٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
44
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثالث من النعم التي أظهرها الله للمسلمين يوم بدر، والمراد أن القليل الذي حصل في النوم تأكد ذلك بحصوله في اليقظة. قال صاحب «الكشاف»: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ } الضميران مفعولان يعني إذ يبصركم أياهم، و {قَلِيلاً } نصب على الحال. واعلم أنه تعالى قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين، وقلل أيضاً عدد المؤمنين في أعين المشركين. والحكمة في التقليل الأول، تصديق رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم، وأيضاً لتقوى قلوبهم وتزداد جراءتهم عليهم، والحكمة في التقليل. الثاني: أن المشركين لما استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب والحذر، فصار ذلك سبباً لاستيلاء المؤمنين عليهم. فإن قيل: كيف يجوز أن يريهم الكثير قليلاً؟ قلنا: أما على ما قلنا فذاك جائز، لأن الله تعالى خلق الإدراك في حق البعض دون البعض. وأما المعتزلة فقالوا: لعل العين منعت من إدراك الكل، أو لعل الكثير منهم كانوا في غاية البعد فما حصلت رؤيتهم. ثم قال: {لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً }. فإن قيل: ذكر هذا الكلام في الآية المتقدمة، فكان ذكره ههنا محض التكرار. قلنا: المقصود من ذكره في الآية المتقدمة هو أنه تعالى فعل تلك الأفعال ليحصل استيلاء المؤمنين على المشركين على وجه يكون معجزة دالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم. والمقصود من ذكره ههنا، ليس هو ذلك المعنى، بل المقصود أنه تعالى ذكر ههنا أنه قلل عدد المؤمنين في أعين المشركين، فبين ههنا أنه إنما فعل ذلك ليصير ذلك سبباً لئلا يبالغ الكفار في تحصيل الاستعداد والحذر، فيصير ذلك سبباً لانكسارهم. ثم قال: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلامُورُ } والغرض منه التنبيه على أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً ليوم المعاد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} هذا في اليقظة. ويجوز حمل الأولىٰ على اليقظة أيضاً إذا قلت: المنام موضع النوم، وهو العين؛ فتكون الأولىٰ على هذا خاصةً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذه للجميع. قال ٱبن مسعود: قلت لإنسان كان بجانبي يوم بدر: أتراهم سبعين؟ فقال: هم نحو المائة. فأسرنا رجلاً فقلنا: كم كنتم؟ فقال: كنا ألفاً. {وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ} كان هذا في ابتداء القتال حتى قال أبو جهل في ذلك اليوم: إنما هم أَكْلة جَزُور، خذوهم أخذاً وٱربطوهم بالحبال. فلما أخذوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا، كما قال: {أية : يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ}تفسير : [آل عمران: 13] حسب ما تقدّم في «آل عمران» بيانه {لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} تكرر هذا؛ لأن المعنىٰ في الأوّل من اللقاء، وفي الثاني من قتل المشركين وإعزاز الدين، وهو إتمام النعمة على المسلمين. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي مصيرها ومردّها إليه.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} الضميران مفعولا يرى و {قَلِيلاً} حال من الثاني، وإنما قللهم في أعين المسلمين حتى قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لمن إلى جنبه أتراهم سبعين فقال أراهم مائة، تثبيتاً لهم وتصديقاً لرؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم. {وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ} حتى قال أبو جهل: إن محمداً وأصحابه أكلة جزور، وقللهم في أعينهم قبل التحام القتال ليجترءوا عليهم ولا يستعدوا لهم، ثم كثرهم حتى يرونهم مثليهم لتفجأهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم، وهذا من عظائم آيات تلك الوقعة فإن البصر وإن كان قد يرى الكثير قليلاً والقليل كثيراً لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد، وإنما يتصور ذلك بصد الله الأبصار عن إبصار بعض دون بعض مع التساوي في الشروط. {لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } كرره لاختلاف الفعل المعلل به، أو لأن المراد بالأمر ثمة الاكتفاء على الوجه المحكي وها هنا إعزاز الإِسلام وأهله وإذلال الإشراك وحزبه. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ }.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ } أيها المؤمنون {إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً } نحو سبعين أو مائة وهم ألف لتقدموا عليهم {وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ } ليقدموا ولا يرجعوا عن قتالكم، وهذا قبل التحام الحرب، فلما التحم أراهم إياهم مثليهم كما في( آل عمران ){لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ } تصير {ٱلأُمُورُ }.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لقد قللوا في أعيينا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: لا، بل مائة، حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه؟ قال: كنا ألفاً. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم} قال: حضض بعضهم على بعض.
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} نفى التدبير عن ساحة التقدير ويخرج ما فى المشية الازلية على لباس الامر ينقض العقود والعزائم التى اجتمعت هموم الخلق عليها قال امير المؤمنين على بن ابى طالب عرفت الله بنقض العزائم وفسخ الهمم قال جعفر ما قضى فى الازل يظهره فى الحين والوقت بعد الوقت وقال بعضهم يكشف عن سوابق علمه فى غيبه باتصال كل من الفريقين الى ما سبق له منه من ازله ثم صرف الخلق من دوية المشية الى صورة الاحكام لعمله بقلة ادراكهم سوابق القسمة فى الازل بقوله {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : قدر فى الاول ونصب اعلام القهر واللطف فى الطريقة فى الآخر فيرجع الاخر بما يبدوا منه الى مصدر تقدير الاول وبين انه منزه عن الجهل والظلم نصب الاول كبيان حكمته واثبات حجته ليهلك من هلك عن بينة امره السابق وارادته القائمة ويحيى من حى بتلك البينات من هلك بهواه ما هلك الا باهلاكه اياه فى الازل ومن حى بمناه من مشاهدته ومعرفته ما حى الا باحيائه فى الازل اظهار الشريعة وابراز الادلة حكم فى محل الامتحان وقضية الازل غالبة على صورة الامر قال تعالى وانه غالب على امره قال بعضهم اظهر للخلق الايات ونصب لهم الاعلام وفتح اعين قوم لرؤيتها واعمى قوما دونها وبعث اليهم الوسايط بالبراهين الصادقة والنوار النيّرة ولكن يهدى لنوره من يشاء من عباده وقدم هذه المقدمة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة قال بعضهم لا خبرة الا لمن حى بذكره وانس بقربه والخلق كلهم متحركون فى اسبابهم والحى منهم من يكون حيوته بالحى الذى لا يموت قال الاستاذ الهالك من عمه فى اودية التفرقة والحى من الحى بنور التعريف.
