٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
43
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التي أنعم الله بها على أهل بدر، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ } منصوب بإضمار اذكر، أو هو بدل ثان من يوم الفرقان أو متعلق بقوله: {لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي يعلم المصالح إذ يقللهم في أعينكم. المسألة الثانية: قال مجاهد: أرى الله النبي عليه السلام كفار قريش في منامه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه. فقالوا: رؤيا النبي حق، القوم قليل، فصار ذلك سبباً لجراءتهم وقوة قلوبهم. فإن قيل: رؤية الكثير قليلاً غلط، فكيف يجوز من الله تعالى أن يفعل ذلك؟ قلنا: مذهبنا أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأيضاً لعله تعالى أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون. وعن الحسن: هذه الأراءة كانت في اليقظة. قال: والمراد من المنام العين التي هو موضع النوم. ثم قال تعالى: {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً } لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لفشلوا ولتنازعوا، ومعنى التنازع في الأمر، الاختلاف الذي يحاول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه، والمعنى: لاضطرب أمركم واختلفت كلمتكم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ } أي سلمكم من المخالفة فيما بينكم. وقيل: سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم، وقيل سلمهم من الهزيمة يوم بدر والأظهر أن المراد، ولكن الله سلمكم من التنازع {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } يعلم ما يحصل فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع.
القرطبي
تفسير : قال مجاهد: رآهم النبيّ صلى الله عليه وسلم في منامه قليلاً، فقص ذلك على أصحابه؛ فثبّتهم الله بذلك. وقيل: عنى بالمنام محل النوم وهو العين؛ أي في موضع منامك، فحذف؛ عن الحسن. قال الزجاج: وهذا مذهبٌ حسنٌ. ولكن الأولىٰ أسْوُغ في العربية؛ لأنه قد جاء {أية : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ} تفسير : [الأنفال: 44] فدلّ بهذا على أن هذه رؤية الالتقاء، وأن تلك رؤية النوم. ومعنىٰ {لَّفَشِلْتُمْ} لَجَبُنتم عن الحرب. {وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} اختلفتم. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} أي سلّمكم من المخالفة. ابن عباس: من الفشل. ويحتمل منهما. وقيل: سلم أي أتم أمر المسلمين بالظفر.
البيضاوي
تفسير : {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً} مقدر باذكر أو بدل ثان من يوم الفرقان، أو متعلق بعليم أي يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك في رؤياك وهو أن تخبر به أصحابك فيكون تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم. {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ} لجبنتم. {وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ} في أمر القتال وتفرقت آراؤكم بين الثبات والفرار. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} يعلم ما سيكون فيها وما يغير أحوالها.
ابن كثير
تفسير : قال مجاهد: أراهم الله إياه في منامه قليلاً، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، فكان تثبيتاً لهم، وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد، وحكى ابن جرير عن بعضهم: أنه رآهم بعينه التي ينام بها، وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن موسى المدبر، حدثنا أبو قتيبة، عن سهل السراج عن الحسن في قوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً} قال: بعينك، وهذا القول غريب، وقد صرح بالمنام ههنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه، وقوله: {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ} أي: لجبنتم عنهم، واختلفتم فيما بينكم، {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} أي: من ذلك؛ بأن أراكهم قليلاً {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي: بما تكنه الضمائر، وتنطوي عليه الأحشاء، {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ } تفسير : [غافر: 19] وقوله: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} وهذا أيضاً من لطفه تعالى بهم، إذ أراهم إياهم قليلاً في رأي العين، فيجرئهم عليهم، ويطمعهم فيهم، قال أبو إسحاق السبيعي: عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: لا، بل هم مائة، حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه، فقال: كنا ألفاً، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وقوله: {وَيُقَلِّلُكُمْ فِىۤ أَعْيُنِهِمْ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن الحارث عن عكرمة: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ} الآية، قال: حضض بعضهم على بعض، إسناد صحيح، وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه في قوله تعالى: {لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} أي: ليلقي بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد تمام النعمة عليه من أهل ولايته، ومعنى هذا: أنه تعالى أغرى كلاً من الفريقين بالآخر، وقلله في عينه؛ ليطمع فيه، وذلك عند المواجهة، فلما التحم القتال، وأيد الله المؤمنين بألف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضعفيه؛ كما قال تعالى: {أية : قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِى ٱلاَْبْصَـٰرِ} تفسير : [آل عمران: 13] وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين، فإن كلاً منهما حق وصدق، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : اذكر{إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ } أي نومك {قَلِيلاً } فأخبرت به أصحابك فسُرُّوا {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ } جبنتم {وَلَتَنَٰزَعْتُمْ } اختلفتم {فِى ٱلأَمْرِ } أمر القتال {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ } كم من الفشل والتنازع {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } بما في القلوب.
الشوكاني
تفسير : "إذ" منصوب بفعل مقدّر، أي اذكر أو هو بدل ثان من يوم الفرقان. والمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم رآهم في منامه قليلاً، فقصّ ذلك على أصحابه، فكان ذلك سبباً لثباتهم. ولو رآهم في منامه كثيراً، لفشلوا وجبنوا عن قتالهم وتنازعوا في الأمر، هل يلاقونهم أم لا؟ {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ } أي سلمهم وعصمهم من الفشل والتنازع، فقللهم في عين رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام. وقيل عني بالمنام: محل النوم، وهو العين، أي في موضع منامك وهو عينك، روي ذلك عن الحسن. قال الزجاج: هذا مذهب حسن، ولكنّ الأوّل أسوغ في العربية لقوله: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ } فدلّ بهذا على أن هذه رؤية الالتقاء، وأن تلك رؤية النوم. قوله: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ } الظرف منصوب بمضمر معطوف على الأوّل، أي واذكروا وقت إراءتكم إياهم حال كونهم قليلاً، حتى قال القائل من المسلمين لآخر: أتراهم سبعين؟ قال: هم نحو المائة. وقلل المسلمين في أعين المشركين حتى قال قائلهم: إنما هم أكلة جزور، وكان هذا قبل القتال، فلما شرعوا فيه كثر الله المسلمين في أعين المشركين، كما قال في آل عمران: {أية : يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ } تفسير : [آل عمران: 13]، ووجه تقليل المسلمين في أعين المشركين هو أنهم إذا رأوهم قليلاً أقدموا على القتال غير خائفين، ثم يرونهم كثيراً فيفشلون، وتكون الدائرة عليهم، ويحلّ بهم عذاب الله وسوط عقابه. واللام في {لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } متعلقة بمحذوف كما سبق مثله قريباً. وإنما كرره لاختلاف المعلل به {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } كلها يفعل فيها ما يريد ويقضي في شأنها ما يشاء. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً } قال: أراه الله إياهم في منامه قليلاً، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك فكان ذلك تثبيتاً لهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ } يقول: لجبنتم {وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأمْرِ } قال: لاختلفتم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ } أي: أتمّ، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عنه {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ } يقول: سلم لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوّهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن مسعود، في قوله: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ } الآية قال: لقد قلوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: لا بل هم مائة، حتى أخذنا رجلاً منهم، فسألناه قال: كنا ألفاً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة، في الآية قال: حضض بعضهم على بعض. قال ابن كثير: إسناده صحيح. وأخرج ابن إسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزبير في قوله: {لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } أي ليلقي بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد النعمة عليه من أهل ولايته.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إذْ يُرِيكُهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً} فيه وجهان: أحدهما: أن الله أرى نبيه صلى الله عليه وسلم قلة المشركين عياناً، وقوله {فِي مَنَامِكَ} يريد في عينيك التي هي محل النوم، قاله الحسن. والثاني: أنه ألقى عليه النوم وأراه قلتهم في نومه، وهو الظاهر، وعليه الجمهور. وإنما أراه ذلك على خلاف ما هو به لطفاً أنعم به عليه وعلى أمته، ليكون أثبت لقلوبهم وأقدم لهم على لقاء عدوهم، ولولا ذلك لما جازت هذه الحالة من الله تعالى في نبيه صلى الله عليه وسلم. {وَلَوْ أَرَاكَهُمُ كَثِيراً لَّفِشِلْتُمْ} فيه وجهان: أحدهما: لاختلفتم في لقائهم أو الكف عنهم. والثاني: لجبنتم عنهم وانهزمتم منهم. {... وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} يحتمل وجهين: أحدهما: سلّم من الفشل. والثاني: لجبنتم عنهم وانهزمتم منهم ولكن الله سلم من العدو. وفيه ثالث: ولكن الله سلم أمره فيهم حتى نفذ ما حكم فيهم به من هلاكهم.
