٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
41
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر بالمقاتلة في قوله: {وَقَـٰتِلُوهُمْ } وكان من المعلوم أن عند المقاتلة قد تحصل الغنيمة، لا جرم ذكر الله تعالى حكم الغنيمة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الغنم: الفوز بالشيء، يقال: غنم يغنم غنماً فهو غانم، والغنيمة في الشريعة ما دخلت في أيدي المسلمين من أموال المشركين على سبيل القهر بالخيل والركاب. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: {مَا } في قوله: {مَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } موصولة وقوله: {مِن شَىْء } يعني أي شيء كان حتى الخيط والمخيط {فَأَنَّ للَّهِ } خبر مبتدأ محذوف تقديره: فحق أو فواجب أن لله خمسه، وروى النخعي عن ابن عمر {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } بالكسر، وتقديره: على قراءة النخعي فلله خمسه والمشهور آكد وأثبت للإيجاب، كأنه قيل: فلا بد من إثبات الخمس فيه، ولا سبيل إلى الإخلال به، وذلك لأنه إذا حذف الخبر واحتمل وجوهاً كثيرة من المقدرات كقولك ثابت: واجب، حق، لازم، كان أقوى لإيجابه من النص على واحد، وقرىء {خُمُسَهُ } بالسكون. المسألة الثالثة: في كيفية قسمة الغنائم. اعلم أن هذه الآية تقتضي أن يؤخذ خمسها، وفي كيفية قسمة ذلك الخمس قولان: القول الأول: وهو المشهور أن ذلك الخمس يخمس، فسهم لرسول الله، وسهم لذوي قرباه من بني هاشم وبني المطلب، دون بني عبد شمس وبني نوفل، لما روي عن عثمان وجبير بن مطعم أنهما قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ينكر فضلهم لكونك منهم أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة، فقال عليه السلام: «حديث : إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه» تفسير : وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل، وأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فعند الشافعي رحمه الله: أنه يقسم على خمسة أسهم، سهم لرسول الله، يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين، كعدة الغزاة من الكراع والسلاح، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والباقي للفرق الثلاثة وهم: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام سهمه ساقط بسبب موته، وكذلك سهم ذوي القربى، وإنما يعطون لفقرهم، فهو أسوة سائر الفقراء، ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل. وقال مالك: الأمر في الخمس مفوض إلى رأي الإمام إن رأى قسمته على هؤلاء فعل، وإن رأى إعطاء بعضهم دون بعض، فله ذلك. واعلم أن ظاهر الآية مطابق لقول الشافعي رحمه الله وصريح فيه، فلا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفصل أقوى منها، وكيف وقد قال في آخر الآية: {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن } يعني: إن كنتم آمنتم بالله فاحكموا بهذه القسمة، وهو يدل على أنه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة، لم يحصل الإيمان بالله. والقول الثاني: وهو قول أبي العالية: إن خمس الغنيمة يقسم على ستة أقسام، فواحد منها لله، وواحد لرسول الله، والثالث لذوي القربى، والثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل قالوا: والدليل عليه أنه تعالى جعل خمس الغنيمة لله، ثم للطوائف الخمسة، ثم القائلون بهذا القول منهم من قال: يصرف سهم الله إلى الرسول، ومنهم من قال: يصرف إلى عمارة الكعبة. وقال بعضهم: إنه عليه السلام كان يضرب يده في هذا الخمس، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، وهو الذي سمى لله تعالى. والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه: بأن قوله: {لِلَّهِ } ليس المقصود منه أثبات نصيب لله. فإن الأشياء كلها ملك لله، وملكه وإنما المقصود منه افتتاح الكلام بذكر الله على سبيل التعظيم، كما في قوله: {قُلِ ٱلانفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } واحتج القفال على صحة هذا القول بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال لهم في غنائم خيبر: «حديث : مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم» تفسير : فقوله: مالي إلا الخمس يدل على أن سهم الله وسهم الرسول واحد، وعلى الإضمام سهمه السدس لا الخمس، وإن قلنا: إن السهمين يكونان للرسول. صار سهمه أزيد من الخمس، وكلا القولين ينافي ظاهر قوله: «مالي إلا الخمس» هذا هو الكلام في قسمة خمس الغنيمة، وأما الباقي وهو أربعة أخماس الغنيمة فهي للغانمين. لأنهم الذين حازوه واكتسبوه كما يكتسب الكلأ بالاحتشاش، والطير بالاصطياد، والفقهاء استنبطوا من هذه الآية مسائل كثيرة مذكورة في كتب الفقه. المسألة الرابعة: دلت الآية على أنه يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب، كما هو قول الشافعي رحمه الله، والدليل عليه: أن قوله: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } يقتضي ثبوت الملك لهؤلاء في الغنيمة، وإذا حصل الملك لهم فيه، وجب جواز القسمة لأنه لا معنى للقسمة على هذا التقدير إلا صرف الملك إلى المالك، وذلك جائز بالاتفاق. المسألة الخامسة: اختلفوا في ذوي القربى. قيل: هم بنو هاشم. وقال الشافعي رحمه الله: هم بنو هاشم وبنو المطلب. واحتج بالخبر الذي رويناه. وقيل: آل علي، وجعفر، وعقيل، وآل عباس، وولد الحرث بن عبد المطلب، وهو قول أبي حنيفة. المسألة السادسة: حكى صاحب «الكشاف» عن الكلبي: أن هذه الآية نزلت ببدر. وقال الواقدي رحمه الله: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة. ثم قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن } والمعنى اعلموا أن خمس الغنيمة مصروف إلى هذه الوجوه الخمسة فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } يعني: إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا يوم الفرقان، يوم بدر. والجمعان: الفريقان من المسلمين والكافرين، والمراد منه ما أنزل عليه من الآيات، والملائكة، والفتح في ذلك اليوم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } أي يقدر على نصركم وأنتم قليلون ذليلون والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ}. فيه ست وعشرون مسألة: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسَعْيٍ؛ ومن ذلك قول الشاعر:شعر : وقد طوّفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب تفسير : وقال آخر:شعر : ومُطْعَم الغُنْم يوم الغنم مُطْعَمُه أنَّى توجّه والمحروم محروم تفسير : والمغنم والغنيمة بمعنىً؛ يقال غُنَم القوم غُنْماً. وٱعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالىٰ: {غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} مال الكفار إذا ظفِر به المسلمون على وجه الغلبة والقَهْر. ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيّناه، ولكن عُرف الشرع قيّد اللفظ بهذا النوع. وسَمّى الشرعُ الواصلَ من الكفار إلينا من الأموال بٱسمين: غنيمة وفيئاً. فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوّهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يُسَمى غنيمة. ولزم هذا الاسم هذا المعنىٰ حتى صار عُرفاً. والفَيْء مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف. كخراج الأرضين وجزية الجماجم وخمس الغنائم. ونحو هذا قال سفيان الثَّوْرِيّ وعطاء بن السائب. وقيل: إنهما واحد، وفيهما الخمس؛ قاله قتادة. وقيل: الفيء عبارة عن كل ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر. والمعنىٰ متقارب. الثانية ـ هذه الآية ناسخة لأوّل السورة؛ عند الجمهور. وقد ٱدّعىٰ ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومةٌ على الغانمين؛ على ما يأتي بيانه. وأن قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} نزلت في حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر؛ على ما تقدّم أوّل السورة. قلت: ومما يدلّ على صحة هذا ما ذكره إسماعيل بن إسحاق قال: حدّثنا محمد بن كثير قال حدّثنا سفيان قال حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قتل قتيلاً فله كذا ومن أسَر أسيراً فله كذا»تفسير : وكانوا قتلوا سبعين، وأسروا سبعين، فجاء أبو اليَسَر بن عمرو بأسيرين؛ فقال: يا رسول الله، إنك وعدتنا من قتل قتيلاً فله كذا، وقد جئتُ بأسيرين. فقام سعد فقال: يا رسول الله، إنا لم يمنعنا زيادةٌ في الأجر ولا جُبن عن العدوّ ولكنا قمنا هذا المُقام خشية أن يعطِف المشركون؛ فإنك إن تُعطي هؤلاء لا يبقى لأصحابك شيء. قال: وجعل هؤلاء يقولون: فنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} فَسَلَّموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نزلت {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} الآية. وقد قيل: إنها مُحكَمة غيرُ منسوخة، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست مقسومة بين الغانمين؛ وكذلك لمن بعده من الأئمة. كذا حكاه المازَرِيّ عن كثير من أصحابنا، رضي الله عنهم، وأن للإمام أن يخرجها عنهم. واحتجّوا بفتح مكة وقصة حُنين. وكان أبو عبيد يقول: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عَنْوَةً ومنّ على أهلها فردّها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها عليهم فَيْئاً. ورأىٰ بعض الناس أن هذا جائز للأئمة بعده. قلت: وعلى هذا يكون معنىٰ قوله تعالىٰ: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} والأربعة الأخماس للإمام، إن شاء حبسها وإن شاء قسمها بين الغانمين. وهذا ليس بشيء؛ لما ذكرناه، ولأن الله سبحانه أضاف الغنيمة للغانمين فقال: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} ثم عين الخمس لمن سَمَّى في كتابه، وسكت عن الأربعة الأخماس؛ كما سكت عن الثلثين في قوله: {أية : وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ}تفسير : [النساء: 11] فكان للأب الثلثان اتفاقاً. وكذا الأربعة الأخماس للغانمين إجماعاً؛ على ما ذكره ٱبن المنذر وابن عبد البر والدّاوُدِيّ والمازَريّ أيضاً والقاضي عِياض وابن العربيّ. والأخبار بهذا المعنى متظاهرة، سيأتي بعضها. ويكون معنى قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} الآية، ما ينفّله الإمام لمن شاء لما يراه من المصلحة قبل القسمة. وقال عطاء والحسن: هي مخصوصة بما شذّ من المشركين إلى المسلمين، من عبد أو أَمَة أو دابة؛ يقضي فيها الإمام بما أحب. وقيل: المراد بها أنفال السرايا أي غنائمها، إن شاء خمّسها الإمام، وإن شاء نفّلها كلها. وقال إبراهيم النَّخعِيّ في الإمام يبعث السّرِية فيصيبون المغنم: إن شاء الإمام نفله كله. وإن شاء خَمّسه. وحكاه أبو عمر عن مكحول وعطاء. قال عليّ بن ثابت: سألت مكحولاً وعطاء عن الإمام ينفّل القوم ما أصابوا؛ قال: ذلك لهم: قال أبو عمر: من ذهب إلى هذا تأوّل قول الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} أن ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم يضعها حيث شاء. ولم ير أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالىٰ: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ}. وقيل: غير هذا مما قد أتينا عليه في كتاب (القبس في شرح مُوطّأ مالك بن أنس). ولم يقل أحد من العلماء فيما أعلم أن قوله تعالىٰ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} الآية، ناسخ لقوله: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} بل قال الجمهور على ما ذكرنا: إن قوله: «مَا غَنِمْتُمْ» ناسخ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله تعالى. وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها. وقد قال أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلدان من جهتين: إحداهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله قد خصّه من الأنفال والغنائم ما لم يجعله لغيره؛ وذلك لقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} الآية؛ فنرىٰ أن هذا كان خاصَّاً له. والجهة الأُخرىٰ أنه سنّ لمكة سُنَناً ليست لشيء من البلاد. وأما قصة حُنين فقد عوّض الأنصار لمّا قالوا: يُعطي الغنائم قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم! فقال لهم: «حديث : أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم»تفسير : . خرّجه مسلم وغيره. وليس لغيره أن يقول هذا القول، مع أن ذلك خاص به على ما قاله بعض علمائنا. والله أعلم. الثالثة ـ لم يختلف العلماء أن قوله: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} ليس على عمومه. وأنه يدخله الخصوص؛ فما خصّصوه بإجماع أن قالوا: سَلَبُ المقتول لقاتله إذا نادىٰ به الإمام. وكذلك الرقاب؛ أعني الأسارىٰ، الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف، على ما يأتي بيانه. ومما خصّ به أيضاً الأرض. والمعنىٰ: ما غنمتم من ذهب وفضة وسائر الأمتعة والسْبّي. وأما الأرض فغير داخلة في عموم هذه الآية؛ لما روىٰ أبو داود عن عمر بن الخطاب أنه قال: لولا آخر الناس ما فتحتُ قريةً إلا قَسمتها كما قسَم رسول الله صلى الله عليه وسلم خَيْبر. ومما يصحح هذا المذهب ما رواه الصحيح عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَنَعَتِ العراقُ قفيزها ودرهمها ومَنعت الشام مُدّها ودينارها» تفسير : الحديث. قال الطحاويّ: «منعت» بمعنىٰ ستمنع؛ فدلّ ذلك على أنها لا تكون للغانمين؛ لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا درهم، ولو كانت الأرض تقسم ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء. والله تعالىٰ يقول: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ}تفسير : [الحشر: 10] بالعطف على قوله: «لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرينَ». قال: وإنما يقسم ما ينقل من موضع إلى موضع. وقال الشافعيّ: كل ما حصل من الغنائم من أهل دار الحرب من شيء قل أو كَثُر من دار أو أرض أو متاع أو غير ذلك قسم؛ إلا الرجالَ البالغين فإن الإمام فيهم مخيَّر أن يَمُنّ أو يقتل أو يَسْبِي. وسبيل ما أخذ منهم وسُبي سبيلُ الغنيمة. واحتج بعموم الآية. قال: والأرض مغنومة لا محالة؛ فوجب أن تقسم كسائر الغنائم. وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ٱفتتح عَنوة من خَيْبر. قالوا: ولو جاز أن يدّعي الخصوص في الأرض جاز أن يدّعي في غير الأرض فيبطل حكم الآية. وأما آية «الحشر» فلا حجة فيها؛ لأن ذلك إنما هو في الفيء لا في الغنيمة. وقوله: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} استئناف كلام بالدعاء لمن سبقهم بالإيمان لا لغير ذلك. قالوا: وليس يخلو فعل عمر في توقيفه الأرض من أحد وجهين: إما أن تكون غنيمة ٱستطاب أنفسَ أهلها؛ وطابت بذلك فوقفها. وكذلك روىٰ جَرير أن عمر ٱستطاب أنفسَ أهلها. وكذلك صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبي هَوازِنَ، لما أتَوْه ٱستطابَ أنفس أصحابه عما كان في أيديهم. وإما أن يكون ما وقفه عمر فَيْئاً فلم يحتج إلى مُراضاة أحد. وذهب الكوفيون إلى تخيير الإمام في قسمها أو إقرارها وتوظيف الخراج عليها. وتصير ملكاً لهم كأرض الصلح: قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه: وكأن هذا جمع بين الدليلين ووسط بين المذهبين، وهو الذي فهمه عمر رضي الله عنه قطعاً؛ ولذلك قال: لولا آخر الناس؛ فلم يخبر بنسخ فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا بتخصيصه بهم، غير أن الكوفيين زادوا على ما فعل عمر، فإن عمر إنما وقفها على مصالح المسلمين ولم يملّكها لأهل الصلح، وهم الذين قالوا للإمام أن يملكها لأهل الصلح. الرابعة ـ ذهب مالك وأبو حنيفة والثَّوْرِيّ إلى أن السلب ليس للقاتل، وأن حكمه حكم الغنيمة، إلا أن يقول الأمير: من قتل قتيلاً فله سلبه؛ فيكون حينئذ له. وقال الليث والأوزاعِيّ والشافعيّ وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد والطبريّ وابن المنذر: السلب للقاتل على كل حال؛ قاله الإمام أو لم يقله. إلا أن الشافعيّ رضي الله عنه قال: إنما يكون السلب للقاتل إذا قتل قتيلاً مقبلاً عليه، وأما إذا قتله مدبراً عنه فلا. قال أبو العباس بن سُريج من أصحاب الشافعي: ليس الحديث: «حديث : من قتل قتيلاً فله سلبه» تفسير : على عمومه؛ لإجماع العلماء على أن من قتل أسيراً أو امرأة أو شيخاً أنه ليس له سلبُ واحدٍ منهم. وكذلك من ذفَّف على جريح، ومن قَتَل من قُطعت يداه ورجلاه. قال: وكذلك المنهزم لا يمتنع في ٱنهزامه؛ وهو كالمكتوف. قال: فُعلم بذلك أن الحديث إنما جعل السلب لمن لِقتلِه معنىً زائد، أو لمن في قتله فضيلةٌ، وهو القاتل في الإقبال؛ لما في ذلك من المؤنة. وأما من أثخن فلا. وقال الطبري: السلب للقاتل، مقبلاً قتله أو مدبراً، هارباً أو مبارزاً إذا كان في المعركة وهذا يردّه ما ذكره عبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جُريج قال سمعت نافعاً مولىٰ ابن عمر يقول: لم نزل نسمع إذا التقى المسلمون والكفار فقتل رجل من المسلمين رجلاً من الكفار فإن سلبه له، إلا أن يكون في مَعْمَعةِ القتال؛ لأنه حيئنذ لا يُدْرَى من قتل قتيلا. فظاهر هذا يردّ قول الطبري لاشتراطه في السلب القتلَ في المعركة خاصة. وقال أبو ثور وابن المنذر: السلب للقاتل في معركة كان أو غير معركة، في الإقبال والإدبار والهروب والانتهار، على كل الوجوه، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قتل قتيلاً فله سلبه».تفسير : قلت: روى مسلم حديث : عن سلمة بن الأكْوَع قال: غَزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازِن فبينا نحن نَتَضَحَّىٰ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طَلَقاً من حَقَبِه فقيّد به الجمل، ثم تقدّم يتغدّىٰ مع القوم وجعل ينظر، وفينا ضَعْفة ورِقّة في الظَّهر، وبعضنا مُشاةٌ؛ إذ خرج يشتدّ، فأتىٰ جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره فٱشتدّ به الجمل، فٱتبعه رجل على ناقة وَرْقاء. قال سلمة: وخرجت أشتدّ فكنت عند وَرِك الناقة، ثم تقدّمت حتى كنت عند ورِك الجمل، ثم تقدّمت حتى أخذت بخِطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض ٱخترطتُ سيفي فضربت رأس الرجل فَنَدَر، ثم جئت بالجمل أقوده، عليه رحله وسلاحه؛ فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقال: «من قتل الرجل»؟ قالوا: ٱبن الأكوع. قال: «له سلبه أجمع»تفسير : . فهذا سلمة قتله هارباً غير مقبل، وأعطاه سلبه. وفيه حجة لمالك من أن السلب لا يستحقه القاتل إلا بإذن الإمام، إذ لو كان واجباً له بنفس القتل لما ٱحتاج إلى تكرير هذا القول. ومن حجته أيضاً ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا أبو الأحوص عن الأسود بن قيس عن بشر بن علقمة قال: بارزت رجلاً يوم القادِسِية فقتلته وأخذت سلبه، فأتيت سعداً فخطب سعد أصحابه ثم قال: هذا سلب بشر بن علقمة، فهو خير من ٱثني عشر ألف درهم، وإنا قد نفّلناه إياه. فلو كان السلب للقاتل قضاءً من النبيّ صلى الله عليه وسلم ما احتاج الأمر أن يضيفوا ذلك إلى أنفسهم باجتهادهم، ولأخذه القاتل دون أمرهم. والله أعلم. وفي الصحيح حديث : أن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عَفراء ضربا أبا جهل بسيفيهما حتى قتلاه، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيّكما قتله»؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فنظر في السيفين فقال: «كِلاَكما قتله» وقضىٰ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموحتفسير : ، وهذا نص على أن السلب ليس للقاتل، إذ لو كان له لقسمه النبيّ صلى الله عليه وسلم بينهما. وفي الصحيح أيضاً عن عوف بن مالك قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مُؤْتة، ورافقني مَدَدِيّ من اليمن. وساق الحديث، وفيه: فقال عوف: يا خالد، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضىٰ بالسلب للقاتل؟ قال: بلىٰ، ولكني استكثرته. وأخرجه أبو بكر البَرْقاني بإسناده الذي أخرجه به مسلم، وزاد فيه بياناً حديث : أن عوف بن مالك قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخمّس السلب وإن مددياً كان رفيقاً لهم في غزوة مُؤْتة في طرف من الشام، قال: فجعل رُوميّ منهم يشتدّ على المسلمين وهو على فرس أشقر وسرج مذهب ومنطقة ملطخة وسيف محلىًّ بذهب. قال: فيُغْرِي بهم، قال: فتلطف له المددي حتى مرّ به فضرب عُرقوب فرسه فوقع، وعلاه بالسيف فقتله وأخذ سلاحه. قال: فأعطاه خالد بن الوليد وحبس منه، قال عوف: فقلت له أعطه كلّه، أليس قد سمعت رسول الله يقول: «السلب للقاتل»! قال: بلىٰ، ولكنيِّ استكثرته. قال عوف: وكان بيني وبينه كلام، فقلت له: لأُخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عوف: فلما اجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عوف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لخالد: «لِمَ لمْ تعطه»؟ قال فقال: استكثرته. قال: «فادفعه إليه» فقلت له: ألم أنجز لك ما وعدتك؟ قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «يا خالد لا تدفعه إليه هل أنتم تاركون لي أمرائي»تفسير : . فهذا يدلّ دلالة واضحة على أن السلب لا يستحقه القاتل بنفس القتل بل برأي الإمام ونظره. وقال أحمد ابن حنبل: لا يكون السلب للقاتل إلا في المبارزة خاصة. الخامسة ـ اختلف العلماء في تخميس السلب؛ فقال الشافعيّ: لا يخمّس. وقال إسحاق: إن كان السلب يسيراً فهو للقاتل، وإن كان كثيراً خُمّس. وفعله عمر بن الخطاب مع البَراء بن مالك حين بارز المَرْزُبان فقتله، فكانت قيمة منطقته وسِواريه ثلاثين ألفاً فخمّس ذلك. أنس عن البَرَاء بن مالك أنه قتل من المشركين مائة رجل إلا رجلاً مبارزة، وأنهم لما غَزَوا الزّارَة خرج دهقان الزارة فقال: رجل ورجل؛ فبرز البراء فاختلفا بسيفيهما ثم اعتنقا فتورّكه البراء فقعد على كبده، ثم أخذ السيف فذبحه، وأخذ سلاحه ومنطقته وأتىٰ به عمر؛ فنفّله السلاح وقوّم المنطقة بثلاثين ألفاً فخمّسها، وقال: إنها مال. وقال الأوزاعيّ ومكحول: السلب مغنم وفيه الخمس. وُروي نحوه عن عمر بن الخطاب. والحجة للشافعيّ ما رواه أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعيّ وخالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضىٰ في السلب للقاتل ولم يخمّس السلب. السادسة ـ ذهب جمهور العلماء إلى أن السلب لا يعطى للقاتل إلا أن يُقيم البيّنة على قتله. قال أكثرهم: ويجزىء شاهد واحد؛ على حديث أبي قتادة. وقيل: شاهدان أو شاهد ويمين. وقال الأوزاعيّ: يُعطاه بمجرد دعواه، وليست البينة شرطاً في الاستحقاق، بل إن ٱتفق ذلك فهو الأوّلىٰ دفعاً للمنازعة. ألا ترىٰ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أعطىٰ أبا قتادة سلب مقتوله من غير شهادة ولا يمين. ولا تكفي شهادة واحد، ولا يُناط بها حكم بمجردها. وبه قال الليث بن سعد. قلت: سمعت شيخنا الحافظ المنذِريّ الشافعيّ أبا محمد عبد العظيم يقول: إنما أعطاه النبيّ صلى الله عليه وسلم السلب بشهادة الأسود بن خزاعيّ وعبد الله بن أنيس. وعلى هذا يندفع النزاع ويزول الإشكال، ويطّرد الحكم. وأما المالكية فيخرّج على قولهم أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة؛ لأنه من الإمام ابتداءً عطيةٌ. فإنْ شرط الشهادة كان له، وإن لم يشترط جاز أن يعطيه من غير شهادة. السابعة ـ واختلفوا في السلب ما هو؛ فأما السلاح وكل ما يحتاج للقتال فلا خلاف أنه من السلب، وفرسه إن قاتل عليه وصُرع عنه. وقال أحمد في الفرس: ليس من السلب. وكذلك إن كان في هِمْيانه وفي منطقته دنانير أو جواهر أو نحو هذا، فلا خلاف أنه ليس من السلب. واختلفوا فيما يتزيّن به للحرب، فقال الأوزاعيّ: ذلك كله من السلب. وقالت فرقة: ليس من السلب. وهذا مروِيّ عن سُحنون رحمه الله؛ إلا المنطقة فإنها عنده من السلب. وقال ابن حبيب في الواضحة: والسّواران من السلب. الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} قال أبو عبيد: هذا ناسخ لقوله عز وجل في أوّل السورة {قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} ولم يخمّس رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم بدر، فنسخ حكمه في ترك التخميس بهذا. إلا أنه يظهر من قول عليّ رضي الله عنه في صحيح مسلم: «كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بَدْر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني شارِفاً من الخمس يومئذ» الحديث ـ أنه خمّس؛ فإن كان هذا فقولُ أبي عبيد مردودٌ. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون الخمس الذي ذكر عليّ من إحدىٰ الغزوات التي كانت بين بدر وأحد؛ فقد كانت غزوة بني سليم وغزوة بني المُصْطَلِق وغزوة ذي أَمَر وغزوة بُحران، ولم يُحفظ فيها قتال، ولكن يمكن أن غُنمت غنائم. والله أعلم. قلت: وهذا التأويل يرده قول عليّ يومئذ، وذلك إشارة إلى يوم قسم غنائم بدر؛ إلا أنه يحتمل أن يكون من الخمس إن كان لم يقع في بدر تخميس، من خمس سَرِيّة عبد الله بن جَحْش فإنها أوّل غنيمة غنمت في الإسلام، وأوّل خمس كان في الإسلام؛ ثم نزل القرآن {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} وهذا أولىٰ من التأويل الأوّل. والله أعلم. التاسعة ـ «ما» في قوله: {مَآغَنِمْتُمْ} بمعنى الذي، والهاء محذوفة؛ أي الذي غنمتموه. ودخلت الفاء لأن في الكلام معنىٰ المجازاة. و «أَنَّ» الثانية توكيد للأولىٰ، ويجوز كسرها، ورُوي عن أبي عمرو. قال الحسن: هذا مفتاح كلام، الدنيا والآخرة لله؛ ذكره النَّسائي. واستفتح عز وجل الكلام في الفيء والخمس بذكر نفسه؛ لأنهما أشرف الكسب، ولم ينسب الصدقة إليه لأنها أوساخ الناس. العاشرة ـ واختلف العلماء في كيفية قسم الخُمس على أقوال ستة: الأوّل ـ قالت طائفة: يقسم الخمس على ستة؛ فيُجعل السدس للكعبة، وهو الذي لله. والثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والثالث لذوي القربىٰ. والرابع لليتامىٰ. والخامس للمساكين. والسادس لابن السبيل. وقال بعض أصحاب هذا القول: يردُ السهم الذي لله على ذوي الحاجة. الثاني ـ قال أبو العالية والرّبيع: تقسم الغنيمة على خمسة، فيعزل منها سهم واحد، وتقسم الأربعة على الناس، ثم يضرب بيده على السهم الذي عزله فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، ثم يقسم بقيّة السهم الذي عزله على خمسة، سهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وسهم لذوِي القُرْبىٰ، وسهم لليتامىٰ، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. الثالث ـ قال المِنهال بن عمرو: سألت عبد الله بن محمد ابن عليّ وعلي بن الحسين عن الخمس فقال: هو لنا. قلت لعليّ: إن الله تعالىٰ يقول: {أية : وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [البقرة: 177] فقال: أيتامنا ومساكيننا. الرابع ـ قال الشافعيّ: يقسم على خمسة. ورأىٰ أن سهم الله ورسولهِ واحد، وأنه يصرف في مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية. الخامس ـ قال أبو حنيفة: يقسم على ثلاثة: اليتامى والمساكين وٱبن السبيل. وارتفع عنده حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته؛ كما ارتفع حكم سهمه. قالوا: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة والجند. وروي نحو هذا عن الشافعيّ أيضاً. السادس ـ قال مالك: هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده؛ فيأخذ منه من غير تقدير، ويعطي منه القرابة بٱجتهاد ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. وبه قال الخلفاء الأربعة، وبه عملوا. وعليه يدلّ قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم»تفسير : . فإنه لم يَقسمه أخماساً ولا أثلاثاً، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم؛ لأنهم من أهمّ مَن يدفع إليه. قال الزجاج محتجّاً لمالك: قال الله عز وجل: {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [البقرة: 215] وللرجل جائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك. وذكر النَّسائي عن عطاء قال: خمسُ الله وخمس رسوله واحد، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل منه ويعطي منه ويضعه حيث شاء ويصنع به ما شاء. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} ليست اللام لبيان الاستحقاق والملْك، وإنما هي لبيان المصْرِف والمحل. والدليل عليه ما رواه مسلم حديث : أن الفضل بن عباس وربيعة بن عبد المطلب أتيا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فتكلم أحدهما فقال: يا رسول الله، أنت أبرّ الناس، وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدّي إليك كما يؤدِّي الناس، ونصيبَ كما يصيبون. فسكت طويلاً حتى أردنا أن نكلّمه، قال: وجعلت زينب تُلْمِع إلينا من وراء الحجاب ألاَّ تكلِّماه، قال: ثم قال: «إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ٱدعُوَا لي مَحْمِيَةَ ـ وكان على الخُمْس ـ ونَوْفَل بنَ الحارث بن عبد المطلب» قال: فجاءاه فقال لمَحْمية: «أَنْكِحْ هذا الغلام ٱبنتَك» ـ للفضل بن عباس ـ فأنكحه. وقال لنوفل بن الحارث: «أنْكِح هذا الغلامَ ٱبنتك» يعني ربيعة بن عبد المطلب. وقال لمَحْميَة: «أَصْدِق عنهما من الخمس كذا وكذا»تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم»تفسير : . وقد أعطى جميعه وبعضه، وأعطى منه المؤلّفة قلوبهم، وليس ممن ذكرهم الله في التقسيم؛ فدلّ على ما ذكرناه، والموفق الإلۤه. الثانية عشرة ـ واختلف العلماء في ذوِي القربى على ثلاثة أقوال: قريش كلها؛ قاله بعض السلف، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما صعِد الصّفا جعل يهتف: «حديث : يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب يا بني كعب يا بني مُرّة يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار»تفسير : الحديث. وسيأتي في «الشعراء». وقال الشافعيّ وأحمد وأبو ثَوْر ومجاهد وقتادة وابن جُريج ومسلم بن خالد: بنو هاشم وبنو عبد المطلب؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما قسم سهم ذوى القُرْبى بين بني هاشم وبني عبد المطلب قال: «حديث : إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطَّلب شيء واحد»تفسير : وشبّك بين أصابعه؛ أخرجه النسائيّ والبخاريّ. قال البخاريّ: قال الليث حدثني يونس، وزاد: ولم يَقْسم النبيّ صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا لبني نَوْفل شيئاً. قال ابن إسحاق: وعبد شمس وهاشم والمطّلب إخوةٌ لأُمّ، وأُمّهم عاتكة بنت مُرّة. وكان نوفل أخاهم لأبيهم. قال النَّسائيّ: وأسهم النبيّ صلى الله عليه وسلم لذوي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، بينهم الغني والفقير. وقد قيل: إنه للفقير منهم دون الغنيّ؛ كاليتامى وابن السبيل ـ وهو أشبه القولين بالصواب عندي. والله أعلم ـ والصغير والكبير والذكر والأُنثى سواء؛ لأن الله تعالى جعل ذلك لهم، وقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم. وليس في الحديث أنه فضّل بعضهم على بعض. الثالث ـ بنو هاشم خاصة؛ قاله مجاهد وعليّ بن الحسين. وهو قول مالك والثَّوريّ والأوزاعِيّ وغيرهم. الثالثة عشرة ـ لما بيّن الله عز وجل حكم الخمس وسكت عن الأربعة الأخماس، دلّ ذلك على أنها ملك للغانمين. وبيّن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «حديث : وأيّما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله ثم هي لكم»تفسير : . وهذا ما لا خلاف فيه بين الأُمة ولا بين الأئمة؛ على ما حكاه ابن العربي في (أحكامه) وغيره. بَيْدَ أن الإمام إن رأى أن يَمُنّ على الأسارى بالإطلاق فعل، وبطلت حقوق الغانمين فيهم؛ كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم بثُمامة بن أُثال وغيره، وقال: «حديث : لو كان المُطْعِم بن عِدي حيّاً ثم كلمني في هؤلاء النَّتْنَى ـ يعني أسارى بدر ـ لتركتهم له»تفسير : أخرجه البخاريّ. مكافأةً له لقيامه في شأن نَقْض الصحيفة. وله أن يقتل جميعَهم؛ وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عُقْبة بن أبي مُعَيط من بين الأسرى صَبْراً، وكذلك النضر بن الحارث قتله بالصفراء صَبْراً، وهذا ما لا خلاف فيه. وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم الغانمين، حضر أو غاب. وسهم الصَّفِيّ، يصطفي سيفاً أو سهماً أو خادماً أو دابة. وكانت صَفِيَّة بنت حُيَيّ من الصَّفِيّ من غنائم خَيْبر. وكذلك ذو الفُقَار كان من الصَّفِيّ. وقد انقطع بموته؛ إلا عند أبي ثَوْر فإنه رآه باقياً للإمام يجعله مجعل سهم النبيّ صلى الله عليه وسلم. وكانت الحكمة في ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يرون للرئيس ربع الغنيمة. قال شاعرهم:شعر : لك المرْباع منها والصّفايا وحُكْمُك والنّشِيطةُ والفُضول تفسير : وقال آخر:شعر : مِنَّا الذي رَبَع الجيوش، لصُلبه عشرون وهو يُعَدّ في الأحياء تفسير : يقال: رَبَع الجيشَ يَرْبَعه رَباعة إذا أخذ رُبع الغنيمة. قال الأصمعيّ: رَبَع في الجاهلية وخَمّس في الإسلام؛ فكان يأخذ بغير شرع ولا دِين الربع من الغنيمة، ويصطفي منها، ثم يتحكّم بعدَ الصَّفِيّ في أي شيء أراد، وكان ما شذّ منها وما فضل من خُرثيّ ومتاعٍ له. فأحكم الله سبحانه الدِّين بقوله: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ}تفسير : [الأنفال: 41]. وأبقى سهم الصّفِيّ لنبيّه صلى الله عليه وسلم وأسقط حكم الجاهلية. وقال عامر الشّعْبيّ: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم يُدعَى الصَّفِيّ إن شاء عبداً أو أَمة أو فرساً يختاره قبل الخمس؛ أخرجه أبو داود. وفي حديث أبي هريرة قال: فيلقى العبد فيقول: «حديث : أيْ فُلْ ألم أكرِمْكَ وأسَوِّدك وأزوّجْك وأسَخّرْ لك الخيل والإبل وأذَرْك تَرْأَس وتَرْبَع»تفسير : الحديث. أخرجه مسلم. «تربع» بالباء الموحّدة من تحتها: تأخذ المِرباع، أي الربع مما يحصل لقومك من الغنائم والكسب. وقد ذهب بعض أصحاب الشافعيّ رضي الله عنه إلى أن خمس الخمس كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم يصرفه في كفاية أولاده ونسائه، ويدخّر من ذلك قوت سنته، ويصرف الباقي في الكُراع والسلاح. وهذا يردّه ما رواه عمر قال: كانت أموال بني النَّضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجِف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّة، فكان ينفق على نفسه منها قوت سنة، وما بقي جعله في الكُراع والسلاح عدّة في سبيل الله. أخرجه مسلم. وقال: «حديث : والخمس مردود عليكم».تفسير : الرابعة عشرة ـ ليس في كتاب الله تعالى دلالة على تفضيل الفارس على الراجل، بل فيه أنهم سواء؛ لأن الله تعالى جعل الأربعة أخماس لهم ولم يَخُص راجلاً من فارس. ولولا الأخبار الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم لكان الفارس كالراجل، والعبد كالحرّ، والصبيّ كالبالغ. وقد اختلف العلماء في قسمة الأربعة الأخماس؛ فالذي عليه عامّة أهل العلم فيما ذكر ابن المنذر أنه يُسْهم للفارس سهمان، وللراجل سهم. وممن قال ذلك مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة. وكذلك قال الأُوزاعيّ ومن وافقه من أهل الشام. وكذلك قال الثَّوْرِيّ ومن وافقه من أهل العِراق. وهو قول اللّيث بن سعد ومن تبعه من أهل مصر. وكذلك قال الشافعيّ رضي الله عنه وأصحابه. وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور ويعقوب ومحمد. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحداً خالف في ذلك إلا النعمان فإنه خالف فيه السنَن وما عليه جُلّ أهل العلم في القديم والحديث. قال: لا يُسْهَم للفارس إلا سهم واحد. قلت: ولعله شُبه عليه بحديث ٱبن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفارس سهمين، وللراجل سهماً. خرّجه الدَّارَقُطْنِيّ وقال: قال الرمادِيّ كذا يقول ٱبن نمير قال لنا النيسابوري: هذا عندي وَهَم من ٱبن أبي شيبة أو من الرّمادي؛ لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بِشْر وغيرهما رَوَوه عن ٱبن عمر (رضي الله عنهما) بخلاف هذا، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين لفرسه؛ هكذا رواه عبد الرحمن بن بشر عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر؛ وذكر الحديث. وفي صحيح البخاريّ عن ٱبن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهماً. وهذا نَصٌّ. وقد روى الدَّارَقُطْنِيّ عن الزبير قال: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أسهم يوم بدر، سهمين لفرسي وسهماً لي وسهماً لأُمّي من ذوي القرابة. وفي رواية: وسهماً لأُمّه سهم ذوي القربى. وخرّج حديث : عن بشير بن عمرو بن محصن قال: أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لفرسيّ أربعة أسهم، ولي سهماً؛ فأخذت خمسة أسهمتفسير : . وقيل: إن ذلك راجع إلى ٱجتهاد الإمام، فينفذ ما رأى. والله أعلم. الخامسة عشرة ـ لا يفاضل بين الفارس والراجل بأكثر من فرس واحد؛ وبه قال الشافعيّ. وقال أبو حنيفة: يُسْهم لأكثر من فرس واحد؛ لأنه أكثر عناء وأعظم منفعة؛ وبه قال ٱبن الجَهْم من أصحابنا، ورواه سُحنون عن ٱبن وهب. ودليلنا أنه لم ترد رواية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن يُسهم لأكثر من فرس واحد، وكذلك الأئمة بعده، ولأن العدوّ لا يمكن أن يقاتل إلا على فرس واحد، وما زاد على ذلك فرفاهية وزيادة عُدّة؛ وذلك لا يؤثّر في زيادة السُّهمان، كالذي معه زيادة سيوف أو رماح، واعتباراً بالثالث والرابع. وقد رُوي عن سليمان بن موسى أنه يُسهم لمن كان عنده أفراس، لكلّ فرس سهم. السادسة عشرة ـ لا يسهم إلا للعتاق من الخيل؛ لما فيها من الكرّ والفر، وما كان من البَراذين والهِجْن بمثابتها في ذلك. وما لم يكن كذلك لم يسهم له. وقيل: إن أجازها الإمام أسهم لها؛ لأن الانتفاع بها يختلف بحسب الموضع، فالهِجن والبراذين تصلح للمواضع المتوعّرة كالشعاب والجبال، والعِتاق تصلح للمواضع التي يتأتى فيها الكر والفرّ؛ فكان ذلك متعلقاً برأي الإمام. والعتاق: خيل العرب. والهِجن والبراذين: خيل الروم. السابعة عشرة ـ وٱختلف علماؤنا في الفرس الضعيف؛ فقال أشهب وٱبن نافع: لا يُسْهم له؛ لأنه لا يمكن القتال عليه فأشبه الكسير. وقيل: يسهم له لأنه يرجى برؤه. ولا يسهم للأعجف إذا كان في حيّز ما لا يُنتفع به، كما لا يسهم للكسير. فأمّا المرِيض مرضاً خفيفاً مثل الرّهيص، وما يجري مجراه مما لا يمنعه المرض عن حصول المنفعة المقصودة منه فإنه يسهم له. ويعطى الفرس المستعار والمستأجَر، وكذلك المغصوب؛ وسهمه لصاحبه. ويستحق السهم للخيل وإن كانت في السفن ووقعت الغنيمة في البحر؛ لأنها معدّة للنزول إلى البر. الثامنة عشرة ـ لا حق في الغنائم لِلحُشْوة كالأجراء والصناع الذين يصحبون الجيش للمعاش؛ لأنهم لم يقصِدوا قتالاً ولا خرجوا مجاهدين. وقيل: يُسهم لهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الغنيمة لمن شهد الوقعة»تفسير : . أخرجه البخاريّ. وهذا لا حجة فيه لأنه جاء بياناً لمن باشر الحرب وخرج إليه، وكفى ببيان الله عز وجل المقاتلين وأهل المعاش من المسلمين حيث جعلهم فرقتين متميزتين، لكل واحدة حالها في حكمها، فقال: {أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [المزمل: 20]. إلا أن هؤلاء إذا قاتلوا لا يضرهم كونهم على معاشهم؛ لأن سبب الاستحقاق قد وُجد منهم. وقال أشهب: لا يستحق أحد منهم وإن قاتل، وبه قال ٱبن القصّار في الأجير: لا يسهم له وإن قاتل. وهذا يردّه حديث سلمة بن الأكْوَع قال: كنت تَبِيعاً لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحُسُّه وأخدمه وآكل من طعامه، الحديث. وفيه: ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين، سهمَ الفارس وسهمَ الراجل، فجمعهما لي. خرّجه مسلم. وٱحتج ٱبن القصّار ومن قال بقوله بحديث عبد الرحمن بن عوف، ذكره عبد الرزاق؛ وفيه: حديث : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن: «هذه الثلاثة الدنانير حظه ونصيبه من غزوته في أمر دنياه وآخرته».تفسير : التاسعة عشرة ـ فأما العبيد والنساء فمذهب الكِتاب أنه لا يُسْهم لهم ولا يُرْضخ. وقيل: يرضخ لهم؛ وبه قال جمهور العلماء. وقال الأُوزاعِيّ: إن قاتلت المرأة أسهِم لها. وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للنساء يوم خَيْبر. قال: وأخذ المسلمون بذلك عندنا. وإلى هذا القول مال ٱبن حبيب من أصحابنا. خرّج مسلم عن ٱبن عباس أنه كان في كتابه إلى نَجْدة: تسألني هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهنّ فَيُداوِين الجرحى ويُحْذين من الغنيمة، وأما بِسهمٍ فلم يَضرب لهن. وأما الصبيان فإن كان مطيقاً للقتال ففيه عندنا ثلاثة أقوال: الإسهام ونَفْيه حتى يبلغ، لحديث ٱبن عمر، وبه قال أبو حنيفة والشافعيّ. والتفرقة بين أن يقاتل فيُسهم له أو لا يقاتل فلا يسهم له. والصحيح الأوّل: لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قُريظة أن يقتل منهم من أنبت ويُخْلَى منهم من لم ينبت. وهذه مراعاة لإطاقة القتال لا للبلوغ. وقد روى أبو عمر في الاستيعاب عن سَمُرَة بن جُنْدُب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعرض عليه الغلمان من الأنصار فيلحق من أدرك منهم؛ فعُرضت عليه عاماً فألحق غلاماً وردّني، فقلت: يا رسول الله، ألحقتَه ورددتني، ولو صارعني صرعته قال: فصارعني فصرعته فألحقني. وأما العبيد فلا يُسْهم لهم أيضاً ويُرْضخ لهم. الموفية عشرين ـ الكافر إذا حضر بإذن الإمام وقاتل ففي الإسهام له عندنا ثلاثة أقوال: الإسهام ونفيه؛ وبه قال مالك وٱبن القاسم. زاد ٱبن حبيب: ولا نصيب لهم. ويفرق في الثالث ـ وهو لسُحْنون ـ بين أن يستقل المسلمون بأنفسهم فلا يُسهم له، أو لا يستقلوا ويفتقروا إلى معونته فيسهم له. فإن لم يقاتل فلا يستحق شيئاً. وكذلك العبيد مع الأحرار. وقال الثَّوْريّ والأوزاعيّ: إذا ٱسْتُعين بأهل الذمة أسهم لهم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يسهم لهم، ولكن يُرضخ لهم. وقال الشافعيّ رضي الله عنه: يستأجرهم الإمام من مال لا مالك له بعينه. فإن لم يفعل أعطاهم سهم النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال في موضع آخر: يُرضخ للمشركين إذا قاتلوا مع المسلمين. قال أبو عمر: ٱتفق الجميع أن العبد، وهو ممن يجوز أمانه، إذا قاتل لم يسهم له ولكن يرضخ؛ فالكافر بذلك أولى ألاّ يسهم له. الحادية والعشرون ـ لو خرج العبد وأهل الذّمة لصوصاً وأخذوا مال أهل الحرب فهو لهم ولا يخمّس؛ لأنه لم يدخل في عموم قوله عز وجل: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} أحدٌ منهم ولا من النساء. فأما الكفار فلا مدخل لهم من غير خلاف. وقال سُحنون. لا يخمّس ما ينوب العبدَ. وقال ٱبن القاسم: يخمس؛ لأنه يجوز أن يأذن له سيّده في القتال ويقاتل على الدِّين؛ بخلاف الكافر. وقال أشهب في كتاب محمد: إذا خرج العبد والذميّ من الجيش وغنما فالغنيمة للجيش دونهم. الثانية والعشرون ـ سبب استحقاق السهم شهود الوقعة لنصر المسلمين، على ما تقدّم. فلو شهد آخر الوقعة ٱستحقّ. ولو حضر بعد ٱنقضاء القتال فلا. ولو غاب بانهزامٍ فكذلك. فإن كان قصد التحيز إلى فئة فلا يسقط استحقاقه. روى البخارِيّ وأبو داود:حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبان بن سعيد على سَرِيّة من المدينة قِبل نَجْد؛ فقدم أبان بن سعيد وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها، وإنّ حُزُم خيلهم لِيف، فقال أبان: أقسِم لنا يا رسول الله. قال أبو هريرة: فقلت لا تَقسم لهم يا رسول الله. فقال أبان: أنت بها يا وَبْراً تَحَدّر علينا من رأس ضَالٍ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجلِس يا أبان» ولم يقسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.تفسير : الثالثة والعشرون ـ وٱختلف العلماء فيمن خرج لشهود الوقعة فمنعه العذر منه كمرض؛ ففي ثبوت الإسهام له ونفيه ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث، وهو المشهور، فيثبته إن كان الضلال قبل القتال وبعد الإدراب، وهو الأصح؛ قاله ٱبن العربيّ. وينفيه إن كان قبله. وكمن بعثه الأمير من الجيش في أمر من مصلحة الجيش فشغله ذلك عن شهود الوقعة فإنه يسهم له؛ قاله ٱبن المَوّاز، ورواه ٱبن وهب وٱبن نافع عن مالك. وروي لا يسهم له بل يُرْضخ له لعدم السبب الذي يستحق به السّهم، والله أعلم. وقال أشهب: يُسْهم للأسير وإن كان في الحديد. والصحيح أنه لا يُسهم له؛ لأنه ملك مستحَقّ بالقتال؛ فمن غاب أو حضر مريضاً كمن لم يحضر. الرابعة والعشرون ـ الغائب المطلق لا يُسْهم له، ولم يُسهِم رسول الله صلى الله عليه وسلم لغائب قطّ إلا يوم خيبر؛ فإنه أسهم لأهل الحُدَيْبِية مَنْ حضر منهم ومَن غاب؛ لقول الله عز وجل: {أية : وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} تفسير : [الفتح: 20]؛ قاله موسى بن عقبة. ورُوي ذلك عن جماعة من السلف. وقسم يوم بدر لعثمان ولسعيد ابن زيد وطلحة، وكانوا غائبين؛ فهم كمن حضرها إن شاء الله تعالى. فأما عثمان فإنه تخلّف على رُقَية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره من أجل مرضها. فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره؛ فكان كمن شهدها. وأما طلحة بن عبيد الله فكان بالشام في تجارة فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره؛ فيعدّ لذلك في أهل بدر. وأما سعيد بن زيد فكان غائباً بالشام أيضاً فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره. فهو معدود في البدريّين. قال ٱبن العربيّ: أما أهل الحديبية فكان ميعاداً من الله ٱختص به أُولئك النفر فلا يشاركهم فيه غيرهم. وأما عثمان وسعيد وطلحة فيحتمل أن يكون أسهم لهم من الخمس؛ لأنّ الأُمة مجمعة على أن من بقي لعذر فلا يُسهم له. قلت: الظاهر أن ذلك مخصوص بعثمان وطلحة وسعيد فلا يقاس عليهم غيرهم. وأن سهمهم كان من صلب الغنيمة كسائر من حضرها لا من الخمس. هذا الظاهر من الأحاديث والله أعلم. وقد روى البخاريّ عن ٱبن عمر قال: حديث : لما تغيّب عثمان عن بدر فإنه كان تحته ٱبنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه».تفسير : الخامسة والعشرون ـ قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ} قال الزجاج عن فرقة: المعنى فٱعلموا أن الله مولاكم إن كنتم؛ فـ «إنْ» متعلقة بهذا الوعد. وقالت فرقة: إنّ «إن» متعلقة بقوله «وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ». قال ٱبن عطية: وهذا هو الصحيح؛ لأن قوله: «وَٱعْلَمُوا» يتضمن الأمر بالانقياد والتسليم لأمر الله في الغنائم؛ فعلّق «إنْ» بقوله: «وٱعلموا» على هذا المعنى؛ أي إن كنتم مؤمنين بالله فٱنقادوا وسلموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة. قوله تعالى: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} «ما» في موضع خفض عطف على ٱسم الله «يَوْمَ الْفُرْقَانِ» أي اليوم الذي فرقت فيه بين الحق والباطل، وهو يوم بدر. {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} حِزب الله وحزب الشيطان {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
البيضاوي
تفسير : {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم} أي الذي أخذتموه من الكفار قهراً.. {مِن شَىْء} مما يقع عليه اسم الشيء حتى الخيط. {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} مبتدأ خبره محذوف أي: فثابت أن لله خمسة. وقرىء فإن بالكسر والجمهور على أن ذكر الله للتعظيم كما في قوله: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ }تفسير : [التوبة: 62] وأن المراد قسم الخمس على الخمسة المعطوفين {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} فكأنه قال: فأن لله خمسه يصرف إلى هؤلاء الأخصين به. وحكمه بعد، باق غير أن سهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كما فعله الشيخان رضي الله تعالى عنهما. وقيل إلى الإمام. وقيل إلى الأصناف الأربعة. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه سقط سهمه وسهم ذوي القربى بوفاته وصار الكل مصروفاً إلى الثلاثة الباقية. وعن مالك رضي الله تعالى عنه الأمر فيه مفوض إلى رأي الإمام يصرفه إلى ما يراه أهم، وذهب أبو العالية إلى ظاهر الآية فقال يقسم ستة أقسام ويصرف سهم الله إلى الكعبة لما روي (أنه عليه الصلاة والسلام كان يأخذ قبضة منه فيجعلها للكعبة ثم يقسم ما بقي على خمسة). وقيل سهم الله لبيت المال. وقيل هو مضموم إلى سهم الرسول صلى الله عليه وسلم. وذوو القربى: بنو هاشم، وبنو المطلب. لما روي أنـه عليه الصلاة والسلام قسم سهم ذوي القربى عليهما فقال له عثمان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام وشبك بين أصابعه»تفسير : وقيل بنو هاشم وحدهم. وقيل جميع قريش الغني والفقير فيه سواء. وقيل هو مخصوص بفقرائهم كسهم بن السبيل. وقيل الخمس كله لهم والمراد باليتامى والمساكين وابن السبيل من كان منهم والعطف للتخصيص. والآية نزلت ببدر. وقيل الخمس كان في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة. {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ} متعلق بمحذوف دل عليه {وَٱعْلَمُواْ} أي: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إليهم واقتنعوا بالأخماس الأربعة الباقية، فإن العلم العملي إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرد لأنه مقصود بالعرض والمقصود بالذات هو العمل. {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات والملائكة والنصر. وقرىء {عَبْدَنَا} بضمتين أي الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} يوم بدر فإنه فرق فيه بين الحق والباطل. {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } المسلمون والكافرون. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيقدر على نصر القليل على الكثير والإِمداد بالملائكة.