اسماعيل حقي
تفسير : {وإذ يُريكموهم} الضميران مفعولا يرى وفاعل الاراءة هو الله تعالى. والمعنى بالفارسية [وآنراياد كنيداى صحابه كه بنمود خداى تعالى دشمنانرا بشما] {إِذ التقيتم في أَعينكم} حال كونهم {قليلا} وانما قللهم فى اعين المسلمين حتى قال ابن مسعود رضى الله عنه لمن الى جنبه أتراهم سبعين قال اراهم مائة مع انهم كانوا الفا وتسعمائة وخمسين تثبيتا لهم وتقوية لقلوبهم وتصديقا لرؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم فانها وحى لا خلف فيه اصلا {ويقللكم في أَعينهم} حتى قال ابو جهل ان محمدا واصحابه اكلة جزور وهو مثل يضرب فى القلة اى قلتهم بحيث يشبعهم جزور واحد قللهم فى اعينهم قبل التحام القتال ليجترئوا عليهم ولا يبالغوا فى الاجتهاد والاستعداد والتأهب والحذر ثم كثرهم حتى رأوهم مثليهم لتفاجئهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم. قال فى التأويلات النجمية {ويقللكم فى أَعينهم} لانهم ينظرون اليكم بالابصار الظاهرة لا يرون كثرة معناكم وقوة قلوبكم ومددكم من الملائكة فانهم عمى البصائر والقلوب ولئلا يفروا من القتال كما فر ابليس لما رأى مدد الملائكة وهو قد جاء مع الكفار فى صورة سراقة فقالوا له اين تفر فقال لهم انى ارى ما لا ترون {ليقضى الله أَمرا كان مفعولا} كرره لاختلاف الفعل المعلل به وهو الجمع بين الفريقين على الحالة المذكورة فى الاول وتقليل كل واحد من الفريقين فى عين الآخر فى الثانى {وإلى الله ترجع الأَمور} كلها يصرفها كيف يريد لا راد لامره ولا معقب لحكمه. وفيه تنبيه على ان احوال الدنيا غير مقصودة لذواتها وانما المراد منها ما يكون وسيلة الى سعادة الآخرة ومؤديا الى مرضاة الرحمن. وفى الآيات اشارات. منها ان اركان الاسلام خمسة وهى غنائم دينية لكن التوحيد اعلى من الكل ولذا كان خمسا راجعا الى الله تعالى وباقى الاخماس حظ الجوارح فعلى العاقل ان يحرز غنائم العبادات وما يتعلق بالمعارف والكمالات التى تتحقق بها السادات ليكون الروح والجوارح كلاهما محفوظين غير محرومين. وفى التأويلات النجمية ما غنمتم عند رفع الحجب من انوار المشاهدات واسرار المكاشفات فلكم اربعة اخماس تعيشون بها مع الله وتكتمونها عن الاغيار شعر : داند وبوشدبامر ذو الجلال كه نباشد كشف راز حق حلال تفسير : ولا تنفقون اكثر من خمسها فى الله مخلصا وللرسول متابعا ولذى القربى يعنى الاخوان فى الله مواصلا واليتامى يعنى اهل الطلب من الذين غاب عنهم مشايخهم قبل بلوغهم الى حد الكمال والمساكين يعنى الطالبين الصادقين اذا امسكوا بأيدى الاراداة اذيال ارشادكم وابن السبيل يعنى الصادر الوارد من اهل الصدق والارادة من اغيار جانب كل طائفة منهم على حسب صدقهم وارادتهم وطلبهم واستعدادهم واستحقاقهم مؤديا حقوقهم لله وفى الله وبالله فى متابعة رسول الله وقانون سيرته وسنته. ومنها ان الله تعالى كما جمع بين الفريقين بحيث لو تركهم على حالهم لما اجتمعوا ليظهر عز الاسلام وذل الكفر كذلك جمع بين الارواح والنفوس فى هذه الهياكل والقوالب بحيث لو تركهما على حالهما وهما على تلك الضدية واختلاف الطبيعة لما اجتمعت ليحصل الارواح فى مقعد صدق والنفوس مع الملائكة المقربين كما قال {أية : فادخلى فى عبادى} تفسير : [الفجر: 29]. بعدما كانت محبوسة فى سجن الدنيا والاجساد فى جنات النعيم واعلى عليين بعد ما كانت فى اسفل سافلين هذا بالنسبة الى السعداء المخلوقين للتحيات والقربات واما الاشقياء المذرؤون لجهنم فعلى خلاف ذلك وقد خلق الله الاستعداد للترقى والتنزل ولله على الناس الحجة البالغة. قال الكاشفى {در ترجمه شفا مذ كورست كه كوهر شب آنكه فروز عقل را همجانجه درحقه سينه دوستان مى سبارند دراستين دشمنان تر دامن نيز مى نهند "ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة" يعنى بارقة نور عقل اكر از جانب عنايت وتوفيق لامع شود دوستان بدان مهتدى كردند واكر از طرف قهر وخذلان استضاءت يذيرد سبب اختطاف ابصار بصائر دشمنان شود "يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا"] شعر : كرت صورت حال بد يانكوست نكاريده دست تتدير اوست تفسير : ومنها ان من سنة الله ان يرى النبى صلى الله عليه وسلم حقائق الاشياء حقا وصدقا وهو يخبر بها ثم يراها ارباب الصورة فى الظاهر بضدها ابتلاء واختبار للمؤمن والمنافق فالمؤمن يثبت على ايمانه بتصديق النبى عليه السلام وتسليمه فى اقواله واعماله واحواله من غير اعتراض فيزيده الله ايمانا مع ايمانه والمنافق تزل قدمه وتشوش حاله بالاعتراض ويزيد نفاقه على النفاق وعماه على العمى والى الله ترجع الامور فحال المؤمن وامره ان يرجع الى رضاه وحال المنافق وامره يرجع الى سخطه والرضى والسخط آثار لطفه وقهره يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد وقس على هذا الهامات الاولياء واحوالهم مع معتقديهم ومنكريهم فان الاختبار والابتلاء سنة قديمة وكم ترى من الصوفية من يزعم انه يحب فلانا ويعتقده وطريقته حقا فاذا جاء سطوة القهر باراءة ما هو غير ملائم لطبعه نكص على عقبيه واتخذه غرضا لطعنه وتشنيعه واين هو المحبة وهو مقام عال يجتمع عنده اللطف والقهر والجمال والجلال فلا يتشوش صاحبه من الاحوال العارضة المرئية فى صورة التنزل والتدلى ولذا كثر ارباب الصورة وقل اصحاب المعنى ويكفى لكل مرشد كامل واحد ممن يلزم طريقته وينبع هداه
الطوسي
