٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا } قولان: أحدهما: أنه متعلق بمضمر معناه واذكروا إذ أنتم كذا وكذا، كما قال تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ }تفسير : [الأنفال: 26] والثاني: أن يكون قوله: {إِذْ } بدلاً عن يوم الفرقان. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو {بِالْعُدْوَةِ } بكسر العين في الحرفين. والباقون بالضم، وهما لغتان. قال ابن السكيت: عدوة الوادي وعدوته جانبه، والجمع عدى، وعدي. قال الأخفش: الكسر كلام العرب لم يسمع عنهم غير ذلك. وقال أحمد بن يحيى: الضم في العدوة أكثر اللغتين. وحكى صاحب «الكشاف»: الضم والفتح والكسر. قال: وقرىء بهن و {بالعدية} على قلب الواو ياء، لأن بينها وبين الكسر حاجزاً غير حصين، كما في الفتية. وأما {ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } فتأنيث الأدنى وضده {ٱلْقُصْوَىٰ } وهو تأنيث الأقصى، وكل شيء تنحى عن شيء، فقد قصا، والأقصى والقصوى كالأكبر والكبرى. فإن قيل: كلتاهما فعلى من باب الواو، فلم جاءت إحداهما بالياء والثانية بالواو؟ قلنا: القياس قلب الواو ياء، كالعليا. وأما القصوى، فقد جاء شاذاً، وأكثر استعماله على أصله. المسألة الثالثة: المراد بالعدوة الدنيا، ما يلي جانب المدينة، وبالقصوى، ما يلي جانب مكة وكان الماء في العدوة التي نزل بها المشركون، وكان استظهارهم من هذا الوجه أشد {وَٱلرَّكْبُ } العير التي خرجوا لها كانت في موضع {أَسْفَلَ مِنكُمْ } إلى ساحر البحر {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ } أنتم وأهل مكة على القتال، لخالف بعضكم بعضاً لقلتكم وكثرتهم {وَلَـٰكِن لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } أي أنه يثبتكم الله، وينصركم، ليقضي أمراً كان مفعولاً، واجباً أن يخرج إلى الفعل وقوله: {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ } بدل من قوله: {لّيَقْضِيَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا شك أن عسكر الرسول عليه السلام في أول الأمر كانوا في غاية الخوف والضعف بسبب القلة وعدم الأهبة، ونزلوا بعيدين عن الماء، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضاً رملية تغوص فيها أرجلهم. وأما الكفار، فكانوا في غاية القوة بسبب الكثرة في العدد، وبسبب حصول الآلات والأدوات، لأنهم كانوا قريبين من الماء، ولأن الأرض التي نزلوا فيها كانت صالحة للمشي، ولأن العير كانوا خلف ظهورهم، وكانوا يتوقعون مجيء المدد من العير إليهم ساعة فساعة، ثم إنه تعالى قلب القصة وعكس القضية، وجعل الغلبة للمسلمين، والدمار على الكافرين فصار ذلك من أعظم المعجزات وأقوى البينات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر. فقوله: {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ } إشارة إلى هذا المعنى، وهو أن الذين هلكوا إنما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة، والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة، والمراد من البينة هذه المعجزة. المسألة الثانية: اللام في قوله: {لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } وفي قوله: {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ } لام الغرض، وظاهره يقتضي تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض والمصالح، إلا أنا نصرف هذا الكلام عن ظاهره بالدلائل العقلية المشهورة. المسألة الثالثة: قوله: {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ } ظاهره يقتضي أنه تعالى أراد من الكل العلم والمعرفة والخير والصلاح، وذلك يقدح في قول أصحابنا: أنه تعالى أراد الكفر من الكافر، لكنا نترك هذا الظاهر بالدلائل المعلومة. المسألة الرابعة: قوله: {وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ } قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم والبزي عن ابن كثير ونصير عن الكسائي {مِنْ } بإظهار الياءين وأبو عمرو، وابن كثير برواية القواس، وابن عامر وحفص عن عاصم والكسائي بياء مشددة على الإدغام. فأما الإدغام فللزوم الحركة في الثاني، فجرى مجرى رد لأنه في المصحف مكتوب بياء واحدة. وأما الإظهار فلامتناع الإدغام في مضارعه من «يحيى» فجرى على مشاكلته، وأجاز بعض الكوفيين الإدغام في {وَلاَ يَحْيَىٰ }. ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي يسمع دعاءكم ويعلم حاجتكم وضعفكم، فأصلح مهمكم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} أي أنزلنا إذ أنتم على هذه الصفة. أو يكون المعنىٰ: واذكروا إذ أنتم. والْعُدْوة: جانب الوادي. وقرىء بضم العين وكسرها؛ فعلى الضم يكون الجمع عُدى، وعلى الكسر عِدى، مثل لحية ولِحىً، وفرية وفِرىً. والدنيا: تأنيث الأدنىٰ. والقصوىٰ: تأنيث الأقصىٰ. من دنا يدنو، وقَصَا يقصو. ويقال: القصيا. والأصل الواو، وهي لغة أهل الحجاز قصوىٰ. فالدنيا كانت مما يلي المدينة، والقصوىٰ مما يلي مكة. أي إذ أنتم نزول بشفير الوادي بالجانب الأدنىٰ إلى المدينة، وعدوكم بالجانب الأقصىٰ. {وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ} يعني ركب أبي سفيان وغيره. كانوا في موضع أسفل منهم إلى ساحل البحر فيه الأمتعة. وقيل: هي الإبل التي كانت تحمل أمتعتهم، وكانت في موضع يأمنون عليها توفيقاً من الله عز وجل لهم، فذكّرهم نعمه عليهم. «الركب» ابتداء «أسفل منكم» ظرف في موضع الخبر. أي مكاناً أسفل منكم. وأجاز الأخفش والكسائي والفراء «الركبُ أسفلُ منكم» أي أشد تسفلاً منكم. والرَّكْبُ جمع راكب. ولا تقول العرب: رَكْب إلا للجماعة الراكبي الإبل. وحكى ابن السِّكِّيت وأكثر أهل اللغة أنه لا يقال راكب وركب إلا للذي على الإبل، ولا يقال لمن كان على فرس أو غيرها راكب. والرَّكْب والأرْكُب والرّكبان والراكبون لا يكونون إلا على جمال؛ عن ابن فارس. {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ} أي لم يكن يقع الاتفاق لكثرتهم وقلتكم؛ فإنكم لو عرفتم كثرتهم لتأخرتم فوفق الله عز وجل لكم. {لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} من نصر المؤمنين وإظهار الدِّين. واللام في «لِيَقْضِيَ» متعلقة بمحذوف. والمعنىٰ: جمعهم ليقضي الله، ثم كررها فقال: {لِّيَهْلِكَ} أي جمعهم هنالك ليقضي أمراً. {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ} «مَن» في موضع رفع. «ويَحْيَا» في موضع نصب عطف على ليهلك. والبينة إقامة الحجة والبرهان. أي ليموت من يموت عن بينة رآها وعبرة عاينها. فقامت عليه الحجة. وكذلك حياة من يحيا. وقال ابن إسحاق: ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه وقطعت عذره، ويؤمن من آمن على ذلك. وقُرىء «من حيي» بيائين على الأصل. وبياء واحدة مشدّدة، الأولىٰ قراءة أهل المدينة والبَزِّي وأبي بكر. والثانية قراءة الباقين. وهي اختيار أبي عبيد؛ لأنها كذلك وقعت في المصحف.
البيضاوي
تفسير : {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} بدل من {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ}، والعدوة بالحركات الثلاث شط الوادي وقد قرىء بها، والمشهور الضم والكسر وهو قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب. {وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} البعدى من المدينة، تأنيث الأقصى وكان قياسه قلب الواو ياء كالدنيا والعليا تفرقة بين الاسم والصفة فجاء على الأصل كالقود وهو أكثر استعمالاً من القصيا. {وَٱلرَّكْبُ} أي العير أو قوادها. {أَسْفَلَ مِنكُمْ } في مكان أسفل من مكانكم يعني الساحل، وهو منصوب على الظرف واقع موقع الخبر والجملة حال من الظرف قبله، وفائدتها الدلالة على قوة العدو واستظهارهم بالركب وحرصهم على المقاتلة عنها وتوطين نفوسهم على أن لا يخلوا مراكزهم ويبذلوا منتهى جهدهم، وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم واستبعاد غلبتهم عادة، وكذا ذكر مراكز الفريقين فإن العدوة الدنيا كانت رخوة تسوخ فيها الأرجل ولا يمشي فيها إلا بتعب ولم يكن بها ماء، بخلاف العدوة القصوى وكذا قوله: {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَـٰدِ } أي لو تواعدتم أنتم وهم القتال ثم علمتم حالكم وحالهم لاختلفتم أنتم في الميعاد هيبة منهم، ويأساً من الظفر عليهم ليتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح ليس إلا صنعاً من الله تعالى خارقاً للعادة فيزدادوا إيماناً وشكراً. {وَلَـٰكِنِ } جمع بينكم على هذه الحال من غير ميعاد. {لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } حقيقاً بأن يفعل وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه، وقوله: {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ} بدل منه أو متعلق بقوله مفعولاً والمعنى: ليموت من يموت عن بينة عاينها ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها لئلا يكون له حجة ومعذرة، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة. أو ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة على استعارة الهلاك والحياة للكفر والإِسلام، والمراد بمن هلك ومن حي المشارف للهلاك والحياة، أو من هذا حاله في علم الله وقضائه. وقرىء "ليَهْلَكَ" بالفتح وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر ويعقوب من "حيي" بفك الإِدغام للحمل على المستقبل. {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} بكفر من كفر وعقابه، وإيمان من آمن وثوابه، ولعل الجمع بين الوصفين لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن يوم الفرقان: {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} أي: إذ أنتم نزول بعدوة الوادي الدنيا القريبة إلى المدينة، {وَهُمْ} أي: المشركون نزول {بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} أي: البعيدة من المدينة إلى ناحية مكة، {وَٱلرَّكْبُ} أي: العير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة، {أَسْفَلَ مِنكُمْ} أي: مما يلي سيف البحر، {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ} أي: أنتم والمشركون إلى مكان {لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَـٰدِ}، قال محمد بن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، في هذه الآية، قال: ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم، ما لقيتموهم {وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، من غير ملأ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه. وفي حديث كعب بن مالك قال: إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، عن ابن عون عن عمير بن إسحاق، قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولاهؤلاء بهؤلاء، حتى التقى السقاة، ونهد الناس بعضهم لبعض. وقال محمد بن إسحاق في السيرة: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه ذلك، حتى إذا كان قريباً من الصفراء، بعث بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين، يلتمسان الخبر عن أبي سفيان، فانطلقا حتى إذا وردا بدراً، فأناخا بعيريهما إلى تل من البطحاء، فاستقيا في شن لهما من الماء، فسمعا جاريتين تختصمان، تقول إحداهما لصاحبتها: اقضيني حقي، وتقول الأخرى: إنما تأتي العير غداً أو بعد غد، فأقضيك حقك، فخلص بينهما مجدي بن عمرو، وقال: صدقت، فسمع بذلك بسبس وعدي، فجلسا على بعيريهما حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه الخبر، وأقبل أبو سفيان حين وليا، وقد حذر، فتقدم أمام عيره، وقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره؟ فقال: لا والله إلا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، فاستقيا من شن لهما، ثم انطلقا، فجاء أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما، فأخذ من أبعارهما، ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، ثم رجع سريعاً، فضرب وجه عيره، فانطلق بها فسَاحَل، حتى إذا رأى أنه قد أحرز عيره، بعث إلى قريش فقال: إن الله قد نجى عيركم وأموالكم ورجالكم، فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نأتي بدراً - وكانت بدر سوقاً من أسواق العرب - فنقيم بها ثلاثاً، فنطعم بها الطعام، وننحر بها الجزر، ونُسْقَى بها الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا، فلا يزالون يهابوننا بعدها أبداً. فقال الأخنس بن شريق: يا معشر بني زهرة إن الله قد أنجى أموالكم ونجى صاحبكم، فارجعوا، فرجعت بنو زهرة، فلم يشهدوها، ولا بنو عدي، قال محمد بن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلمحين دنا من بدر، علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام في نفر من أصحابه يتجسسون له الخبر، فأصابوا سقاة لقريش؛ غلاماً لبني سعيد بن العاص، وغلاماً لبني الحجاج، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدوه يصلي، فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونهما: لمن أنتما؟ فيقولان: نحن سقاة لقريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما، فلما أزلقوهما، قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتين ثم سلم، وقال: «حديث : إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا، والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش» تفسير : قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب: العقنقل، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كم القوم؟» تفسير : قالا: كثير. قال: «حديث : ما عدتهم؟» تفسير : قالا: ما ندري. قال: «حديث : كم ينحرون كل يوم؟» تفسير : قالا: يوماً تسعاً، ويوماً عشراً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : القوم ما بين التسعمائة إلى الألف» تفسير : ثم قال لهما: «حديث : فمن فيهم من أشراف قريش؟» تفسير : قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: «حديث : هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها»تفسير : . قال محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن سعد بن معاذ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما التقى الناس يوم بدر: يا رسول الله ألا نبني لك عريشاَ تكون فيه، وننيخ إليك ركائبك، ونلقى عدونا، فإن أظهرنا الله عليهم وأعزنا، فذاك ما نحب، وإن تكن الأخرى، فتجلس على ركائبك، وتلحق بمن وراءنا من قومنا، فقد والله تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حباً منهم، لو علموا أنك تلقى حرباً، ما تخلفوا عنك، ويوازرونك وينصرونك؟ فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً، ودعا له به، فبني له عريش، فكان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ما معهما غيرهما. قال ابن إسحاق: وارتحلت قريش حين أصبحت، فلما أقبلت، ورآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل، وهو الكثيب الذي جاؤوا منه إلى الوادي، فقال: «حديث : اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم أحنهم الغداة»تفسير : . وقوله: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَن بَيِّنَةٍ}، قال محمد بن إسحاق: أي: ليكفر من كفر بعد الحجة؛ لما رأى من الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك، وهذا تفسير جيد. وبسط ذلك أنه تعالى يقول: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد، على غير ميعاد، لينصركم عليهم، ويرفع كلمة الحق على الباطل؛ ليصير الأمر ظاهراً، والحجة قاطعة، والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة، ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك، أي: يستمر في الكفر من استمر فيه، على بصيرة من أمره، إنه مبطل لقيام الحجة عليه، {وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ} أي: يؤمن من آمن {عَن بَيِّنَةٍ} أي: حجة وبصيرة، والإيمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى: {أية : أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأنعام: 122] وقالت عائشة في قصة الإفك: فهلك فيّ من هلك، أي: قال فيها ما قال من البهتان والإفك. وقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ} أي: لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به، {عَلِيمٌ} أي: بكم، وأنكم تستحقون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِذْ } بدل من «يوم» {أَنتُمْ } كائنون {بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا } القربى من المدينة، وهي بضم العين وكسرها: جانب الوادي {وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ } البعدى منها {وَٱلرَّكْبُ } العير كائنون بمكان {أَسْفَلَ مِنكُمْ } مما يلي البحر {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ } أنتم والنفير للقتال {لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَٰدِ وَلَٰكِن } جمعكم بغير ميعاد {لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } في علمه وهو نصر الإِسلام ومحق الكفر، فعل ذلك {لِيَهْلِكَ } يكفر {مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ } أي بعد حجة ظاهرة قامت عليه وهي نصر المؤمنين مع قلتهم على الجيش الكثير {ويَحْيَا} يؤمن {ٰ مَنْ حَىَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ }0
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا} يعني شفير الوادي ببدر، الأدنى إلى المدينة. {وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى} يعني شفير الوادي الأقصى إلى مكة. وقال الأخفش: عدوه الوادي هو ملطاط شفيره الذي هو أعلى من أسفله، وأسفل من أعلاه. {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ} يعني عير أبي سفيان أسفل الوادي، قال الكلبي: على شاطىء البحر بثلاثة أميال. {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتََلْفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ولو تواعدتم أن تتفقوا مجتمعين لاختلفتم في الميعاد، بالتقديم والتأخير والزيادة والنقصان من غير قصد لذلك. والثاني: ولو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عدوكم مع قلة عددكم لتأخرتم فنقضتم الميعاد، قاله ابن إٍسحاق. والثالث: ولو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عدوكم من غير معونة الله لكم لأخلفتم بالقواطع والعوائق في الميعاد. قوله عز وجل {...لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} فيه وجهان: أحدهما: ليقتل ببدر من قتل من مشركي قريش عن حجة، وليبقى من بقي عن قدرة. والثاني: ليكفر من قريش من كفر بعد الحجة ببيان ما وعدوا، ويؤمن من آمن بعد العلم بصحة إيمانهم.