ابن عطية
تفسير : المهدوي {إذ} نصب بتقدير واذكر. قال القاضي أبو محمد: أو بدل من {إذ} المتقدمة وهو أحسن، وتظاهرت الروايات أن هذه الآية نزلت في رؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى فيها عدد الكفار قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فقويت نفوسهم وحرضوا على اللقاء، فهذا معنى قوله {في منامك} أي في نومك قاله مجاهد وغيره. وروي عن الحسن أن معنى قوله {في منامك} أي في عينك إذ هي موضع النوم، وعلى هذا التأويل تكون الرواية في اليقظة. قال القاضي أبو محمد: وهذا القول ضعيف، وعليه فسر النقاش وذكره عن المازني، والضمير على التأويلين من قوله {يريكهم} عائد على الكفار من أهل مكة، ومما يضعف ما روي عن الحسن أن معنى هذه الآية يتكرر في التي بعدها لأن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب في الثانية أيضاً، وقد تظاهرت الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم، انتبه وقال لأصحابه حديث : أبشروا فلقد نظرت إلى مصارع القوم تفسير : , ونحو هذا، وقد كان علم أنهم ما بين التسعمائة إلى الألف، فكيف يراهم ببصره بخلاف ما علم، والظاهر أنه رآهم في نومه قليلاً قدرهم وحالهم وبأسهم مهزومين مصروعين، ويحتمل أنه رآهم قليلاً عددهم، فكان تأويل رؤياه انهزامهم، فالقلة والكثرة على الظاهر مستعارة في غير العدد، كما قالوا: المرء كثير بأخيه، إلى غير ذلك من الأمثلة، والفشل الخور عن الأمر، إما بعد التلبس وإما بعد العزم على التلبس و {لتنازعتم} أي لتخالفتم و {في الأمر} يريد في اللقاء والحرب و {سلم} لفظ يعم كل متخوف اتصل بالأمر أو عرض في وجهه فسلم الله من ذلك كله، وعبر بعض الناس أن قال "سلم لكم أمركم" ونحو هذا مما يندرج فيما ذكرناه وقوله {إنه عليم بذات الصدور} أي بإيمانكم وكفركم مجاز بحسب ذلك، وقرأ الجمهور من الناس "ولكنَّ الله سلم" بشد النون ونصب المكتوبة وقرأت فرقة "ولكن اللهُ" برفع المكتوبة، وقوله {وإذ يريكموهم إذا التقيتم} الآية، {وإذ} عطف على الأولى، وهذه الرؤية هي في اليقظة بإجماع، وهي الرؤية التي كانت حين التقوا ووقعت العين على العين، والمعنى أن الله تعالى لما أراد من إنفاذ قضائه في نصرة الإسلام وإظهاره قلل كل طائفة في عيون الأخرى، فوقع الخلل في التخمين والحزر الذي يستعمله الناس في هذا التجسد كل طائفة على الأخرى وتتسبب أسباب الحرب، وروي في هذا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لقد قلت ذلك اليوم لرجل إلى جنبي أتظنهم سبعين؟ قال بل هم مائة، قال فلما هزمناهم أسرنا منهم رجلاً فقلنا كم كنتم؟ قال ألفاً. قال القاضي أبو محمد: ويرد على هذا المعنى في التقليل ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأل عما ينحرون كل يوم، فأخبر أنهم يوماً عشراً ويوماً تسعاً، قال هم ما بين التسعمائة إلى الألف، فإما أن عبد الله ومن جرى مجراه لم يعلم بمقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما أن نفرض التقليل الذي في الآية تقليل القدر والمهابة والمنزلة من النجدة، وتقدم في مثل قوله {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} والأمر المفعول المذكور في الآيتين هو للقصة بأجمعها، وذهب بعض الناس إلى أنهما لمعنيين من معاني القصة والعموم أولى، وقوله {وإلى الله ترجع الأمور} تنبيه على أن الحول بأجمعه لله وأن كل أمر فله وإليه، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر والأعمش "تَرجِع" بفتح التاء وكسر الجيم، قال أبو حاتم: وهي قراءة عامة الناس، وقرأ الأعرج وابن كثير وأبو عمرو ونافع وغيرهم "تُرجَع" بضم التاء وفتح الجيم.
ابن عبد السلام
تفسير : {فِى مَنَامِكَ} موضع النوم ـ وهي العين ـ فرأى قتلهم عياناً، أو ألقى عليه النوم فرأى قتلتهم في نومه، قاله الجمهور: وكان ذلك لطفاً بهم. {لَّفَشِلْتُمْ} لجبنتم وانهزمتم، أو لاختلفتم في لقائهم، أو الكف عنهم.
