لا تصرفهم إلا بقوة أكبر منهم، ويحاول كل منهم أن يحمي زميله، إذن فكل منهم يفيء إلى الآخرين. والحق تبارك يقول: {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 249]. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} تفسير : [آل عمران: 13]. إذن فالفئة هي جماعة في الحرب. وقوله تعالى: {لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ} [الأنفال: 45]. يُقصد به ساعة حدوث المعركة ونشوب القتال؛ لأن الحرب تقتضي أولاً إعداداً، ثم تخطيطاً يتم قبل الالتحام ثم ذهاباً إلى مكان المعركة. وقوله تعالى: {إِذَا لَقِيتُمْ} أي أن المسألة قد وصلت إلى الواجهة مع الكفار ويقول الحق تبارك وتعالى {فَٱثْبُتُواْ} والثبات هنا معناه المواجهة الشجاعة، لأن الإنسان إذا ما كان ثابتاً في القتال، فالعدو يخشاه ويهابه، وإن لم يكن كذلك فسوف يضطر إلى النكوص، وهذا ما يُجريء الكفار عليكم. وما دمتم قد جئتم إلى القتال، فلا بد أن يشهد الأعداء شجاعتكم؛ لأنكم إن فررتم فهذه شهادة ضعف ضدكم. ولذلك لا بد من التدريب على الثبات والقتال، وهذا هو الإعداد المسبق للحرب؛ بالتدريب القوي والتخطيط الدقيق، وألا يتولى أحد منكم ويفر لحظة الزحف لأن هذا العمل هو من أكبر الكبائر، والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [الأنفال: 16]. {يُوَلِّهِمْ} أي يعطيهم، و{دُبُرَهُ} أي ظهره، وهذا تقبيح لعملية الفرار، لأن الدبر محل الصيانة ومحل المحافظة. ونعلم أن هناك من قال للإمام عليّ - كرم الله وجهه -: إن درعك له صدار وليس له ظهر، أي أن الدرع يحمي صدرك إنما وراءك لا يوجد جزء من الدرع ليحمي ظهرك. فقال: (لا كنت إن مكنت خَصمي من ظهري)، أي أنه - كرّم الله وجهه - يفضل الاستشهاد على أن يُمَكِّن خصمه من ظهره، فلو أنَّ درعه من الأمام ومن الخلف، ففي هذه الحالة يكون في نيته أن يمَكِّن خصمه من ظهره، ولذلك جعل الدرع يحمي الصدر فقط، وهو على يقين أنه لن يدير ظهره لعدوه، ويسمون تلك الحالة الأخرى "ظاهرة ضبط النفس" أي أنها طريق لمنع الشيء أن يحدث ولو في ساعة الشدة؛ لأن المقاتل حين يدخل المعركة، وهو يحمي صدره فقط فهو لا يتولى ليفر؛ لأنه يعلم أنه لو تولى فسيكشف لهم ظهره وسيتمكن منه عدوه وسوف يُقتل. والحق سبحانه وتعالى حين يقول: {فَٱثْبُتُواْ} لا يطلب هذا الثبات على إطلاقه، ولكن يريد من المؤمنين الثبات والقوة في القتال. أما غذا كانت الفئة التي يواجهها المؤمنون كبيرة العدد أو كثيرة العتاد فذلك يتطلب الدراسة والاستعداد، وهنا طلب الحق الثبات ليعلم المؤمنون يقيناً؛ أنهم لا يواجهون عدوهم بقوتهم ولكن بقوة الله الذي يجاهدون من أجله. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً}، أي تذكروا وأنتم تقاتلون أن الله معكم بعونه ونصره، فإن لم تستطع أسبابكم أن تأتي بالنصر، فإن خالق الأسباب يستطيع بقدرته أن يأتي بتالنصر. وكلنا نعلم أن الحق تبارك وتعالى قد وضع في كونه الأسباب، فإذا استنفدنا أسبابنا، اتجهنا إلى خالق الأسباب، ولذلك نجد أن من لا يؤمن بالله إذا خانته الأسباب ينتحر أو ينهار تماماً أو يصاب بالجنون، ولكن المؤمن يقول: إذا خانتني الأسباب فمعي رب الأسباب وخالقها، ويأوي إلى ركن شديد. إن الطفل الصغير إذا اعتدى عليه أحد يقول: إن لي أباً أو أخاً سيرد عني الإيذاء؛ لأن الأسباب لا تعطيه قدرة الرد، فكيف لمن له رب قدرته فوق قدرة الكون كله، وقوته موجودة دائماً. ولذلك نجد قوم موسى حين وصلوا إلى شاطيء البحر ووجدوا أمامهم الماء، ونظروا خلفهم ورأوا جنود فرعون مقبلين من بعيد، قالوا: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} وكانوا منطقيين فيما قالوه، فالبحر أمامهم والعدو وراءهم. وليس لهم من طريق للنجاة باستخدام الأسباب العادية في هذا الكون، ولكن موسى عليه السلام بقوة إيمانه بالله تعالى يقول ما جاء على لسانه في القرآن الكريم: {أية : قَالَ كَلاَّ} تفسير : [الشعراء: 62]. أي إن فرعون وجنوده