ابن عطية
تفسير : العامل في {إذ} قوله {التقى} و {العدوة} شفير الوادي وحرفه الذي يتعذر المشي فيه بمنزلة رحا البير لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوز الوادي أي منعته، ومنه قول الشاعر: شعر : عدتني عن زيارتك العوادي وحالت دونها حرب زبون تفسير : ولأنها ما عدا الوادي أي جاوزه، وتسمى الضفة والفضاء المساير للوادي عدوة للمجاورة، وهذه هي العدوة التي في الآية، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "بالعُدوة" بضم العين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "بالعِدوة" بكسر العين، وهما لغتان، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وقتادة وعمرو "بالعَدوة" بفتح العين، ويمكن أن تكون تسمية بالمصدر، قال أبو الفتح: الذي في هذا أنها لغة ثالثة كقولهم في اللبن رَغوة ورِغوة ورُغوة، وروى الكسائي: كلمته بحضرة فلان وحضرته إلى سائر نظائر، ذكر أبو الفتح كثيراً منها، وقوله {الدنيا} و {القصوى} إنما بالإضافة إلى المدينة، وفي حرف ابن مسعود "إذا أنتم بالعدوة العليا وهم بالعدوة السفلى"، ووادي بدر آخذ بين الشرق والقبلة منحرف إلى البحر الذي هو قريب من ذلك الصقع، والمدينة من الوادي من موضع الوقعة منه في الشرق وبينهما مرحلتان، حدثني أبي بأنه رأى هذه المواضع على ما وصفت وقال ابن عباس: بدر بين مكة والمدينة، و {الدنيا} من الدنو، و {القصوى} من القصو، وهو البعد، وكان القياس أن تكون القصيا لكنه من الشاذ، وقال الخليل في العين: شذت لفظتان وهما القصوى والفتوى، وكان القياس فيهما بالياء كالدنيا والعليا، و {الركب} بإجماع من المفسرين غير أبي سفيان، ولا يقال ركب إلا لركاب الإبل وهو من أسماء الجمع، وقد يجمع راكب عليه كصاحب وصحب وتاجر وتجر، ولا يقال ركب لما كثر جداً من الجموع. وقال القتبي: الركب العشرة ونحوها، وهذا غير جيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قد قال "والثلاثة ركب" الحديث وقوله {أسفل} في موضع خفض تقديره في مكان أسفل كذا قال سيبويه، قال أبو حاتم: نصب "أسفلَ" على الظرف ويجوز "الركب أسفل" على معنى وموضع الركب أسفل أو الركب مستقراً أسفل. قال القاضي أبو محمد: وكان الركب ومدبر أمره أبو سفيان بن حرب قد نكب عن بدر حين نذر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ سيف البحر فهو أسفل بالإضافة إلى أعلى الوادي من حيث يأتي، وقال مجاهد في كتاب الطبري: أقبل أبو سفيان وأصحابه من الشام تجاراً لم يشعروا بأصحاب بدر ولم يشعر أصحاب محمد بكفار قريش ولا كفار قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى التقوا على ماء بدر من يسقي لهم كلهم، فاقتتلوا فغلبتهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأسروهم. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا تعقب، وكان من هذه الفرق شعور يبين من الوقوف على القصة بكمالها، وقوله {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد} قال الطبري وغيره: لو تواعدتم على الاجتماع ثم علمتم كثرتهم وقلتكم لخالفتم ولم تجتمعوا معهم، وقال المهدوي: المعنى أي لاختلفتم بالقواطع والعوارض القاطعة بين الناس. قال القاضي أبو محمد: وهذا نيل واضح، وإيضاحه أن المقصد من الآية نعمة الله وقدرته في قصة بدر وتيسيره ما يسر من ذلك، فالمعنى إذ هيأ الله لكم هذه الجمال ولو تواعدتم لها لاختلفتم إلا مع تيسير الذي تمم ذلك، وهذا كما تقول لصاحبك في أمر سناه الله دون تعب كثير: ولو بنينا على هذا وسعينا فيه لم يتم هكذا، ثم بين تعالى أن ذلك إنما كان بلطف الله عز وجل {ليقضي أمراً} أي لينفذ ويظهر أمراً قد قدره في الأول {مفعولاً} لكم بشرط وجودكم في وقت وجودكم، وذلك كله معدوم عنده، وقوله تعالى: {ليهلك من هلك عن بينة} الآية، قال الطبري: المعنى ليقتل من قتل من كفار قريش وغيرهم ببيان من الله وإعذار بالرسالة، {ويحي} أيضاً ويعيش من عاش عن بيان منه أيضاً وإعذار لا حجة لأحد عليه, فالهلاك والحياة على هذا التأويل حقيقتان, وقال ابن إسحاق وغيره: معنى {ليهلك} أي ليكفر, {ويحيى} أي ليؤمن, فالحياة والهلاك على هذا مستعارتان, والمعنى أن الله تعالى جعل قصة بدر عبرة وآية ليؤمن من آمن عن وضوح وبيان ويكفر أيضاً من كفر عن مثل ذلك، وقرأ الناس "ليهلِك" بكسر اللام الثانية وقرأ الأعمش "ليهلَك" بفتح اللام، ورواها عصمة عن أبي بكر عن عاصم، و "البينة" صفة أي عن قضية بينة، واللام الأولى في قوله {ليهلك} رد على اللام في قوله {ليقضي}. وقرأ ابن كثير في رواية قنبل وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص "من حيّ" بياء واحدة مشددة، وقرأ نافع وابن كثير في رواية البزي وعاصم في رواية أبي بكر "من حيِيَ" بإظهار الياءين وكسر الأولى وفتح الثانية، قال من قرأ "حيّ" فلأن الياء قد لزمتها الحركة فصار الفعل بلزوم الحركة لها مشبهاً بالصحيح مثل عض وشم ونحوه، ألا ترى أن حذف الياء من جوارٍ في الجر والرفع لا يطرد في حال النصب إذا قلت رأيت جواري لمشابهتها بالحركة سائر الحروف الصحاح، ومنه قوله {أية : كلا إذا بلغت التراقي} تفسير : [القيامة:26]، وعلى نحو "حيّ" جاء قول الشاعر: [مجزوء الكامل] شعر : عيّوا بأمرهم كما عيّتْ ببيضتها الحمامه تفسير : ومنه قول لبيد: [الرمل] شعر : سألتني جارتي عن أمتي وإذا ما عيَّ ذو اللب سأل تفسير : وقول المتلمس: [الطويل] شعر : فهذا أوان العرض حيّ ذبابه زنابيره والأزرق المتلمس تفسير : ويروى جن ذبابه، قال أبو علي وغيره: هذا أن كل موضع تلزم الحركة فيه ياء مستقبلية فالإدغام في ماضيه جائز، ألا ترى أن قوله تعالى: {أية : على أن يحيي الموتى} تفسير : [الأحقاف:33، القيامة:40] لا يجوز الإدغام فيه لأن حركة النصب غير لازمة، ألا ترى أنها تزول في الرفع وتذهب في الجزم، ولا يلتفت إلى ما أنشد بعضهم لأنه بيت مجهول: [الكامل] شعر : وكأنها بين النساء سبيكة تمشي بسدة بيتها فتعي تفسير : قال أبو علي وأما قراءة من قرأ "حيي"، فبين ولم يدغم، فإن سيبويه قال: أخبرنا بهذه اللغة يونس، قال وسمعنا بعض العرب يقول أحيياء قال أبو حاتم: القراءة إظهار الياءين والإدغام حسن فاقرأ كيف تعلمت فإن اللغتين مشهورتان في كلام العرب، والخط فيه ياء واحدة. قال القاضي أبو محمد: وفي هذه اللفظة استوعب أبو علي القول فيما تصرف من "حيي" كالحي الذي هو مصدر منه وغيره.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا} شفير الوادي الأدنى إلى المدينة. {الْقُصْوَى} الأقصى منها إلى مكة. {وَالرَّكْبُ} عير أبي سفيان أسفل الوادي على شط البحر بثلاثة أميال {وَلَوْ تَوَاعَدتُمْ} ثم بلغكم كثرتهم لتأخرتم ونقضتم الميعاد، [أ]و لو تواعدتم من غير معونة من الله ـ تعالى ـ لاختلفتم في الميعاد بالقواطع والعوائق، أو لو تواعدتم أن تتفقوا مجتمعين لاختلفتم بالتقدم والتأخر والزيادة والنقصان من غير قصد لذلك. {لِّيَهْلِكَ} ليقتل منهم ببدر من قتل عن حجة، وليبقى منهم من بقي عن قدره، أو ليكفر من قريش بعد الحجة من كفر ببيان ما وعدوا، ويؤمن من آمن بعد العلم بصحة إيمانهم.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {إذ أنتم} أي اذكروا نعمة الله عليكم يا معشر المسلمين إذ أنتم {بالعدوة الدنيا} يعني بشفيرالوادي الأدنى من المدينة والدنيا هنا تأنيث الأدنى {وهم} يعني المشركين {بالعدوة القصوى} يعني بشفير الوادي الأقصى من المدينة مما يلي مكة والقصوى تأنيث الأقصى {والركب أسفل منكم} يعني أبا سفيان وأصحابه وهم غير قريش التي خرجوا لأجلها وكانوا في موضع أسفل من موضع المؤمنين إلى ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر {ولو تواعدتم} يعني أنتم والمشركون {لاختلفتم في الميعاد} وذلك لأن المسلمين خرجوا ليأخذوا العير وخرج الكفار ليمنعوها من المسلمين فالتقوا على غير ميعاد والمعنى ولو تواعدتم أنتم والكفار على القتال لاختلفتم أنتم وهم لقلتكم وكثرة عدوكم {ولكن} يعني ولكن الله جمعكم على غير ميعاد {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} يعني من نصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه وأعداء دينه {ليهلك من هلك عن بينة} يعني ليموت من مات عن بينة رآها وعبرة عاينها وحجة قامت عليه {ويحيى من حي عن بينة} يعني ويعيش من عاش عن بينة رآها وعبرة شاهدها وحجة قامت عليه وقال محمد بن إسحاق: معناه ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه ويؤمن من آمن على مثل ذلك لأن الهلاك هو الكفر والحياة هي الإيمان ونحوه قال قتادة ليضل من ضل على بينه ويهتدي من اهتدى على بينة {وإن الله لسميع عليم} يعني يسمع دعاءكم ويعلم نياتكم ولا تخفى عليه خافية. قوله عز وجل: {إذ يريكهم الله} يعني: واذكر يا محمد نعمة الله عليك إذ يريك المشركين {في منامك} يعني في نومك {قليلاً} قال مجاهد: أراهم الله في منامه قليلاً فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك وكان ذلك تثبيتاً. وقال محمد بن إسحق: فكان ما أراه الله من ذلك نعمة من نعمه عليهم يشجعهم بها على عدوهم، فكف عنهم بها ما تخوف عليهم من ضعفهم لعلمه بما فيهم. وقيل: لما أرى الله النبي صلى الله عليه وسلم كفار قريش في منامه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه قالوا: رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حق فصار ذلك سبباً لجراءتهم على عدوهم وقوة لقلوبهم. وقال الحسن: إن هذه الإراءة كانت في اليقظة. والمراد من المنام، العين، لأنها موضع النوم {ولو أراكهم كثيراً لفشلتم} يعني لجبنتم والفشل ضعف مع جبن والمعنى ولو أراكهم كثيراً فذكرت ذلك لأصحابك لفشلوا وجبنوا عنهم {ولتنازعتم في الأمر} يعني اختلفتم في أمر الإقدام عليهم أو الإحجام عنهم وقيل معنى التنازع في الأمر الاختلاف الذي تكون معه مخاصمة ومجادلة ومجاذبة كل واحد إلى واحد إلى ناحية والمعنى: لاضطرب أمركم واختلفت كلمتكم {ولكن الله سلم} يعني: ولكن الله سلمكم من التنازع والمخالفة فيما بينكم. وقيل: معناه ولكن الله سلمكم من الهزيمة والفشل {إنه عليم بذات الصدور} يعني أنه تعالى يعلم ما يحصل في الصدور من الجراءة والجبن والصبر والجزع. وقال ابن عباس: أنه عليم بما في صدوركم من الحب لله عز وجل: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً} يعني أن الله سبحانه وتعالى قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين يوم بدر لما التقوا في القتال ليتأكد في اليفظة ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وأخبر به أصحابه قال ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي تراهم سبعين قال: أراهم مائة فأسرنا رجلاً منهم فقلنا كم كنتم قال: كنا ألفاً. ويقللكم في أعينهم يعني ويقللكم يا معشر المؤمنين في أعين المشركين. قال السدي: قال ناس من المشركين إن العير قد انصرف فارجعوا فقال أبو جهل الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه فلا ترجعوا حتى نستأصلهم إنما محمد وأصحابه أكلة جزور يعني لقلتهم في عينيه ثم قال: فلا تقتلوهم واربطوهم في الحبال يقوله من القدرة التي في نفسه والحكمة في تقليل المشركين في أعين المؤمنين تصديق رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ولتقوى بذلك قلوب المؤمنين وتزداد جراءتهم عليه ولا يجبنوا عند قتالهم والحكمة في تقليل المؤمنين في أعين المشركين لئلا يهربوا وإذا استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب لقتالهم فيكون ذلك سبباً لظهور المؤمنين عليهم. فإن قلت: كيف يمكن تقليل الكثير وتكثير القليل؟ قلت: ذلك ممكن في القدرة الإلهية فإن الله سبحانه وتعالى على ما يشاء قدير ويكون ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم والمعجزة من خوارق العادات فلا ينكر ذلك {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} يعني أمراً كان كائناً من إعلاء كلمة الإسلام ونصر أهله وإذلال كلمة الشرك وخذلان أهله فإن قلت: قد قال في الآية المتقدمة ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً وقال في هذه الآية ليقضي الله أمراً كان مفعولاً فما معنى هذا التكرار؟ قلت: المقصود من ذكره في الآية المتقدمة ليحصل استيلاء المؤمنين على المشركين على وجه القهر والغلبة ليكون ذلك معجزة دالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقصود من ذكره في هذه الآية لأنه تعالى قلل عدد الفريقين في أعين بعضهم بعضاً للحكمة التي قضاها فلذلك قال ليقضي الله أمراً كان مفعولاً {وإلى الله ترجع الأمور} يعني في الآخرة فيجازى كل عامل على قدر عمله فالمحسن بإحسانه والمسيء بإساءته أو يغفر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {إذ أنتم بالعدوة الدنيا} قال: شاطىء الوادي {والركب أسفل منكم} قال: أبو سفيان. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {إذ أنتم بالعدوة الدنيا...} الآية. قال: العدوة الدنيا: شفير الوادي الأدنى، والعدوة القصوى: شفير الوادي الأقصى. وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله {والركب أسفل منكم} قال: كان أبو سفيان أسفل الوادي في سبعين راكباً. ونفرت قريش وكانت تسعمائة وخمسين، فبعث أبو سفيان إلى قريش وهم بالجحفة: إني قد جاوزت القوم فارجعوا. قالوا: والله لا نرجع حتى نأتي ماء بدر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {والركب أسفل منكم} قال: أبو سفيان وأصحابه مقبلين من الشام تجاراً لم يشعروا بأصحاب بدر، ولم يشعر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بكفار قريش، ولا كفار قريش، بهم حتى التقوا على ماء بدر، فاقتتلوا فغلبهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأسروهم. وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قوله {وهم بالعدوة القصوى} من الوادي إلى مكة {والركب أسفل منكم} يعني أبا سفيان وغيره، وهي أسفل من ذلك نحو الساحل {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد} أي ولو كان على ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم ما التقيتم {ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} أي ليقضي ما أراد بقدرته من اعزاز الإِسلام وأهله واذلال الكفر وأهله من غير ملأ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه، فأخرجه الله ومن معه إلى العير لا يريد غيرها، وأخرج قريشاً من مكة لا يريدون إلا الدفع عن عيرهم، ثم ألف بين القوم على الحرب وكانوا لا يريدون إلا العير، فقال في ذلك {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} ليفصل بين الحق والباطل {ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيَّ عن بينة} أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآيات والعبر، ويؤمن من آمن على مثل ذلك.