النسفي
تفسير : {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ } نصب بإضمار «اذكر»، أو هو متعلق بقوله {لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي بعلم المصالح إذ يقللهم في عينك {فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً } أي في رؤياك، وذلك أن الله تعالى أراه إياهم في رؤياه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فكان ذلك تشجيعاً لهم على عدوهم {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ } لجبنتم وهبتم الإقدام {وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ } أمر القتال وترددتم بين الثبات والفرار {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ } عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع والاختلاف {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع. {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ } الضميران مفعولان أي وإذ يبصركم إياهم {إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ } وقت اللقاء {فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً } هو نصب على الحال. وإنما قللهم في أعينهم تصديقاً لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا. قال ابن مسعود رضي الله عنه: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة وكانوا ألفاً {وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ } حتى قال قائل منهم: إنما هم أكلة جزور. قيل: قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء ثم كثرهم فيما بعده ليجترئوا عليه قلة مبالاة بهم ثم تفجأهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا، ويجوز أن يبصروا الكثير قليلاً بأن يستر الله بعضهم بساتر، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين، قيل لبعضهم: إن الأحول يرى الواحد اثنين وكان بين يديه ديك واحد فقال: مالي لا أرى هذين الديكين أربعة: {لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مفعولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } فيحكم فيها بما يريد {تَرْجَعُ } شامي وحمزة وعلي. {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً } إذا حاربتم جماعة من الكفار وترك وصفها لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار، واللقاء اسم غالب للقتال {فَٱثْبُتُواْ } لقتالهم ولا تفروا {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً } في مواطن الحرب مستظهرين بذكره مستنصرين به داعين له على عدوكم: اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة، وفيه إشعار بأن على العبد أن لا يفتر عن ذكر ربه أشغل ما يكون قلباً وأكثر ما يكون هماً، وأن تكون نفسه مجتمعة لذلك وإن كانت متوزعة عن غيره {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في الأمر بالجهاد والثبات مع العدو وغيرهما {وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ } فتجبنوا وهو منصوب بإضمار «أن» ويدل عليه {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } أي دولتكم يقال: «هبت رياح فلان» إذا دالت له الدولة ونفذ أمره، شبهت في نفوذ أمرها وتمشيته بالريح وهبوبها. وقيل: لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله، وفي الحديث «حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» تفسير : {وَٱصْبِرُواْ } في القتال مع العدو وغيره {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } أي معينهم وحافظهم {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَراً وَرِئَاءَ ٱلنَّاسِ } هم أهل مكة حين نفروا لحماية العير فأتاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد سلمت عيركم فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدراً ونشرب بها الخمور وننحر الجزور وتعزف علينا القيان ونطعم بها العرب، فذلك بطرهم ورياؤهم الناس بإطعامهم فوافوها فسقوا كأس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيام، فنهاهم أن يكونوا مثلهم بطرين طربين مرائين بأعمالهم، وأن يكونوا من أهل التقوى والكآبة والحزن من خشية الله مخلصين أعمالهم لله. والبطر أن تشغله كثرة النعمة عن شكرها. {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } دين الله {وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } عالم وهو وعيد. {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ } واذكر إذ زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون. وغالب مبني نحو «لا رجل» و {لَكُمْ } في موضع رفع خبر «لا». تقديره: لا غالب كائن لكم {وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ } أي مجير لكم أوهمهم أن طاعة الشيطان مما يجيرهم {فَلَمَّا تَرَاءتِ ٱلْفِئَتَانِ } فلما تلاقى الفريقان {نَكَصَ } الشيطان هارباً {عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } أي رجع القهقرى {وَقَالَ إِنّي بَرِيءٌ مِّنْكُمْ } أي رجعت عما ضمنت لكم من الأمان. روي أن إبليس تمثل لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم في جند من الشياطين معه راية، فلما رأى الملائكة تنزل نكص فقال له الحارث بن هشام: أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال: {إِنّي أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ } أي الملائكة وانهزموا فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة. فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان {إِنّي أَخَافُ ٱللَّهَ } أي عقوبته {وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } اذكروا {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } بالمدينة {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } هو من صفة المنافقين، أو أريد والذين هم على حرف ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام {غَرَّ هَٰـؤُلاءِ دِينُهُمْ } يعنون أن المسلمين اغتروا بدينهم فخرجوا وهم ثلثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف. ثم قال جواباً لهم {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } يكل إليه أمره {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } غالب يسلط القليل الضعيف على الكثير القوي {حَكِيمٌ } لا يسوي بين وليه عدوه. {وَلَوْ تَرَى } ولو عاينت وشاهدت لأن «لو» ترد المضارع إلى معنى الماضي كما ترد «إن» الماضي إلى معنى الاستقبال {إِذْ } نصب على الظرف {يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بقبض أرواحهم {ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } فاعل {يَضْرِبُونَ } حال منهم {وُجُوهُهُمْ } إذا أقبلوا {وَأَدْبَـٰرَهُمْ } ظهورهم وأستاههم إذا أدبروا، أو وجوههم عند الإقدام وأدبارهم عند الانهزام. وقيل: في {يَتَوَفَّى } ضمير الله تعالى، و {ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } مرفوعة بالابتداء و {يَضْرِبُونَ } خبر والأول الوجه، لأن الكفار لا يستحقون أن يكون الله متوفيهم بلا واسطة دليله قراءة ابن عامر {تتوفى} بالتاء { وَذُوقُواْ } ويقولون لهم ذوقوا معطوف على {يَضْرِبُونَ } {عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } أي مقدمة عذاب النار، أو ذوقوا عذاب الآخرة بشارة لهم به، أو يقال لهم يوم القيامة: ذوقوا. وجواب «لو» محذوف أي لرأيت أمراً فظيعاً. {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } أي كسبت وهو رد على الجبرية، وهو من كلام الله تعالى أو من كلام الملائكة. و {ذٰلِكَ } رفع بالابتداء و {بِمَا قَدَّمَتْ } خبره {وَأَنَّ ٱللَّهَ } عطف عليه أي ذلك العذاب بسببين: بسبب كفركم ومعاصيكم، وبأن الله {لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } لأن تعذيب الكفار من العدل. وقيل: ظلام للتكثير لأجل العبيد، أو لنفي أنواع الظلم. الكاف في {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ } في محل الرفع أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون، ودأبهم عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه أي داوموا عليه {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من قبل قريش أو من قبل آل فرعون {كَفَرُواْ } تفسير لدأب آل فرعون {بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } والمعنى جروا على عادتهم في التكذيب فأجرى عليه مثل ما فعل بهم في التعذيب {ذٰلِكَ } العذاب أو الانتقام {بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } بسبب أن الله لم يصح في حكمته أن يغير نعمته عند قوم حتى يغيروا مابهم من الحال، نعم لم يكن لآل فرعون ومشركي مكة حال مرضية فيغيروها إلى حال مسخوطة، لكن لما تغيرت الحال المرضية إلى المسخوطة تغيرت الحال المسخوطة إلى أسخط منها، وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول إليهم كفرة عبدة أصنام، فلما بعث إليهم بالآيات فكذبوه وسعوا في إراقة دمه، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت فغير الله ما أنعم به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لما يقولوا مكذبو الرسل {عَلِيمٌ } بما يفعلون {كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ } تكرير للتأكيد، أو لأن في الأولى الأخذ بالذنوب بلا بيان ذلك، وهنا بين أن ذلك هو الإهلاك والاستئصال {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبِّهِمْ } وفي قوله {بآيَـٰتِ رَبِّهِمْ } زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق {فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَونَ } بماء البحر {وَكُلٌّ } وكلهم من غرقى القبط وقتلى قريش {كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } أنفسهم بالكفر والمعاصي. {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي أصروا على الكفر فلا يتوقع منهم الإيمان {ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتَّ مِنْهُمْ } بدل من {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي الذين عاهدتهم من الذين كفروا وجعلهم شر الدواب، لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون وشر المصرين الناكثون للعهود {ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ } في كل معاهدة {وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ } لا يخافون عاقبة الغدر ولا يبالون بما فيه من العار والنار.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إذ يريكهم الله في منامك قليلاً} قال: أراه الله إياهم في منامه قليلاً، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك وكان تثبيتاً لهم. وأخرج ابن إسحق وابن المنذر عن حيان بن واسع بن حيان عن أشياخ من قومه حديث : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر ورجع إلى العريش، فدخله ومعنا أبو بكر رضي الله عنه، وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش، ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله. هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر} قال: لاختلفتم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولكن الله سلم} أي أتم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولكن الله سلم} يقول: سلم لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوّهم.