تفسير : التقدير اذكروا أيها المؤمنون إذ يريكموهم، فالهاه والميم كناية عن المشركين، والكاف والميم كناية عن المؤمنين، أرى الله تعالى الكفار قليلين في أعين المؤمنين ليشتد بذلك طمعهم فيهم وجرأتهم عليهم، وقلل المؤمنين في أعين الكفار لئلا يتأهبوا ولا يستعدوا لقتالهم ولايكترثوا بهم ويظفر بهم المؤمنون. والمراد بالرؤية ها هنا الرؤية بالبصر، وهو الادراك بحاسة البصر والرائي هو المدرك. والعين حاسة يدرك بها البصر، والعين مشتركة، فمنها عين الماء، وعين الميزان، وعين الركبة، وعين الذهب، والعين النفس، والالتقاء اجتماع الاتصال، لان الاجتماع على وجهين: اجتماع الاتصال واجتماع في معنى من غير اتصال كاجتماع القوم في الدار، وان لم يكن هناك اتصال. ويقال للعسكرين إذا تصافا التقيا لوقوع العين على العين. فان قيل كيف قللهم الله في أعينهم مع رؤيتهم لهم؟ قلنا: بأنه يتخيلوهم بأعينهم قليلا من غير رؤية على الصحة لجميعهم وذلك بلطف من ألطافه تعالى مما يصد به عن الرؤية من قتام يستر بعضهم ولا يستر بعضاً آخر. وروي عن ابن مسعود انه قال رأيناهم قليلا حتى قلت لمن كان إلى جانبي أتراهم سبعين رجلا؟ فقال لي هم نحو المئة. فلما اسرنا رجلا منهم سألناه كم كانوا، فقال ألفاً. وقوله {ليقصي الله أمراً كان مفعولاً} إنما كرره في هذه الآية مع ذكره في الآية الاولى، لاختلاف الفائدة، فمعناه في الآية الاولى {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} من الالتقاء على الصفة التي حصلتم عليها. ومعناه في الثانية يقلل كل فريق في عين صاحبه {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} من اعزاز الدين بجهادكم على ما دبره لكم. وإنما قال {كان مفعولاً} والمعنى يكون مفعولا في المستقبل لتحقيق كونه لا محالة حتى صار بمنزلة ما قد كان إذ قدم علم الله انه كائن لا محالة. وقوله تعالى {وإلى الله ترجع الأمور} اي ترجع الامور إلى ملكه وتدبيره خاصة، ويزول ملك كل من ملكه في دار الدنيا.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} تصديقاً لرؤيا الرّسول (ص) وتشجيعاً لكم {وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ} لئلاّ يفرّوا من القتال فيقع ما اراده الله من القتال ونصرة المؤمنين واعلاء كلمتهم، نقل عن ابن مسعود انّه قال: لقد قلّلوا فى اعيننا حتّى قلت لرجل الى جنبى، اتراهم سبعين؟ - قال: اراهم مائةً، فأسرنا رجلاً منهم فقلنا: كم كنتم؟ - قال: الفاً، وقلّل المؤمنون فى اعين الكفّار حتّى قال قائل منهم: انّما هم اكلة جزور، هذا كان قبل المقاتلة وامّا حين المقاتلة فقد رأوا المؤمنين مثليهم رأى العين {لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} كرّره تأكيداً واشعاراً بان لا غرض من الامر بالقتال وتدبير امر المقاتلين من رؤيا القلّة ورؤية القليل وتشجيع المؤمنين وتثبيتهم الاّ قضاء ما فى اللّوح وامضاءه من اظهار دينه على الاديان {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} كما انّ منه تدبيرها وصدورها ثمّ بعد ما اظهر انّ النّصر من عنده وانّ الظّاهر ايضاً منه وشجّع المؤمنين وثبّتهم قال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً}.
اطفيش
تفسير : {وإذ يُرِيكُمُوهُم} الرؤية بصرية فى غير المنام باتفاق هنا، متعدية لاثنين بالهمزة، الأول الكاف والميم علامة، والواو تقوية، والثانى الهاء {إذ التَقيْتُم فى أعْينكُم} متعلقان بيرى {قَليلاً} حال من الهاء والتاء فى التقيتم للمؤمنين والمشركين، تغليبا للمخاطبين وهم المؤمنون، أو خطابا للكل تنزيلا للمشركين منزلة من حضر مع المؤمنين فى وقت نزول هذه الآية، أو التاء للمؤمنين فقط، فالتقدير إذا التقيتم مع المشركين أراهم الله المشركين قليلا، حين تصافوا للقتال زيادة للتثبيت، وما الخبر كالعيان، وتصديقا للرؤيا بأن ستر الله عنهم أكثر المشركين بسائر، أو يحدث فى أعينهم ما يستقلون به الكثير كما يحدث فى أعين الحوَل ما ترون به الواحد اثنين. قيل لبعض الحوَل: إن الأحول يرى الواحد اثنين، وكان بين يديه ديك واحد ويراه اثنين، فقال: مالى لا أرى هذين الديكين أربعا، وتقليل الكثير، وتكثير القليل ممكنان فى قدرة الله بما شاء، قال ابن مسعود: لقد قللوا فى أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبى: أتراهم سبعين، قال أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم كنتم؟ فقال ألفا ذكره جار الله، ولا يرد على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن القوم ما بين التسعمائة إلى الألف" تفسير : لأن ابن مسعود رضى الله عنه ومن جرى مجراه لم يعلموا بمقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو علموا بها وصدقوا بها، وتوهموا أن الأكثر لم يحضروا هناك، بل تأخروا، أو رأوا أن مقالته لم يقلها على طريق الجزم، بل قالها مستندة إلى قول المشرك إنهم ينحرون يوما عشرا ويوما تسعا، فتوهموا كذب المشرك، أو تيقنوا أنهم كما قال، وأنهم حاضرون كلهم، وأنهم فى ذلك العدد الذى رأوا سبعين أو مائة تسليما لقول النبى، وأمر الله، وأجيز أن تكون القلة فى الآية بمعنى ضعف حالهم، وعدم ثباتهم للمؤمنين وهو خلاف ما مر عن ابن مسعود. {ويُقلِّلكُم فى أعيُنهِم} ليجترءوا عليكم، ولا يبالوا بكم، وتسكن قلوبهم إلى أنهم غالبوكم، فلا يستعدون، ذلك بعد أن رأوهم، وقبل أن تتصافُّوا للقتال، أو بعد التصاف، وقبل الشروع فى القتال، أو المراد بالأعين أعين قلوبهم، أعنى ما تعتقده قلوبهم، فإذا تصاففتم أو شرعتم فى القتال، أو رأوكم فاجأتهم كثرة لم يسعدوا لها، وشدة سكنوا إلى غيرها فبهتوا وقلت شوكتهم إذ رأوا ما لم يحتسبوا، وسيأتى فى السورة أنهم رأوهم مثلهم، فبذلك تزيد الحجة عليهم قوة، وتزيدون فى الإيمان قوة. قيل لأبى جهل: انصرفوا فقد نجت العير، فقال: الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم، وإنما هم أكلة جزور أى ناقة، والأكلة بفتح الهمزة والكاف جمع أكل كطلب وطلبة، يعنى أنهم قليل قدر ما تشبعهم ناقة منحورة، ثم قال: فلا تقتلوهم واربطوهم فى الحبال. {ليَقْضى الله أمْراً كانَ مفْعُولا} ذكر هنالك تعليلا لجمعهم على الحالة السابقة هنالك وهنا، تعليلا للتقليل فى أعينهم والإراءة، فإنه تنازع فيه يركموهم ويقللكم، أو ذكر هنالك مرادا بالأمر فيه نصر المؤمنين، وهنا إعزاز الإسلام، والمصدق واحد، أو مرادا بالأمر هنالك التقاءهم على الحالة السابقة، وهنا إعزاز الإسلام ونصر أهله، وقيل: المراد واحد، والتكرير للتأكيد، ورجحه بعضهم. {وإلَى اللهِ تُرجَع الأمورُ} فى الآخرة فيجازى عليها، ويعاقب، وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر، والأعمش بفتح التاء وكسر الجيم من رجع اللازم، وأما قراءة نافع بالبناء للمفعول فمن المتعدى، أو من أرجع بإدخال همزة المتعدية على رجع اللازم.