ابو السعود
تفسير : {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} بدلٌ ثانٍ من (يومَ الفرقان) والعُدوةُ بالضم شطُّ الوادي وكذا بالفتح والكسر وقد قرىء بهما أيضاً {وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} أي البُعدى من المدينة وهي تأنيثُ الأقصى وكان القياسُ قلبَ الواوِ ياءً كالدنيا والعليا مع كونهما من بنات الواو، لكنها جاءت على الأصل كالقود واستُصوب وهو أكثرُ استعمالاً من القُصيا {وَٱلرَّكْبُ} أي العِيرُ أو قُوّادُها {أَسْفَلَ مِنكُمْ} أي في مكانٍ أسفلَ من مكانكم يعني الساحلَ وهو نصبٌ على الظرفية واقعٌ موقعَ الخبر والجملةُ حالٌ من الظرف قبله وفائدتُها للدلالة على قوة العدو واستظهارِهم بالركب وحِرصِهم على المقاتلة عنها وتوطينِ نفوسِهم على أن لا يُخْلوا مراكزَهم ويبذُلوا منتهى جهدِهم وضعفِ شأن المسلمين والتياثِ أمرِهم واستبعادِ غَلَبتِهم عادةً وكذا ذكرُ مراكزِ الفريقين، فإن العُدوةَ الدنيا كانت رِخوةً تسوخُ فيها الأرجلُ ولا يُمشىٰ فيها إلا بتعب ولم يكن فيها ماءٌ بخلاف العُدوة القصوى وكذا قوله تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَـٰدِ} أي لو تواعدتم أنتم وهم القتالَ ثم علمتم حالَكم وحالَهم لاختلفتم أنتم في الميعاد هَيْبةً منهم ويأساً من الظفر عليهم ليتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح ليس إلا صُنعاً من الله عز وجل خارقاً للعادات فيزدادوا إيماناً وشكراً وتطمئن نفوسُهم بفرض الخُمس {وَلَـٰكِنِ} جمع بينكم على هذه الحال من غير ميعاد {لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} حقيقاً بأن يُفعل مِن نصْرِ أوليائِه وقهرِ أعدائِه، أو مقدراً في الأزل وقوله تعالى: {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيُحْىِ مِنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ} بدلٌ منه أو متعلقٌ بمفعولاً أي ليموتَ من يموتُ عن بـينة عاينها ويعيشَ من يعيش عن بـينة شاهدها لئلا يكونَ له حجةٌ ومعذرةٌ فإن وقعةَ بدرٍ من الآيات الواضحة أو ليصدُرَ كفرُ من كفر وإيمانُ من آمن عن وضوح بـينةٍ على استعارة الهلاك والحياةِ للكفر والإيمان، والمرادُ بمن هلك ومن حيـيَّ المشارفُ للهلاكِ والحياة أو مَنْ حالُه في علم الله تعالى الهلاكُ والحياة، وقرىء ليهلَك بالفتح وحيِـيَ بفك الإدغام حملاً على المستقبل {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي بكفر من كفر وعقابِه وإيمانِ من آمن وثوابِه، ولعل الجمعَ بـين الوصفين لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [الآية: 42]. قال بعضهم: أظهر للخلق الآيات، ونصب لهم الأعلام، وفتح أعين قوم لرؤيتها، وأعمى أعين قوم دونها، وبعث إليهم الوسائط بالبراهين الصادقة والأنوار النيرة، ولكن يهدى لنوره من يشاء من عباده، وقدم هذه المقدمات ليهلك من هلك عن بينة. وقال بعضهم: لا حياة إلا لمن حيى بذكره وأنس بقربه، والخلق كلهم متحركون فى أسبابهم، والحىّ منهم من تكون حياته بالحى الذى لا يموت. قوله تعالى: {لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} [الآية: 42]. قال جعفر: ما قضاه الله فى الأزل يظهره فى الحين بعد الحين والوقت بعد الوقت. وقال بعضهم: ليكشف عن سابق علمه فى غيبه، بإيصال كل من الفريقين إلى ما سبق له منه فى أزله.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}. يخبر - سبحانه - أنَّ ما جرى يَومَ بدرٍ من القتال، وما حَصَلَ من فنون الأحوال كان بحكم التقدير، لا بما يحصل من الخَلْق من التدبير، أو بحكم تقتضيه رَوِيَّةُ التفكير. بل لو كان ذلك على اختيار وتَوَاعُد، كنتم عن تلك الجملة على استكراه وتَبَاعدُ، فجرى على ما جرى ليقضِيَ الله أمراً كان مقضيًّا، وحصل من الأمور ما سَبَقَ به التقدير. قوله جلّ ذكره: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}. أي ليُضِلَّ منْ زاغ عن الحقِّ بعد لزومه الحجبة، ويهتديَ مَنْ أقام على الحقِّ بعد وضوح الحُجَّة. ويقال الحقُّ أوْضَحَ السبيلَ ونَصَبَ الدليلَ، ولكن سَدَّ بصائرَ قومٍ عن شهود الرشد، وَفَتح بصائرَ آخرين لإدراك طرق الحق. الهالك من وقع في أودية التفرقة، والحيُّ مَنْ حَيِيَ بنور التعريف. ويقال الهالك من كان بحظِّه مربوطاً، والحيُّ من كان من أسْرِ كلِّ نصيبٍ مُسْتَلَباً مجذوباً.
اسماعيل حقي
تفسير : {إِذا أنتم} نازلون {بالعدوة الدنيا} اى شفير الوادى الادنى من المدينة وهو بدل ثان من يوم الفرقان {وهم} اى وعدوكم نازلون {بالعدوة القصوى} اى فى جانبها الابعد منها وهو الجانب الذى يلى مكة والعدوة شط الوادى اى جانبه وشفيره وسميت بذلك لانها عدت ما فى الوادى من ماء على ان يتجاوز اى منعته والدنيا من دنا يدنو دنوا والقصوى من قصا المكان بقصوا قصوا اذا بعد والقياس القصيا بقلب الواو ياء كالدنيا الا ان واوها بقيت على حالها كواو القود {والركب} جمع راكب مثل صحب وصاحب والراكب هو راكب البعير خاصة كما ان الفارس من على الفرس والمراد بالركب ههنا العير اى القافلة المقبلة المتوجهة من الشام او قوادها وهم ابو سفيان واصحابه وكانوا جميعا على البعير {أسفل منكم} اى نازل فى مكان اسفل من مكانكم وكانوا بقرب ساحل البحر بينهم وبين المسلمين ثلاثة اميال واسفل وان كان منصوبا على الظرفية واقعا موقع خبر المبتدأ الا انه فى الحقيقة صفة لظرف. مكان محذوف والجملة مكان محذوف والجملة حال من الظرف قبله وفائدتها الدلالة على قوة العدو واستظهارهم بالركب وضعف حال المسلمين ولهذه الفائدة ذكر مراكز الفريقين فان العدوة الدنيا كانت رخوة تسوخ فيها الا رجل ولا يمشى فيها الا بتعب ولم يكن فيها ماء بخلاف العدوة القصوى فورد النظم على هذا الوجه الدال على القوة والضعف ليتحققوا ان ما اتفق لهم من الفتح ليس الا صنعا من الله خارقا للعادة فيزدادوا ايمانا وشكرا {ولو تواعدتم} أنتم وهم القتال ثم علمتم حالكم وحالهم {لاختلفتم في الميعاد} [دروعده خوردا] هيبة منهم ويأسا من الظفر عليهم {ولكن} ما اختلفتم وما تخلفتم عن القتال بل جمع بينكم على هذه الحال من غير ميعاد {ليقضى الله} ليتم الله {أَمراً كان مفعولا} حقيقتان يفعل وهو نصر اوليائه وقهر اعدائه جعل ما اقتضت الحكمة ان يفعل مفعولا لقوة ما يستدعى ان يفعل {ليهلك من هلك عن بينة} بدل من ليقضى. قال سعدى جلبى المفتى الظاهر والله اعلم ان عن هنا بمعنى بعد كقوله تعالى {أية : عما قليل ليصبحن نادمين} تفسير : [المؤمنون: 40] انتهى. والمعنى ليكون هلاك من شارف الهلاك بعد مشاهدة بينة واضحة الدلالة على ان الدين المرضى عند الله تعالى هو الاسلام لا عن مخالجة شبهة حتى لا تبقى له عند الله تعالى معذرة وحجة فى عدم تحليه بحلية الاسلام {ويحيى من حى عن بينة} اى يعيش من يعيش عن حجة شاهدها حتى يقوى يقينه ويكمل ايمانه فان وقعة بدر كانت من الآيات الواضحة الدالة على حقيقة الاسلام فمن كفر بعد مشاهدتها كان مكابرا معاندا عادلا عن الحق الذى وضحت حقيته والمراد بمن هلك ومن حى المشارف للهلاك والحياة. قال سعدى جلبى المراد هو الاستمرار على الحياة بعد وقعه بدر فيظهر صحة اعتبار معنى المشارفة فى الحياة ايضا {وإن الله لسميع عليم} اى بكفر من كفر وعقابه وايمان من آمن وثوابه. ولعل الجمع بين وصفى السميع والعليم لاشتمال كل واحد من الكفر والايمان على القول والاعتقاد [نقلست كه حضرت بيغمبر صلى الله عليه وسلم دران شب كه روزش جنك بدر واقع شده بود در واقعه ديد لشكر قريش را درغايت قلت وذلت تأويل فرمودكه دوستان غالب ودشمنان مغلوب خواهند شد مؤمنان بعد از استماع اين رؤيا وتعبير آن بغايت مسرور وفرحان شدند وحق سبحانه وتعالى تذكار آن نعمت ميفرمايد وميكويد]
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (إذ): بدل من (يوم الفرقان)، أو ظرف لالْتقى، أو لاذكر، محذوفة، والعدوة مثلث العين: شاطئ الوادي و (الدنيا) أي: القربى، نعت له، و (القصوى): تأنيث الأقصى، وكان قياسه: قلب الواو ياء، كالدنيا والعليا؛ تفرقة بين الاسم والصفة، فجاء على الأصل، كالقَود، وسُمع فيه: "القصيا" على الأصل، وهو شاذ. و (الركب): مبتدأ، و (أسفل): ظرف خبره. يقول الحق جل جلاله: واذكروا {إذ أنتم بالعُدْوَة الدنيا} أي؛ بعدوة الوادي القريبة من المدينة، {وهم} أي: كفار قريش، {بالعُدْوة القصوى} أي: البعيدة منها، {والركبُ} أي: العير التي قصدتكم، {أسفل منكم} أي: في مكان أسفل منكم، يعني الساحل، ثم جمع الله بينكم على غير ميعاد، {ولو تواعدتُم} لهذا الجمع، أنتم وهم للقتال، ثم علمتم حالكم وحالهم {لاختلفتم في الميعاد}؛ هيبة منهم؛ لكثرتهم وقلتكم، لتتحققوا أن ما اتفق لكم من الفتح والظفر ليس إلا صنيعاً من الله تعالى خارقاً للعادة، فتزدادوا إيماناً وشكراً، {ولكن} الله جمع بينكم من غير ميعاد؛ {ليقضي اللَّهُ أمراً كان مفعولا}؛ سابقاً في الأزل، وهو نصر أوليائه وقهراً أعدائه في ذلك اليوم، لا يختلف عنه ساعة.br>> {ليَهلِكَ من هلك عن بينة ويحيى مَنْ حَيَّ عن بينة}، أي: قدَّر ذلك الأمر العجيب ليموت من يموت عن بينة عاينها، ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها، لئلا يكون له حجة ومعذرة، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة، فكل من عاينها ولم يؤمن قامت الحجة عليه. أو ليهلك بالكفر من هلك عن بينة وحجة قائمة عليه، ويحيى بالإيمان من حي به عن بينة من ربه، {وإنَّ الله لسميع عليمٌ} بكفر من كفر وإيمان من أمن، فيجازي كلاًّ على فعله. ولعل الجمع بين صفة السمع والعلم؛ لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد. واذكر أيضاً {إذْ يُريكَهُمُ الله في منامك قليلاً}، كان صلى الله عليه وسلم قد رأى الكفار في نومه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه، فقويت نفوسهم وتجرؤوا على قتالهم، وكانوا قليلاً في المعنى، {ولو أراكَهُمْ كثيراً} في الحس {لفشلْتُمْ} لجبنتم، {ولتنازعتم في الأمر}؛ في أمر القتال، وتفرقت آراؤكم، {ولكنَّ الله سلَّم} أي: أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع؛ {إنه عليمٌ بذات الصدور} أي: يعلم ما يكون فيها من الخواطر وما يغير أحوالها. {و} اذكر أيضاً {إذْ يُريكموهم} أي: يريكم الله الكفار، {إذ التقيتم في أعينكم قليلاً}، حتى قال ابن مسعود لمن إلى جنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة، تثبتاً وتصديقاً لرؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم، {ويُقلِّلكم في أعينهم}، حتى قال أبو جهل: إن محمداً وأصحابه أَكَلَهُ جزور ـ بفتح الهمزة والكاف ـ جمع آكل ـ، أي: قدر ما يكفيهم جذور في أكلهم. قال البيضاوي: قللهم في أعينهم قبل التحام القتال؛ ليجترئوا عليهم ولا يستعدوا لهم، ثم كثّرهم حين رأوهم مثليهم؛ لتفجأهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم، وهذا من عظائم آيات الله في تلك الوقعة، فإن البصر، وإن كان قد يرى الكثير قليلاً والقليل كثيراً، لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد، وإنما يتصور ذلك بصد الله الأبصارَ عن إبصار بعضٍ، مع التساوي في المرئي. هـ. وإنما فعل ذلك في الجهتين؛ {ليقضيَ الله أمراً كان مفعولاً} أي: ليظهر الله أمراً كان سبق به القضاء والقدر، فكان مفعولاً في سابق العلم، لا محيد عنه، ومن شأن الحكمة إظهار الأسباب والعلل، كما أن من شأن القدرة إبراز ما سبق في الأزل، وإنما كرره؛ لاختلاف الفعل المعلل به؛ لأن الأول علة لالتقائهم من غير ميعاد، وهنا لتقليلهم في أعين الكفرة، أو للتنبيه على أن المطلوب من العبد هو النظر إلى سابق القدر، ليخف عليه ما يبرز منه من الشدائد والأهوال، ولذلك قال أثره: {وإلى الله تُرجع الأمور}، وإذا كانت الأمور كلها راجعة إلى الله تعالى فلا يسع العبد إلا الرضا والتسليم لكل ما يبرز منها، فكل ما يبرز من عند الحبيب حبيب. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأرواح والأسرار بالعُدوة القريبة من بحر الحقائق، ليس بينها وبينه إلا إظهار أدب العبودية، وهو الذي بين بحر الحقيقة والشريعة، والأنفس وسائر القواطع بالعدوة القصوى منه، والقلب، الذي هو الركب المنازع فيه، بينهما، أسفل من الروح، وفوق مقام النفس، الروح تريد أن تجذبه إليها ليسكن الحضرة، والنفس وجنودها تريد أن تميله إليها ليسكن وطن الغفلة معها، والحرب بينهما سجال تارة ترد عليه الواردات الإلهية، التي هي جند الروح، فتنزل عليه بغتة من غير ميعاد، فتجذبه إلى الحضرة. وتارة ترد عليه الخواطر والهواجس الردية فتحطه إلى أرض الحظوظ بغتة، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً في سابق علمه، فإذا أراد الله عناية عبد قلّل عنه مدد الأغيار، حتى يراها كل شيء، وقواه بمدد الأنوار حتى يغيب عنه كُل شيء فتذهب عنه ظلمة الأغيار وإذا أراد الله خذلان عبد قطع عنه مدد الأنوار، وقوى عليه مدد الأغيار، حتى ينحط إلى الدرك الأسفل من النار، والعياذ بالله من سوء القضاء والقدر، وإليه الإشارة بقوله: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} الآية. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما يقوي مدد الأنواع، وهو الصبر والذكر، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو {بالعدوة} بكسر العين، الباقون بضمها وهما لغتان قال الراعي في الكسر: شعر : وعينان حمر مآقيهما كما نظر العدوة الجؤذر تفسير : وقال أوس بن حجر في الضم: شعر : وفارس لا يحل الحي عدوته ولوا سراعاً وما هموا باقبال تفسير : والعدوة شفير الوادي. وقال البصريون: الكسر اكثر اللغات. وقال احمد ابن يحيي: بالضم اكثر. وقال قوم: هما لغتان سواء، وقرأ نافع وابو بكر عن عاصم وابن كثير في رواية البزي وشبل "حيي" باظهار الياءين. وقرأ الباقون بالادغام وإنما جاز الادغام في (حيي) للزوم الحركة في الثاني يجري مجرى (ردّوا) إذا اخبروا عن جماعة قالوا: حيوا فخففوا وقد جاء مدغماً، فقالوا حيوا ومن اختار الاظهار، فلامتناع الادغام في مضارعه من يحيي فجرى على شاكلته قال الزجاج، لأن الحرف الثاني ينتقل عن لفظ الياء تقول حيي يحيى فاما احيا يحيي فلا يجوز فيه الادغام عند البصريين، لان الثاني إذا سكن في الصحيح من المضاعف في نحو لم يردد كان الاظهار أجود فالمعتل بذلك أولى، لان سكونه ألزم فلذلك وجه الاظهار في (يحيي) لانه أحق من (لم يردد) لان السكون له ألزم وقد أجاز الفراء الادغام في يحيي وانشد بيتاً لا يعرف شاعره: شعر : وكانها بين النساء سبيكة تمشي بشدة بأنها فتعي تفسير : تقدير معنى الآية واذكروا أيها المؤمنون {إذ أنتم بالعدوة} وهي الجهة التي هي نهاية الشيء من احد جانبيه. ومنه قولهم عدوتا الوادي. وهما شفيراه وجانباه. و {الدنيا} بمعنى الأدنى إلى المدينة. و {القصوى} بمعنى الأقصى منها إلى جهة مكة، وذلك ان النبي صلى الله عليه وآله واصحابه نزلوا بالجانب الأدنى إلى المدينة. وقريش نزلت بالجانب الأقصى منها إلى مكة فنزلا الوادي بهذه الصفة، قد اكتنفا شفيريه. وقوله {والركب أسفل منكم} يعني ابا سفيان واصحابه في موضع اسفل منكم إلى ساحل البحر. وإنما نصب اسفل، لان تقديره بمكان اسفل. فهو في موضع خفض، ونصب لانه لا ينصرف وكان يجوز الرفع على تقدير والركب أشد سفلا منكم، ومن نصب يجوز ان يكون اراد والركب مكاناً اسفل منكم بجعله ظرفاً. والذي حكيناه، هو قول الحسن، وقتادة، وابن اسحاق ومجاهد والسدي. واصل الدنيا الدنو بالواو، بدلالة قولهم دنوت إلى الشيء أدنو دنواً، فقلبت الواو ياء. ولم تقلب مثل ذلك في القصوى، لأنه ذهب بالدنيا مذهب الاسم في قولهم الدنيا والاخرة، وان كان اصلها صفة، فخففت. لأن الاسم احق بالتخفيف. وتقول: ادناه ادناء واستدناه استدناء، وتدانوا تدانياً. وداناه مداناة. و (العلو) قرار تحته قرار. و (السفل) قرار فوقه قرار، تقول: سفل يسفل سفلا، وتسفل تسفلا وتسافل تسافلا وسفل تسفيلا، وسافله مسافلة، وهو الاسفل، وهي السفلى. وقوله {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد} والمواعدة وعد كل واحد من الاثنين الآخر وتواعدوا تواعداً. و (الاختلاف) مذهب كل واحد من الشيئين في نقيض الآخر، ومنه الاختلاف في الميعاد لذهاب كل واحد من الفريقين فيما يناقض الميعاد من التقدم والتأخر والزيادة والنقصان عما انعقد به الميعاد. وقيل: اختلافهم في الميعاد بمعنى "لو تواعدتم" أيها المؤمنون على الاجتماع في الموضع الذي اجتمعتم فيه ثم بلغكم كثرة عددهم مع قلة عددكم لتأخرتم فنقضتم الميعاد، في قول ابن اسحاق. ووجه آخر {ولو تواعدتم} من غير لطف الله لكم {لاختلفتم} بالعوائق والقواطع فذكر الميعاد لتأكيد امره في الاتفاق ولولا لطف الله مع ذلك لوقع على الاختلاف كما قال الشاعر: شعر : جرت الرياح على محل ديارهم فكانما كانوا على ميعاد تفسير : وقوله {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} معناه ليفصل الله امراً كان مفعولا من عز الاسلام وعلو اهله على عبدة الاوثان وغيرهم من الكفار بحسن تدبيره ولطفه. وقوله {ليهلك من هلك عن بينة} معناه ليهلك من هلك عن قيام حجة عليه بما رأى من المعجزات الباهرات للنبي صلى الله عليه وآله في حروبه وغيرها {ويحيى من حي عن بينة} يعني ليستبصر من استبصر عن قيام حجة، فجعل الله المتبع للحق بمنزلة الحي، وجعل الضال بمنزلة الهالك. وقوله: {وإن الله لسميع عليم} معناه "سميع" لما يقوله القائل في ذلك "عليم" بما يضمره، فهو يجازيه بحسب ما يكون منه.
الجنابذي
تفسير : {إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} بدل من يوم الفرقان او ظرف لالتقى او لقدير والعدوة مثلّثة شطّ الوادى {وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَى} والمراد الدّنيا من المدينة والقصوى منها {ٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ} يعنى عبر قريش والمراد تذكيرهم بقوّة المشركين وشدّة اهتمامهم بالقتال لحفظ العير واستظهارهم بمن كان فى العير وهم ابو سفيان واصحابه وكون مكانهم اثبت للاقدام ومكان المؤمنين يسوخ فيه الاقدام حتّى لا يبقى لهم شكّ فى انّ غلبتهم لم تكن الاّ بنصرة الله ولذا قيل: كان غزوة بدرٍ من ادلّ الدّلائل على نبوّة نبيّنا (ص) {وَ} الحال انّكم لغاية ضعفكم وقوّة اعداءكم {لَوْ تَوَاعَدتُّمْ} للقتال معهم {لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ وَلَـٰكِن} ثبتّكم على القتال على هذه الحال ولم يدعكم حتّى تفرّوا {لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} اى حقيقاً بان يفعل او مفعولاً فى الذّرّ من اعلاء كلمته واعزاز دينه واذلال اعدائه، او هلاك الهالك عن بيّنة او انزال الملائكة واظهار دلائل النّبوّة {لِّيَهْلِكَ} بدل عن قوله ليقضى الله على ان يكون المراد بالامر المفعول اتمام الحجّة واهلاك الهالك وحياة الحّى بعدها او متعلّق يقضى والمراد الهلاك الصّورىّ او المعنوىّ {مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ} بعد بيّنةٍ او متجاوزاً عن بيّنةٍ هى اعزاز المؤمنين وغلبتهم فى مقام لا يظنّ الاّ ذلّتهم ومغلوبيّتهم ولم يكن ذلك الاّ بنزول الملائكة وامدادهم بحيث لم يخف على احدٍ من الطّرفين {وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ} لاستغاثتكم فيجيبكم {عَلِيمٌ} بصدروكم وخفّياتها من الخوف والاضطراب وما يصلحها من التّثبيت والامداد او لسميع بمقال الهالك والحىّ عليم بحاله، عطف باعتبار المعنى كأنه قال: انّ الله يقضى او انّ الله يهلك وانّ الله لسميع او هو استيناف.
فرات الكوفي
تفسير : {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ42} فرات قال: حدثنا علي بن محمد بن مخلد الجعفي معنعناً: عن سليمان بن يسار قال: رأيت ابن عباس رضي الله عنه لما توفي أمير المؤمنين [علي بن ابي طالب. ر. عليه السلام. ر، ب] بالكوفة وقد قعد في [ر: على] المسجد محتبياً [أ، ر: مجتنباً] ووضع مرفقه [ر: فرقه. أ: فوقه] على ركبتيه وأسند يده [أ: به] تحت خده وقال: أيها الناس إني قائل فاسمعوا {أية : من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} تفسير : [29/ الكهف]، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: حديث : إذا مات علي وأخرج من الدنيا ظهرت في الدنيا خصال لا خير فيها. فقلت: وما هي يا رسول الله؟ فقال: تقل الأمانة وتكثر الخيانة حتى يركب الرجل الفاحشة وأصحابه ينظرون إليه، والله لتضايق الدنيا بعده بنكبة، ألا وإن الأرض لا يخلو مني ما دام علي حياً في الدنيا بقية من بعدي، علي في الدنيا عوض مني [أ: من] بعدي، علي كجلدي، علي كلحمي [ر: لحمي]، علي عظمي، علي كدمي، علي عروقي، علي أخي ووصيي في أهلي وخليفتي في قومي ومنجز عداتي وقاضي ديني، قد صحبني علي في ملمات أمري، وقاتل معي أحزاب الكفار، وشاهدني [ر: شاهدي] في الوحي وأكل معي طعام الأبرار، وصافحه جبرئيل [عليه السلام. ر] مراراً نهاراً جهاراً وقبل جبرئيل [عليه السلام. أ] [خد. أ، ب] علي اليسار وشهد جبرئيل وأشهدني أن علياً من الطيبين الأخيار، وأنا أشهدكم معاشر الناس لا تتساءلون من علم أمركم ما دام علي فيكم، فإذا فقدتموه فعند ذلك تقوم الآية {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة [وإن الله سميع عليم}.أ،ب].