ابو السعود
تفسير : {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً} منصوبٌ باذكُرْ أو بدلٌ آخرُ من (يومَ الفرقان) أو متعلقٌ بعليم أي يعلم المصالحَ إذ يقلّلهم في عينك في رؤياك وهو أن تخبِرَ به أصحابَكم فيكونَ تثبـيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ} أي لجبُنتم وهِبتم الإقدام {وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ} أي أمر القتال وتفرقتْ آراؤُكم في الثبات والقرار {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} أي أنعم بالسلامة من الفشل والتنازعِ {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجُبن والصبر والجزَعِ ولذلك دبّر ما دبر {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} منصوبٌ بمضمر خوطب به الكلُّ بطريق التلوينِ والتعميم معطوفٌ على المضمر السابقِ، والضميرانِ مفعولا يُري وقليلاً حالٌ من الثاني وإنما قللهم في أعين المسلمين حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه لمن إلى جنبه: أتراهم سبعين فقال: أراهم مائة تثبـيتاً لهم وتصديقاً لرؤيا الرسولِ صلى الله عليه وسلم {وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ} حتى قال أبو جهل: إنما أصحابُ محمد أكلةُ جَزور. قللهم في أعينهم قبل التحامِ القتالِ ليجترئوا عليهم ولا يستعدّوا لهم ثم كثّرهم حتى رأوْهم مثليهم لِتُفاجِئَهم الكثرةُ فيُبهَتوا ويهابوا، وهذه من عظائم آياتِ تلك الوقعةِ فإن البصرَ قد يرى الكثيرَ قليلاً والقليلَ كثيراً لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الوجهِ ولا إلى هذا الحد وإنما ذلك بصد الله تعالى الأبصارَ عن إبصار بعضٍ دون بعض مع التساوي في الشرائط {لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} كُرر لاختلاف الفعل المعلَّلِ به أو لأن المرادَ بالأمر ـ ثَمةَ ـ الالتقاءُ على الوجه المذكور وهٰهنا إعزازُ الإسلام وأهلِه وإذلالُ الكفر وحِزبه {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} كلُّها يصرِفها كيفما يريد لا رادَّ لأمره ولا مُعقّبَ لحُكمه وهو الحكيم المجيد.
القشيري
تفسير : قيل أراه إياهم في نومه صلى الله عليه وسلم - بوصف القِلَّة، وأخبر أصحابه بذلك فازدادوا جسارة عليهم. وقيل أراه في منامه أي في محل نومه أي في عينيه، فمعناه قلَّلَهم في عينيه؛ لأنهم لو استكثروهم لفشلوا في قتالهم، ولانكسرت بذلك قلوبُ المسلمين. وفي الجملة أراد اللهُ جريانَ ما حصل بينهم من القتال يومَ بدر، وإنَّ اللهَ إذا أراد أمراً هَيَّأ أسبابَه؛ فقلَّلَ الكفارَ في أعين المسلمين فزادوا جسارةً، وقلَّلَ المسلمين في أعين الكفار فازدادوا - عند نشاطهم إلى القتال - صغراً في حكم الله وخسارةً. {أية : وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}تفسير : [آل عمران: 154]: وكيف لا؟ ومنه تصدُرُ المقاديرُ، وإليه تُرْجَع الأمور. ويقال إذا أراد الله نصرة عبدٍ فلو كَادَ له جميعُ البشر، وأراده الكافةُ بكل ضَرَرٍ، لا ينفع مَنْ شاءَ مَضَرَّتَه كَدٌّ، ويحصل بينه وبين متاح لطفه به سَدٌّ. وإذا أراد بعبدٍ سوءاً فليس له رَدٌّ، ولا ينفعه كَدٌّ، ولا ينعشه بعد ما سقط في حكمه جَهْدٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {إذ يريكهم الله} اى اذكر يا محمد وقت اراءة الله المشركين اياك {فى منامك} مصدر يسمى بمعنى النوم {قليلا} حال من المفعول الثانى اى حال كونهم قليلا والاراءة بصرية تتعدى الى اثنين - روى - عن مجاهد انه قال ارى الله تعالى كفار قريش لنبيه صلى الله عليه وسلم فى منامه قليلا فاخبر بذلك اصحابه فقالوا رؤيا النبى حق والقوم قليل فكان ذلك سببا لقوة قلوبهم {ولو أرٱكهم كثيرا لفشلتم} اى لجنبتم وتأخرتم عن الصف. قال الحدادى الفشل هو الضعف مع الوجل {ولتنازعتم فى الأَمر} اى امر القتال وتفرقت آراؤكم بين الثبات والفرار. والتنازع ان يحاول كل واحد من الاثنين ان ينزع صاحبه مما هو عليه {ولكن الله سَلَّم} اى انعم بالسلامة من الفشل والتنازع {إنه عليم بذات الصدور} يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع ولذلك دبر ما دبر
الطوسي
تفسير : التقدير واذكر يا محمد {إذ يريكهم الله في منامك قليلاً} والهاء والميم كناية عن الكفار الذين قاتلوه يوم بدر {ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر} وهذه الرؤية كانت في المنام عند اكثر المفسرين. والرؤيا في المنام تصور يتوهم معه الرؤية في اليقظة والرؤيا على اربعة اقسام: رؤيا من الله عز وجل، ولها تأويل ورؤيا من وسوسة الشيطان، ورؤيا من غلبة الاخلاط، ورؤيا من الافكار، وكلها أضغاث أحلام إلا الرؤيا من قبل الله تعالى التي هي إلهام في المنام يتصور به الشيء كأنه يرى في اليقظة. ورؤيا النبي صلى الله عليه وآله هذه بشارة له، وللمؤمنين بالغلبة. وقال الحسن: معنى {في منامك} في عينك التي تنام بها، وليس من الرؤيا في النوم، وهو قول البلخي، وهو بعيد، لأنه خلاف الظاهر من مفهوم الكلام. قال الرماني: ويجوز أن يريه الله الشيء في المنام على خلاف ما هو به، لأن الرؤيا في المنام يخيل له المعنى من غير قطع وإن جاء معه تطلع من الانسان على المعنى وإنما ذلك على مثل تخييل السراب ماء من غير تطلع على أنه ماء، فهذا يجوز ان يفعله الله. ولا يجوز ان يلهمه إعتقاد الشيء على خلاف ما هو به. لان ذلك يكون جهلا، ولا يجوز أن يفعله الله تعالى. والنوم ضرب من السهو يزول معه معظم الحس، تقول نام ينام نوماً ونومه تنويماً وأنامه إنامة وتناوم تناوماً واستنام استنامة. و (المنام) موضع النوم والمضطجع موضع الاضطجاع. و (القلة) نقصان عن عدد، كما أن الكثرة زيادة على عدد يقال: قل يقل قلة وقلله تقليلا، واستقل استقلالا وتقلل تقللا. والشيء يكون قليلا بالاضافة إلى ماهو اكثر منه. ويكون كثيراً بالاضافة إلى ما هو أقل منه. وأقله إقلالا إذا أطاقه فصادفه قليلا في طاقته، فهو مشتق من هذا واستقل من المرض إذا قوي قوة يزول بها المرض اي وجده قليلا في قوته لا يعتد به. وقوله {لفشلتم} فالفشل ضعف الوجل لان الضعف قد يكون لمرض من غير فزع وقد يكون من فزع. فالفشل إنما هو الضعف عن فزع. وفشل