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ} فى اليقظة حين التقيتم قبل التحام القتال، أَى واذكروا إِذ {إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} الإِراءَة بصرية تعدت لاثنين للهمزة وقليلا حال من الهاء بخلاف ما تقدم فإِنها حلمية تتعدى إِلى ثلاثة للهمزة رآهم قليلا لينشطوا وتصديق رؤياه صلى الله عليه وسلم حتى قال ابن مسعود لمن يليه: أَتراهم سبعين؟ فقال: أَراهم مائة، وهم فى نفس الأَمر أَلف، كف الله بصرهم عن رؤية أَكثرهم، أَو رأَوا من معهم فظهر لهم أَن المشركين وهم أَلف قليل بالنسبة، والمشركون لم يروا الملائكة فقالوا أَن المؤمنين قليل، أَو كان الكثير قليلا بمحض خلق الله والقليل كثير بمحض خلقه كما خلق فى عين الأَحول رؤية الواحد اثنين، ومما قواهم الله به أَن الله تعالى أَراه فى منامه المذكور مصارع القوم، هذا مصرع أَبى جهل، هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، فأَخبر المؤمنين، والمصارع لحكاية الحال الماضية لتشاهد، والمشاهدة أَقوى، وكذا فى قوله: {وَيُقَلِّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ} عطفاً على يريكم أَو على التقيتم، قلل المسلمين فى أَعين الكفار ليجيئوا فتقتلوهم حتى قال أَبو جهل إِن هؤلاء المؤمنين أَكلة جزور بفتح الهمزة والكاف، أَى عدد يكفيهم فى الأَكل بعير لقلتهم {لِيَقْضِىَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً} هذا علة للتقليل فما تقدم عله للجمع بين الفريقين، أَو الأَمر هناك التقاءِ الفريقين على وجه كون نصر المؤمنين معجزة له صلى الله عليه وسلم، وهنا إِعزاز الإِسلام على الشرك فلا تكرير، وذلك قبل التحام القتال، وأَما بعده فرأَوا المسلمين مثليهم ثم رأَوهم سبعة آلاف وثلثمائة وثلاثة عشر بالملائكة الذين أَمدهم الله، {وَإِلَى اللهِ} لا إِلى غيره {تُرْجَعُ} ترد {الأُمُورُ} الأَحوال قليلها وجليلها: من تغليب القليل على الكثير وتقليل الكثير والثواب والعقاب وغير ذلك، كما ترجع إِليه الأَجسام، وفى ذلك تنبيه على أَنه لا يجوز قصد أَحوال الدنيا لذاتها بل يجب أَن تقصد زاداً لدار المعاد.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} مقدر بمضمر خوطب به الكل بطريق التلوين والتعميم معطوف على ما قبل، والضميران مفعولا يرى و{قَلِيلاً} حال من الثاني، وإنما قللهم سبحانه في أعين المسلمين حتى قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إلى من بجنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة تثبيتاً لهم وتصديقاً لرسوله عليه الصلاة والسلام {وَيُقَلِّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ} حتى قال أبو جهل: إنما أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أكلة جزور، وكان هذا التقليل في ابتداء الأمر قبل التحام القتال ليجترؤا عليهم ويتركوا الاستعداد والاستمداد ثم كثرهم سبحانه حتى رأوهم مثليهم لتفاجئهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا. {لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأًمُورُ} كرر لاختلاف الفعل المعلل به إذ هو في الأول اجتماعهم بلا ميعاد وهنا تقليلهم ثمَّ تكثيرهم، أو لأن المراد بالأمر ثم الالتقاء على الوجه المحكي، وهٰهنا إعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وحزبه، هذا وذكر غير واحد أن ما وقع في هذه الواقعة من عظائم الآيات فإن البصر وإن كان قد يرى الكثير قليلاً والقليل كثيراً لكن لا على ذلك الوجه ولا إلى ذلك الحد وإنما يتصور ذلك بصد الأبصار عن إبصار بعض دون بعض مع التساوي في الشرائط. واعترض بأن ما ذكر من التعليل مناسب لتقليل الكثير لا لتكثير القليل، وأجيب بأن تكثير القليل من جانب المؤمنين بكون الملائكة عليهم السلام ومن جانب الكفرة حقيقة فلا يحتاج إلى توجيه فيهما وإنما المحتاج إليه تقليل الكثير، وذكر في «الكشاف» طريقين لإبصار الكثير قليلاً ((أن يستر الله تعالى [عنهم] بعضه بساتر أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير كما خلق في عيون الحول ما يستكثرون به القليل فيرون الواحد اثنين))، وعليه فيمكن أن يقال: إن رؤيتهم للمؤمنين مثليهم من قبيل رؤية الأحول بل هي أعظم على تقدير أن يراد مثلي أنفسهم وحينئذٍ لا يحتاج إلى حديث رؤية الملائكة مع المؤمنين، وفي «الانتصاف» ((أن في ذلك دليلاً بيناً على أنه تعالى هو الذي يخلق الإدراك في الحاسة غير موقوف على سبب من مقابلة أو قرب أو ارتفاع حجب أو غير ذلك، إذ لو كانت هذه الأسباب موجبة للرؤية عقلاً لما أمكن أن يستتر عنهم البعض وقد أدركوا البعض، والسبب الموجب مشترك فعلى هذا يجوز أن يخلق الله تعالى الإدراك (مع انتفاء هذه الأسباب ويجوز أن لا يخلقه) مع اجتماعها فلا ربط إذن بين الرؤية ونفيها في مقدور الله تعالى، وهي رادة على القدرية المنكرين لرؤيته تعالى (لفقد شرطها وهو التجسم ونحوه)، وحسبهم هذه الآية في بطلان زعمهم لكنهم يمرون عليها وهم عنها معرضون))، ثم إن رؤياه عليه الصلاة والسلام كانت في قول على طرز رؤية أصحابه رضي الله تعالى عنهم المشركين، وذكر بعض المحققين أنها كانت في مقام التعبير فلا يلزم أن تكون على خلاف الواقع، والقلة معبرة بالمغلوبية، والواقعة من الرؤية منها ما يقع بعينه ومنها ما يعبر ويؤول، وتحقيق الكلام فيها يقتضي بسطاً فتيقظ واستمع لما يتلى فنقول: اعلم أن النفس الناطقة الإنسانية سلطان القوى البدنية وهي الآت لها وظاهر أن القوة الجسمانية تكل بكثرة العمل كالسيف الذي يكل بكثرة القطع فالنفس إذا استعملت القوى الظاهرة استعمالاً كثيراً بحيث يعرض لها الكلال تعطلها لتستريح وتقوى كما أن الفارس إذا أكثر ركوب فرسه يرسله ليستريح ويرعى. / وهذا التعطل الحاصل باسترخاء الأعصاب الدماغية المتصلة بالآت الإدراك هو النوم وما يتراءى هناك هو