الهواري
تفسير : قوله: {إِذْ أَنتُم بِالعُدْوَةِ الدُّنْيَا} أي عدوة الوادي بأعلى الوادي {وَهُم بالْعُدْوَةِ القُصْوَى} أي أسفل الوادي. { وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ} يعني أبا سفيان وأصحاب العير. قال الكلبي: كان أبو سفيان والعير أسفل من الوادي ـ زعموا ـ بثلاثة أميال في طريق الساحل، لا يعلم المشركون مكان عيرهم، ولا يعلم أصحاب العير مكان المشركين. قال بعضهم: العدو كان شفير الوادي؛ كان المسلمون بأعلاه، وكان المشركون بأسفله، والركب يعني به أبا سفيان والعير، الخدم فانطلق على حورمه. قال: {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ} أي: أنتم والمشركون { لاَخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَادِ} قال الحسن: لو تواعدتم فيما بينكم فقلتم نصنع كذا وكذا لاختلفتم في الميعاد. {وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} أي فيه نصركم والنعمة عليكم. قوله: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} أي بعد الحجة والبيان. كقوله: (أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) تفسير : [إبراهيم:4] أي بعد البيان. {وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
اطفيش
تفسير : {إذْ} بدل من أحد اليومين بدل كل، وقيل: متعلق بالتقى {أنتُم بالعُدْوة} بضم العين عند نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائى، وبكسرها عند ابن كثير، وأبى عمرو، ويعقوب، وبفتحها عند قتادة، والحسن، وذلك كما قال أبو على الفارسى ثلاث لغات والأوليان أولى، وعن بعضهم: أنه يجوز فى قراءة الفتح أن يكون تسمية بالمصدر، والخطاب للمؤمنين، والعدوة شفير الوادى، لأنه عد عدا ماءة الوادى أن يتجاوزه، أى منعه، ولأنه عدا الوادى أى أجاوزه، والمراد هنا الأرض الموالية، للشفير، سميت باسمه للمجاوزة، وقرئ العدية بكسر العين وإبدال الواو ياء لضعف الفصل بالساكن بينها وبين الكسرة. {الدُّنْيا} نعت للعدوة وهو وصف مؤنث بألف كالفضلى، ومذكرة اسم تفضيل وهو الأدنى، فهو دال على التفضيل، كما يدل مذكره عليه، وكلاهما من الدنو وهو القرب، كأنه قيل العدوة التى هى أقرب من غيرها، أو هو وصف مؤنث مذكره اسم تفضيل خارج عن التفضيل وهو الأدنى بمعنى القريب، فكأنه قيل: العدوة القريبة {وهُم} أى المشركون {بالعُدْوة} فيه القراءات السابقات، والباءان صرفيتان {القُصْوى} البعدى مؤنث الأقصى بمعنى الأبعد الذى هو اسم تفضيل باق على معناه، أو خارج عنه، فالمعنى العدوة التى هى أبعد من غيرها، أو العدوة البعيدة، والقرب والبعد أمران نسبيان، والمعتبر فيهما هنا المدينة، فالعدوة الدنيا ما يلى المدينة، والقصوى ما يلى مكة، والقياس القصيا بالياء كما هو لغة تميم، وكالعليا والدنيا، ولعله اعتبر فيه ما هو الغالب فيه، وهو استعماله غير صفة فلا شذوذ، والحق ما يأتى عن ابن هشام، وذلك أن فعلى بضم الفاء وإسكان العين إذا كان صفة تقلب لامه باء إن كانت واوا تخفيفا. قال ابن هشام: وأما قول الحجازيين القصوى فشاذ قياسا، فصح استعمالا، نبه به على الأصل كما فى استحوذ والقود، أى لأن القاعدة استجاد بالنقل والقلب والقاد بالقلب للتحرك بعد فتحه، وإن كان فعلى اسما لم يغير كخزوى اسما لموضع فرقا بين الاسم والصفة، ولم يعكس لأن الصفة أثقل، فكانت بالتخفيف بالقلب أحق وأدعى المرادى أن الصرفيين يبدلون فى الاسم دون الصفة، ويجعلون حزوى شاذا: وكذا يجعلون القصوى إذا اعتبر غالب استعمالاته وهو استعماله غير وصف كذا قيل، ولغة الحجاز أكثر استعمالا، وقرأ ابن مسعود: إذ أنتم بالعدوة العليا، وهم بالعدوة السفلى. {والرَّكْب} اسم جمع راكب، وقيل: جمع، والمراد أبو سفيان ومن معه أو إبلهم، ولا يطلق لما كثر جدا من الجموع، ولا على راكبى غير الإبل، ولا على غير الإبل، وقد يطلق على جماعة المسافرين مطلقا وقول ابن قتيبة الركب العشرة ونحوها، يقضى أنه لا يطلق على الثلاثة والأربعة ونحوهما مما بعد عن العشرة، وليس كذلك فإنه يطلق على الثلاثة فصاعداً ولو إلى أربعين أو أكثر ممال ليس بكثير جدا، قال النبى صلى الله عليه سلم: "حديث : الثلاثة ركب وخير الركب أربعة ". تفسير : {أسْفَلَ} منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وقول بعضهم: إنه فى محل رفع، وجهه أنه نائب عن ثابت أو مستقره المرفوع على الخبرية، أو عن جملة فعلية خبرا لم ينقل منها الضمير إلى أسفل، ولو بنى على نقله لم يصح له أن يقول فى محل رفع، لأن ارفع يجئ له على جهة النيابة عن المرفوع، والرفع الجملة لا للفعل وحده، وهو حين النقل نائب عن الفعل فقط، وأما قول سيبويه إنه فى محل خفض تقديره فى مكان أسفل، فمعناه إنه ظرف مكان، وأنه ليس نفس الركب وليس معناه أنه مجرور المحل بفى بحيث يجوز العطف عليه بالجر، وقرئ برفع أسفل على أنه نفس الركب، أما على الحكم بالتسفل على الركب لتسفل موضعه فلا تقدير، أو على تقدير وموضع الركب أسفل منكم أى من موضعكم. {منْكُم} أيها المؤمنون، والجملة حال من ضمير الاستقرار فى {إذ أنتم بالعدوة} أو معطوفة على أنتم بالعدوة، أو على هم بالعدوة كما عطف قوله: {هم بالعدوة} على أنتم بالعدوة، ويجوز كون الواو فيه حالية من ضمير الاستقرار، واختار بعضهم كون الواوين عاطفتين، كان أبو سفيان فى موضع أسفل من موضع المؤمنين إلى ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر، وتسفله بالإضافة إلى أعلى الوادى من حيث يأتى نكب إليه أبو سفيان بالعير حين سمع بخروج النبى صلى الله عليه وسلم. وذكر الطبرى عن مجاهد أن أبا سفيان وأصحابه أقبلوا من الشام تجارا لم يشعروا بأصحاب بدر، ولم يشعر أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم بكفار قريش، ولا كفار قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى التقوا على ماء بدر فاقتتلوا، وهذا على ظاهره مشكل، ووجهه أن قريشا جاءت تمشى ولا تدرى أين تلتقى مع المؤمنين، والمؤمنون جاءوا ولا يدرون أين يلتقون مع هؤلاء، حتى تلاقوا بما مر من الطليعة أو غيرها، فلا إشكال. وفائدة ذكر التوقيت، وذكر أن المؤمنين بالعدوة الدنيا، والكافرين بالقصوى، وأن الركب أسفل إعظام المنة إذ من الله على المؤمنين بالغلبة، مع أن الحال هذه، فإن العدوة الدنيا تسوخ فيه الأقدام، ولا يمشى فيها إلا بتعب، ولا ماء فيها، بخلاف القصوى فليست كذلك، وفيها العدو الكثير، وكانت عير أبى سفيان وراء ظهورهم ذاهبة إلى مكة، والإنسان يشتد فى الحرب إذا كان معه ما يخاف عليه، ويثبت فيها أكثر مما يشتد، ويثبت فى غير ذلك، ولذلك كانت العرب تخرج إلى الحرب بنسائهم على الجمال وأموالهم، لئلا يبرحوا عن الحرب ذبا عن الحريم، ولا يتركون وراءهم ما تحدثهم أنفسهم بالانحياز إليه، وكان الغالب مع ذلك المسلمين فى قلتهم فما ذلك إلا صنع من الله. {ولَوْ تَواعْدتُم} خطاب للمؤمنين والكافرين، أو الضمير للمؤمنين والكافرين كذلك، وكان ضمير خطاب تغليبا للمؤمنين المخاطبين، أو الضمير للمؤمنين فقط، وعليه فالتقدير: ولو تواعدتم مع الكافرين، والمراد المواعدة بالقتال لوقت مخصوص فى مكان مخصوص {لاخْتَلفْتم فى المِيعادِ} فى الوعد بأن يتأهب الكفار وتقدم، ويثبطكم بعض المؤمنين خوفا لقلتكم، بل كان القتال بلا مواعدة، خرج المؤمنون للعير والكافر ليمنعوها، فالتقوا على غير ميعاد كما مر أن بعض الكفار قال: خرجتم لتمنعوا عيركم وقد نجت فلنرجع إلى مكة. {ولَكنْ ليقْضَى} يظهر ويوجد فى الخارج {اللهُ} متعلق بمحذوف يقدر مقدما، أى دبر الله ذلك، أو جمع بينكم على هذه الحال من غير تواعد، ليقضى الله، أو مؤخرا للحصر هكذا ليقضى الله {أمْراً} هو نصر أوليائه على أعدائه {كانَ مفْعُولا} حقيقا بأن يفعل، أو مكتوبا فى اللوح المحفوظ، أو مقضيا فى الأزل أن يفعل دبر ذلك، أو جمع بينكم على هذه الحال من غير تواعد. {ليَهْلِكَ} بدل اشتمال من ليقضى أو متعلق بمفعولا، أو ينقضى، وقرأ الأعمش بفتح لام يهلك، ورواها عصمت عن أبى بكر عن عاصم {مَنْ هَلَكَ عَنْ بيِّنةٍ} عاينها واضحة لا تخالجه شبهة فلا تبقى له حجة ولا معذرة عند ربه {ويَحْيا مَنْ حَىَّ عَنْ بيِّنةٍ} بالفك عند نافع، وأبى بكر، ويعقوب، وابن كثير فى رواية البزى، قال سيبويه: أتانا بهذه اللغة يونس، قال الفراء: وهى حسنة، ووجهها الحمل على المضارع فإنه لا إدغام فيه، لأن الياء الثانية فيه تقلب ألفا، فاجتماع المثلين فى الماضى كالعارض لعدمه فى المضارع والأمر، والعارض لا يعتد به غالبا، وقرأ الباقون حى بالإدغام نظرا إلى أنهما مثلان فى كلمة حركة ثانيهما لازمة، وكلاهما فصيح، والفك أكثر فى كلامهم، قاله الشيخ خالد. وظاهر تمثيل ابن هشام أيضا اختيار الفك، والمراد بالهلاك حقيقة الموت، وبالحيات ضده، والمعنى ليهلك من شارف الهلاك، فإن الإنسان ولو كان عمره طويلا مشارف للموت، أو ليكون هلاكه هلاكا عن بينة، أو يهلك عن بينة من كان فى علم الله أنه يهلك كذلك، وليحيا من شارف الحياة، فإن الإنسان فى كل حال مشارف للحياة التى بعد حاله مالم ينقض أجله، أو من حيى بعد الخروج عن أمه، وبعد البلوغ، ولو لم يحضر وقعة بدر، فإن وقعته آية واضحة من كفر بها كان مكابرا لعقله، ومغالطا له، ولا سيما من حضرها، أو لتكون حياته حياة عن بينة، أو ليحيا عن بينة، من كان فى علم الله أنه يحيا عنها. وقال ابن إسحاق: الهلاك والحياة ستعاران للكفر والإيمان، وفيه الأوجه السابقة من المشارقة وما بعدها، وزعم شيخ الإسلام أن تلك الأوجه مختصة بقول ابن إسحاق، ويقرب منه قول قتادة، إن المراد الضلال والاهتداء وإنما تعدى الهلاك بعن لأنه فوات وخروج عن الإيمان بالضلال، أو باموت، أو لتضمنه معنى صدور الهلاك عن كذا، وتعدى يحيا بعن لتضمنه معنى صدور الحياة عن بينة، ومسمى النكرتين واحد على خلاف الغالب كقوله: {أية : وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله}تفسير : والتنكير فيهما للتعظيم {وإنَّ الله لَسَميعٌ} بقول من كفروا، وقول من آمنوا {عَليمٌ} باعتقادهم وسائر أحوالهم يثيب على الخير، ويعاقب على الشر، أو يدبر أموركم ومصالحكم معشر المؤمنين.