ابن كثير
تفسير : يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصاً لهذه الأمة الشريفة، من بين سائر الأمم المتقدمة بإحلال الغنائم. والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار، بإيجاف الخيل والركاب، والفيء ما أخذ منهم بغير ذلك؛ كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفون عنها، ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف. ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة، وبالعكس أيضاً، ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر: {أية : مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ} تفسير : [الحشر: 7] الآية، قال: فنسخت آية الأنفال تلك، وجعلت الغنائم أربعة أخماس للمجاهدين، وخمساً منها لهؤلاء المذكورين، وهذا الذي قاله بعيد؛ لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في بني النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة، أن بني النضير بعد بدر، وهذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة، يقول: تلك نزلت في أموال الفيء، وهذه في الغنائم، ومن يجعل أمر الغنائم والفيء راجعاً إلى رأي الإمام، يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس، إذا رآه الإمام، والله أعلم. فقوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} توكيد لتخميس كل قليل وكثير، حتى الخيط والمخيط، قال الله تعالى: {أية : وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} تفسير : [آل عمران: 161]، وقوله: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} اختلف المفسرون ههنا، فقال بعضهم: لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة. قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع عن أبي العالية الرياحي، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة، فيخمسها على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس، فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة، وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، وقال آخرون: ذكر (الله) ههنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم لرسوله عليه السلام، قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية، فغنموا، خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرأ: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} فأن لله خمسه، مفتاح كلام {لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} فجعل سهم الله وسهم الرسول صلى الله عليه وسلم واحداً، وهكذا قال إبراهيم النخعي والحسن بن محمد بن الحنفية، والحسن البصري والشعبي وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة وقتادة ومغيرة وغير واحد: إن سهم الله ورسوله واحد. ويؤيد هذا ما رواه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي، بإسناد صحيح، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى، وهو يعرض فرساً، فقلت: يا رسول الله ما تقول في الغنيمة؟ فقال: «حديث : لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش» تفسير : قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: «حديث : لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك ليس أنت أحق به من أخيك المسلم»تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أبان عن الحسن، قال: أوصى أبو بكر بالخمس من ماله، وقال: ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه، ثم اختلف قائلو هذا القول، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كانت الغنيمة تخمس على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس، فربع لله وللرسول صلى الله عليه وسلم ولذي القربى، يعني: قرابة النبي صلى الله عليه وسلم فما كان لله وللرسول، فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس شيئاً، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين والربع الرابع لابن السبيل وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة في قوله: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ}، قال: الذي لله فلنبيه، والذي للرسول لأزواجه. وقال عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: خمس الله والرسول واحد، يحمل منه، ويصنع فيه ما شاء، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أعم وأشمل، وهو أنه صلى الله عليه وسلم يتصرف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء، ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام الأعرج، عن المقدام بن معد يكرب الكندي: أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي رضي الله عنهم، فتذاكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس، فقال عبادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: «حديث : إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم؛ الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا؛ فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، وجاهدوا في الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم، ينجي الله به من الهم والغم»تفسير : ، هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه. ولكن روى الإمام أحمد أيضاً وأبو داود والنسائي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه في قصة الخمس والنهي عن الغلول. وعن عمرو بن عنبسة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم، أخذ وبرة من هذا البعير، ثم قال: «حديث : ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه، إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» تفسير : رواه أبو داود والنسائي، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم من الغنائم شيء يصطفيه لنفسه؛ عبد أو أمة أو فرس أو سيف أو نحو ذلك؛ كما نص عليه محمد بن سيرين وعامر الشعبي، وتبعهما على ذلك أكثر العلماء. وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت صفية من الصفي، رواه أبو داود في سننه، وروى أيضاً بإسناده والنسائي أيضاً عن يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها، فإذا فيها: «حديث : من محمد رسول الله إلى بني زهير بن قيس، إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم الصفي، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله» تفسير : فقلنا: من كتب هذا؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه أحاديث جيدة تدل على تقرير هذا وثبوته، ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه، وقال آخرون: إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء، وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية رحمه الله: وهذا قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال. فإذا ثبت هذا وعلم، فقد اختلف أيضاً في الذي كان يناله عليه السلام من الخمس، ماذا يصنع به من بعده؟ فقال قائلون: يكون لمن يلي الأمر من بعده، روي هذا عن أبي بكر وعلي وقتادة وجماعة. وجاء فيه حديث مرفوع، وقال آخرون: يصرف في مصالح المسلمين، وقال آخرون: بل هو مردود على بقية الأصناف، ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، اختاره ابن جرير، وقال آخرون: بل سهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي القربى، مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل. قال ابن جرير: وذلك قول جماعة من أهل العراق، وقيل: إن الخمس جميعه لذوي القربى، كما رواه ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا عبد الغفار، حدثنا المنهال بن عمرو، سألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين عن الخمس، فقالا: هو لنا، فقلت لعلي: فإن الله يقول: {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} فقالا: يتامانا ومساكيننا، وقال سفيان الثوري وأبو نعيم وأبو أسامة: عن قيس بن مسلم، سألت الحسن بن محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى، عن قول الله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} فقال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة، ثم اختلف الناس في هذين السهمين، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائلون: سهم النبي صلى الله عليه وسلم تسليماً للخليفة من بعده، وقال آخرون: لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم وقال آخرون: سهم القرابة لقرابة الخليفة، واجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قال الأعمش عن إبراهيم: كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح، فقلت لإبراهيم: ما كان علي يقول فيه؟ قال: كان عَلِيٌّ أشدهم فيه، وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء رحمهم الله، وأما سهم ذوي القربى، فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب؛ لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية وفي أول الإسلام، ودخلوا معهم في الشعب غضباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحماية له؛ مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حمية للعشيرة وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل، وإن كانوا بني عمهم، فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم ونابذوهم ومالؤوا بطون قريش على حرب الرسول، ولهذا كان ذم أبي طالب لهم في قصيدته اللامية أشد من غيرهم؛ لشدة قربهم، ولهذا يقول في أثناء قصيدته:شعر : جَزى اللّهُ عنّا عَبْدَ شَمْسٍ ونَوْفَلاً عقوبةَ شرَ عاجِلٍ غيرِ آجلِ بميزانِ قِسْطٍ لا يَخِيسُ شعيرةً لهُ شاهدٌ من نفسِه غيرُ عائِل لَقَدْ سَفِهَتْ أحلامُ قَوْمٍ تَبَدَّلُوا بَني خَلَفٍ قَيْضاً بنا والغياطلِ ونَحْنُ الصميمُ من ذُؤابةِ هاشمٍ وآلِ قصيَ في الخطوبِ الأوائلِ تفسير : وقال جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل: مشيت أنا وعثمان بن عفان، يعني: ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: «حديث : إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» تفسير : رواه مسلم. وفي بعض روايات هذا الحديث: «حديث : إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام»تفسير : ، وهذا قول جمهور العلماء: إنهم بنو هاشم وبنو المطلب. قال ابن جرير: وقال آخرون: هم بنو هاشم، ثم روى عن خصيف عن مجاهد، قال: علم الله أن في بني هاشم فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة، وفي رواية عنه قال: هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة، ثم روى عن علي بن الحسين نحو ذلك، قال ابن جرير: وقال آخرون: بل هم قريش كلها، حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثني عبد الله بن نافع، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري، قال: كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن ذوي القربى، فكتب إليه ابن عباس: كنا نقول: إنا هم، فأبى علينا ذلك قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى. وهذا الحديث صحيح، رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد المقبري، عن يزيد بن هرمز: أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن ذوي القربى، فذكره إلى قوله: فأبى ذلك علينا قومنا، والزيادة من أفراد أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني، وفيه ضعف، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : رغبت لكم عن غسالة الأيدي؛ لأن لكم من خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم»تفسير : ، هذا حديث حسن الإسناد، وإبراهيم بن مهدي هذا وثقه أبو حاتم، وقال يحيى بن معين: يأتي بمناكير، والله أعلم. وقوله: {وَالْيَتَـٰمَىٰ} أي: أيتام المسلمين، واختلف العلماء هل يختص بالأيتام الفقراء، أو يعم الأغنياء والفقراء؟ على قولين، والمساكين هم المحاويج الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ومسكنتهم، {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} هو المسافر أو المريد للسفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، وليس له ما ينفقه في سفره ذلك، وسيأتي تفسير ذلك في آية الصدقات من سورة براءة إن شاء الله تعالى، وبه الثقة، وعليه التكلان. وقوله: {إِن كُنتُمْ ءَامَنْتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} أي: امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وما أنزل على رسوله، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس في حديث وفد عبد القيس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «حديث : وآمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع. آمركم بالإيمان بالله - ثم قال - هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم»تفسير : ، الحديث بطوله، فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان، وقد بوب البخاري على ذلك في كتاب الإيمان من صحيحه، فقال: (باب أداء الخمس من الإيمان) ثم أورد حديث ابن عباس هذا، وقد بسطنا الكلام عليه في شرح البخاري، ولله الحمد والمنة، وقال مقاتل بن حيان: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} أي: في القسمة، وقوله: {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}، ينبه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه، بما فرق به بين الحق والباطل ببدر، ويسمى الفرقان؛ لأن الله أعلى فيه كلمة الإيمان على كلمة الباطل، وأظهر دينه، ونصر نبيه وحزبه، قال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: يوم الفرقان: يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل، رواه الحاكم، وكذا قال مجاهد ومقسم وعبيد الله بن عبد الله والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان، وغير واحد: إنه يوم بدر، وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير في قوله: {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً، والمشركون ما بين الألف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك، وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن ابن مسعود، قال في ليلة القدر: تحروها لإحدى عشرة يبقين، فإن في صبيحتها يوم بدر، وقال: على شرطهما، وروي مثله عن عبد الله بن الزبير أيضاً، من حديث جعفر بن برقان، عن رجل، عنه، وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يحيى بن يعقوب أبو طالب، عن ابن عون عن محمد بن عبد الله الثقفي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال الحسن بن علي: كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة من رمضان، إسناد جيد قوي، ورواه ابن مردويه عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب عن علي قال: كانت ليلة الفرقان، ليلة التقى الجمعان، في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان، وهو الصحيح عند أهل المغازي والسير، وقال يزيد بن أبي حبيب إمام أهل الديار المصرية في زمانه: كان يوم بدر يوم الاثنين، ولم يتابع على هذا، وقول الجمهور مقدم عليه، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم } أخذتم من الكفار قهراً {مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } يأمر فيه بما يشاء {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب {وَٱلْيَتَٰمَىٰ } أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم وهم فقراء {وَٱلْمَسَٰكِين } ذوي الحاجة من المسلمين {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } المنقطع في سفره من المسلمين، أي يستحقه النبي صلى الله عليه وسلم والأصناف الأربعة على ما كان يقسمه من أن لكلٍّ خُمسَ الخمس، والأخماس الأربعة الباقية للغانمين. {إِن كُنْتُم ءَامَنْتُم بِٱللهِ } فاعلموا ذلك {وَمَا } عطف على «بالله» {أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا } محمد صلى الله عليه وسلم من الملائكة والآيات {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } أي يوم بدر الفارق بين الحق والباطل {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } المسلمون والكفار {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ومنه نصركم مع قلتكم وكثرتهم.
الشوكاني
. تفسير : لما أمر الله سبحانه بالقتال بقوله: {أية : وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } تفسير : [الأنفال: 38] وكانت المقاتلة مظنة حصول الغنيمة، ذكر حكم الغنيمة. والغنيمة قد قدّمنا أن أصلها إصابة الغنم من العدوّ، ثم استعملت في كل ما يصاب منهم، وقد تستعمل في كل ما ينال بسعي. ومنه قول الشاعر:شعر : وقد طوّفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب تفسير : ومنه قول الآخر:شعر : ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه أنى توجه والمحروم محروم تفسير : وأما معنى الغنيمة في الشرع، فحكى القرطبي الاتفاق على أن المراد بقوله تعالى: {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } مال الكفار إذا ظفر بهم المسلمون على وجه الغلبة والقهر. قال: ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع. وقد ادّعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية بعد قوله: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ } تفسير : [الأنفال: 1] وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ } نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر على ما تقدّم أوّل السورة. وقيل إنها أعني قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ } محكمة غير منسوخة، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليست مقسومة بين الغانمين، وكذلك لمن بعده من الأئمة، حكاه الماوردي عن كثير من المالكية. قالوا: وللإمام أن يخرجها عنهم، واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين وكان أبو عبيدة يقول: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة ومنّ على أهلها فردّها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئاً. وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين. وممن حكى ذلك ابن المنذر، وابن عبد البر، والداودي، والمازري، والقاضي عياض، وابن العربي، والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة بين الغانمين، وكيفيتها كثيرة جداً. قال القرطبي: ولم يقل أحد فيما أعلم أن قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ } الآية ناسخ لقوله: {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } الآية، بل قال الجمهور: إن قوله: {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } ناسخ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله. وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها، قال: وأما قصة حنين فقد عوّض الأنصار لما قالوا تعطى الغنائم قريشاً وتتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم نفسه، فقال لهم: "حديث : أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم"تفسير : كما في مسلم وغيره. وليس لغيره أن يقول هذا القول، بل ذلك خاص به. قوله: {أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } يشمل كل شيء يصدق عليه اسم الغنيمة. و {مِن شَىْء } بيان لـ "ما" الموصولة، وقد خصّص الإجماع من عموم الآية الأسارى، فإن الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف. وكذلك سلب المقتول إذا نادى به الإمام. وقيل: كذلك الأرض المغنومة. وردّ بأنه لا إجماع على الأرض. قوله: {فَأَنَّ للَّهِ خُمْسَه} قرأ النخعي "فإَِنَّ للَّهِ" بكسر إن. وقرأ الباقون بفتحها على {أن} أنّ وما بعدها مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: فحق أو فواجب أن لله خمسه. وقد اختلف العلماء في كيفية قسمة الخمس على أقوال ستة: الأوّل قالت طائفة: يقسم الخمس على ستة فيجعل السدس للكعبة، وهو الذي لله، والثاني لرسول الله، والثالث، لذوي القربى، والرابع لليتامى، والخامس للمساكين، والسادس لابن السبيل. والقول الثاني: قاله أبو العالية والربيع: إنها تقسم الغنيمة على خمسة، فيعزل منها سهم واحد ويقسم أربعة على الغانمين، ثم يضرب يده في السهم الذي عزله، فما قبضه من شيء جعله للكعبة، ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة للرسول ومن بعده الآية. القول الثالث: روي عن زين العابدين علي بن الحسين أنه قال: إن الخمس لنا، فقيل له: إن الله يقول: {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } فقال: يتامانا ومساكيننا وأبناء سبيلنا. القول الرابع قول الشافعي: إن الخمس يقسم على خمسة، وإن سهم الله وسهم رسوله واحد يصرف في مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورة في الآية. القول الخامس قول أبي حنيفة: إنه يقسم الخمس على ثلاثة: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وقد ارتفع حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته، كما ارتفع حكم سهمه، قال: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر وبناء المساجد وأرزاق القضاة والجند. وروي نحو هذا عن الشافعي. القول السادس قول مالك: إنه موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه بغير تقدير، ويعطى منه الغزاة باجتهاد، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال القرطبي، وبه قال الخلفاء الأربعة وبه عملوا، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم»تفسير : ، فإنه لم يقسمه أخماساً ولا أثلاثاً، وإنما ذكر ما في الآية من ذكره على وجه التنبيه عليهم، لأنهم من أهم من يدفع إليه. قال الزجاج محتجاً لهذا القول: قال الله تعالى: {أية : يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } تفسير : [البقرة: 215] وجائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك. قوله: {وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } قيل إعادة اللام في ذي القربى دون من بعدهم، لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف العلماء في القربى على أقوال: الأول: أنهم قريش كلها، روي ذلك عن بعض السلف، واستدلّ بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما صعد الصفا جعل يهتف ببطون قريش كلها قائلاً: "حديث : يا بني فلان يا بني فلان"تفسير : . وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، ومسلم ابن خالد: هم بنو هاشم وبنو المطلب لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» تفسير : ، وشبك بين أصابعهوهو في الصحيح. وقيل: هم بنو هاشم خاصة، وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم، وهو مروي عن علي بن الحسين، ومجاهد. قوله: {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّه} قال الزجاج عن فرقة: إن المعنى فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم آمنتم بالله. وقالت فرقة أخرى: إن {إِن} متعلقة بقوله: {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم } قال ابن عطية: وهذا هو الصحيح لأن قوله: {وَٱعْلَمُواْ } يتضمن الأمر بالانقياد والتسليم لأمر الله في الغنائم، فعلق {إن} بقوله: {وَٱعْلَمُواْ } على هذا المعنى، أي إن كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وسلموا لأمر الله في الغنائم، فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة. وقال في الكشاف: إنه متعلق بمحذوف يدلّ عليه {وَٱعْلَمُواْ } بمعنى: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنّ الخمس من الغنيمة يجب التقرب به، فاقطعوا عنه أطماعكم، واقتنعوا بالأخماس الأربعة، وليس المراد بالعلم المجرّد، ولكن العلم المضمن بالعمل والطاعة لأمر الله، لأن العلم المجرد يستوي فيه المؤمن والكافر. انتهى. قوله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا } معطوف على الاسم الجليل أي: إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا. و {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } يوم بدر، لأنه فرق بين أهل الحق وأهل الباطل. و{الجمعان} الفريقان من المسلمين والكافرين {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } ومن قدرته العظيمة نصر الفريق الأقلّ على الفريق الأكثر. قوله: {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، بكسر العين في العدوة في الموضعين. وقرأ الباقون بالضم فيهما. و "إِذْ" بدل من يوم الفرقان، ويجوز أن يكون العامل محذوفاً، أي واذكروا إذ أنتم. والعدوة: جانب الوادي. والدنيا: تأنيث الأدنى، والقصوى: تأنيث الأقصى، من دنا يدنو، وقصا يقصو، ويقال القصيا، والأصل الواو. وهي لغة أهل الحجاز، والعدوة الدنيا كانت مما يلي المدينة، والقصوى: كانت مما يلي مكة. والمعنى: وقت نزولكم بالجانب الأدنى من الوادي إلى جهة المدينة، وعدوّكم بالجانب الأقصى منه مما يلي مكة. وجملة: {وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ } في محل نصب على الحال، وانتصاب {أَسْفَلَ } على الظرف، ومحله الرفع على الخبرية، أي والحال أنّ الركب في مكان أسفل من المكان الذي أنتم فيه. وأجاز الأخفش والكسائي والفراء رفع أسفل على معنى أشدّ سفلاً منكم، والركب: جمع راكب، ولا تقول العرب ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل، ولا يقال لمن كان على فرس وغيرها ركب. وكذا قال ابن فارس، وحكاه ابن السكيت عن أكثر أهل اللغة. والمراد بالركب ها هنا ركب أبي سفيان، وهي المراد بالعير، فإنهم كانوا في موضع أسفل منهم مما يلي ساحل البحر. قيل: وفائدة ذكر هذه الحالة التي كانوا عليها من كونهم بالعدوة الدنيا وعدوّهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منهم الدلالة على قوّة شأن العدوّ وشوكته. وذلك لأن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضاً لا يابس بها. وأما العدوة الدنيا فكانت رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها. وكانت العير وراء ظهر العدوّ مع كثرة عددهم، فامتنّ الله على المسلمين بنصرتهم عليهم والحال هذه. قوله: {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَـٰدِ } أي: لو تواعدتم أنتم والمشركون من أهل مكة على أن تلتقوا في هذا الموضع للقتال لخالف بعضكم بعضاً. فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من المهابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم {وَلَـٰكِنِ } جمع الله بينكم في هذا الموطن {لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } أي: حقيقاً بأن يفعل من نصر أوليائه وخذلان أعدائه وإعزاز دينه وإذلال الكفر، فأخرج المسلمين لأخذ العير وغنيمتها عند أنفسهم، وأخرج الكافرين للمدافعة عنها. ولم يكن في حساب الطائفتين أن يقع هذا الاتفاق على هذه الصفة، واللام في {لّيَقْضِيَ } متعلقة بمحذوف، والتقدير: جمعهم ليقضي. وجملة: {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ ويَحيا مَنْ حَىَّ } بدل من الجملة التي قبلها، أي ليموت من يموت عن بينة ويعيش عن بينة لئلا يبقى لأحد على الله حجة. وقيل الهلاك والحياة مستعاران للكفر والإسلام، أي ليصدر إسلام من أسلم عن وضوح بينة، ويقين بأنه دين الحق، ويصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالجة شبهة. قرأ نافع، وخلف، وسهل، ويعقوب، والبزي وأبو بكر {مِنْ حيي} بياءين على الأصل وقرأ الباقون بياء واحدة على الإدغام، وهي اختيار أبي عبيد لأنها كذلك وقعت في المصحف {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي: سميع بكفر الكافرين عليم به، وسميع بإيمان المؤمنين عليم به. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: ثم وضع مقاسم الفيء، فقال: {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } بعد الذي كان مضى من بدر {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } إلى آخر الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، عن قيس بن مسلم الجدلي قال: سألت الحسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب ابن الحنفية عن قول الله: {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } قال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } فاختلفوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين السهمين. قال قائل منهم: سهم ذي القربى لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قائل منهم: سهم ذي القربى لقرابة الخليفة. وقال قائل منهم: سهم النبي صلى الله عليه وسلم للخليفة من بعده. واجتمع رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدّة في سبيل الله، فكان ذلك في خلافة أبي بكر وعمر. وأخرج ابن جرير، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة فضرب ذلك في خمسه، ثم قرأ: {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم } الآية، قال قوله: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } مفتاح كلام، لله ما في السموات وما في الأرض، فجعل الله سهم الله والرسول واحداً {وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ } فجعل هذين السهمين قوّة في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطيه غيرهم، وجعل الأربعة الأسهم الباقية: للفرس سهماً ولراكبه سهماً، وللراجل سهماً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، قال: كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس: فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس. فربع لله وللرسول ولذي القربى، يعني قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأخذ النبي من الخمس شيئاً، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل، وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية، في قوله: {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } الآية قال: كان يجاء بالغنيمة فتوضع، فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم، فيعزل سهماً منها، ويقسم أربعة أسهم بين الناس، يعني لمن شهد الوقعة، ثم يضرب بيده في جميع السهم الذي عزله، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، فهو الذي سمى الله لا تجعلوا لله نصيباً، فإن لله الدنيا والآخرة ثم يعمد إلى بقية السهم فيقسمه على خمسة أسهم: سهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وسهم لذي القربى وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل سهم الله في السلاح والكراع وفي سبيل الله وفي كسوة الكعبة وطيبها وما تحتاج إليه الكعبة، ويجعل سهم الرسول في الكراع والسلاح ونفقة أهله، وسهم ذي القربى لقرابته، يضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم مع سهمهم مع الناس، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم يضعها رسول الله فيمن شاء حيث شاء، ليس لبني عبد المطلب في هذه الثلاثة الأسهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم مع سهام الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن حسين المعلم قال: سألت عبد الله بن بريدة عن قوله: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } فقال: الذي لله لنبيه، والذي للرسول لأزواجه. وأخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، أن نجدة كتب إليه يسأله عن ذوي القربى الذين ذكر الله، فكتب إليه إنا كنا نرى أناهم فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا قريش كلها ذوو قربى، وزيادة قوله وقالوا قريش كلها تفرّد بها أبو معشر. وفيه ضعف. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، من وجه آخر عن ابن عباس: أن نجدة الحروري أرسل إليه يسأله عن سهم ذي القربى، ويقول لمن تراه؟ فقال ابن عباس: هو لقربى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضاً رأيناه دون حقنا فرددناه عليهم وأبينا أن نقبله، وكان عرض عليهم أن يعين ناكحهم وأن يقضي عن غارمهم، وأن يعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: رغبت لكم عن غسالة الأيدي، لأن لكم في خمس الخمس ما يكفيكم أو يغنيكم. رواه ابن أبي حاتم عن إبراهيم بن مهدي المصيصي حدّثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن حنش عن عكرمة عنه مرفوعاً. قال ابن كثير: هذا حديث حسن الإسناد، وإبراهيم بن مهدي هذا وثقه أبو حاتم. وقال يحيـى بن معين: يأتي بمناكير. أخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن الزهري وعبد الله بن أبي بكر، عن جبير بن مطعم: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب. قال: فمشيت أنا وعثمان بن عفان حتى دخلنا عليه، فقلنا يا رسول الله هؤلاء إخوانك من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم دوننا، فإنما نحن وهم بمنزلة واحدة في النسب؟ فقال: "حديث : إنهم لم يفارقونا في الجاهلية والإسلام"تفسير : . وقد أخرجه مسلم في صحيحه. وأخرج ابن مرديه، عن زيد بن أرقم قال: آل محمد الذين أعطوا الخمس: آل عليّ، وآل العباس، وآل جعفر، وآل عقيل. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم شيء واحد من المغنم يصطفيه لنفسه، إما خادم وإما فرس، ثم يصيب بعد ذلك من الخمس. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه، عن عليّ قال: قلت يا رسول الله: ألا وليتني ما خصنا الله به من الخمس؟ فولانيه. وأخرج الحاكم وصححه عنه قال: ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس فوضعته مواضعه حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } قال: هو يوم بدر، وبدر ما بين مكة والمدينة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس، في قوله: {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } قال: هو يوم بدر فرق الله فيه بين الحق والباطل. وأخرج ابن مردويه، عن عليّ بن أبي طالب، قال: كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان. وأخرجه عنه ابن جرير أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا } قال: العدوة الدنيا شاطىء الوادي {وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ }. قال أبو سفيان. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: العدوة الدنيا شفير الوادي الأدنى، والعدوة القصوى شفير الوادي الأقصى.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} ذكر الله تعالى الفيء في سورة الحشر والغنيمة في هذه السورة. واختلفوا في الفيء والغنيمة على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الغنيمة ما ظهر عليه من أموال المشركين والفيء ما ظهر عليه من الأرض، قاله عطاء بن السائب. والثاني: أن الغنيمة ما أخذ عنوة، والفيء ما أخذ عن صلح، قاله الشافعي وسفيان الثوري. والثالث: أن الفيء والغنيمة سواء وهو كل مال أخذ من المشركين، وآية الفيء التي هي في سور الحشر منسوخة بآية الغنيمة التي في سورة الأنفال، قاله قتادة. وقوله تعالى {مِّن شَيْءٍ} يريد جميع ما وقع عليه اسم شيء مباح حواه المسلمون من أموال المشركين. {فإن لِلَه خُمُسَهُ} أحدهما: أنه استفتاح كلام، فلله الدنيا والآخرة وما فيهما، ومعنى الكلام فأن للرسول خمسه،قاله الحسن وعطاء وقتادة وإبراهيم والشافعي، وروى نهشل عن الضحاك عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرّية فغنموا خمّس الغنيمة فصرف ذلك الخمس في خمسة ثم قرأ {وَاعلَمُواْ أَنَّمَا مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} وإنما قوله {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسهُ} مفتاح كلام، ولله ما في السموات وما في الأرض فجعل سهم الله وسهم الرسول واحد. والثاني: أن سهم الله مستحق لبيته، ومعناه فإن لبيت الله خمسه وللرسول وقد روى الربيع بن أنس عن أبي العالية الرياحي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل. وقوله تعالى {وَلِلرَّسُولِ} فيه قولان: أحدهما: أنه مفتاح كلام اقترن بذكر الله وليس للرسول من ذلك شيء كما لم يكن لله من ذلك شيء، وأن الخمس مقسوم على أربعة أسهم، وهذا قول ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة. والثاني: أن ذلك للرسول وهو قول الجمهور. واختلفوا في سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على خمسة أقاويل: أحدها: أنه للخليفة بعده، قاله قتادة. والثاني: أنه لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم إرثاً، وهذا قول من جعل النبي موروثاً. والثالث: أن سهم الرسول صلى الله عليه وسلم مردود على السهام الباقية ويقسم الخمس على أربعة. والرابع: أنه مصروف في مصالح المسلمين العامة، قاله الشافعي. والخامس: أن ذلك مصروف في الكراع والسلاح، وروي أن ذلك فعل أبي بكر وعمر، رواه النخعي. أما قوله تعالى {وَلِذِي الْقُرْبَى} فاختلف فيه على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم بنو هاشم، قاله مجاهد. والثاني: أنهم قريش كلها، روى سعيد المقري قال: كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن ذي القربى، قال: فكتب إليه عبد الله بن عباس: كنا نقول إننا هم فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلها ذوو قربى. الثالث: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، قاله الشافعي والطبري. واختلفوا في سهمهم اليوم على أربعة أقاويل: أحدها: أنه لهم أبداً كما كان لهم من قبل، قاله الشافعي. والثاني: أنه لقرابة الخليفة القائم بأمور الأمة. والثالث: أنه إلى الإمام يضعه حيث شاء. والرابع: أن سهمهم وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مردود على باقي السهام وهي ثلاثة، قاله أبو حنيفة. وأما {وَالْيَتَامَى} فهم من اجتمعت فيهم أربعة شروط: أحدها: موت الأب وإن كانت الأم باقية، لأن يتم الآدميين بموت الآباء دون الأمهات ويتم البهائم بموت الأمهات دون الآباء. والثاني: الصغر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ ". تفسير : والثالث: الإٍسلام لأنه مال المسلمين. والرابع: الحاجة لأنه معد للمصالح. ثم فيهم قولان: أحدهما: أنه لأيتام أهل الفيء خاصة. والثاني: أنه لجميع الأيتام. وأما {الْمَسَاكِينِ} فهم الذين لا يجدون ما يكفيهم. وأما أبناء السبيل فهم المسافرون من ذوي الحاجات، والإٍسلام فيهم معتبر. وهل يختص بأله الفيء؟ على القولين. وقال مالك: الخمس موقوف على رأي الإمام فيمن يراه أحق به، وإنما ذكرت هذه الأصناف لصدق حاجتها في وقتها. قوله عز وجل {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَومَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} وهو يوم بدر فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل.
ابن عطية
تفسير : موضع "أن" الثانية رفع، التقدير "فحكمه أن"، فهي في موضع خبر الابتداء، والغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي من ذلك قول الشاعر [امرؤ القيس]: [الوافر] شعر : وقد طفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه أنّى توجَّهَ والمحروم محروم تفسير : ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرهن: "حديث : له غنمه وعليه حرمه " تفسير : وقوله: "حديث : الصيام في الشتاء هو الغنيمة الباردة " تفسير : فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب غنيمة، ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفاً له، والفيء مأخوذ من فاء إذا رجع وهو كل ما دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف كخراج الأرض وجزية الجماجم وخمس الغنيمة ونحو هذا. قال القاضي أبو محمد: والزكوات أيضاً مال على حدته، أحكامه منفردة دون أحكام هذين، قال سفيان الثوري وعطاء بن السائب: الغنيمة ما أخذ عنوة والفيء ما أخذ صلحاً، وهذا قريب مما بيناه، وقال قتادة: الفيء والغنيمة شيء واحد فيهما الخمس، وهذه الآية التي في الأنفال ناسخة لقوله في سورة الحشر {أية : وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} تفسير : [الآية:7] وذلك أن تلك كانت الحكم أولاً، ثم أعطى الله أهلها الخمس فقط وجعل الأربعة والأخماس في المقاتلين. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف نص العلماء على ضعفه وأن لا وجه له من جهات، منها أن هذه السورة نزلت قبل سورة الحشر هذه ببدر، وتلك في بني النضير وقرى عرينة، ولأن الآيتين متفقتان وحكم الخمس وحكم تلك الآية واحد لأنها نزلت في بني النضير حين جلوا وهربوا وأهل فدك حين دعوا إلى صلح ونال المسلمون ما لهم دون إيجاف، وحكى ابن المنذر عن الشافعي أن في الفيء الخمس، وأنه كان في قرى عرينة زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أربعة أخماسها كان للرسول صلى الله عليه وسلم خاصة دون المسلمين يضعها حيث شاء. وقال أبو عبيدة: هذه الآية ناسخة لقوله في أول السورة {أية : قل الأنفال لله والرسول} تفسير : [الأنفال:1] ولم يخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم بدر فنسخ حكمه في ترك التخميس بهذه الآية. قال القاضي أبو محمد: ويظهر في قول علي بن أبي طالب في البخاري كانت لي شارق من نصيبي من المغنم ببدر وشارق أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخمس حينئذ أن غنيمة بدر خمست فإن كان ذلك فسد قول أبي عبيدة، ويحتمل أن يكون الخمس الذي ذكره علي بن أبي طالب من إحدى الغزوات التي كانت بين بدر وأحد، فقد كانت غزوة بني سليم وغزوة السويق وغزوة ذي أمر وغزوة نجران ولم يحفظ فيها قتال ولكن يمكن أن غنمت غنائم والله أعلم. وقوله في هذه الآية {من شيء} ظاهره عام ومعناه الخصوص، فأما الناض والمتاع والأطفال والنساء وما لا يؤكل لحمه من الحيوان ويصح تملكه فليس للإمام في جميع ذلك ما كثير منه وما قل كالخايط والمخيط إلا أن يأخذ الخمس ويقسم الباقي في أهل الجيش، وأما الأرض فقال فيها مالك: يقسمها الإمام إن رأى ذلك سواباً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، ولا يقسمها إن أداه اجتهاده إلى ذلك كما فعل عمر بأرض مصر سواد الكوفة. قال القاضي أبو محمد: لأن فعل عمر ليس بمخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ليست النازلة واحدة بحسب قرائن الوقتين وحاجة الصحابة وقلتهم، وهذا كله انعكس في زمان عمر، وأما الرجال ومن شارف البلوغ من الصبيان فالإمام عند مالك وجمهور العلماء مخير فيهم على خمسة أوجه، منها القتل وهو مستحسن في أهل الشجاعة والنكاية، ومنها الفداء وهو مستحسن في ذي المنصب الذي ليس بشجاع ولا يخاف منه رأي ولا مكيدة لانتفاع المسلمين بالمال الذي يؤخذ منه، ومنها المن وهو مستحسن فيمن يرجى أن يحنو على أسرى المسلمين ونحو ذلك من القرائن، ومنها الاسترقاق، ومنها ضرب الجزية والترك في الذمة، وأما الطعام والغنم ونحوهما مما يؤكل فهو مباح في بلد العدو يأكله الناس فما بقي كان في المغنم. قال القاضي أبو محمد: وأما أربعة أخماس ما غنم فيقسمه الإمام على الجيش، ولا يختص بهذه الآية ذكر القسمة فأنا أختصره هنا، وأما الخمس فاختلف العلماء فيه، فقال مالك رحمه الله: الرأي فيه للإمام يلحقه ببيت الفيء ويعطي من ذلك البيت لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه، كما يعطي منه اليتامى والمساكين وغيرهم، وإنما ذكر من ذكر على وجه التنبيه عليهم لأنهم من أهم من يدفع إليه، قال الزجّاج محتجاً لمالك: قال الله تعالى: {أية : يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} تفسير : [البقرة:215]. وللإمام بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك، وقالت فرقة: كان الخميس يقسم على ستة أقسام، قسم لله وهو مردود على فقراء المسلمين أو على بيت الله، وقسم للنبي صلى الله عليه وسلم، وقسم لقرابته، وقسم لسائر من سمي، حكى القول منذر بن سعيد ورد عليه، قال أبو العالية الرياحي: كان النبي صلى الله عليه وسلم، يقبض من خمس الغنيمة قبضة فيجعلها للكعبة فذلك لله، ثم يقسم الباقي على خمسة، قسم له وقسم لسائر من سمي، وقال الحسن بن محمد وابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة والشافعي: قوله {فأن لله خمسه} استفتاح كلام كما يقول الرجل لعبده قد أعتقك الله وأعتقتك على جهة التبرك وتفخيم الأمر، والدنيا كلها لله، وقسم لله وقسم الرسول واحد، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يقسم الخمس على خمسة أقسام كما تقدم، وقال ابن عباس أيضاً فيما روى عنه الطبري، الخمس مقسوم على أربعة أقسام، وسهم الرسول صلة الله عليه وسلم، لقرابته وليس لله ولا للرسول شيء، وقالت فرقة: قسم الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد موته مردود على أهل الخمس القرابة وغيرها، وقالت فرقة: هو مردود على الجيش أصحاب الأربعة الأخماس، وقال علي بن أبي طالب: يلي الإمام منهم سهم الله ورسوله، وقالت فرقة: هو موقوف لشراء العدد وللكراء في سبيل الله، وقال إبراهيم النخعي وهو الذي اختاره أبو بكر وعمر فيه، وقال أصحاب الرأي: الخمس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، مقسوم ثلاثة أقسام، قسم لليتامى، وقسم للمساكين وقسم لابن السبيل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يورث، فسقط سهمه وسهم ذوي القربى، وحجتهم فيه منع أبي بكر وعمر وعثمان لذوي القربى. قال القاضي أبو محمد: ولم يثبت المنع بل عورض بنو هاشم بأن قريشاً قربى، وقيل لم يكن في مدة أبي بكر مغنم، وقال الشافعي: يعطي أهل الخمس منه ولا بد ويفضل الإمام أهل الحاجة ولكن لا يحرم صنفاً منهم حرماناً تاماً، وقول مالك رحمه الله: إن للإمام أن يعطي الأحوج وإن حرم الغير. قال القاضي أبو محمد: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصاً من الغنيمة بثلاثة أشياء كان له خمس الخمس، وكان له سهم في سائر الأربعة الأخماس، وكان له صفيّ يأخذه قبل القسمة، دابة أو سيف، أو جارية ولا صفيّ لأحد بعده بإجماع إلا ما قال أبو ثور من أن الصفيّ باق للإمام، وهو قول معدود في شواذ الأقوال، وذوو القربى قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي بن الحسين وعبد الله بن الحسن وعبد الله بن عباس: هم بنو هاشم فقط، فقال مجاهد: كان آل محمد صلى الله عليه وسلم لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس، قال ابن عباس: ولكن أبى ذلك علينا قومنا، وقالوا قريش كلها قربى، وقال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو المطلب فقط، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن عفان وجبير بن مطعم في وقت قسمة سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب "حديث : إنمَا بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد ما فارقونا في جاهلية ولا في الإسلام ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: كانوا مع بني هاشم في الشعب وقالت فرقة: قريش كلها قربى، وروي عن علي بن الحسين وعبد الله بن محمد بن علي أنهما قالا: الآية كلها في قريش، والمراد يتامى قريش ومساكينها، وقالت فرقة: سهم القرابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم موقوف على قرابته، وقد بعثه إليهم عمر بن عبد العزيز إلى بني هاشم وبني المطلب فقط، وقالت فرقة: هو لقرابة الإمام القائم بالأمر، وقال قتادة: كان سهم ذوي القربى طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حياً، فلما توفي جعل لولي الأمر بعده، وقاله الحسن بن أبي الحسن البصري، وحكى الطبري أيضاً عن الحسن أنه قال: اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال قوم: سهم النبي صلى الله عليه وسلم للخليفة، وقال قوم: سهم النبي صلى الله عليه وسلم لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال قوم: سهم القرابة لقرابة الخليفة، فاجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة، فكان على ذلك مدة أبي بكر رضي الله عنه، قال غير الحسن وعمر و {اليتامى} الذين فقدوا آباءهم من الصبيان، واليتم في بني آدم من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات، {والمساكين} الذين لا شيء لهم وهو مأخوذ من السكون وقلة الحراك، {وابن السبيل} الرجل المجتاز الذي قد احتاج في سفر، وسواء كان غنيّاً في بلده أو فقيراً فإنه ابن السبيل يسمى بذلك إما لأن السبيل تبرزه فكأنها تلده، وإما لملازمة السبيل كما قالوا ابن ماء وأخو سفر، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يدخل الجنة ابن زنى " تفسير : وقد تقدم هذا. قال القاضي أبو محمد: وقد اقتضبت فقه هذه الآية حسب الاختصار والله المستعان. قال القاضي أبو محمد: و {ما} في قوله {ما غنمتم} بمعنى الذي، وفي قوله {غنمتم} ضمير يعود عليها، وحكي عن الفراء أنه جوز أن تكون "ما" شرطية بتقدير أنه ما، وحذف هذا الضمير لا يجوز عند سيبويه إلا في الشعر، ومنه شعر : إن من يدخل الكنيسة يوماً تفسير : وقرأ الجمهور "فأن لله" بفتح الهمزة، وقرأ الجعفي عن أبي بكر عن عاصم وحسين عن أبي عمرو "فإن" بكسر الهمزة، وقرأ الحسن "خمْسه" بسكون الميم، وقوله تعالى: {إن كنتم آمنتم بالله} الآية، قال الزجّاج عن فرقة: المعنى فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم، "فإن" متعلقة بهذا الوعد، وقال أيضاً عن فرقة: إنها متعلقة بقوله {واعلموا أنما غنمتم}. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصحيح، لأن قوله {واعلموا} يتضمن بانقياد وتسليم لأمر الله في الغنائم فعلق "أن" بقوله {واعلموا} على هذا المعنى أي إن كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وسلموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة، وقوله {وما أنزلنا} عطف على قوله {بالله} والمشار إليه بـ {ما} هو النصر والظهور الذي أنزله الله يوم بدر على نبيه وأصحابه، أي إن كنتم مؤمنين بالله وبهذه الآيات والعظائم الباهرة التي أنزلت يوم بدر، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى قرآن نزل يوم بدر أو في قصة يوم بدر على تكره في هذا التأويل الأخير. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون المعنى واعلموا أنما غنمتم يوم الفرقان يوم التقى الجمعان فإن خمسه لكذا وكذا إن كنتم آمنتم، أي فانقادوا لذلك وسلموا وهذا تأويل حسن في المعنى، ويعترض فيه الفصل بين الظرف وما تعلق به بهذه الجملة الكثيرة من الكلام، و {يوم الفرقان} معناه يوم الفرق بين الحق والباطل بإعزاز الإسلام وإذلال الشرك، و {الفرقان} مصدر من فرق يفرق و {الجمعان} يريد جمع المسلمين وجمع الكفار، وهو يوم الوقعة التي قتل فيها صناديد قريش ببدر، ولا خلاف في ذلك، وعليه نص ابن عباس ومجاهد ومقسم والحسن بن علي وقتادة وغيرهم، وكانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة هذا قول جمهور الناس. وقال أبو صالح: لتسع عشرة، وشك في ذلك عروة بن الزبير، وقال لتسع عشرة أو لسبع عشرة، والصحيح ما عليه الجمهور، وقوله عز وجل: {والله على كل شيء قدير} ، يعضد أن قوله {وما أنزلنا على عبدنا} يراد به النصر والظفر، أي الآيات والعظائم من غلبة القليل الكثير، وذلك بقدرة الله تعالى الذي هو على كل شيء قدير.