الرؤيا إلا أن المتكلمين والحكماء المشائين والمتألهين من الإشراقيين والصوفية اختلفوا في حقيقتها إلى مذاهب، فذهب المعتزلة وجمهور أهل السنة من المتكلمين إلى أن الرؤيا خيالات باطلة، ووجه ذلك عند المعتزلة فقد شرائط الإدراك حالة النوم من المقابلة وانبثاث الشعاع وتوسط الشغاف والبنية المخصوصة إلى غير ذلك من الشرائط المعتبرة في الإدراك عندهم وعند الجماعة، وهم لم يشترطوا شيئاً من ذلك أن الإدراك حالة النوم خلاف العادة وأن النوم ضد الإدراك فلا يجامعه فلا تكون الرؤيا إدراكاً حقيقة، وقال الأستاذ أبو إسحاق: إن الرؤيا إدراك حق إذ لا فرق بين ما يجده النائم من نفسه من إبصار وسمع وذوق وغيرها من الإدراكات وما يجده اليقظان من إدراكاته فلو جاز التشكيك فيما يجده النائم لجاز التشكيك فيما يجده اليقظان ولزم السفسطة والقدح في الأمور المعلومة حقيقتها بالبديهة، ولم يخالف في كون النوم ضداً للإدراك لكنه زعم أن الإدراكات تقوم بجزء من أجزاء الإنسان غير ما يقوم به النوم من أجزائه فلا يلزم اجتماع الضدين في محل. وذهب المشاءون إلى أن المدرك في النوم يوجد في الحس المشترك الذي هو لوح المحسوسات ومجمعها فإن الحواس الظاهرة إذا أخذت صور المحسوسات الخارجية وأدتها إلى الحس المشترك صارت تلك الصور مشاهدة هناك ثم إن القوة المتخيلة التي من شأنها تركيب الصور إذا ركبت صورة فربما انطبعت تلك الصورة في الحس المشترك وصارت مشاهدة على حسب مشاهدة الصورة الخارجية فإن مدار المشاهدة الانطباع في الحس المشترك سواء انحدرت إليه من الخارج أو من الداخل، ثم إن القوة المتخيلة من شأنها التصوير دائماً لا تسكن نوماً ولا يقظة فلو خليت وطباعها لما فترت عن رسم الصور في الحس المشترك إلا أنه يصرفها عن ذلك أمران: أحدهما توارد الصور من الخارج على الحس المشترك إذ بعد انتقاشه بهذه الصورة لا يسع أن ينتقش بالصورة التي تركبها المتخيلة. وثانيهما تسلط العقل أو الوهم عليها بالضبط عندما يستعملانها في مدركاتهما، ولا شك في انقطاع هذين الصارفين عند النوم فيتسع لانتقاش الصور من الداخل فيكون ما يدركه النائم صوراً مرتسمة في الحس المشترك وموجودة فيه وهو الرؤيا إلا أن منها ما هو صادق ومنها ما هو كاذب. أما الأولى: فهي التي ترد تلك الصور فيها على الحس المشترك من النفس الناطقة، وبيانه أنه صور جميع الحوادث ما كان وما يكون مرتسمة في المبادىء العالية التي يعبر عنها أرباب الشرع بالملائكة ومنطبعة بالنفوس المجردة الفلكية واتصال النفس المجردة بالمجرد لعلة الجنسية أشد من اتصالها بالقوى الجسمانية فمن شأنها أن تتصل بذلك وتنتقش بما فيه إلا أن اشتغالها بالحواس الظاهرة والباطنة واستغراقها بتدبير بدنها يمنعانها عن ذلك الاتصال والانتقاش لأن اشتغال النفس ببعض أفاعيلها يمنعها من الاشتغال بغيره، فإنًّ الذي لا يشغله شأن عن شأن هو الله تعالى الواحد القهار، ولا يمكن إزالة العائق بالكلية إلا أنه يسكن اشتغالها بالإدراكات الحسية حالة النوم إذ في اليقظة ينتشر الروح إلى ظاهر البدن بواسطة الشرايين وينصب إلى الحواس الظاهرة حالة الانتشار ويحصل بها الإدراك فتشتغل النفس بتلك الإدراكات، وأما في النوم الذي هو أخ الموت فينحبس الروح إلى الباطن ويرجع عن الحواس الظاهرة بعد انصبابه إليها فتتعطل فيحصل للنفس أدنى فراغ فتتصل بتلك المبادىء اتصالاً روحانياً معنوياً وتنتقش ببعض ما فيها مما استعدت هي له كالمرايا إذا حوذي بعضها ببعض فانتقش في بعضها ما يتسع / له مما انتقش في البعض الآخر فتدرك النفس مما ارتسم في تلك المبادىء ما يناسبها من أحوالها وأحوال ما يقارنها من الأقارب والأهل والولد والإقليم والبلد ماضيه وآتيه إلا أن هذا الإدراك لعدم تأديه من طرف الحس كلي فتحاكيه القوة المتخيلة التي جبلت محاكية لما يرد عليها بصور جزئية مثالية خيالية مناسبة إياه فتحاكي ما هو خير بالنسبة إليها في صورة جميلة وما هو شر كذلك في صورة قبيحة هائلة على مراتب مختلفة ووجوه متعددة ومن ثمة قد ترى ذاتها بصفة جميلة صورية ومعنوية من الجمال والعلم والكرم والشجاعة وغير ذلك من الصفات المحمودة، وقد ترى ذاتها متصفة بأضداد ما ذكر، وقد ترى تلك الصفات في صورة ما غلبت الصفات عليه، بل قد ترى أنها نفسها صارت نوعاً آخر لغلبة صفاته عليها، ومتى غلبت عليها الصفات الجميلة والأخلاق الحميدة ترى صوراً جميلة وأشخاصاً حميدة كذوي الجمال والعلماء والأولياء والملائكة، بل قد ترى أنها صارت عالماً أو ملكاً مثلاً، ومتى غلبت عليها الصفات الذميمة ترى صوراً هائلة كصورة غولية أو سبعية، وكذا رؤية حال من يقاربه من الأهل والولد والإقليم مثلاً فإنها تراها باعتبار اختلاف المراتب والمناسبات على ما هي عليه في المضي أو الحال أو الاستقبال حتى لو اهتمت بمصالح الناس رأتها ولو كانت منجذبة الهمة إلى المعقولات لاحت لها أشياء منها، فمتى لم يكن اختلاف بين تلك الصورة وبين ما هي مأخوذة منه إلا بالكلية والجزئية كانت الرؤية غير محتاجة إلى التعبير، والتجاوز عنها إلى ما يناسبها بوجه من المماثلة أو الضدية التي يقتضيها نحو الألف والخلق والأسباب السماوية وغير ذلك من وجوه خفية لا يطلع عليها إلا الأفراد من أئمة التعبير، وإن كانت مخالفة لها لقصور يقع في المتخيلة إما لذاتها أو لعروض دهشة وحيرة لها مما ترى أو لغير ذلك كانت محتاجة إلى التعبير، وهو أن يرجع المعبر القهقرى مجرداً لما يراه النائم عن تلك الصور التي صورتها المتخيلة إلى أن ينتهي بمرتبة أو مراتب إلى ما تلقته النفس من تلك المبادىء فيكون هو الواقع، وقد يتفق سيما إذا كان الرائي كثير الاهتمام بالرؤيا أن يعبر رؤياه في النوم الذي رآها فيه أو غيره، فهو إما بتذكره لما كانت الرؤيا حكاية عنه، وإما بتصوير المتخيلة حكاية رؤياه بحكاية أخرى، وحينئذٍ يحتاج إلى تعبيرين. وأما الثانية: فهي تكون لأشياء أما لأن النفس إذا أحست في حال اليقظة بتوسط الآلات الجسمانية بصور جزئية محسوسة أو خيالية وبقيت مخزونة في قوة الخيال فعند النوم الذي يخلص فيه الحس المشترك