اطفيش
تفسير : {إِذْ} بدل من يوم الأَول على جواز تعدد البدل، أَو من الثانى على جواز الإِبدال من البدل، أَو عطف بيان كذلك، أَو الأول بيان والثانى بدل، وقدر بعض اذكر إِذ أَنتم، وأَجاز بعض تعليقه بقدير، وليس حصراً لقدرته فى ذلك الوقت {أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ} نازلون فى العدوة، أَو ثابتون فى العدوة وهى جانب الوادى، ويطلق أَيضاً على ساحل البحر، سمى لأَنه عدا أَى جاوز ما فى الوادى وخالف أَن يكون منه {الدُّنْيَا} نعت وهو مؤنث لاسم التفضيل الخارج عن التفضيل لأَن المعنى العدوة الدانية أَى القريبة إِلى جهة المدينة لا العدوة التى زاد قربها، وكذا فى قوله {وَهُمْ} أَى المشركون نازلون أَو ثابتون {بِالْعُدْوَةِ القُصْوَى} نعت أَى البعدى، أَى البعيدة لأَنه ليس المراد التى زادت بعدًا ولو كان الواقع ذلك نظراً إِلى العدوة الدنيا، ولفظ القصوى شاذ قياساً فصيح استعمالا، والقياس قلب واوه ياءَ لأَن فعلى الواوى اللام الذى هو اسم واوه ياءَ كالدنيا والعليا فإِنهن ممن دنا يدنو وعلا يعلو وقصا يقصو، وتميم تقول القصيا بالياء، ولا يخفى أَن الدنيا والقصوى صفتان لا اسمان كما رأَيتهما نعتين، إِلا أَنهما لحقتا بالأَسماءَ فى كثرة استعمالهما بلا موصوف وفى عدم المطابقة كما هو شأْن اسم التفضيل لا يطابق إِذا كان نكرة، وجاز أَلا يطابق إِذا كان مضافاً إِلى معرفة، كذا قالوا مع زيادة إِيضاح منى، وفيه أَن الخارج عن التفضيل يطابق، وأَن القصوى قل استعماله بلا موصوف بخلاف الدنيا، والصواب ما قاله الزمخشرى فى المفصل أَن فعلى تقلب واوه فى الاسم دون الصفة، وأَن القصوى صفة، أَى جار على القياس، وقرأَ زيد بن على القصيا بالياء {وَالرَّكْبُ} الإِبل ومن معها أَو الإِبل أَو من معها وهم أَربعون رجلا من قريش قفلوا من الشام بتجر، منهم أَبو سفيان، ويطلق على عشرة فصاعداً {أَسْفَلَ} ماضون حاصلون مع التنقل فى موضع أَسفل {مِنْكُمْ} من موضعكم إِلى ساحل البحر على ثلاثة أَميال من بدر، وفائدة ذكر المواضع الثلاثة العدوتين وموضع الركب عقابهم على أَلا يسلموا الخمس، وعدم القناعة بأَربعة الأَخماس مع ما أَنعم الله به عليهم من النصر فى محل مظنة عدم الصبر لقلتهم وضعفهم واختلافهم وخروجهم للعير لا للقتال وكثرة العدو وقوتهم واتفاقهم واستظهارهم بالركب بحيث لو استغاثوا برجال الركب وما لهم لحضروا إِذ قربوا، ولحرصهم على القتال عن الركب، كما أَن العرب يستحضرون أَموالهم وأَولادهم ونساءَهم فيشتد قتالهم عنها غيرة أَن يعيروا بغنمها فلا يزحزحون عن موضعهم، ولأَنهم فى عدوة مع ماء وعدم رمل يعطلهم وأَنتم فى أَرض رمل وعدم ماء، وكان الماء وتلبد الرمل بعد، والواو حالية أَو عاطفة {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ} أَيها المؤمنون مع عدوكم للقتال ففيه تغليب الخطاب على الغيبة {لاخْتَلَفْتُمُ} أَنتم أَيها المؤمنون خاصة {فِى الْمِيعَادِ} أِى فى شأَن التواعد فيخرج بعضكم دون بعض تخوفا من الضعف والقلة وكثرة العدو وقوته والإِياس من الظفر، وأُجيز رجوع الضمير فى الموضعين للمؤمنين والكافرين، أَى لو تواعد المؤمنون والكفار لاختلف المؤمنون مع الكفار، والكفار مع المؤمنين بأَن يهابوكم كما تهابونهم، بل مع اختلاف كل فريق فيما بينهم أَيضاً، بعض الكفار يريد القتال وبعض يخاف كما أَنتم فى اختلاف، وما مر أَولى لأَن البيان ضعف المسلمين {وَلَكِنْ لِيَقْضِىَ} جمعكم على هذه الحالة ليقضى {اللهُ أَمْرًا} هو نصركم {كَانَ مَفْعُولاً} فى علمه وحكمه، أَو حقيقاً بأَن يفعل، أَو بمعنى سيفعل، وقلق الكفار على عيرهم فنفروا لها، وأَخبر المؤمنين بها فرغبوا فى أَخذها فخرجوا فكان النصر على الرجال لا على الركب. {لِيَهْلِكَ} بدل من ليقضى، أَو متعلق بيقضى، والمعنى ليموت {مَنْ هَلَكَ} من مات {عَنْ بَيِّنَةٍ} صادراً أَو متنقلا إِلى الآخرة عن حجة واضحة لا تبقى معها شبهة فى أَن دين الإِسلام هو الحق، فإِن وقعة بدر وأَحوالها برهان عظيم ظاهر {وَيَحْيَى} يعيش {مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} صادراً عنها بقبولها والعمل بها كمن ورد مشرعة ماءَ وأَخذ منها وصدر، أَو أَراد بالهلاك الكفر وبالحياة الإِيمان، على الاستعارة أَو التجوز الإِرسالى، والبينة ظهور كمال القدرة، وعلى الوجهين المراد المشارفة أَو الإِرادة، أَى ليهلك من شارف الهلاك أَو أَراد الهلاك ويحيى من أَراد الحياة أَو شارفها، أَو من هلك فى قضاء الله وحى فى قضاء الله، أَو ليزداد الهلاك أَى الكفر ويزداد الحياة أَى الإِيمان، وهذا على حمل الآية على عموم الموصلين فى جانب الحياة بمعنى الإِيمان كعموم الكفر، أَو يعتبر المضى بالنظر إِلى علم الله عز وجل وقضائه، والاستقبال إِلى الوجود خارجاً، وذلك كله دفع لتحصيل الحاصل {وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ} عليم بكفر اللسان من صاحبه وبعقابه، وبإِيمان اللسان وثوابه {عَلِيمٌ} بكفر القلب والجوارح وعقابه وإِيمانهما وثوابه، وكل من الإِيمان والكفر مشتمل على الاعتقاد والقول، وذلك على الإِطلاق لا بخصوص القضاء بأَحوال بدر، وإِن أُريد أَحوالها اختص بكون الهلاك الكفر والحياة الإِيمان، ولا يتصور هذا التفسير على أَن الحياة التعيش والهلاك الموت.
الالوسي
تفسير : {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} بدل من {أية : يَوْمَ} تفسير : [الأنفال: 41] أو معمول لأذكروا مقدراً، وجوز أبو البقاء أن يكون ظرفاً لقدير وليس بشيء، والعدوة بالحركات الثلاث شط الوادي وأصله من العدو التجاوز والقراءة المشهورة الضم والكسر وهو قراءة ابن كثير وأبـي عمرو ويعقوب. وقرأ الحسن وزيد بن علي وغيرهما بالفتح وكلها لغات بمعنى ولا عبرة بإنكار بعضها و {ٱلدُّنْيَا} تأنيث الأدنى أي إذ أنتم نازلون بشفير الوادي الأقرب إلى المدينة {وَهُمْ} أي المشركون {بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} أي البعدى من المدينة وهو تأنيث الأقصى، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {القصيا} ومن قواعدهم أن فعلى من ذوات الواو إذا كان اسماً تبدل لامه ياء كدنيا فإنه من دنا يدنو إذا قرب، ولم يبدل من قصوى على المشهور لأنه بحسب الأصل صفة ولم يبدل فيها للفرق بين الصفة والاسم، وإذا اعتبر غلبته وأنه جرى مجرى الأسماء الجامدة قيل قصيا وهي لغة تميم والأولى لغة أهل الحجاز، ومن أهل التصريف من قال: إن اللغة الغالبة العكس فإن كانت صفة أبدلت اللام نحو العليا وإن كانت اسماً أقرت نحو حزوى؛ قيل: فعلى هذا القصوى شاذة والقياس قصيا، وعنوا بالشذوذ مخالفة القياس لا الاستعمال فلا تنافي الفصاحة، وذكروا في تعليل عدم الإبدال بالفرق أنه إنما لم يعكس الأمر وإن حصل به الفرق أيضاً لأن الصفة أثقل فأبقيت على الأصل الأخف لثقل الانتقال من الضمة إلى الياء، ومن عكس أعطى الأصل للأصل وهو الاسم وغير في الفرع للفرق. {وَٱلرَّكْبُ} أي العير أو أصحابها أبو سفيان وأصحابه وهو اسم جمع راكب لا جمع على الصحيح {أَسْفَلَ مِنكُمْ} أي في مكان أسفل من مكانكم يعني ساحل البحر، وهو نصب على الظرفية وفي الأصل صفة للظرف كما أشرنا إليه ولهذا انتصب انتصابه وقام مقامه ولم ينسلخ عن الوصفية خلافاً لبعضهم وهو واقع موقع الخبر، وأجاز الفراء والأخفش رفعه على الاتساع أو بتقدير موضع الركب أسفل، والجملة عطف على مدخول {إِذْ} أي إذ أنتم الخ وإذ الركب الخ. واختار الجمهور أنها في موضع الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور قبل، ووجه الإطناب في الآية مع حصول المقصود بأن يقال: يوم الفرقان يوم النصر والظفر على الأعداء مثلاً تصوير ما دبر سبحانه من أمر وقعة بدر والامتنان والدلالة على أنه من الآيات الغر المحجلة وغير ذلك وهذا مراد الزمخشري بقوله فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين وأن العير كان أسفل منهم الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدو وشوكته وتكامل عدته وتمهد أسباب العدة له وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم وإن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعاً من الله تعالى ودليلاً على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله سبحانه وقوته وباهر قدرته، وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء وكانت أرضاً لا بأس بها ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي خبار تسوخ فيها الأرجل وكانت العير وراء ظهر العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم / وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم وتوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم ولا يخلوا مراكزهم ويبذلوا منتهى نجدتهم وقصارى شدتهم وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر تلك الوقعة، وليس السؤال عن فائدة الإخبار بما هو معلوم للمخاطب ليكون الجواب بأن فائدته لازمة كما ظنه غير واحد لما لا يخفى، وعلى هذا الطرز ذكر قوله تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَـٰدِ} أي لو تواعدتم أنتم وهم القتال وعلمتم حالهم وحالكم لاختلفتم أنتم في الميعاد هيبة منهم ويأساً من الظفر عليهم، وجعل الضمير الأول شاملاً للجمعين تغليباً والثاني للمسلمين خاصة هو المناسب للمقام إذ القصد فيه إلى بيان ضعف المسلمين ونصرة الله تعالى لهم مع ذلك، والزمخشري جعله فيهما شاملاً للفريقين لتكون الضمائر على وتيرة واحدة من غير تفكيك على معنى لو تواعدتم أنتم وأهل مكة لخالف بعضكم بعضاً فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فلم يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله تعالى من التلاقي وسبب له ولا يخفى عدم مناسبته، وأمر التفكيك سهل {وَلَـٰكِنِ} تلاقيتم على غير موعد {لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً} وهو نصر المؤمنين وقهر أعدائهم {كَانَ مَفْعُولاً} أي كان واجباً أن يفعل بسبب الوعد المشار إليه بقوله سبحانه: {أية : وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ } تفسير : [الروم: 47] أو كان مقدراً في الأزل. وقيل: كان بمعنى صار الدالة على التحول أي صار مفعولاً بعد أن لم يكن. وقوله سبحانه: {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَن بَيِّنَةٍ} بدل من {لّيَقْضِيَ} بإعادة الحرف أو متعلق بمفعولاً. وجوز أبو البقاء أيضاً تعلقه بيقضي، واستطيب الطيبـي الأول، والمراد بالبينة الحجة الظاهرة، أي ليموت من يموت عن حجة عاينها ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها فلا يبقى محل للتعلل بالأعذار، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة والحجج الغر المحجلة، ويجوز أن يراد بالحياة الإيمان وبالموت الكفر استعارة أو مجازاً مرسلاً، وبالبينة إظهار كمال القدرة الدالة على الحجة الدافعة أي ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة، وإلى هذا ذهب قتادة ومحمد بن إسحاق، قيل: والمراد بمن هلك ومن حي المشارف للهلاك والحياة أو من هذا حاله في علم الله تعالى وقضائه، والمشارفة في الهلاك ظاهرة، وأما مشارفة الحياة فقيل: المراد بها الاستمرار على الحياة بعد الوقعة، وإنما قيل ذلك لأن من حي مقابل لمن هلك، والظاهر أن {عَنْ} بمعنى بعد كقوله تعالى: {أية : عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ } تفسير : [المؤمنون: 40]، وقيل: لما لم يتصور أن يهلك في الاستقبال من هلك في الماضي حمل من هلك على المشارفة ليرجع إلى الاستقبال، وكذا لما لم يتصور أن يتصف بالحياة المستقبلة من اتصف بها في الماضي حمل على ذلك لذلك أيضاً، لكن يلزم منه أن يختص بمن لم يكن حياً إذ ذاك فيحمل على دوام الحياة دون الاتصاف بأصلها، فيكون المعنى لتدوم حياة من أشرف لدوامها، ولا يجوز أن يكون المعنى لتدوم حياة من حي في الماضي لأن ذلك صادق على من هلك فلا تحصل المقابلة إلا أن يخصص باعتبارها، وتكلف بعضهم لتوجيه المضي والاستقبال بغير ما ذكر مما لا يخلو عن تأمل، واعتبار المضي بالنظر إلى علم الله تعالى وقضائه والاستقبال بالنظر إلى الوجود الخارجي مما لا غبار عليه، و {عَنْ} لا يتعين كونها بمعنى بعد بل يمكن أن تبقى على معنى المجاوزة الذي لم يذكر البصريون سواه. ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ } تفسير : [هود: 53] بناءً على أن المراد ما نتركها صادرين عن قولك كما هو رأي البعض، ويمكن أن تكون بمعنى على كما في قوله تعالى: {أية : فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ}تفسير : [محمد: 38] وقول ذي الأصبع:شعر : لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتخزوني تفسير : وقرأ الأعمش {لِيَهلكَ} بفتح العين، وروي ذلك عن عاصم وهي على ما قال ابن جني في «المحتسب» شاذة مرغوب عنها لأن الماضي هلك بالفتح ولا يأتي فعل يفعل إلا إذا كان حرف الحلق في العين أو اللام فهو من اللغة المتداخلة. وفي «القاموس» ((أن هلك كضرب ومنع وعلم)) وهو ظاهر في جواز الكسر والفتح في الماضي والمضارع. نعم المشهور في الماضي الفتح وفي المضارع الكسر، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر ويعقوب {حيي} بفك الإدغام قال أبو البقاء: وفيه وجهان أحدهما: الحمل على المستقبل وهو يحيـى فكما لم يدغم فيه لم يدغم في الماضي. والثاني: أن حركة الحرفين مختلفة فالأول مكسور والثاني مفتوح واختلاف الحركتين كاختلاف الحرفين، ولذلك أجازوا في الاختيار ضبب البلد إذا كثر ضبه، ويقوي ذلك أن الحركة الثانية عارضة فكأن الياء الثانية ساكنة ولو سكنت لم يلزم الإدغام فكذلك إذا كانت في تقدير الساكن، والياآن أصل وليست الثانية بدلاً من واو، وأما الحيوان فالواو فيه بدل من الياء، وأما الحواء فليس من لفظ الحية بل من حوى يحوي إذا جمع. {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي بكفر من كفر وعقابه وإيمان من آمن وثوابه، ولعل الجمع بين الوصفين لاشتمال الكفر والإيمان على الاعتقاد والقول، أما اشتمال الإيمان على القول فظاهر لاشتراط إجراء الأحكام بكلمتي الشهادة، وأما اشتمال الكفر عليه فبناءً على المعتاد فيه أيضاً.