ابن عبد السلام
تفسير : {غَنِمْتُم} ذكر الغنيمة هاهنا والفيء في الحشر وهما واحد، ونسخت آية الحشر بهذه، أو الغنيمة ما أُخذ عَنوة، والفيء ما أُخذ صلحاً، أو الغنيمة ما ظهر عليه المسلمون من الأموال، والفيء ما ظُهِر عليه من الأرضي. {لِلَّهِ خُمُسَهُ} افتتاح كلام، وله الدنيا والآخرة، المعنى للرسول خمسه أو الخمس لله ورسوله يصرف سهم الله في بيته، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأخذ الخمس فيضرب فيه بيده فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله. {وَلِلرَّسُولِ} افتتاح كلام ـ أيضاً ـ ولا شيء له من ذلك فيقسم الخمس على أربعة "ع"، أو للرسول الخمس عند الجمهور، ويكون سهمه للخليفة بعده، أو يورث عنه، أو يرد على السهام الباقية فيقسم الخمس على أربعة، أو يصرف إلى الكراع والسلاح فعله أبو بكر وعمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ، أو إلى المصالح العامة. {وَلِذِى الْقُرْبَى} بنو هاشم، أو قريش، أو بنو هاشم وبنو المطلب، وهو باقٍ لهم أبداً، أو لقرابة الخليفة القائم بأمور الأمة، أو للإمام وضعه حيث شاء، أو يرد سهمهم وسهم الرسول صلى الله عليه وسلم على باقي السهام فتكون ثلاثة. {وَالْيَتَامَى} من مات أبوه من الأطفال بخلاف البهائم فإنه من ماتت أمه، ويشترط الإسلام والحاجة، ويختص بأيتام أهل الفيء أو يعم {وَابْنِ السَّبِيلِ} المسافر المسلم المحتاج من أهل الفيء، أو يعم. {الْفُرْقَانِ} يوم بدر فرق فيه بين الحق والباطل.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} الغنم الفوز بالشيء يقال يغنم غنماً فهو غانم واختلف العلماء هل الغنيمة والفيء اسمان لمسمى واحد أم يختلفان في التسمية فقال عطاء بن السائب: الغنيمة ما ظهر المسلمون عليه من أموال المشركين فأخذوه عنوة وأما الأرض فهي فيء. وقال سفيان الثوري: الغنيمة ما أصاب المسلمون من مال الكفار عنوة بقتال وفيه الخمس وأربعة أخماسه لمن شهد الوقعة. والفيء: ما صولحوا عليه بغير قتال وليس فيه خمس فهو لمن سمى الله. وقيل: الغنيمة ما أخذ من أموال الكفار عنوة عن قهر وغلبة، والفيء: ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب كالعشور والجزية وأموال الصلح والمهادنة. وقيل: إن الفيء والغنيمة معناهما واحد وهما اسمان لشيء واحد، والصحيح أنهما يختلفان فالفيء ما أخذ من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب والغنيمة ما أخذ من أموالهم على سبيل القهر والغلبة بإيجاف خيل عليه وركاب فذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية حكم الغنيمة فقال تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} يعني من أي شيء كان حتى الخيط والمخيط فإن لله خمسه وللرسول. وقد ذكر أكثر المفسرين والفقهاء أن قوله لله افتتاح كلام على سبيل التبرك وإنما أضافه لنفسه تعالى لأنه هو الحاكم فيه فيقسمه كيف شاء وليس المراد منه أن سهماً منه لله منفرداً لأن الدنيا والآخرة كلها لله وهذا قول الحسن وقتادة وعطاء وإبراهيم النخعي قالوا: سهم الله وسهم رسوله واحد والغنيمة تقسم خمسة أخماس أربعة أخماسها لمن قاتل عليها وأحرزها والخمس الباقي لخمسة أصناف كما ذكر الله عز وجل للرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وقال أبو العالية: يقسم خمس الخمس على ستة أسهم سهم لله عز وجل فيصرف إلى الكعبة القول الأول أصح أي إن خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان له في حياته واليوم هو لمصالح المسلمين وما فيه قوة الإسلام وهذا قول الشافعي وأحمد. وروى الأعمش عن إبراهيم قال: كان أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح. وقال قتادة: هو للخليفة. وقال أبو حنيفة: سهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته مردود في الخمس فيقسم الخمس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية وهم ذوو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وقوله سبحانه وتعالى: {ولذي القربى} يعني أن سهماً من خمس الخمس لذوي القربى وهم أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا فيهم فقال قوم هم جميع قريش وقال قوم هم الذين لا تحل لهم الصدقة وقال مجاهد وعلي بن الحسين: هم بنو هاشم. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: هم بنو هاشم وبنو المطلب وليس لبني عبد شمس ولا لبني نوفل منه شيء وإن كانوا إخوة ويدل عليه ما روي حديث : عن جبير بن مطعم قال جئت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد"تفسير : وفي رواية: "حديث : أعطيت بني المطلب من خمس الخمس وتركتنا"تفسير : وفي رواية حديث : قال جبير: ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئاً تفسير : أخرجه البخاري وفي رواية أبي داود "حديث : أن جبير بن مطعم جاء هو وعثمان بن عفان يكلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يقسم من الخمس في بني هاشم وبني المطلب فقلت يا رسول الله قسمت لإخواننا بني المطلب ولم تعطنا شيئاً وقرابتنا وقرابتهم واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد"تفسير : وفي رواية النسائي قال حديث : لما كان يوم خيبر رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب وترك بني نوفل وبني عبد شمس فانطلقت أنا وعثمان بن عفان حتى أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الذي وضعك الله به منهم فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شيء واحد وشبك بين أصابعه تفسير : واختلف أهل العلم في سهم ذوي القربى هل هو ثابت اليوم أم لا فذهب أكثرهم إلى أنه ثابت فيعطي فقراؤهم وأغنياؤهم من خمس الخمس للذكر مثل حظ الأنثيين وهو قول مالك والشافعي وذهب أبو حنيفة وأصحاب الرأي إلى أنه غير ثابت قالوا سهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي القربى مردود في الخمس فيقسم خمس الغنيمة على ثلاث أصناف اليتامى والمساكين وابن السبيل فيصرف إلى فقراء ذوي القربى مع هذه الأصناف دون أغنيائهم وحجة الجمهور أن الكتاب والسنة يدلان على ثبوت سهم ذوي القربى وكذا الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعطون ذوي القربى ولا يفضلون فقيراً على غني، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله وكذا الخلفاء بعده كانوا يعطونه وألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة غير أنهم يعطون القريب والبعيد قال ويفضل الذكر على الأنثى فيعطى الذكر سهمين والأنثى سهماً. وقوله سبحانه وتعالى: {واليتامى} جمع يتيم يعني ويعطى من خمس الخمس لليتامى، واليتيم الذي له سهم في الخمس هو الصغير المسلم الذي لا أب له فيعطى مع الحاجة إليه {والمساكين} وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين {وابن السبيل} وهو المسافر البعيد عن ماله فيعطى من خمس الخمس مع الحاجة فهذا مصرف خمس الغنيمة ويقسم أربعة أخماسها الباقية بين الغانمين الذين شهدوا الواقعة وحازوا الغنيمة فيعطى للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه، ويعطى الراجل سهماً واحداً لما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم في النفل للفرس سهمين وللرجل سهماً. وفي رواية نحوه بإسقاط لفظ النفل أخرجه البخاري ومسلم. وفي رواية أبي داود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهماً له وسهمين لفرسه وهذا قول أكثر أهل العلم وإليه ذهب الثوري والأوزاعي ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان وللراجل سهم ويرضخ للعبيد والنسوان والصبيان إذا حضروا القتال ويقسم العقار الذي استولى عليه المسلمون كالمنقول وعند أبي حنيفة يتخير الإمام في العقار بين أن يقسمه بينهم وبين أن يجعله وقفاً على المصالح وظاهر الآية يدل على أنه لا فرق بين العقار والمنقول ومن قتل من المسلمين مشركاً في القتال يستحق سلبه من رأس الغنيمة لما روي عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"حديث : من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه"تفسير : أخرجه الترمذي وأخرجه البخاري ومسلم في حديث طويل والسلب كل ما يكون على المقتول من ملبوس وسلاح والفرس الذي كان راكبه ويجوز للإمام أن ينفل بعض الجيش من الغنيمة لزيادة عناء وبلاء يكون منهم في الحرب يخصهم به من بين سائر الجيش ثم يجعلهم أسوة الجماعة في سائر الغنيمة (ق) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى عامة الجيش. عن حبيب بن سلمة الفهري، قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الرابع في البدأة والثلث في الرجعة أخرجه أبو داود واختلف العلماء في أن النفل من أين يعطى فقال قوم من خمس الخمس من سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول سعيد بن المسيب وبه قال الشافعي. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبادة بن الصامت قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر وبرة من جنب بعير فقال: يا أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم أخرجه النسائي. وقال قوم: هو من الأربعة الأخماس بعد إقرار الخمس كسهام الغزاة وهو قول أحمد وإسحاق. وذهب قوم إلى أن النفل من رأس الغنيمة قبل التخميس كالسلب للقاتل وأما الفيء، وهو ما أصابه المسلمون من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب بأن صالحهم على ما يؤدونه، وكذلك الجزية وما أخذ من أموالهم إذا دخلوا دار الإسلام للتجارة أو يموت أحد منهم في دار الإسلام ولا وارث له فهذا كله فيء ومال الفيء كان خالصاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مدة حياته. وقال عمر: إن الله سبحانه وتعالى خص نبيه صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يخص به أحداً غيره ثم قرأ عمر: وما أفاء الله على رسوله منهم الآية فكانت هذه لرسول الله خالصة وكان ينفق على أهله وعياله نفقة سنتهم من هذا المال ثم ما بقي يجعله مجعل مال الله في الكراع والسلاح واختلف أهل العلم في مصرف الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قوم هو للأئمة بعده وللإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فيه قولان أحدهما أنه للمقاتلة الذين أثبتت أسماؤهم في ديوان الجهاد لأنهم هم القائمون مقام النبي صلى الله عليه وسلم في إرهاب العدو. والقول الثاني: إنه لمصالح المسلمين ويبدأ بالمقاتلة فيعطون منه كفايتهم فالأهم من المصالح واختلف أهل العلم في تخميس الفيء فذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه إلى أنه يخمس وخمسه لأهل الخمس من الغنيمة على خمسة أسهم وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح وذهب الأكثرون إلى أنه لا يخمس بل يصرفه جميعه مصرفاً واحداً ولجميع المسلمين فيه حق. عن مالك بن أنس قال: ذكر عمر يوماً الفيء منكم ما أنا أحق بهذا الفيء منكم وما أحد منا أحق به الآخر إلا أنا على منازلنا من كتاب الله وقسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدمه الرجل وبلاؤه والرجل وعياله والرجل وحاجته أخرجه أبو داود وأخرج البغوي بسنده عنه أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: ما على وجه الأرض مسلم إلا له في هذا الفيء حق إلا ما ملكت أيمانكم وقوله سبحانه وتعالى: {إن كنتم آمنتم بالله} يعني واعملوا أيها المؤمنون أن خمس الغنيمة مصروف إلى ما ذكر في هذه الآية من الأصناف فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بأربعة أخماس الغنيمة إن كنتم آمنتم بالله وصدقتم بوحدانيته {وما أنزلنا على عبدنا} يعني وآمنتم بالمنزل على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا إضافة تشريف وتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم والذي أنزله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم يسألونك عن الأنفال الآية {يوم الفرقان} يعني يوم بدر. قال ابن عباس: يوم الفرقان يوم بدر فرق الله عز وجل بين الحق والباطل {يوم التقى الجمعان} يعني جميع المؤمنين وجميع الكافرين وهو يوم بدر وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة أو لسبع عشرة من رمضان وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً والمشركون ما بين الألف والتسعمائة فهزم الله المشركين وقتل منهم زيادة على سبعين وأسر منهم مثل ذلك {والله على كل شيء قدير} يعني على نصركم أيها المؤمنون مع قلتكم وكثرة أعدائكم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {بالعدوة} بكسر العين في الحرفين: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. الباقون: بالضم. {من حيي} بياءين: أبو جعفر ونافع وخلف وسهل ويعقوب والبزي ونصير وأبو بكر وحماد. الباقون: بالإدغام {ولا تنازعوا} بالإدغام: البزي وابن فليح {وتذهب} بالجزم للجزاء عن هبيرة {وإذ زين} وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة في رواية خلاد ابن سعدان وهشام {إني أرى}، {إني أخاف} بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. {تراءت الفئتان} بالإمالة: نصير. الوقوف: {وابن السبيل} ط لتعلق حرف الشرط بمحذوف يدل عليه ما قبلها تقديره: واعلموا واعتقدوا هذه الأقسام إن كنتم. {الجمعان} ط {قدير} ه {أسفل منكم} ط {في الميعاد} لا لعطف لكن {مفعولا} لا لتعلق اللام {من حيَّ عن بينه} ط {عليم} لا لتعلق "إذ" {قليلاً} ط {منكم} ط {الصدور} ه {مفعولا} ط {الأمور} ه {تفلحون} ه ج للآية وللعطف {واصبروا} ط {الصابرين} ه ج لما ذكر {عن سبيل الله} ط {محيط} ه {جار لكم} ط {أخاف الله} ط {العقاب} ه {دينهم} ط {حكيم} ه. التفسير: لما أمر سبحانه بالقتال في قوله{أية : وقاتلوهم}تفسير : [الأنفال: 39] والمقاتلة مظنة حصول الغنيمة أعاد حكم الغنيمة ببيان أوفى وأشفى فقال {واعلموا أنما غنمتم} أي الذي حزتم من أموال الكفرة قهراً. وقوله {من شيء} بيان "ما" أي من كل ما يقع عليه اسم الشيء حتى المخيط والخيط. وقوله {فأن الله} بالفتح مبتدأ محذوف الخبر. وروى الجعفي عن أبي عمرو {فإن الله} بالكسر. قال في الكشاف: والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه ولا سبيل إلى الإخلال به لأنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت واجب حق لازم كان أقوى لإيجابه من النص على واحد. عن الكلبي أن الآية نزلت ببدر. وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً في الهجرة. واعلم أن الآية تقتضي أخذ الخمس من الغنائم واختلفوا في كيفية قسمة ذلك الخمس على أقوال أشهرها: أن ذلك الخمس يخمس حتى يكون مجموع الغنيمة ومقسماً بخمسة وعشرين قسماً عشرون الغنائم بالاتفاق لأنهم كسبوها كالاحتطاب والاصطياد، وأما الخمسة الباقية فواحد منها كان لرسول الله ويصرف الآن ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كسد الثغور وعمارة الحصون والقناطر والمساجد وأرزاق القضاة والأئمة الأهم فالأهم، وواحد لذوي القربى يعني أقارب رسول الله من أولاد هاشم والمطلب ابني عبد مناف دون عبد شمس ونوفل وهما ابنا عبد مناف أيضاً لما روي عن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم - وكان عثمان من بني عبد شمس وجبير من بني نوفل - أنهما قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد - وشبك بين أصابعه - يستوي في هذا السهم غنيهم وفقيرهم إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين. وثلاثة أخماس الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل. وهذا عند الإمامين أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة قال: إن سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ساقط بموته وكذلك سهم ذوي القربى وإنما يعطون لفقرهم فهم أسوة سائر الفقراء. فعلى مذهب الإمامين. معنى قوله سبحانه{أية : فأن لله خمسه وللرسول}تفسير : [التوبة: 62] فأن لرسول الله خمسة كقوله {والله ورسوله أحق أن يرضوه} وعن أبي العالية إيجاب سهم آخر لله وأنه يقسم الخمس على ستة أسهم. والذاهبون إلى هذا القول اختلفوا فقيل: إن ذلك السهم لبيت المال. وقيل: يصرف إلى مصالح الكعبة لما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة فهو سهم الله. وعن ابن عباس أنه كان يقسم على ستة لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك روي عن عمرو ومن بعده من الخلفاء. وروي أن أبا بكر منع بني هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوّج أيمكم ويخدم من لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غني لا يعطى هو ولا يتيم موسر من الصدقة شيئاً، وروي عن زيد بن علي أنه قال: ليس لنا أن نبني منه قصوراً ولا أن نركب منه البراذين. وقيل: الخمس كله للقرابة لما روي عن علي عليه السلام أنه قيل له: إن الله تعالى قال {واليتامى والمساكين} فقال: أيتامنا ومساكيننا. وعن الحسن: في سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لولي الأمر من بعده. وعند مالك بن أنس الأمر في الخمس مفوّض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين الأصناف الخمسة عند الشافعي وإن رأى أعطى بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فذاك. فعند هذا يكون معنى قوله {فأن لله خمسه} أن من حق الخمس أن يكون متقرباً به إلى الله لا غير. ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلاً لها على غيرها كقوله {وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل} وحاصل الآية إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا فاعلموا علماً يتضمن العلم والطاعة أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة {يوم الفرقان} يوم بدر لأنه فرق فيه بين أهل الحق وأهل الباطل. والجمعان فريقاهما والذي أنزل عليه يومئذ الآيات والملائكة والنصر والتأييد {والله على كل شيء قدير} فبذلك نصر القليل على الكثير {إذ أنتم} بدل من يوم الفرقان {بالعدوة} بالكسر والضم شط الوادي أي جانبه وحافته. وقال أبو عمرو، هي المكان المرتفع و {الدنيا} تأنيث الأدنى يعني الجانب الذي يلي المدينة وقلب الواو ياء فيه على القياس لأن "فعلى" من بنات الواو وتقلب ياء كالعليا، وأما القصوى تأنيث الأقصى فإنه كالقود في مجيئه على الأصل وقد جاء القصيا أيضاً قليلاً والعدوة القصوى مما يلي مكة {والركب} يعني الأربعين الذين كانوا يقودون العير {أسفل منكم} بالساحل وهو نصبب على الظرف مرفوع المحل خبراً للمبتدأ أي مكاناً أسفل من مكانكم والفائدة في ذكر مراكز الفرق الثلاث تصوير وقعة بدر وما دبر الله سبحانه من عجيب صنعه وكمال رأفته ونصره حتى كان ما كان. وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كانت في مكان فيه الماء وكانت أرضاً لا بأس بها، وأما العدوة الدنيا فهي رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وعبدتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحروب بعيالهم وأثقالهم ليبعثهم الذب عن الحرم على بذل مجهودهم حيث لم يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه. {ولو تواعدتم} أنتم وأهل مكة على موضع تتلاقون فيه {لاختلفتم في الميعاد} فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من هيبة الرسول والمسلمين فلم يتفق لكم من التلاقي ما تيسر بتوفيق الله وتسبيبه {ولكن ليقضي الله} أي ليظهر {أمراً كان مفعولاً} مقدراً وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك. وقوله {ليهلك} بدل من {ليقضي} بدل الخاص من العام واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، وذلك أن وقعة بدر كان فيها من الآيات والمعجزات ما يكون الكافر بعدها كالمكابر لنفسه فكفره صادر عن وضوح بينة أي لا شك في كفره وعناده كما أنه لم يبق شك للمسلمين في حقية دين الإسلام. وفي قوله {ليقضي} و {ليهلك} دلالة على أن أفعاله تعالى مستتبعة للحكم والمقاصد والغايات خلاف ما عليه ظاهر الأشاعرة. {وإن الله لسميع} لدعائكم {عليم} بنياتكم {إذ يريكم} منصوب باذكر أو بدل آخر من يوم الفرقيان أو متعلق بعليم أي يعلم تدابيركم إذ يريكهم {في منامك} أي في رؤياك {قليلاً} أراه وإياهم في رؤياه قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فكان تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم. وقيل: في منامك أي في عينك في اليقظة لأن العين موضع النوم وفيه تكلف. {ولو أراكهم كثيراً} على ما هم عليه {لفشلتم} والفشل الجبن والخور. {ولتنازعتم في الأمر} أمر الحرب والإقدام {ولكن الله سلم} عصم من الفشل والتنازع {إنه عليم بذات الصدور} يعلم ما سيحدث فيها من مواجب الإقدام والإحجام {وإذ يريكموهم} يبصركم إياهم {إذ التقيتم في أعينكم قليلاً} نصب على الحال لأن الرؤية رؤية العين لا القلب وقد استوفت الإراءة مفعولية فلن يتعدى إلى ثالث {ويقللكم في أعينهم} الحكمة في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهرة مع أن في ذلك تصديقاً لرؤيا النبي، وأما تقليل المؤمنين في أعين الكفار فالحكمة في ذلك أن يجترىء الكفار عليهم قلة مبالاة بهم وأن يستعدّوا لهم كما ينبغي {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} فعل ما فعل من التقليل {وإلى الله ترجع الأمور} فيه أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها. وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً للمعاد. ثم علم المؤمنين آداب اللقاء في الحروب فقال {إذا لقيتم فئة فاثبتوا} لقتالهم ولا تفروا واللقاء اسم غلب في القتال فلهذا ترك وصف الفئة بالمحاربين ونحو ذلك، والأمر بالثبات في القتال لا ينافي الرخصة في التحرف والتحيز فلعل الثبات في الحرب لا يحصل إلا بهما. {واذكروا الله كثيراً} في مواطن الحرب {لعلكم تفلحون} تظفرون بمرادكم من النصر والمثوبة. وفيه إشعار بأن العبد لا يجوز له أن يفتر عن ذكر ربه في أي شغل وعمل كان، ولو أن رجلا أقبل من المغرب إلى المشرق منفقاً أمواله لله، والآخر من المشرق إلى المغرب ضارباً بسيفه في سبيل الله كان الذاكر لله أعظم أجراً. وقيل: المراد من هذا الذكر أن يدعو على العدو: اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم ونحو ذلك والأولى حمله على العموم {وأطيعوا الله ورسوله} في سائر ما يأمر به لأن الجهاد لا ينفع إلى مع التمسك بسائر الطاعات {ولا تنازعوا فتفشلوا} منصوب بإضمار "أن" أو مجزوم لدخوله في حكم النهي ويظهر التقدير "أن" في قوله {وتذهب ريحكم} على القراءتين. والريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيته على وفق المشيئة بالريح وهبوبها. يقال: هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره. وقيل: الريح حقيقة ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله. وفي الحديث:"حديث : نصرت بالصبا" تفسير : حذرهم التنازع واختلاف الرأي نحو ما وقع لهم بأحد بمخالفتهم رسول الله. احتج نفاة القياس بالآية لأن القول به يفضي غالباً إلى النزاع المنهى عنه. وكذا القائلون: بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس. قال أهل السير: إن أهل مكة حين نفروا لحماية العير أتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدراً نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب. فوافوها فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم بطرين مرائين بأعمالهم كإطعام الطعام ونحوه فقال {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم} الآية. وصفهم بأوصاف ثلاثة: أولها: البطر وهو الطغيان في النعمة ويقال أيضاً شدّة المرح. والتحقيق إن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها في مرضاته وعرف حق الله فيها فذاك هو الشكر وإن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أبناء الزمان فذاك هو البطر. وثانيها: رئاء الناس وهو القصد إلى إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الطاعة مع إبطان المعصية كما أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر. وثالثها قوله {ويصدون عن سبيل الله} أي يمنعون عن قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم. قال الواحدي: معناه وصدا عن سبيل الله ليكون عطفاً للاسم على الاسم، أو يكون الكل أحوالاً على تأويل بطرين مرائين صادّين أو يبطرون ويراءون ويصدّون. واعترض عليه في التفسير الكبير بأنه تارة يقيم الاسم مقام الفعل والأخرى بالعكس ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر وعن الثالث بالفعل. ثم ذكر السبب فقال: إن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على البطر والرياء فذكرا بلفظ الاسم تنبيهاً على أصالتهم فيهما، وأما الصدّ فإنما حصل في زمان ادعاء محمد النبوة فذكر بلفظ الفعل الدال على التجدد. قلت: لو جعلنا قوله {ويصدون} عطفاً على صلة "الذين" لم يحتج إلى هذه التكلفات التي اخترعها الإمامان. {والله بما يعملون محيط} فيه زجر عن التصنع والافتخار، ويعلم منه أن المعصية مع الانكسار أقرب إلى الخلاص من الطاعة مع الاستكبار. {وإذ زين} معناه واذكر إذ زين أو هو معطوف على ما قبله من النعم وأقربها قوله {وإذ يريكموهم} وفي هذا التزيين وجهان: أحدهما. أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتمثل بصورة إنسان وهو قول الحسن والأصم. وفي الكشاف: زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجرئهم. فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم أي بطل كيده حين نزلت جنود الله. وثانيهما: أنه ظهر في صورة إنسان وذلك أن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر ذكروا الذي بينهم وبين بني كنانة من الحرب فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني وكان من أشرافهم في جند من الشياطين معه راية {وقال لا غالب لكم اليوم من الناس} أي لا غالب كائن لكم ولو كان لكم مفعولاً بمعنى لا غالب إلا إياكم لانتصب كما يقال لا ضارباً زيداً. {وإني جار لكم} أي مجيركم من بني كنانة أو من كل عدوّ يعرض من البشر. ومعنى الجار ههنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار. {فلما تراءت الفئتان} أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى {نكص على عقبيه} والنكوص الإحجام عن الشيء أي رجع. {وقال إني بريء منكم} قيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام فلما نكص قال له الحرث إلى أين؟ أتخذلنا في هذه الحالة فقال {إني أرى ما لا ترون} أي من نزول الملائكة ودفع في صدر الحرث وانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان. وفي الحديث:"حديث : ما رؤي إبليس يوماً أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزل الرحمة إلا ما رأى يوم بدر" تفسير : وأما قوله {إني أخاف الله} فقد قيل: إنه لما رأى جبريل خافه، وقيل: لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خافهم لأنه ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر. قال قتادة: صدق في قوله {إني أرى ما لا ترون} وكذب في قوله: {إني أخاف الله} وقوله {والله شديد العقاب} يجوز أن يكون من بقية حكاية كلام إبليس، ويجوز أن يكون اعتراضاً وظرفه {إذ يقول} أو لا ظرف له {وإذ يقول} ينتصب بذكر على أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله ولهذا فقد العاطف. و {المنافقون} قوم من الأوس والخزرج بالمدينة {والذين في قلوبهم مرض} يجوز أن يكون من صفة المنافقين وأن يراد قوم من قريش وأسلموا وما قوي الإسلام في قلوبهم ولم يهاجروا. ثم إن قريشاً لما خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، وقال محمد بن إسحق. ثم قتلوا جميعاً مع المشركين يوم بدر. {غرّ هؤلاء دينهم} قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلثمائة وثلاثة عشر إلى زهاء ألف وما ذلك إلا لأنهم اعتمدوا على دينهم. وقيل: المراد أن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت. ثم قال جواباً لهم {ومن يتوكل على الله} يكل أمره إليه ويثق بفضله {فإن الله عزيز} غالب يسلط الضعيف القليل على القوي الكثير {حكيم} يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة إلى أوليائه. التأويل: {واعلموا} يا أهل الجهاد الأكبر {أنما غنمتم} عند رفع الحجب من أنوار المشاهدات وأسرار المكاشفات فلكم أربعة أخماسه تعيشون بها مع الله وتكتمونها عن الأغيار وتنفقون خمسها في الله مخلصاً وللرسول متابعاً {ولذي القربى} يعني الإخوان في الله مواصلاً {واليتامى} يعني أهل الطلب من الذين غاب عنهم مشايخهم قبل بلوغهم إلى حد الكمال {والمساكين} الذين تمسكوا بأيدي الإرادة بأذيال إرشادكم {وابن السبيل} يعني الصادر والوارد من الصدق والإرادة مراعياً جانب كل طائفة على حسب صدقهم وإرادتهم واستعدادهم. إن كنتم وصلتم في متابعة الرسول إلى الإيمان بالله عياناً {وبما أنزلنا على عبدنا} في سفر{أية : فأوحى إلى عبده ما أوحى}تفسير : [النجم: 10] {يوم الفرقان} الذي فيه الرحمن علم القرآن {يوم التقى الجمعان} جمع الصفات الإنسانية وجمع الأخلاق الربانية فصار لمحمد صلى الله عليه وسلم مع الله خلوة لا يتبعه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل {والله على كل شيء قدير} فيقدر على أن يوصلكم في متابعة رسوله إلى هذا المقام وهو الفناء عن الوجود والبقاء بالمعبود {إذ أنتم} أيها الصادقون في الطلب {بالعدوة الدنيا } نازلة {وهم بالعدوة القصوى} أي الأرواح بأقصى عالم الملكوت بارزة {والركب أسفل منكم} يعني الهياكل والقوالب في أسفل سافلي الطبيعة. {ولو تواعدتم} أيها الأرواح والنفوس والأجساد {لاختلفتم في الميعاد} لما بينكم من التباين والتضاد {ولكن} جمعكم الله بالقدرة والحكمة {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} وهو إيصال كل شخص إلى رتبته التي استعد لها {فيهلك من هلك عن بينة} عن حجة ثابتة عليه {ويحيا من حيى عن بينة} فالأشقياء يبقون في سجين الطبيعة ونار القطيعة، وأما السعداء فأرواحهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قال{أية : ارجعي إلى ربك راضية}تفسير : [الفجر: 28] ونفوسهم مع الملائكة المقربين كما قال{أية : فادخلي في عبادي}تفسير : [الفجر: 29] وأبدانهم في جنات النعيم كما قال{أية : وادخلي جنتي}تفسير : [الفجر: 30] {إن الله لسميع} من دعاه للوصول والوصال بالغدو والآصال {عليم} بمن يستحق الإذلال أو يستأهل الإجلال {إذ يريكهم الله في منامك قليلاً} مع كثرتهم في الصورة ليدل على قلتهم في المعنى {لفشلتم} على عادة طبع الإنسان {ولكن الله سلم} من الخوف البشري {ويقللكم في أعينهم} لأنهم نظروا إليكم بالأبصار الظاهرة فلم يدركوا كثرة معناكم ومددكم بالملائكة. {وإذا لقيتم فئة} هي النفس وهواها والشيطان وأعوانه والدنيا وزينتها {فاثبتوا} على ما أنتم عليه من اليقين والصدق والإخلاص والطلب {ولا تكونوا كالذين خرجوا} من ديار أوصافهم وتركوا الدينا وداروا البلاد وزاروا العباد ليتباهوا بذلك على الإخوان والأقران. {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم} فظنوا أنهم بلغوا مبلغ الرجال وأنه لا يضرهم التصرف في الدنيا وارتكاب بعض المنهيات بل ينفعهم في نفي الرياء والعجب إذ هو طريق أهل الملامة. {فلما تراءت الفئتان} فئة الأرواح والقلوب وفئة النفوس وصفاتها وأمد الله تعالى فئة الأرواح والقلوب بالأوصاف الملكية والواردات الربانية حتى انقادت النفوس لها {نكص على عقبيه} زهق باطله وصار مخالفاً للنفس كما قال {إني بريء منكم}، {إني أرى ما لا ترون} لأنه يرى بنظر الروحانية تجلي الأنوار الربانية من القلوب، ولو وقع على الشيطان من ذلك تلألؤ لأحرقه ولهذا قال {إني أخاف الله} وفيه إشارة إلى أنه غير منقطع الرجاء من رحمة الله إنه أرحم الراحمين.
الثعالبي
تفسير : وقوله عزّ وجل: {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ...} الآية: الغنيمةُ؛ في اللغة: ما يناله الرجلُ بسَعْيٍ؛ ومنه صلى الله عليه وسلم: « حديث : الصِّيَامُ في الشِّتَاءِ هِيَ الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ »تفسير : ، وقوله: {مِّن شَيْءٍ}: ظاهرة العمومُ، ومعناه الخصوصُ، فأَمَّا النَّاضُّ والمتاعُ والأطفال والنساء وما لا يؤكل [لحمه] من الحيوان ويَصِحُّ تملُّكه، فالإِمام يأخذ خُمْسُهُ، ويَقْسِمُ الباقي في الجيش، وأما الأرضُ، فقال فيها مالكٌ: يقسمها الإِمام؛ إِن رأَىٰ ذلك صواباً؛ كما فعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِخَيْبَرَ، أَوْ لاَ يَقْسِمُها، بل يتركها لنوائب المسلمينَ؛ إن أداه ٱجتهادُهُ إلى ذلك؛ كما فعل عُمَرُ بنُ الخطَّاب رضي اللَّه عنه بِأَرْضِ مِصْرِ وبسَوَادِ الكَوفة، وأمَّا الرجالُ، ومَنْ شارف البُلُوغ من الصِّبْيان، فالإِمام؛ عند مالك وجمهور العلماء، مُخَيَّرٌ فيهم علَى خمسة أوجه: منها: القتل، وهو مستَحْسَنٌ في أهْل الشجاعة والنِّكَاية. ومنها: الفداءُ، وهو مستحسنٌ في ذي المَنْصب الذي ليس بشُجَاع ولا يُخَاف منه رأْي ومَكِيدَة؛ لانتفاع المسلمين بالمَال الذي يؤخَذُ منه. ومنها: المَنُّ، وهو مستحْسَنٌ فيمن يرجَىٰ أنْ يحنو على أَسْرَى المسلمين، ونحو ذلك من القرائن. ومنها: ٱلاسترقاقُ. ومنها: ضَرْبُ الجزية، والتَّرْكُ، في الذِّمَّة. وأما الطعام، والغَنَمْ، ونَحْوَها ممَّا يؤكل، فهو مباحٌ في بلد العدو أكله، وما فَضَل منه كان في المَغْنَم. ومحلُّ ٱستيعاب فُرُوعِ هذا الفَصْل كُتُب الفقه. وقوله سبحانه: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا }، أي: من النصرَ والظهور الذي أنزله اللَّه سبحانه يَوْمَ بَدْر، ويحتمل أن تكون الإِشارة إِلى قرآن نزَلَ يوْمَ بدر، أو في قصَّة يوم بَدْر، ويوم الفُرْقَان: معناه: يَوْمُ الفَرْقِ بين الحقِّ والباطل؛ بإِعزاز الإِسلام وإِذلالِ الشرك، والجَمْعَانِ: يريد: جَمْعَ المسلمين وَجَمْعَ الكُفَّار، وهو يوم بَدْر، ولا خلاف في ذلك. وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، يَعْضُدُ أَنَّ قوله: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا }، يراد به النصْرُ والظَّفْر، أي: الآيات والعظائم مِنْ غلبة القليلِ للكثيرِ، وذلك بقدرة اللَّه عَزَّ وجَلَّ الذي هو عَلَى كلِّ شيء قدير. وقوله سبحانه: {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ }، العُدْوَة: شفيرُ الوادِي، وحَرْفُهُ الذي يتعذَّرُ المَشْيُ فيه بمنزلة رَجَا البئْر؛ لأنها عَدَتْ ما في الوادِي من ماء ونحوه؛ أن يتجاوز الوادِيَ، أي: منعته؛ ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : عَدَتْنِي عَنْ زِيَارَتِكِ العَوَادِي وَحَالَتْ دُونَهَا حَرْبٌ زَبُون تفسير : وقرأ ابنُ كَثِير، وأبو عمرو: {بِالعِدْوَة} - بِكَسْرِ العين -، وقوله: {ٱلدُّنْيَا }، و{ٱلْقُصْوَىٰ }، إِنَّما هو بالإِضافة إِلى المدينة، وبين المدينة ووادِي بَدْر موضعُ الوقعة مَرْحَلتان، والدُّنْيَا: من الدُّنُوِّ، والقُصْوَىٰ: منِ القُصُوِّ، وهو البُعْد، {وَٱلرَّكْبُ}، بإِجماعٍ من المفسِّرين: عِيرُ أبي سفيان، وقوله: {أَسْفَلَ }، في موضع خَفْض، تقديره: في مكان أَسْفَلَ كَذَا. قال سِيبَوَيْهِ: وكان الرَّكْبُ، ومُدَبِّر أمره أبو سفيانَ بْنُ حَرْب، قد نَكَبَ عن بَدْر حين نَذَرَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأخَذَ سيْفَ البَحْرِ، فهو أَسْفَلُ؛ بالإِضافة إِلى أَعلى الوَادِي. وقوله سبحانه: {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَـٰدِ }، المَقْصدُ من الآية: تَبْيينُ نعمة اللَّه سُبْحانه في شأنِ قِصَّة بَدْر، وتيسيره سُبْحانه ما يَسَّر من ذلك، والمَعنَى: لو تواعدتم، لاختلفتم في الميعادِ بَسَببِ العوارِضِ التي تَعْرضُ للناس، إِلاَّ مع تيسير اللَّه الذي تَممَّ ذلك، وهذا كما تقولُ لصاحبك في أمْر سَنَاهُ اللَّه تعالى دونَ تَعَبٍ كثير: لَوْ بَنَيْنَا عَلَى هَذَا، وسَعَيْنَا فِيهِ، لَمْ يَتِمَّ هَكَذَا، {وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}، أي: لينفِّذَ ويُظْهِر أمراً قد قدَّره في الأزل مفعولاً لكم؛ بشرط وجودكم في وَقْتِ وجودِكُمْ، وهذا كلُّه معلومٌ عنده عزَّ وجلَّ لم يتجدَّد له به علْمٌ، وقوله عزَّ وجلَّ: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ }، قال الطبريُّ: المَعنى: ليُقْتَلَ من قُتِلَ من كفَّار قريش وغيرهم؛ ببيانٍ مِنَ اللَّه وإِعذارٍ بالرسالة، ويَحْيَا أيضاً ويعيشَ مَنْ عاش؛ عن بيانٍ منْه أيضاً وإِعذار؛ لا حجة لأحد عليه سبحانه. * ت *: قال أبو عمر بنُ عَبْدِ البَرِّ في كتاب «فضل العلْمِ» في قوله عز وجلَّ: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ...} الآية: البيِّنة: ما بان به الحقُّ. انتهى. وقال ابنُ إِسْحَاق وغيره: معنى «لِيَهْلِكَ»، أيْ: لِيَكْفُرَ، و«يَحْيَا» أي: ليؤمنَ؛ فالحياةُ والهلاكُ على هذا التأويل: مستعارتان. وقوله سبحانه: {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً...} الآية: وتظاهرتِ الرواياتُ؛ أن هذه الآية نزلَتْ في رُؤْيَا رآها رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رأَىٰ فيها عَدَدَ الكُفَّار قليلاً، فأَخبر بذلك أصحابه، فقَوِيَتْ نفوسُهم، وحَرِصُوا على اللقاء؛ قاله مجاهد وغيره، والظاهر أنه رآهم صلى الله عليه وسلم في نومه قليلاً قَدْرُهُم وبأْسُهم، ويحتمل أنه رآهم قليلاً عدَدُهم، فكان تأويلُ رؤياه ٱنْهِزَامَهُمْ، والفَشَلُ: الخَوَرُ عن الأمر، و{لَتَنَازَعْتُمْ}، أي: لتخالَفْتم في الأمر، يريد: في اللقاءِ والحَرْبِ. و{سَلَّمٌ }: لفظ يعمُّ كلَّ متخوَّف. وقوله سبحانه: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ...} الآية:، وهذه الرؤية هي في اليقظة بإِجماع، وهي الرؤية التي كانَتْ حين ٱلّتَقَوْا، ووقعتِ العَيْنُ على العين، والمعنَى: أن اللَّه تعالَى؛ لَمَا أراده من إِنفاذ قضاءه في نُصْرة الإِسلام وإِظهار دِينِهِ، قَلَّلَ كُلَّ طائفةٍ في عُيُونِ الأخرَى، فوقع الخَلَلُ في التخمينِ والحَزْرِ الذي يستعمله الناسُ في هذا؛ لتَجْسُرَ كلُّ طائفة على الأخرَى، وتتسبَّب أسبابُ الحَرْب، والأمر المفعولُ المذكورُ في الآيتين هو القصَّة بأجمعها. وقوله: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ }: تنبيهٌ علَى أن الحَوْلَ بأجمعه للَّه، وأنَّ كلَّ أمّرٍ، فَلهُ وإِليه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ} الآية. لمَّا أمر بقتال الكفار بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ} وعند المقاتلة قد تحصل الغنيمة، ذكر تعالى حكم الغنيمة، والظَّاهرُ أنَّ "ما" هذه موصولةٌ بمعنى "الَّذي"، وكان من حقِّها أن تكتب منفصلةً من "أنَّ" كما كُتبت: {أية : إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ}تفسير : [الأنعام: 134] منفصلةً، ولكن كذا رُسِمَت. و "غَنِمْتُم" صلتها، وعائدها محذوف لاستكمال الشُّروطِ، أي: غَنِمْتُمُوه. وقوله "فأنَّ لِلَّهِ" الفاءُ مزيدةٌ في الخبر؛ لأنَّ المبتدأ ضُمِّن معنى الشَّرطِ، ولا يَضُرُّ دخولُ الناسخ عليه؛ لأنه لَمْ يُغَيِّر معناه، وهذا كقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ} ثم قال: "فَلَهُم" والأخفش مع تجويزه زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً، يمنع زيادتها في الموصول المشبه بالشَّرط إذا دخلت عليه "إنَّ" المكسورة، وآيةُ البروج [10] حُجَّةٌ عليه. وإذا تقرَّر هذا فـ "أنَّ" وما عملتْ فيه في محلِّ رفع على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديره: فواجبٌ أنَّ لله خمسهُ، والجملةُ من هذا المبتدأ والخبر خبر لـ "أنَّ". وظاهر كلام أبي حيان أنه جعل الفاء داخلةً على: "أنَّ للَّهِ خُمُسَهُ" من غير أن يكون مبتدأ وخبرها محذوف، بل جعلها بنفسها خبراً، وليس مرادهُ ذلك، إذ لا تدخل هذه الفاءُ على مفردٍ، بل على جملةٍ، والذي يُقَوِّي إرادته ما ذكرنا أنه حكى قول الزمخشريِّ، أعني كونه قدَّر أنَّ "أنَّ"، وما في حيِّزها مبتدأٌ، محذوفُ الخبر، فجعلهُ قولاً زائداً على ما قدَّمه. ويجوز في "ما" أن تكون شرطيةً، وعاملُها "غَنِمْتُم" بعدها، واسمُ "أنَّ" حينئذٍ ضميرُ الأمرِ والشَّأنِ وهو مذهبُ الفرَّاءِ، إلاَّ أنَّ هذا لا يجوزُ عند البصريين إلاَّ ضرورةً، بشرط ألاَّ يليها فعل؛ كقوله: [الخفيف] شعر : 2707 - إنَّ مَنْ يَدْخُلِ الكَنِيسَة يَوْماً يَلْقَ فِيهَا جَآذِراً وظِبَاءَ تفسير : وقول الآخَرِ: [الخفيف] شعر : 2708 - إنَّ مَنْ لامَ بَنِي بنتِ حَسَّا نَ ألُمْهُ وأعْصِهِ في الخُطُوبِ تفسير : وقيل: الفاءُ زائدةٌ، و "أنَّ" الثانيةُ بدلٌ من الأولى. وقال مكي: "وقد قيل: إنَّ الثانية مؤكدةٌ للأولى، وهذا لا يجوز لأنَّ الأولى تبقى بغير خبر؛ ولأنَّ الفاء تحول بين المؤكَّد والمؤكِّد وزيادتها لا تَحْسُن في مثل هذا". وقيل: "ما" مصدريَّةٌ، والمصدر بمعنى المفعول أي: أنَّ مغنومكم هو المفعول به، أي: واعلموا أنَّ غُنمكم، أي: مغنومكم. والغنيمةُ: أصلها من الغُنْمِ، وهو الفوزُ، يقال: غنم يغنم فهو غانم، وأصلُ ذلك من الغنم هذا الحيوان المعروف، فإنَّ الظفر به يُسَمَّى غُنْماً، ثم اتُّسِع في ذلك، فَسُمِّي كلُّ شيء مظفورٍ به غُنْماً ومَغْنَماً وغَنيمة؛ قال علقمةُ بنُ عبدةَ: [البسيط] شعر : 2709 - ومُطْعَمُ الغُنْمِ يَوْمَ الغُنْمِ مُطعمُهُ أنَّى توَجَّهَ والمَحْرُومُ مَحْرُومُ تفسير : وقال الآخر: [الوافر] شعر : 2710 - لَقَدْ طَوَّفْتُ فِي الآفَاقِ حَتَّى رَضيتُ من الغنيمةِ بالإيَابِ تفسير : قوله "مِنْ شيءٍ" في محلِّ نصبٍ على الحال من عائد الموصول المقدَّر، والمعنى: ما غنمتموه كائناً من شيء، أي: قليلاً أو كثيراً. وحكى ابن عطية عن الجعفي عن أبي بكر عن عاصم. وحكى غيره عن الجعفيِّ عن هارون عن أبي عمرو: "فإنَّ لِلَّهِ" بكسر الهمزةِ، ويُؤيدُ هذه القراءة قراءة النخعي "فللَّه خُمُسهُ" فإنها استئناف، وخرجها أبُو البقاءِ على أنَّها وما في حيِّزها في محلِّ رفع، خبراً لـ "أنَّ" الأولى. وقرأ الحسنُ وعبدُ الوارث عن أبي عمرو: "خُمْسَهُ" بسكون الميم، وهو تخفيفٌ حسن. وقرأ الجعفيُّ "خِمْسه" بكسر الخاء. قالوا: وتخريجها على أنَّهُ أتبعَ الخاءَ لحركة ما قبلها، وهي هاء الجلالة من كلمة أخرى مستقلة، قالوا: وهي كقراءة من قرأ {وَالسَّمآءِ ذَاتِ الحِبُكِ} [الذاريات: 7] بكسر الحاء إتباعاً لكسرة التاء من "ذاتِ" ولمْ يعتدُّوا بالساكن، وهو لامُ التعريف، لأنه حاجزٌ غير حصين. قال شهاب الدين "ليت شعري، وكيف يقرأ الجعفيُّ والحالةُ هذه؟ فإنه إن قرأ كذلك مع ضم الميم فيكون في غاية الثقل، لخروجه من كسرٍ إلى ضمٍّ، وإن قرأ بسكونها وهو الظَّاهرُ فإنه نقلها قراءةً عن أبي عمرو، أو عن عاصم، ولكن الذي قرأ: "ذاتِ الحِبُكِ" يبقي ضمَّة الباء، فيؤدي إلى "فِعُل" بكسر الفاء وضمِّ العين، وهو بناءٌ مرفوض". وإنما قلت: إنه يقرأ كذلك؛ لأنه لو قرأ بكسر التاء لما احتاجوا إلى تأويل قراءته على الإتباع؛ لأن في "الحُبُك" لغتين: ضمُّ الحاءِ والباءِ، وكسرهما، حتَّى زعم بعضهم أنَّ قراءة الخروج من كسرٍ إلى ضمٍّ من التَّداخل. فصل والغنيمةُ في الشريعةِ، والفيء، اسمان لما يُصيبه المسلمون من أموال الكفار. فذهب جماعة إلى أنهما واحد، وذهب قومٌ إلى أنَّ الغنيمة، ما أصابه المسلمُونَ منهم عَنْوَةً بقتال، والفيء: ما كان من صلح بغير قتال. قوله "مِن شيءٍ" يعني: من أي شيء كان حتَّى الخيط: {فأَنَّ لِلَّهِ خمسَهُ وللرَّسُولِ} ذهب أكثر المفسِّرين والفقهاء إلى أنَّ قوله: "لِلَّه" افتتاح على سبيل التبرُّك، وأضاف هذا المال لنفسه لشرفه. وليس المراد أن سهماً من الغنيمة "لِلَّهِ" مفرداً، فإن الدنيا والآخرة لله عز وجل وهو قول قتادة والحسن وعطاء وإبراهيم والشعبي قالوا: سهم الله وسهم الرسول واحد والغنيمة تقسم خمسة أخماس أربعة أخماسها لِمنْ قاتل عليها، والخُمْسُ لخمسة أصناف كما ذكر الله تعالى {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ}. وقال أبو العالية، وغيره: يقسم الخُمْس على ستة أسهم: سهم لله تعالى، ثم القائلون بهذا القول منهم من قال: يُصرف سهم الله إلى الرسول، ومنهم من قال: يصرفُ لعمارة الكعبة. وقال بعضهم: إنه عليه الصلاة والسلام كان يضربُ بيده في هذا الخُمْس فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، وهو الذي سُمِّي "لِلَّهِ". فصل قل القرطبي "هذه الآية ناسخة لأول السُّورة عند الجمهور، وقد ادَّعى ابن عبد البر: الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ}تفسير : [الأنفال: 1] وأنَّ أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر، على ما تقدم. وقيل: إنها مُحكمة غير منسوخة، وأنَّ الغنيمة لرسُولِ الله، وليست مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة، حكاه الماورديُّ عن كثير من أصحاب مالكٍ، واحتجوا بفتح مكَّة وقصَّة حنين، وكان أبو عبيد يقول: افْتَتَحَ رسولُ الله مكَّة عنوةً ومنَّ على أهلها، فردها عليهم، ولم يَقْسِمها، ولم يجعلها فَيْئاً". فصل أجمع العلماءُ على أن قولهُ: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ} ليس على عمومه، وأنَّهُ مخصوصٌ باتفاقهم على أنَّ سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمامُ، وكذلك الأسارى الإمام فيهم مخيَّرٌ، وكذلك الأراضي المغنومة. فصل قال الإمامُ أحمدُ: لا يكون السَّلب للقاتل إلاَّ في المبارزة خاصَّة، ولا يخمس وهو قول الشافعيِّ - رضي الله عنه -؛ ولا يعطى القاتل السَّلب، إلاَّ أن يقيم البيَّنة على قتله. قال أكثرُ العلماء: يجوزُ شاهد واحد؛ لحديث أبي قتادة، وقيل: شاهدان. وقيل: شاهد ويمين، وقيل: يقضى بمجرد دعواه. قوله: "ولِذِي القُرْبَى" أي: أنَّ سَهْماً من خمس الخمس لذوي القربى، وهم أقارب النبي صلى الله عليه وسلم، واختلفوا فيهم. فقال قومٌ: هم جميع قريش، وقال قومٌ: هم الذين لا تحل لهم الصَّدقة. وقال مجاهدٌ وعلي بنُ الحسينِ: هم بنُو هاشمٍ وبنو المطلب، وليس لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل منه شيء، وإن كانوا إخوة، لما روي عن جُبير بن مطعم قال حديث : قسَّم رسولُ الله - عليه الصَّلاة والسَّلام - سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب ولم يعط أحداً من بني عبد شمس، ولا لبني نوفل؛ ولما روى محمدُ بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: لمَّا قسم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بين بني هاشمٍ وبني المطلب أتيته أنا، وعثمان بنُ عفان، فقلنا يا رسُول الله: هؤلاء إخواننا من بني المُطَّلِبِ أعطيتهم وتركتنا أو منعتنا، وإنَّما قرابتنا وقرابتهم واحدةً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّما بنُو هاشم وبنو المطلب شيءٌ واحدٌ هكذا" وشبَّك بين أصابعه . تفسير : واختلف العلماءُ في سهم ذوي القربى، هل هو ثابتٌ اليوم؟ فذهب أكثرهم إلى أنَّهُ ثابت وهو قول مالك والشافعي، وذهب أصحابُ الرَّأي إلى أنَّهُ غير ثابت، وقالوا سهم رسول الله وسهم ذوي القربى مَرْدُودان في الخُمس، فيقسم خمس الغنيمة لثلاثةِ أصناف اليتامى والمساكين وابن السبيل. وقال بعضهم: يعطى للفقراء منهم دون الأغنياء، أي: يعطى لفقره لا لقرابته، والكتاب والسنة يدلاَّن على ثبوته وكذا الخلفاء بعد رسُول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعطونه، ولا يُفَضل فقير على غني؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا يعطون العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، وألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة، غير أنه يعطى القريب والبعيد. وقال: يفضل الذكر على الأنثى فيعطى الرجل سهمين، والأنثى سهماً. قال القرطبي: "ليست اللاَّم في "لِذِي القُرْبَى" لبيان الاستحقاق والملك، وإنَّما هي للمصرف والمحل". قوله: {وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} اليتامى: جمع "يَتيمٍ" وهو الصغير المسلم الذي لا أب له إذا كان فقيراً، و "المَسَاكِين" هم أهْلُ الفاقة والحاجة من المسلمين، و "ابْنِ السَّبيلِ" هو المسافر البعيد عن مالهِ، فهذا مصرف خمس الغنيمة ويقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الغانمين الذين شهدُوا الوقعة، للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه، وللرَّاجل سهم؛ لما روى ابنُ عمر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أسْهَمَ لرجلٍ ولفرسه ثلاثة أسهم سَهْماً له وسهمين لفرسه ". تفسير : وهذا قولُ أكثر أهل العلم، وإليه ذهب الثوريُّ، والأوزاعيُّ وابن المبارك والشافعيُّ وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان وللرَّاجلِ سهم، ويرضخ للعبيد، والنسوان، والصبيان إذا حضروا القتال. قال القرطبيُّ: "إذا خرج العبدُ، وأهلُ الذِّمة وأخذوا مال أهل الحرب فهو لهم ولا يخمس" لأنه لم يوجب عليهم خيل ولا ركاب. ويقسم العقار الذي استولى عليه المسلمون كالمنقولِ، وعند أبي حنيفة يتخيَّرُ الإمام في العقار بين أن يقسمه بينهم وبين أن يجعله وقْفاً على المصالح. وظاهر الآية لا يفرق بين العقار والمنقول، ومن قتل مُشركاً استحقَّ سلبه من رأس الغنيمة لما روي عن أبي قتادة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قَتل قتيلاً له عليه بيِّنة فله سلبه ". تفسير : والسَّلبُ: كل ما يكون على المقتول من ملبوس وسلاح وفرسه الذي يركبه. ويجوز للإمام أن ينفل بعض الجيش من الغنيمة لزيادة عناءٍ وبلاء يكون منهم في الحرب يخُصُّهم به من بين سائر الجيش، ويجعلهم أسوة الجماعة في سائر الغنيمة، لما روى ابن عمر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كان يُنفِّلُ بعض من يبعث من السَّرايا لأنفسهم خاصة سوى عامة الجيش ". تفسير : وروى حبيب بن مسلمة الفهري قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نَفَّلَ الرُّبعَ في البَدْأة والثُّلثَ في الرَّجْعَةِ ". تفسير : واختلف في النفل من أين يعطى؟. فقال قوم: يعطى من خمس الخمس من سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول سعيد بن المسيب وبه قال الشافعي، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا لي مِمَّا أفاء الله عليكم إلا الخمس والخُمسُ مردودٌ فيكم ". تفسير : وقال قومٌ: هو من الأربعة أخماس بعد إفراد الخمس كسهام الغزاة وهو قول أحمد وإسحاق. وذهب بعضهم إلى أنَّ النَّفْلَ من رأس الغنيمةِ قبل التخميس كالسّلب للقاتل. فصل دلَّت هذه الآية على جوازِ قسمة الغنيمة في دار الحربِ، لقوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الآية. فاقتضى ثبوت الملك لهؤلاء في الغنيمة وإذا ثبت لهم الملك وجب جواز القسمة. وروى الزمخشريُّ عن الكلبيِّ: "أنَّ هذه الآية نزلت ببدرٍ". وقال الواقديُّ "كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة". فصل قال القرطبيُّ: لمَّا بيَّن اللَّهُ تعالى حكم الخمس وسكت عن الأربعة أخماس دل على أنها ملك للغانمين. وملك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، إلاَّ أن الإمام مخير في الأسرى بين المن بالأمان كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بثمامة بن أثال، وبين القتل كما قتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي مُعيط من بين الأسرى صبراً، وقتل ابن الحرث صبراً، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم الغانمين حضر أو غاب، وسهم الصفيّ يصطفي سيفاً أو خادماً أو دابة، وكانت صَفية بنت حُيَيّ من الصَّفيِّ من غنائم خيبر، وكذلك ذو الفقار كان منه، وقد انقطع إلا عند أبي ثور فإنه رآه باقياً للإمام يجعله حيث شاء [وكان أهل الجاهلية] يرون للرئيس ربع الغنيمة قال شاعرهم: [الوافر] شعر : 2710 - لكَ المِرْبَاعُ مِنْهَا والصَّفايَا وحُكْمُكَ والنَّشيطةُ والفُضُول تفسير : يقال ربع الجيش يربعه: إذا أخذ ربع الغنيمة. قال الأصمعي: ربع في الجاهلية وخمّس في الإسلام، فكان يأخذ منها ثم يتحكم بعد الصَّفيِّ في أي شيء أراد، وكان ما فضل منها من خرثيّ ومتاع له، فأحكم الله تعالى الدين بقوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} فأبقى سهم الصَّفيِّ لنبيّه وأسقط حكم الجاهلية. قوله: "إن كُنتُمْ" شرطٌ، جوابه مقدرٌ عند الجمهور، لا متقدم، أي: إن كنتم آمنتم فاعلموا أنَّ حكم الخمس ما تقدَّم، أو: فاقبلوا ما أمرتم به. والمعنى: واعلمُوا أنَّما غَنِمْتُم من شيءٍ فانَّ للَّهِ خُمُسَه وللرَّسُولِ يأمر فيه ما يريد، فاقبلوه إن كنتم آمنتم باللَّهِ، وبالمنزل على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، وهو قوله: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ}تفسير : [الأنفال: 1] لمَّا نزلت في يوم بدر، وهو يوم الفرقان فرق اللَّهِ فيه بين الحقِّ والباطل، وهو يوم التقى الجمعان، حزب الله وحزب الشيطان، وكان يوم الجمعة سبع عشر مضت من رمضان. وقوله "ومَا أنزلْنَا" عطفٌ على الجلالة، فهي مجرورةُ المحلِّ، وعائدُها محذوف، وزعم بعضهم أنَّ جواب الشَّرطِ متقدم عليه، وهو قوله فـ{أية : نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ}تفسير : [الأنفال: 40]. وهذا لا يجوز على قواعد البصريين. قوله: "يَوْمَ الفُرقِانِ" يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أن يكُون منصوباً بـ "أنزَلْنَا" أي: أنزلْنَاهُ في يوم بدر، الذي فُرِقَ فيه بين الحق والباطل. الثاني: أن ينتصبَ بقوله "آمنتُم" أي: إن كنتم آمنتم في يوم الفرقانِ، ذكره أبُو البقاءِ. الثالث: يجوزُ أن يكون منصوباً بـ "غَنِمْتُم". قال الزَّجَّاجُ: أي: ما غنمتم في يومِ الفرقان فحكمه كذا وكذا. قال ابن عطية: "وهذا تأويلٌ حسنٌ في المعنى، ويعترضه أنَّ فيه الفصل بين الظرف وما يعمل فيه بهذه الجملةِ الكثيرةِ الألفاظِ"، وهو ممنوعٌ أيضاً من جهةٍ أخرى أخصّ من هذه. وذلك أنَّ "ما" إمَّا شرطية، كما هو رأي الفرَّاءِ، وإمَّا موصولة، فعلى الأوَّل يُؤدِّي إلى الفصل بين فعل الشَّرط، ومعموله بجملة الجزاء، ومتعلَّقاتها، وعلى الثَّاني يُؤدِّي إلى الفصلِ بين فعل الصلة ومعموله بخبر "أنَّ". قوله {يَوْمَ ٱلْتَقَى الجمْعَانِ} فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ بدل من الظرف قبله. والثاني: أنه منصوب بـ "الفرقان"؛ لأنَّه مصدرٌ، فكأنه قيل: يوم فرق فيه في يوم التقى الجمعان أي: الفرق في يوم التقاء الجمعين. وقرأ زيد بن علي: "عَلَى عُبُدنَا" بضمتين، وهو جمع "عَبْد" وهذا كما قد قرىء {وعُبُد الطَّاغُوتِ} [المائدة: 60]، والمراد بالعُبُد في هذه القراءة هنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، والمراد بـ "مَا أنزلْنَا" أي: الآيات والملائكة، والفتح في ذلك اليوم. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: يقدر على نصركم وأنتم قليلون. قوله "إذْ أنتُم" في هذا الظَّرف أربعةُ أوجهٍ: أحدها: أنَّهُ منصوبٌ بـ "اذكُرُوا" مُقدراً، وهو قول الزَّجَّاجِ. الثاني: أنَّهُ بدلٌ من "يَوْمَ الفرقانِ" أيضاً. الثالث: أنه منصوب بـ "قديرٌ" وهذا ليس بواضحٍ؛ إذ لا يتقيَّد اتِّصافه بالقدرة بظرفٍ من الظُّروف. الرابع: أنه منصوبٌ بـ "الفُرْقَانِ" أي: فرق بين الحقِّ والباطل إذْ أنتم بالعُدْوَةِ. قوله: "بالعُدْوَةِ" متعلقٌ بمحذوف؛ لأنَّهُ خبر المبتدأ، والباء بمعنى: "في" كقولك: زيد بمكة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "بالعِدْوَةِ" بكسر العينِ فيهما، والباقون بالضم فيهما وهما لغتان في شطِّ الوادي وشفيره وضِفَّته، كالكُسْوة والكِسْوة، والرُّشوة والرِّشوة، سُمِّيت بذلك لأنَّها عدتْ ما في الوادي من ماءٍ ونحوه أن يتجاوزها، أي: منعته؛ قال الشَّاعرُ: [الوافر] شعر : 2711 - عَدَتْنِي عَنْ زيارتها العَوَادِي وحَالَتْ دُونهَا حَرْبٌ زَبُونُ تفسير : وقرأ الحسنُ وزيد بن علي، وقتادة وعمرو بن عبيد بالفتح، وهي كلها لغاتٌ بمعنى واحد. هذا هو قولُ جمهور اللغويين، على أنَّ أبا عمرو بن العلاء أنكر الضمَّ، ووافقه الأخفش، فقال: "لَمْ يُسْمَعْ من العرب إلاَّ الكسرُ". ونقل أبو عبيد اللغتين، إلاَّ أنه قال: الضَّمُّ أكثرهما، وقال اليزيديُّ: "الكسر لغةُ الحجازِ"؛ وأنشدوا قول أوس بنِ حجرٍ: [البسيط] شعر : 2712 - وفَارسٍ لمْ يَحُلَّ القومُ عُِدْوتَهُ ولَّوْا سِرَاعاً ومَا هَمُّوا بإقْبَالِ تفسير : بالكسر، والضم. وهذا هو الذي ينبغي أن يقال، فلا وجهَ لإنكار الضَّمِّ، ولا الكسْرِ، لتواتر كلٍّ منهما، ويحمل قول أبي عمرو على أنَّهُ لم يبلُغْه، ويحتمل أن يقال في قراءةِ من قرأ بفتح العين أن يكون مصدراً سُمِّي به المكان. وقُرىء شاذًّا "بالعِدْيَة" بقلب الواو ياءً لانكسار ما تقدَّمها، ولا يُعْتبر الفاصلُ؛ لأنَّه ساكن، فهو حاجز غير حصين، وهذا كما قالوا: "هو ابن عمي دِنيا" بكسر الدَّال، وهو من الدنو، وكذلك: قِنْيَة، وصِبْيَة، وأصله السَّلامة، كالذِّرْوَة، والصِّفْوة والرِّبْوَة، وقد تقدَّم الكلام على لفظة "الدُّنْيَا". قوله "القُصْوَى" تأنيث "الأقصى"، والأقصى: الأبعد، والقَصْوُ: البعد وللصَّرفيين عبارتان، أغلبهما أن "فُعْلَى" من ذوات الواو، إن كانت اسماً أبدلَتْ لامُها ياءً، ثم يُمَثِّلُون بنحو: الدُّنْيَا، والعُلْيَا، والقُصْيَا، وهذه صفاتٌ؛ لأنَّها من باب أفعل التَّفضيل، وكأنَّ العذر لهم أنَّ هذه وإن كانت في الأصْلِ صفاتٍ، إلاَّ أنَّها جرتْ مجرى الجوامد. قالوا: وإنْ كانت "فُعْلَى" صفةً أقرَّتْ لامُها على حالها، نحو: الحُلْوى، تأنيث الأحلى ونصُّوا على أنَّ "القُصْوَى" شاذة، وإن كانت لغة الحجاز، وأنَّ "القُصْيَا" قياسٌ وهي لغة تميم، وممَّنْ نصَّ على شذوذ: "القُصْوَى" يعقوب بن السِّكِّيت. وقال الزمخشريُّ: وأمَّا "القُصْوَى" فكالقَوَد في مجيئه على الأصل، وقد جاء "القُصْيَا" إلاَّ أنَّ استعمال "القُصوى" أكثر، كما كثر استعمال "استصوب" مع مجيء "استَصَابَ"، و "أغيَلت" مع "أغَالَتْ" انتهى. وقد قرأ زيد بن عليٍّ: "بالعُدْوةِ القُصْيَا" فجاء بها على لغة تميم، وهي القياسُ عند هؤلاء. والعبارة الثانية - وهي القليلةُ - العكس، أي: إن كانت صفةً أبدلتْ، نحو: العُلْيَا والدُّنيا، والقُصْيا، وإن كانت اسماً أقرَّتْ؛ نحو "حُزْوَى"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2713 - أدَاراً بِحُزْوَى هِجْتِ للعَيْنِ عَبْرَةً فَمَاءُ الهَوَى يرفَضُّ، أو يَتَرقْرَقُ تفسير : وعلى هذا فـ "الحُلْوَى" شاذة؛ لإقرار لامها مع كونها صفة، وكذا "القُصْوَى" أيضاً، عند هؤلاء؛ لأنها صفة وقد ترتَّب على هاتين العبارتين أنَّ "قُصْوَى" على خلافِ القياسِ فيهما وأن "قُصْيَا" هي القياس؛ لأنها عند الأولين من قبيل الأسماء، وهم يقلبونها ياء وعند الآخرين من قبيل الصفات، وهم يقلبونها أيضاً ياءً، وإنَّما يظهر الفرقُ في "الحُلْوى" و "حُزْوَى" فـ: "الحُلْوَى" عند الأولين تصحيحها قياسٌ، لكونها صفةً، وشاذة عند الآخرين، لأنَّ الصفةَ عندهم تُقْلبُ واوُها ياءً. و "الحُزْوَى" عكسُها، فإنَّ الأولين يقلبُون في الأسماء، دون الصفات، والآخرون عكسُهم. وهذا موضعٌ حسنٌ، يختلط على كثير من النَّاس، فلذلك شرحناه. ونعني بالشذوذِ: شذوذ القياس، لا شذوذ الاستعمال، ألا ترى إلى استعمال التواتر بـ "القُصْوَى". قوله {والرَّكْبُ أسفلَ منكُمْ} الأحسنُ في هذه الواو، والواو التي قبلها الداخلة على "هم": أن تكون عاطفة ما بعدها على "أنتُم"؛ لأنَّها مبدَأ تقسيم أحوالهم، وأحوال عدوِّهم ويجوزُ أن يكونا وَاوَي حال، و "أسْفَلَ" منصوبٌ على الظَّرف النَّائب عن الخبرِ، وهو في الحقيقة صفةٌ لظرف مكان محذوفٍ، أي: والرَّكْبُ مكاناً أسفل مِنْ مكانكم. وقرأ زيد بنُ عليٍّ "أسْفَلُ" بالرَّفعِ، على سبيل الاتِّساع، جعل الظرف نفس الركب مبالغةً واتساعاً. وقال مكيٌّ: "وأجاز الفرَّاءُ، والأخفشُ، والكسائي رحمهم الله تعالى "أسْفَلُ" بالرَّفع على تقدير محذوفٍ، أي: موضعُ الرَّكب أسفل"، والتخريجُ الأوَّل أبلغُ في المعنى، والرَّكْبُ: اسمُ جمعٍ لـ "رَاكبٍ" لا جمع تكسرٍ له؛ خلافاً للأخفش؛ كقوله: [الرجز] شعر : 2714 - بَنَيْتُهُ مِنْ عُصْبَةٍ مِنْ ماليَا أخْشَى رُكَيْباً ورُجَيْلاً عَادِيَا تفسير : فصَغَّره على لفظه، ولو كان جمعاً لما صُغِّر على لفظه. قوله "ولكِن ليَقْضِيَ" متعلِّقٌ بمحذوف، أي: ولكن تلاقَيْتُم لِيقْضِي، وقدَّرَ الزمخشريُّ ذلك المحذوف فقال: "أي: ليقضي اللَّهُ أمراً كان واجباً أن يفعل، وهو نصرُ أوليائه وقهرُ أعدائه دبر ذلك"، و "كَانَ" يحتمل أن تكون على بابها من الدلالة على اقتران مضمون الجملة بالزَّمانِ الماضي، وأن تكون بمعنى "صار"، فتدُلَّ على التحوُّلِ، أي: صار مفعولاً بعد أن لم يكن كذلك. قوله "لِيَهْلِكَ" فيه أوجه: أحدها: أنَّهُ بدلٌ من قوله: "ليَقضيَ اللَّهُ" بإعادة العاملِ فيتعلَّق بما تعلَّق به الأول. الثاني: أنَّهُ متعلِّقٌ بقوله "مَفْعُولاً"، أي: فعل هذا الأمر لِكَيْتَ وكَيْتَ. الثالث: أنَّهُ متعلِّق بما تعلَّق به "لِيَقْضِيَ" على سبيل العطفِ عليه بحرفِ عطفٍ محذوف، تقديره: وليهلكَ، فحذف العاطفَ، وهو قليلٌ جدًّا، وتقدَّم التنبيه عليه. الرابع: أنَّهُ متعلِّق بـ "يَقْضِي" ذكره أبُو البقاءِ رحمه الله تعالى. وقرأ الأعمشُ وعصمة عن أبي بكر عن عاصم "لِيَهْلَكَ" بفتح اللاَّمِ، وقياسُ ما مضى هذا "هَلِكَ" بالكسر، والمشهور إنما هو الفتح، قال تعالى: {أية : إِنِ ٱمْرُؤٌ هَلَكَ}تفسير : [النساء: 176] {أية : حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ}تفسير : [غافر: 34]. قوله "مَنْ حَيَّ" قرأ نافعٌ وأبو بكر عن عاصم، والبزيُّ عن ابن كثير بالإظهار والباقون بالإدغام، والإظهارُ والإدغام في هذا النَّوْعِ لغتان مشهورتان، وهو كُلُّ ما آخرُه ياءان من الماضي أولاهما مكسورة؛ نحو: "حَيِيَ، وعَيِيَ"، ومن الإدغام قول المتلمِّس: [الطويل] شعر : 2715 - فَهَذَا أوانُ العِرْضِ حَيَّ ذُبابُه .......................... تفسير : وقال الآخرُ: [مجزوء الكامل] شعر : 2716 - عَيُّوا بأمْرِهِمُ كَمَا عَيَّتْ ببَيْضَتِهَا الحَمَامَهْ تفسير : فأدغم "عَيُّوا"، وينُشدُ "عَيَّتْ، وعَييَتْ" بالإظهارِ والإدغام، فمن أظهر؛ فلأنه الأصلُ ولأن الإدغامَ يُؤدِّي إلى تضعيف حرفِ العلَّةِ، وهو ثقيلٌ في ذاته؛ ولأن الياء الأولى يتعيَّن فيها الإظهارُ في بعض الصُّورِ، وذلك في مضارع هذا الفعل؛ لانقلاب الثَّانية ألفاً في يَحْيَا، ويَعْيَا، فحمل الماضي عليه طرداً للباب؛ ولأنَّ الحركةَ في الثَّانية عارضةٌ؛ لزوالها في نحو: حَيِيتُ، وبابه؛ ولأنَّ الحركتين مختلفتان؛ واختلاف الحركتين كاختلاف الحرفين. قالوا وكذلك: لَحِحَت عينه وضببَ المكان، وألِلَ السِّقاءُ، ومشِشَتْ الدَّابة. قال سيبويه: "أخبرنا بهذه اللُّغةِ يونسُ" يعني بلغة الإظهار. قال: "قد سمعت بعض العرب يقولُ: أحْيِياء، وأحْيِيَة، فيظهر". وإذا لم يدغم مع لزوم الحركةِ فمع عروضها أوْلَى، ومنْ أدغم فلاستثقال ظهور الكسرةِ في حرف يُجانسه؛ ولأنَّ الحركة الثانية لازمةٌ لأنَّهَا حركةُ بناء، ولا يضُرُّ زوالها في نحو: "حَيِيْتُ"، كما لا يَضُرُّ ذلك فيما يجب إدغامُه من الصحيحِ، نحو: حَلَلْتُ وظَللْتُ، وهذا كلَّه فيما كانت حركتُه حركة بناءٍ، ولذلك قُيِّد به الماضي. أمَّا إذا كانت حركة إعراب فالإظهارُ فقط، نحو: لن يُحْيِي ولن يُعْيِيَ. فصل قوله "عَن بيِّنَةٍ" متعلق بـ "يَهْلِكَ" و "يَحْيَا"، والهلاكُ، والحياةُ عبارةٌ عن الإيمان والكفرِ، والمعنى: ليصدرَ كُفْرُ من كفر عن وضوحٍ وبيان، لا عن مُخالطةِ شبهة، وليصدر إسلامُ من أسلم عن وضوحٍ لا عن مُخالطة شبهة. معنى الآية: "إذْ أنتُمْ" أي: اذكرُوا يا معشر المسلمين: {إِذْ أَنتُمْ بالعُدْوةِ الدُّنْيَا} أي: بشفير الوادي الأدنى من المدينة، والدُّنْيَا: تأنيثُ الأدْنَى، "وهُم" يعني: المشركين. "بالعُدُوَةِ القُصْوَى" بشفير الوادي الأقصى من المدينة ممَّا يلي جانب مكَّة، وكان الماءُ في العدوة التي نزل بها المشركون، فكان استظهارهم من هذا الوجه أشد، "والرَّكْبُ" العير التي خرجوا إليها: "أسْفَلَ مِنكُمْ" أي: في موضع أسفل إلى ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر. "ولوْ توَاعَدتُّمْ" أنتم، وأهل مكَّة "لاخْتَلَفْتُمْ" لخالف بعضكم بعضاً لقلتكم، وكثرتهم، أو لأن المسلمين خرجوا ليأخُذُوا العير، وخرج الكفَّارُ ليمنعوها، فالتقوا على غير ميعاد، ولكن الله جمعكم على غير ميعاد ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، لنصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه {لِيَهْلِكَ من هلك عن بَيِّنةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عن بَيِّنَةٍ}. وذلك أن عسكر الرسول صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، كانوا في غاية الضَّعْفِ والخوف بسبب القلَّةِ، وعدم الأهبة، ونزلُوا بعيداً عن الماءِ، وكانت الأرض الَّتي نزلُوا فيها رَمْلاً تغوصُ فيه أرجُلُهُمْ، والكُفَّارُ كانوا في غاية القُوَّةِ، لكثرتهم في العدد والعدة، وكانوا قريباً من الماء وكانت الأرض التي نزلوا فيها صالحة للمضي، والعير كانوا خلف ظهورهم وكانوا يتوقَّعُون مجيء المدد ساعةً فساعةً، ثُمَّ إنَّه تعالى قلب القصَّة، وجعل الغلبة للمسلمين، والدَّمار على الكافرين، فصار ذلك من أعظم المعجزات، وأقوى البيِّنات على صدق محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر. وقوله: {لِيَهْلك من هلك عن بيِّنةٍ} إشارة إلى هذا المعنى، وهو أنَّ الذين هلكوا إنَّما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة، والذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة، والمراد من البيِّنةِ: المعجزة، ثم قال: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: يسمع دعاءكم، ويعلم حاجتكم وضعفكم ويصلح مهمكم. قوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً}. النَّاصب لـ "إذْ" يجوزُ أن يكون مضمراً، أي: اذكُرْ، ويجوزُ أن يكون "عليم"، وفيه بعدٌ من حيث تقييدُ هذه الصفةِ بهذا الوقتِ، ويجوزُ أن تكون "إذْ" هذه بدلاً من "إذْ" قبلها، والإراءة هنا حُلُمية. واختلف فيها النُّحاةُ: هل تتعدَّى في الأصل لواحدٍ كالبصريَّةِ، أو لاثنين، كالظَّنِّيَّة؟. فالجمهورْ على الأوَّلِ. فإذا دخلت همزةُ النَّقْلِ أكسبتْهَا ثانياً، أو ثالثاً على حسب القولين فعلى الأوَّلِ تكون الكافُ مفعولاً أول، و "هُمْ" مفعولٌ ثان، و "قَلِيلاً" حال، وعلى الثَّاني يكون "قَلِيلاً" نصباً على المفعول الثالث، وهذا يَبْطُلُ بجواز حذف الثالث في هذا الباب اقتصاراً، أي: من غير دليل تقول: أراني الله زيداً في مَنَامِي، ورأيتك في النوم، ولو كانت تتعدَّى لثلاثةٍ، لما حُذفَ اقتصاراً؛ لأنه خبر في الأصل. فصل المعنى: إذْ يريك اللَّهُ يا محمد المشركين في منامك، أي: نَوْمك. قال مجاهد: أرَى الله النبي - عليه الصَّلاة والسَّلام - كفار قريش في منامه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه، فقالوا: رُؤيَا النَّبي حق، القومُ قليل، فصار ذلك سبباً لقوَّةِ قلوبهم. فإن قيل: رؤية الكثير قليلاً غلط، فكيف يجوزُ من اللَّه تعالى أن يفعل ذلك؟. فالجوابُ: أنَّ الله تعالى يفعلُ ما يشاءُ، ويحكم ما يريدُ، ولعلَّه تعالى أراه البعض دون البعض فحكم الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون. وقال الحسنُ: هذه الإراءة كانت في اليقظة، قال: والمراد من المنامِ: العين؛ لانَّها موضع النَّوْمِ. {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ} لجبنتم "ولتنَازَعْتُمْ" اختلفتم "فِي الأمْرِ" أي: في الإحجام والإقدام {ولـكنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} أي: سَلَّمكُم من المخالفة والفشل. وقيل: سلَّمهم من الهزيمة يوم بدر. {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. قال ابنُ عبَّاسٍ: عليم بما في صدوركم من الحُبِّ لِلَّهِ تعالى وقيل: يعلم ما في صدوركم من الجراءة، والجُبن والصَّبر والجزع. قوله تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُهُمْ} الإراءةُ - هنا - بصرية، والإتيان هنا بصلة ميم الجمع واجبٌ، لاتصالها بضمير، ولا يجوزُ التَّسكينُ، ولا الضَّمُّ من غير واوٍ، وقد جوَّز يونس ذلك فيقول: "أنْتُم ضرَبْتُمهُ" بتسكين الميم وضمها، وقد يتقوَّى بما روي عن عثمان - رضي الله عنه -: "أراهُمُنِي الباطِلُ شَيْطَاناً" وفي هذا الكلام شذوذ من وجهٍ آخر، وهو تقديمُ الضمير غير الأخصِّ على الأخصِّ مع الاتصال. فصل قال مقاتل - رضي الله عنه - "حديث : إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، رأى في المنام أنَّ العدد قليلٌ قبل لقاء العدو، وأخبر أصحابه بِمَا رأى، فلمَّا التقوا ببدر قلَّل اللَّهُ المشركين في أعين المؤمنين ". تفسير : قال ابنُ مسعودٍ: "لقد قللُوا في أعيننا حتى قلتُ لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال أراهم مائة، فأسرنا رجلاً منهم فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفاً". "ويُقَلِّلُكُمْ" يا معشر المؤمنين "فِي أعينهم". قال السُّدي: "قال ناسٌ من المشركين إنَّ العير قد انصرفت، فارجعُوا، فقال أبو جهلٍ: الآن إذ برز لكم محمدٌ وأصحابه؟ فلا ترجعوا، حتَّى تستأصلوهم، إنَّما محمدٌ وأصحابه أكلة جزور، فلا تقتلوهم واربطوهم بالحبال"، والحكمة في تقليل عدد المشركين في أعين المؤمنين: تصديق رُؤيَا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتقوى قلوبهم، وتزداد جراءتهم على المشركين، والحكمة في تقليل عدد المؤمنين في أعينِ المشركين: لئلاَّ يُبالغُوا في الاستعداد والتأهُّب والحذر، فيصيرُ ذلك سَبَباً لاستيلاء المؤمنين عليهم. ثم قال: {لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}. فإن قيل: ذكرُ هذا يفْهَمُ من الآية المتقدمة، فكان ذكره - ههنا - محض التكرار. فالجوابُ: أنَّ المقصودَ من ذكره في الآية المتقدمة، هو أنَّهُ تعالى فعل تلك الأفعال ليحصل استيلاء المؤمنين على المشركين على وجه يكون معجزة دالَّة على صدق الرسول وههنا المقصود من ذكره، أنه إنَّما فعل ذلك، لئلاَّ يبالغ الكفار في الاستعداد والحذر فيصيرُ ذلك سَبَباً لانكسارهم. ثمَّ قال {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} والغرضُ منه التَّنبيه على أنَّ أحوال الدُّنْيَا غير مقصودة لذاتها، بل المراد منها ما يصلحُ أن يكون زاداً ليوم المعاد.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير: فإذا أعانكم مولاكم عليهم وغلبتموهم وغنمتم فيه فلا تنسبوا إلى أنفسكم فعلاً، بل اعلموا أنه هو الفاعل وحده لأن جميع الأفعال متلاشية بالنسبة إلى فعله فلا تتنازعوا في المغنم تنازع من أخذه بقوته وحازه بقدرته، عطف عليه قوله: {واعلموا} ابتداء بهذا الأمر إشارة إلى أن ما بعدها من المهمات ليبذلوا الجهد في تفريغ أذهانهم لوعيه وتنزيله منازله ورعيه {أنَّما} أي الذي {غنمتم} الغنيمة لغة: الفوز بالشيء، وشرعاً ما دخل في أيدي الملسمين من مال الكفار قهراً بالخيل والركاب، وزاد في التعميم حتى لأقل ما يمكن بقوله: {من شيء} أي حتى الخيط والمخيط فإنه كله له، لأنه الناصر وحده وإنما أنتم آلة لا قدرة لكم على مقاومة الأعداء لأنهم جميع أهل الأرض ولا نسبة لكم منهم في عدد ولا قوة أصلاً، فالجاري على منهاج العدل المتعارف عندكم أن يأخذه كله ولا يمكنكم من شيء منه كما كان فيمن قبلكم، يعزل فتنزل نار من السماء فتأكله، ولكنه سبحانه - علم ضعفكم فمنّ عليكم به ورضي منكم منه بالخمس فسماه لنفسه ورده عليكم، وهو معنى قوله: {فأن لله} أي الذي له كل شيء {خمسه}. ولما كان من المعلوم أن الله تعالى أجلّ من أن يناله نفع أو ضر، كان من المعلوم أن ذكر اسمه سبحانه إنما هو للإعلام بأن إسلام هذا الخمس والتخلي عنه لا حظ للنفس فيه، وإنما هو لمحض الدين تقرباً إليه سبحانه، فذكر مصرفه بقوله: {وللرسول} أي يصرف إليه خمس هذا الخمس ما دام حياً ليصرفه في مصالح المسلمين،ويصرف بعده إلى القائم مقامه، يفعل فيه ما كان صلى الله عليه وسلم يفعله {ولذي القربى} أي من الرسول، وهم الآل الذين تحرم عليهم الزكاة: بنو هاشم وبنو المطلب {واليتامى} أي لضعفهم {والمساكين} لعجزهم {وابن السبيل} أي المسافر لأن الأسفار مظنات الافتقار، فالحاصل أنه سبحانه لم يرزأكم من المغنم شيئاً، فاعرفوا فضله عليكم أولاً بالإنعام بالنصر، وثانياً بحل المغنم، وثالثاً بالإمكان من الأربعة الأخماس، ورابعاً برد الخمس الخامس فيكم، فاشتعلوا بشكره فضلاً عن أن تغفلوا عن ذلك فضلاً عن أن تتوهموا أن بكم فعلاً تستحقون به شيئاً فضلاً عن أن تفعلوا من المنازعة في المغنم فعل القاطع بالاستحقاق، اعلموا ذلك كله علم المصدق المؤمن المذعن لما علم لتنشأ عنه ثمرة العمل {إن كنتم} صادقين في أنكم { آمنتم بالله} أي الذي لا أمر لأحد معه {وما} أي وبالذي {أنزلنا} أي إنزالاً واحداً سريعاً لأجل التفريج عنكم من القرآن والجنود والسكينة في قلوبكم وغير ذلك مما تقدم وصفه {على عبدنا} أي الذي يرى دائماً أن الأفعال كلها لنا فلا ينسب لنفسه شيئاً إلا بنا {يوم الفرقان} أي يوم بدر الذي جعلنا لكم فيه عزاً ينفذ به أقوالكم وأفعالكم في فصل الأمور. ولما وصفه سبحانه بالفرقان تذكيراً لهم بالنعمة، بينه بما صور حالهم إتماماً لذلك - أو أبدل منه - فقال: {يوم التقى} أي عن غير قصد من الفريقين بل بمحض تدبير الله {الجمعان} أي اللذان أحدهما أنتم وكنتم حين الترائي - لولا فضلنا - قاطعين بالموت، وثانيهما أعداؤكم وكانوا على اليقين بأنكم في قبضتهم، وذلك هو الجاري على مناهج العوائد، ولو قيل: يوم بدر، لم يفد هذه الفوائد. ولما كان انعكاس الأمر في النصر محل عجب، ختم الآية بقوله: {والله على كل شيء} أي من نصر القليل على الكثير وعكسه وغير ذلك من جميع الأمور {قدير*} فكان ختمها بذلك كاشفاً للسر ومزيلاً للعجب ومبيناً أن ما فعل هو الجاري على سنن سنته المطرد في قديم عادته عند من يعلم أيامه الماضية في جميع الأعصر الخالية. ولما ذكر لهم يوم ملتقاهم، صور لهم حالتهم الموضحة للأمر المبينة لما كانوا فيه من اعترافهم بالعجز تذكيراً لهم بذلك ردعاً عن المنازعة ورداً إلى المطاوعة فقال مبدلاً من {يوم الفرقان} {إذ أنتم} نزول {بالعدوة الدنيا} أي القربى إلى المدينة {وهم} أي المشركون نزول {بالعدوة القصوى} أي البعدى منها القريبة إلى البحر، والقياس قلب واوه ياء، وقد جاء كذلك إلا أن هذا أكثر كما كثر استصوب وقلّ استصاب، والعدوة - بالكسر في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب، وبالضم في قراءة غيرهم: جانب الوادي وشطه، ومادتها - بأي ترتيب كان - تدور على الاضطراب ويلزمه المجاورة والسكون والإقبال والرجوع والاستباق والمحل القابل لذلك، فكأنها الموضع الذي علا عن محل فكان السيل موضعاً للعدو {والركب} أي العير الذي فيه المتجر الذي خرجتم لاقتطاعه ورئيس جماعته أبو سفيان، ونصب على الظرف قوله: {أسفل منكم} أي أيها الجمعان إلى جانب البحر على مدى من قرية تكادون تقعون عليه وتمدون أيديكم إليه مسافة ثلاثة أميال - كما قال البغوي، وهو كان قصدهم وسؤلكم، فلو كانت لكم قوة على طرقه لبادرتم إلى الطرف وغالبتم عليه الحتف، ولكن منعكم من إدراك مأمولكم منه من كان جاثماً بتلك العدوة جثوم الأسد واثقاً بما هو فيه من القوى والعدد كما قال صلى الله عليه وسلم لسلمة بن سلامة بن وقش رضي الله عنه - لما قال في تحقيرهم بعد قتلهم وتدميرهم: إن وجدنا إلا عجائز صلعاً، ما هو إلا أن لقيناهم فمنحونا أكتافهم - جواباً له " حديث : أولئك يا ابن أخي الملأ لو رأيتهم لهبتهم ولو أمروك لأطعتهم" تفسير : مع استضعافكم لأنفسكم عن مقاومتهم لولا رسولنا يبشركم وجنودنا تثبتكم، وإلى مثل هذه المعاني أشار تصوير مكانهم ومكان الركب أيماء إلى ما كان فيه العدو من قوة الشوكة وتكامل العدة وتمهد أسباب الغلبة وضعف حال المسلمين وأن ظفرهم في مثل هذا الحال ليس إلا صنعاً من الله، وما في البيضاوي تبعاً للكشاف من أن العدوة الدنيا كانت تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها تقدم رده أول السورة بأن المشهور في صحيح مسلم والسير وغيرها أن المؤمنين هم السابقون إلى الماء، وأن جميع أرض ذلك المكان كانت رملاً تسوخ فيه الأقدام، فأتى المسلمين به من المطر ما لبد لهم الأرض، وأتى المشركين منه ما لم يقدروا معه على الحركة {ولو تواعدتم} أي أنتم وهم على الموافاة إلى تلك المواضع في آن واحد {لاختلفتم في الميعاد} أي لأن العادة قاضية بذلك لأمرين: أحدهما بعد المسافة التي كنتم بها منها وتعذر توقيت سير كل فريق بسير صاحبه، والثاني كراهتكم للقائهم لما وقر في أنفسهم من قوتهم وضعفكم، وقد كان الذي كرّه إليكم لقاءكم قادر على أن يكره إليهم لقاءكم، فيقع الاختلاف من جهتهم كما كان في بدر الموعد، وأما في هذه الغزوة فدعاهم من حماية غيرهم داع لم يستطيعوا التخلف معه، وطمس الله بصائرهم وقسى قلوبهم مع قول أبي جهل الذي كان السبب الأعظم في اللقاء لمن عرض عليه المدد بالسلاح والرجال: إن كنا نقاتل الناس فما بنا ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل - كما يزعم محمد - الله فما لأحد بالله من طاقة، وقوله أيضاً في هذه الغزوة للأخنس بن شريق: إن محمداً صادق وما كذب قط، فعل الله ذلك لما علم في ملاقاتهم لكم من إعلاء كلمته وإظهار دينه {ولكن} أي دبر ذلك سبحانه حتى توافيتم إلى موطن اللقاء كلكم في يوم واحد من غير ميعاد ولم تختلفوا في موافاة ذلك الموضع مع خروج ذلك عن العادة لكونه أتقن أسبابه، فأطمعكم في العير أولاً مع ما أنتم فيه من الحاجة ثم وعدكم إحدى الطائفتين مبهماً وأخرج قريشاً لحماية عيرهم إخراجاً لم يجدوا منه بداً، ولما نجت عيرهم أوردهم الرياء والسمعة والبطر بما هم فيه من الكثرة والقوة كما قال أبو جهل: لا نرجع حتى نرد بدراً فننحر بها الجزور ونشرب الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم من حضرنا من العرب فلا يزالون يهابوننا مدى الزمان - {ليقضي الله} أي الذي له جميع الأمر من إعزاز دينه بإعرازكم زإذلالهم {أمراً كان} كما تكون الجبلات والطبائع في التمكن والتمام {مفعولاً} أي مقدراً في الأزل من لقائهم وما وقع فيه من قتلهم وأسرهم على ذلك الوجه العظيم فهو مفعول لا محالة ليتبين به أيمان من آمن باعتماده على الله وتصديقه بموعده وكفر من كفر. ولما علل ذلك التدبير في اللقاء بقوله: {ليقضي الله} علل تلك العلة بقوله: {ليهلك} أي لعد رؤية ذلك القضاء الخارق للعادة {من هلك} أي من الفريقين: الكفار في حالة القتال وبعدها، والمسلمين هلاكاً متجاوزاً وناشئاً {عن} حالة {بينة} لما بان من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الوقعة في كل ما وعد به وكذب الكفار في كل ما كانوا يقولونه قاطعين به مع أن ظاهر الحال يقضي لهم، فكان ذلك من أعظم المعجزات {ويحيى من حيّ} أي بالإسلام حياة هي في أعلى الكمال بما تشير إليه قراءة نافع والبزي عن ابن كثير وأبي بكر عن عاصم بإظهار الياءين، أو في أدنى الكمال بما يشيرإليه إدغام الباقين تخفيفاً حياة متجاوزة وناشئة {عن} حالة {بينة} أي كائنة بعد البيان في كون الكافرين على باطل والمؤمنين على حق لما سيأتي من أنهم كانوا يقولون{أية : غر هؤلاء دينهم} تفسير : [الأنفال: 49] فحينئذ تبين المغرور وكشفت عجائب المقدور عن أعين القلوب المستور. ولما كان التقدير: فإن الله في فعل ذلك لعزير حكيم، عطف عليه قوله: {وإن الله لسميع} أي لما كنتم تقولونه وغيره {عليم*} بما كنتم تضمرونه وغيره فاستكينوا لعظمته وارجعوا عن منازعتكم لخشيته، ثم أتم سبحانه تصوير حالتهم بقوله مبيناً ما أشار إليه من لطف تدبره: {إذ} أي اذكر إذ أردت علم ذلك حين {يريكهم الله} أي الذي له صفات الكمال فهو يفعل ما يشاء {في منامك قليلاً} تأكيداً لما تقدم إعلامه به من أن المصادمة - فضلاً عما نشأ عنها - ما كان إلا منه وأنهم كانوا كالآلة التي لا اختيار لها، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رآهم في منامه قليلاً فحدث أصحاب رضي الله عنهم بذلك فاطمأنت قلوبهم وشجعهم ذلك؛ وعين ما كان يحصل من الفساد لولا ذلك فقال: {ولو أراكهم } أي في منامك أو غيره {كثيراً}. ولما كان الإخبار بعد الوقعة بضد ما وقع فيها مما يقتضي طبع البشر التوقف فيه، أكد قوله: {لفشلتم} أي جبنتم {ولتنازعتم} أي اختلفتم فنزع كل واحد منزعاً خلاف منزع صاحبه {في الأمر} أي فوهنتم فزادكم ذلك ضعفاً وكراهة للقائهم {ولكن الله} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً {سلم} أي ولكن لم يركهم كذلك فحصلت السلامة عما كان يتسبب عنها من النكوص، ثم بين العلة في ترتيبه ذلك وإخباره بهذا الأمر المفروض بقوله: {إنه عليم} أي بالغ العلم {بذات الصدور*} أي ضمائرها من الجراءة والجبن وغيرهما قبل خطورها في القلوب. ولما بين ما نشأ عن رؤيته صلى الله عليه والسلم من قلتهم وما كان ينشأ عن رؤيته الكثرة لو وقعت، لأنه صلى الله عليه وسلم - لما هو عليه من النصيحة والشفقة - كان يخبرهم بما رأى كما أخبرهم في غزوة أحد بالبقر المذبحة؛ أتبعه ما فعل من اللطف في رؤيتهم بأنفسهم يقظة فقال: {وإذ} أي واذكروا أيضاً إذ {يريكموهم} أي يبصركم أياهم {إذ} أي حين {التقيتم} ونبه على أن الرؤية ليست على حقيقة ما هم عليه بقوله: {في أعينكم} أي لا في نفس الأمر حال كونهم {قليلاً} أي عددهم يسيراً أمرهم مصدقاً لما أخبركم به النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤياه لتجترئوا عليهم؛ روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلاً منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً، قال الحرالي في آل عمران: فجعل القليل وصفاً لهم لازماً ثابتاً دائماً عليهم بما أوجب فيهم من نقص ذواتهم بخفاء فطرتهم وما وراء خلق الفطرة من الذوات، قال تعالى: {ويقللكم} صيغة فعل واقع وقت لا وصفاً لهم من حيث إنه لو أراهم أياهم على الإراءة الحقيقية لزادهم مضاعفين بالعشر، فكانوا يرونهم ثلاثة آلاف ومائتين وثلاثين - انتهى. {في أعينهم} قبل اللقاء ليجترئوا على مصادمتكم حتى قال أبو جهل: إنما هم أكلة جزور، ثم كثركم في أعينهم حين المصادفة حتى انهزموا حين فاجأتهم الكثرة فظنوا الظنون؛ قال الحرالي: قللهم حين لم يرهم أياهم على الإراءة - الحقيقية العشرية، ولا أراهم أياهم على الصورة الحسية؛ فكان ذلك أية للمؤمنين على قراءة ياء الغائب - أي في آل عمران - وكانت آية للكفار على قراءة {ترونهم} - بتاء الخطاب، فكان في ذلك في إظهار الإراءة في اعين الفئتين نحو مما كان من الإراءتين الواقعة بين موسى عليه السلام والسحرة في أن موسى عليه السلام ومن معه خيل إليهم من سحرهم أنها تسعى وأن فرعون ومن معه رأوا ثعباناً مبيناً يلقف ما يأفكون رؤية حقيقة، فتناسب ما بين الأيات الماضية القائمة لهذه الآية بوجه ما، وكان هذه الآية أشرف وألطف بما هي في مدافعة بغير آلة من عصى ولا حبل في ذوات الفئتين وإحساسهم - انتهى. ولما ذكر ما أحاله سبحانه من إحساس الفئتين، علله بقوله: {ليقضي الله} أي الذي له العزة البالغة والحكمة الباهرة من نصركم وخذلانهم بأن تفاجئهم كثرتكم بعد رؤيتكم قليلاً فيشجعهم ذلك، ويهزمهم {أمراً كان مفعولاً} أي من إعجالهم - بما فجعهم من الكثرة بعد القلة - عن الحذر والاستعداد لذلك وبما فعل بأيديكم في هذه الغزوة من القتل والأسر والهزيمة المثمر لذل جميع أهل الكفر، كان مقدراً في الأزل فلا بد من وقوعه على ما حده لأنه لا راد لأمره ولا يبدل القول لديه، فعل ذلك كله وحده. ولما كان التقدير: فبيده سبحانه ابتداء الأمور بتقديره أياها في الأزل لا بيد أحد غيره، عطف عليه قوله: {وإلى الله } أي الملك الأعلى الذي بيده وحده كل أمر {ترجع الأمور*} أي كلها فلا ينفذ إلا ما يريد إنفاذه، فلا تجري الأمور على ما يظنه العباد، وهو من قولك: هذا الأمر راجع إليك، أي مهما أردته فيه مضى، ولو فرض أن غيرك عالجه لم يؤثر فيه؛ ولا يزال كذلك حتى يرجع إليك فيمضي، فالحاصل أن فيه قوة الرجوع بهذا الاعتبار وإن لم يكن هناك رجوع بالفعل، وفي هذا تنبيه على أن أمور الدنيا غير مقصودة لذواتها، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً ليوم المعاد، ولما تقرر ذلك وتم على هذا السبيل الأحكم والمنهاج الأقوم، كان علة لمضمون قوله: {يا أيها الذين آمنوا} الآيتين، فكانتا نتيجته، لأنه إذا علم أن الأمر كله له ولا أثر لقلة ولا كثرة أثمر لمن هو في أدنى درجات الإيمان فضلاً عن غيره قلة المبالاة بالظالمين وإن تجاوزت قواهم الحد، وزادوا كثرة على العد، والآيتان تذكّرانهم بحالتهم التي أوجبت نصرهم ليلزموها في كل معترك ولا يتنازعوا كما تنازعوا في المغنم {إذا لقيتم} أي قاتلتم لأن اللقاء اسم للقتال غالب {فئة} أي طائفة مستحقة للقتال كما أغنى عن وصفها بذلك وصفهم بالإيمان {فاثبتوا} أي في لقائها بقتالها كما ثبتم في بدر ولا تحدثوا أنفسكم بفرار {واذكروا الله} أي الذي له كل كمال فكل شيء يطلب فهو عنده يوجد {كثيراً} أي كما صنعتم ثَمَّ، لأن ذلك أمارة الصدق في الاعتماد عليه وحده، وذلك موجب للنصر لا محالة كما في الحديث القدسي "حديث : إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه " تفسير : ولما أمر بذلك، علله بأداة الترجي، ليكون أدل على أنه سبحانه لا يجب عليه شيء فيكون للإيمان فقال: {لعلكم تفلحون*} أي لتكونوا على رجاء من الفلاح وهو الظفر بالمراد من النصر والأجر وكما كنتم إذ ذاك {وأطيعوا الله} أي الذي له الغنى المطلق فلا يقبل إلا الخالص والكمال الأكمل فلا يفعل إلا ما يريد {ورسوله} أي في الإقدام والإحجام لجهلكم بالعواقب، وتلك الطاعة أمارة إخلاصكم في الذكر {ولا تنازعوا} بأن يريد كل واحد نزع مال صاحبه من رأي وغيره وإثبات ما له، وأشار إلى عظيم ضرر التنازع ببيان ثمرته المرة فقال؛ {فتفشلوا} أي تضعفوا؛ قال في القاموس: فشل كفرح، فهو فشل، كسل وضعف وتراخي وجبن - انتهى. والمادة راجعة إلى الفيشلة وهي الحشفة، ومن لازمها الرخاوة وينشأ عن الرخاوة الجبن مع الصلف والخفة والطيش. ولما كان الفشل ربما كان معه الظفر لفشل في العدو أكثر منه أو غير ذلك، عطف ما يلزمه غالباً بالواو دون الفاء فقال: {وتذهب ريحكم} أي غلبتكم وقوتكم، وأصله أن الريح إذا كانت في الحرب من جهة صف كانت في وجوه أعدائهم فمنعتهم بما يريدون فخذلوا فصارت كأنها قوة من أتت من عنده، فصارت يكنى بها عنها؛ ثم ختم هذه الأسباب بالجامع لشملها الناظم لمقاصد أهلها فقال؛ {واصبروا} أي على ما يكون من تلك المشاق فإنكم إن تكونوا تألمون فإن أعداءكم كذلك، وأنتم ترجون من الله ما لا يرجون؛ ثم علله بما يكون النصر في الحقيقة فقال: {إن الله} أي الميحط بصفات الكمال {مع الصابرين*} أي لأنهم لا يصبرون إلا اعتماداً عليه، ومن كان معه عز، وهذه الجملة فيها - كما قال الإمام شمس الدين محمد بن قيم الجوزية في آخر كتاب الفروسية المحمدية - تدبير الحروب أحسن جمع على أتم وجه، فأمر فيها بخمسة أشياء ما اجتمعت قط في فئة إلا انتصرت وإن قلت في جنب عدوها، وخامسها ملاك ذلك وقوامه وأساسه وهو الصبر، فعلى هذه الدعائم الخمس تبنى قبة النصر، ومتى زالت أو بعضها زال من النصر بحسبه، وإذا اجمتعت قوى بعضها بعضاً وصار لها أثر عظيم، لما اجتمعت في الصحابة رضي الله عنهم لم تقم لهم أمة من الأمم، ففتحوا البلاد شرقاً وغرباً ودانت لهم العباد سلماً وحرباً، ولما تفرقت فيمن بعدهم وضعفت آل الأمر قليلاً قليلاً إلى ما ترى - فلا قوة إلا بالله، والجامع لذلك كله طاعة الله ورسوله فإنها موجبة لتأييد المطيع بقوة من هو في طاعته، وذلك سر قول أبي الدرداء رضي الله عنه الذي رواه البخاري في باب "عمل صالح قبل القتال": إنما تقاتلون الناس بأعمالكم؛ وهو شرع قديم، قال في أثناء السفر الخامس من التوارة: وإن أنتم سمعتم قول الله ربكم وتحفظتم وعملتم بكل هذه الوصية التي آمركم بها اليوم يبارك عليكم الله ربكم كما قال لكم، وترزقون إن تقرضوا شعوباً كثيرة ولا تقرضون، وتسلطون على شعوب كثيرة ولا يتسلطون عليكم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: ثم وضع مقاسم الفيء واعلمه. قال {واعلموا أنما غنمتم من شيء} بعد الذي مضى من بدر {فأن لله خمسه وللرسول...} إلى آخر الآية. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {واعلموا أنما غنمتم من شيء} قال: المخيط من شيء. وأخرج ابن المنذر عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال: إنما المال ثلاثة: مغنم، أو فيء، أو صدقة. فليس فيه درهم إلا بين الله موضعه. قال في المغنم {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله} تحرجاً عليهم، وقال في الفيء {أية : كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم} تفسير : [الحشر: 7] وقال في الصدقة {أية : فريضة من الله والله عليم حكيم} تفسير : [التوبة : 60]. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم عن قيس بن مسلم الجدلي قال: سألت الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب بن الحنفية عن قول الله {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} قال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة {وللرسول ولذي القربى} فاختلفوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين السهمين. قال قائل: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة، وقال قائل: سهم النبي للخليفة من بعده. واجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله تعالى، فكان كذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرأ {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} قال: قوله {فأن لله خمسه} مفتاح كلام {أية : لله ما في السموات وما في الأرض} تفسير : [البقرة: 284] فجعل الله سهم الله والرسول واحداً {ولذي القربى} فجعل هذين السهمين قوّة في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطيه غيره، وجعل الأربعة أسهم الباقية، للفرس سهمين، ولراكبه سهم، وللراجل سهم. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فأن لله خمسه} يقول: هو لله، ثم قسم الخمس خمسة أخماس {وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس. فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس، فربع لله ولرسوله ولذي القربى - يعني قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - فما كان لله وللرسول، فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ النبي من الخمس شيئاً، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل، وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله {واعلموا أنما غنمتم من شيء...} الآية. قال: كان يجاء بالغنيمة فتوضع، فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم، فيعزل سهماً منه ويقسم أربعة أسهم بين الناس - يعني لمن شهد الوقعة - ثم يضرب بيده في جميع السهم الذي عزله، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، فهو الذي سمى لله تعالى: لا تجعلوا لله نصيباً، فإن لله الدنيا والآخرة، ثم يعمد إلى بقية السهم فيقسمه على خمسة أسهم. سهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {واعلموا أنما غنمتم من شيء...} قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وذو قرابته لا يأكلون من الصدقات شيئاً لا يحل لهم، فللنبي صلى الله عليه وسلم خمس الخمس، ولذي قراباته خمس الخمس، ولليتامى مثل ذلك، وللمساكين مثل ذلك، ولابن السبيل مثل ذلك. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال: كان سهم النبي صلى الله عليه وسلم يدعى الصفى، إن شاء عبداً وإن شاء فرساً، يختاره قبل الخمس، ويضرب له بسهمه ان شهد وإن غاب، وكانت صفية ابنة حيي من الصفى. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في الآية قال: خمس الله والرسول واحد، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل فيه ويصنع فيه ما شاء الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن مطعم رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول شيئاً من الأرض أو وبرة من بعير فقال: والذي نفسي بيده مالي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم ". تفسير : وأخرج ابن المنذر من طريق أبي مالك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ما افتتح على خمسة أخماس. فأربعة منها لمن شهده، ويأخذ الخمس خمس الله فيقسمه على ستة أسهم. فسهم لله، وسهم للرسول، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل سهم الله في السلاح والكراع وفي سبيل الله، وفي كسوة الكعبة وطيبها وما تحتاج إليه الكعبة، ويجعل سهم الرسول في الكراع والسلاح ونفقة أهله، وسهم ذي القربى لقرابته، يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم مع سهمهم مع البأس، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم، يضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن شاء وحيث شاء، ليس لبني عبد المطلب في هذه الثلاثة إلا سهم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم سهمه مع سهام الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن حسين المعلم قال: سألت عبد الله بن بريدة رضي الله عنه في قوله {فأن لله خمسه وللرسول} قال: الذي لله لنبيه، والذي للرسول لأزواجه. وأخرج ابن أبي شيبة عن السدي رضي الله عنه {ولذي القربى} قال: هم بنو عبد المطلب. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما. إن نجدة كتب إليه يسأله عن ذوي القربى الذين ذكر الله، فكتب إليه: انا كنا نرى أناهم، فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلها ذوو قربى. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما. أن نجدة الحروري أرسل إليه يسأله عن سهم ذي القربى الذين ذكر الله، فكتب إليه: إنا كنا نرى اناهم، فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: ويقول: لمن تراه. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو لقربى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قسمه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان عمر رضي الله عنه عرض علينا من ذلك عرضاً رأينا دون حقنا. فرددناه عليه وأبينا أن نقبله، وكان عرض عليهم أن يعين ناكحهم، وأن يقضي عن غارمهم، وأن يعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك. وأخرج ابن المنذر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سألت علياً رضي الله عنه فقلت: يا أمير المؤمنين، أخبرني كيف كان صنع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الخمس نصيبكم؟ فقال: أما أبو بكر رضي الله عنه فلم تكن في ولايته أخماس، وأما عمر رضي الله عنه فلم يزل يدفعه إليّ في كل خمس حتى كان خمس السوس وجند نيسابور. فقال وأنا عنده: هذا نصيبكم أهل البيت من الخمس، وقد أحل ببعض المسلمين واشتدت حاجتهم فقلت: نعم. فوثب العباس بن عبد المطلب فقال: لا تعرض في الذي لنا. فقلت: ألسنا أحق من المسلمين وشفع أمير المؤمنين؟ فقبضه، فوالله ما قبضناه ولا صدرت عليه في ولاية عثمان رضي الله عنه، ثم أنشأ علي رضي الله عنه يحدث فقال: إن الله حرم الصدقة على رسوله فعوضه سهماً من الخمس عوضاً عما حرم عليه، وحرمها على أهل بيته خاصة دون أمته فضرب لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهماً عوضاً مما حرم عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رغبت لكم عن غسالة الأيدي، لأن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم ". تفسير : وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن الزهري وعبد الله بن أبي بكر" أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب". وأخرج ابن أبي شيبة عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قالحديث : " قسم رسول الله سهم ذي القربى على بني هاشم وبني المطلب، قال: فمشيت أنا وعثمان بن عفان حتى دخلنا عليه، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء اخوانك من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، أرأيت اخواننا من بني المطلب، أعطيتهم دوننا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة في النسب؟ فقال: إنهم لم يفارقونا في الجاهلية والإِسلام" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: آل محمد صلى الله عليه وسلم الذين أعطوا الخمس. آل علي، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان آل محمد لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {واعلموا أنما غنمتم من شيء} يعني من المشركين {فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} يعني قرابة النبي صلى الله عليه وسلم {واليتامى والمساكين وابن السبيل} يعني الضيف، وكان المسلمون إذا غنموا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أخرجوا خُمْسَهُ فيجعلون ذلك الخمس الواحد أربعة أرباع، فربعه لله وللرسول ولقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، فما كان لله فهو للرسول والقرابة وكان للنبي صلى الله عليه وسلم نصيب رجل من القرابة، والربع الثاني للنبي صلى الله عليه وسلم، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل، ويعمدون إلى التي بقيت فيقسمونها على سهمانهم، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم رد أبو بكر رضي الله تعالى عنه نصيب القرابة، فجعل يحمل به في سبيل الله تعالى، وبقي نصيب اليتامى والمساكين وابن السبيل. وأخرج ابن أبي شيبة والبغوي وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان حديث : عن رجل من بلقين عن ابن عم له قال: قلت: يا رسول الله، ما تقول في هذا المال؟ قال "لله خمسه، وأربعة أخماسه لهؤلاء - يعني المسلمين - قلت: فهل أحد أحق به من أحد؟ قال: لا، ولو انتزعت سهماً من جنبك لم تكن بأحق به من أخيك المسلم" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل قبل أن تنزل فريضة الخمس في المغنم، فلما نزلت {واعلموا أنما غنمتم من شيء...} الآية. ترك التنفل وجعل ذلك في خمس الخمس، وهو سهم الله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم". وأخرج ابن أبي شيبة عن مالك بن عبد الله الحنفي رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند عثمان رضي الله عنه قال: من ههنا من أهل الشام؟ فقمت؟ فقال: أبلغ معاوية إذا غنم غنيمة أن يأخذ خمسة أسهم فيكتب على كل سهم منها: لله ثم ليقرع فحيثما خرج منها فليأخذه. وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي رضي الله عنه {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} قال: سهم الله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم واحد. وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: في المغنم خمس لله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم بالصفى، كان يصطفى له في المغنم خير رأس من السبي إن سبي وإلا غيره، ثم يخرج الخمس، ثم يضرب له بسهمه شهد أو غاب مع المسلمين بعد الصفى. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن السائب رضي الله عنه. أنه سئل عن قوله {واعلموا أنما غنمتم من شيء} وقوله {أية : ما أفاء الله على رسوله} تفسير : [الحشر: 7] ما الفيء، وما الغنيمة؟ قال: إذا ظهر المسلمون على المشركين وعلى أرضهم فأخذوهم عنوة، فما أخذوا من مال ظهروا عليه فهو غنيمة، وأما الأرض: فهو فيء. وأخرج ابن أبي شيبة عن سفيان قال: الغنيمة ما أصاب المسلمون عنوة، فهو لمن سمى الله وأربعة أخماس لمن شهدها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه أنه سئل: كيف كان رسول الله يصنع في الخمس؟ قال: كان يحمل الرجل سهماً في سبيل الله، ثم الرجل، ثم الرجل. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم شيء واحد في المغنم يصطفيه لنفسه، أما خادم واما فرس، ثم نصيبه بعد ذلك من الخمس. وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سلمنا الأنفال لله ورسوله، ولم يخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً، ونزلت بعد {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين الخمس فيما كان من كل غنيمة بعد بدر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا توليني ما خصنا الله به من الخمس؟ فولانيه. وأخرج الحاكم وصححه عن علي رضي الله عنه قال: ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس، فوضعته مواضعه حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مكحول رضي الله عنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا سهم من الخيل إلا لفرسين، وإن كان معه ألف فرس إذا دخل بها أرض العدوّ، قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر للفارس سهمين وللراجل سهم ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله عنهما "ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفارس سهمين، وللراجل سهما". وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه. أوصى بالخمس وقال: أوصي بما رضي الله به لنفسه، ثم قال {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأَن لله خمسه} . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل رضي الله عنه في قوله {إن كنتم آمنتم بالله} يقول: أقرُّوا بحكمي {وما أنزلنا على عبدنا} يقول: وما أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم في القسمة {يوم الفرقان} يوم بدر {يوم التقى الجمعان} جمع المسلمين وجمع المشركين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يوم الفرقان} قال: هو يوم بدر، وبدر: ماء بين مكة والمدينة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يوم الفرقان} قال: هو يوم بدر، فرق الله بين الحق والباطل. وأخرج سعيد بن منصور ومحمد بن نصر والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله {يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} قال: كانت بدر لسبع عشرة مضت من شهر رمضان. وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة، لسبع عشرة مضت من رمضان. وأخرج ابن جرير عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة مضت من رمضان. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل في آي من القرآن، فكان أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً، وكان رئيس المشركين يومئذ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فالتقوا يوم الجمعة ببدر لسبع أو ست عشرة ليلة مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً، والمشركون بين الألف والتسعمائة، وكان ذلك يوم الفرقان: يوم فرق الله بين الحق والباطل، فكان أول قتيل قتل يومئذ مهجع مولى عمر ورجل من الأنصار، وهزم الله يومئذ المشركين فقتل منهم زيادة على سبعين رجلاً وأسر منهم مثل ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه قال: كانت بدر لسبع عشرة من رمضان في يوم جمعة. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. أنه سئل أي ليلة كانت ليلة بدر؟ فقال: هي ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة بقيت من رمضان. وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر بن ربيعة البدري قال: كان يوم بدر يوم الاثنين لسبع عشرة من رمضان.
ابو السعود
تفسير : {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم} عن الكلبـي أنها نزلت ببدر وقال الواقدي: كان الخُمسُ في غزوة بني قينُقاع بعد بدر بشهر وثلاثةِ أيامٍ للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة، وما موصولةٌ وعائدُها محذوفٌ أي الذي أصبتموه من الكفار عُنوةً وأصلُ الغنيمة إصابةُ الغَنَم من العدو ثم اتُسع وأُطلق على كل ما أصيب منهم كائناً ما كان، وقوله تعالى: {مِن شَىْء} بـيانٌ للموصول محلُّه النصبُ على أنه حالٌ من عائد الموصول قصد به الاعتناءُ بشأن الغنيمة وأن لا يشِذّ عنها شيءٌ أي ما غنِمتموه كائناً مما يقع عليه اسمُ الشيءِ حتى الخيطُ والمَخيطُ خلا أن سلَبَ المقتولِ للقاتل إذا نفّله الإمامُ وأن الأسارىٰ يُخيَّر فيها الإمامُ وكذا الأراضي المغنومةُ، وقوله تعالى: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ أي فحقٌّ أو واجب أن له تعالى خُمسَه، وهذه الجملةُ خبرٌ لأنما الخ وقرىء بالكسر والأوُلى آكَدُ وأقوى في الإيجاب لِما فيه من تكرر الإسنادِ كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخُمس ولا سبـيل إلى الإخلال به، وقرىء فلله خُمسُه وقرىء خمْسَه بسكون الميم والجمهورُ على أن ذكرَ الله تعالى للتعظيم كما في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 63] وأن المرادَ قسمةُ الخُمس على المعطوفِين عليه بقوله تعالى: {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} وإعادةُ اللامِ في ذي القربى دون غيرِهم من الأصناف الثلاثة لدفع توهُّمِ اشتراكِهم في سهم النبـي صلى الله عليه وسلم لمزيد اتصالِهم به عليه الصلاة والسلام وهم بنو هاشمٍ وبنو المطلب دون بني عبدِ شمس وبني نَوْفل لما روي عن عثمانَ وجبـير بنِ مطعمٍ رضي الله عنهما أنهما قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء إخوتُك بنو هاشم لا نُنكر فضلَهم لمكانك الذي جعلك الله منهم أرأيتَ إخوانَنا بني المطلب أعطيتَهم وحرمتنَا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشمٍ وبنو المطلب شيءٌ واحد» تفسير : وشبّك بـين أصابعِه. وكيفيةُ قسمِتها عندنا أنها كانت في عهد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم، سهمٌ له عليه الصلاة والسلام وسهمٌ للمذكورين من ذوي قرباه، وثلاثةُ أسهمٍ للأصناف الثلاثة الباقية وأما بعده صلى الله عليه وسلم فسهمُه ساقطٌ وكذا سهمُ ذوي القُربى وإنما يعطَوْن لفقرهم فهم أسوةٌ لسائر الفقراء ولا يُعطي أغنياؤهم فيقسم على الأصناف الثلاثة، ويؤيده ما رُوي عن أبـي بكر رضى الله عنه أنه منع بني هاشمٍ الخمسَ وقال: إنما لكم أن يُعطى فقيرُكم وتُزوَّجَ أيِّمُكم ويخدَمَ من لا خادم له منكم. ومن عداهم فهو بمنزلة ابنِ السبـيل الغني لا يُعطىٰ من الصدقة شيئاً وعن زيد بن علي مثلُه قال: ليس بنا أن نبنيَ منه قصورا ولا نركَب منه البراذينَ وقيل: سهمُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم لوليّ الأمرِ بعده، وأما عند الشافعيِّ رحمه الله فيقسم على خمسة أسهم: سهمٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يُصرف إلى ما كان يصرِفه عليه الصلاة والسلام من مصالح المسلمين كعُدّة الغُزاة من الكُراعِ والسلاح ونحوِ ذلك، وسهمٌ لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائِهم يُقسم بـينهم للذكر مثلُ حظ الأنثيـين والباقي للفِرَق الثلاث، وعند مالك رحمه الله الأمرُ فيه مفوَّضٌ إلى اجتهاد الإمامِ إن رأى قسمَه بـين هؤلاءِ وإن رأى أعطاه بعضاً منهم دون بعض وإن رأى غيرَهم أولى وأهمَّ فغيرُهم. وتعلق أبو العالية بظاهر الآية الكريمة فقال: يُقسم ستةَ أسهمٍ ويُصرف سهمُ الله تعالى إلى رتاج الكعبة لما روي (أنه عليه الصلاة والسلام كان يأخذ منه قبضةً فيجعلها لمصالح الكعبة ثم يقسِمُ ما بقيَ على خمسة أسهمٍ) وقيل: سهمُ الله لبـيت المال وقيل: هو مضمومٌ إلى سهم الرسولِ عليه الصلاة والسلام هذا شأنُ الخمسِ وأما الأخماسُ الأربعةُ فتقسم بـين الغانمين للراجل سهمٌ وللفارس سهمان عند أبـي حنيفة رضى الله عنه وثلاثةُ أسهم عندهما رحمهما الله. قال القرطبـيُّ: لما بـين الله تعالى حكمَ الخمسِ وسكت عن الباقي دل ذلك على أنه ملك للغانمين وقوله تعالى: {إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُم بِاللهِ} متعلق بمحذوف ينبىء عنه المذكورُ أي إن كنتم آمنتم به تعالى فاعلموا أن الخمسَ من الغنيمة يجب التقربُ به إلى الله فاقطعوا أطماعَكم منه واقتنعوا بالأخماس الأربعة، وليس المرادُ به مجردَ العلم بذلك بل العلمَ المشفوعَ بالعمل والطاعةِ لأمره تعالى. {وَمَا أَنزَلْنَا} عطف على الاسم الجليل أي إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلناه {عَلَىٰ عَبْدِنَا} وقرىء عُبُدِنا وهو اسمُ جمعٍ أريد به الرسولُ عليه الصلاة والسلام والمؤمنون فإن بعضَ ما نزل نازلٌ عليهم بالذات كما ستعرفه {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} يوم بدرٍ سمي به لفَرْقه بـين الحقِّ والباطل، وهو منصوبٌ بأنزلنا أو بآمنتم {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} أي الفريقان من المؤمنين والكافرين وهو بدلٌ من (يومَ الفرقان) أو منصوبٌ بالفرُقان، والمرادُ ما أُنزل عليه عليه الصلاة والسلام يومئذٍ من الوحي والملائكةِ والفتحِ، على أن المرادَ بالإنزال مجردُ الإيصالِ والتيسير فينتظم الكلُّ انتظاماً حقيقياً، وجعلُ الإيمانِ بإنزال هذه الأشياءِ من موجبات العلم بكون الخُمس لله تعالى على الوجه المذكور من حيث أن الوحيَ ناطقٌ بذلك وأن الملائكةَ والفتحَ لمّا كانا من جهته تعالى وجب أن يكون ما حصل بسببهما من الغنيمة مصروفةً إلى الجهات التي عينها الله تعالى {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} يقدِر على نصر القليلِ على الكثير والذليلِ على العزيز كما فعل بكم ذلك اليوم.