عما يرد عليه من الحواس الظاهرة ترسم في الحس المشترك ارتسام المحسوسات إما على ما كانت عليها وإما بصور مناسبة لها، أو لأن النفس أتقنت بواسطة المتخيلة صورة ألفتها فعند النوم تتمثل في الحس المشترك، أو لأن مزاج الدماغ يتغير فيتغير مزاج الروح الحاملة للقوة المتخيلة فتتغير أفعال المتخيلة بحسب تلك التغيرات، ولذلك يرى الدموي الأشياء الحمر والصفراوي النيران والأشعة والسوداوي الجبال والأدخنة والبلغمي المياه والألوان البيض، ومن هذا القبيل رؤية كون بدنه أو بعض أعضائه في الثلج أو الماء أو النار عند غلبة السخونة أو البرودة عليه، ورؤية أنه يأكل أو يشرب أو يبول عند عروض الاحتياج إلى أحدها. ومن العجائب في هذا الباب أنه إذا غلب المني واحتاجت الطبيعة إلى دفعه تحتال باستعانة القوة المتخيلة إلى تصوير ما يندفع به من الصور الحسنة وفي إرسال الريح الناشرة لآلة الجماع وإرادة حركاتها حتى يندفع بذلك ما أرادت اندفاعه، وقد يكون ذلك التوجه والاعتياد لا لغلبة المني فلهذا قد لا يندفع به شيء، وقد يعرض / للروح اضطراب وتحريك من الأسباب الخارجة والداخلة فترى أموراً متغيرة متفرقة غير منضبطة فربما يتركب من المجموع صورة غير معهودة قلما يتصورها أحد أو يقع مثلها في الخارج، وقد يكون ذلك لاتصالات فلكية وأوضاع سماوية، فإذا كانت الرؤيا لأحد هذه الأمور تسمى أضغاث أحلام ولا تعبير لها ولا تقع. وقد ذكروا أن أصدق الناس رؤيا أعدلهم مزاجاً ومن كان مع ذلك منقطعاً عن العلائق الشاغلة والخيالات الفاسدة معتاداً للصدق متوجهاً إلى الرؤيا واستثباتها وكيفيتها كانت رؤياه أصح وأصدق وأكثر أحلام الكذاب والسكران والمغموم ومن غلب عليه سوء مزاج أو فكر أو خيالات فاسدة ومقتضيات قوى غضبية وشهوية كاذبة لا يعتمد عليها، ومن هنا قالوا: لا اعتماد على رؤيا الشاعر لتعوده الأكاذيب الباطلة والتخيلات الفاسدة. وذهب بعض أصحاب المكاشفات وأرباب المشاهدات من الحكماء المتألهين والصوفية المنكرين لارتسام الصور في الخيال إلى أن الرؤيا مشاهدة النفس صوراً خيالية موجودة في عالم المثال الذي هو برزخ بين عالم المجردات اللطيفة المسمى عندهم بعالم الملكوت، وبين عالم الموجودات العينية الكثيفة المسمى بعالم الملك، وقالوا: فيه موجودات متشخصة مطابقة لما في الخارج من الجزئيات مثل لها قائمة بنفسها مناسبة لما في العالمين المذكورين، إما لعالم الملك فلأنها صور جسمانية شبحية، وإما لعالم الملكوت فلأنها معلقة غير متعلقة بمكان وجهة كالمجردات حتى أنه يرى صوراً مثالية لشخص واحد في مرايا متعددة بل في مواضع متكثرة كما يرى بعض الأولياء في زمان واحد في أماكن متعددة شرقية وغربية، ثم إن لتلك الصور مجالي مختلفة كالمرايا والماء الصافي، والقوى الجسمانية سيما الباطنة إذا انقطعت عن الاشتغال بالأمور الخارجية العائقة إذ بذلك يحصل لها زيادة مناسبة لذلك العالم كما للمتجردين عن العلائق البشرية، وإذا قويت تلك المناسبة كما للأنبياء عليهم السلام والأولياء الكمل قدس الله تعالى أسرارهم تظهر في القوى الظاهرة أيضاً، ولهذا كان النبـي صلى الله عليه وسلم يشاهد جبريل عليه السلام حين ما ينزل بالوحي والصحابة رضي الله تعالى عنهم حوله كانوا لا يشاهدونه. هذا واستشكل قول المتكلمين: أن الرؤيا خيالات باطلة بأنه قد شهد الكتاب والسنة بصحتها بل لم يكن أحد من الناس إلا وقد جربها من نفسه تجربة توجب التصديق بها. وأجيب بأن مرادهم أن كون ما يتخيله النائم إدراكاً بالبصر رؤية وكون ما يتخيله إدراكاً بالسمع سمعاً باطل فلا ينافي كونها أمارة لبعض الأشياء. وذكر حجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة في شرح قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من رآني في المنام فقد رآني»تفسير : الحديث أنه ليس المراد بقوله عليه الصلاة والسلام فقد رآني رؤية الجسم بل رؤية المثال الذي صار آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه إليه، ثم ذكر أن النفس غير المثال المتخيل، فالشكل المرئي ليس روحه صلى الله عليه وسلم ولا شخصه بل مثاله على التحقيق، وكذا رؤيته سبحانه نوماً فإن ذاته تعالى منزهة عن الشكل والصورة لكن تنتهي تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره وهو آلة حقاً في كونه واسطة في التعريف، فقول الرائي: رأيت الله تعالى نوماً لا يعني به أنه رأى ذاته تعالى. وقال أيضاً: من رآه صلى الله عليه وسلم مناماً لم يرد رؤيته حقيقة بشخصه المودع روضة المدينة بل رؤية مثاله وهو مثال روحه المقدسة عليه الصلاة والسلام. قيل: ومن هنا يعلم جواب آخر للإشكال وهو أن مرادهم أن ما يرى في المنام ليس له حقيقة ثابتة في / نفس الأمر كما أن المرئي في اليقظة كذلك بل هو مثال متخيل يظهره الله تعالى للنفس في المنام كما يظهر لها الأمور الغيبية بعد الموت والنوم والموت أخوان، ووصف ما ذكر بالباطل لعله من قبيل وصف العالم به في قول لبيد:شعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل تفسير : وأنت تعلم أن ما ذكره حجة الإسلام ليس مما اتفق عليه علماؤه فقد ذهب جمع إلى أن رؤيته صلى الله عليه وسلم بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة وبغيرها إدراك للمثال، على أن كلام المتكلمين ظاهر المخالفة للكتاب والسنة ولا يكاد يسلم تأويله عن شيء فتأمل. ولعل النوبة تفضي إلى ذكر زيادة كلام في هذا المقام. وبالجملة إنكار الرؤيا على الإطلاق ليس في محله كيف وقد جاء في مدحها ما جاء. ففي «صحيح مسلم» «أيها الناس لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها مسلم أو ترى له». وجاء في أكثر الروايات أنها جزء من ست وأربعين. ووجه ذلك بأنه عليه الصلاة والسلام عمل بها ستة أشهر في مبدأ الوحي وقد استقام ينزل عليه الوحي ثلاثاً وعشرين سنة، ولا يتأتى هذا على رواية خمس وأربعين، وكذا على رواية سبعين جزأ؛ أو رواية ست وسبعين وهي ضعيفة ورواية ست وعشرين وقد ذكرها ابن عبد البر ورواية النووي من أربعة وعشرين والله تعالى أعلم.