يفشل فشلا فهو فاشل، وفشله تفشيلا: إذا نسبه إلى الفشل، وتفاشلوا تفاشلا. وقوله {ولتنازعتم} فالتنازع الاختلاف الذي يحاول كل واحد منهم نزع صاحبه مما هو عليه تنازعوا تنازعا، ونازعه منازعة ونزع عن الامر ينزع نزوعاً، واستنزعه إذا طلب نزوعه. وانتزعه إذا اقتلعه عن مكانه. وقوله {ولكن الله سلم} فالسلامة النجاة من الآفة. سلم يسلم سلامة وأسلمه إسلاماً إذا دفعه على السلامة، وأسلم الانسان إذا دخل في السلامة من جهة الدين وسلمه تسليماً إذا نجاه. واستسلم استسلاماً اذا سلم نفسه للامر، وتسلم تسلماً إذا طلب السلامة، واستلم الحجر إذا طلب لمسه على السلامة وسالمه مسالمة، وتسالما تسالماً. وقوله {إنه عليم بذات الصدور} فالصدر الموضع الأجل لكون القلب فيه. وصدر المجلس أجله، لانه موضع الرئيس، وصدر الدار مشبه بصدر الانسان لانه المستقبل منه كاستقباله من الانسان يقال صدر يصدر صدوراً واصدره اصداراً وتصدر تصدراً وصدره تصديراً وصادره مصادرة، وتصادروا تصادراً. ففائدة الآية إن الله لطف للؤمنين بما لو لم يكن لفشلوا ولاضطرب امرهم واختلفت كلمتهم. ولكن سلمهم الله من ذلك بلطفه لهم واحسانه بهم حتى بلغوا ما ارادوه من عدوهم.
الجنابذي
تفسير : {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً} لتخبر اصحابك بقلّتهم ليجترؤا على القتال وهو متعلّق بمتعلّق ليقضى او بدل من، اذ انتم بالعدوة الدّنيا او بدل ثانٍ من يوم الفرقان او متعلّق بعليم {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً} فاخبرت اصحابك {لَّفَشِلْتُمْ} جبنتم {وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} امر القتال لانحراف آراء اكثركم عن القتال {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} نفوسكم عن الفشل والتّنازع {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} بالخفيّات الّتى تصاحب الصّدور فيدبّر امركم عن علم بما لا تعلمون، نقل انّ المخاطبة للرّسول (ص) والمعنى لاصحابه يعنى أرى اصحابه المشركين قليلاً فى منامهم، وعن الباقر (ع): كان ابليس يوم بدرٍ يقلّل المسلمين فى اعين الكفّار ويكثّر الكفّار فى اعين النّاس فشدّ عليه جبرئيل (ع) بالسّيف فهرب منه.
الهواري
تفسير : قوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ} قال الكلبي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر وأخبره الله بسير المشركين أراه المشركين في منامه قليلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أبشروا فإن الله أراني المشركين في منامي قليلاً، تفسير : فقال المسلمون عند ذلك: رؤيا رسول الله حق، والقوم قليل. قوله: {وَلَوْ أَرَٰكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ} قال الحسن: لجبنتم. {وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ} أي: ولاختلفتم في الأمر، أي أمر الله ورسوله. وقال مجاهد: لفشلت يا محمد فيفشل بذلك أصحابك. {وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ} أي من ذلك، سلم للمسلمين أمرهم، وهزم عدوهم. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. أي بما في الصدور. قال الحسن: من علمه بما في صدوركم قلّلهم في أعينكم، وأذهب الخوف الذي كان في صدوركم. قوله: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ}. قال الكلبي إن المسلمين لما عاينوا المشركين يوم بدر رأوهم قليلاً فصدقوا رؤيا رسول الله. وقلّل الله المسلمين في أعين المشركين، فاجترأ المؤمنون على المشركين لقلتهم في أعينهم، واجترأ المشركون على المؤمنين لقلتهم في أعينهم. { لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} أي: فيه نصركم والنعمة عليكم. { وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ}.
اطفيش
تفسير : {إذْ} مفعول لاذكر محذوفا كما قال المهدوى، أو بدل من إذ قبلها، أو من يوم الفرقان، أو يوم التقى الجمعان، أو متعلق بعليم أى يعلم المصالح إذ {يُريكَهمُ الله فى مَنامِكَ قَليلاً} من يقولُ الرؤيا الحلمية تتعدى إلى اثنين أصلهما المبتدأ والخبر، فهى عنده هنا متعدية إلى ثلاثة بالهمزة، فإن يرى مضارع أرى، فالكاف مفعول أول فضلة فاعل للرؤيا فى المعنى، والهاء مفعول ثان مبتدأ فى الأًصل، والميم علامة، وقليلا مفعول ثالث خبر فى الأصل، ومن يقول متعدية إلى واحد فهى عنده متعدية لاثنين بالهمزة، وقليلا حال، والمنام مصدر ميمى بمعنى النوم، أو اسم زمان. وذلك أن الله سبحانه أرى النبى صلى الله عليه وسلم المشركين فى منامه قليلا، فأخبر أصحابه فقالوا: رؤيا النبى صلى الله عليه وسلم حق فزال خوفهم، فاجترءوا على العدو وثبتوا، وحرصوا على اللقاء، والقلة التى رآها فى المنام بمعنى ضعف حالهم، وعدم ثباتهم للمؤمنين، كما تقول فى الشئ الكثير إنه قليل نظرا إلى قلة ثمنه أو منفعته، أو القلة قلة عدد، فيكون تأويل رؤياها الانهزام. وعن الحسن: المنام موضع النوم وهو العينان، كما قيل للقطيفة: المنامة، لأنه ينام فيها، وعليه النقاش، وحكاه عن المازنى، قال بعضهم: وعليه فالرؤية فى اليقظة، قال جار الله إن هذا التفسير المذكور عن الحسن فيه تعسف، وما أحسب الرواية فيه صحيحة، عنه وما تلاءم علمه بكلام العرب وفصاحته، وذلك لأنه خلاف الظاهر والمتبادر، ولتكرره فى وإذ يريكموهم الخ، لأنه صلى الله عليه وسلم مخاطب فيه أيضا. {ولَوْ أراكَهم كَثيراً} وأخبرتهم {لَفشِلْتم} جبنتم عن لقائهم وضعفتم، والفشل الضعف عن الشئ بعد الشروع فيه، أو بعد العزم على التلبس به {ولَتَنازعْتم} اختلفتم {فى الأمرْ} أمر القتال، فبعض يدعو إلى الإقدام، وبعض إلى الإحجام، مثل من تجابذوا شيئا كل ينزعه عن الآخر. {ولكنَّ اللهَ} وقرأت فرقة بتخفيف النون مكسورة، ورفع اسم الجلالة {سَلَّم} سلمكم من التنازع والفشل المستلزمين للهزيمة، أو من الهزيمة لعدم ما يوجب الفشل والتنازع، وذلك كله نعمة توجب الشكر {إنَّه عَليمٌ بذاتِ الصُّدورِ} بالخصلة التى هى صاحبة الصدور، وهى ما يكون فى الصدور من جراءة وجبن، وصبر وجزع، وكفر وإيمان، وحب الله وغير ذلك، فيجازى على ذلك، أو ذات الصدور نفس الصدور، أى عليم بالصدور نفسها، فيكون كناية عن علم ما فيها مما ذكره.