لن يدركونا، ولم يفهم قوم موسى؛ لأن البحر أمامهم وجنود فرعون وراءهم، وأضاف سيدنا موسى عليه السلام بملء فيه قوله: أية : إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62]. أي أنه رفع الأمر من الأسباب إلى المسبب، وإذا بالله يأمره أن يضرب بعصاه البحر؛ فينفلق؛ وتظهر الأرض اليابسة. ويعبر بنو إسرائيل البحر، وعندما وصل موسى وقومه إلى شاطيء البحر بعد أن عبروا، أراد موسى أن يضرب البحر مرة أخرى حتى يعود الماء إلى الاستطراق. فلا يتمكن جنود فرعون من اللحاق بهم، ولكن الله سبحانه وتعالى قال لموسى: {أية : وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ}تفسير : [الدخان: 24]. أي لا تتعجل وتضرب البحر ليعود مرة أخرى لاستطراق الماء بل اتركه على حاله ساكناً فما أنجى الله به بني إسرائيل سيغرق به آل فرعون، وبذلك أنجي وأهلك بالشيء الواحد، وهذا لا يقدر عليه إلا هو سبحانه وتعالى. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الأنفال:45]. وسبحانه وتعالى هو خالق النفس البشرية وهو العليم بها حين تكون أمام قوة لم تحسب حسابها وكيف تعاني النفس من كرب عظيم، خصوصاً إذا كان ذلك في ميدان القتال، ولذلك طلب من المؤمنين لأن يتذكروا دائماً أنهم ليسوا وحدهم في المعركة وأنه سبحانه وتعالى معهم، فليذكروا هذا كثيراً ليوالي نصرهم على عدوهم؛ لأنهم إذا ما داوموا على ذكر الله تعالى فسيقوي هذا الذكر إيمانهم، ويجعل في قلوبهم الشجاعة اللازمة لتحقيق النصر. وذِكْرُ الحق كلمة {كَثِيراً} هنا يعني أن الإنسان قد يذكر الله عند اليأس فقط، فإن جاءت الحياة بعد ذلك بالرخاء فقد ينسى ذكر الله؛ لذلك يؤكد سبحانه وتعالى هنا أن يكون ذكر الله كثيراً، ليوالي الله نصر المؤمن على عدوه. ومثال ذلك: أننا نجده سبحانه وتعالى حينما يستحضر الخلق المؤمنين للصلاة في يوم الجمعة يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [الجمعة: 9-10]. يطلب الحق سبحانه وتعالى ذلك من المؤمنين وهو العليم بأنهم يداومون الولاء له سبحانه كل يوم خمس مرات. ثم بعد صلاة الجمعة يطالبهم بالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله تعالى، وينبهنا أن نداوم على ذكره فكأنه يقول؛ إياكم أن تلهيكم أعمالكم ومصالحكم الدنيوية عن ذكر الله، أو تعتقدوا أن ذكر الله في المسجد أو وقت الصلاة فقط، بل داوموا على ذكر الله في كل أحداث الحياة. فإن فعلتم ذلك وذكرتم الله كثيراً فستكونون من المفلحين. وذكر الله كثيراً معناه أنك تشعر في كل لحظة أن الله سبحانه وتعالى معك فتخشاه وتحمده وتستعين به. وهكذا تكون الصلة دائمة بينك وبين الله عز وجل في كل وقت. مثال ذلك ما حدث في عام 1973 في معركة العاشر من رمضان، كان ذكر الله يملأ القلوب واستمد الجند من قولهم: {الله أكبر} طاقة هائلة واجهوا بها العدو، واقتحموا خط "بارليف". وأعانهم الحق بمدد الإيمان من عنده، وأوجد في نفس كل منهم طاقة هائلة تحقق بها النصر؛ وذلك بإجادة التدريب ومداومة الذكر لله تعالى. ثم يقول الحق بعد ذلك: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُوۤاْ...}
الأندلسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ} أي فئة كافرة. حذف الوصف لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار. واللقاء إسم للقتال غالب وأمرهم تعالى بالثبات وهو مقيد بآية الضعف. وفي البخاري ومسلم حديث : لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية وإذا لقيتموهم فأثبتواتفسير : ، وأمرهم بذكره تعالى كثيراً في هذا الموطن العظيم من مصابرة العدو والتلاحم بالرماح والسيوف وهي حالة يقع فيها الذهول عن كل شىء فأمروا بذكر الله إذ هو تعالى الذي يفزع إليه عند الشدائد. والأظهر أن يكون فتفشلوا جواباً للنهي فهو منصوب، ولذلك عطف عليه منصوب لأنه يتسبب عن التنازع الفشل وهو الخور والجُبْن عن لقاء العدو، ويجوز أن يكون فتفشلوا مجزوماً عطفاً على ولا تنازعوا وذلك على قراءة