ابن عاشور
تفسير : {وإذ يريكموهم} عطف على {أية : إذ يريكهم الله}تفسير : [الأنفال: 43] وهذه رؤيةُ بَصَر أراها الله الفريقين على خلاف ما في نفس الأمر، فكانت خطأ من الفريقين، ولم يُرها النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك عديت رؤيا المنام الصادقة إلى ضمير النبي، في قوله: {أية : إذ يريكهم الله}تفسير : [الأنفال: 43] وجُعلت الرؤية البصرية الخاطئة مسندة إلى ضمائر الجَمعين، وظاهر الجمع يعمّ النبي صلى الله عليه وسلم فيُخصّ من العموم. أرَى الله المسلمين أنّ المشركين قليلون، وأرى المشركين أنّ المسلمين قليلون. خَيل الله لكلا الفريقين قلّة الفريق الآخر، بإلقاء ذلك التخيّل في نفوسهم، وجعل الغاية من تينك الرؤيتَين نصر المسلمين، وهذا من بديع صنع الله تعالى إذ جعل للشيء الواحد أثرين مختلفين، وجعل للأثرين المختلفين أثراً متّحداً، فكان تخيّل المسلمين قلّة المشركين مقويّاً لقلوبهم، وزائداً لشجاعتهم، ومزيلاً للرعب عنهم، فعظم بذلك بأسهم عند اللقاء، لأنّهم ما كان ليفلّ من بأسهم إلاّ شعورهم بأنّهم أضعف من أعدائهم عَدداً وعُدداً، فلمّا أزيل ذلك عنهم، بتخييلهم قلّة عدوّهم، خلصت أسباب شدّتهم ممّا يوهنها. وكان تخيّل المشركين قلّة المسلمين، أي كونَهم أقلّ ممّا هم عليه في نفس الأمر، بَرْداً على غليان قلوبهم من الغيظ، وغارّاً إياهم بأنّهم سينالون التغلّب عليهم بأدنى قتال، فكان صارفاً إيّاهم عن التأهّب لقتال المسلمين، حتّى فاجأهم جيش المسلمين، فكانت الدائرةُ على المشركين، فنتج عن تخيّل القلّتين انتصار المسلمين. وإنّما لم يكن تخيل المسلمين قلة المشركين مثبطاً عزيمتهم، كما كان تخيّل المشركين قلّة المسلمين مثبطاً عزيمتهم، لأنّ المسلمين كانت قلوبهم مفعمة حنقاً على المشركين، وإيماناً بفساد شركهم، وامتثالاً أمرَ الله بقتالهم، فما كان بينهم وبين صبّ بأسهم على المشركين إلاّ صرف ما يثبط عزائمهم. فأمّا المشركون، فكانوا مزدهين بعَدائهم وعنادهم، وكانوا لا يرون المسلمين على شيء، فهم يحسبون أنّ أدنى جولة تجول بينهم يقبضون فيها على المسلمين قبضاً، فلذلك لا يعبؤون بالتأهّب لهم، فكان تخييل ما يزيدهم تهاوناً بالمسلمين يزيد تواكلهم وإهمال إجماع أمرهم. قال أهل السير: كان المسلمون يحسبون عدد المشركين يتراوح بين السبعين والمائة وكانوا في نفس الأمر زهاء ألف، وكان المشركون يحسبون المسلمين قليلاً، فقد قال أبو جهل لقومه، وقد حَزر المسلمين: إنّما هم أكَلَةُ جَزُور، أي قُرابةُ المائة، وكانوا في نفس الأمر ثلاثمائة وبضعة عشر. وهذا التخيل قد يحصل من انعكاس الأشعّة واختلاف الظِّلال، باعتبار مواقع الرائين من ارتفاع المواقع وانخفاضها، واختلاف أوقات الرؤية على حسب ارتفاع الشمس، وموقع الرائين من مواجهتها أو استدبارها، وبعض ذلك يحصل عند حدوث الآل والسراب، أو عند حدوث ضباب أو نحو ذلك، وإلقاء الله الخيال في نفوس الفريقين أعظم من تلك الأسباب. وهذه الرؤية قد مضت بقرينة قوله: {إذ التقيتم} فالتعبير بالمضارع لاستحضار الحالة العجيبة لهاته الإراءة، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : إذ يريكهم الله في منامك قليلاً}تفسير : [الأنفال:43 ]. و{إذ التقيتم} ظرف لـ{يريكموهم} وقوله: {في أعينكم} تقييد للإراءة بأنّها في الأعين، لا غير، وليس المرئيّ كذلك في نفس الأمر، ويُعلم ذلك من تقييد الإراءة بأنّها في الأعين، لأنّه لو لم يكن لمقصد لكان مستغنى عنه، مع ما فيه من الدلالة على أنّ الإراءة بصرية لا حُلمية كقوله في الآية الأخرى: {أية : تَرَوْنهم مِثليهم رأيَ العين}تفسير : [آل عمران: 13]. والالتقاء افتعال من اللقاء، وصيغة الافتعال فيه دالّة على المبالغة. واللقاء والالتقاء في الأصل الحضور لدى الغير، من صديق أو عدوّ، وفي خير أو شرّ، وقد كثر إطلاقه على الحضور مع الأعداء في الحرب، وقد تقدّم عند قوله تعالى في هذه السورة {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً}تفسير : [الأنفال: 15] الآية. {ويقلّلكم} يجعلكم قليلاً، لأنّ مادة التفعيل تدلّ على الجَعل، فإذا لم يكن الجعل متعَلّقاً بذات المفعول، تعيّن أنّه متعلّق بالإخبار عنه، كما ورد في الحديث في يوم الجمعة: «وفيه ساعة»، قال الراوي: يقلّلها؛ أو متعلق بالإراءة كما هنا، وذلك هو الذي اقتضى زيادة قوله: {في أعينهم} ليُعلم أنّ التقليل ليس بالنقص من عدد المسلمين في نفس الأمر. وقوله: {ليقضي الله أمراً كان مفعولا} هو نظير قوله: {أية : ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً}تفسير : [الأنفال: 42] المتقدم أعيد هنا لأنّه علّة إراءة كلا الفريقين الفريق الآخر قليلاً، وأما السابق فهو علّة لتلاقي الفريقين في مكان واحد في وقت واحد. ثم إنّ المشركين لما يرزوا لقتال المسلمين ظهر لهم كثرة المسلمين فبُهتوا، وكغان ذلك بعد المناجزة، فكان ملقياً الرعب في قلوبهم، وذلك ما حكاه في سورة [آل عمران: 13] قوله: {أية : يرونهم مثليهم رأي العين}تفسير : . وخولف الأسلوب في حكاية إراءة المشركين، وحكاية إراءة المسلمين، لأنّ المشركين كانوا عدداً كثيراً فناسب أن يحكي تقليلهم بإراءتهم قليلاً، المُؤذنة بأنّهم ليسوا بالقليل. وأمّا المسلمون فكانوا عدداً قليلاً بالنسبة لعدوّهم، فكان المناسب لتِقليلهم: أن يعبّر عنه بأنّه تقليل المؤذن بأنّه زيادة في