القشيري
تفسير : الغنيمةُ ما أخذه المؤمنون من أموال الكفار إذا ظَفِروا عند المجاهدة والقتال معهم. فإذا لم يكن قتال - أو ما في معناه - فهو فَيْءٌ. والجهاد قسمان: جهاد الظاهر مع الكفار، وجهاد الباطن مع النَّفْس والشيطان وهو الجهاد الأكبر - كما في الخبر. وكما أن في الجهاد الأصغر غنيمةً عند الظَّفَرِ، ففي الجهاد الأكبر غنيمة، وهو يملك العبدُ نَفْسَه التي كانت في يد العدو: الهوى والشيطان. فبعد ما كانت ظواهرُه مقَرًّا للأعمال الذميمة، وباطنُه مستقراً للأحوال الدَّنِيَّة يصير محلُّ الهوى مَسْكَنَ الرِّضا، ومَقَرُّ الشهواتِ والمُنَى مُسَلَّماً لِمَا يَرِدُ عليه من مطالبات المولى، وتصير النَّفْسُ مُسْتَلَبةً مِنْ أَسْرِ الشهوات، والقلبُ مُخْتَطَفاً من وصف الغفلات، والرُّوحُ مُنْتَزَعَةٌ من أيدي العلاقات، والسِّرُّ مصُونًا عن الملاحظات. وتصبح غاغةُ النَّفْسِ مُنْهَزِمةً، ورياسةُ الحقوقِ بالاستجابة لله خافِقةً. وكما أن من جملة الغنيمة سَهْماً لله وللرسول، وهو الخُمْسُ فمما هو غنيمة - على لسان الإشارة - سهمٌ خالِصٌ لله؛ وهو ما لا يكون للعبد فيه نصيب، لا من كرائم العُقْبى، ولا من ثمرات التقريب، ولا من خصائص الإقبال، فيكون العبدُ عند ذلك مُحَرَّراً عن رِقِّ كل نصيب، خالصاً لله بالله، يمحو ما سوى الله، كما قيل: شعر : مَنْ لم يكن بِك فانياً عن حظِّه وعن الهوى والإنْس والأحبابِ فكأنه - بين المراتب - واقِفٌ لمنَالِ حظٍّ أو لِحُسْنِ ثوابِ
اسماعيل حقي
تفسير : {واعلموا} أيها المؤمنون {انما} حق ما هذه ان تكتب منفصلة عن ان لكونها موصولة كما فى قوله تعالى {أية : ان ما توعدون لآت} تفسير : [الأنعام: 134] لكنها كتبت متصلة اتباعا للرسم اى الذى {غنمتم} اخذتموه واصبتموه من الكفر قهرا وغلبة. والغنم الفوز بالشيء واصل الغنيمة اصابة الغنم من العدو ثم اتسع واطلق على كل ما اصيب منهم كائنا ما كان قالوا اذا دخل الواحد والاثنان دار الحرب مغيرين بغير اذن الامام فأخذوا شيأ لم يخمس لان الغنيمة هو المأخوذ قهرا وغلبة لا اختلاسا وسرقة هذا عند ابى حنيفة ويخمس عند الشافعى {من شيء} حال من عائد الموصول اى ما غنمتموه كائنا كما يقع عليه اسم الشيء حتى الخيط والمخيط خلا ان سلب المقتول للقاتل اذا نفله الامام وان الاسارى يخير فيها الامام وكذا الاراضى المغنومة. والآية نزلت ببدر. وقال الواقدى كان الخمس فى غزوة بنى قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة {فأَنَّ لله خمسه} مبتدأ خبره محذوف اى حكمه ثابت فيما شرعه الله وبينه لعباده ان خمسه لله او خبر مبتدأ محذوف اى فالحكم ان لله خمسه ولخمس بالفارسية [بنج يك] {وللرسول ولذى القربى} اعاد اللام فى لذى القربى دون غيرهم من الاصناف الثلاثة لدفع توهم اشتراكهم فى سهم النبى صلى الله عليه وسلم لمزيد اتصالهم به عليه الصلاة والسلام وهم بنوا هاشم وبنوا المطلب دون بنى عبد شمس وبنى نوفل. واعلم انه عليه السلام هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وكان لعبد مناف اربعة بنين هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل وكان لهاشم ولدان عبد المطلب واسد وكان لعبد المطلب عشرة بنين منهم عبد الله وابو طالب وحمزة والعباس وابو لهب والحارث وزبير فكلهم وما يتفرع منهم هاشميون لكونهم من اولاد هاشم وعبد مناف هو ابن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة وكل من كان من ولد النضر فهو قرشى دون ولد كنانة ومن فوقه فقريش فبيلة ابوهم النضر وانما خص ذووا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ببنى هاشم وبنى المطلب لانهم لم يفارقوه عليه السلام فى جاهلية ولا فى اسلام فكانت قرابتهم قرابة كاملة وهى القرابة نسبا وتواصلا فى حال العسر واليسر فاعطوا الخمس واما بنوا عبد شمس وبنوا نوفل فمع مساواتهما بنى المطلب فى القرب حرموا الخمس لان قرابة نوفل بالتواصل والتناصر لم تنضم الى قرابتهم النسبية {واليتامى} جمع يتيم وهو الصغير المسلم الذى مات ابوه يصرف اليه سهم من الخمس اذا كان فقيرا {والمساكين} جمع مسكين وهو الذى اسكنه الضعف عن النهوض لحاجته اى اهل الفاقة والحاجة من المسلمين {وابن السبيل} اى المسافر البعيد عن ماله. - قال الكاشفى ومسافران مسلمانان يا قومى كه بر مسلمانان نزول كنند. واعلم ان اللام في الآية لام الاستحقاق لخمس الغنيمة فاقتضى الظاهر ان تكون المصارف سنة اقسام لكن الجمهور على ان ذكر الله تعالى للتعظيم وافتتاح الكلام باسمه تعالى عن طريق التبرك لا لان لله نصيبا من الخمس فان الدنيا والآخرة كلها له سبحانه فلا يسدس خمس الغنيمة بان يصرف سهم منها الى الله تعالى بصرفه الى عمارة الكعبة ان كانت قريبة والافالى مسجد كل بلدة ثبت فيها الخمس كما ذهب اليه البعض او بضمه الى سهم الرسول كما ذهب اليه الآخر وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط بوفاته لان الانبياء لا يورثون. قال ابن الشيخ لانه عليه السلام لم يخلفه احد فى الرسالة فلا يخلفه فى سهمه هذا عند الامام الاعظم واما الشافعى فيصرف سهمه عليه السلام الى مصالح المسلمين وما فيه قوة الاسلام وكذا سقط سهم ذوى القربى بوفاته عليه السلام فلا يعطى لهم لاجل قرابتهم بل يعطى لفقرهم وكان عليه السلام يعطيهم غنيهم وفقيرهم لقرابتهم لا لفقرهم حتى كان يعطى العباس بن المطلب مع كثرة ماله. والحاصل ان ذوى القربى اسوة لسائر الفقراء اى يدخلون فيهم ويقدمون على غيرهم ولا يعطى اغنياؤهم. وفى شرح الاثار عن ابى حنيفة ان الصدقات كلها اى فرضها ونفلها جائزة على بنى هاشم والحرمة كانت فى عهد النبى عليه السلام لوصول خمس الخمس اليهم فلما سقط ذلك بموته حلت لهم الصدقة. قال الطحاوى وبالجواز نأخذ ولما سقط السهمان وهماسهم الرسول وسهم ذوى القربى فخمس الغنيمة اليوم يجعل ثلاثة اقسام ويصرف الى ثلاثة اصناف اليتامى والمساكين وابناء السبيل وتقسم الاخماس الاربعة بين الغانمين للفارس سهمان وللراجل سهمه. وفى حياة الحيوان ان الفيل يقاتل به وراكبه يرضخ له اكثر من راكب البغل. وفى التحفة هذه الثلاثة مصارف الخمس عندنا لا على سبيل الاستحقاق حتى لو صرفت الى صنف واحد منهم جاز {إِن كنتم آمنتم بالله} متعلق بمحذوف دل عليه واعلموا اى ان كنتم آمنتم بالله فاعلموا انه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه اليهم واقطعوا اطماعكم منه واقتنعوا بالاخماس الاربعة الباقية ووجه دلالته عليه انه تعالى انما امر بالعلم بهذا الحكم ليعمل له لانه العلم بمثل هذا المعلوم ليس مما يقصد لنفسه بل انما يقصد للعمل به {وما أَنزلنا} اى ورما انزلناه {على عبدنا} محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات والنصر على ان المراد بالانزال مجرد الايصال والتيسير فينتظم الكل انتظاما حقيقيا {يوم الفرقان} ظرف لانزلنا اى يوم بدر فانه فرق فيه بين الحق والباطل بنصر المؤمنين وكبت الكافرين {يوم التقى الجمعان} اى المسلمون والكفار وهو بدل من الظرف الاول [وآن روز جمعه بود هفد هم رمضان درسنه ثانيه از هجرت] وهو اول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال المشركين لاعلاء الحق والدين {والله على كل شيء قدير} فيقدر على نصر القليل على الكثير والذليل على العزيز كما فعل بكم ذلك اليوم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (فأن لله): مبتدأ حُذف خبره، أي: فكون خمسة لله ثابت، أو خبر، أي: فالواجب كون خمسه لله. يقول الحق جل جلاله: {واعلموا أنما غَنِمتُم من شيء} مما أخذتموه من الكفار؛ قهراً بالقتال، لا الذي هربوا عنه بلا قتال، فكله للإمام فَيء، يأخذ حاجته ويصرف باقيه في مصالح المسلمين، ولا الذي طرحه العدو خوف الغرق، فلواجده، بلا تخميس، وكذا ما أخذه من كان ببلاد العرب على وجه التلصيص، فأما ما أخذه بالقتال: فللَّه {خُمُسَه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}؛ الجمهور على أن ذكر الله للتعظيم كقوله: {أية : واللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرضُوهُ} تفسير : [التوبة: 62]، وإنما المراد: قسم الخمس على الخمسة الباقية. واختلف العلماء في الخمسة، فقال مالك: الرأي للإمام، يلحقه ببيت الفَيء، ويعطي من ذلك البيت لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه، كما يعطي منه اليتامى والمساكين، وغيرهم، وإنما ذكر من ذكر على جهة التنبيه عليهم، لأنهم من أهم ما يدفع إليهم. وقال الشافعي: يعطي للخمسة المعطوفة على (الله)، ولا يجعل لله سهماً مختصاً، وإنما ذكر ابتداء تعظيماً، لأن الكل ملكه، وسهم الرسول يأخذه الإمام، يصرفه في المصالح، فيعطي للأربعة المعطوفة على الرسول، ويفضل أهل الحاجة. وقال مالك: لا يجب التعميم، فله أن يعطي الأحوج، وإن حرم غيره، ومبني الخلاف: هل اللام لبيان المصرف أو للاستحقاق، كما في آية الزكاة. وقال أبو حنيفة: على ثلاثة أسهم، لليتامى والمساكين وابن السبيل، قال: وسقط الرسول وذوو القربى بوفاته عليه الصلاة والسلام. وقال أبو العالية: يقسم على ستةٍ، أخذاً بظاهر الآية، ويصرف سهم الله إلى الكعبة، وسهم الرسول في مصالح المسلمين، وسهم ذوي القربى لأهل البيت الذين لا تحل لهم الزكاة، ثم يعطى سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل. قال البيضاوي: وذوو القربى: بنو هاشم، وبنو المطلب، لِمَا رُوي: أنه صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذوي القربى عليهما، فقال عثمان وجبير بن مطعم: هؤُلاء إِخْوانك بَنُو هِاشِمٍ لا ننكر فَضْلَهُمْ لمَكَانِك الذي جَعَلَك اللَّهُ مِنْهُمْ، أرأيت إخواننا من بَني المُطَّلِب، أعْطَيْتَهُمْ وحَرَمْتَنَا، وإنَّما نَحنُ وَهُمْ بمَنْزِلَةٍ وَاحِدةٍ؟ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: "حديث : إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا في جَاهِلِيَّةٍ ولا إٍسْلاَم"تفسير : وشَبَّكّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وقيل: بنو هاشم وحدهم. قلت: وهو مشهور مذهب مالك وقيل: جميع قريش.هـ. ثم قال تعالى: {إنْ كنتم آمنتم بالله}، أي: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء، فسلموه إليه، واقنعوا بالأخماس الأربعة، {وما} وكذا إن كنتم آمنتم بما {أنزلنا على عبدنا} محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن، في شأن الأنفال، ومن النصر والملائكة، {يوم الفرقان}؛ يوم بدر، فإنه فرّق فيه بين الحق والباطل، {يوم التقى الجمعان}؛ المسلمون والكفار، {والله على كل شيء قدير}؛ فيقدر على نصر القليل على الكثير، بالإمداد بالملائكة، وبلا إمداد، ولكن حكمته اقتضت وجود الأسباب والوسائط، والله حكيم عليم. الإشارة: واعلموا أنما غنمتم من شيء من العلوم اللدنية، والمواهب القدسية، والأسرار الربانية، بعد مجاهدة العلائق والعوائق، حتى صار دين القلب كله لله، فللَّه خمسه؛ فناء، وللرسول؛ بقاءً، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل؛ تعظيماً وآداباً. يعني: أن العلم بالله يقتضي القيام بهذه الوظائف: الفناء في الله، بالغيبة عما سواه، وشهود الداعي الأعظم، وهو رسول الله، والأدب مع عباد الله، ليتحقق الأدب مع الله. ثم تعالى أعلم بأسرار كتابه. ثم بيَّن يوم الفرقان، فقال: {إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ}.
الطوسي
تفسير : الغنيمة ما اخذ من اموال اهل الحرب من الكفار بقتال. وهي هبة من الله تعالى للمسلمين. والفيء ما اخذ بغير قتال في قول عطا بن السائب، وسفيان الثوري وهو قول الشافعي، وهو المروي في اخبارنا. وقال قوم: الفيء والغنيمة واحد. وقالوا إن هذه الاية ناسخة للتي في الحشر من قوله {أية : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } تفسير : لأنه بين في هذه الآية ان الأربعة اخماس للمقاتلة. وعلى القول الأول لا يحتاج إلى هذا، وعند اصحابنا ان مال الفيء للامام خاصة يفرقه فيمن شاء بعضه في مؤنة نفسه وذوي قرابته. واليتامى والمساكين وابن السبيل من اهل بيت رسول الله ليس لسائر الناس فيه شيء. واما خمس الغنيمة، فانه يقسم عندنا ستة اقسام: فسهم لله، وسهم لرسوله للنبي، وهذان السهمان مع سهم ذي القربى، للقائم مقام النبي صلى الله عليه وآله ينفقها على نفسه وأهل بيته من بني هاشم، وسهم لليتامى: وسهم للمساكين: وسهم لأبناء السبيل من أهل بيت الرسول لا يشركهم فيها باقي الناس لأن الله تعالى عوضهم ذلك عما اباح لفقراء المسلمين ومساكينهم وابناء سبيلهم من الصدقات إذا كانت الصدقات محرمة على أهل بيت الرسول عليهم السلام وهو قول علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن على الباقر ابنه عليهم السلام رواه الطبري باسناده عنهما. وقال الحسين بن علي المغربي حاكياً عن الصابوني من اصحابنا، إن هؤلاء الثلاثة فرق لا يدخلون في سهم ذي القربى وإن كان عموم اللفظ يقتضيه، لأن سهامهم مفردة، وهو الظاهر من المذهب. والذين يستحقون الخمس عندنا من كان من ولد عبد المطلب، لأن هاشماً لم يعقب إلا منه: من الطالبيين والعباسيين والحارثيين واللهبيين، فاما ولد عبد مناف من المطلبيين، فلا شيء لهم فيه، وعند اصحابنا الخمس يجب في كل فائدة تحصل للانسان من المكاسب وأرباح التجارات والكنوز والمعادن والغوص وغير ذلك مما ذكرناه في كتب الفقه. ويمكن الاستدلال على ذلك بهذه الآية، لأن جميع ذلك يسمى غنيمة. وقال ابن عباس، وابراهيم، وقتادة، وعطا: الخمس يقسم خمسة أقسام فسهم الله وسهم الرسول واحد. وقال قوم: يقسم أربعة أقسام سهم لبني هاشم وثلاثة للذين ذكروا بعد ذلك من سائر المسلمين، ذهب اليه الشافعي. وقال اهل العراق: يقسم الخمس ثلاثة اقسام، لان سهم الرسول صرفه الأئمة الأربعة إلى الكراع والسلاح. وقال مالك: يقسم على ما ذكره الله. ويجوز للامام ان يخرج عنهم حسب ما يراه وإنما جاء على طريق الاولى في بعض الاحوال. وقال ابو العالية - وهو رجل من صالحي التابعين - يقسم ستة اقسام، فسهم الله للكعبة، والباقي لمن ذكر بعد ذلك. وقال ابن عباس ومجاهد: ذو القربى هم بنو هاشم، وقد بينا نحن ان المراد بذي القربى اهل بيت النبي صلى الله عليه وآله: وبعد النبي القائم مقامه، وبه قال علي بن الحسين عليه السلام وروى جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وآله انهم بنو هاشم، وبنوا المطلب واختاره الشافعي وقال الحسن وقتادة: سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى لولي الأمر من بعده وهو مثل مذهبنا. وقال ابو علي الجبائي: إن الأئمة الأربعة جعلوا سهم الرسول وذي القربى في الكراع والسلاح واجمعوا على ان سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل شائع في الناس بخلاف ما قلناه. واليتيم من مات أبوه وهو صغير قبل البلوغ. وكل حيوان يتيم من قيل أمه إلا ابن آدم، فانه من قبل ابيه. واما ابن السبيل، فهو المنقطع به في سفره. وإنما قيل ابن السبيل بمعنى اخرجه إلى هذا المستقر، كما يخرجه ابوه من مستقره لقي محتاجاً. والمسكين المحتاج الذي من شأنه ان تسكنه الحاجة عما ينهض به الغنى. وقوله {فأن الله خمسه} قيل في فتح (أن) قولان: احدهما - فعلى ان لله خمسه وحذف حرف الجر فنصب. الثاني - انه عطف على (أن) الاولى وحذف خبر الأولى لدلالة الكلام عليه، وتقديره اعلموا ان ما غنمتم من شيء يجب قسمته واعلموا ان لله خمسه. قال الفراء: إنه جزاء بمنزلة { أية : ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالداً } تفسير : قال الرماني: هذا غلط لأن (أن) لا تدخل على الجزاء إلا مع العماد، كما لا تدخل (أن) إلا على هذا الوجه. وقوله {إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} معناه اعلموا أنما غنمتم من شيء لهؤلاء الذين ذكرناهم ان كنتم مؤمنين بالله مصدقين له في اخباره وما انزله على عبده محمد صلى الله عليه وآله من القرآن. وقال الزجاج يجوز ان يكون قوله {إن كنتم آمنتم بالله} متعلقاً بقوله {فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير. إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان} اي فايقنوا ان الله ناصركم إذ كنتم شاهدتم من نصره ما شاهدتم. ومعنى {يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} يوم بدر وسمي يوم الفرقان لانه تميز اهل الحق مع قلة عددهم من المشركين مع كثرة عددهم بنصر الله المؤمنين. وقيل كان يوم السابع عشر من شهر رمضان وقيل التاسع عشر، سنة اثنتين من الهجرة؟ وهو المروي عن ابي عبد الله عليه السلام ثم قال {والله على كل شيء قدير} اي هو قادر على مجازاة من اطاعه بجزيل الثواب، وعلى عقاب من عصاه بأليم العذاب.
الجنابذي
تفسير : {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} اسم الغنيمة قد غلبت على ما كان يؤخذ من الكفّار بالقهر والغلبة حين القتال والاّ فهى اسم لكلّ ما استفاد الانسان من اى وجهٍ كان واىّ شيءٍ كان، فعن الصّادق (ع): هى والله الافادة يوماً بيوم {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} وقد فسّر ذوى القربى بالامام من آل محمّد (ص) فانّه ذو القربى حقيقةً وفسّر الثّلاثة الاخيرة بمن كان من قرابات الرّسول (ص) جعل ذلك لهم بدلاً عن الزّكاة الّتى هى اوساخ النّاس تشريفاً لهم {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ} جزاؤه محذوف اى فأعطوا خمسه فانّه عبادة ماليّة هى احد ركنى العبادة الّذين هما الصّلاة والزّكاة {وَمَآ أَنزَلْنَا} اى بما انزلنا {عَلَىٰ عَبْدِنَا} من احكام العبادات الماليّة والبّدنية ومن جملتها حكم الخمس او من الملائكة المنزلين {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} يوم بدرٍ لظهور الحقّ عن الباطل والفرق بينهما فيه وهو متعلّق بآمنتم او بانزلنا {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} لظهور دلائل صدق النّبوّة بظهور نصرة الحقّ بالملائكة او بظهور نزول الملائكة وجنود الله للنّصرة ولذا فسّر ما انزلنا بانزال الملائكة والنّصرة فى ذلك اليوم تذكيراً لهم بدلائل صدق النّبوّة وقدرة الله على نصرهم حتّى لا يشمئزّوا عن امره باعطاء ما لهم ثقةً بامداده واعطائه ولذا قال {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تعميماً بعد تخصيصٍ وهو عطف على ما هو المقصود كأنّه قال فالله قادر على الامداد ونصرة القليل على الكثير فلا تخافوا من كثرة العدوّ وقلّتكم والله على كلّ شيءٍ قديرٌ فلا تخافوا من قلّة ما فى اليد والانفاق فانّه قادر على اعطائكم.
فرات الكوفي
تفسير : {وَاعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَاَنَّ لِلّهِ خُمسَهُ ولِلرَّسُولِ وَلِذي القُرْبى41} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن هشام معنعناً: عن ديلم بن عمرو قال: إنّا لقيام بالشام إذ جيءَ بسبي آل محمد [صلى الله عليه وآله وسلم. ر] حتى أقيموا على الدرج إذ جاء شيخ من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم وقطع قرن الفتنة. فقال [له. أ، ب] علي بن الحسين [عليهما السلام. ر، ب]: أيها الشيخ [انصت لي. أ، ر] فقد نصت لك حتى أبديت [ر، ب: ابدات] لي عما في نفسك من العداوة، هل قرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: هل وجدت لنا فيه حقاً خاصة دون المسلمين؟ قال: لا. قال: ما قرأت القرآن. قال: بلى قد قرأت القرآن. قال: فما قرأت الأنفال: {واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} أتدرون من هم؟ قال: لا. قال: فإنّا نحن هم، قال: إنكم لأنتم هم؟ قال: نعم. قال: فرفع الشيخ يده [إلى السماء. ب] ثم قال: اللهم إني أتوب إليك من قتل آل محمد ومن عداوة آل محمد.
الهواري
تفسير : قوله: { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}. ذكر عبد الله بن الخير قال: بينما نحن جلوس بهذا المربد إذ أقبل علينا أعرابي أشعر الرأس، أو مشعار الرأس، قال: قلنا: والله لكأَنَّ هذا ليس من أهل البلد. قال: أجل. قال وإذا معه أديم أو قطعة من جواب، قال: هذا كتاب كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذنا الكتاب، فقرأناه. فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبي، رسول الله، لنبي زهير بن أٌقَيْش: إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وفارقتم المشركين، وأعطيتم من الغنائم الخمس، وسهم الصفي، وربما قال: وصفيّه، فأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله. وسهم الصفي ـ فيما بلغنا ـ أنه إذا جمعت الغنائم كان للنبي شيء يُصْفَى به قبل أن تقسم الغنائم، فرساً كان أو بعيراً أو غير ذلك. وقال الحسن: كانت إذا جمعت، للنبي أن يأخذ منها ما شاء قبل أن تقسم الغنائم، وهو الصفي الذي أصفاه الله محمداً عليه السلام. وأن النبي عليه السلام لم يستأثر على المسلمين من ذلك السهم قط. وقد جعله الله له يريد بذلك كرامته. فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين، وصار أجره وذخره لرسول الله عند الله. ثم يجعل الغنائم على خمسة أخماس؛ يقوم ويقسم، ثم يقرع عليها، فيخرج منها خمساً لله. وبلغنا أن عثمان بن عفان كان يقول لصاحب الجيش إذا بعثه: إذا غنمتم غنيمة فاقسمها على خمسة أخماس. ثم خذ خمسة أسهم، فاكتب على سهم منها: لله. ثم ألقها عليها، فأيها وقع عليها ذلك السهم فاجعله الخمس. قال الحسن: فيأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخمس ما شاء. وليس فيه وقت. ويعطي قرابته من ذلك ما رأى. ويعطي اليتامى والمساكين وابن السبيل على قدر ما يرى من قتلهم وكثرتهم وفقرهم. وليس ذلك على الأمراء. ثم يقسم رسول الله والأئمة بعده تلك الأربعة الأخماس على أهل العسكر، فيعطي الفرس سهمين وفارسه سهماً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : والذي نفسي بيده، ما أعطيكم شيئاً ولا أمنعكموه، إنما أنا خازن أضع حيث أمرت تفسير : ذكروا عن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إنما أنا قاسم، والله يعطي تفسير : ذكر بعض أهل العلم قال: تقسم الغنائم على خمسة أخماس؛ فخمس منها لله والرسول، فهذا سهم واحد، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وأربعة أخماس لأهل القتال. فأما سهم ذي القربى فإن أبا بكر وعمر حملا عليه في سبيل الله. ذكروا أن نجدة كَتَبَ إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى فكتب إليه: إنا كنا نراه لقرابة رسول الله فأبى ذلك علينا قومنا. ذكر بعض أهل العلم قال: ما بيع بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين. ولا بأس بأكل الطعام ما لم يُبع فيصير ذهباً أو فضة. ذكر ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوم خيبر للفارس سهمين وللراجل سهماً. ذكروا أن أربعة من المسلمين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ومعهم فرس، فأعطى الفرس سهمين، وأعطاهم سهماً سهماً. ذكروا عن خالد بن الوليد أَنه أُتِي بهجين فقال: لأَن أَسَفَّ التراب أحبُّ إليّ من أن أقسم له. ذكر بعضهم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم للهجين سهماً. وسئل بعض أهل العلم عن الرجل يكون معه الأفراس فقال: لا يقسم لأكثر من فرسين، ولو كانت معه عشرة أفراس. ذكروا أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن المرأة والعبد يشهدان الغنيمة، فقال: ليس لهما من الغنيمة شيء، إلا أنه قال: يُحْذَيَان. وقال بعضهم: إذا قسمت الغنائم فلا يُخَص أحد دون أحد إلا راعٍ أو دليل. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى إلى جنب بعير ثم أخذ وَبَرَه منه فقال: "حديث : ما لي ولكم منها مثل هذه، إلا الخُمُس، ثمَّ هو ردٌّ عليكم، فأَدُّوا الخيط والمِخيط، فإن الغلول نار وشنار على أهله يوم القيامة ". تفسير : ذكروا أن رجلاً من يعلين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أحد أحق بالمغنم من أحد؟ قال: حديث : لا، حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس بأحق منه تفسير : ذكروا عن الحسن قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: استُشْهِدَ فتاك فلان قال: حديث : كلاَّ، إني رأيته يُجَر إلى النار بعباءة غَلّها تفسير : قوله: {إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ} أي يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل [فنصر الله نبيه وهزم عدوه]. قال: { يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ} أي جَمْع المسلمين وجمع المشركين {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
اطفيش
تفسير : {واعْلمُوا أنَّما} اسم موصول، والفاء فى الخبر لشبه الموصول باسم الشرط فى العموم والإبهام، وعن الفراء: يجوز كون ما شرطية، وعليه فاسم أن محذوف أى أنه وهو ضمير الشأن كقوله: شعر : إن من يدخل الكنيسة يوما يلق فيها جاذرا وظباء تفسير : ولا يجوز هذا عند سيبويه إلا فى الضرورة {غَنِمْتم} الغنيمة فى اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعى، فالغنيمة ما ناله المسلمون من المشركين بالقتال أو بالقهر كائنا ما كان، والمغنم الفوء بالشئ، واستثنى بعضهم الأصول فلا تسمى غنيمة، بل تسمى فيئا، وليس كذلك، فإن الفئ ما جاء بلا قتال وقهر: العشر والجزية، وأموال الصلح والمهادنة، وقال: من مات منهم فى دار الإسلام ولا وارث له، وإخراج الأصول قيل: وخمس الغنيمة ونحو ذلك، ولا خمس فيه هذا هو الصحيح، وهو قول الثورى، وعطاء. وقال قتادة: كل ذلك يسمى غنيمة، ويسمى فيئًا، والغنيمة والفئ شئ واحد، وفيه الخمس، وكذا حكى ابن المنذر، عن الشافعى: أن فى الفئ الخمس لمن ذكره الله فى هذه الآية، وأربعة الأخماس للمقاتلة والمصالح، وذكر عنه أنه كان فى قرى فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم، وأن أربعة أخماسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يضعها حيث شاء، قال قتادة: إن الفئ داخل فى هذه الآية وإن هذه الآية ناسخة لقوله سبحانه فى سورة الحشر: {أية : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} تفسير : الآية، وكانت هى الحكم أولا، ثم أعطى الله الخمس أهلها، وجعل أربعة الأخماس فى المقاتلين، ورد بأن هذه السورة ببدر قبل الحشر فى بنى النضير، وقيل: هذه الآية لقوله سبحانه: {أية : قل الأنفال لله والرسول} تفسير : وأن غنائم بدر لم تخمس، وأكثر الروايات أنها خمست. ومنها أن عليا قال: كانت لى شارف من المغنم ببدر، وشارف أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخمس، والأكثرون على أنه لا يخمس الفئ، وأنه يقسم على المسلمين مطلقا بحسب المصلحة، فيعطى الرجل بالنظر إلى قومه، والرجل بالنظر إلى قتاله، والرجل بالنظر إلى عياله، والرجل بالنظر إلى حاجته، وكان الفئ فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم فيما ذكروا عن عمر خاصا به، يتصرف فيه كما شاء، ينفق منه سنة على عياله، والباقى فى السلاح والكراع، ويصرف بعده للمقاتلة الذين أثبت أسماءهم فى ديوان الجهاد بقدر ما يكفيهم، ثم مصالح المسلمين، ثم الأهم فالأهم، وقيل: للمقاتلة لأن بهم أرهب العدو، وكالنبى صلى الله عليه وسلم وقيل: هو الإمام. {مِنْ شَئٍ} حال من الرابط المحذوف، أى ما غنمتموه من شئ ومن للبيان، وفائدته التعميم حتى أنه يشمل الصبى والمرأة، حديث : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنب بعير، ثم أخذ وبرة منه وقال: "ما لى ولا لكم منها، أى من الغنيمة مثل هذه إلا الخمس، ثم هو ردّ عليكم فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول نار وشنار على الغلة يوم القيامة ولكن الأكل والركوب والعلف، وليس أحدكم أحق بالغنيمة من الآخر ولو بالسهم" وقيل: يا رسول الله استشهد فلان فقال: "كلا إنى رأيته يجر إلى النار بعباءة غلها". تفسير : وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفى وهو ما يختاره لنفسه قبل القسمة، وتركه إكراما لأمته وادخارا لأجره، وكتب به إلى بنى زهرة وقيس: أنه له فيما غنموه إن آمنوا، وبكلمة الإخلاص والصلاة والزكاة، وإن لكم حظا فى الخمس، ولا صفى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع إلا ما قاله أبو ثور أنه باق للإمام وهو قول شاذ، وأما الأرض وسائر الأصول فإن شاء الإمام قسمها كسائر الغنيمة، وإن شاء تركها فى أيدى أهلها يجزأ من غلتها وبخراج يضربه عليها، وإن شاء فعل غير ذلك كبيعها بحسب المصلحة مثل أن يرى أنه لو قسمها لاشتغلوا بها عن الجهاد فلا يقسمها، وأما البالغون قبل ومن شارف البلوغ فللإمام عند مالك والجمهور القتل، ويستحسن فى أهل الشجاعة والكناية أو الفداء، ويستحسن فى ذى المنصب الذى لا رأى له ولا مكيدة أو المن، ويستحسن فى من يرجى فيه النفع والحنو على أسرى المسلمين أو الاسترقاق أو ضرب الجزية. {فأنَّ} بفتحة همزة أن عند الجمهور والمصدر من خبرها مبتدأ محذوف الخبر، أى فثبوت خمسه لله واجب أو حق أو لازم أو نحو ذلك، أو خبر لمحذوف أى فالحكم أو الواجب أو الحق اللازم أو نحو ذلك، ثبوت خمسه لله، أو فاعل لمحذوف أى فثابت كون خمسه لله، أو فحق ثبوت خمسه لله أو نحو ذلك. وروى الجعبى عن أبى عمر، وقيل: الجعبى عن أبى بكر، عن عاصم وحسن، عن أبى عمرو بكسر الهمزة، ويؤيده قراءة النخعى فلله خمسه بإسقاط أن الموافق لإثباتها مكسورة فى عدم التأويل، والتقدير وقراءة الجمهور آكد وأثبت للإيجاب، كأنه قيل: فلا بد من إثبات الخمس فيه من حيث إنه إذا حذف الخبر أو المبتدأ أو رافع الفاعل، واحتمل أوجها من التقديرات كما رأيت كان أقوى لإيجابه من النص على واحد. {للهِ خُمسَهُ} وقرأ الحسن بإسكان الميم، والمراد بذكر الله تعظيمه، وافتتاح الجملة به للتبرك، وأن من حق الخمس أن يتقرب به إليه كما قال مالك، وأنه هو الحاكم فى الخمس يقسمه كيف شاء، وليس المراد أن له سهما من الخمس، فالدنيا والآخرة كلها لله، فإنما يقسم الخمس على الخمسة المذكورة بعده، أو سهمه سهم الرسول فيقسم أيضا الخمس المذكور على الخمسة المذكورة. وقال مالك والزجاج: قسمه على الخمسة تمثيل بأهم من يدفع إليه لا حصر، فيجوز إعطاء الغير منه كقوله سبحانه: {أية : قل ما أنفقتم من خير فللوالدين} تفسير : الخ وقد أجمعوا على جواز إنفاق الخير على غير من ذكر، والصحيح الأول، وبه أقول، وهو قول الشافعى، وأبى حنيفة ومالك، وابن عباس، والحسن بن محمد، وعطاء، وقتادة، والنخعى، وهو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. وذكر الطبرى، عن ابن عباس: أن الخمس مقسوم على أربعة، وسهم الرسول لقرابته، وليس له ولا لله شئ، وقال أبو العالية: المراد بذكر الله أن له سهما فيقسم الخمس على ستة، وسهم الله يصرف للكعبة، قيل: قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ قبضة يجعلها للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم الباقى على خمسة"تفسير : وقيل: سهم الله لبيت المال، وقيل: يضم إلى سهم الرسول، وقال منذر بن سعيد: قالت فرقة: لفقراء المسلمين أو لبيت المال ورد عليه: {وللرَّسُولِ} سهمه بعد موته لمصالح المسلمين، وما فيه قوة الإسلام عند الشافعى وأحمد، وقالت فرقة: للكراع والسلاح، قال الأعمش، والنخعى: هو الذى كان أبو بكر وعمر يفعلانه، وقال علىّ، وقتادة، والحسن: للإمام وهو حسن، وقال أبو حنيفة: الأربعة المذكورة بعد، وقالت فرقة: هو لأصحاب أربعة الأخماس الباقية، وهم الجيش، وقال قوم: لقرابته صلى الله عليه وسلم، وقال مالك: إلى رأى الإمام، وقال أصحاب الا رأى هو لليتامى والمساكين وابن السبيل دون القرابة، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يورث. واحتجوا بمنع أبى بكر وعمر وعثمان لذوى القربى، وعورض بنو هاشم بأن قريشا قربى، وقد منع أبو بكر بنى هاشم الخمس، وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم، وتزوج أيمكم، ويخدم من لا خادم له، وأما غنيكم فهو كابن سبيل ويتيم غنيين، لا يعطيان شيئا، فتراه منعهم من الخمس المذكور لهم فى القرآن إلا بشرط الفقر، فكيف يعطيهم سهم الرسول، وقيل: لم يكن فى مدة أبى بكر مغنم. {ولذِى القُرْبى} صاحب القرابة المراد الجنس، الصحيح أن لقرابته صلى الله عليه وسلم وهم المراد هنا سهما فى الخمس، ولو كانوا أغنياء، ولا يفضل الفقير والأقرب، على الغنى والقريب، وللذكر مثل حظ الأنثيين، وبه قال الإمام مالك، والشافعى، والجمهور، وقد أعطى النبى صلى الله عليه وسلم العباس رضى الله عنه مع كثرة ماله، وكذا الخلفاء بعده، والمشهور عن أبى بكر أنه لا يعطى أغنياءهم كما مر، وهو قول زيد بن علىّ قال: ليس لنا أن نبنى منه قصورا، ولا أن نركب منه البراذين. وعن أبى حنيفة، وأصحاب الرأى: يقسم الخمس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لليتامى والمساكين وابن السبيل، ودخل فقراء القربى فى المساكين، ولا يعطى أغنياءهم، وقال قتادة، والحسن البصرى: كان سهم القرابة طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما توفى كان للخليفة، وقالت فرقة: هو لقرابة الإمام القائم بالأمر، وذوى القربى بنو هاشم، وبنو المطلب، وبه قال الشافعى، ومجاهد وعلى بن الحسن. قال عثمان بن عفان، وهو من بنى عبد شمس، وجبير وهو بن مطعم، وهو من بنى نوفل، حديث : حين قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم القرابة من غنائم خيبر، وقيل حنين على بنى هاشم وبنى المطلب، ولم يعط بنى عبد شمس، ولا بنى نوفل: يا رسول الله بنو هاشم لا ننكر فضلهم لموضعك الذى وضعك الله منهم، وأما بنو المطلب فنحن وهم بمنزلة واحدة قرابتنا واحدة، وأعطيتهم ولم تعطنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شىء واحد، وشبك بين أصابعه، ما فرقنا بنو المطلب فى جاهلية ولا إسلام" وكانوا مع بنى هاشم فى الشعب حين تألبت عليهم قريش، لا يواكلون، ولا يشاربون، ولا يناكحون . تفسير : وقال على بن الحسين فى رواية، وعبد الله بن الحسين، وابن عباس: ذوو القربى هم بنو هاشم فقط، وقال قوم: قريش كافة، وعن ابن عباس: هم بنو هاشم، جعل لهم فى الخمس عوض عن الزكاة، وأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلها قربى. {واليَتَامَى} الذكور والإناث الذين لا آباء لهم، ولم يبلغوا، يعطون من الخمس إن كانوا فقراء وآباؤهم غير مشركين، واليتيم فى بنى آدم والجن من مات أبوه، وفى البهائم من ماتت أمه. {والمسَاكِينِ} أهل الحاجة من الموحِّدين. {وابْن السَّبِيلِ} البعيد عن أهله يعطى من الخمس ولو كان غنيا فى بلده إن احتاج، وأضيف للسبيل لأنه مسافر ماشٍ فيه، كأنه قيل: صاحب السبيل أو ملازمه، أو لأن السبيل تبرزه فكأنها تلده، وقيل: الخمس كله للقرابة، وقاله علىّ فقيل له: إن الله تعالى قال: {واليتامى والمساكين وابن السبيل} فقال: أيتامنا ومساكيننا، يعنى وأبناء السبيل منا، والآية نزلت ببدر عند الكلبى وهو الصحيح، وقال الواقدى: فى غزوة قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال، على رأس عشرين شهرا من الهجرة. ولا يجوز أن يحرم أحد من تلك الأصناف، وإن لم يوجد صنف صرف فيمن وجد، وقال مالك: إن للإمام أن يعطى الأحوج، وإن حرم الغير، وأما أربعة الأخماس فتعطى لمن شهد الوقعة، وللنبى صلى الله عليه وسلم سهم رجل فيها، يعطى للراجل سهم، وللفارس ثلاثة، واحد له واثنان لفرسه على الصحيح، وهو قول الجمهور، وبه قال مالك، والشافعى وأحمد. وهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: للراجل سهم، وللفارس سهمان، وروى ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وإن كان للراجل أفراس لم يعط إلا على واحد، وأتى خالد ابن الوليد بفرس هجين فقال: لأن أسف التراب أحب إلىَّ من أن قسم له، وذكر بعضهم عنه صلى الله عليه وسلم قسم للهجين قسم للهجين وأعطاه سهما ولاحظ فى ذلك للطفل، والمرأة، والعبد، وقيل: إن يعطوا قاتلوا وقيل: يعطون بدون أن يجب لهم سهم تام. {إنْ كنتُم آمنْتم باللهِ} شرط لقوله: {واعلموا أنما غنمتم} الخ فيقدر جوابه من جنسه، أى {إن كنتم آمنتم بالله} إلى آخره {فاعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه} إلى قوله: {السبيل} أو فاعلموا أن لهؤلاء الخمس، أو فاعلموا أن لهم الخمس هذا هو الصحيح لقرب دليل الجواب، ولفظ اعلموا يتضمن الأمر بالانقياد لأمر الله، فإن العلم العملى إذا أمر به فالمقصود منه بالذات العمل، لا مجرد الإدراك، فإنه مقصود بالعرض، فكأنه قيل: سلموا إليهم الخمس، واكتفوا بأربعة الأخماس، وقيل: شرط لقوله: {أية : فاعلموا أن الله مولاكم} تفسير : ويضعفه البعد، وأما العمل فموجود، فان المراد بعلم أنه مولاهم أن يجترءوا على العدو، ولا يبالوا به، وفى الآية إخبار عن اسم كان بالجملة الماضوية المثبتة المجردة من قد، وأوجب البصريون تقدير قد فى مثل ذلك، والصحيح أن الكلام صحيح بدون تقدير. {ومَا أنزلْنا} من آيات القرآن والمعجزات، والملائكة والنصر، والعطف على اسم الجلالة {عَلى عَبْدِنا} محمد صلى الله عليه وسلم، والإضافة للتشريف، وقرئ عبدنا بضم العين والياء جمع عبد بفتح فإسكان، وهم النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون. {يَومَ الفُرقَان} متعلق بأنزلنا، والفرقان مصدر فرق المخفف على غير قياس، أو اسم مصدر لفرق المشدد، وفيه مبالغة ليست فى الفرق، ويوم الفرقان يوم بدر، لأن الله فرق فيه بين الحق والباطل، بإعزاز الحق وإذلال الشرك، وأجاز عياض تعليقه بغنمتم على ضعف لكثرة الفضل. {يَومَ} بدل من يوم بدر الكل، والمراد بهما يوم بدر {الْتقَى الجَمْعان} الفريق المؤمنون، والفريق المشركون، وكان رئيسهم عتبة، وذلك الالتقاء هو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يوم الجمعة السابع عشر من رمضان فى السنة الثانية من الهجرة، وقال أبو صالح: لتسعة عشر يوما من رمضان بالمثناة، وقال عروة بن الزبير: لتسع منه، وتقدم كلام فى ذلك، والأول قول الجمهور وهو الصحيح، والثالث شاذ. {واللهُ عَلى كلِّ شئٍ قَديرٌ} كما نصركم وأنتم قليل على عدوكم الكثير، وأمدكم بملائكته.
الالوسي
تفسير : {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم} روي عن الكلبـي أنها نزلت في بدر وهو الذي يقتضيه كلام الجمهور، وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة. و {مَا} موصولة والعائد محذوف، وكان حقها أن تكون مفصولة وجعلها شرطية خلاف الظاهر وكذا جعلها مصدرية، وغنم في الأصل من الغنم بمعنى الربح، وجاء ((غنم [بالكسر] غنماً بالضم وبالفتح وبالتحريك وغنيمة وغنمانا بالضم؛ وفي «القاموس» المغنم والغنيم والغنيمة والغنم بالضم الفىء))، والمشهور تغاير الغنيمة والفىء، وقيل: اسم الفىء يشملهما لأنها راجعة إلينا ولا عكس فهي أخص، وقيل: هما كالفقير والمسكين، وفسروها بما أخذ من الكفار قهراً بقتال أو إيجاف فما أخذ اختلاساً لا يسمى غنيمة وليس له حكمها، فإذا دخل الواحد أو الاثنان دار الحرب مغيرين بغير إذن الإمام فأخذوا شيئاً لم يخمس، وفي الدخول بإذنه روايتان والمشهور أنه يخمس لأنه لما أذن لهم فقد التزم نصرتهم بالإمداد فصاروا كالمنعة، وحكي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه في المسألة الأولى التخميس وإن لم يسم ذلك غنيمة عنده لإلحاقه بها. وقوله سبحانه: {مِن شَيْءٍ} بيان للموصول محله النصب على أنه حال من عائده المحذوف قصد به الاعتناء بشأن الغنيمة وأن لا يشذ عنها شيء، أي ما غنمتموه كائناً مما يقع عليه اسم الشيء حتى الخيط والمخيط خلا أن سلب المقتول لقاتله إذا نفله الإمام، وقال الشافعية: السلب للقاتل ولو نحو صبـي وقن وإن لم يشترط له وإن كان المقتول نحو قريبه وإن لم يقاتل أو نحو امرأة أو صبـي إن قاتلا ولو أعرض عنه للخبر المتفق عليه «من قتل قتيلاً فله سلبه» نعم القاتل المسلم القن لذمي لا يستحقه عندهم وإن خرج بإذن الإمام. وأجاب أصحابنا بأن السلب مأخوذ بقوة الجيش فيكون غنيمة فيقسم قسمتها، وقد «حديث : قال صلى الله عليه وسلم لحبيب بن أبـي سلمة: ليس لك من صلب قتيلك إلا ما طابت به نفس إمامك» تفسير : وما رووه يحتمل نصب الشرع ويحتمل التنفيل فيحمل على الثاني لما رويناه، والأسارى يخير فيهم الإمام وكذا الأرض المغنومة عندنا وتفصيله في الفقه. والمصدر المؤول من أن المفتوحة مع ما في حيزها في قوله تعالى: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} مبتدأ خبره محذوف أي فحق أو واجب أن لله خمسه، وقدر مقدماً لأن المطرد في خبرها إذا ذكر تقديمه لئلا يتوهم أنها مكسورة فأجري على المعتاد فيه، ومنهم من أعربه خبر مبتدأ محذوف أي فالحكم أن الخ، والجملة خبر لأن الأولى، والفاء لما في الموصول من معنى المجازاة، وقيل: إنها صلة وأن بدل من أن الأولى، وروى الجعفي عن أبـي عمرو {فَإٍن} بالكسر وتقويه قراءة النخعي (فللَّه خمسه) ورجحت المشهورة بأنها آكد لدلالتها على إثبات الخمس وأنه لا سبيل لتركه مع احتمال الخبر لتقديرات كلازم وحق وواجب ونحوه، وتعقبه صاحب «التقريب» بأنه معارض بلزوم الإجمال. وأجيب بأنه إن أريد بالإجمال ما يحتمل الوجوب والندب والإباحة فالمقام يأبـى إلا الوجوب وإن أريد ما ذكر من لازم وحق وواجب فالتعميم يوجب التفخيم والتهويل. وقرىء {خُمْسَهُ} بسكون الميم والجمهور / على أن ذكر الله تعالى لتعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام كما في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [التوبة: 62] أو لبيان أنه لا بد في الخمسية من إخلاصها له سبحانه وأن المراد قسمة الخمس على ما ذكر في قوله تعالى: {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} قيل ويكون قوله تعالى: {لِلرَّسُولِ} معطوفاً على {لِلَّهِ} على التعليل الأول وبتقدير مبتدأ أي وهو أي الخمس للرسول الخ على التعليل الثاني، وإعادة اللام في ذي القربـى دون غيرهم من الأصناف الباقية لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبـي صلى الله عليه وسلم لمزيد اتصالهم به عليه الصلاة والسلام، وأريد بهم بنو هاشم وبنو المطلب المسلمون لأنه صلى الله عليه وسلم وضع سهم ذوي القربـى فيهم دون بني أخيهما شقيقهما عبد شمس، وأخيهما لأبيهما نوفل مجيباً عن ذلك حين قال له عثمان وجبير بن مطعم: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله تعالى منهم أرأيت إخواننا من بني عبد المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة نحن وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه رواه البخاري، أي لم يفارقوا بني هاشم في نصرته صلى الله عليه وسلم جاهلية ولا إسلاماً. وكيفية القسمة عند الأصحاب أنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم، سهم له عليه الصلاة والسلام، وسهم للمذكورين من ذوي القربـى، وثلاثة أسهم للأصناف الثلاثة الباقية، وأما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام فسقط سهمه صلى الله عليه وسلم كما سقط الصفي وهو ما كان يصطفيه لنفسه من الغنيمة مثل درع وسيف وجارية بموته صلى الله عليه وسلم لأنه كان يستحقه برسالته ولا رسول بعده صلى الله عليه وسلم وكذا سقط سهم ذوي القربـى وإنما يعطون بالفقر وتقدم فقراؤهم على فقراء غيرهم ولا حق لأغنيائهم لأن الخلفاء الأربعة الراشدين قسموه كذلك وكفى بهم قدوة، وروي عن أبـي بكر رضي الله تعالى عنه أنه منع بني هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوج أيمكم ويخدم ما لا خادم له منكم فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن السبيل غنى لا يعطي من الصدقة شيئاً ولا يتيم موسر. وعن زيد بن علي كذلك قال: ليس لنا أن نبني منه القصور ولا أن نركب منه البراذين، ولأن النبـي صلى الله عليه وسلم إنما أعطاهم للنصرة لا للقرابة كما يشير إليه جوابه لعثمان وجبير رضي الله تعالى عنهما وهو يدل على أن المراد بالقربـى في النص قرب النصرة لا قرب القرابة، وحيث انتهت النصرة انتهى الإعطاء لأن الحكم ينتهي بانتهاء علته واليتيم صغير لا أب له فيدخل فقراء اليتامى من ذوي القربـى في سهم اليتامى المذكورين دون أغنيائهم والمسكين منهم في سهم المساكين، وفائدة ذكر اليتيم مع كون استحقاقه بالفقر والمسكنة لا باليتم دفع توهم أن اليتيم لا يستحق من الغنيمة شيئاً لأن استحقاقها بالجهاد واليتيم صغير فلا يستحقها. وفي «التأويلات» لعلم الهدى الشيخ أبـي منصور أن ذوي القربـى إنما يستحقون بالفقر أيضاً، وفائدة ذكرهم دفع ما يتوهم أن الفقير منهم لا يستحق لأنه من قبيل الصدقة ولا تحل لهم، وفي «الحاوي القدسي» وعن أبـي يوسف أن الخمس يصرف لذوي القربـى واليتامى والمساكين وابن السبيل وبه نأخذ انتهى، وهو يقتضي أن الفتوى على الصرف إلى ذوي القربـى الأغنياء فليحفظ، وفي «التحفة» أن هذه الثلاثة مصارف الخمس عندنا لا على سبيل الاستحقاق حتى لو صرف إلى صنف واحد منهم جاز كما في الصدقات كذا في «فتح القدير». ومذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه أن الخمس لا يلزم تخميسه وأنه مفوض إلى رأي الإمام كما يشعر به كلام خليل؛ وبه صرح ابن الحاجب فقال: ولا يخمس لزوماً بل يصرف منه لآله عليه الصلاة والسلام بالاجتهاد / ومصالح المسلمين ويبدأون استحباباً كما نقل التتائي عن السنباطي بالصرف على غيرهم، وذكر أنهم بنو هاشم وأنهم يوفر نصيبهم لمنعهم من الزكاة حسبما يرى من قلة المال وكثرته، وكان عمر بن عبد العزيز يخص ولد فاطمة رضي الله تعالى عنها كل عام باثني عشر ألف دينار سوى ما يعطي غيرهم من ذوي القربـى، وقيل: يساوي بين الغني والفقير وهو فعل أبـي بكر رضي الله تعالى عنه، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يعطي حسب ما يراه، وقيل: يخير لأن فعل كل من الشيخين حجة. وقال عبد الوهاب: أن الإمام يبدأ بنفقته ونفقة عياله بغير تقدير، وظاهر كلام الجمهور أنه لا يبدأ بذلك وبه قال ابن عبد الحكم، والمراد بذكر الله سبحانه عند هذا الإمام أن الخمس يصرف في وجوه القربات لله تعالى والمذكور بعد ليس للتخصيص بل لتفضيله على غيره ولا يرفع حكم العموم الأول بل هو قار على حاله وذلك كالعموم الثابت للملائكة وإن خص جبريل وميكائيل عليهما السلام بعد. ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه في قسمة الغنيمة أن يقدم من أصل المال السلب ثم يخرج منه حيث لا متطوع مؤنة الحفظ والنقل وغيرهما من المؤن اللازمة للحاجة إليها ثم يخمس الباقي فيجعل خمسة أقسام متساوية ويكتب على رقعة لله تعالى أو للمصالح وعلى أربعة للغانمين وتدرج في بنادق [ويقرع] فما خرج لله تعالى قسم على خمس [أحدها] مصالح المسلمين كالثغور والمشتغلين بعلوم الشرع وآلاتها ولو مبتدئين والأئمة والمؤذنين ولو أغنياء وسائر من يشتغل عن نحو كسبه بمصالح المسلمين لعموم نفعهم وألحق بهم العاجزون عن الكسب والعطاء إلى رأي الإمام معتبراً سعة المال وضيقه، وهذا هو السهم الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وكان ينفق منه على نفسه وعياله ويدخر منه مؤنة سنة ويصرف الباقي في المصالح، وهل كان عليه الصلاة والسلام مع هذا التصرف مالكاً لذلك أو غير مالك قولان ذهب إلى الثاني الإمام الرافعي وسبقه إليه جمع متقدمون قال: إنه عليه الصلاة والسلام مع تصرفه في الخمس المذكور لم يكن يملكه ولا ينتقل منه إلى غيره إرثاً. ورد بأن الصواب المنصوص أنه كان يملكه، وقد غلَّط الشيخ أبو حامد من قال: لم يكن صلى الله عليه وسلم يملك شيئاً وإنما أبيح له ما يحتاج إليه، وقد يؤول كلام الرافعي بأنه لم ينف الملك المطلق بل الملك المقتضي للإرث عنه. ويؤيد ذلك اقتضاء كلامه في الخصائص أنه يملك و[الثاني] بنو هاشم. والمطلب، والعبرة بالانتساب للآباء دون الأمهات ويشترك فيه الغني والفقير لإطلاق الآية، وإعطائه عليه الصلاة والسلام العباس وكان غنياً والنساء، ويفضل الذكر كالإرث و[الثالث] اليتامى، ولا يمنع وجود جد، ويدخل فيهم ولد الزنا والمنفي لا اللقيط على الأوجه؛ ويشترط فقره على المشهور ولا بد في ثبوت اليتم والإسلام والفقر هنا من البينة، وكذا في الهاشمي والمطلبـي، واشترط جمع فيهما معها استفاضة لنسبه و[الرابع والخامس] المساكين وابن السبيل ولو بقولهم بلا يمين. نعم يظهر في مدعي تلف مال له عرف أو عيال أنه يكلف بينة. ويشترط الإسلام في الكل والفقر في ابن السبيل أيضاً وتمامه في كتبهم. وتعلق أبو العالية بظاهر الآية الكريمة فقال: يقسم ستة أسهم ويصرف سهم الله تعالى لمصالح الكعبة أي إن كانت قريبة وإلا فإلى مسجد كل بلدة وقع فيها الخمس كما قاله ابن الهمام. وقد روى أبو داود في «المراسيل» وابن جرير عنه أنه عليه الصلاة والسلام كان يأخذ منه قبضة فيجعلها لمصالح الكعبة ثم يقسم ما بقي خمسة أسهم، ومذهب الإمامية أنه ينقسم إلى ستة أسهم أيضاً كمذهب أبـي العالية إلا أنهم قالوا: إن سهم الله تعالى وسهم الرسول صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي القربـى للإمام القائم مقام الرسول عليه الصلاة / والسلام وسهم ليتامى آل محمد صلى الله عليه وسلم وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم لا يشركهم في ذلك غيرهم ورووا ذلك عن زين العابدين ومحمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنهم، والظاهر أن الأسهم الثلاثة الأول التي ذكروها اليوم تخبأ في السرداب إذ القائم مقام الرسول قد غاب عندهم فتخبأ له حتى يرجع من غيبته، وقيل: سهم الله تعالى لبيت المال، وقيل: هو مضموم لسهم الرسول صلى الله عليه وسلم. هذا ولم يبين سبحانه حال الأخماس الأربعة الباقية وحيث بين جل شأنه حكم الخمس ولم يبينها دل على أنها ملك الغانمين، وقسمتها عند أبـي حنيفة للفارس سهمان وللراجل سهم واحد. لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبـي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك، والفارس في السفينة يستحق سهمين أيضاً وإن لم يمكنه القتال عليها فيها للتأهب، والمتأهب للشيء كالمباشر كما في «المحيط»، ولا فرق بين الفرس المملوك والمستأجر والمستعار وكذا المغصوب على تفصيل فيه، وذهب الشافعي ومالك إلى أن للفارس ثلاثة أسهم لما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبـي صلى الله عليه وسلم أسهم للفارس ذلك وهو قول الإمامين. وأجيب بأنه قد روى عن ابن عمر أيضاً أن النبـي صلى الله عليه وسلم قسم للفارس سهمين فإذا تعارضت روايتاه ترجح رواية غيره بسلامتها عن المعارضة فيعمل بها، وهذه الرواية رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وفي «الهداية» أنه عليه الصلاة والسلام تعارض فعلاه في الفارس فنرجع إلى قوله عليه الصلاة والسلام وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : للفارس سهمان وللراجل سهم» تفسير : وتعقبه في «العناية» بأن طريقة استدلاله مخالفة لقواعد الأصول فإن الأصل أن الدليلين إذا تعارضا وتعذر التوفيق والترجيح يصار إلى ما بعده لا إلى ما قبله وهو قال: فتعارض فعلاه فنرجع إلى قوله، والمسلك المعهود في مثله أن نستدل بقوله ونقول فعله لا يعارض قوله لأن القول أقوى بالاتفاق، وذهب الإمام إلى أنه لا يسهم إلا لفرس واحد وعند أبـي يوسف يسهم لفرسين، وما يستدل به على ذلك محمول على التنفيل عند الإمام كما أعطى عليه الصلاة والسلام سلمة بن الأكوع سهمين وهو راجل ولا يسهم لثلاثة اتفاقاً. {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ} شرط جزاؤه محذوف أي إن كنتم آمنتم بالله تعالى فاعلموا أنه تعالى جعل الخمس لمن جعل فسلموه إليهم واقنعوا بالأخماس الأربعة الباقية، وليس المراد مجرد العلم بذلك بل العلم المشفوع بالعمل والطاعة لأمره تعالى، ولم يجعل الجزاء ما قبل لأنه لا يصح تقدم الجزاء على الشرط على الصحيح عند أهل العربية، وإنما لم يقدر العمل قصراً للمسافة كما فعله النسفي لأن المطرد في أمثال ذلك أن يقدر ما يدل ما قبله عليه فيقدر من جنسه، وقوله سبحانه: {وَمَآ أَنزَلْنَا} عطف على الاسم الجليل و {مَا} موصولة والعائد محذوف أي الذي أنزلناه {عَلَىٰ عَبْدِنَا} محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التعبير عنه بذلك ما لا يخفى من التشريف والتعظيم، وقرىء {عَبْدَنَا} بضمتين جمع عبد، وقيل: اسم جمع له وأريد به النبـي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون فإن بعض ما نزل نازل عليهم {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} هو يوم بدر فالإضافة للعهد، والفرقان بالمعنى اللغوي فإن ذلك اليوم قد فرق فيه بين الحق والباطل، والظرف منصوب بأنزلنا، وجوز أبو البقاء تعلقه بآمنتم، وقوله سبحانه: {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} بدل منه أو متعلق بالفرقان، وتعريف الجمعان للعهد، والمراد بهم الفريقان من المؤمنين والكافرين؛ والمراد بما أنزل عليه عليه الصلاة والسلام من الآيات / والملائكة والنصر على أن المراد بالإنزال مجرد الإيصال والتيسير فيشمل الكل شمولاً حقيقياً فالموصول عام ولا جمع بين الحقيقة والمجاز خلافاً لمن توهم فيه، وجعل الإيمان بهذه الأشياء من موجبات العلم بكون الخمس لله تعالى على الوجه المذكور من حيث أن الوحي ناطق بذلك وأن الملائكة والنصر لما كانا منه تعالى وجب أن يكون ما حصل بسببهما من الغنيمة مصروفاً إلى الجهات التي عينها الله سبحانه: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ومن آثار قدرته جل شأنه ما شاهدتموه يوم التقى الجمعان.