اطفيش
تفسير : {إِذ} اذكر إِذ، أَو بدل من يوم الفرقان {يُرِيكَهُمُ اللهُ} صيرك الله رائيهم، أَى المشركين {فِى مَنَامِكَ} فى نومك أَو زمانه أَو مكانه، والأَول أَولى ويليه الثانى (قَلِيلاً) مع كثرتهم تجزئة للمؤمنين عليهم، والمراد أَنه أَراه عدد بعضهم أَو حشرهم فى المنام كلهم، وستر بعضاً خلف بعض، أَو أَحضرهم كلهم وكف الله بصره عنهم إِلا قليلا، ولم يقل له الله لم يكن إِلا هؤلاء، فأَخبر النبى صلى الله عليه وسلم المؤمنين بقلتهم حسب ما رأَى، ولم تكذب رؤياه، ورؤيا الأَنبياءَ حق لا تكذب، وإِنما يكون التناقض لو قال لم يكونوا إِلا هؤلاء الذين أَريتك، ففرحوا ونشطوا للقتال {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ} فى المنام {كَثِيرًا} كما هو فى الواقع كثير وأَخبرت المؤمنين بالكثرة ولا بد من الإِخبار إِذ لا يكتم رؤياه لأَنها وحى إِلا ما أَباح الله له كتمه {لَفَشِلْتُمْ} كسلتم للجبن عن قتالهم، و لم يقل لفشلت لأَنه صلى الله عليه وسلم لا يفشل، والخطاب فى فشلتم لا يشمله، أَو شمله بطريق الحكم على المجموع {وَلَتَنَازَعْتُمْ فِى الأَمْرِ} القتال، يجيب بعضكم ثقة بالله ويأبى بعضكم لكثرتهم، والتنازع سبب للفشل فعطفه عطف سبب على مسبب، ويفصح بذلك فاءَ السببية فى قوله تعالى "ولا تنازعوا فتفشلوا" {وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ} سلمكم من الفشل والتنازع بإِراءَته نبيه إِياهم قليلا وإِخباره إِياكم {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ} صاحبة {الصُّدُورِ} بالخطرة ذات الصدور، أَو بالخطرات ذات الصدور لتأْويل الجماعة، يعلم ما فى القلوب وما يكون وما يغير ما فيها من الجبن والجرأَة والصبر والجزع، وعبارة بعض أَنه جعل الخواطر كأَنها مالكة للصدور.
الالوسي
تفسير : {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً} مقدر باذكر أو بدل من {أية : يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} تفسير : [الأنفال: 41] وجوز أن يتعلق بـ {أية : عَلِيم} تفسير : [الأنفال: 42] وليس بشيء، ونصب قليلاً على أنه مفعول ثالث عند الأجهوري أو حال على ما يفهمه كلام غيره. والجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم أري ما أري في النوم وهو الظاهر المتبادر، وحكمة إراءتهم إياه صلى الله عليه وسلم وسلم قليلين أن يخبر أصحابه رضي الله تعالى عنهم فيكون ذلك تثبيتاً لهم، وعن الحسن أنه فسر المنام بالعين لأنها مكان النوم كما يقال للقطيفة المنامة لأنها ينام فيها فلم تكن عنده هناك رؤيا أصلاً بل كانت رؤية، وإليه ذهب البلخي ولا يخفى ما فيه لأن المنام شائع بمعنى النوم مصدر ميمي على ما قال بعض المحققين أوفى موضع الشخص النائم على ما في «الكشف» ففي الحمل على خلاف ذلك تعقيد ولا نكتة فيه، وما قيل: إن فائدة العدول الدلالة على الأمن الوافر فليس بشيءٍ لأنه لا يفيد ذلك فالنوم في تلك الحال دليل الأمن لا أن يريهم في عينه التي هي محل النوم، على أن الروايات الجمة برؤيته صلى الله عليه وسلم إياهم مناماً وقص ذلك على أصحابه مشهورة لا يعارضها كون العين مكان النوم نظراً إلى الظاهر، ولعل الرواية عن الحسن غير صحيحة فإنه الفصيح العالم بكلام العرب، وتخريج كلامه على أن في الكلام مضافاً محذوفاً أقيم المضاف إليه مقامه أي في موضع منامك مما لا يرتضيه اليقظان أيضاً، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة الغريبة، والمراد إذا أراكهم الله قليلاً. {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ} أي لجبنتم وهبتم الإقدام، وجمع ضمير الخطاب في الجزاء مع إفراده في الشرط إشارة كما قيل: إلى أن الجبن يعرض لهم لا له صلى الله عليه وسلم إن كان الخطاب للأصحاب فقط وإن كان للكل يكون من إسناد ما للأكثر للكل {وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ} أي أمر القتال وتفرقت آراؤكم في الثبات والفرار {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} أي أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع. / {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي الخواطر التي جعلت كأنها مالكة للصدور، والمراد أنه يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع ولذلك دبر ما دبر.