قلّتهم. وجملة: {وإلى اللَّه ترجع الأمور} تذييل معطوف على ما قبله عطفاً اعتراضياً، وهو اعتراض في آخر الكلام، وهذا العطف يسمّى: عطفاً اعتراضيّاً، لأنّه عطف صوريٌّ ليست فيه مشاركة في الحكم، وتسمّى الواو اعتراضية. والتعريف في قوله: {الأمور} للاستغراق، أي جميع الأشياء. والرجوع هنا مستعمل في الأول وانتهاء الشيء، والمراد رجوع أسبابها، أي إيجَادُها، فإنّ الأسباب قد تلوح جارية بتصرّف العباد وتأثير الحوادث، ولكن الأسباب العالية، وهي الأسباب التي تتصاعد إليها الأسبابُ المعتادة، لا يتصرّف فيها إلاّ الله وهو مؤثّرها وموجدها. على أنّ جميع الأسباب، عالِيها وقريبِها، متأثر بما أودع الله فيها من القوى والنواميس والطبائِع، فرجوع الجميع إليه، ولكنّه رجوع متفاوت على حسب جريه على النظام المعتاد، وعدم جريه، فإيجاد الأشياء قد يلوح حصوله بفعل بعض الحوادث والعباد، وهو عند التأمّل الحقِّ راجع إلى إيجاد الله تعالى خالق كلّ صانع. والذوات وأحوالُها كلّها من الأمور، ومآلها كلُّه رجوع، فهذا ليس رجوع ذوات ولكنه رجوع تصرّف، كالذي في قوله: {أية : إنا لله وإنا إليه راجعون}تفسير : [البقرة: 156]. والمعنى: ولا عجب في ما كوّنه الله من رؤية الجيشين على خلاف حالهما في نفس الأمر، فإنّ الإراءة المعتادة ترجع إلى ما وضعه الله من الأسباب المعتادة، والإراءة غير المعتادة راجعة إلى أسباب يضعها الله عند إرادته. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب {تُرجَعُ} ـ بضمّ التاء وفتح الجيم ـ أي يَرجعها، راجع إلى الله، والذي يرجعها هو الله فهو يرجعها إليه. وقرأ البقية {تَرجع} ـ بفتح التاء وكسر الجيم ـ أي: ترجع بنفسها إلى الله، ورجوعها هو برجوع أسبابها.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 44- واذكر - أيها الرسول - حينما كان الله يريكم أعداءكم عند التلاقى قلة فى أعينكم، كما يظهركم الله فى أعين أعدائكم قلة، ولما فى أنفسهم من الغرور بالكثرة، ليقدم كل منكم على قتال الآخر، فيتم تنفيذ أمر علمه الله، وكان لا بد أن يتم، وإلى الله ترجع أمور العالم كله، فلا ينفذ إلا ما قضاه وهيأ أسبابه. 45- يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم جماعة مقاتلة من أعدائكم فاثبتوا ولا تفروا، واذكروا الله متمثلين قدرته وحسن وعده بنصر المؤمنين، مكثرين فى ذلك الذكر مع الثبات والصبر، فإنكم إن فعلتم ذلك كان رجاؤكم للفلاح محققاً. 46- وأطيعوا الله ورسوله فيما أمرتم به أو نهيتم عنه، ودعوا التنازع والاختلاف، فإنهما مدعاة إلى ضياع القوة وإلى العجز، واصبروا على ما تلقون من مكاره الحرب، فإن الله مع الصابرين بالعون والتأييد والتثبيت وحسن الجزاء. 47- ولا تكونوا كأولئك الذين خرجوا من ديارهم، مغرورين بما لهم من قوة ونعمة، مفاخرين ومتظاهرين بهما أمام الناس، يريدون الثناء عليهم بالشجاعة والغلبة، وهم بذلك يصدون عن سبيل الله والإسلام، والله محيط بأعمالهم علماً وقدرة، وسوف يجازيهم عليها فى الدنيا والآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : (44) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى: أنَّهُ أظْهَرَ كُلَّ فِئَةٍ لِخُصُومِهَا أنَّ عَدَدَهَا قَليلٌ، لِيَطْمَعُوا فِيهَا، وَلِيَدْفَعَ بَعْضَهُمْ إلى لِقَاءِ بَعْضٍ، لِيُنَفِّذَ أمْرَهُ، وَلِيَقْضِيَ عَلَى الكُفْرِ، وَيَنْصُرَ دِينَهُ. وَمَرْجِعُ الأمُورِ كُلِّهَا إلَى اللهِ، فَلاَ يَنْفُذُ إلاَّ مَا قَضَاهُ وَهَيَّأ أسْبَابَهُ. وَحِينَ التَقَيْتُمْ بِالمُشْرِكِينَ ثَبَّتَكُمْ وَثَبَّطَهُمْ فَانْتَصَرْتُمْ عَلَيْهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن رأى المؤمنون الكفار قليلاً، ولو كثَّر الله الكفار في أعين المؤمنين، أو كثّر المؤمنين في أعين الكفار ما حدثت المعركة. ولكنه سبحانه وتعالى شاء أن يقلل كل فريق في نظر الآخر ليبدأ القتال، ويحكي سيدنا عبد الله بن مسعود: لقد قلت لجار لي أظنهم سبعين، فقال: لا بل مائة. وهكذا كان عدد الكافرين قليلاً في نظر المؤمنين، وكان عدد المؤمنين بالفعل قليلاً في عيون الكافرين. وأيضاً شاء الحق سبحانه أن يجعل في ذلك بلاغاً من إعلامات النبوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رأى النبي عدد الكافرين في المنام وهم قليل، وأخبر صلى الله عليه وسلم قومه بذلك. ودار القتال الذي أراده الله تعالى: {لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} [الأنفال: 44]. والأمر الحاسم هو التقاء الفئتين المتقاتلتين في معركة بدر ليفصل الله بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر؛ حتى ترجع الأمور إلى الله، فلكل واحد من جنود المعركة جزاءٌ من عند الله سبحانه وتعالى؛ المؤمنون لهم جزاء على قدر نياتهم وإخلاصهم في الجهاد، الكافرون عليهم غضب من الله تعالى. والغضب منازل، كل منزلة من الغضب حسب أحوال صاحبها. وقول الحق سبحانه وتعالى: { وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} نجد فيه كلمة "الأمور" وهي جمع أمر، وفي المعارك ألوان مختلفة من الأوامر؛ فلكل جندي أمر، وهناك أمر عام تنتهي إليه المعارك وهو انتصار طرف وانهزام طرف آخر. ولكي يتم النصر للمؤمنين فإن الله يطلب منهم أن يثبتوا في المعركة؛ فيقول سبحانه وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):