سيد قطب
تفسير : السياق متصل بين مطالع هذا الدرس وخواتم الدرس الماضي في آخر الجزء التاسع.. فهو استطراد في أحكام القتال الذي بدأ الحديث عنه هناك في قوله تعالى:{أية : .. قل للذين كفروا: إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير، وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم، نعم المولى ونعم النصير }.. تفسير : ثم تابع الحديث في هذا الدرس عن أحكام الغنائم التي تنشأ من النصر في ذلك القتال الذي بين غايته وهدفه:{أية : حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله }.. تفسير : ومع أن غاية الجهاد قد تحددت بهذا النص الواضح؛ وتبين منها أنه جهاد لله، وفي سبيل أهداف تخص دعوة الله ودينه ومنهجه للحياة.. ومع أن ملكية الأنفال التي تتخلف عن هذا الجهاد قد بت في أمرها من قبل، فردت إلى الله والرسول، وجرّد منها المجاهدون لتخلص نيتهم وحركتهم لله.. مع هذا وذلك فإن المنهج القرآني الرباني يواجه الواقع الفعلي بالأحكام المنظمة له. فهناك غنائم وهناك محاربون. وهؤلاء المحاربون يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم: هم يتطوعون للجهاد، وهم يجهزون أنفسهم على نفقتهم الخاصة؛ وهم يجهزون غيرهم من المجاهدين الذين لا يجدون ما ينفقون.. ثم هم يغنمون من المعركة غنائم. يغنمونها بصبرهم وثباتهم وبلائهم في الجهاد.. ولقد خلص الله نفوسهم وقلوبهم من أن يكون فيها شيء يحيك من شأن هذه الغنائم فرد ملكيتها ابتداء لله ورسوله.. وهكذا لم يعد من بأس في إعطائهم نصيبهم من هذه الغنائم - وهم يشعرون أنهم إنما يعطيهم الله ورسوله - فيلبي هذا الإعطاء حاجتهم الواقعية، ومشاعرهم البشرية، دون أن ينشأ عنه محظور من التكالب عليه، والتنازع فيه، بعد ذلك الحسم الذي جاء في أول السورة. إنه منهج الله الذي يعلم طبيعة البشر؛ ويعاملهم بهذا المنهج المتوازن المتكامل، الذي يلبي حاجات الواقع كما يلبي مشاعر البشر؛ وفي الوقت ذاته يتقي فساد الضمائر وفساد المجتمع، من أجل تلك المغانم! {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه، وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.. إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.. والله على كل شيء قدير}.. وبين الروايات المأثورة والآراء الفقهية خلاف طويل.. أولاً: حول مدلول "الغنائم" ومدلول "الأنفال" هل هما شيء واحد، أم هما شيئان مختلفان؟ وثانياً: حول هذا الخمس - الذي يتبقى بعد الأخماس الأربعة التي منحها الله للمقاتلين - كيف يقسم؟ وثالثاً: حول خمس الخمس الذي لله. أهو الخمس الذي لرسول الله، أم هو خمس مستقل؟.. ورابعاً: حول خمس الخمس الذي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهو خاص به أم ينتقل لكل إمام بعده؟ وخامساً: حول خمس الخمس الذي لأولي القربى، أهو باق في قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بني هاشم وبني عبد المطلب، كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم يرجع إلى الإمام يتصرف فيه؟ وسادساً: أهي أخماس محددة يقسم إليها الخمس. أم يترك التصرف فيه كله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولخلفائه من بعده؟.. وخلافات أخرى فرعية. ونحن - على طريقتنا في هذه الظلال - لا ندخل في هذه التفريعات الفقهية التي يحسن أن تطلب في مباحثها الخاصة.. هذا بصفة عامة.. وبصفة خاصة فإن موضوع الغنائم بجملته ليس واقعاً إسلامياً يواجهنا اليوم أصلاً. فنحن اليوم لسنا أمام قضية واقعة، لسنا أمام دولة مسلمة وإمامة مسلمة وأمة مسلمة تجاهد في سبيل الله، ثم تقع لها غنائم تحتاج إلى التصرف فيها! لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية أول مرة؛ ورجع الناس إلى الجاهلية التي كانوا عليها، فأشركوا مع الله أرباباً أخرى تصرف حياتهم بشرائعها البشرية! ولقد عاد هذا الدين أدراجه ليدعو الناس من جديد إلى الدخول فيه.. إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.. إلى إفراد الله سبحانه بالألوهية والحاكمية والسلطان. والتلقي في هذا الشأن عن رسول الله وحده! وإلى التجمع تحت قيادة مسلمة تعمل لإعادة إنشاء هذا الدين في حياة البشر، والتوجه بالولاء كله لهذا التجمع ولقيادته المسلمة؛ ونزع هذا الولاء من المجتمعات الجاهلية وقياداتها جميعاً. هذه هي القضية الحية الواقعية التي تواجه اليوم هذا الدين؛ وليس هناك - في البدء - قضية أخرى سواها.. ليس هناك قضية غنائم، لأنه ليس هناك قضية جهاد! بل ليس هناك قضية تنظيمية واحدة، لا في العلاقات الداخلية ولا في العلاقات الخارجية، وذلك لسبب بسيط: هو أنه ليس هناك مجتمع إسلامي ذو كيان قائم مستقل، يحتاج إلى الأحكام التي تضبط العلاقات فيه والعلاقات بينه وبين غيره من المجتمعات الأخرى!!! والمنهج الإسلامي منهج واقعي، لا يشتغل بقضايا ليست قائمة بالفعل؛ ومن ثم لا يشتغل أصلاً بأحكام تتعلق بهذه القضايا التي لا وجود لها من ناحية الواقع!.. إنه منهج أكثر جدية وواقعية من أن يشتغل بالأحكام! هذا ليس منهج هذا الدين. هذا منهج الفارغين الذين ينفقون أوقات الفراغ في البحوث النظرية وفي الأحكام الفقهية، حيث لا مقابل لها من الواقع أصلاً! بدلاً من أن ينفقوا هذه الجهود في إعادة إنشاء المجتمع المسلم وفق المنهج الحركي الواقعي لهذا الدين نفسه: دعوة إلى لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ ينشأ عنها دخول فئة في هذا الدين من جديد - كما دخل فيه الناس أول مرة - كما ينشأ عن هذا الدخول في الدين تجمع حركي ذو قيادة مسلمة وذو ولاء خاص به وذو كينونة مستقلة عن المجتمعات الجاهلية.. ثم يفتح الله بينه وبين قومه بالحق.. ثم يحتاج حينئذ - وحينئذ فقط - إلى الأحكام التي تنظم علاقاته فيما بينه؛ كما يحتاج إلى الأحكام التي تنظم علاقاته مع غيره.. وحينئذ - وحينئذ فقط - يجتهد المجتهدون فيه لاستنباط الأحكام التي تواجه قضاياه الواقعية - في الداخل وفي الخارج - وحينئذ - وحينئذ فقط - تكون لهذا الاجتهاد قيمته، لأنه تكون لهذا الاجتهاد جديته وواقعيته! من أجل هذا الإدراك لجدية المنهج الحي الواقعي الحركي لهذا الدين، لا ندخل هنا في تلك التفصيلات الفقهية الخاصة بالأنفال والغنائم؛ حتى يحين وقتها عندما يشاء الله؛ وينشأ المجتمع الإسلامي، ويواجه حالة جهاد فعلي، تنشأ عنه غنائم تحتاج إلى أحكام! وحسبنا - في هذه الظلال - أن نتتبع الأصل الإيماني في السياق التاريخي الحركي، والمنهج القرآني التربوي. فهذا هو العنصر الثابت، الذي لا يتأثر بالزمن في هذا الكتاب الكريم.. وكل ما عداه تبع له وقائم عليه: إن الحكم العام الذي تضمنه النص القرآني: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه، وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل}.. يتلخص في رد أربعة أخماس كل شيء من الغنيمة إلى المقاتلين، واستبقاء الخمس يتصرف فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأئمة المسلمون القائمون على شريعة الله المجاهدون في سبيل الله، من بعده في هذه المصارف: "لله وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل".. بما يواجه الحاجة الواقعة عند وجود ذلك المغنم. .. وفي هذا كفاية.. أما التوجيه الدائم بعد ذلك فهو ما تضمنه شطر الآية الأخير: {إن كنتم آمنتم بالله، وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شيء قدير}.. إن للإيمان أمارات تدل عليه؛ والله - سبحانه - يعلق الاعتراف لأهل بدر - وهم أهل بدر - بأنهم آمنوا بالله، وبما أنزله على عبده يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.. يعلق الاعتراف لأهل بدر هؤلاء بالإيمان، على قبولهم لما شرع الله لهم في أمر الغنائم في صدر الآية؛ فيجعل هذا شرطاً لاعتبارهم عنده قد آمنوا بالله وبما أنزله على عبده من القرآن؛ كما يجعله مقتضى لإعلانهم الإيمان لا بد أن يتحقق ليتحقق مدلول هذا الإعلان. وهكذا نجد مدلول الإيمان - في القرآن - واضحاً جازماً لا تميع فيه، ولا تفصيص ولا تأويل مما استحدثته التطويلات الفقهية فيما بعد، عندما وجدت الفرق والمذاهب والتأويلات، ودخل الناس في الجدل والفروض المنطقية الذهنية، كما دخل الناس - بسبب الفرق المذهبية والسياسية - في الاتهامات ودفع الاتهامات؛ وصار النبز بالكفر، ودفع هذا النبز، لا يقومان على الأصول الواضحة البسيطة لهذا الدين؛ إنما يقومان على الغرض والهوى ومكايدة المنافسين والمخالفين! عندئذ وجد من ينبز مخالفيه بالكفر لأمور فرعية؛ ووجد من يدفع هذا الاتهام بالتشدد في التحرج والتغليظ على من ينبز غيره بهذه التهمة.. وهذا وذلك غلو سببه تلك الملابسات التاريخية.. أما دين الله فواضح جازم لا تميع فيه ولا تفصيص ولا غلو.. "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل". ولا بد لقيامه من قبول ما شرع الله وتحقيقه في واقع الحياة.. والكفر: رفض ما شرع الله، والحكم بغير ما أنزل الله، والتحاكم إلى غير شرع الله.. في الصغير وفي الكبير سواء.. أحكام صريحة جازمة بسيطة واضحة.. وكل ما وراءها فهو من صنع تلك الخلافات والتأويلات.. وهذا نموذج من التقريرات الصريحة الواضحة الجازمة من قول الله سبحانه: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.. إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان}.. ومثله سائر التقريرات الواضحة الجازمة الصريحة التي ترسم حقيقة الإيمان وحدوده في كتاب الله. لقد نزع الله ملكية الغنيمة ممن يجمعونها في المعركة؛ وردها إلى الله والرسول - في أول السورة - ليخلص الأمر كله لله والرسول؛ وليتجرد المجاهدون من كل ملابسة من ملابسات الأرض؛ وليسلموا أمرهم كله - أوله وآخره - لله ربهم وللرسول قائدهم؛ وليخوضوا المعركة لله وفي سبيل الله، وتحت راية الله، طاعة لله؛ يحكمونه في أرواحهم، ويحكمونه في أموالهم ويحكمونه في أمرهم كله بلا تعقيب ولا اعتراض.. فهذا هو الإيمان.. كما قال لهم في مطلع السورة وهو ينتزع منهم ملكية الغنيمة ويردها إلى الله ورسوله: {أية : يسألونك عن الأنفال. قل الأنفال لله والرسول، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله.. إن كنتم مؤمنين.. }. تفسير : حتى إذا استسلموا لأمر الله، وارتضوا حكمه ذاك، فاستقر فيهم مدلول الإيمان.. عاد ليرد عليهم أربعة أخماس الغنيمة، ويستبقي الخمس على الأصل - لله والرسول - يتصرف فيه رسول صلى الله عليه وسلم، وينفق منه على من يعولهم في الجماعة المسلمة من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.. عاد ليرد عليهم الأخماس الأربعة، وقد استقر في نفوسهم أنهم لا يملكونها ابتداء بحق الغزو والفتح، فهم إنما يغزون لله ويفتحون لدين الله؛ إنما هم يستحقونها بمنح الله لهم إياها؛ كما أنه هو الذي يمنحهم النصر من عنده؛ ويدبر أمر المعركة وأمرهم كله.. وعاد كذلك ليذكرهم بأن الاستسلام لهذا الأمر الجديد هو الإيمان.. هو شرط الإيمان، وهو مقتضى الإيمان.. {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.. إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان}.. وهكذا تتواتر النصوص، لتقرر أصلاً واضحاً جازماً من أصول هذا الدين في اعتبار مدلول الإيمان وحقيقته وشرطه ومقتضاه. ثم نقف أمام وصف الله - سبحانه - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {عبدنا} في هذا الموضع الذي يرد إليه فيه أمر الغنائم كلها ابتداء، وأمر الخمس المتبقي أخيراً: {إن كنتم آمنتم بالله، وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان}.. إنه وصف موحٍ.. إن العبودية لله هي حقيقة الإيمان؛ وهي في الوقت ذاته أعلى مقام للإنسان يبلغ إليه بتكريم الله له؛ فهي تجلى وتذكر في المقام الذي يوكل فيه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التبليغ عن الله، كما يوكل إليه فيه التصرف فيما خوله الله. وإنه لكذلك في واقع الحياة! إنه لكذلك مقام كريم.. أكرم مقام يرتفع إليه الإنسان.. إن العبودية لله وحده هي العاصم من العبودية للهوى، والعاصم من العبودية للعباد.. وما يرتفع الإنسان إلى أعلى مقام مقدر له، إلا حين يعتصم من العبودية لهواه كما يعتصم من العبودية لسواه. إن الذين يستنكفون أن يكونوا عبيداً لله وحده، يقعون من فورهم ضحايا لأحط العبوديات الأخرى. يقعون من فورهم عبيداً لهواهم وشهواتهم ونزواتهم ودفعاتهم؛ فيفقدون من فورهم إرادتهم الضابطة التي خص الله بها نوع "الإنسان" من بين سائر الأنواع؛ وينحدرون في سلم الدواب فإذا هم شر الدواب، وإذا هم كالأنعام بل هم أضل، وإذا هم أسفل سافلين بعد أن كانوا - كما خلقهم الله - في أحسن تقويم. كذلك يقع الذين يستنكفون أن يكونوا عبيداً لله في شر العبوديات الأخرى وأحطها.. يقعون في عبودية العبيد من أمثالهم، يصرفون حياتهم وفق هواهم، ووفق ما يبدو لهم من نظريات واتجاهات قصيرة النظر، مشوبة بحب الاستعلاء، كما هي مشوبة بالجهل والنقص والهوى! ويقعون في عبودية "الحتميات" التي يقال لهم: إنه لا قبل لهم بها، وإنه لا بد من أن يخضعوا لها ولا يناقشوها.. "حتمية التاريخ".. و "حتمية الاقتصاد".. و"حتمية التطور" وسائر الحتميات المادية التي تمرغ جبين "الإنسان" في الرغام وهو لا يملك أن يرفعه، ولا أن يناقش - في عبوديته البائسة الذليلة - هذه الحتميات الجبارة المذلة المخيفة! ثم نقف كذلك أمام وصف الله - سبحانه - ليوم بدر بأنه يوم الفرقان: {إن كنتم آمنتم بالله، وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان}.. لقد كانت غزوة بدر - التي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده - فرقاناً.. فرقاناً بين الحق والباطل - كما يقول المفسرون إجمالاً - وفرقاناً بمعنى أشمل وأوسع وأَدق وأعمق كثيراً.. كانت فرقاناً بين الحق والباطل فعلاً.. ولكنه الحق الأصيل الذي قامت عليه السماوات والأرض، وقامت عليه فطرة الأشياء والأحياء.. الحق الذي يتمثل في تفرد الله - سبحانه - بالألوهية والسلطان والتدبير والتقدير؛ وفي عبودية الكون كله: سمائه وأرضه، أشيائه وأحيائه، لهذه الألوهية المتفردة ولهذا السلطان المتوحد، ولهذا التدبير وهذا التقدير بلا معقب ولا شريك.. والباطل الزائف الطارئ الذي كان يعم وجه الأرض إذ ذاك؛ ويغشي على ذلك الحق الأصيل؛ ويقيم في الأرض طواغيت تتصرف في حياة عباد الله بما تشاء، وأهواء تصرف أمر الحياة والأحياء!.. فهذا هو الفرقان الكبير الذي تم يوم بدر؛ حيث فرق بين ذلك الحق الكبير وهذا الباطل الطاغي؛ وزيل بينهما فلم يعودا يلتبسان! لقد كانت فرقاناً بين الحق والباطل بهذا المدلول الشامل الواسع الدقيق العميق، على أبعاد وآماد: كانت فرقاناً بين هذا الحق وهذا الباطل في أعماق الضمير.. فرقاناً بين الوحدانية المجردة المطلقة بكل شعبها في الضمير والشعور، وفي الخلق والسلوك، وفي العبادة والعبودية؛ وبين الشرك في كل صوره التي تشمل عبودية الضمير لغير الله من الأشخاص والأهواء والقيم والأوضاع والتقاليد والعادات.. وكانت فرقاناً بين هذا الحق وهذا الباطل في الواقع الظاهر كذلك.. فرقاناً بين العبودية الواقعية للأشخاص والأهواء، وللقيم والأوضاع، وللشرائع والقوانين، وللتقاليد والعادات... وبين الرجوع في هذا كله لله الواحد الذي لا إله غيره، ولا متسلط سواه، ولا حاكم من دونه، ولا مشرع إلا إياه.. فارتفعت الهامات لا تنحني لغير الله؛ وتساوت الرؤوس لا تخضع إلا لحاكميته وشرعه؛ وتحررت القطعان البشرية التي كانت مستعبدة للطغاة.. وكانت فرقاناً بين عهدين في تاريخ الحركة الإسلامية: عهد الصبر والمصابرة والتجمع والانتظار. وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع.. والإسلام بوصفه تصوراً جديداً للحياة، ومنهجاً جديداً للوجود الإنساني، ونظاماً جديداً للمجتمع، وشكلاً جديداً للدولة.. بوصفه إعلاناً عاماً لتحرير "الإنسان" في "الأرض" بتقرير ألوهية الله وحده وحاكميته، ومطاردة الطواغيت التي تغتصب ألوهيته وحاكميته.. الإسلام بوصفه هذا لم يكن له بد من القوة والحركة والمبادأة والاندفاع، لأنه لم يكن يملك أن يقف كامناً منتظراً على طول الأمد. لم يكن يستطيع أن يظل عقيدة مجردة في نفوس أصحابه، تتمثل في شعائر تعبدية لله، وفي أخلاق سلوكية فيما بينهم. ولم يكن له بد أن يندفع إلى تحقيق التصور الجديد، والمنهج الجديد، والدولة الجديدة، والمجتمع الجديد، في واقع الحياة؛ وأن يزيل من طريقها العوائق المادية التي تكبتها وتحول بينها وبين التطبيق الواقعي في حياة المسلمين أولاً؛ ثم في حياة البشرية كلها أخيراً.. وهي لهذا التطبيق الواقعي جاءت من عند الله.. وكانت فرقاناً بين عهدين في تاريخ البشرية.. فالبشرية بمجموعها قبل قيام النظام الإسلامي هي غير البشرية بمجموعها بعد قيام هذا النظام.. هذا التصور الجديد الذي انبثق منه هذا النظام. وهذا النظام الجديد الذي انبثق من هذا التصور. وهذا المجتمع الوليد الذي يمثل ميلاداً جديداً للإنسان. وهذه القيم التي تقوم عليها الحياة كلها ويقوم عليها النظام الاجتماعي والتشريع القانوني سواء.. هذا كله لم يعد ملكاً للمسلمين وحدهم منذ غزوة بدر وتوكيد وجود المجتمع الجديد. إنما صار - شيئاً فشيئاً - ملكاً للبشرية كلها؛ تأثرت به سواء في دار الإسلام أم في خارجها، سواء بصداقة الإسلام أم بعداوته!.. والصليبيون الذين زحفوا من الغرب، ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه في ربوعه، قد تأثروا بتقاليد هذا المجتمع الإسلامي الذي جاءوا ليحطموه؛ وعادوا إلى بلادهم ليحطموا النظام الإقطاعي الذي كان سائداً عندهم، بعد ما شاهدوا بقايا النظام الاجتماعي الإسلامي! والتتار الذين زحفوا من الشرق ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه - بإيحاء من اليهود والصليبيين من أهل دار الإسلام! - قد تأثروا بالعقيدة الإسلامية في النهاية، وحملوها لينشروها في رقعة من الأرض جديدة؛ وليقيموا عليها خلافة ظلت من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين في قلب أوربا!.. وعلى أية حال فالتاريخ البشري كله - منذ وقعة بدر - متأثر بهذا الفرقان في أرض الإسلام، أو في الأرض التي تناهض الإسلام على السواء. وكانت فرقاناً بين تصورين لعوامل النصر وعوامل الهزيمة. فجرت وكل عوامل النصر الظاهرية في صف المشركين؛ وكل عوامل الهزيمة الظاهرية في صف العصبة المؤمنة، حتى لقال المنافقون والذين في قلوبهم مرض: {غر هؤلاء دينهم}.. وقد أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو - وهي المعركة الأولى بين الكثرة المشركة والقلة المؤمنة - لتكون فرقاناً بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر وأسباب الهزيمة؛ ولتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد؛ فيتبين للناس أن النصر للعقيدة الصالحة القوية، لا لمجرد السلاح والعتاد؛ وأن أصحاب العقيدة الحقة عليهم أن يجاهدوا ويخوضوا غمار المعركة مع الباطل غير منتظرين حتى تتساوى القوى المادية الظاهرية، لأنهم يملكون قوة أخرى ترجح الكفة؛ وأن هذا ليس كلاماً يقال، إنما هو واقع متحقق للعيان. وأخيراً فلقد كانت بدر فرقاناً بين الحق والباطل بمدلول آخر. ذلك المدلول الذي يوحي به قول الله تعالى في أوائل هذه السورة: {أية : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون }. تفسير : لقد كان الذين خرجوا للمعركة من المسلمين، إنما خرجوا يريدون عير أبي سفيان واغتنام القافلة. فأراد الله لهم غير ما أرادوا. أراد لهم أن تفلت منهم قافلة أبي سفيان {غير ذات الشوكة} وأن يلاقوا نفير أبي جهل {ذات الشوكة} وأن تكون معركة وقتال وقتل وأسر؛ ولا تكون قافلة وغنيمة ورحلة مريحة! وقال لهم الله - سبحانه - إنه صنع هذا: {أية : ليحق الحق ويبطل الباطل }.. تفسير : وكانت هذه إشارة لتقرير حقيقة كبيرة.. إن الحق لا يحق، وإن الباطل لا يبطل - في المجتمع الإنساني - بمجرد البيان "النظري" للحق والباطل. ولا بمجرد الاعتقاد "النظري" بأن هذا حق وهذا باطل.. إن الحق لا يحق ولا يوجد في واقع الناس؛ وإن الباطل لا يبطل ولا يذهب من دنيا الناس. إلا بأن يتحطم سلطان الباطل ويعلو سلطان الحق، وذلك لا يتم إلا بأن يغلب جند الحق ويظهروا، ويهزم جند الباطل ويندحروا.. فهذا الدين منهج حركي واقعي، لا مجرد "نظرية" للمعرفة والجدل! أو لمجرد الاعتقاد السلبي! ولقد حق الحق وبطل الباطل بالموقعة؛ وكان هذا النصر العملي فرقاناً واقعياً بين الحق والباطل بهذا الاعتبار الذي أشار إليه قول الله تعالى في معرض بيان إرادته - سبحانه - من وراء المعركة، ومن وراء إخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من بيته بالحق؛ ومن وراء إفلات القافلة {غير ذات الشوكة} ولقاء الفئة ذات الشوكة.. ولقد كان هذا كله فرقاناً في منهج هذا الدين ذاته، تتضح به طبيعة هذا المنهج وحقيقته في حس المسلمين أنفسهم.. وأنه لفرقان ندرك اليوم ضرورته؛ حينما ننظر إلى ما أصاب مفهومات هذا الدين من تميع في نفوس من يسمون أنفسهم مسلمين! حتى ليصل هذا التميع إلى مفهومات بعض من يقومون بدعوة الناس إلى هذا الدين! وهكذا كان يوم بدر {يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} بهذه المدلولات المنوعة الشاملة العميقة.. {والله على كل شيء قدير}.. وفي هذا اليوم مثل من قدرته على كل شيء.. مثل لا يجادل فيه مجادل، ولا يماري فيه ممار.. مثل من الواقع المشهود، الذي لا سبيل إلى تفسيره إلا بقدرة الله. وأن الله على كل شيء قدير. وهنا يعود السياق إلى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.. يعود إلى المعركة، فيعيد عرضها بأسلوب عجيب في استحضار مشاهدها ومواقفها، كما لو كانت معروضة فعلاً، ويكشف عن تدبير الله في إدارتها. حتى ليكاد الإنسان يرى يد الله - سبحانه - من وراء الأحداث والحركات كما يكشف عن غاية ذلك التدبير التي تحققت كما أرادها الله سبحانه: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا، وهم بالعدوة القصوى، والركب أسفل منكم. ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة، وإن الله لسميع عليم. إذ يريكهم الله في منامك قليلاً، ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر، ولكن الله سلم، إنه عليم بذات الصدور. وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وإلى الله ترجع الأمور}. إن المعركة شاخصة بمواقع الفريقين فيها؛ وشاهدة بالتدبير الخفي من ورائها.. إن يد الله تكاد ترى، وهي توقف هؤلاء هنا، وهؤلاء هناك، والقافلة من بعيد! والكلمات تكاد تشف عن تدبير الله في رؤيا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي تقليل كل فريق في عين الفريق الآخر، وفي إغراء كل منهما بالآخر.. وما يملك إلا الأسلوب القرآني الفريد، عرض المشاهد وما وراء المشاهد بهذه الحيوية، وبهذه الحركة المرئية، وفي مثل هذه المساحة الصغيرة من التعبير! وهذه المشاهد التي تستحضرها النصوص، قد مر بنا في استعراض الوقعة من السيرة الإشارة إليها.. ذلك أن المسلمين حين خرجوا من المدينة نزلوا بضفة الوادي القريبة من المدينة؛ ونزل جيش المشركين بقيادة أبي جهل بالضفة الأخرى البعيدة من المدينة؛ وبين الفريقين ربوة تفصلهما.. أما القافلة فقد مال بها أبو سفيان إلى سيف البحر أسفل من الجيشين. ولم يكن كل من الجيشين يعلم بموقع صاحبه. وإنما جمعهما الله هكذا على جانبي الربوة لأمر يريده. حتى لو أن بينهما موعداً على اللقاء ما اجتمعا بمثل هذه الدقة والضبط من ناحية المكان والموعد! وهذا ما يذكر الله به العصبة المسلمة ليذكرها بتدبيره وتقديره. {إذ أنتم بالعدوة الدنيا، وهم بالعدوة القصوى، والركب أسفل منكم، ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً}.. إن وراء هذا التلاقي على غير موعد - بهذه الدقة وبهذا الضبط - لأمراً مقضياً يريد الله تحقيقه في عالم الواقع، ويدبر له هذا التدبير الخفي اللطيف؛ ويجعلكم أنتم أداة تحقيقه، ويهيئ له جميع الظروف التي تيسر لكم القيام به! أما هذا الأمر المقتضى الذي دبر الله الظروف لتحقيقه فهو الذي يقول عنه: {ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة}.. والهلاك يعبر به عن مدلوله المباشر، كما يعبر به عن الكفر. وكذلك الحياة فإنها قد تفيد مدلولها المباشر وقد يعبر بها عن الإيمان.. وهذا المدلول الثاني أظهر هنا، وذلك كا قال الله سبحانه في مثل هذا المعنى:{أية : أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟ }.. تفسير : فعبر عن الكفر بالموت وعبر عن الإيمان بالحياة؛ وجرى في هذا على نظرة الإسلام لحقيقة الكفر وحقيقة الإيمان. هذه النظرة التي أوضحناها بشيء من التفصيل عند استعراض هذه الآية من سورة الأنعام في الجزء الثامن. ووجه ترجيح هذا المدلول هنا أن يوم بدر - كما قال الله سبحانه - كان "يوم الفرقان" وقد فرق الله فيه بين الحق والباطل - كما ذكرنا منذ قليل - ومن ثم فإن من يكفر بعدها فإنما يكفر في غير شبهة - يكفر عن بينه فيهلك عن بينة - ومن يؤمن بعدها فإنما يؤمن عن بينة واضحة تبرزها المعركة.. إن الموقعة - بظروفها التي صاحبتها - تحمل بينة لا تجحد، وتدل دلالة لا تنكر، على تدبير وراء تدبير البشر، وعلى قوى وراءها غير قوة البشر.. إنها تثبت أن لهذا الدين رباً يتولى أصحابه متى أخلصوا له وجاهدوا في سبيله وصبروا وثبتوا، وأنه لو كان الأمر إلى القوى المادية الظاهرة ما هزم المشركون ولا انتصرت العصبة المسلمة هذا الانتصار العظيم. ولقد قال المشركون أنفسهم لحليفهم الذي أراد أن يمدهم بالرجال وهم ذاهبون للقتال: "فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل الله - كما يزعم محمد - فما لأحد بالله من طاقة"! ولقد علموا - لو كان العلم يجدي - أنهم إنما يقاتلون الله كما قال لهم محمد الصادق الأمين، وأنه ما لأحد بالله من طاقة.. فإذا هلكوا بعد ذلك بالكفر فإنما يهلكون عن بينة! هذا ما يتبادر إلى الذهن من معنى هذا التعقيب: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة}.. ولكن يبقى وراءه إيحاء آخر: إن وقوع المعركة بين جند الحق وجند الباطل؛ واستعلاء سلطان الحق في عالم الواقع - بعد استعلائه في عالم الضمائر - إن هذا كله مما يعين على جلاء الحق للعيون والقلوب؛ وعلى إزالة اللبس في العقول والنفوس؛ بحيث يتبين الأمر بهذا الفتح ويتجلى؛ فلا تعود لمن يختار الهلاك - أي الكفر - شبهة في الحق الذي استعلن واستعلى؛ كما أن الذي يريد أن يحيا - أي يؤمن - لا يعود لديه شك في أن هذا هو الحق الذي ينصره الله، ويخذل الطغاة. وهذا يعود بنا إلى ما قدمناه في الجزء التاسع - في التعريف بسورة الأنفال - من الحديث عن ضرورة الجهاد لتحطيم قوى الشر وسلطان الطاغوت؛ وإعلاء راية الحق وسلطان الله.. فهذا مما يعين على جلاء الحق: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة}.. كما أن هذه اللفتة تساعدنا على تفهم أبعاد الإيحاء الذي يعطيه قول الله تعالى، في هذه السورة:{أية : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم...}تفسير : فإعداد القوة والإرهاب بها مما يعين على جلاء الحق في أنماط من القلوب. لا تستيقظ ولا تتبين إلا على إيقاعات القوة التي تحمل الحق وتنطلق به لإعلان تحرير "الإنسان" في "الأرض" كما أسلفنا. والتعقيب على ذلك الجانب من التدبير الإلهي في المعركة، وعلى غاية هذا التدبير التي تحققت فعلاً هو: {وإن الله لسميع عليم}.. فهو - سبحانه - لا يخفى عليه شيء مما يقول فريق الحق أو فريق الباطل؛ ولا شيء مما يخفونه في صدورهم وراء الأقوال والأفعال؛ وهو يدبر ويقدر باطلاعه على الظواهر وعلمه بالسرائر، وهو السميع العليم.. وبعد هذا التعقيب الذي يتوسط استعراض المعركة وأحداثها وملابساتها يمضي السياق في هذا الاستعراض؛ ويكشف التدبير الخفي اللطيف: {إذ يريكهم الله في منامك قليلاً، ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر. ولكن الله سلم. إنه عليم بذات الصدور}.. ولقد كان من تدبير الله في المعركة أن يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكافرين في الرؤيا في منامه قليلاً لا قوة لهم ولا وزن، فينبئ أصحابه برؤياه، فيستبشروا بها ويتشجعوا على خوض المعركة.. ثم يخبر الله هنا لم أراهم لنبيه قليلاً. فلقد علم - سبحانه - أنه لو أراهم له كثيراً، لفت ذلك في قلوب القلة التي معه، وقد خرجت على غير استعداد ولا توقع لقتال، ولضعفوا عن لقاء عدوهم؛ وتنازعوا فيما بينهم على ملاقاتهم: فريق يرى أن يقاتلهم وفريق يرى تجنب الالتحام بهم.. وهذا النزاع في هذا الظرف هو أبأس ما يصيب جيشاً يواجه عدواً! {ولكن الله سلم. إنه عليم بذات الصدور}.. ولقد كان - سبحانه - يعلم بذوات الصدور؛ فلطف بالعصبة المسلمة أن يعرضها لما يعلمه من ضعفها في ذلك الموقف؛ فأرى نبيه المشركين في رؤياه قليلاً، ولم يرهم إياه كثيراً.. والرؤيا صادقة في دلالتها الحقيقية. فقد رآهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قليلاً.. وهم كثير عددهم، ولكن قليل غناؤهم، قليل وزنهم في المعركة، قلوبهم خواء من الإدراك الواسع، والإيمان الدافع، والزاد النافع.. وهذه الحقيقة الواقعة - من وراء الظاهر الخادع - هي التي أراها الله لرسوله؛ فأدخل بها الطمأنينة على قلوب العصبة المسلمة. والله عليم بسرائرهم، مطلع على قلة عددهم وضعف عدتهم، وما تحدثه في نفوسهم لو عرفوا كثرة عدوهم، من ضعف عن المواجهة؛ وتنازع على الالتحام أو الإحجام. وكان هذا تدبيراً من تدبير الله العليم بذات الصدور. وحينما التقى الجمعان وجهاً لوجه، تكررت الرؤيا النبوية الصادقة، في صورة عيانية من الجانبين؛ وكان هذا من التدبير الذي يذكرهم الله به؛ عند استعراض المعركة وأحداثها وما وراءها. {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً، ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وإلى الله ترجع الأمور}.. ولقد كان في هذا التدبير الإلهي ما أغرى الفريقين بخوض المعركة.. والمؤمنون يرون أعداءهم قليلاً - لأنهم يرونهم بعين الحقيقة! - والمشركون يرونهم قليلاً - وهم يرونهم بعين الظاهر - ومن وراء الحقيقتين اللتين رأى كل فريق منهما صاحبه بها، تحققت غاية التدبير الإلهي؛ ووقع الأمر الذي جرى به قضاؤه.. {وإلى الله ترجع الأمور}.. وهو التعقيب المناسب لتحقق التدبير ووقوع القضاء.. فهو أمر من الأمور التي مرجعها لله وحده، يصرفها بسلطانه، ويوقعها بإرادته، ولا تند عن قدرته وحكمه. ولا ينفذ شيء في الوجود إلا ما قضاه وأجرى به قدره. وإذ إن الأمر كذلك.. التدبير تدبير الله. والنصر من عند الله. والكثرة العددية ليست هي التي تكفل النصر. والعدة المادية ليست هي التي تقرر مصير المعركة.. فليثبت الذين آمنوا إذن حين يلقون الذين كفروا؛ وليتزودوا بالعدة الحقيقية للمعركة؛ وليأخذوا بالأسباب الموصولة بصاحب التدبير والتقدير، وصاحب العون والمدد، وصاحب القوة والسلطان؛ وليتجنبوا أسباب الهزيمة التي هزمت الكفار على كثرة العدد وكثرة العدة؛ وليتجردوا من البطر والكبرياء والباطل؛ وليحترزوا من خداع الشيطان، الذي أهلك أولئك الكفار؛ وليتوكلوا على الله وحده فهو العزيز الحكيم: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا. واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون. وأطيعوا الله ورسوله؛ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم, واصبروا إن الله مع الصابرين. ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط. وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم. فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال: إني برئ منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب. إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض، غر هؤلاء دينهم! ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم}.. وفي هذه الفقرات القليلة تحتشد معان وإيحاءات، وقواعد وتوجيهات، وصور ومشاهد؛ وتشخص مواقف من المعركة كأنها حية واقعة، وتتكشف خواطر ومشاعر وضمائر وسرائر.. مما يحتاج تصويره إلى أضعاف هذه المساحة من التعبير؛ ثم لا يبلغ ذلك شيئاً من هذا التصوير المدهش الفريد! إنها تبدأ بنداء الذين آمنوا - في سلسلة النداءات المتكررة للعصبة المسلمة في السورة - وتوجيههم إلى الثبات عند لقاء الأعداء، وإلى التزويد بزاد النصر؛ والتأهب بأهبته. {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين. ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط}.. فهذه هي عوامل النصر الحقيقية: الثبات عند لقاء العدو. والاتصال بالله بالذكر. والطاعة لله والرسول. وتجنب النزاع والشقاق. والصبر على تكاليف المعركة. والحذر من البطر والرئاء والبغي.. فأما الثبات فهو بدء الطريق إلى النصر. فأثبت الفريقين أغلبهما. وما يُدري الذين آمنوا أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون؛ وأنه يألم كما يألمون، ولكنه لا يرجو من الله ما يرجون؛ فلا مدد له من رجاء في الله يثبت أقدامه وقلبه! وأنهم لو ثبتوا لحظة أخرى فسينخذل عدوهم وينهار؛ وما الذي يزلزل أقدام الذين آمنوا وهم واثقون من إحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر؟ بينما عدوهم لا يريد إلا الحياة الدنيا؛ وهو حريص على هذه الحياة التي لا أمل له وراءها ولا حياة له بعدها، ولا حياة له سواها؟! وأما ذكر الله كثيراً عند لقاء الأعداء فهو التوجيه الدائم للمؤمن؛ كما أنه التعليم المطرد الذي استقر في قلوب العصبة المؤمنة، وحكاه عنها القرآن الكريم في تاريخ الأمة المسلمة في موكب الإيمان التاريخي. ومما حكاه القرآن الكريم من قول سحرة فرعون عندما استسلمت قلوبهم للإيمان فجأة، فواجههم فرعون بالتهديد المروع البشع الطاغي، قولهم:{أية : وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا. ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين }.. تفسير : ومما حكاه كذلك عن الفئة القليلة المؤمنة من بني إسرائيل، وهي تواجه جالوت وجنوده:{أية : ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا: ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامناً وانصرنا على القوم الكافرين }.. تفسير : ومما حكاه عن الفئات المؤمنة على مدار التاريخ في مواجهة المعركة: {أية : وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير. فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين. وما كان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين }.. تفسير : ولقد استقر هذا التعليم في نفوس العصبة المسلمة؛ فكان هذا شأنها حيثما واجهت عدواً. وقد حكى الله - فيما بعد - عن العصبة التي أصابها القرح في "أحد"؛ فلما دعيت إلى الخروج ثاني يوم، كان هذا التعليم حاضراً في نفوسها:{أية : الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل }.. تفسير : إن ذكر الله عند لقاء العدو يؤدي وظائف شتى: إنه الاتصال بالقوة التي لا تغلب؛ والثقة بالله الذي ينصر أولياءه.. وهو في الوقت ذاته استحضار حقيقة المعركة وبواعثها وأهدافها، فهي معركة لله، لتقرير ألوهيته في الأرض، وطرد الطواغيت المغتصبة لهذه الألوهية؛ وإذن فهي معركة لتكون كلمة الله هي العليا؛ لا للسيطرة، ولا للمغنم، ولا للاستعلاء الشخصي أو القومي.. كما أنه توكيد لهذا الواجب - واجب ذكر الله - في أحرج الساعات وأشد المواقف.. وكلها إيحاءات ذات قيمة في المعركة؛ يحققها هذا التعليم الرباني. وأما طاعة الله ورسوله، فلكي يدخل المؤمنون المعركة مستسلمين لله ابتداء؛ فتبطل أسباب النزاع التي أعقبت الأمر بالطاعة: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}... فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه؛ وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار. فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة - فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها! وإنما هو وضع "الذات" في كفة، والحق في كفة؛ وترجيح الذات على الحق ابتداء!.. ومن ثم هذا التعليم بطاعة الله ورسوله عند المعركة.. إنه من عمليات "الضبط" التي لا بد منها في المعركة.. إنها طاعة القيادة العليا فيها، التي تنبثق منها طاعة الأمير الذي يقودها. وهي طاعة قلبية عميقة لا مجرد الطاعة التنظيمية في الجيوش التي تجاهد لله، ولا يقوم ولاؤها للقيادة على ولائها لله أصلا.. والمسافة كبيرة كبيرة.. وأما الصبر. فهو الصفة التي لا بد منها لخوض المعركة.. أية معركة.. في ميدان النفس أم في ميدان القتال. {واصبروا، إن الله مع الصابرين}.. وهذه المعية من الله هي الضمان للصابرين بالفوز والغلب و الفلاح.. ويبقى التعليم الأخير: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط}.. يبقى هذا التعليم ليحمي العصبة المؤمنة من أن تخرج للقتال متبطرة طاغية تتعاجب بقوتها! وتستخدم نعمة القوة التي أعطاها الله لها في غير ما أرادها.. والعصبة المؤمنة إنما تخرج للقتال في سبيل الله؛ تخرج لتقرير ألوهيته سبحانه في حياة البشر، وتقرير عبودية العباد لله وحده. وتخرج لتحطيم الطواغيت التي تغتصب حق الله في تعبيد العباد له وحده، والتي تزاول الألوهية في الأرض بمزاولتها للحاكمية - بغير إذن الله وشرعه - وتخرج لإعلان تحرير "الإنسان" في "الأرض" من كل عبودية لغير الله، تستذل إنسانية الإنسان وكرامته. وتخرج لحماية حرمات الناس وكراماتهم وحرياتهم، لا للاستعلاء على الناس واستعبادهم والتبطر بنعمة القوة باستخدامها هذا الاستخدام المنكر. وتخرج متجردة من حظ نفسها في المعركة جملة، فلا يكون لها من النصر والغلب إلا تحقيق طاعة الله في تلبية أمره بالجهاد؛ وفي إقامة منهجه في الحياة؛ وفي إعلاء كلمته في الأرض؛ وفي التماس فضله بعد ذلك ورضاه.. حتى الغنائم التي تخلفها المعركة فهي من فضل الله.. ولقد كانت صورة الخروج بطراً ورئاء الناس وصدا عن سبيل الله حاضرة أمام العصبة المسلمة؛ يرونها في خروج قريش بالصورة التي خرجت بها؛ كما كانت صورة العاقبة لهذا الخروج حاضرة فيما أصاب قريشاً التي خرجت في ذلك اليوم بفخرها وعزها وكبريائها تحاد الله ورسوله: وعادت في آخر اليوم بالذل والخيبة والانكسار والهزيمة.. وكان الله سبحانه يذكر العصبة المسلمة بشيء حاضر له وقعه وله إيحاؤه: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله. والله بما يعملون محيط}.. والبطر والمراءاة والصد عن سبيل الله تتجلى كلها في قولة أبي جهل، وقد جاءه رسول أبي سفيان - بعد أن ساحل بالعير فنجت من رصد المسلمين - يطلب إليه الرجوع بالنفير، إذ لم تعد بهم حاجة لقتال محمد وأصحابه. وكانت قريش قد خرجت بالقيان والدفوف يغنون وينحرون الجزر على مراحل الطريق. فقال أبو جهل: "لا والله لا نرجع حتى نرد بدراً، فنقيم ثلاثاً، ننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا، فلن تزال العرب تهابنا أبداً".. فلما عاد الرسول إلى أبي سفيان برد أبي جهل قال: "واقوماه! هذا عمل عمرو بن هشام (يعني أبا جهل) كره أن يرجع، لأنه ترأس على الناس فبغى، والبغي منقصة وشؤم، إن أصاب محمد النفير ذللنا".. وصحت فراسة أبي سفيان، وأصاب محمد - صلى الله عليه وسلم - النفير؛ وذل المشركون بالبطر والبغي والرياء والصد عن سبيل الله؛ وكانت بدر قاصمة الظهر لهم: {والله بما يعملون محيط}.. لا يفوته منهم شيء، لا يعجزه من قوتهم شيء، وهو محيط بهم وبما يعملون. ويمضي السياق يصور وسوسة الشيطان للمشركين وإغراءهم بهذا الخروج الذي نالهم منه ما نالهم من الذل والخيبة والخسار والانكسار: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم. فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب}.. ولقد وردت في هذه الآية والحادث الذي تشير إليه عدة آثار؛ ليس من بينها حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ما رواه مالك في الموطأ: حدثنا أحمد بن الفرج، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، قال: حدثنا مالك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"حديث : ما رئي إبليس يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك ما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب، إلا ما رأى يوم بدر!" تفسير : قالوا: يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟ قال: "حديث : أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة ".. تفسير : وفي هذا الأثر عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، وهو ضعيف الحديث، والخبر مرسل. فأما سائر الآثار فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - من طريق علي بن أبي طلحة وطريق ابن جريج. وعن عروة بن الزبير من طريق ابن إسحاق. وعن قتادة من طريق سعيد بن جبير. وعن الحسن وعن محمد بن كعب. وهذه أمثلة منها من رواية ابن جرير الطبري: * حدثني المثنى، قال:حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه راية، في صورة رجل من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم. فقال الشيطان للمشركين: {لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم}.. فلما اصطف الناس أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين. وأقبل جبير إلى إبليس، فلما رآه، وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع إبليس يده فولى مدبراً هو وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة، تزعم أنك لنا جار؟ قال: {إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب} وذلك حين رأى الملائكة. *حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان. عن عروة بن الزبير قال: لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر - يعني من الحرب - فكاد ذلك أن يثنيهم. فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف كنانة، فقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه. فخرجوا سراعاً. * حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم} إلى قوله: {شديد العقاب} قال: ذكر لنا أنه رأى جبريل تنزل معه الملائكة فزعم عدو الله أنه لا يد له بالملائكة، وقال: {إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله}.. وكذب والله عدو الله، ما به مخافة الله، ولكن علم أن لا قوة له ولا منعة له، وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه واستقاد له، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم، وتبرأ منهم عند ذلك. ونحن - على منهجنا في هذه الظلال - لا نتعرض لهذه الأمور الغيبية بتفصيل لم يرد به نص قرآني أو حديث نبوي صحيح متواتر. فهي من أمور الاعتقاد التي لا يلتزم فيها إلا بنص هذه درجته. ولكننا في الوقت ذاته لا نقف موقف الإنكار والرفض.. وفي هذا الحادث نص قرآني يثبت منه أن الشيطان زين للمشركين أعمالهم، وشجعهم على الخروج بإعلان إجارته لهم ونصرته إياهم؛ وأنه بعد ذلك - لما تراءى الجمعان أي رأى أحدهما الآخر - {نكص على عقبيهِ وقال: إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب}.. فخذلهم وتركهم يلاقون مصيرهم وحدهم، ولم يوف بعهده معهم.. ولكننا لا نعلم الكيفية التي زين لهم بها أعمالهم، والتي قال لهم بها: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم. والتي نكص بها كذلك وقال ما قاله بعد ذلك.. الكيفية فقط هي التي لا نجزم بها. ذلك أن أمر الشيطان كله غيب؛ ولا سبيل لنا إلى الجزم بشيء في أمره إلا في حدود النص المسلم. والنص هنا لا يذكر الكيفية إنما يثبت الحادث.. فإلى هنا ينتهي اجتهادنا. ولا نميل إلى المنهج الذي تتخذه مدرسة الشيخ محمد عبده في التفسير من محاولة تأويل كل أمر غيبي من هذا القبيل تأويلاً معيناً ينفي الحركة الحسية عن هذه العوالم. وذلك كقول الشيخ رشيد رضا في تفسير الآية: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم}.. أي واذكر أيها الرسول للمؤمنين، إذ زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته، وقال لهم بما ألقاه في هواجسهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، لا أتباع محمد الضعفاء ولا غيرهم من قبائل العرب، فأنتم أعز نفراً وأكثر نفيراً وأعظم بأساً، وإني مع هذا - أو والحال أني - جار لكم. قال البيضاوي في تفسيره: وأوهمهم أن اتباعهم إياه، فيما يظنون أنها قربات، مجير لهم، حتى قالوا: اللهم انصر أهدى الفئتين وأفضل الدينين". {فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه}.. أي فلما قرب كل من الفريقين المتقاتلين من الآخر، وصار بحيث يراه ويعرف حاله، وقبل أن يلقاه في المعركة ويصطلي نار القتال معه، نكص: أي رجع القهقرى، وتولى إلى الوراء، وهو جهة العقبين (أي مؤخري الرجلين) وأخطأ من قال من المفسرين: إن المراد بالترائي التلاقي - والمراد: أنه كف عن تزيينه لهم وتغريره إياهم، فخرج الكلام مخرج التمثيل بتشبيه وسوسته بما ذكر بحال المقبل على الشيء؛ وتركها بحال من ينكص عنه ويوليه دبره. ثم زاد على هذا ما يدل على براءته منهم، وتركه إياهم وشأنهم وهو {وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله} أي تبرأ منهم وخاف عليهم، وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة {والله شديد العقاب} يجوز أن يكون هذا من كلامه ويجوز أن يكون مستأنفاً".. ... "أقول: معنى هذا أن جند الشيطان الخبيث كانوا منبثين في المشركين يوسوسون لهم بملابستهم لأرواحهم الخبيثة ما يغريهم ويغرهم؛ كما كان الملائكة منبثين في المؤمنين يلهمونهم بملابستهم لأرواحهم الطيبة ما يثبتون به قلوبهم ويزيدهم ثقة بوعد الله بنصرهم..." وهذا الميل الظاهر إلى تفسير أفعال الملائكة بأنها مجرد ملابسة لأرواح المؤمنين؛ وقد جزم في موضع آخر بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر على الرغم من قول الله تعالى: {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} - وتفسير فعل الشيطان بأنه مجرد ملابسة لأرواح المشركين.. هو منهج تلك المدرسة بجملتها.. ومثله تفسير "الطير الأبابيل" بأنها ميكروبات الجدري! في تفسير الشيخ محمد عبده لجزء عم.. هذا كله مبالغة في تأويل هذه النصوص المتعلقة بأمور غيبية؛ حيث لا ضرورة لهذا التأويل، لأنه ليس هناك ما يمنع من الدلالة الصريحة للألفاظ فيها.. وكل ما ينبغي هو الوقوف وراء النصوص بلا تفصيلات لا تدل عليها دلالة صريحة.. وهو المنهج الذي اتخذناه فعلاً.. وبعد، فإنه بينما كان الشيطان يخدع المشركين الذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله، ويشجعهم على الخروج، ثم يتركهم لمصيرهم البائس... كان المنافقون والذين في قلوبهم ضعف، يظنون بالعصبة المؤمنة الظنون؛ وهم يرونها تواجه جحافل المشركين، وهي قليلة العدد ضعيفة العدة؛ ويرون - بقلوبهم المدخولة ونظرتهم إلى الظواهر المادية الخادعة - أن المؤمنين أوردوا أنفسهم موارد التهلكة، مخدوعين بدينهم، ظانين أنه ينصرهم أو يقيهم: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: غر هؤلاء دينهم}.. والمنافقون والذين في قلوبهم مرض قيل: إنهم مجموعة من الذين مالوا إلى الإسلام في مكة - ولكن لم تصح عقيدتهم ولم تطمئن قلوبهم - خرجوا مع النفير مزعزعين، فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين قالوا هذه المقالة! والمنافقون والذين في قلوبهم مرض لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة؛ فهم يرون ظواهر الأمور، دون أن تهديهم بصيرة إلى بواطنها؛ ودون أن يشعروا بالقوة الكامنة في العقيدة، والثقة في الله، والتوكل عليه، واستصغار شأن الجموع والقوى التي لا ترتكن إلى عقيدة في الله تمنحها القوة الحقيقية.. فلا جرم يظنون المسلمين يومئذ مخدوعين في موقفهم، مغرورين بدينهم، واردين موارد التهلكة بتعرضهم لجحافل المشركين التي يرونها! إن الواقع المادي الظاهر لا يختلف من ناحية مظهره عند القلوب المؤمنة وعند القلوب الخاوية من الإيمان. ولكن الذي يختلف هو التقدير والتقويم لهذا الواقع المادي الظاهر.. فالقلوب الخاوية تراه ولا ترى شيئاً وراءه؛ والقلوب المؤمنة ترى ما وراءه من "الواقع" الحقيقي! الواقع الذي يشمل جميع القوى، ويوازن بينها موازنة صحيحة: {ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم}.. هذا ما تدركه القلوب المؤمنة وتطمئن إليه؛ وما هو محجوب عن القلوب الخاوية فلا تحسب حسابه! وهذا ما يرجح الكفة، ويقرر النتيجة، ويفصل في القضية في نهاية المطاف في كل زمان وفي كل مكان. وقولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض، عن العصبة المسلمة يوم بدر: {غر هؤلاء دينهم}.. هي قولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض كلما رأوا العصبة المسلمة تتعرض لجحافل الطاغوت في عنفوانه؛ وعدتها الأساسية التي تملكها هي هذا الدين؛ وهي هذه العقيدة الدافعة الدافقة؛ وهي الغيرة على ألوهية الله وعلى حرمات الله؛ وهي التوكل على الله والثقة بنصره لأوليائه. إن المنافقين والذين في قلوبهم مرض يقفون ليتفرجوا والعصبة المسلمة تصارع جحافل الطاغوت، وفي نفوسهم سخرية من هذه العصبة التي تتصدى للخطر، وتستخف بالخطر! وفي نفوسهم عجب كذلك ودهشة في اقتحام العصبة المسلمة للمكاره الظاهرة، وللأخطار الواضحة.. إنهم هم لا يعرفون مبرراً لهذا التهور - كما يسمونه - وللإلقاء بالنفس إلى التهلكة!.. إنهم يحسبون الحياة كلها - بما فيها الدين والعقيدة - صفقة في سوق التجارة. إن كانت ظاهرة الربح أقدموا عليها؛ فأما إذا كان الخطر فالسلامة أولى!.. إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن، ولا يزنون النتائج كذلك بميزان الإيمان.. إنها في حس المؤمن وميزانه صفقة رابحة دائماً؛ فهي مؤدية إلى إحدى الحسنيين: النصر والغلب، أو الشهادة والجنة.. ثم إن حساب القوى في نفسه يختلف؛ فهناك الله.. وهذا ما لا يدخل في حساب المنافقين والذين في قلوبهم مرض! والعصبة المسلمة في كل مكان وفي كل زمان مدعوة إلى أن تزن بميزان الإيمان والعقيدة؛ وأن تدرك ببصيرة المؤمن وقلبه، وأن ترى بنور الله وهداه، وألا تتعاظمها قوى الطاغوت الظاهرة، وألا تستهين بقوتها ووزنها فإن معها الله، وأن تلقي بالها دائماً إلى تعليم الله سبحانه للمؤمنين. {ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم}.. .. وصدق الله العظيم.. وأخيراً يعرض السياق القرآني مشهداً من مشاهد التدخل الإلهي في المعركة، والملأ الأعلى من الملائكة - بأمر الله وإذنه - يشارك في أخذ الذين كفروا بالتعذيب والتأنيب؛ والملائكة يقبضون أرواحهم في صورة منكرة، ويؤذونهم أذى مهيناً - جزاء على البطر والاستكبار - ويذكرونهم في أشد اللحظات ضيقاً وحرجاً بسوء أعمالهم وبسوء مآلهم، جزاء وفاقاً لا يظلمهم الله فيه شيئاً.. ويقرر السياق في إثر عرض هذا المشهد أن أخذ الكفار بتكذيبهم سنة ماضية: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم} {ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وأنه كذلك أخذ فرعون وملأه، وكذلك يأخذ كل من يفعل فعله ويشرك شركه: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وذوقوا عذاب الحريق. ذلك بما قدمت أيديكم، وأن الله ليس بظلام للعبيد. كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله، فأخذهم الله بذنوبهم، إن الله قوي شديد العقاب. ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن الله سميع عليم. كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم، فأهلكناهم بذنوبهم، وأغرقنا آل فرعون. وكل كانوا ظالمين}. والآيتان الأوليان في هذا المقطع: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وذوقوا عذاب الحريق، ذلك بما قدمت أيديكم، وأن الله ليس بظلام للعبيد}.. قد تعنيان حال المشركين يوم بدر؛ والملائكة تشترك في المعركة - كما قال لهم الله سبحانه: {أية : فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان. ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله، ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب}تفسير : وإن كنا - كما قلنا عند استعراض هذا النص في الجزء التاسع - لا ندري كيف تضرب الملائكة فوق الأعناق وكل بنان. ولكن جهلنا بالكيفية لا يدعونا إلى تأويل هذا النص عن مدلوله الظاهر؛ وهو أن هناك أمراً من الله للملائكة بالضرب، وأن الملائكة {أية : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}تفسير : وتكون هاتان الآيتان هنا تذكيراً بما كان يوم بدر؛ وتكملة لحكاية فعل الملائكة فيه بالذين كفروا.. كما أن هاتين الآيتين قد تعنيان حالة دائمة كلما توفت الملائكة الذين كفروا.. في يوم بدر وفي غيره.. ويكون قوله تعالى: {ولو ترى}.. موجهاً توجيه الخطاب لكل من يرى، كما يكثر مثل هذا الأسلوب في التوجيه إلى المشاهد البارزة التي من شأنها أن يتوجه إليها كل من يرى.. وسواء كان هذا أو ذاك. فالتعبير القرآني يرسم صورة منكرة للذين كفروا، والملائكة تستل منهم أرواحهم في مشهد مهين؛ يضيف المهانة والخزي، إلى العذاب والموت: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم}.. ثم يتحول السياق من صيغة الخبر إلى صيغة الخطاب: {وذوقوا عذاب الحريق}. ليرد المشهد حاضراً كأنه اللحظة مشهود؛ وكأنما جهنم بنارها وحريقها في المشهد وهم يدفعون إليها دفعاً مع التأنيب والتهديد: {ذلك بما قدمت أيديكم}.. وأنتم إنما تلاقون جزاء عادلاً، تستحقونه بما قدمت أيديكم: {وأن الله ليس بظلام للعبيد}.. وهذا النص - بما يعرضه من مشهد {عذاب الحريق} - يثير في النفس سؤالاً: ترى هذا تهديد من الملائكة للذين كفروا بعذاب المستقبل المقرر لهم - كأنه واقع بهم - بعد البعث والحساب؟ أم إنهم يلاقون عذاب الحريق بمجرد توفيهم؟.. وكلاهما جائز، لا يمنع مانع من فهمه من النص القرآني.. ولا نحب أن نزيد شيئاً على هذا التقرير.. فهو أمر من أمور الغيب الذي استأثر الله بعلمه؛ وليس علينا فيه إلا اليقين بوقوعه. وهو واقع ماله من دافع. أما موعده فعلم ذلك عند علام الغيوب. وننتقل من هذه الوقفة الخاطفة، مع السياق في انتقاله إلى تقرير الحقيقة الكلية وراء هذا المشهد.. إن أخذ الذين كفروا بالمهانة والعذاب، سنة ماضية لا تتخلف ولا تتبدل؛ فهذا هو المصير المحتوم الذي جرت به السنة من قديم: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم؛ كفروا بآيات الله، فأخذهم الله بذنوبهم، إن الله قوي شديد العقاب}... إن الله - سبحانه - لا يكل الناس إلى فلتات عابرة، ولا إلى جزاف لا ضابط له.. إنما هي سنته يمضي بها قدره.. وما أصاب المشركين في يوم بدر، هو ما يصيب المشركين في كل وقت؛ وقد أصاب آل فرعون والذين من قبلهم: {كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم}.. ولم يعجزوه - سبحانه - ولم يتخلف عنهم عقابه: {إن الله قوي شديد العقاب}.. ولقد آتاهم الله من نعمته، ورزقهم من فضله، ومكن لهم في الأرض، وجعلهم خلائف فيها.. وهذا كله إنما يعطيه الله للناس ابتلاء منه وامتحاناً، لينظر أيشكرون أم يكفرون؟ ولكنهم كفروا ولم يشكروا؛ وطغوا وبغوا بما أُعطوا، وغيرتهم النعمة والقوة فصاروا جبابرة وطواغيت كفرة فجرة.. وجاءتهم آيات الله فكفروا بها.. وعندئذ حقت عليهم سنة الله في أخذ الكافرين بعد أن تبلغهم آياته فيكذبوا بها.. وعندئذ غير الله النعمة، وأخذهم بالعذاب، ودمر عليهم تدميراً: {ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وأن الله سميع عليم. كدأب آل فرعون والذين من قبلهم. كذبوا بآيات ربهم، فأهلكناهم بذنوبهم، وأغرقنا آل فرعون. وكل كانوا ظالمين}.. لقد أهلكهم الله بعد التكذيب بآياته. ولم يهلكهم قبلها سبحانه - مع أنهم كانوا كافرين - لأن هذه سنته ورحمته:{أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}تفسير : وهو يعبر هنا عن آل فرعون والذين من قبلهم من أمثالهم الذين كذبوا بآيات الله فأهلكهم.. بأنهم {كانوا ظالمين}.. مستخدماً لفظ "الظلم" بمعنى "الكفر" أو "الشرك" وهذا هو الاستعمال الغالب في القرآن.. ولا بد أن نقف قليلاً عند نص هذه الآية: {ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.. إنه، من جانب، يقرر عدل الله في معاملة العباد؛ فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم، ويبدلوا سلوكهم، ويقلبوا أوضاعهم، ويستحقوا أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها.. ومن الجانب الآخر يكرم هذا المخلوق الإنساني أكبر تكريم، حين يجعل قدر الله به ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله؛ ويجعل التغيير القدري في حياة الناس مبنياً على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم، وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم.. ومن الجانب الثالث يلقي تبعة عظيمة - تقابل التكريم العظيم - على هذا الكائن. فهو يملك أن يستبقي نعمة الله عليه ويملك أن يزاد عليها، إذا هو عرف فشكر؛ كما يملك أن يزيل هذه النعمة عنه إذا هو أنكر وبطر، وانحرفت نواياه فانحرفت خطاه. وهذه الحقيقة الكبيرة تمثل جانباً من جوانب "التصور الإسلامي لحقيقة الإنسان"؛ وعلاقة قدر الله به في هذا الوجود؛ وعلاقته هو بهذا الكون وما يجري فيه.. ومن هذا الجانب يتبين تقدير هذا الكائن في ميزان الله؛ وتكريمه بهذا التقدير؛ كما تتبين فاعلية الإنسان في مصير نفسه وفي مصير الأحداث من حوله،؛ فيبدوا عنصراً إيجابياً في صياغة هذا المصير - بإذن الله وقدره الذي يجري من خلال حركته وعمله ونيته وسلوكه - وتنتفي عنه تلك السلبية الذليلة التي تفرضها عليه المذاهب المادية، التي تصوره عنصراً سلبياً إزاء الحتميات الجبارة. حتمية الاقتصاد، وحتمية التاريخ، وحتمية التطور... إلى آخر الحتميات التي ليس للكائن الإنساني إزاءها حول ولا قوة، ولا يملك إلا الخضوع المطلق لما تفرضه عليه وهو ضائع خانع مذلول! كذلك تصور هذه الحقيقة ذلك التلازم بين العمل والجزاء في حياة هذا الكائن ونشاطه؛ وتصور عدل الله المطلق، في جعل هذا التلازم سنة من سننه يجري بها قدره، ولا يظلم فيها عبد من عبيده: {وأن الله ليس بظلام للعبيد}.. {فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين}.. {ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.. .. والحمد لله رب العالمين..