ابن عاشور
تفسير : {إذ يريكهم الله} بدل من قوله: {أية : إذ أنتم بالعدوة الدنيا}تفسير : [الأنفال: 42] فإنّ هذه الرؤيا ممّا اشتمل عليه زمان كونهم بالعدوة الدنيا لوقوعها في مدّة نزول المسلمين بالعدوة من بدر، فهو بدل من بدل. والمنام مصدر ميمي بمعنى النوم، ويطلق على زمن النوم وعلى مكانه. ويتعلق قوله: {في منامك} بفعل {يريكهم}، فالإراءة إراءة رؤيا، وأسندت الإراءة إلى الله تعالى؛ لأنّ رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وحي بمدلولها، كما دلّ عليه قوله تعالى، حكاية عن إبراهيم وابنه {أية : قال يا بُنَيّ إنّيَ أرى في المنام أنِّي أذْبَحُك فانْظُر ماذا ترى قال يا أبَتِ افعل ما تؤمر}تفسير : [الصافات: 102] فإنّ أرواح الأنبياء لا تغلبها الأخلاط، ولا تجول حواسهم الباطنة في العبث، فما رؤياهم إلاّ مكاشفات روحانية على عالم الحقائِق. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى رؤيا منامٍ، جيشَ المشركين قليلاً، أي قليل العَدد وأخبر برؤياه المسلمين فتشجّعوا للقاء المشركين، وحملوها على ظاهرها، وزال عنهم ما كان يخامرهم من تهيّب جيش المشركين. فكانت تلك الرؤيا من أسباب النصر، وكانت تلك الرؤيا منّة من الله على رسوله والمؤمنين، وكانت قِلة العدد في الرؤيا رَمزاً وكناية عن وهن أمر المشركين لا عن قلّة عددهم. ولذلك جعلها الله في رؤيا النوم دون الوحي، لأنّ صور المَرائي المنامية تكَون رموزاً لمعان فلا تُعَدُّ صورتها الظاهرية خلفاً، بخلاف الوحي بالكلام. وقد حكاها النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين، فأخذوها على ظاهرها، لعلمهم أنّ رؤيا النبي وحي، وقد يكون النبي قد أطلعه الله على تعبيرها الصائِب، وقد يكون صرفه عن ذلك فظنّ كالمسلمين ظاهرها، وكلّ ذلك للحكمة. فرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لم تخطىء ولكنها أوهمتهم قلّة العَدد، لأنّ ذلك مرغوبهم والمقصود منه حاصل، وهو تحقّق النصْر، ولو أخبروا بعدد المشركين كما هو لجبنُوا عن اللقاء فضعفت أسباب النصر الظاهرة المعتادة التي تكسبهم حسن الأحدوثة. ورؤيا النبي لا تخطىء، ولكنها قد تكون جارية على الصورة الحاصلة في الخارج، كما ورد في حديث عائشة في بدء الوحي: أنّه كان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فَلَق الصبح، وهذا هو الغالب، وخاصّة قبل ابتداء نزول المَلك بالوحي، وقد تكون رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم رمزية وكناية كما في حديث رؤياه بَقَراً تُذبح، ويُقال له: الله خير، فلم يعْلَم المراد حتّى تبيّن له أنّهم المؤمنون الذين قُتلوا يوم أُحد. فلمّا أراد الله خذل المشركين وهزمهم أرى نبيئه المشركين قليلاً كناية بأحد أسباب الانهزام، فإنّ الانهزام يجيء من قلّة العدد. وقد يُمسك النبي عليه الصلاة والسلام عن بيان التعبير الصحيح لحكمة، كما في حديث تعْبير أبي بكر رؤيا الرجل الذي قصّ رؤياه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول النبي له: «حديث : أصبتَ بعضاً وأخطأت بعضاً»تفسير : وأبى أن يبيّن له ما أصاب منها وما أخطأ. ولو أخبر الله رسوله ليُخبر المؤمنين بأنّهم غالبون المشركون لآمنوا بذلك إيماناً عقلياً لا يحصل منه ما يحصل من التصوير بالمحسوس، ولو لم يخبره ولم يُرِه تلك الرؤيا لكان المسلمون يحسبون للمشركين حساباً كبيراً. لأنّهم معروفون عندهم بأنّهم أقوى من المسلمين بكثير. وهذه الرؤيا قد مضت بالنسبة لزمن نزول الآية، فالتعبير بالفعل المضارع لاستحضار حالة الرؤيا العجيبة. والقليل هنا قليل العَدد بقرينة قوله: {كثيرا}. أراه إيّاهم قليلي العدد، وجعل ذلك في المكاشفة النومية كناية عن الوهن والضعف. فإنّ لغة العقول والأرواح أوسع من لغة التخاطب، لأنّ طريق الاستفادة عندها عقلي مستند إلى محسوس، فهو واسطة بين الاستدلال العقلي المحض وبين الاستفادة اللغوية. وأخبر بـ «قليل» و«كثير» وكلاهما مفرد عن ضمير الجمع لما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : معه ربيون كثير}تفسير : [آل عمران: 146]. ومعنى: {ولو أراكهم كثيراً لفشلتم} أنّه لو أراكهم رؤيا مماثلة للحالة التي تبصرها الأعين؛ لدخل قلوبَ المسلمين الفشلُ، أي إذا حدثهم النبي بما رأى، فأراد الله إكرام المسلمين بأن لا يدخل نفوسهم هلع، وإن كان النصر مضموناً لهم. فإن قلت: هذا يقتضي أنّ الإراءة كانت متعيّنة ولِمَ لَمْ يَتْرُك الله إراءتَه جيش العدوّ فلا تكونَ حاجة إلى تمثيلهم بعَدد قليل، قلتُ: يظهر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم رجا أن يرى رؤيا تكشف له عن حال العدوّ، فحقّق الله رجاءه، وجنّبه ما قد يفضي إلى كدر المسلمين، أو لعلّ المسلمين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعلم ربّه عن حال العدوّ. والفشل: الجبن والوهن. والتنازع: الاختلاف. والمراد بالأمر الخطة التي يجب اتباعها في قتال العدوّ من ثبات أو انجلاء عن القتال. والتعريف في {الأمر} للعهد وهو أمر القتال وما يقتضيه. والاستدراك في قوله: {ولكن الله سلّم} راجع إلى ما في جملة: {ولو أراكهم كثيراً} من الإشعار بأنّ العدوّ كثير في نفس الأمر، وأنّ الرؤيا قد تحاكي الصورة التي في نفس الأمر، وهو الأكثر في مرائي الأنبياء، وقد تحاكي المعنى الرمزيَّ وهو الغالب في مرائي غير الأنبياء، مثل رؤيا مَلِك مصر سبعَ بقرات، ورؤيا صاحبي يوسف في السِّجْن، وهو القليل في مرائي الأنبياء مثل رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنّه هَزَّ سيفاً فانكسر في يده، فمعنى الاستدْراك رفع ما فرض في قوله: {ولو أراكهم كثيراً}. فمفعول {سلم} ومتعلِّقه محذوفان إيجازاً إذ دلّ عليه قوله: {لفشلتم ولتنازعتم} والتقدير: سَلَّمكم من الفَشَل والتنازع بأن سلمكم من سببهما، وهو إراءتكم واقِع عدد المشركين، لأنّ الاطّلاع على كثرة العدوّ يلقي في النفوس تهيّباً له وتخوّفاً منه، وذلك ينقص شجاعة المسلمين الذين أراد الله أن يوفّر لهم منتهى الشجاعة. ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله: {ولكن الله سلم} دون أن يقول: ولكنّه سلّم، لقصد زيادة إسناد ذلك إلى الله، وأنّه بعنايته، واهتماماً بهذا الحادث. وجملة: {إنه عليم بذات الصدور} تذييل للمنة، أي: أوحى إلى رسوله بتلك الرؤيا الرمزية، لعلمه بما في الصدور البشرية من تأثّر النفوس بالمشاهدات والمحسوسات أكثر ممّا تتأثّر بالاعتقادات، فعَلِم أنّه لو أخبركم بأنّ المشركين ينهزمون، واعتقدتم ذلك لصِدْق إيمانكم، لم يكن ذلك الاعتقاد مثيراً في نفوسكم من الشجاعة والإقدام ما يثيره إعتقادي أنّ عددهم قليل، لأنّ الاعتقاد بأنّهم ينهزمون لا ينافي توقّع شدّة تَنْزِل بالمسلمين، من موت وجراح قبل الانتصار، فأمّا اعتقاد قلّة العدوّ فإنّها تثير في النفوس إقداماً واطمئنان بال، فلعلمه بذلك أراكهم الله في منامك قليلاً. ومعنى {ذات الصدور} الأحوال المصاحبة لضمائر النفوس، فالصدور أطلقت على ما حلّ فيها من النوايا والمضمرات، فكلمة {ذَات} بمعنى صاحبة، وهي مؤنث (ذو) أحدِ الأسماء الخمسة، فأصل ألفها الواو ووزنها (ذَوَت) انقلبت واوها ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، قال في «الكشّاف» في تفسير سورة [فاطر: 38] في قوله تعالى: {أية : إنه عليم بذات الصدور}تفسير : هي تأنيث ذُو، وذُو موضوع لمعنى الصحبة من قوله:شعر : لتَغْنِيَ عَنّي ذَا إنائِك أجمَعا تفسير : يعني أنّ ذات الصدور الحالةُ التي قرارتها الصدور فهي صاحبتها وساكنتُها، فذات الصدور النوايا والخواطر وما يهمّ به المرء وما يدبّره ويكيده.