عيسى بن عمر ويذهب بالياء وسكون الباء. {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} قال الزمخشري: والريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتسببه بالريح وهبوبها. فقيل: هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره. وقول الشاعر: شعر : أتنظران قليلاً ريث غفلتهم أم تعدوان فإِن الريح للعادي تفسير : "انتهى". وهو قول أبي عبيدة أن الريح هي الدولة. وقال آخر: شعر : إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكونا تفسير : {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ} الآية نزلت حديث : في أبي جهل وأصحابه خرجوا لنصرة العير بالقينات والمعازف ووردوا الجحفة، فبعث خفاف الكناني وكان صديقاً له بهدايا مع ابنه وقال: إن شئت أمددناك بالرجال وإن شئت بنفسي مع من خف من قومي فقال أبو جهل: إذ كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله طاقة، وان كنا نقاتل الناس فوالله إنّ بنا على الناس لقوة، والله لا نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدراً فنشرب فيها الخمر وتعزف علينا القينات، فإِن بدراً مركز من مراكز العرب وسوق من أسواقهم حتى تسمع العرب بمخرجنا فتهابنا آخر الأبد. فوردوا بدراً فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القينات فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا مثل هؤلاء بطرين طربين مرائين بأعمالهم صادين عن سبيل الله تعالى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أن قريشاً أقبلت بفخرها وخيلائها تجادل وتكذب رسولك اللهم فاحنها الغداة . تفسير : وفي قوله: {وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} وعيد وتهديد لمن بقي من الكفار وانتصب بطراً ورئاء على أنه مفعول من أجله. {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} الآية، وهي ما كانوا فيه من الشرك وعبادة الأصنام ومسيرهم إلى بدر وعزمهم على قتاله صلى الله عليه وسلم وهذا التزيين والقول والنكوص من وسوسة الشيطان على سبيل المجاز وهو من باب مجاز التمثيل. {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} رجع في ضد إقباله، أي رجع إلى وراء. {وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ} مبالغة في الخذلان والانفصال عنهم، لم يكتف بالفعل حتى أكد ذلك بالقول. {إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ} رأي خرق العادة ونزول الملائكة. {إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ} قال قتادة وابن الكلبي: معذرة كاذبة لأنه لم يخف الله قط. وقال الزجاج: بل خاف مما رأى من الهول خاف أن يكون اليوم الذي أنظر إليه، انتهى. ويحتمل أن يكون: {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} معطوفاً على معمول القول، قال ذلك بسطاً لعذره عندهم وهو متحقق أن عقاب الله شديد. ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى استأنفه تهديداً لإِبليس ومن تابعه من مشركي قريش وغيرهم. {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} الآية، ظاهر العطف التغاير، فقيل: المنافقون هم من الأوس والخزرج لما خرج عليه السلام. قال بعضهم: نخرج معه. وقال بعضهم: لا نخرج. {غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ} المؤمنين {دِينُهُمْ} يزعمون أنهم على حق وأنهم لا يغلبون، هذا معنى قول ابن عباس. {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} هم قوم أسلموا ومنعتهم أقرباؤهم من الهجرة فأخرجتهم قريش معها كرهاً فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا، وقالوا: غر هؤلاء دينهم فقتلوا جميعاً. ولم يذكر أنّ منافقاً شهد بدراً مع المسلمين إلا معتب بن قشير فإِنه ظهر يوم أحد قوله: {أية : لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا} تفسير : [آل عمران: 154]. والذين في قلوبهم مرض هو من عطف الصفات وهي لموصوف واحد وصفوا بالنفاق وهو إظهار ما لا يخفيه وبالمرض لقوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} وهم منافق المدينة. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية، لو التي ليست شرطاً في المستقبل تقلب المضارع للمضي، فالمعنى لو رأيت وشاهدت. وحذف جواب لو جائز بليغ حذفه في مثل هذا لأنه يدل على التعظيم أي لو رأيت أمراً عجيباً وشيئاً هائلاً. والظاهر أن الملائكة فاعل يتوفى، ويدل عليه قراءة من قرأ تتوفى بالتاء. فقيل في هذه القراءة: الفاعل ضمير الله، والملائكة مبتدأ، والجملة حالية كهي في يضربون. قال ابن عطية: ويضعّفه سقوط واو الحال فإِنها في الأَغلب تلزم مثل هذا. "انتهى". ولا ويضعفه إذ جاء بغير واو في كتاب الله وفي كثير من كلام العرب ولكن يضعفه تفكيك الكلام من حيث صار جملتين وانصباب الرؤية على الملائكة في حال ضربهم وجوه الكفار والملائكة هم الممد بهم يوم بدر، ويضربون حال من الملائكة، وجوههم حال الإِقبال. وادبارهم حالة هزيمتهم لأن الضرب في الإِدبار أخزى وأشد نكالاً. {ذُوقُواْ} الآية، هو كلام مستأنف منه تعالى: بقوله: لهم في الآخرة.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} مقتضى إيمانكم: الاعتصام بحول الله وقوته عليكم {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} من الكفار {فَٱثْبُتُواْ} وتمكنوا تجاة العدو ولا تضطربوا، ولا تستدبروا {وَ} بعد استقراركم وثباتكم {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} ذكراً {كَثِيراً} واستعينوا منه وتوكلوا عليه {لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الأنفال: 45] تفوزون بالنصر والظفر، والغلبة والغنيمة إن أخلصتم النية. {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في جميع حالاتكم، سيما عند المقابلة ومقاتلة العدو {وَلاَ تَنَازَعُواْ} باختلاف الآراء والأهواء، بل فوضوا أمورككم إلى الله ورسوله، وإن وقع النزاع والمخالفة بينكم {فَتَفْشَلُواْ} وتضعفوا فيفتر عزمكم {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي: دولتكم وهيبتكم التي ظهرت عليكم من نور الإسلام {وَ} بعدما سمعتم ما سمعتم {ٱصْبِرُوۤاْ} على مشاق الجهاد، ورابطوا قلوبكم إلى الله ورسوله {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] المرابطين المتمكنين، يعين عليهم وينصرهم. {وَلاَ تَكُونُواْ} أيها المؤمنون القاصدون نحو الجهاد {كَٱلَّذِينَ} أي: كالكفار الذين {خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم} يعني: مكة للقتال {بَطَراً} مفاخرين مباهين بعددهم وعُددهم {وَ} يقصدون بذلك الخروج {رِئَآءَ ٱلنَّاسِ} ليثنوا بالشجاعة والسماحة {وَ} هم بمجرد هذا القصد الفاسد والنية الكاسدة {يَصُدُّونَ} أي: ينصرفون ويحرفون {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الموضوع على العدل القويم، المسمى بالصراط المستقيم {وَٱللَّهُ} المطلع بجميع أحوالهم {بِمَا يَعْمَلُونَ} ويؤملون من المخايل الفاسدة {مُحِيطٌ} [الأنفال: 47] بعلمه الحضوري، يجازيهم عليها بمقتضى علمه وخبرته.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً } أي: طائفة من الكفار تقاتلكم. { فَاثْبُتُوا } لقتالها، واستعملوا الصبر وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتها العز والنصر. واستعينوا على ذلك بالإكثار من ذكر اللّه { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي: تدركون ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم،فالصبر والثبات والإكثار من ذكر اللّه من أكبر الأسباب للنصر. { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } في استعمال ما أمرا به، والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال. { وَلا تَنَازَعُوا } تنازعا يوجب تشتت القلوب وتفرقها، { فَتَفْشَلُوا } أي: تجبنوا { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة اللّه ورسوله. { وَاصْبِرُوا } نفوسكم على طاعة اللّه { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } بالعون والنصر والتأييد، واخشعوا لربكم واخضعوا له. { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارهم لقصد الأشر والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم. والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدوا عن سبيل اللّه من أراد سلوكه، { وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذركم أن تشبهوا بهم، فإنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. فليكن قصدكم في خروجكم وجه اللّه تعالى وإعلاء دين اللّه، والصد عن الطرق الموصلة إلى سخط اللّه وعقابه، وجذب الناس إلى سبيل اللّه القويم الموصل لجنات النعيم. { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } حسَّنها في قلوبهم وخدعهم. { وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ } فإنكم في عَدَدٍ وعُدَدٍ وهيئة لا يقاومكم فيها محمد ومن معه. { وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ } من أن يأتيكم أحد ممن تخشون غائلته، لأن إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوة كانت بينهم. فقال لهم الشيطان: أنا جار لكم، فاطمأنت نفوسهم وأتوا على حرد قادرين. { فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ } المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريل عليه السلام يزع الملائكة خاف خوفا شديدا و { نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ } أي: ولى مدبرا. { وَقَالَ } لمن خدعهم وغرهم: { إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ } أي: أرى الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم. { إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ } أي: أخاف أن يعاجلني بالعقوبة في الدنيا { وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ }. ومن المحتمل أن يكون الشيطان، قد سول لهم، ووسوس في صدورهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، وأنه جار لهم،فلما أوردهم مواردهم، نكص عنهم، وتبرأ منهم، كما قال تعالى: {أية : كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ }. تفسير : { إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } أي: شك وشبهة، من ضعفاء الإيمان، للمؤمنين حين أقدموا - مع قِلَّتهم - على قتال المشركين مع كثرتهم. { غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ } أي: أوردهم الدين الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها، ولا استطاعة لهم بها،يقولونه احتقارا لهم واستخفافا لعقولهم، وهم - واللّه - الأخِفَّاءُ عقولا الضعفاء أحلاما. فإن الإيمان يوجب لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلة التي لا يقدم عليها الجيوش العظام،فإن المؤمن المتوكل على اللّه، الذي يعلم أنه ما من حول ولا قوة ولا استطاعة لأحد إلا باللّه تعالى،وأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على نفع شخص بمثقال ذرة لم ينفعوه،ولو اجتمعوا على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء قد كتبه اللّه عليه، وعلم أنه على الحق، وأن اللّه تعالى حكيم رحيم في كل ما قدره وقضاه، فإنه لا يبالي بما أقدم عليه من قوة وكثرة، وكان واثقا بربه، مطمئن القلب لا فزعا ولا جبانا، .ولهذا قال { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ } لا يغالب قوته قوة. { حَكِيمٌ } فيما قضاه وأجراه.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 313 : 19 : 24 - سفين عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حديث : لا تتمنوا لقآء العدو. وسلوا الله العافية. وإن أنتم لقيتموهم، فاثبتوا، واكثروا ذكر الله، واصبروا - وان جلبوا وصيحوا، فعليكم بالصمتتفسير : . [الآية 45].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):