ابن عاشور
تفسير : {إذ} بدل من {أية : يوم التقى الجمعان}تفسير : [الأنفال: 41] فهو ظرف بـ {أية : أنزلنا}تفسير : [الأنفال: 41] أي زمن أنتم بالعدوة الدنيا، وقد أريد من هذا الظرف وما أضيف إليه تذكيرهم بحالة حرجة كان المسلمون فيها، وتنبيههم للطف عظيم حفّهم من الله تعالى، وهي حالة موقع جيش المسلمين من جيش المشركين، وكيف التقى الجيشان في مكان واحد عن غير ميعاد، ووجَد المسلمون أنفسهم أمام عدوّ قوي العِدّة والعُدّة والمَكانة من حسن الموقع. ولولا هذا المقصد من وصف هذه الهيئة لما كان من داع لهذا الإطناب إذ ليس من أغراض القرآن وصف المنازل إذا لم تكن فيه عبرة. والعدوة بتثليث العين صفة الوادي وشاطئه، والضمّ والكسر في العين أفصح وعليهما القراءات المشهورة، فقرأه الجمهور ـ بضمّ العين ـ، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، و يعقوب ـ بكسر العين ـ. والمراد بها شاطىء وادي بدر. وبدر اسم ماء. {والدنيا} هي القريبة أي العدوة التي من جهة المدينة، فهي أقربُ لجيش المسلمين من العُدوة التي من جهة مكة. و{العدوة القصوى} هي التي ممّا يلي مكة، وهي كثيب، وهي قصوى بالنسبة لموقع بلد المسلمين. والوصف بـ {الدنيا} و{القصوى} يَشعُر المخاطبون بفائدته، وهي أنّ المسلمين كانوا حريصين أن يسبقوا المشركين إلى العدوة القصوى، لأنّها أصلب أرضاً فليس للوصف بالدنو والقصُو أثر في تفضيل إحدى العدوتين على الأخرى، ولكنّه صادف أن كانت القصوى أسعدَ بنزول الجيش، فلمّا سبق جيشُ المشركين إليها اغتمّ المسلمون، فلمّا نزل المسلمون بالعدوة الدنيا أرسل الله المطر وكان الوادي دَهْساً فلبّد المطرُ الأرضَ ولم يعقهم عن المسير وأصاب الأرض التي بها قريش فعطّلهم عن الرحيل، فلم يبلغوا بدراً إلاّ بعد أن وصل المسلمون وتخيروا أحسن موقع وسبقوا إلى الماء، فاتّخذوا حوضاً يكفيهم وغوروا الماء، فلمّا وصل المشركون إلى الماء وجدوه قد احتازه المسلمون، فكان المسلمون يشربون ولا يجد المشركون ماء. وضمير {وهم} عائد إلى ما في لفظ {الجمعان} من معنى: جمعكم وجمع المشركين، فلمّا قال: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا} لم يبق معاد لضمير {وهم} إلاّ الجمع الآخر وهو جمع المشركين. و{الركب} هو ركب قريش الراجعون من الشام، وهو العِير. {أَسْفَلَ} من الفريقين أي أخفض من منازلهما، لأن العيِر كانوا سائِرين في طريق الساحل، وقد تركوا ماءَ بدر عن يسارهم. ذلك أنّ أبا سفيان لمّا بلغه أنّ المسلمين خرجوا لتلقي عيره رجع بالعير عن الطريق التي تمرّ ببدر، وسلك طريق الساحل لينجو بالعير، فكان مسيره في السهول المنخفضة، وكان رجال الركب أربعين رجلاً. والمعنى: والركب بالجهة السفلى منكم، وهي جهة البحر وضمير {منكم} خطاب للمسلمين المخاطبين بقوله: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا} والمعنى أنّ جيش المسلمين كان بين جماعتين للمشركين، وهما جيش أبي سفيان بالعدوة القصوى، وعير القوم أسفل من العدوة الدنيا، فلو علم العدوّ بهذا الوضع لطبّق جماعتيه على جيش المسلمين، ولكن الله صرفهم عن التفطّن لذلك وصرف المسلمين عن ذلك، وقد كانوا يطمعون أن يصادفوا العير فينتهبوها كما قال تعالى: {أية : وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم}تفسير : [الأنفال: 7] ولو حاولوا ذلك لوقعوا بين جماعتين من العدوّ. وانتصب {أسفل} على الظرفية المكانية وهو في محلّ رفع خبر عن (الركب) أي والركب قد فاتكم وكنتم تأملون أن تدركوه فتنتهبوا ما فيه من المتاع. والغرض من التقييد بهذا الوقت، وبتلك الحالة: إحضارها في ذكْرهم، لأجل ما يلزم ذلك من شكر نعمة الله، ومن حسن الظنّ بوعده والاعتماد عليه في أمورهم، فإنّهم كانوا حينئذ في أشدّ ما يكون فيه جيش تجاه عدوّه، لأنّهم يعلمون أنّ تلك الحالة كان ظاهرها ملائِماً للعدوّ، إذ كان العدوّ في شوكة واكتمال عدّة، وقد تمهدت له أسباب الغلبة بحسن موقع جيشه، إذ كان بالعدوة التي فيها الماء لسقياهم والتي أرضها متوسّطة الصلابة، فَأما جيش المسلمين فقد وجدوا أنفسهم أمام العدوّ في عدوة تسوخ في أرضها الأرجل من لين رمْلها، مع قلّة مائِها، وكانت العير قد فاتت المسلمين وحلّت وراء ظهور جيش المشركين، فكانت في مأمن من أن ينالها المسلمون، وكان المشركون واثقين بمكنة الذبّ عن عيرهم، فكانت ظاهرةُ هذه الحالة ظاهرةَ خيبة وخوف للمسلمين، وظاهرةَ فوز وقوة للمشركين، فكان من عجيب عناية الله بالمسلمين أن قلب تلك الحالة رَأساً على عَقب، فأنزل من السماء مطراً تعبّدت به الأرض لجيش المسلمين فساروا فيها غير مشفوق عليهم، وتطهّروا وسَقَوا، وصَارت به الأرض لجيش المشركين وحلاً يثقل فيها السيرَ وفاضت المياه عليهم، وألقى الله في قلوبهم تهوين أمر المسلمين، فلم يأخذوا حذرهم ولا أعدّوا للحرب عدّتها، وجعلوا مقامهم هنالك مقام لهو وطرب، فجعل الله ذلك سبباً لنصر المسلمين عليهم، ورأوا كيف أنجز الله لهم ما وعدهم من النصر الذي لم يكونوا يتوقّعونه. فالذين خوطبوا بهذه الآية هم أعلم السامعين بفائدة التوقيت الذي في قوله: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا} الآية. ولذلك تعيّن على المفسّر وصف الحالة التي تضمنّتها الآية، ولولا ذلك لكان هذا التقييد بالوقت قليل الجدوى. وجملة {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد} في موضع الحال من {أية : الجمعان}تفسير : [الأنفال: 41] وعامل الحال فعل {أية : التقى}تفسير : [الأنفال: 41] أي في حال لقاء على غير ميعاد، قد جاء ألزم ممّا لو كان على ميعاد، فإنّ اللقاء الذي يكون موعوداً قد يتأخّر فيه أحد المتواعدَين عن وقته، وهذا اللقاء قد جاء في إبان متّحد وفي مكان متجاور متقابل. ومعنى الاختلاف في الميعاد: اختلاف وقته بأن يتأخّر أحد الفريقين عن الوقت المحدود فلم يأتوا على سواء. والتلازم بين شرط {لو} وجوابها خفي هنا وقد أشكل على المفسّرين، ومنهم من اضطرّ إلى تقدير كلام محذوف تقديره: ثم علمتم قلّتكم وكثرتكم، وفيه أنّ ذلك يفضي إلى التخلّف عن الحضور لا إلى الاختلاف. ومنهم من قدر: وعلمتم قلّتكم وشعر المشركون بالخوف منكم لِما ألقى الله في قلوبهم من الرعب، أي يجعل أحد الفريقين يتثاقل فلم تحضروا على ميعاد، وهو يفضي إلى ما أفضى إليه القول الذي قبله، ومنهم من جعل ذلك لما لا يخلو عنه الناس من عروض العوارض والقواطع، وهذا أقرب، ومع ذلك لا ينثلج له الصدر. فالوجه في تفسير هذه الآية أنّ {لو} هذه من قبيل (لو) الصُهَيْبِية فإنَّ لها استعمالات ملاكها: أن لا يقصد من (لو) ربطُ انتفاء مضمون جوابها بانتفاء مضمون شرطها، أي ربط حصول نقيض مضمون الجواب بحصول نقيض مضمون الشرط، بل يقصد أنّ مضمون الجواب حاصل لا محالة، سواء فرض حصول مضمون شرطها أو فرض انتفاؤه، إمّا لأنّ مضمون الجواب أولى بالحصول عند انتفاء مضمون الشرط، نحو قوله تعالى: {أية : ولو سمعوا ما استجابوا لكم}تفسير : [فاطر: 14]، وإمّا بقطع النظر عن أولَوية مضمون الجواب بالحصول عند انتفاء مضمون الشرط نحو قوله تعالى: {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه}تفسير : [الأنعام: 28]. ومحصّل هذا أنّ مَضمون الجزاء مستمرُّ الحصول في جميع الأحوال في فرض المتكلم، فيأتي بجملة الشرط متضمنّةً الحالةَ التي هي عند السامع مظنةُ أن يحصلُ فيها نقيضُ مضمون الجواب. ومن هذا قول طفيل في الثناء على بني جعفر بن كِلاب: شعر : أبَوْا أنْ يمَلُّونا ولَوْ أنَّ أمَّنا تلاَقِي الذي لاَقَوْه منا لَمَلَّتِ تفسير : أي فكيف بغيرِ أمِّنا. وقد تقدّمت الإشارة إلى هذا عند قوله تعالى: {أية : ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون}تفسير : في هذه السورة [23]، وكنا أحلنا عليه وعلى ما في هذه الآية عند قوله تعالى: {أية : ولو أنّنا نزّلنا إليهم الملائكة }تفسير : الآية في سورة [الأنعام: 111]. والمعنى: لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد، أي في وقت ما تواعدتم عليه، لأن غالب أحوال المتواعِدَين أن لا يستوي وفاؤهما بما تواعدا عليه في وقت الوفاء به، أي في وقت واحدٍ، لأنّ التوقيت كان في تلك الأزمان تقريباً يقدّرونه بأجزاء النهار كالضحى والعَصر والغروب، لا ينضبط بالدرج والدقائق الفلَكية، والمعنى: فبالأحرى وأنتم لم تتواعدوا وقد أتيتم سواء في اتّحاد وقت حلولكم في العُدوتين فاعلموا أنّ ذلك تيسير بقدر الله لأنّه قدر ذلك لتعلموا أنّ نصركم من عنده على نحو قوله: {أية : وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى}تفسير : [الأنفال: 17]. وهذا غير ما يقال، في تقارب حصول حالٍ لأناس: «كأنهم كانوا على ميعاد» كما قال الأسود بن يَعفر يرثي هلاك أحلافه وأنصاره: شعر : جَرَتِ الرياحُ على محلّ ديارهم فكأنهم كانوا على مِيعاد تفسير : فإنّ ذلك تشبيه للحصول المتعاقب. وضمير {اختلفتم} على الوجوه كلّها شامل للفريقين: المخاطبِين والغائبِين، على تغليب المخاطبين، كما هو الشأن في الضمائر مثله. وقد ظهر موقع الاستدراك في قوله: {ولكن ليقضى الله أمراً كان مفعولا} إذ التقدير: ولكن لم تتواعدوا وجئتم على غيرِ اتّعاد ليقضي اللَّهَ أي ليحقّق ويُنجز ما أراده من نصركم على المشركين. ولمّا كان تعليل الاستدراك المفادِ بلكِنْ قد وقع بفعلٍ مسند إلى الله كان مفيداً أنّ مجيئهم إلى العُدوتين على غير تواعد كان بتقدير من الله عِنايةً بالمسلمين. ومعنى {أمراً} هنا الشيء العظيم، فتنكيره للتعظيم، أو يجعل بمعنى الشأن وهم لا يطلقون (الأمر) بهذا المعنى إلاّ على شيءٍ مهمّ، ولعلّ سبب ذلك أنه ما سمّي (أمراً) لا باعتبار أنّه ممّا يؤمر بفعله أو بعمله كقوله تعالى: {أية : وكان أمراً مقضياً}تفسير : [مريم: 21] وقوله: {أية : وكان أمر الله قدراً مقدوراً}تفسير : [الأحزاب: 38]. و{كان} تدلّ على تحقّق ثبوت معنى خبرها لاسمها من الماضي مثل {أية : وكان حقا علينا نصر المؤمنين}تفسير : [الروم: 47] أي ثبت له استحقاق الحَقية علينا من قديم الزمن. وكذلك قوله: {أية : وكان أمراً مقضياً}تفسير : [مريم: 21]. فمعنى {كان مفعولا} أنّه ثبت له في علم الله أنّه يُفعل. فاشتق له صيغة مفعول من فَعَل للدلالة على أنّه حين قدرت مفعوليته فقد صار كأنّه فُعل، فوصف لذلك باسم المفعول الذي شأنه أن يطلق على من اتّصف بتسلط الفعل في الحال لا في الاستقبال. فحاصل المعنى: لينجز الله ويوقع حدثاً عظيماً متّصفاً منذ القدم بأنّه محقّق الوقوع عند إبّانه، أي حقيقاً بأن يُفعل حتّى كأنّه قد فعل لأنّه لا يمنعه ما يحفّ به من الموانع المعتادة. وجملة: {ليهلك من هلك عن بينة} في موضع بدل الاشتمال من جملة: {ليقضي الله أمراً كان مفعولا} لأنّ الأمر هو نصر المسلمين وقهر المشركين وذلك قد اشتمل على إهلاك المهزومين وإحياء المنصورين وحَفّه من الأحوال الدالّة على عناية الله بالمسلمين وإهانته المشركين ما فيه بيّنه للفريقين تقطع عذر الهالكين، وتقتضي شكرَ الأحياء. ودخول لام التعليل على فعل {يهلك} تأكيد للام الداخلة على لـ{يقضي} في الجملة المبدل منها. ولو لم تدخل اللام لقيل: يَهْلِكُ مرفوعاً. والهلاك: الموت والاضمحلال، ولذلك قوبل بالحياة. والهَلاك والحياة مستعاران لمعنى ذهاب الشوكة، ولمعنى نهوض الأمة وقوتها، لأنّ حقيقة الهلاك الموت، وهو أشد الضرّ فلذلك يشبَّه بالهلاك كلّ ما كان ضُرّاً شديداً، قال تعالى: {أية : يهلكون أنفسهم}تفسير : [التوبة: 42]، وبضدّه الحياة هي أنفع شيء في طبع الإنسان فلذلك يشبه بها ما كان مرغوباً، قال تعالى: {أية : لينذر من كان حياً}تفسير : [يس: 70] وقد جمع التشبيهين قوله تعالى: {أية : أو من كان ميتاً فأحييناه}تفسير : [الأنعام: 122]. فإن الكفار كانوا في عزّة ومنعة، وكان المسلمون في قِلّة، فلما قضى الله بالنصر للمسلمين يوم بدر أخفق أمر المشركين ووهنوا، وصار أمر المسلمين إلى جدّة ونهوض، وكان كلّ ذلك، عن بينة، أي عن حجّة ظاهرة تدلّ على تأييد الله قوماً وخذلِه آخرين بدون ريبٍ. ومن البعيد حمل {يهلك} و{يحيى} على الحقيقة لأنّه وإن تحمَّله المعنى في قوله: {ليهلك من هلك} فلا يتحمّله في قوله: {ويحيى ممن حي} لأنّ حياة الأحياء ثابتة لهم من قبل يوم بدر. ودلّ معنى المجاوزة الذي في {عن} على أنّ المعنى، أن يكون الهلاك والحياة صادرين عن بيّنة وبارزين منها. وقرأ نافع، والبَزّي عن ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب، وخلف «حَييَ» بإظهار الياءَيْن، وقرأه البقية: «حَيَّ» بإدغام إحدى الياءين في الأخرى على قياس الإدغام وهما وجهان فصيحان. و{عن} للمجاوزة المجازية، وهي بمعنى (بعد)، أي: بعد بيّنة يتبيّن بها سبب الأمرين: هلاك من هلك، وحياة من حيي. وقوله: {وإن الله لسميع عليم} تذييل يشير إلى أنّ الله سميع دعاء المسلمين طلب النصر، وسميع ما جرى بينهم من الحوار في شأن الخروج إلى بدر ومن مودّتهم أن تكون غير ذات الشوكة هي إحدى الطائفتين التي يلاقونها، وغير ذلك، وعليم بما يجول في خواطرهم من غير الأمور المسموعة وبما يصلح بهم ويبني عليه مجد مستقبلهم.