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَرَاكَهُمْْ} {وَلَتَنَازَعْتُمْ} (43) - أرَى اللهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم المُشْرِكِينَ فِي مَنَامِهِ قَلِيلي العَدَدِ فَأخْبَرَ جَمَاعَتَهُ فَاسْتَبْشَرُوا، وَكَانَ ذَلِكَ تَثْبِيتاً لَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، وَلَوْ أرَى اللهُ المُؤْمِنينَ المُشْرِكِينَ كَثِيري العَدَدِ لَجَبُنُوا، وَلاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ حَوْلَ لِقَاءِ العَدُوِّ، وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ، وَنَجَّى مِنْ عَوَاقِبِهِ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا تُكِنُّهُ الضَّمَائِرُ، وَتَنْطَوِي عَلَيْهِ النُّفُوسُ وَالسَّرَائِرُ. لَفَشِلْتُمْ - لَجَبُنْتُمْ عَنِ القِتَالِ وَهِبْتُمُوهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحق سبحانه وتعالى إذا أراد معركة فاصلة، يجعل الخواطر في كل قوم مهيجة على الحرب؛ لأنه سبحانه وتعالى يريد للفئتين أن يشتبكوا، ويفصل الحق في المسألة، وهذا الاشتباك لو حدث بالمقاييس العادية ربما جَبُنَتْ الفئة القليلة عن أن تواجه الفئة الكثيرة. ولكي تتم المعركة لا بد أن يكون كل من الفريقين المتحاربين واثقا من النصر؛ لأنه لو أيقن أحدهما أنه سيهزم لما دخل إلى المعركة. والله سبحانه وتعالى يُعلم رسوله والمؤمنين كيف أعد الله الإعداد النفسي للمعركة، فأرى النبي في الرؤيا أن عدد الكفار قليل حتى يؤمن أن المؤمنين سينتصرون عليهم بسهولة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه رؤيا توضح أن عدد الكفار قليل في أعين المؤمنين، وأخبر قومه بذلك وقد قلل عدد المؤمنين في أعين الكفار، ليتم اللقاء وتحدث المعركة. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ} [الآية: 43]. يقول: لفشلت يا محمد ولفشل أَصحابك / 26ظ / إِذا رأَوا ذلك في وجهك. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: حدثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الآية: 46]. يعني: يذهب نصركم. قال: فذهبت ريح أَصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، حين نازعوا يوم أُحد.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} معناهُ أَتمَّ.
الجيلاني
تفسير : اذكر يا أكمل الرسل وقت {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ} أي: أعدائك {فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً} مما كانوا عليه، تشجيعاً لكل ولأصحابك {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً} وعلى شوكتهم التي هم فيها {لَّفَشِلْتُمْ} وخيبتم ألبتة رهبةً وهيبةً {وَ} بعدما خيبتم {لَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} أي: أمر القتال بعدما عرفتم كثرتهم وشوكتهم، بل تشرفون على الاستدبار والانهزام {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} أي: أنعم عليكم بالسلامة من الفشل والتنازع بإنزال السكينة والوقار على قلوبكم؛ بسبب تلبيس التقليل {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الأنفال: 43] بعلم مآل أمركم وعاقبته، لذلك لبَّس عليكم؛ ليجرئكم على القتال لإعلاء كلمة توحيده ونصر دينه. {وَ} اذكروا أيضاً إمداد الله إياكم بتلبيس الأمر عليكم {إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ} أي: أعداءكم {إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ} صافين من الطرفين {فِيۤ أَعْيُنِكُمْ} كما في منامكم {قَلِيلاً} لتستقلوهم وتجترءوا عليهم {وَ} يلبس أمركم عليهم أيضاً تغريراً لهم ومكراً؛ إذ {يُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ} حتى لا يبالوا بكم ويجمعكم؛ ولذلك قال أبو جهل حين تراءت الفئتان: إن محمداً وأصحابه أكلة جذور، وإنما فعل سبحانه ما فعل من التلبيس على كلا الفريقين {لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ} عنده {مَفْعُولاً} حتماً {وَ} بالجملة: {إِلَى ٱللَّهِ} لا إلى غيره {تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} [الأنفال: 44] كلها؛ إذ منه بدأ وإليع يعود.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وكان اللّه قد أرى رسوله المشركين في الرؤيا عددا قليلا فبشر بذلك أصحابه، فاطمأنت قلوبهم وتثبتت أفئدتهم. ولو أراكهم الله إياهم كَثِيرًا فأخبرت بذلك أصحابك { لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ } فمنكم من يرى الإقدام على قتالهم، ومنكم من لا يرى ذلك فوقع من الاختلاف والتنازع ما يوجب الفشل. { وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } فلطف بكم { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بما فيها من ثبات وجزع، وصدق وكذب،فعلم اللّه من قلوبكم ما صار سببا للطفه وإحسانه بكم وصدق رؤيا رسوله ، فأرى اللّه المؤمنين عدوهم قليلا في أعينهم، ويقللكم - يا معشر المؤمنين - في أعينهم،فكل من الطائفتين ترى الأخرى قليلة، لتقدم كل منهما على الأخرى. { لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا } من نصر المؤمنين وخذلان الكافرين وقتل قادتهم ورؤساء الضلال منهم، ولم يبق منهم أحد له اسم يذكر، فيتيسر بعد ذلك انقيادهم إذا دعوا إلى الإسلام، فصار أيضا لطفا بالباقين، الذين مَنَّ اللّه عليهم بالإسلام. { وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ } أي: جميع أمور الخلائق ترجع إلى اللّه، فيميز الخبيث من الطيب، ويحكم في الخلائق بحكمه العادل، الذي لا جور فيه ولا ظلم.
همام الصنعاني
تفسير : 1018- عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً}: [الآية: 43]، قال: أراهم الله تعالى إياهم في منامه قليلاً، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أصحابه وكان تثبيتاً لهم. 1019- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ}: [الآية: 43]، قال: سلم أمره فيهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):