الواحدي
تفسير : {إذ أنتم بالعدوة الدنيا} نزولٌ بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة، وعدوكم نزولٌ بشفير الوادي الأقصى إلى مكَّة {والركب} أبو سفيان وأصحابه، وهم أصحاب الإِبل. يعني: العير {أسفل منكم} إلى ساحل البحر {ولو تواعدتم} للقتال {لاختلفتم في الميعاد} لتأخَّرتم فنقضتم الميعاد لكثرتهم وقلَّتكم {ولكن} جمعكم الله من غير ميعاد {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} في علمه وحكمه من نصر النبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بيِّنة} أَيْ: فعل ذلك ليضلَّ ويكفر مَنْ كفر من بعد حجَّةٍ قامت عليه، وقطعت عذره، ويؤمن من آمن على مثل ذلك، وأراد بالبيِّنة نصرة المؤمنين مع قلَّتهم على ذلك الجمع الكثير مع كثرتهم وشوكتهم {وإنَّ الله لسميع} لدعائكم {عليمٌ} بنيَّاتكم. {إذ يريكهم الله في منامك} عينك، وهو موضع النَّوم {قليلاً} لتحتقروهم وتجترؤوا عليهم {ولو أراكهم كثيراً لفشلتهم} لجّبُنْتُم ولَتأخَّرتم عن حربهم {ولتنازعتم في الأمر} واختلفت كلمتكم {ولكنَّ الله سلَّم} عصمكم وسلَّمكم من المخالفة فيما بينكم {إنه عليم بذات الصدور} علم ما في صدوركم من اليقين ثمَّ خاطب المؤمنين جميعأً بهذا المعنى فقال: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً} قال ابن مسعودٍ: لقد قُلَّلوا في أعيننا يوم بدرٍ حتى قلت لرجلٍ إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، وأسرنا رجلاً فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً. {ويقللكم في أعينهم} ليجترئوا عليكم ولا يراجعوا عن قتالكم {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} في علمه بنصر الإسلام وأهله، وذلِّ الشِّرك وأهله {وإلى الله ترجع الأمور} وبعد هذا إليَّ مصيركم، فأكرم أوليائي، وأعاقب أَعدائي.
القطان
تفسير : العدوة: جانب الوادي ويجوز في العين الفتح والضم والكسر. القُصْوى: مؤنث الأقصى ومعناها البعيدة. البينة: الحجة الظاهرة. ذات الصدور: ما يدور في النفس من افكار. اذكروا حين كنتم في موقعة بدر بالجانب الأقرب الى المدينة، وكفار قريش في أبعدِ الجانبين، والقافلةُ التي خرجتم تطلبونها أقربُ إليكم مما يلي البحر، ولو تواعدتُم على التلاقي للقتال لما اتّفقتم عليه، ولكن الله دبَّر تلاقيكم على غير موعد، لينفِّذ أمراً كان ثابتاً في علمه انه واقع لا محالة، وهو القتال المؤدي الى نصركم وهزيمتهم. {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ} ليهلك الهالكون من كفار قريش عن حجَّة ظاهرة، وهي هزيمة الكثرة الكافرة ويحيا المؤمنون من حجّة بينة، وهي نصر الله للقلة المؤمنة، إن الله لَسميع عليم لا يخفى عليه شيء من أقوال الفريقين ولا نيّاتهم. قراءات: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: "بالعِدوَة" بكسر العين والباقون بالضم. اذكر أيها الرسول حين تفضّل الله عليك، فأراك في منامك جيشَ الأعداء في قلة. كان ذلك ليُظمئنكم أنكم ستغلبونهم، فتثبتوا أمام جمعهم حين يلتقون، ولو ترككم تروْنهم كثيراً، دون ان يثبتكم بهذه الرؤيا - لخِفتم منهم ولتردَّدتم في قتالهم. ولكن الله سلَّم أصحابك يا محمد من ذلك ونجّاهم من عواقبه، إنه عليم بما تخفيه الصدور من شعور الجبن والجزع الذي تضيق به فيُحجم اصحابها عن القتال. واذكر ايها الرسول ايضا كيف كان الله يريكم أعداءكم قلّة عند التلاقي ليشد من عزمكم، وتقاتلوهم بجرأة وثبات، كما يُظهركم في اعينهم قلّة، زيادةً في الغرور بكثرتهم حتى قال ابو جهل: إنما أصحاب محمد أكلة جزور، يعني يكفيهم جزور واحد لقلّتهم. وذلك ليتم أمرٌ عِلمه الله، وكان لا بد ان يتم. والى الله ترجع الامور كلها فلا ينفُذُ الا ما قضاه وهيّأ أسبابه بعدْله وحكمته.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمِيعَادِ} (42) - فَإذَا كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ، وَبِمَا أنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ كُنْتُمْ مُرَابِطِينَ فِي أقْرَبِ الجَانِبَيْنِ مِنَ الوَادِي إلى المَدِينَةِ (العُدْوَةِ الدُّنْيَا - وَالعُدْوَةِ هِيَ طَرَفُ الوَادِي)، وَكَانَتْ قُرَيشٌ تُرَابِطُ فِي أبْعَدِ جَانِبَيْ الوَادِي مِنَ المَدِينَةِ، وَكَانَتْ قَافِلَةُ قُرَيْشٍ (العِيرُ أوِ الرَّكْبُ) أَسْفَلَ مِنَ المُسْلمِينَ مِمَّا يَلِي البَحْرَ. وَلَوْ أنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَاعَدْتُمْ مَعَ قُرَيشٍ عَلَى هَذا اللِّقَاءِ، فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، وَفِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِلْقِتَالِ، لاخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَادِ، وَلَمَا كَانَ هَذا التَّوَافُقُ فِي الزَّمَانِ وَالمَكَانِ. (وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَى هَذا المَقْطَعِ مِنَ الآيَةِ هُوَ: لَوْ كَانَ اللِّقَاءُ عَنْ مَوْعِدٍ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ، وَعَلِمْتُم بِقِلَّتِكُمْ وَكَثْرَتِهِمْ لمَا لَقيتُمُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ هَيَّأَ ظُرُوفَ اللِّقَاءِ لِيَقْضِيَ بِقٌدْرَتِهِ إعزَازَ الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، وَإِذْلاَلَ الشِّرْكِ وَأهْلِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِلُطْفٍ مِنْهُ). وَقَدْ فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لِيَتَرَتَّبَ عَلَى قَضَاءِ هَذا الأمْرِ أنْ يَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ مِنَ الكُفَّارِ عَنْ حُجَّةٍ مُبَيّنَةٍ مُشَاهَدَةٍ بِالبَصَرِ عَلَى صِحَّةِ الإِسْلاَمِ، وَصِدْقِ مَا أنْزَلَهُ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، إذْ أنْجَزَ وَعْدَهُ لِرَسُولِهِ وَالمُؤْمِنينَ، لِتَنْتَفِي الشُّبْهَةُ، وَلاَ يَكُونَ هُنَاكَ مَجَالٌ لِلاعْتِذَارِ عَنْ عَدَمِ إجَابَةِ الدَّعْوَةِ، وَيَعِيشَ مَنْ يَعِيشُ مِنَ المُؤْمِنينَ عَنْ حُجَّةٍ شَاهِدَةٍ، فَيَزْدَادَ يَقيناً بِالإِيمَانِ، وَنَشَاطَاً فِي الأَعْمَالِ. وَاللهُ سَمِيعٌ لِدُعَائِكُمْ وَتَضَرُّعِكُمْ إِلَيْهِ، عَلِيمٌ بِأنَّكُمْ صَادِقُونَ تَسْتَحِقُّونَ النَّصْرَ. العُدْوَةِ - طَرَفِ الوَادِي أوْ ضِفَّتِهِ. الرَّكْبُ - العِيرُ أوِ القَافِلَةُ وَكَانَتْ أمْوالُ قُرَيْشٍ فِيهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ساعة تسمع "إذ" تعرف أنها ظرفٌ، ومعناها: اذكر هذا الوقت، اذكر إذ أنتم بالعدوة الدنيا، والعدوة شاطيء الوادي وجانبه. وهي جبل مرتفع؛ لأن الجبال إن كان بينها فضاء نسمي هذا الفضاء وادياً، فيكون الوادي هو الفضاء بين جبلين، ويكون المكان العالي الذي على يمين الوادي وعلى شماله عدوة. وقوله تعالى: {بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} [الأنفال: 42]. توضيح وبيان لجغرافية المعركة، وأهل الإسلام كانوا من ناحية المدينة، وقوله تعالى: "دنيا" تأنيث الأدنى أي الأقرب، فالمسلمون كانوا قريبين من المدينة. وكان الكفار قادمين من مكة، ونزلوا في المكان الأبعد. فقوله تعالى: {أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} [الأنفال: 42]. أي في مكان قريب، وموقع غزوة بدر - كما نعلم - قريب من المدينة، أما كفار قريش فقد جاءوا من مكة. وبذلك جاءوا من مكان بعيد عن المدينة لذلك سماه الحق تبارك وتعالى هنا: {بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} أي في المكان البعيد عن مكة، ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: {وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ} والركب هو العير أي الجمال التي تحمل التجارة، وكان المسلمون قد خرجوا ليأخذوها. ولما عرف أبو سفيان بذلك غيّر سير القافلة واتجه إلى ساحل البحر، ويتكلم الحق سبحانه وتعالى عن سلوك أبي سفيان حينما أمر أن تسير القوافل بجانب ساحل البحر. وساحل البحر - كما هو معلوم - يكون دائماً أسفل من أي أرض يابسة. ويُتخذ سطح البحر إلى الآن مقياساً للارتفاعات والانخفاضات بالنسبة للمقاييس البشرية، فيقال: هذا ارتفاعه مائة متر أو مائتا متر أو أكثر أو أقل بالنسبة لمستوى سطح البحر. وساحل البحر بالنسبة لسطح البحر متساو، أما الأرض والجبال والوديان فهي تختلف في العلو والانخفاض فلا تصلح مقياساً للارتفاعات والانخفاضات، بينما سطح البحر مستطرق استطراقاً سليماً، بحيث لا توجد في سطح الماء بقعة عالية وأخرى منخفضة. وهكذا يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى أن أسفل ما في الأرض هو ساحل البحر وقد اتخذ الناس سطح البحر مقياساً للارتفاعات. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} [الأنفال: 42]. أي لو أن المؤمنين اتفقوا مع الكفار على موعد ومكان، لجاء بعضهم متأخراً عن الموعد أو منحرفاً عن المكان، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي حدد موعد المعركة ومكانها بدقة تامة فتم اللقاء في الموعد والمكان المحددين ليتم الأمر كما قدره الله سبحانه وتعالى، والأمر هو معركة بدر، وليلقى المؤمنون الكافرين، لينتصروا عليهم. {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42]. وهل يعني قول الحق {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ} أن الهلاك هنا هو الموت؟ لقد مات أيضاً بعض المؤمنين واستشهدوا. وقول الحق: {وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ} وهل الحياة هنا تعني مجرد البقاء على قيد الدنيا؟. لقد عاش أيضاً من الكفار كثير رغم أنهم خاضوا معركة بدر. إذن فليس معنى الهلاك هنا الموت، وليس معنى الحياة النجاة، ولكن قول الحق {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ} تنطبق على الكفار سواء الذين ماتوا أو الذين نجوا؛ لأن الهلاك هنا هلاك معنوي، فمن قتل من الكفارهلك. ومن نجا هلك أيضاً؛ لأنه بقتاله المؤمنين قد أورد نفسه مورد التهلكة بالعذاب الذي ينتظره في الآخرة، إلا إذا أدركته رحمة الله وآمن قبل أن يأتي أجله. والذين حيوا هم المؤمنون، والمراد - إذن - ليكفر من كفر، ويؤمن من آمن عن يقين. ولقد قلنا من قبل: إنَّ الحق سبحانه وتعالى أطلق الحياة على معان متعددة، فهناك الحياة التي فيها الحركة والحس، وهذه تتحقق ساعة أن تدخل الروح الجسد ليكون للإنسان حياة. وهذه الحياة هي للمؤمن والكافر. ولكن الحياة بهذا الشكل؛ حياة منتهية إلى موت غير موقوت ننتظره في أي لحظة. ولكن الحياة المطلوبة لله هي الحياة التي لا يأتي فيه موت. ولا يكون فيها تعب وشقاء، تلك هي الحياة الآخرة، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 64]. أي أنها الحياة الحقيقية. إذن فالذي يؤمن إيماناً حقيقيا يعطيه الله تعالى حياة الخلود في الجنة. ولذلك نستمع جميعاً إلى قول الحق تبارك وتعالى: {ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 42]. ومنا من يتساءل: كيف يخاطب الله الناس وهم أحياء ويقول لهم: إذا دعاكم لما يحييكم؟ ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى يريد لنا بالإيمان حياة خالدة في الجنة. ثم يختم الحق سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} ومعنى سميع وعليم أنه سبحانه وتعالى مدرك لكل الأشياء والخواطر، فما بالسمع يسمعه، وما بالعين يراه، وما في الصدر يعلمه، وما هو في أي حس من أحاسيس الإنسان هو عليم به؛ لأنه أحاط بكل شيء علما. ووسائل الإدراك العلمي في الإنسان هي السمع والبصر والذوق واللمس والشم، هذه هي الحواس التي تعطي العلم للإنسان الذي لم يكن يعلم شيئاً. وهو سبحانه وتعالى القائل: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [النحل: 78]. أي أن هذه الحواس هي التي تعطي الإنسان ما لم يكن قد علمه، وكلما علم شيئاً، فليقل: الحمد لله. ويعلمنا الله سبحانه وتعالى كيف يتم قدره فيقول: {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} والعُدْوةُ: شَفيرُ الوَادي. والدُّنيَا: الأَدنى، وهو الأَقربُ. والقُصوى: الأَبْعَدُ. فالمُؤمنوُن كانُوا بِالعُدوةِ الدُّنيَا. والكَافِرونَ بِالعُدوةِ القُصوى {وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ} [أي] أبو سُفيان وأَصحابُهُ أَسفلُ مِنْهُم.
همام الصنعاني
تفسير : 1017- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا}: [الآية: 42]، قال: شفير الوادي الأدنى. وهم بشفير الوادي الأقْصَى، {وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ}: [الآية: 42]، يقول: أبو سفيان وأصحابه أسفل منهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):