ابن عاشور
تفسير : انتقال لبيان ما أجمل من حكم الأنفال، الذي افتتحته السورة، ناسب الانتقال إليه ما جرى من الأمر بقتال المشركين إن عادوا إلى قتال المسلمين. والجملة معطوفة على جملة {أية : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}تفسير : [الأنفال: 39]. وافتتاحه بـ{اعلموا} للاهتمام بشأنه، والتنبيهِ على رعاية العمل به، كما تقدّم في قوله: {أية : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}تفسير : [الأنفال: 24] فإنّ المقصود بالعلم تقرّر الجزم بأنّ ذلك حكم الله، والعمل بذلك المعلوم، فيكون {اعلموا} كناية مراداً به صريحه ولازمه. والخطاب لجميع المسلمين وبالخصوص جيش بدر، وليس هذا نسخاً لحكم الأنفال المذكور أوّل السورة، بل هو بيان لإجمال قوله: {للَّه.. وللرسول} وقال أبو عبيد: إنّها ناسخة، وأنّ الله شرع ابتداء أنّ قسمة المغانم لرسوله صلى الله عليه وسلم يريد أنها لاجتهاد الرسول بدون تعيين، ثم شرع التخميس. وذكروا: أنّ رسول الله لم يخمّس مغانم بدر، ثم خمّس مغانم أخرى بعد بدر، أي بعد نزول آية سورة الأنفال، وفي حديث علي: أنّ رسول الله أعطاه شارفاً من الخمس يوم بدر، فاقتضت هذه الرواية أنّ مغانم بدر خمّست. وقد اضطربت أقوال المفسّرين قديماً في المراد من المغنم في هذه الآية، ولم تنضبط تقارير أصحاب التفاسير في طريقة الجمع بين كلامهم على تفاوت بينهم في ذلك، ومنهم من خلطها مع آية سورة الحشر، فجعل هذه ناسخة لآية الحشر والعكس، أو أنّ إحدى الآيتين مخصّصة للأخرى: إمّا في السهام، وإمّا في أنواع المغانم، وتفصيل ذلك يطول. وتردّدوا في مسمّى الفيء فصارت ثلاثة أسماء مجالاً لاختلاف الأقوال: النفَل، والغنيمة، والفيء. والوجه عندي في تفسير هذه الآية، واتّصالها بقوله: {أية : يسألونك عن الأنفال}تفسير : [الأنفال: 1] أنَّ المراد بقوله: {ما غنمتم} في هذه الآية: ما حصلتم من الغنائم من متاع الجيش، وذلك ما سمّي بالأنفال، في أوّل السورة، فالنفل والغنيمة مترادفان، وذلك مقتضى استعمال اللغة، فعن ابن عبّاس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، وعطاء: الأنفال الغنائم. وعليه فوجه المخالفة بين اللفظين إذ قال تعالى هنا {أية : غنمتم}تفسير : وقال في أوّل السورة [الأنفال: 1]: {أية : يسألونك عن الأنفال} تفسير : لاقتضاء الحال التعبيرَ هنا بفعلٍ، وليس في العربية فعل من مادّة النفَل يفيد إسناد معناه إلى من حَصَل له، ولذلك فآية {واعلموا أنما غنمتم} سيقت هنا بياناً لآية {يسألونك عن الأنفال فإنّهما وردتا في انتظام متّصل من الكلام. ونرى أنّ تخصيص اسم النفَل بما يعطيه أميرُ الجيش أحدَ المقاتلين زائداً على سهمه من الغنيمة سواء كان سلبَاً أو نحوه ممّا يسعه الخمس أو من أصل مال الغنيمة على الخلاف الآتي، إنّما هو اصطلاح شاع بين أمراء الجيوش بعد نزول هذه الآية، وقد وقع ذلك في كلام عبد الله بن عمر، وأمّا ما روي عن ابن عبّاس: أنّ الأنفال ما يصل إلى المسلمين بغير قتال، فجعلها بمعنى الفيء، فمحمله على بيان الاصطلاح الذي اصطلحوا عليه من بعد. وتعبيرات السلف في التفرقة بين الغنيمة والنفل غير مضبوطة، وهذا ملاك الفصل في هذا المقام لتمييز أصناف الأموال المأخوذة في القتال، فأما صور قسمتها فسيأتي بعضها في هذه الآية. فاصطلحوا على أنّ الغنيمة، ويُقال: لها المغنم، ما يأخذه الغزاة من أمتعة المقاتلين غصباً، بقتل أو بأسر، أو يقتحمون ديارهم غازين، أو مايتركه الأعداء في ديارهم، إذا فرّوا عند هجوم الجيش عليهم بعد ابتداء القتال. فأمّا ما يظفر به الجيش في غير حالة الغزو من مال العدوّ، وما يتركه العدوّ من المتاع إذا أخلوا بلادهم قبل هجوم جيش المسلمين، فذلك الفيء وسيجيء في سورة الحشر. وقد اختلف فقهاء الأمصار في مقتضى هذه الآية مع آية {أية : يسألونك عن الأنفال}تفسير : [الأنفال: 1] إلخ. فقال مالك: ليس أموال العدوّ المقاتل حقّ لجيش المسلمين إلاّ الغنيمة والفيء. وأمّا النفَل فليس حقَّاً مستقلاً بالحكم، ولكنّه ما يعطيه الإمام من الخمس لبعض المقاتلين زائداً على سهمه من الغنيمة، على ما يرى من الاجتهاد، ولا تعيين لمقدار النفل في الخمس ولا حدّ له، ولا يكون فيما زاد على الخُمس. هذا قول مالك ورواية عن الشافعي. وهو الجاري على ما عمل به الخلفاء الثلاثة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة، والشافعي، في أشهر الروايتين عنه، وسعيد بن المسيّب: النفل من الخمس وهو خُمس الخمس. وعن الأوزاعي، ومكحول، وجمهور الفقهاء: النفل ما يعطى من الغنيمة يخرج من ثلث الخمس. و(ما) في قوله: {أنما} اسم موصول وهو اسم (أنَّ) وكتبت هذه في المصحف متّصلة بـ(أنّ) لأنّ زمان كتابة المصحف كان قبل استقرار قواعد الرسم وضبط الفروق فيه بين ما يتشابه نطقه ويختلف معناه، فالتفرقة في الرسم بين (ما) الكافّة وغيرها لم ينضبط زمن كتابة المصاحف الأولى، وبقيت كتابة المصاحف على مثال المصحف الإمام مبالغة في احترام القرآن عن التغيير. و{من شيء} بيان لعموم (ما) لئلا يتوهّم أنّ المقصود غنيمة معيّنة خاصّة. والفاء في قوله: {فأن لله خمسه} لما في الموصول من معنى الاشتراط، وما في الخبر من معنى المجازاة بتأويل: إن غنمتم فحقّ لله خمسُهُ إلخ. والمصدر المؤوّل بعد (أنّ) في قوله: {فأن لله خمسه} مبتدأ حذف خبره، أو خبر حذف مبتدؤه، وتقدير المحذوف بما يناسب المعنى الذي دلّت عليه لام الاستحقاق، أي فحقّ لله خمسهُ. وإنّما صيغ على هذا النظم، مع كون معنى اللام كافياً في الدلالة على الأحقّيّة، كما قرىء في الشاذ {فللَّه خمسه} لما يفيده الإتيان بحرف (أنّ) من الإسناد مرتين تأكيداً، ولأنّ في حذف أحد ركني الإسناد تكثيراً لوجوه الاحتمال في المقدّر، من نحو تقدير: حقّ، أو ثبات، أو لازم، أو واجب. واللام للملك، أو الاستحقاق، وقد علم أنّ أربعة الأخماس للغزاة الصادق عليهم ضمير {غنمتم} فثبت به أنّ الغنيمة لهم عدا خمسها. وقد جعل الله خمس الغنيمة حقّا لله وللرسول ومن عطف عليهما، وكان أمر العرب في الجاهلية أنّ ربع الغنيمة يكون لقائد الجيش، ويسمّى ذلك «المرباع» بكسر الميم. وفي عرف الإسلام إذا جعل شيء حقَّاً لله، من غير ما فيه عبادة له: أنّ ذلك يكون للذين يأمر الله بتسديد حاجتهم منه، فلكلّ نوع من الأموال مستحقّون عيّنهم الشرع، فالمعنى في قوله: {فأن لله خمسه} أنّ الابتداء باسم الله تعالى للإشارة إلى أنّ ذلك الخمس حقّ الله يصرفه حيث يشاء، وقد شاء فوكل صرفه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ولمن يخلف رسوله من أئمّة المسلمين. وبهذا التأويل يكون الخمس مقسوماً على خمسة أسهم، وهذا قول عامّة علماء الإسلام وشذّ أبو العالية رفيع الرياحي ولاء من التابعين، فقال: إنّ الخمس يقسم على خمسة أسهم فيعزل منها سهم فيضرب الأمير بيده على ذلك السهم الذي عزله فما قبضت عليه يده من ذلك جعله للكعبة: أي على وجه يشبه القرعة، ثم يقسم بقية ذلك السهم على خمسة: سهم للنبي صلى الله عليه وسلم وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. ونسب أبو العالية ذلك إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وأمّا الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فلحقه حالتان: حالة تصرّفه في مال الله بما ائتمنه الله على سائر مصالح الأمة، وحالة انتفاعه بما يحبّ انتفاعه به من ذلك. فلذلك ثبت في الصحيح: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من الخمس نفقته ونفقة عياله، ويجعل الباقي مجعل مال الله. وفي الصحيح: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في الفيء «حديث : مالي ممّا أفاء الله عليكم إلاّ الخمس والخمس مردود عليكم»تفسير : فيقاس عليه خمس الغنيمة، وكذلك كان شأن رسول الله في انتفاعه بما جعله الله له من الحقّ في مال الله. وأوضح شيء في هذا الباب حديث عمر بن الخطاب في محاورته مع العباس وعلي، حين تحاكما إليه، رواه مالك في «الموطأ» ورجال «الصحيح»، قال عمر: حديث : «إنّ الله كان قد خصّ رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره قال {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين} [الحشر: 7] فكانت هذه خالصة لرسول الله، ووالله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم قد أعطاكموها وبثّها فيكم حتّى بقي منها هذا المال. فكان رسول الله ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله»تفسير : . والغرض من جلب كلام عمر قوله: «ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله». وأمّا ذو {القربى} فــــ(أل) في {القربى} عوض عن المضاف إليه كما في قوله تعالى في سورة [البقرة: 177] {أية : وآتى المال على حبه ذوي القربى}تفسير : أي ذوي قرابة المؤتي المال. والمراد هنا هو (الرسول) المذكور قبله، أي ولذوي قربى الرسول، والمراد ب(ذي) الجنس، أي: ذوي قربى الرسول، أي: قرابته، وذلك إكرام من الله لرسوله إذ جعل لأهل قرابته حقّاً في مال الله، لأن الله حرّم عليهم أخذ الصدقات والزكاة. فلا جرم أنّه أغناهم من مال الله. ولذلك كان حقّهم في الخمس ثابتاً بوصف القرابة. فذو القربى مراد به كلّ من اتّصف بقرابة الرسول عليه الصلاة والسلام فهو عام في الأشخاص، ولكن لفظ {القربى} جنس فهو مجمل، وأجملت رتبة القرابة إحالة على المعروف في قربى الرجل، وتلك هي قربى نسب الآباء دون الأمّهات. ثم إنّ نسب الآباء بين العرب يعدّ مشتركاً إلى الحَدّ الذي تنشقّ منه الفصائل، ومحملها الظاهر على عَصبة الرجل من أبناء جدّه الأدنى. وأبناء أدنى أجداد النبي صلى الله عليه وسلم هم بنو عبد المطلب بن هاشم، وإن شئت فقل: هم بنو هاشم، لأنّ هاشماً لم يبقَ له عقب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ مِن عبد المطلب، فالأرجح أنّ قربى الرسول صلى الله عليه وسلم هم بنو هاشم، وهذا قول مالك وجمهور أصحابه، وهو إحدى روايتين عن أحمد بن حنبل، وقاله ابن عبّاس، وعلي بن الحسين، وعبد الله بن الحسن، ومجاهد، والأوزاعي، والثوري. وذهب الشافعي، وأحمد في إحدى روايتين عنه، التي جرى عليها أصحابه، وإسحاق وأبو ثور: أنّ القربى هنا: هم بنو هاشم وبنو المطلب، دون غيرهم من بني عبد مناف. ومال إليه من المالكية ابنُ العربي، ومتمسّك هؤلاء ما رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي،حديث : عن جبير بن مُطعِم: أنّه قال: أتيت أنا وعثمان بن عفّان رسولَ الله نكلّمه فيما قسم من الخمس بين بني هاشم وبني المطلب فقلت يا رسول الله: قسمت لإخواننا بني المطلب ولم تعطنا شيئاً، وقرابتُنا وقرابتهم واحدة فقال: «إنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد»تفسير : . وهو حديث صحيح لا نزاع فيه، ولا في أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى بني هاشم وبني المطلب دون غيرهم. ولكن فِعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يحتمل العموم في الأموال المعطاة ويحتمل الخصوص لأمور: أحدها: أنّ للنبيء صلى الله عليه وسلم في حياته سهماً من الخمس فيحتمل أنّه أعطى بني المطلب عطاء من سهمه الخاصّ، جزاء لهم على وفائهم له في الجاهلية، وانتصارهم له، وتلك منقبة شريفة أيّدوا بها دعوة الدين وهم مشركون، فلم يضعها الله لهم، وأمر رسوله بمواساتهم، وذلك لا يكسبهم حقّاً مستمراً. ثانيها: أنّ الحقوق الشرعية تستند للأوصاف المنضبطة، فالقربى هي النسب، ونسب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهاشم، وأمّا بنو المطلب فهم وبنو عبد شمس وبنو نوفل في رتبة واحدة من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّ آباءَهم هم أبناء عبد مناف، وأخوة لهاشم، فالذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهروه في الجاهلية كانت لهم المزية، وهم الذين أعطى رسولُ الله أعيانهم ولم يثبت أنّه أعطى من نشأ بعدهم من أبنائهم الذين لم يحضروا ذلك النصر، فمن نشأ بعدهم في الإسلام يساوون أبناء نوفل وأبناء عبد شمس، فلا يكون في عطائه ذلك دليل على تأويل ذي القربى في الآية ببني هاشم وبني المطلب. أمّا قول أبي حنيفة فقال الجصاص في «أحكام القرآن»: قال أبو حنيفة في «الجامع الصغير»: يقسم الخمس على ثلاثة أسهم (أي ولم يتعرّض لسهم ذوي القربى) وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: خمس الله والرسول واحدٌ، وخمسٌ لذي القربى فلكلّ صنف سمّاه الله تعالى في هذه الآية خمُس الخمس قال: وإنّ الخلفاء الأربعة متّفقون على أنّ ذا القربى لا يستحقّ إلاّ بالفقر. قال: وقد اختلف في ذوي القربى من هم؟ فقال أصحابنا: قرابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين حَرّم عليهم الصدقة وهم (آل علي والعباس وآل جعفر وآل عقيل وولد الحارث بن عبد المطلب) وقال آخرون: بنو المطلب داخلون فيهم. وقال أصبغ من المالكية: ذوو القربى هم عشيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأقربون الذين أمره الله بإنذارهم في قوله: {أية : وأنذر عشيرتك الأقربين}تفسير : [الشعراء: 214] وهم آل قُصي. وعنه أنّهم آل غالب بن فهر، أي قريش، ونسب هذا إلى بعض السلف وأخرَج أبو حنيفة من القربى بني أبي لهب قال: لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا قرابة بيني وبين أبي لهب فإنّه آثر علينا الأفجرين»تفسير : رواه الحنفية في كتاب الزكاة، ولا يعرف لهذا الحديث سند، وبعد فلا دلالة فيه، لأنّ ذلك خاصّ بأبي لهب فلا يشمل أبناءه في الإسلام. ذكر ابن حجر في {الإصابة} أنّ محمد بن إسحاق، وغيره. روى عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: حديث : قدمت دُرة بنت أبي لهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّ الناس يصيحون بي ويقولون: إنّي بنت حطَب النار، فقام رسول الله؛ وهو مغضَب شديدَ الغضب، فقال: «ما بال أقوام يؤذونني في نسبي وذوي رحمي ألاَ ومن آذى نسبي وذوي رحمي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله»تفسير : . فوصف درّة بأنّها من نسبه. والجمهور على أنّ ذوي القربى يستحقّون دون اشتراط الفقر، لأنّ ظاهر الآية أنّ وصف قربى النبي صلى الله عليه وسلم هو سبب ثبوت الحقّ لهم في خمس المغنم دون تقييد بوصف فقرهم، وهذا قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: لا يعطَون إلاّ بوصف الفقر وروي عن عمر بن عبد العزيز. ففائدة تعيين خمس الخمس لهم أنّ لا يحاصهم فيه مَن عَداهم من الفقراء، هذا هو المشهور عن أبي حنيفة، وبعض الحنفية يحكي عن أبي يوسف موافقةَ الجمهور في عدم اشتراط الفقر فيهم. وقد جعل الله الخمس لخمسةِ مصارف ولم يعيّن مقدار ما لكلّ مصرف منه، ولا شكّ أنّ الله أراد ذلك؛ ليكون صرفه لمصارفه هذه موكولاً إلى اجتهاد رسوله صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده، فيقسم بحسب الحاجات والمصالح، فيأخذ كلّ مصرف منه ما يفي بحاجته على وجه لا ضرّ معه على أهل المصرف الآخر، وهذا قول مالك في قسمة الخمس، وهو أصح الأقوال، إذ ليس في الآية تعرّض لمقدار القسمة، ولم يَرد في السنة ما يصحّ التمسك به لذلك، فوجب أن يناط بالحاجة، وبتقديم الأحوج والأهمّ عند التضايق، والأمر فيه موكول إلى اجتهاد الإمام، وقد قال عمر: «حديث : فكان رسول الله ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله»تفسير : . وقال الشافعي: يقسم لكلّ مصرف الخمس من الخمس، لأنها خمسة مصارف، فجعلها متساوية، لأنَّ التساوي هو الأصل في الشركة المجملة ولم يلتفت إلى دليل المصلحة المقتضية للترجيح وإذ قد جَعل ما لله ولرسوله خمساً واحداً تبعاً للجمهور فقد جعله بعد رسول الله لمصالح المسلمين. وقال أبو حنيفة: ارتفع سهم رسول الله وسهم قرابته بوفاته، وبقي الخمس لليتامى والمساكين وابن السبيل، لأنّ رسول الله إنّما أخذ سهماً في المغنم لأنّه رسول الله، لا لأنّه إمام، فلذلك لا يخلفه فيه غيره. وعند الجمهور أنّ سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلفه فيه الإمام، يبدأ بنفقته ونفقة عياله بلا تقدير، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. {واليتامى والمساكين وابن السبيل} تقدّم تفسير معانيها عند قوله تعالى: {أية : وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}تفسير : [البقرة: 177] وعند قوله تعالى: {أية : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا} تفسير : [النساء: 36] إلى قوله {أية : وابن السبيل}تفسير : [النساء: 36]. واليتامى وابن السبيل لا يعطون إلاّ إذا كانوا فقراء ففائدة تعيين خمس الخمس لكلّ صنف من هؤلاء أن لا يحاصهم فيه غيرهم من الفقراء والشأن، في اليتامى في الغالب أن لا تكون لهم سعة في المكاسب فهم مظنّة الحاجّة، ولكنّها دون الفقر فجُعل لهم حقّ في المغنم توفيراً عليهم في إقامة شؤونهم، فهم من الحاجة المالية أحسن حالاً من المساكين، وهم من حالة المقدرة أضعف حالاً منهم، فلو كانوا أغنياء بأموال تركها لهم آباؤهم فلا يعطون من الخمس شيئاً. والمساكينُ الفقراء الشديدو الفقرِ جعل الله لهم خمس الخمس كما جعل لهم حقّاً في الزكاة، ولم يجعَل للفقراء حقّاً في الخمس كما لم يجعل لليتامى حقّاً في الزكاة. وابنُ السبيل أيضاً في حاجة إلى الإعانة على البلاغ وتسديد شؤونه، فهو مظنّة الحاجة، فلو كان ابن السبيل ذا وفْر وغنىً لم يعط من الخمس، ولذلك لم يشترط مالك وبعض الفقهاء في اليتامى وأبناءِ السبيل الفقر، بل مُطلقَ الحاجة. واشترط أبو حنيفة الفقر في ذوي القربى واليتامى وأبناء السبيل، وجعل ذكرِهم دون الاكتفاء بالمساكين؛ لتقرير استحقاقهم. وقوله: {إن كنتم آمنتم بالله} شرط يتعلق بما دلّ عليه قوله: {واعلموا أنما غنمتم} لأن الأمر بالعلم لما كان المقصود به العملَ بالمعلوم والأمتثالَ لمقتضاه كما تقدّم، صحّ تعلّق الشرط به، فيكون قوله: {واعلموا} دليلاً على الجواب أوْ هو الجوابَ مقدّماً على شرطه، والتقدير: إنْ كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنّ ما غنمتم إلخ. واعمَلوا بما علمتم فاقطعوا أطماعكم في ذلك الخمس واقتنعوا بالأخماس الأربعة، لأنّ الذي يتوقّف على تحقّق الإيمان بالله وآياته هو العِلم بأنّه حكم الله مع العمل المترتّب على ذلك العلم. مطلق العلم بأنّ الرسول قال ذلك. والشرط هنا محقق الوقوع إذ لا شك في أنّ المخاطبين مؤمنون بالله والمقصود منه تحقّق المشروط، وهو مضمون جملة {واعلموا أن ما غنمتم من شيء} إلى آخرها. وجيء في الشرط بحرف (إنْ) التي شأن شرطها أن يكون مشكوكاً في وقوعه زيادة في حثّهم على الطاعة حيث يفرض حالهم في صورة المشكوك في حصول شرطه إلهاباً لهم؛ ليبعثهم على إظهار تحقّق الشرط فيهم، فالمعنى: أنكم آمنتم بالله والإيمانُ يرشد إلى اليقين بتمام العلم والقدرة له وآمنتم بما أنزل الله على عبده يومَ بدر حين فرق الله بين الحقّ والباطل فرأيتم ذلك رأي العين وارتقى إيمانكم من مرتبة حقّ اليقين إلى مرتبة عين اليقين فعلمتم أنّ الله أعلم بنفعكم من أنفسكم إذ يعدكم إحدى الطائفتين أنّها لكم وتودّون أنّ غير ذات الشوكة تكون لكم، فكان ما دفعكم الله إليه أحفظ لمصلحتكم وأشدّ تثبيتاً لقوّة دينكم. فمَن رأوا ذلك وتحقّقوه فهم أحرياء بأن يعلموا أنّ ما شرع الله لهم من قسمة الغنائم هو المصلحة، ولم يعبأوا بما يدخل عليهم من نقص في حظوظهم العاجلة، علماً بأنّ وراء ذلك مصالحَ جمة آجلة في الدنيا والآخرة. وقوله: {وما أنزلنا} عطف على اسم الجلالة، والمعنى: وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان، وهذا تخلّص للتذكير بما حصل لهم من النصر يوم بدر، والإيمانُ به يجوز أن يكون الاعتقاد الجازم بحصوله، ويجوز أن يكون العلم به، فيكون على الوجه الثاني من استعمال المشترك في معنييه، أو من عموم المشترك. وتخصيص {ما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان} بالذكر من بين جملة المعلومات الراجعة للاعتقاد، لأن لذلك المُنْزَل مزيد تعلق بما أمروا به من العمل المعبر عنه بالأمر بالعلم في قوله تعالى: {واعلموا}. والإنزالُ: هو إيصال شيء من علُوّ إلى سُفل، وأطلق هنا على إبلاغ أمر من الله، ومن النعم الإلهية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فيجوز أن يكون هذا المُنزل من قبيل الوحي، أي والوحي الذي أنزلناه على عبدنا يوم بَدر، لكنه الوحي المتضمّن شيئاً يؤمنون به مثل قوله: {أية : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم}تفسير : [الأنفال: 7]. ويجوز أن يكون من قبيل خوارق العادات، والألطاف العجيبة، مثل إنزال الملائكة للنصر، وإنزال المطر عند حاجة المسلمين إليه، لتعبيد الطريق، وتثبيتِ الأقدام، والاستقاء. وإطلاق الإنزال على حصوله استعارة تشبيهاً له بالواصل إليهم من علوّ تشريفاً له كقوله تعالى: {أية : فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين}تفسير : [الفتح: 26]. والتطهر ولا مانع من إرادة الجميع لأنّ غرض ذلك واحد، وكذلك ما هو من معناه ممّا نعلمه أو لما علمناه. و{يوم الفرقان} هو يوم بدر، وهو اليوم السابع عشر من رمضان سنة اثنتين سمّي يوم الفرقان؛ لأنّ الفرقان الفرق بين الحقّ والباطل كما تقدّم آنفاً في قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً}تفسير : [الأنفال: 29] وقد كان يوم بدر فارقاً بين الحقّ والباطل؛ لأنّه أول يوم ظهر فيه نصر المسلمين الضعفاء على المشركين الأقوياء، وهو نصر المحقّين الأذلّة على الأعزّة المبطلين، وكفى بذلك فرقاناً وتمييزاً بين من هم على الحقّ، ومن هم على الباطل. فإضافة {يوم} إلى {الفرقان} إضافة تنويه به وتشريف، وقوله: {يوم التقى الجمعان} بدل من {يوم الفرقان} فإضافة {يوم} إلى جملة: {التقى الجمعان} للتذكير بذلك الإلتقاء العجيب الذي كان فيه نصرهم على عدوّهم. والتعريف في {الجمعان} للعهد. وهما جمع المسلمين وجمع المشركين. وقوله: {والله على كل شيء قدير} اعتراض بتذييل الآيات السابقة وهو متعلّق ببعض جملة الشرط في قوله: {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} فإنّ ذلك دليل على أنّه لا يتعاصى على قدرته شيء، فإنّ ما أسداه إليكم يوم بدر لم يكن جارياً على متعارف الأسباب المعتادة، فقدرة الله قلبت الأحوال وأنشأت الأشياءَ من غير مجاريها ولا يبعد أن يكون من سبب تسمية ذلك اليوم {يوم الفرقان} أنّه أضيف إلى الفرقان الذي هو لَقب القرآن، فإنّ المشهور أنّ ابتداء نزول القرآن كان يوم سبعة عشر من رمضان، فيكون من استعمال المشترك في معنييه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ}. ظاهر هذه الآية الكريمة أن كل شيء حواه المسلمون من أموال الكفار فإنه يخمس حسبما نص عليه في الآية، سواء أوجفوا عليه الخيل والركاب أولا، ولكنه تعالى بيّن في سورة "الحشر" أن ما أفاء على رسوله من غير إيجاف المسلمين عليه الخيل والركاب، أنه لا يخمس ومصارفه التي بين أنه يصرف فيها كمصارف خمس الغنيمة المذكورة هنا، وذلك في قوله تعالى: في فيء بني النضير {أية : وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} تفسير : [الحشر: 6] الآية، ثم بين شمول الحكم لكل ما أفاء الله على رسوله من جميع القرى بقوله: {أية : مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} تفسير : [الحشر: 7] الآية. اعلم أولاً أن أكثر العلماء: فرقوا بين الفيء والغنيمة فقالوا: الفيء: هو ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه منهم بالقهر، كفيء بني النضير الذين نزلوا على حكم النَّبي صلى الله عليه وسلم ومكنوه من أنفسهم وأموالهم يفعل فيها ما يشاء لشدة الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم، ورضي لهم صلى الله عليه وسلم أن يرتحلوا بما يحملون على الإبل غير السلاح، وأما الغنيمة: فهي ما انتزعه المسلمون من الكفار بالغلبة والقهر، وهذا التفريق يفهم من قوله: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} تفسير : [الأنفال: 41] الآية مع قوله: {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} فإن قوله تعالى: {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} الآية: ظاهر في أنه يراد به بيان الفرق بين ما أوجفوا عليه وما لم يوجفوا عليه كما ترى، والفرق المذكور بين الغنيمة والفيء عقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي بقوله: في غزوة بني النضير شعر : وفيئهم والفيء في الأنفال ما لم يكن أخذ عن قتال أما الغنيمة فعن زحاف والأخذ عنوة لدى الزحاف تفسير : لخير مرسل الخ. وقوله: وفيئهم مبتدأ خبره لخير مرسل، وقوله: والفيء في الأنفال إلخ كلام اعتراضي بين المبتدأ والخبر بين به الفرق بين الغنيمة والفيء، وعلى هذا القول فلا إشكال في الآيات، لأن آية {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} ذكر فيها حكم الغنيمة، وآية {أية : مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} تفسير : [الحشر: 7] ذكر فيها حكم الفيء وأشير لوجه الفرق بين المسالتين بقوله: {أية : فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} تفسير : [الحشر: 6] أي فكيف يكون غنيمة لكم، وأنتم لم تتعبوا فيه ولم تنتزعوه بالقوة من مالكيه. وقال بعض العلماء: إن الغنيمة والفيء واحد، فجميع ما أخذ من الكفار على أي وجه كان غنيمة وفيء، وهذا قول قتادة رحمه الله وهو المعروف في اللغة، فالعرب تطلق اسم الفيء على الغنيمة، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي: شعر : فلا وأبي جليلة ما أفأنا من النعم المؤبل من بعير ولكنا نهكنا القوم ضرباً على الأثباج منهم والنحور تفسير : يعني أنهم لم يشتغلوا بسوق الغنائم ولكن بقتل الرجال فقوله: أفأنا: يعني غنمنا، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {أية : وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْك} تفسير : [الأحزاب: 50]، لأن ظاهر هذه الآية الكريمة شمول ذلك لجميع المسبيات ولو كن منتزعات قهراً، ولكن الاصطلاح المشهور عند العلماء هو ما قدمنا من الفرق بينهما، وتدل له آية الحشر المتقدمة. وعلى قول قتادة فآية الحشر مشكلة مع آية الأنفال هذه، ولأجل ذلك الإشكال قال قتادة، رحمه الله تعالى: إن آية {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} الآية، ناسخة لآية {أية : وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} تفسير : [الحشر: 6] الآية، وهذا القول الذي ذهب إليه - رحمه الله - باطل بلا شك، ولم يلجئ قتادة - رحمه الله - إلى هذا القول إلا دعواه اتحاد الفيء والغنيمة، فلو فرق بينهما كما فعل غيره لعلم أن آية الأنفال في الغنيمة، وآية الحشر في الفيء، ولا إشكال. ووجه بطلان القول المذكور: أن آية {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ} الآية نزلت بعد وقعة بدر، قبل قسم غنيمة بدل بدليل حديث علي الثابت في صحيح مسلم، الدال على أن غنائم بدر خمست، وآية التخميس التي شرعه الله بها هي هذه، وأما آية الحشر فهي نازلة في غزوة بني النضير بإطباق العلماء، وغزوة بني النضير بعد غزوة بدر بإجماع المسلمين، ولا منازعة فيه البتة، فظهر من هذا عدم صحة قول قتادة رحمه الله تعالى، وقد ظهر لك أنه على القول بالفرق بين الغنيمة والفيء لا إشكال في الآيات، وكذلك على قول من يرى أمر الغنائم والفيء راجعاً إلى نظر الإمام، فلا منافاة على قوله بين آية الحشر، وآية التخميس إذا رآه الإمام، والله أعلم. مسائل من أحكام هذه الآية الكريمة المسألة الأولى: اعلم أن جماهير علماء المسلمين على أن أربعة أخماس الغنيمة للغزاة الذين غنموها، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم، ويدل لهذا قوله تعالى: {غَنِمْتُمْ}، فهو يدل على أنها غنيمة لهم فلما قال: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} علمنا أن الأخماس الأربعة الباقية لهم لا لغيرهم، ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُث} تفسير : [النساء: 11] أي ولأبيه الثلثان الباقيان إجماعاً، فكذلك قوله: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} أي وللغانمين ما بقي، وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء وممن حكى إجماع المسلمين عليه ابن المنذر وابن عبد البر، والداودي والمازري، و القاضي عياض وابن العربي، والأخبار بهذا المعنى متظاهرة، وخالف في ذلك بعض أهل العلم، وهو قول كثير من المالكية، ونقله عنهم المازري - رحمه الله - أيضاً قالوا: للإمام أن يصرف الغنيمة فيما يشاء من مصالح المسلمين، ويمنع منها الغزاة الغانمين. واحتجوا لذلك بأدلة منها قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} تفسير : [الأنفال: 1] الآية. قالوا: الأنفال: الغنائم كلها، والآية محكمة لا منسوخة، واحتجوا لذلك أيضاً بما وقع في فتح مكة. وقصة حنين قالوا: إنه صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة بعشرة آلاف مقاتل، ومن على أهلها فردها عليهم، ولم يجعلها غنيمة ولم يقسمها على الجيش، فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش واجباً: لفعله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة. قالوا: وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين، أعطى منها عطايا عظيمة جداً، ولم يعط الأنصار منها مع أنهم من خيار المجاهدين الغازين معه صلى الله عليه وسلم، وقد أشار لعطاياه من غنائم هوازن في وقعة حنين الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة حنين بقوله: شعر : أعطى عطايا شهدت بالكرم يومئذ له ولم تجمجم أعطى عطايا أخجلت دلح الديم إذا ملأت رحب الغضا من النعم زهاء ألفي ناقة منها وما ملأ بين جبلين غنما لرجل وبله ما لحلقه منها ومن رقيقه وورقه تفسير : الخ قالوا: لو كان يجب قسم الأخماس الأربعة على الجيش الذي غنمها، لما أعطى صلى الله عليه وسلم ألفى ناقة من غنائم هوزان لغير الغزاة، ولما أعطى ما ملأ بين جبلين من الغنم لصفوان بن أمية، وفي ذلك اليوم أعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل، وكذلك عيينة بن حصن الفزاري حتى غار من ذلك العباس بن مرداس السلمي وقال في ذلك شعره المشهور: شعر : أتجعل نهبي ونهب العبيد بن عيينة والأقرع فما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لا يرفع وقد كنت في الحرب ذا تدرإ فلم أعط شيئاً ولم أمنع إلا أباعير أعطيتها عديد قوائمه الأربع وكانت نهاباً تلافيتها بكرى على المهر في الأجرع وإيقاظي القوم إن يرقدوا إذا هجع الناس لم أهجع تفسير : قالوا: فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش الغانمين واجباً، لما فضل الأقرع وعيينة في العطاء من الغنيمة على العباس بن مرداس في أول الأمر قبل أن يقول شعره المذكور. وأجيب من جهة الجمهور عن هذه الاحتجاجات: فالجواب عن آية {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} تفسير : [الأنفال: 1] هو ما قدمنا من أنها منسوخة بقوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ} الآية، ونسبه القرطبي لجمهور العلماء، والجواب عما وقع في فتح مكة من أوجه: الأول: أن بعض العلماء زعموا أن مكة لم تفتح عنوة، ولكن أهلها أخذوا الأمان منه صلى الله عليه وسلم: وممن قال بهذا الشافعي رحمه الله. واستدل قائلو هذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" وهو ثابت في الصحيح، وهذا الخلاف في مكة هل أخذها النَّبي صلى الله عليه وسلم عنوة؟ وهو قول الجمهور، أو أخذ لها الأمان. والأمان شبه الصلح، عقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله: في غزوة الفتح يعني مكة. شعر : واختلفوا فيها فقيل أمنت وقيل عنوة وكرهاً أخذت تفسير : والحق أنها فتحت عنوة كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله. ومن أظهر الأجوبة عما وقع في فتح مكة، أن مكة ليست كغيرها من البلاد، لأنها حرام بحرمة الله من يوم خلق السماوات والأرض إلى يوم القيامة، وإنما أحلت له صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار، ولم تحل لأحد قبله ولا بعده، وما كان بهذه المثابة، فليس كغيره من البلاد التي ليست لها هذه الحرمة العظيمة. وأما ما وقع في قصة حنين فالجواب عنه ظاهر، وهو أن النَّبي صلى الله عليه وسلم استطاب نفوس الغزاة عن الغنيمة ليؤلف بها قلوب المؤلفة قلوبهم لأجل المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، ويدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما سمع أن بعض الأنصار قال: يمنعنا ويعطي قريشاً، وسيوفنا تقطر من دمائهم، جمعهم النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكلمهم كلامه المشهور البالغ في الحسن، ومن جملته أنه قال لهم: "حديث : ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم" تفسير : إلى آخر كلامه، فرضي القوم، وطابت نفوسهم، وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظاً، وهذا ثابت في الصحيح، ونوه الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بحسن هذا الكلام الذي خاطبهم به صلى الله عليه وسلم بقوله: في غزوة حنين. شعر : ووكل الأنصار خير العالمين لدينهم إذ ألف المؤلفين فوجدوا عليه أن منعهم فأرسل النَّبي من جمعهم وقال قولاً كالفريد المؤنق عن نظمه ضعف سلك منطقي تفسير : فالحاصل أن أربعة أخماس الغنيمة التي أوجف الجيش عليها الخيل، والركاب للغزاة الغانمين على التحقيق، الذي لا شك فيه، وهو قول الجمهور. وقد علمت الجواب عن حجج المخالفين في ذلك. ومن العلماء من يقول: لا يجوز للإمام أن ينفل أحداً شيئاً من هذه الأخماس الأربعة، لأنها ملك للغانمين، وهو قول مالك. وذهب بعض العلماء إلى أن للإمام أن ينفل منها بعض الشيء باجتهاده، وهو أظهر دليلاً، وسيأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى. المسألة الثانية: هي تحقيق المقام في مصارف الخمس الذي يؤخذ من الغنيمة قبل القسمة. فظاهر الآية الكريمة أنه يجعل ستة أنصباء: نصيب لله جل وعلا، ونصيب للرسول صلى الله عليه وسلم، ونصيب لذي القربى، ونصيب لليتامى، ونصيب للمساكين، ونصيب لابن السبيل. وبهذا قال بعض أهل العلم: قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية الرياحي، قال: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيخمسها على خمسة تكون أربعة أخماس منها لمن شهدها، ثم يؤخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول صلى الله عليه وسلم وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل . تفسير : وعلى هذا القول فنصيب الله جل وعلا للكعبة، ولا يخفى ضعف هذا القول لعدم الدليل عليه. وقال بعض من قال بهذا القول: إن نصيب الله جل وعلا يرد على ذوي الحاجة. والتحقيق أن نصيب الله جل وعلا، ونصيب الرسول صلى الله عليه وسلم واحد، وذكر اسمه جل وعلا استفتاح كلام للتعظيم، وممن قال بهذا القول ابن عباس، كما نقله عنه الضحاك. وهو قول إبراهيم النخعي، والحسن بن محمد بن الحنفية، والحسن البصري، والشعبي، و عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة، وقتادة، ومغيرة وغير واحد كما نقله عنهم ابن كثير. والدليل على صحة هذا القول ما رواه البيهقي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن شقيق، حديث : عن رجل، قال: أتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى، وهو يعرض فرساً، فقلت: يا رسول الله ما تقول في الغنيمة؟ فقال: "لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش" قلت: فما أحد أولى به من أحد، قال: "لا ولا السهم تستخرجه من جيبك لست أحق به من أخيك المسلم" تفسير : وهذا دليل واضح على ما ذكرنا. ويؤيده أيضاً ما رواه الإمام أحمد عن المقدام بن معد يكرب الكندي، أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي رضي الله عنهم، فتذاكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس، حديث : فقال عبادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم. فلما سلم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: "إن هذى من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، وجاهدوا في الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم ينجي الله به من الهم والغم ". تفسير : قال ابن كثير بعد أن ساق حديث أحمد. هذا عن عبادة بن الصامت، هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه: ولكن روى الإمام أحمد أيضاً، وأبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن شعيب. عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحوه في قصة الخمس، والنهي عن الغلول. حديث : وعن عمرو بن عبسة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من هذا البعير. ثم قال: "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" تفسير : رواه أبو داود، والنسائي. فإذا عرفت أن التحقيق أن الخمس في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم. يقسم خمسة أسهم، لأن اسم الله ذكر للتعظيم، وافتتاح الكلام به، مع أن كل شيء مملوك له جل وعلا، فاعلم أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يصرف نصيبه، الذي هو خمس الخمس، في مصالح المسلمين. بدليل قوله في الأحاديث التي ذكرناها آنفاً. "حديث : والخمس مردود عليكم"تفسير : ، وهو الحق. ويدل له ما ثبت في الصحيح: من أنه كان يأخذ قوت سنته من فيء بني النضير، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما بعد وفاته، وانتقاله إلى الرفيق الأعلى صلوات الله وسلامه عليه. فإن بعض العلماء يقول بسقوط نصيبه بوفاته. وممن قال بذلك: أبو حنيفة رحمه الله، واختاره ابن جرير. وزاد أبو حنيفة سقوط سهم ذوي القربى أيضاً: بوفاته صلى الله عليه وسلم. والصحيح أن نصيبه صلى الله عليه وسلم باق، وأن إمام المسلمين يصرفه فيما كان يصرفه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مصالح المسلمين. وقال بعض العلماء يكون نصيبه صلى الله عليه وسلم لمن يلي الأمر بعده، وروي عن أبي بكر، وعلي وقتادة، وجماعة، قال ابن كثير: وجاء فيه حديث مرفوع. قال مقيده: - عفا الله عنه - والظاهر أن هذا القول راجع في المعنى إلى ما ذكرنا أنه الصحيح، وأن معنى كونه لمن يلى الأمر بعده، أنه يصرفه فيما كان يصرفه فيه صلى الله عليه وسلم، والنَّبي قال: "حديث : والخمس مردود عليكم" تفسير : وهو واضح كما ترى. ولا يخفى أن كل الأقوال في نصيب النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. راجعة إلى شيء واحد. وهو صرفه في مصالح المسلمين. وقد كان الخلفاء الراشدون المهديون - رضي الله عنهم - يصرفونه فيما كان يصرفه فيه صلى الله عليه وسلم. وكان أبو بكر، وعمر - رضي الله عنهما - يصرفانه في الكراع والسلاح. وجمهور العلماء على أن نصيب ذوي القربى باق، ولم يسقط بموته صلى الله عليه وسلم. واختلف العلماء فيه من ثلاث جهات: الأولى: هل يسقط بوفاته أو لا؟ وقد ذكرنا أن الصحيح عدم السقوط. خلافاً لأبي حنيفة. الثانية: في المراد بذي القربى. الثالثة: هل يفضل ذكرهم على أنثاهم أو لا؟ أما ذوا القربى: فهم بنو هاشم، وبنو المطلب. على أظهر الأقوال دليلاً، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، ومسلم بن خالد. قال البخاري في صحيحه، في كتاب "فرض الخمس". حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب. عن جبير بن مطعم. قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما بنو المطلب، وبنو هاشم شيء واحد ". تفسير : قال الليث: حدثني يونس وزاد قال جبير: ولم يقسم النَّبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل، اهـ. وقال البخاري أيضاً في المغازي: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن جبير بن مطعم أخبره. قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن بمنزلة واحدة منك، فقال: "حديث : إنما بنو هاشم، وبنو المطلب شيء واحد"تفسير : ، قال جبير: لم يقسم النَّبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس، وبني نوفل شيئاً اهـ. وإيضاح كونهم من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة واحدة: أن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وعثمان بن عفان بن أبي العاص بن عبد شمس بن عبد مناف. فأولاد عبد مناف بن قصي أربعة: هاشم، والمطلب، وعبد شمس. وهم: أشقاء. أمهم: عاتكة، بنت مرة، بن هلال السلمية، إحدى عواتك سليم. اللاتي هن جدات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهن ثلاث" هذه: التي ذكرنا. والثانية: عمتها. وهي: عاتكة، بنت هلال التي هي أم عبد مناف. والثالثة: بنت أخي الأولى. وهي عاتكة، بنت الأوقص، بن مرة، بن هلال، وهي أم وهب، والد آمنة، أم النبي صلى الله عليه وسلم. ورابع أولاد عبد مناف: نوفل بن عبد مناف، وأمه واقدة، بنت عدي، واسمه نوفل، بن عبادة بن مازن، بن صعصعة. قال الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه عمود النسب: شعر : عبد مناف قمر البطحاء أربعة بنوه هؤلاء مطلب، وهاشم، ونوفل، وعبد شمس، هاشم لا يجهل تفسير : وقال في بيان عواتك سليم اللآتي هن جدات له صلى الله عليه وسلم: شعر : عواتك النَّبي: أم وهب، وأم هاشم، وأم الندب عبد مناف، وذه الأخيرة: عمة عمة الأولى الصغيره وهن بالترتيب ذا لذي لرجال الأوقص بن مرة بن هلال تفسير : فبهذا الذي بينا يتضح أن الصحيح أن المراد بذي القربى في الآية: بنو هاشم، وبنو المطلب دون بني عبد شمس، وبني نوفل. ووجهه أن بني عبد شمس، وبني نوفل عادوا الهاشميين، وظاهروا عليهم قريشاً، فصاروا كالأباعد منهم. للعداوة، وعدم النضرة. ولذا قال فيهم أبو طالب. في لاميته المشهورة: شعر : جزى الله عنا عبد شمس، ونوفلا عقوبة شر، عاجل، غير آجل بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه، غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا بني خلف قيضا بنا، والغياطل ونحن الصميم من ذؤابة هاشم وآل قصي في الخطوب الأوائل تفسير : بهذا الحديث الصحيح الذي ذكرنا: يتضح عدم صحة قول من قال: بأنهم بنو هاشم فقط. وقول من قال: إنهم قريش كلهم. وممن قال بأنهم بنو هاشم فقط: عمر بن عبد العزيز، وزيد بن أرقم، ومالك، والثوري، ومجاهد وعلي بن الحسين، والأوزاعي، وغيرهم. وقد أخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه: عن ابن عباس: أن نجدة الحروري كتب إليه: يسأله عن ذوي القربى الذين ذكر الله، فكتب إليه: إنا كنا نرى أناهم، فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى. وزيادة قوله: وقالوا: "قريش كلها" تفرد بها أبو معشر، وفيه ضعف. وما قدمنا من قول النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفعله الثابت في الصحيح: يعين أنهم بنو هاشم، والمطلب، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل، وكثير من أهل العلم. فإذا عرفت أنه صلى الله عليه وسلم قضى بخمس الخمس من غنائم خيبر لبني هاشم والمطلب، وأنهم هم ذوو القربى المذكورون في الآية. فاعلم أن العلماء اختلفوا: هل يفضل ذكرهم على أنثاهم، أو يقسم عليهم بالسوية؟ فذهب بعض العلماء إلى أنه كالميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين. وهذا هو مذهب أحمد بن حنبل في أصح الروايتين. قال صاحب الإنصاف: هذا المذهب جزم به الخرقي، وصاحب الهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والعمدة، والوجيز، وغيرهم. وقدمه في الرعايتين، والحاويين، وغيرهم، وصححه في البلغة، والنظم، وغيرهما. وعنه: الذكر والأنثى. سواء. قدمه ابن رزين في شرحه. وأطلقهما في المغني، والشرح، والمحرر، والفروع، اهـ من الانصاف. وتفضيل ذكرهم على أنثاهم الذي هو مذهب الإمام أحمد: هو مذهب الشافعي أيضاً. وحجة من قال بهذا القول: أنه سهم استحق بقرابة الأب شرعاً. بدليل أن أولاد عماته صلى الله عليه وسلم، كالزبير بن العوام، وعبد الله بن أبي أمية. لم يقسم لهم في خمس الخمس، وكونه مستحقاً بقرابة الأب خاصة يجعله كالميراث. فيفضل فيه الذكر على الأنثى. وقال بعض العلماء: ذكرهم وأنثاهم سواء. وممن قال به المزني: وأبو ثور، وابن المنذر. قال مقيده: - عفا الله عنه - وهذا القول أظهر عندي، لأن تفضيل الذكر على الأنثى يحتاج إلى دليل، ولم يقم عليه في هذه المسالة دليل، ولم ينقل أحد عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: أنه فضل ذكرهم على أنثاهم في خمس الخمس. والدليل على أنه ليس كالميراث: أن الابن منهم يأخذ نصيبه مع وجود أبيه، وجده اهـ. وصغيرهم، وكبيرهم سواء. وجمهور العلماء القائلين بنصب القرابة على أنه يقسم على جميعهم. ولم يترك منهم أحد خلافاً لقوم. والظاهر شمول غنيهم. خلافاً لمن خصص به فقراءهم، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخصص به فقراءهم، بخلاف نصيب اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. فالظاهر أنه يخصص به فقراؤهم، ولا شيء لأغنيائهم، فقد بان لك مما تقدم أن مذهب الشافعي، وأحمد - رحمهما الله - في هذه المسالة: أن سهم الله، وسهم رسوله صلى الله عليه وسلم واحد. وأنه بعد وفاته يصرف في مصالح المسلمين. وأن سهم القرابة لبني هاشم، وبني المطلب. للذكر مثل حظ الأنثيين، وأنه لجميعهم. غنيهم وفقيرهم، قاتلوا أم لم يقاتلوا، وأن للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، وأن الأنصباء الثلاثة الباقية لخصوص الفقراء من اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. ومذهب أبي حنيفة: سقوط سهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وسهم قرابته بموته، وأن الخمس يقسم على الثلاثة الباقية: التي هي اليتامى، والمساكين وابن السبيل. قال: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة، والجند، وروي نحو هذا عن الشافعي أيضاً. ومذهب الإمام مالك - رحمه الله - أن أمر خمس الغنيمة موكول إلى نظر الإمام واجتهاده. فيما يراه مصلحة، فيأخذ منه من غير تقدير، ويعطي القرابة باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها: وبقول مالك هذا: قال الخلفاء الأربعة، وبه عملوا، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم"تفسير : ، فإنه لم يقسمه أخماساً، ولا أثلاثاً، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم. لأنهم من أهم من يدفع إليه. قال الزجاج: محتجاً لمالك، قال الله عز وجل:{أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [البقرة: 215]. وللرجل جائز بإجماع العلماء أن ينفق في غير هذه الأصناف، إذا رأى ذلك، وذكر النسائي عن عطاء، قال: "خمس الله، وخمس رسوله واحد، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل منه، ويعطى منه، ويضعه حيث شاء" اهـ من القرطبي. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: "وقال آخرون: إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء. وقال شيخنا العلامة ابن تيمية: رحمه الله - وهذا قول مالك، وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال اهـ من ابن كثير. وهذا القول هو رأي البخاري بدليل قوله: باب قول الله تعالى: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} يعني للرسول قسم ذلك. وقال رسول الله: "حديث : إنما أنا قاسم، وخازن، والله يعطي" تفسير : ثم ساق البخاري أحاديث الباب، في كونه صلى الله عليه وسلم قاسماً بأمر الله تعالى. قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول قوي، وستأتي له أدلة إن شاء الله في المسألة التي بعد هذا، ولكن أقرب الأقوال للسلامة هو العمل بظاهر الآية، كما قال الشافعي، وأحمد - رحمهما الله - لأن الله أمرنا أن نعلم أن خمس ما غنمنا. لهذه المصارف المذكورة، ثم أتبع ذلك بقوله: {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ}، وهو واضح جداً، كما ترى. وأما قول بعض أهل البيت. كعبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين رضي الله عنهم: بأن الخمس كله لهم دون غيرهم، وأن المراد باليتامى، والمساكين: يتاماهم، ومساكينهم،وقول من زعم أنه بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم، يكون لقرابة الخليفة الذي يوليه المسلمون، فلا يخفى ضعفهما، والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: أجمع العلماء على أن الذهب، والفضة، وسائر الأمتعة. كل ذلك داخل في حكم الآية: يخمس، ويقسم الباقي على الغانمين، كما ذكرنا. المسألة الرابعة: أما أرضهم المأخوذة عنوة. فقد اختلف العلماء فيها، فقال بعض العلماء: يخير الإمام بين قسمتها، كما يفعل بالذهب، والفضة. ولا خراج عليها. بل هي أرض عشر مملوكة، للغانمين،و بين وقفها للمسلمين بصيغة. وقيل بغير صيغة، ويدخل في ذلك تركها للمسلمين بخراج مستمر يؤخذ ممن تقر بيده، وهذا التخيير: هو مذهب الإمام أحمد. وعلى هذا القول: إذا قسمها الإمام، فقيل: تخمس، وهو أظهر، وقيل: لا، واختاره بعض أجلاء العلماء قائلاً: إن أرض خيبر لم يخمس ما قسم منها. والظاهر أن أرض خيبر خمست، كما جزم به غير واحد، ورواه أبو داود بإسناد صحيح عن الزهري. وهذا التخيير بين القسم، وإبقائها للمسلمين، الذي ذكرنا أنه مذهب الإمام أحمد: هو أيضاً مذهب الإمام أبي حنيفة، والثوري. وأما مالك - رحمه الله - فذهب إلى أنها تصير وقفاً للمسلمين، بمجرد الإستيلاء عليها. وأما الشافعي - رحمه الله - فذهب إلى أنها غنيمة يجب قسمها على المجاهدين، بعد إخراج الخمس، وسنذكر - إن شاء الله - حجج الجميع، وما يظهر لنا رجحانه بالدليل. أما حجة الإمام الشافعي - رحمه الله - فهي بكتاب وسنة. أما الكتاب، فقوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} [الأنفال: 41] الآية، فهو يقتضي بعمومه شمول الأرض المغنومة. وأما السنة: فما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم، قسم أرض قريظة، بعد أن خمسها، وبني النضير، ونصف أرض خيبر بين الغانمين. قال: فلو جاز أن يدعي، إخراج الأرض، جاز أن يدعي إخراج غيرها، فيبطل حكم الآية. قال مقيده - عفا الله عنه، الاستدلال بالآية: ظاهر، وبالسنة غير ظاهر؛ لأنه لا حجة فيه على من يقول بالتخيير، لأنه يقول: كان مخيراً فاختار القسم، فليس القسم واجباً، وهو واضح كما ترى. وحجة من قال بالتخيير: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قسم نصف أرض خيبر، وترك نصفها، وقسم أرض قريظة، وترك قسمة مكة، فدل قسمه تارة، وتركه القسم أخرى على التخيير. ففي (السنن) و (المستدرك): "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم، لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهماً، جمع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وللمسلمين؛ النصف من ذلك، وعزل النصف الباقي لمن ينزل به من الوفود، والأمور، ونوائب الناس"،تفسير : هذا لفظ أبي داود. وفي لفظ "حديث : عزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهماً، وهو الشطر - لنوائبه، وما ينزل به من أمر المسلمين، فكان ذلك: الوطيح، والكتيبة، والسلالم، وتوابعها ". تفسير : وفي لفظ أيضاً: "حديث : عزل نصفها لنوائبه، وما ينزل به؛ الوطيحة، والكتيبة، وما أحيز معهما، وعزل النصف الآخر: فقسمه بين المسلمين، الشق، والنطاة، وما أحيز معهما، وكان سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أحيز معهما ". تفسير : ورد المخالف هذا الاحتجاج، بأن النصف المقسوم من خيبر: مأخوذ عنوة، والنصف الذي لم يقسم منها: مأخوذ صلحاً، وجزم بهذا ابن حجر في (فتح الباري). وقال النووي في (شرح مسلم) في الكلام على قول أنس عند مسلم: وأصبناها عنوة ما نصه "قال القاضي: قال المازري: ظاهر هذا أنها كلها فتحت عنوة، وقد روى مالك، عن ابن شهاب، أن بعضها فتح عنوة، وبعضها صلحاً، قال: وقد يشكل ما روي في سنن أبي داود، أنه قسمها نصفين: نصفاً لنوائبه، وحاجته، ونصفاً للمسلمين، قال: وجوابه، ما قال بعضهم: إنه كان حولها ضياع وقرى أجلى عنها أهلها، فكانت خالصة للنبي صلى الله عليه وسلم، وما سواها للغانمين، فكان قدر الذي جلوا عنه النصف، فلهذا قسم نصفين اهـ منه بلفظه. وقال أبو داود في (سننه): حدثنا حسين بن علي العجلي، ثنا يحيى - يعني ابن آدم-، ثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، وعبد الله بن أبي بكر، وبعض ولد محمد بن مسلمة، قالوا: بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يحقن دماءهم، ويسيرهم، ففعل، فسمع بذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، لأنها لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا عبد الله بن محمد، عن جويرية، عن مالك، عن الزهري: أن سعيد ابن المسيب، أخبره: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، افتتح بعض خيبر عنوة". قال أبو داود: وقرئ على الحارث بن مسكين، وأنا شاهد؛ أخبرهم ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب: أن خيبر كان بعضها عنوة، وبعضها صلحاً، والكتيبة أكثرها عنوة، وفيها صلح؛ قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال: أرض خيبر، وهي أربعون ألف عذق. قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا الذي ذكرنا: يقدح في الاحتجاج لتخيير الإمام في القسم، والوقفية بقضية خيبر، كما ترى، وحجة قول مالك - رحمه الله - ومن وافقه في أن أرض العدو المفتوحة عنوة تكون وقفاً للمسلمين، بمجرد الاستيلاء عليها أمور. منها: قوله صلى الله عليه وسلم الثابت في (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه: "حديث : منعت العراق درهمها وفقيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم"تفسير : ، شهد على ذلك، لحم أبي هريرة ودمه. ووجه الاستدلال عندهم بالحديث: أن: "منعت العراق... الخ" بمعنى ستمنع؛ وعبر بالماضي إيذاناً بتحقق الوقوع، كقوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِى الصُّورِ} تفسير : [الكهف: 99] الآية، وقوله: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 1] الآية. قالوا: فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين، لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز، ولا درهم، ولحديث مسلم هذا؛ شاهد من حديث جابر عند مسلم أيضاً، ومن حديث أبي هريرة أيضاً عند البخاري. وقال ابن حجر في (فتح الباري) في كتاب "فرض الخمس" ما نصه: وذكر ابن حزم: أن بعض المالكية احتج بقوله في حديث أبي هريرة: "حديث : منعت العراق درهمها" تفسير : الحديث. على أن الأرض المغنومة: لا تباع، ولا تقسم، وأن المراد بالمنع: منع الخراج، ورده بأن الحديث: ورد في الإنذار بما يكون من سوء العاقبة، وأن المسلمين سيمنعون حقوقهم في آخر الأمر، وكذلك وقع. واحتجوا أيضاً بما ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النَّبي صلى الله عليه وسلم خيبر". وفي لفظ في الصحيح عن عمر: "أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس بياناً ليس لهم شيء؛ ما فتحت عليَّ قرية إلا قسمتها، كما قسم النَّبي صلى الله عليه وسلم خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها". واحتج أهل هذا القول أيضاً. بأن الأرض المغنومة لو كانت تقسم، لم يبق لمن جاء بعد الغانمين شيء، والله أثبت لمن جاء بعدهم شركة بقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا}تفسير : [الحشر: 10] الآية، فإنه معطوف على قوله: {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ}تفسير : [الحشر: 8] وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} تفسير : [الحشر: 9] الآية، وقول من قال. إن قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [الحشر: 10] مبتدأ خبره {أية : يَقُولُونَ} تفسير : [الحشر: 10] غير صحيح. لأنه يقتضي أنه تعالى. أخبر بأن كل من يأتي بعدهم يقول: {أية : رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا} تفسير : [الحشر: 10] الآية. والواقع خلافه: لأن كثيراً ممن جاء بعدهم يسبون الصحابة ويلعنونهم، والحق أن قوله: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا} معطوف على ما قبله، وجملة {يَقُولُونَ} حال كما تقدم في "آل عمران"، وهي قيد لعاملها وصف لصاحبها. قال مقيده - عفا الله عنه -: هذه الأدلة التي استدل بها المالكية، لا تنهض فيما يظهر، لأن الأحاديث المذكورة لا يتعين وجه الدلالة فيها، لأنه يحتمل أن يكون الإمام مخيراً، فاختار إبقاءها للمسلمين، ولم يكن واجباً في أول الأمر، كما قدمنا. والاستدلال بآية الحشر المذكورة: واضح السقوط لأنها في الفيء، والكلام في الغنيمة، والفرق بينهما معلوم كما قدمنا. قال مقيده: - عفا الله عنه - أظهر الأقوال دليلاً أن الإمام مخير، ويدل عليه كلام عمر في الأثر المار آنفاً، وبه تنتظم الأدلة، ولم يكن بينها تعارض، والجمع واجب متى ما أمكن. وغاية ما في الباب: أن تكون السنة دلت على تخصيص واقع في عموم قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} [الأنفال: 41] الآية. وتخصيص الكتاب بالسنة كثير. قال القرطبي في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها، بعد أن ذكر القول بالتخيير: ما نصه: "قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه: وكأن هذا جمع بين الدليلين، ووسط بين المذهبين، وهو الذي فهمه عمر رضي الله عنه قطعاً. ولذلك قال: "لولا آخر الناس" فلم يخبر بنسخ فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ ولا بتخصيصه بهم. فإن قيل: لا تعارض بين الأدلة على مذهب الشافعي: لأن ما وقع فيه القسم من خيبر مأخوذ عنوة، وما لم يقسم منها مأخوذ صلحاً، والنضير فيء، وقريظة قسمت. ولو قال قائل: إنها فيء أيضاً؛ لنزولهم على حكم النَّبي صلى الله عليه وسلم، قبل أن يحكم فيهم سعداً، لكان غير بعيد؛ ولكن يرده: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم خمسها، كما قاله مالك، وغيره. ومكة مأخوذة صلحاً؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن ". تفسير : هذا ثابت في صحيح مسلم. فالجواب: أن التحقيق أن مكة فتحت عنوة، ولذلك أدلة واضحة. منها: أنه لم ينقل أحد أن النَّبي صلى الله عليه وسلم صالح أهلها زمن الفتح، ولا جاءه أحد منهم؛ فصالحه على البلد؛ وإنما جاءه أبو سفيان؛ فأعطاه الأمان لمن دخل داره،أو أغلق بابه، أو دخل المسجد، أو ألقى سلاحه. ولو كانت قد فتحت صلحاً لم يقل "حديث : من دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد فهو آمن" تفسير : فإن الصلح يقتضي الأمان العام. ومنها: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله حبس عن مكة الفيل،وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه أذن لي فيها ساعة من نهار ". تفسير : وفي لفظ: "إنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار". وفي لفظ: "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس"، وهذا صريح في أنها فتحت عنوة. ومنها: أنه ثبت في الصحيح، "أنه يوم فتح مكة جعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على الحسر، فأخذوا بطن الوادي، ثم قال: يا أبا هريرة اهتف لي بالأنصار، فجاؤوا يهرولون، فقال: يا معشر الأنصار، هل ترون إلى أوباش قريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتوهم غداً أن تحصدوهم حصداً، وأحفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال: موعدكم الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، قال: فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش؛ لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن ". تفسير : أخرجه مسلم في (صحيحه) من حديث أبي هريرة. وذكر أهل المغازي تفصيل ما أجمل في حديث مسلم هذا، فبينوا أنه قتل من الكفار اثنا عشر، وقيل: قتل من قريش أربعة وعشرون، ومن هذيل أربعة، وقتل يومئذ من المسلمين ثلاثة، وهم سلمة بن الميلاء الجهني، وكرز بن جابر المحاربي - نسبة إلى محارب بن فهر - وخنيس بن خالد الخزاعي. أخو أم معبد، وقال كرز قبل أن يقتل في دفاعه عن خنيس: شعر : قد علمت بيضاء من بني فهر نقية اللون نقية الصدر لأضربن اليوم عن أبي صخر تفسير : وفيه نقل الحركة في الوقف، ورجز حماس بن قيس المشهور يدل على القتال يوم الفتح، وذكره الشنقيطي في مغازيه بقوله: شعر : وزعم ابن قيس أن سيحفدا نساءهم خلته وأنشدا إن يقبلوا اليوم فمالي عله هذا سلاح كامل وأله وذو غرارين سريع السله وشهد المأزق فيه حطما رمزبب من قومه فانهزما وجاء فاستغلق بابها البتول فاستفهمته أينما كنت تقول فقال والفزع زعفر دمه إنك لو شهدت يوم الخندمه إذ فر صفوان وفر عكرمه وبو يزيد قائم كالمؤتمه واستقبلتنا بالسيوف المسلمه لهم نهيت خلفنا وهمهمه يقطعن كل ساعد وجمجمه ضربا فلا تسمع إلا غمغمه لم تنطقي باللوم أدنى كلمه تفسير : وهذا الرجز صريح في وقوع القتال والقتل يوم فتح مكة. ومصداقه في الصحيح كما تقدم. ومنها: أيضاً؛ حديث : أن أم هانئ، بنت أبي طالب رضي الله عنها أجارت رجلاً، فأراد علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ"،تفسير : وفي لفظ عنها: لما كان يوم فتح مكة، أجرت رجلين من أحمائي، فأدخلتهما بيتاً؛ وأغلقت عليهما باباً، فجاء ابن أمّي عليَّ، فتفلت عليهما بالسيف" فذكرت حديث الأمان وقول النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" تفسير : وذلك ضحى ببطن مكة بعد الفتح. وقصتها ثابتة في الصحيح. فإجارتها له، وإرادة علي رضي الله عنه قتله، وإمضاء النَّبي صلى الله عليه وسلم إجارتها: صريح في أنها فتحت عنوة. ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم، أمر بقتل مقيس بن صبابة، وابن خطل، وجاريتين. ولو كانت فتحت صلحاً، لم يؤمر بقتل أحد من أهلها، ولكان ذكر هؤلاء مستثنى من عقد الصلح. وأمره صلى الله عليه وسلم بقتل من ذكر: ثابت عنه صلى الله عليه وسلم. وفي السنن بإسناد صحيح: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما كان يوم فتح مكة، قال: "أمنوا الناس إلا امرأتين وأربعة نفر؛ اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة" تفسير : إلى غير ذلك من الأدلة. فهذه أدلة واضحة على أن مكة - حرسها الله - فتحت عنوة. وكونها فتحت عنوة: يقدح فيما ذهب إليه الشافعي من وجوب قسم الأرض المغنومة عنوة. فالذي يتفق عليه جميع الأدلة، ولا يكون بينها أي تعارض: هو ما قدمنا من القول بالتخيير بين قسم الأرض، وإبقائها للمسلمين، مع ما قدمنا من الحجج، والعلم عند الله تعالى. وإذا عرفت أن التحقيق أن مكة فتحت عنوة، فاعلم أن العلماء اختلفوا في رباع مكة: - هل يجوز تملكها، وبيعها، وإيجارها؟ - على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجوز شيء من ذلك، وبه قال أبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وإبراهيم، والحسن، وإسحاق. وغيرهم. وكرهه مالك - رحمه الله-. وأجاز جميع ذلك الشافعي، وأبو يوسف. وبه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجماعة من الصحابة ومن بعدهم. وتوسط الإمام أحمد، فقال: تملك، وتورث، ولا تؤجر، ولا تباع، على إحدى الروايتين، جمعاً بين الأدلة، والرواية الثانية كمذهب الشافعي. وهذه المسألة: تناظر فيها الإمام الشافعي، وإسحاق بن راهويه في مسجد الخيف - والإمام أحمد بن حنبل حاضر - فأسكت الشافعي إسحاق بالأدلة، بعد أن قال له: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك، فكنت آمر بفرك أذنيه، أنا أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: قال طاوس، والحسن، وإبراهيم، وهل لأحد مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة؟ - في كلام طويل-. ونحن نذكر إن شاء الله أدلة الجميع، وما يقتضي الدليل رجحانه منها. فحجة الشافعي - رحمه الله - ومن وافقه بأمور. الأول: حديث أسامة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما سأله. أين تنزل غداً؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟" تفسير : وفي بعض الروايات "من منزل"، وفي بعضها "منزلاً" أخرج هذا الحديث البخاري في كتاب "الحج" في باب "توريث دور مكة، وشرائها" الخ وفي كتاب "المغازي" في غزوة الفتح في رمضان في باب أين ركز النَّبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح، وفي كتاب الجهاد في باب "إذا أسلم قوم في دار الحرب، ولهم مال وأرضون فهي لهم" وأخرجه مسلم في كتاب "الحج" في باب "النزول بمكة للحاج وتوريث دورها. بثلاث روايات هي مثل روايات البخاري. فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث المتفق عليه: "حديث : وهل ترك لنا عقيل من رباع" تفسير : صريح في إمضائه صلى الله عليه وسلم بيع عقيل بن أبي طالب - رضي الله عنه - تلك الرباع. ولو كان بيعها، وتملكها لا يصح لما أقره النَّبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يقر على باطل بإجماع المسلمين. الثاني: أن الله تبارك وتعالى أضاف للمهاجرين من مكة ديارهم، وذلك يدل على أنها ملكهم في قوله: {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} تفسير : [الحشر: 8]. قال النووي في (شرح المهذب): فإن قيل: قد تكون الإضافة لليد والسكنى، لقوله تعالى: {أية : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} تفسير : [الأحزاب: 33]. فالجواب: أن حقيقة الإضافة تقتضي الملك، ولذلك لو قال: هذه الدار لزيد حكم بملكها لزيد، ولو قال: أردت به السكنى واليد، لم يقبل. ونظير الآية الكريمة: ما احتج به أيضاً. من الإضافة في قوله: "حديث : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" تفسير : الحديث. وقد قدمنا أنه في (صحيح مسلم). الثالث: الأثر المشهور في سنن البيهقي وغيره. "أن نافع بن الحارث، اشترى من صفوان بن أمية، دار السجن لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، بأربعمائة". وفي رواية "بأربعة آلاف"، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة. وروى الزبير بن بكار والبيهقي: أن حكيم بن حزام رضي الله عنه، باع دار الندوة بمكة من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف، فقال له عبد الله بن الزبير: يا أبا خالد بعت مأثرة قريش وكريمتها، فقال: هيهات ذهبت المكارم فلا مكرمة اليوم إلا الإسلام، فقال: اشهدوا أنها في سبيل الله تعالى يعني الدراهم التي باعها بها. وعقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه عمود النسب بقوله يعني قصياً: شعر : واتخذ الندوة لا يخترع في غيرها أمر ولا تدرع جارية أو بعذر الغلام إلا بأمره بها يرام وباعها بعد حكيم بن حزام وأنبوه وتصدق الهمام سيد ناديه بكل الثمن إذ العلى بالدين لا بالدمن تفسير : الرابع: أنها فتحت صلحاً، فبقيت على ملك أهلها، وقد قدمنا ضعف هذا الوجه. الخامس: القياس، لأن أرض مكة أرض حية ليست موقوفة، فيجوز بيعها قياساً على غيرها من الأرض. واحتج من قال: بأن رباع مكة لا تملك ولا تباع. بأدلة: منها قوله تعالى: {أية : وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} تفسير : [الحج: 25] قالوا: والمراد بالمسجد: جميع الحرم كله لكثرة إطلاقه عليه في النصوص، كقوله: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [الإسراء: 1] الآية، وقوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [التوبة: 7] الآية، وقوله: {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة: 95] مع أن المنحر الأكبر من الحرم "منى". ومنها قوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا} تفسير : [النمل: 91] قالوا: والمحرم لا يجوز بيعه. ومنها: ما أخرجه البيهقي من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مكة مناخ لا تباع رباعها، ولا تؤجر بيوتها ". تفسير : ومنها: ما رواه أبو حنيفة، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو، قال: قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مكة حرام، وحرام بيع رباعها، وحرام أجر بيوتها ". تفسير : ومنها ما روي حديث : عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله ألا نبني لك بمنى بيتاً أو بناء يظلك من الشمس؟ قال: "لا. إنما هو مناخ من سبق إليه" تفسير : أخرجه أبو داود. ومنها: ما رواه البيهقي، وابن ماجه، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة الكناني، قال: كانت بيوت مكة تدعى السوائب، لم تبع رباعها في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبي بكر ولا عمر، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. ومنها: ما روى عن عائشة رضي الله عنها: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : منى مناخ لمن سبق ". تفسير : قال النووي في (شرح المهذب) في الجنائز، في "باب الدفن" في هذا الحديث، رواه أبو محمد الدارمي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم، بأسانيد جيدة من رواية عائشة رضي الله عنها. قال الترمذي: هو حديث حسن. وذكر في البيوع، في الكلام على بيع دور مكة، وغيرها من أرض الحرم: أن هذا الحديث صحيح. ومنها: ما رواه عبد الرزاق بن مجاهد عن ابن جريج، قال: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب، كان ينهى عن تبويب دور مكة لأن ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره، سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال. أنظرني يا أمير المؤمنين إني كنت امرأ تاجراً، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري، فقال: ذلك لك إذن. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن مجاهد: إن عمر بن الخطاب، قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبواباً لينزل البادي حيث يشاء. اهـ، قاله ابن كثير: إلى غير ذلك من الأدلة. قال مقيده - عفا الله عنه -: أقوى الأقوال دليلاً فيما يظهر قول الشافعي ومن وافقه، لحديث أسامة بن زيد المتفق عليه، كما قدمنا، وللأدلة التي قدمنا غيره، ولأن جميع أهل مكة بقيت لهم ديارهم بعد الفتح يفعلون بها ما شاؤوا من بيع، وإجارة، وغير ذلك. وأجاب أهل هذا القوم الصحيح عن أدلة المخالفين. فأجابوا عن قوله: {أية : سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ} تفسير : [الحج: 25] بأن المراد خصوص المسجد دون غيره من أرض الحرم، بدليل التصريح بنفس المسجد في قوله: {أية : وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً}تفسير : [الحج:25] الآية، وعن قوله تعالى: {أية : هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا} تفسير : [النمل: 91] بأن المراد: حرم صيدها، وشجرها، وخلاها، والقتال فيها، كما بينه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، ولم يذكر في شيء منها مع كثرتها النهي عن بيع دورها. وعن حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه: بأنه ضعيف، قال النووي في (شرح المهذب): هو ضعيف باتفاق المحدثين، واتفقوا على تضعيف إسماعيل، وأبيه إبراهيم. اهـ. وقال البيهقي في السنن الكبرى: إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ضعيف، وأبوه غير قوي، واختلف عليه فروي عنه هكذا، وروي عنه عن أبيه، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً ببعض معناه، وعن حديث عائشة رضي الله عنها. بأنه محمول على الموات من الحرم. قال النووي: وهو ظاهر الحديث. وعن حديث أبي حنيفة: بأنه ضعيف من وجهين: أحدهما: تضعيف إسناده بابن أبي زياد المذكور فيه. والثاني: أن الصواب فيه عند الحفاظ أنه موقوف على عبد الله بن عمر وقالوا: رفعه وهم قاله: الدارقطني، وأبو عبد الرحمن السلمي، والبيهقي. وعن حديث عثمان بن أبي سليمان بجوابين: أحدهما: أنه منقطع، كما قاله البيهقي. الثاني: ما قال البيهقي أيضاً، وجماعة من الشافعية، وغيرهم: أن المراد في الحديث: الإخبار عن عادتهم الكريمة في إسكانهم ما استغنوا عنه من بيوتهم بالإعارة تبرعاً، وجوداً. وقد أخبر من كان أعلم بشأن مكة منه عن جريان الإرث، والبيع فيها. وعن حديث "حديث : منى مناخ من سبق" تفسير : بأنه محمول على مواتها، ومواضع نزول الحجيج منها. قاله النووي اهـ. واعلم أن تضعيف البيهقي لحديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، وحديث عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة تعقبه عليه محشيه صاحب (الجوهر النقي)، بما نصه "ذكر فيه حديثاً في سنده إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، فضعف إسماعيل، وقال عن أبيه غير قوي ثم اسنده من وجه آخر، ثم قال: رفعه وهم، والصحيح موقوف قلت: أخرج الحاكم في (المستدرك) هذا الحديث من الوجهين اللذين ذكرهما البيهقي، ثم صحح الأول، وجعل الثاني شاهداً عليه، ثم ذكر البيهقي في آخره حديثاً عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة. ثم قال: هذا منقطع. قلت: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه بسند على شرط مسلم، وأخرجه الدارقطني وغيره، وعلقمة هذا صحابي. كذا ذكره علماء هذا الشأن، وإذا قال الصحابي مثل هذا الكلام. كان مرفوعاً على ما عرف به، وفيه تصريح عثمان بالسماع عن علقمة، فمن أين الانقطعا؟ اهـ كلام صاحب (الجوهر النقي). قال مقيده - عفا الله عنه - لا يخفى سقوط اعتراض ابن التركماني هذا على الحافظ البيهقي. في تضعيفه الحديثين المذكورين. أما في الأول: فلأن تصحيح الحاكم - رحمه الله - لحديث ضعيف لا يصيره صحيحاً. وكم من حديث ضعيف صححه الحاكم - رحمه الله - وتساهله - رحمه الله - في التصحيح معروف عند علماء الحديث، وإبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي قد يكون للمناقشة في تضعيف الحديث به وجه. لأن بعض العلماء بالرجال وثقه وهو من رجال مسلم. وقال فيه ابن حجر، في (التقريب): "صدوق لين الحفظ"، أما ابنه إسماعيل فلم يختلف في أنه ضعيف. وتضعيف الحديث به ظاهر لا مطعن فيه. وقال فيه ابن حجر في (التقريب). ضعيف، فتصحيح هذا الحديث لا وجه له. وأما قوله في اعتراضه تضعيف البيهقي لحديث الثاني. فمن أين الانقطاع فجوابه: أن الانقطاع من حيث إن علقمة بن نصلة تابعي صغير، وزعم الشيخ ابن التركماني، أنه صحابي غير صحيح، وقد قال فيه ابن حجر في (التقريب). علقمة بن نضلة - بفتح النون وسكون المعجمة - المكي، كناني. وقيل: كندي تابعي صغير مقبول، أخطأ من عده في الصحابة، وإذن فوجه انقطاعه ظاهر، فظهر أن الصواب مع الحافظ البيهقي، والنووي وغيرهما في تضعيف الحديثين المذكورين. ولا شك أن من تورع عن بيع رباع مكة، وإيجارها خروجاً من الخلاف، أن ذلك خير له، لأن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. تنبيه أجمع جميع المسلمين على أن مواضع النسك من الحرم كموضع السعي، وموضع رمي الجمار حكمها حكم المساجد، والمسلمون كلهم سواء فيها. والظاهر أن ما يحتاج إليه الحجيج من منى، ومزدلفة كذلك، فلا يجوز لأحد أن يضيقهما بالبناء المملوك حتى تضيقا بالحجيج، ويبقى بعضهم لم يجد منزلاً، لأن المبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي أيام التشريق، من مناسك الحج. فلا يجوز لأحد أن يضيق محل المناسك على المسلمين، حتى لا يبقى ما يسع الحجيج كله، ويدل له حديث: "حديث : منى مناخ لمن سبق" تفسير : كما تقدم. المسألة الخامسة: في تحقيق المقام فيما للإمام أن ينفله من الغنيمة، وسنذكر أقوال العلماء في ذلك، وأدلتهم، وما يقتضي الدليل رجحانه. اعلم أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة، كما أشرنا له في أول هذه السورة الكريمة، ووعدنا بإيضاحه هنا فذهب الإمام مالك - رحمه الله - إلى أن الإمام لا يجوز له أن ينفل أحداً شيئاً إلا من الخمس، وهو قول سعيد بن المسيب، لأن الأخماس الأربعة. ملك للغانمين الموجفين عليها بالخيل، و الركاب. هذا مشهور مذهبه، وعنه قول آخر: أنها من خمس الخمس. ووجه هذا القول: أن اخماس الخمس الأربعة، غير خمس الرسول صلى الله عليه وسلم لمصارف معينة في قوله: {وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} [الأنفال: 41] وأربعة الأخماس الباقية ملك للغانمين. وأصح الأقوال عن الشافعي: أن الإمام لا ينفل إلا من خمس الخمس، ودليله: ما ذكرنا آنفاً. وعن عمرو بن شعيب أنه قال. لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن قدامة في (المغني): ولعله يحتج بقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} تفسير : [الأنفال: 1]. وذهب الإمام أحمد في طائفة من أهل العلم: إلى أن للإمام أن ينفل الربع بعد الخمس في بدأته، والثلث بعد الخمس في رجعته. ومذهب أبي حنيفة: أن للإمام قبل إحراز الغنيمة أن ينفل الربع، أو الثلث، أو أكثر، أو أقل بعد الخمس، وبعد إحراز الغنيمة لا يجوز له التنفيل إلا من الخمس. وقد قدمنا جملة الخلاف في هذه المسألة في أول هذه السورة الكريمة، ونحن الآن نذكر إن شاء الله ما يقتضي الدليل رجحانه. اعلم أولاً، أن التنفيل الذي اقتضى الدليل جوازه أقسام: الأول: أن يقول الإمام لطائفة من الجيش: إن غنمتم من الكفار شيئاً، فلكم منه كذا بعد إخراج خمسه، فهذا جائز، وله أن ينفلهم في حالة إقبال جيش المسلمين إلى الكفار الربع، وفي حالة رجوع جيش المسلمين إلى أوطانهم الثلث بعد أخراج الخمس. ومالك وأصحابه يقولون. إن هذا لا يجوز. لأنه تسبب في إفساد نيات المجاهدين، لأنهم يصيرون مقاتلين من أجل المال الذي وعدهم الإمام تنفيله. والدليل على جواز ذلك. ما رواه حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع بعد الخمس في بدأته، ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته"تفسير : أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن الجارود. واعلم أن التحقيق في حبيب المذكور. أنه صحابي، وقال فيه ابن حجر في (التقريب) مختلف في صحبته، والراجح ثبوتها لكنه كان صغيراً، وله ذكر في (الصحيح) في حديث ابن عمر مع معاوية اهـ. وقد روى عنه أبو داود هذا الحديث من ثلاثة أوجه. منها: عن مكحول بن عبد الله الشامي، قال: كنت عبداً بمصر لامرأة من بني هذيل، فأعتقتني فما خرجت من مصروبها علم إلا حويت عليه، ثم أتيت الحجاز فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق، فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليها فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها، كل ذلك: أسال عن النفل فلم أجد أحداً يخبرني فيه بشيء، حتى لقيت شيخاً يقال له: زياد بن جارية التميمي. فقلت له: هل سمعت في النفل شيئاً؟ قال: نعم، سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول: شهدت النَّبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة- اهـ. وقد علمت أن الصحيح أنه صحابي، وقد صرح في هذه الرواية بأنه شهد النَّبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع إلى آخر الحديث. ومما يدل على ذلك أيضاً: ما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث" أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان. وفي رواية عند الإمام أحمد: كان إذا غاب في أرض العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعاً - وكل الناس - نفل الثلث، وكان يكره الأنفال، ويقول: ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم. وهذه النصوص تدل على ثبوت التنفيل من غير الخمس. ويدل لذلك أيضاً: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن معن بن يزيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : لا نفل إلا بعد الخمستفسير : ، قال الشوكاني: في (نيل الأوطار): هذا الحديث صححه الطحاوي اهـ. والفرق بين البدأة والرجعة. أن المسلمين في البدأة: متوجهون إلى بلاد العدو، والعدو في غفلة. وأما في الرجعة: فالمسلمون راجعون إلى أوطانهم من أرض العدو، والعدو في حذر ويقظة، وبين الأمرين فرق ظاهر. والأحاديث المذكورة تدل على أن السرية من العسكر إذا خرجت، فغنمت، أن سائر الجيش شركاؤهم، ولا خلاف في ذلك بين العلماء، كما قاله القرطبي. الثاني: من الأقسام التي اقتضى الدليل جوازها: تنفيل بعض الجيش، لشدة بأسه، وغنائه، وتحمله ما لم يتحمله غيره، والدليل على ذلك ما ثبت في (صحيح مسلم)، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، في قصة إغارة عبد الرحمن الفزاري، على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستنقاذه منه. قال سلمة: فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير فرساننا اليوم، أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة قال: ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين: سهم الفارس، وسهم الراجل فجمعهما لي جميعاً. الحديث. هذا لفظ مسلم في صحيحه من حديث طويل. وقد قدمنا أن هذه غزوة "ذي قرد" في سورة "النساء"، ويدل لهذا أيضاً: حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم في أول السورة، فإن فيه: أن سعداً رضي الله عنه قال: لعله يعطى هذا السيف لرجل لم يبل بلائي، ثم أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم لسعد رضي الله عنه لحسن بلائه وقتله صاحب السيف كما تقدم. الثالث: من أقسام التنفيل التي اقتضى الدليل جوازها: أن يقول الإمام: "من قتل قتيلاً فله سلبه". ومن الأدلة على ذلك: ما رواه الشيخان في صحيحيهما، حديث : عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه. وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب، فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من قتل قتيلاً له عليه بيِّنة فله سلبه" قال: فقمت، ثم قلت: من يشهد لي؟، ثم جلست، ثم قال مثل ذلك، قال فقمت فقلت من يشهد لي؟، ثم جلست، ثم قال ذلك الثالثة، فقمت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لك يا ابا قتادة؟" فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم، صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي. فأرضه من حقه، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لا ها الله إذاً لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق فأعطه إياه" فأعطاني، قال: فبعت الدرع فابتعت بها مخرفاً في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام.تفسير : والأحاديث بذلك كثيرة. وروى أبو داود، وأحمد، عن أنس. أن ابا طلحة يوم حنين قتل عشرين رجلاً، وأخذ اسلابهم، وفي رواية عنه عند أحمد، أحد وعشرين، وذكر أصحاب المغازي: أن أبا طلحة قال في قتله من ذكر: شعر : أنا أبو طلحة واسمي زيد وكل يوم في سلاحي صيد تفسير : والحق أنه لا يشترط في ذلك أن يكون في مبارزة، ولا أن يكون الكافر المقتول مقبلاً. أما الدليل على عدم اشتراط المبارزة: فحديث أبي قتادة هذا المتفق عليه. وأما الدليل على عدم اشتراط كونه قتله مقبلاً إليه: فحديث سلمة بن الأكوع، حديث : قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن، فبينا نحن نتضحَّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقاً من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر، وبعضنا مُشاة إذ خرج يشتد فأتى جمله، فأطلق قيده ثم أناخه، وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء. قال سلمة: وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي، فضربت به رأس الرجل فندر، ثم جئت بالجمل أقوده وعليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس معه. فقال: "من قتل الرجل؟" قالوا: ابن الأكوع، قال: "له سلبه أجمع" تفسير : متفق عليه، واللفظ المذكور لمسلم في "كتاب الجهاد والسير" في باب "استحقاق القاتل سلب القتيل"، وأخرجه البخاري بمعناه "في كتاب الجهاد" في باب "الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان" وهو صريح في عدم اشتراط المبارزة، وعدم اشتراط قتله مقبلاً لا مدبراً كما ترى. ولا يستحق القاتل سلب المقتول، إلا أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتالهم. فأما إن قتل امرأة، أو صبياً، أو شيخاً فانياً، أو ضعيفاً مهيناً، أو مثخناً بالجراح لم تبق فيه منفعة، فليس له سلبه. ولا خلاف بين العلماء: في أن من قتل صبياً، أو امرأة، أو شيخاً فانياً، لا يستحق سلبهم، إلا قولاً ضعيفاً جداً يروى عن أبي ثور، وابن المنذر: في استحقاق سلب المرأة. والدليل على أن من قتل مثخناً بالجراح لا يستحق سلبه، أن عبد الله بن مسعود، هو الذي ذفف على أبي جهل يوم بدر، وحز رأسه. وقد قضى النَّبي صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاد بن عمرو بن الجموح الذي أثبته، ولم يعط ابن مسعود شيئاً. وهذا هو الحق الذي جاء به الحديث المتفق عليه، فلا يعارض بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن ابن مسعود "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفله سيف أبي جهل يوم بدر". لأنه من رواية ابنه أبي عبيدة، ولم يسمع منه، وكذلك المقدم للقتل صبراً لا يستحق قاتله سلبه، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أمر بقتل النضر بن الحارث، العبدري، وعقبة بن أبي معيط الأموي صبراً يوم بدر ولم يعط من قتلهما شيئاً من سلبهما. واختلفوا فيمن أسر أسيراً: هل يستحق سلبه إلحاقاً للأسر بالقتل أو لا؟ والظاهر أنه لا يستحقه، لعدم الدليل. فيجب استصحاب عموم {{وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} [الأنفال: 41] الآية حتى يرد مخصص من كتاب أو سنة صحيحة، وقد أسر النَّبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون، أسارى بدر، وقتل بعضهم صبراً كما ذكرنا، ولم يعط أحداً من الذين أسروهم شيئاً من أسلابهم، ولا من فدائهم بل جعل فداءهم غنيمة. أما إذا قاتلت المرأة أو الصبي المسلمين: فالظاهر أن لمن قتل أحدهما سلبه، لأنه حينئذ ممن يجوز قتله، فيدخل في عموم "من قتل قتيلاً" الحديث، وبهذا جزم غير واحد. والعلم عند الله تعالى. واعلم أن العلماء اختلفوا في استحقاق القاتل السلب، هل يشترط فيه قول الإمام: "من قتل قتيلاً فله سلبه"! أو يستحقه مطلقاً. قال الإمام ذلك أو لم يقله؟ وممن قال بهذا الأخير: الإمام أحمد، والشافعي، والأوزاعي، والليث، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، والطبري، وابن المنذر. وممن قال بالأول: الذي هو أنه لا يستحقه إلا بقول الإمام: "من قتل قتيلاً" الخ الإمام أبو حنيفة، ومالك، والثوري. وقد قدمنا عن مالك وأصحابه: أن قول الإمام ذلك: لا يجوز قبل القتال، لئلا يؤدي إلى فساد النية، ولكن بعد وقوع الواقع، يقول الإمام: من قتل قتيلاً... الخ. واحتج من قال: باستحقاق القاتل سلب المقتول مطلقاً. بعموم الأدلة لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم. صرح بأن من قتل قتيلاً فله سلبه، ولم يخصص بشيء. العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، كما علم في الأصول. واحتج مالك، وأبو حنيفة، ومن وافقهما بأدلة: منها: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سلمة بن الأكوع، المتفق عليه السابق ذكره، له سلبه أجمع. قالوا: فلو كان السلب مستحقاً له بمجرد قتله لما احتاج إلى تكرير هذا القول. ومنها: حديث عبدالرحمن بن عوف، المتفق عليه في قصة قتل معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ ابن عفراء الأنصاريين لأبي جهل يوم بدر. فإن فيه "ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبراه، حديث : فقال: أيكما قتله؟!، فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال هل مسحتما ًسيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح اهـ تفسير : . قالوا: فتصريحه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، المتفق عليه، بأن كليهما قتله، ثم تخصيص أحدهما بسلبه، دون الآخر، صريح في أن القاتل لا يستحق السلب، إلا بقول الإمام: إنه له، إذ لو كان استحقاقه له بمجرد القتل لما كان لمنع معاذ بن عفراء وجه، مع أن النَّبي صلى الله عليه وسلم صرح بأنه قتله مع معاذ بن عمرو، ولجعله بينهما. ومنها: ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، عن عوف بن مالك قال: حديث : قتل رجل من حمير، رجلاً من العدو، فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد، وكان والياً عليهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عوف بن مالك فأخبره. فقال لخالد: "ما منعك أن تعطيه سلبه؟" قال: استكثرته يا رسول الله، قال: "ادفعه إليه"تفسير : ، فمر خالد بعوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فاستغضب فقال: لا تعطه يا خالد، لا تعطهيا خالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي، إنما مثلكم ومثلهم، كمثل رجل استرعى إبلاً، أو غنماً فرعاها، ثم تحين سقيها فأوردها حوضاً فشرعت فيه، فشربت صفوه، وتركت كدره، فصفوه لكم وكدره عليهم. وفي رواية عند مسلم أيضاً: عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة، في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من اليمن، وساق الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، غير أنه قال في الحديث: قال عوف بن مالك: فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل، قال بلى، ولكني استكثرته، هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفي رواية عن عوف أيضاً، عند الإمام أحمد وأبي داود قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من أهل اليمن، ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له، أشقر، عليه سرج مذهب. وسلاح مذهب. فجعل الرومي يفري في المسلمين. فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه. فخر وعلاه فقتله. وحاز فرسه. وسلاحه. فلما فتح الله عز وجل للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد. فأخذ السلب. قال عوف: فأتيته. فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قضى بالسلب للقاتل. قال. بلى ولكن استكثرته. قلت: لتردنه إليه، أو لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يرد عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقصصت عليه قصة المددي، وما فعل خالد، وذكر بقية الحديث بمعنى ما تقدم اهـ. فقول النَّبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح: "حديث : لا تعطه يا خالد" تفسير : دليل على أنه لم يستحق السلب بمجرد القتل، إذ لو استحقه به، لما منعه منه النَّبي صلى الله عليه وسلم. ومنها: ما ذكره ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن الأسود بن قيس، عن بشر بن علقمة قال: بارزت رجلاً يوم القادسية، فقتلته، وأخذت سلبه، فأتيت سعداً، فخطب سعد أصحابه، ثم قال: هذا سلب بشر ابن علقمة لهو خير من اثني عشر ألف درهم، وإنا قد نفلناه إياه. فلو كان السلب للقاتل قضاء من النَّبي صلى الله عليه وسلم، لما أضاف الأمراء ذلك التنفيل إلى أنفسهم باجتهادهم، ولأخذه القاتل دون أمرهم، قاله القرطبي. قال مقيده - عفا الله عنه-: أظهر القولين عندي دليلاً، أن القاتل لا يستحق السلب إلا بإعطاء الإمام. لهذه الأدلة الصحيحة، التي ذكرنا فإن قيل: هي شاهدة لقول إسحاق: إن كان السلب يسيراً فهو للقاتل، وإن كان كثيراً خمس. فالجواب: أن ظاهرها العموم مع أن سلب أبي جهل لم يكن فيه كثرة زائدة، وقد منع منه النَّبي صلى الله عليه وسلم معاذ ابن عفراء. تنبيه جعل بعض العلماء منشأ الخلاف في سلب القاتل، هل يحتاج إلى تنفيذ الإمام أو لا، هو الإختلاف في قول النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قتل قتيلاً" تفسير : الحديث، هل هو حكم؟ وعليه فلا يعم بل يحتاج دائماً إلى تنفيذ الإمام، أو هو فتوى؟ فيكون حكماً عاماً غير محتاج إلى تنفيذ الإمام. قال صاحب (نشر البنود) شرح (مراقي السعود) في شرح قوله: شعر : وسائر حكاية الفعل بما منه العموم ظاهراً قد علما تفسير : ما نصه: "تنبيه"،: حكى ابن رشد خلافاً بين العلماء، في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قتل قتيلاً له عليه بينة، فله سلبه"تفسير : ، هل يحتاج سلب القتيل إلى تنفيذ الإمام، بناء على أن الحديث حكم فلا يعم، أو لا يحتاج إليه بناء على أنه فتوى، وكذا قوله لهند: "حديث : خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف" تفسير : فيه خلاف. هل هو حكم فلا يعم، أو فتوى فيعم. قال ميارة في التكميل: شعر : وفي حديث هند الخلاف هل حكم يخصها أو إفتاء شمل تفسير : واعلم أن العلماء اختلفوا في السلب، هل بخمس أو لا؟ على ثلاثة أقوال: الأول: لا يخمس. الثاني: يخمس. الثالث: إن كان كثيراً خمس، وإلا فلا. وممن قال: إنه لا يخمس، الشافعي، وأحمد، وابن المنذر، وابن جرير، ويروى عن سعد بن أبي وقاص. وممن روي عنه أنه يخمس: ابن عباس، والأوزاعي، ومكحول. وممن فرق بين القليل والكثير: إسحاق، واحتج من قال: لا يخمس بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود وابن حبان، والطبراني، عن عوف بن مالك، وخالد بن الوليد رضي الله عنهما. أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس السلب. وقال القرطبي في تفسيره، بعد أن ساق حديث عوف بن مالك الذي قدمنا عند مسلم ما نصه. "وأخرجه أبو بكر البرقاني بإسناده، الذي أخرجه به مسلم، وزاد بياناً أن عوف بن مالك، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخمس السلب" اهـ. وقال ابن حجر في (التلخيص) في حديث خالد وعوف المتقدم، ما لفظه: "وهو ثابت في (صحيح مسلم) في حديث طويل فيه قصة لعوف مع خالد بن الوليد، وتعقبه الشوكاني في (نيل الأوطار) بما نصه: وفيه نظر، فإن هذا اللفظ الذي هو محل الحجة لم يكن في صحيح مسلم، بل الذي فيه هو ما سيأتي قريباً، وفي إسناد هذا الحديث إسماعيل بن عياش، وفيه كلام معروف قد تقدم ذكره مراراً"، اهـ. قال مقيده - عفا الله عنه -: وقد قدمنا حديث عوف المذكور بلفظ مسلم في صحيحه، وليس فيه ما ذكره الحافظ ابن حجر، فهو وهم منه، كما نبه عليه الشوكاني رحمهما الله تعالى. والتحقيق في إسماعيل بن عياش أن روايته عن غير الشاميين ضعيفة. وهو قوي في الشاميين، دون غيرهم. قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا الحديث من رواية إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك، وإسماعيل، وشيخه في هذا الحديث، الذي هو صفوان بن عمرو، كلاهما حمصي، فهو بلدي له: وبه تعلم صحة الاحتجاج بالحديث المذكور، مع قوة شاهده، الذي قدمنا عن أبي بكر البرقاني، بسند على شرط مسلم. واحتج من قال بأن السلب يخمس: بعموم قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] الآية. واحتج من قال: يخمس الكثير دون اليسير: بما رواه أنس، عن البراء بن مالك "أنه قتل من المشركين مائة رجل، إلا رجلاً مبارزة، وأنهم لما غزوا الزاره، خرج دهقان الزاره، فقال: رجل ورجل، فبرز البراء فاختلفا بسيفيهما، ثم اعتنقا فتوركه البراء فقعد على كبده، ثم أخذ السيف فذبحه، وأخذ سلاحه ومنطقته، وأتى به عمر، فنفله السلاح، وقوم المنطقة بثلاثين ألفاً، فخمسها، وقال: إنها مال" اهـ بنقل القرطبي. وقال قبل هذا: وفعله عمر بن الخطاب مع البراء بن مالك، حين بارز "المرزبان" فقتله. فكانت قيمة منطقته، وسواريه ثلاثين ألفاً، فخمس ذلك اهـ. وقال ابن قدامة في (المغني): وقال إسحاق: إن استكثر الإمام السلب، فذلك إليه، لما روى ابن سيرين أن البراء بن مالك بارز "مرزبان" الزاره بالبحرين فطعنه، فدق صلبه، وأخذ سواريه، وسلبه، فلما صلى عمر الظهر أتى أبا طلحة في داره، فقال: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالاً، وأنا خامسه. فكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء. رواه سعيد في السنن. وفيها أن سلب البراء بلغ ثلاثين ألفاً. قال مقيده - عفا الله عنه -: أظهر الأقوال دليلاً عندي أن السلب لا يخمس لحديث عوف وخالد المتقدم، ويجاب عن أخذ الخمس من سلب البراء بن مالك، بأن الذي تدل عليه القصة أن السلب لا يخمس: لأن قول عمر إنا كنا لا نخمس السلب، وقول الراوي كان أول سلب خمس في الإسلام: يدل على أن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وأبا بكر، وعمر صدراً من خلافته لم يخمسوا سلباً، واتباع ذلك أولى. قال الجوزجاني: لا أظنه يجوز لأحد في شيء سبق فيه من الرسول صلى الله عليه وسلم شيء إلا اتباعه. ولا حجة في قول أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن قدامة في (المغني)، والأدلة التي ذكرنا يخصص بها عموم قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} [الأنفال: 41] الآية. واختلف العلماء فيما إذا ادعى أنه قتله، ولم يقم على ذلك بينة، فقال الأوزاعي: يعطاه بمجرد دعواه، وجمهور العلماء على أنه لا بد من بينة على أنه قتله، قال مقيده - عفا الله عنه -: لا ينبغي أن يختلف في اشتراط البينة لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "حديث : من قتل قتيلاً له عليه بينة" تفسير : الحديث، فهو يدل بإيضاح على أنه لا بد من البينة، فإن قيل: فأين البينة التي أعطى بها النَّبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة سلب قتيله السابق ذكره. فالجواب من وجهين: الأول: ما ذكره القرطبي في تفسيره: قال: سمعت شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبا محمد عبد العظيم يقول: إنما أعطاه النَّبي صلى الله عليه وسلم بشهادة الأسود بن خزاعي. وعبد الله بن أنيس، وعلى هذا يندفع النزاع، ويزول الإشكال، ويطرد الحكم اهـ. الثاني: أنه أعطاه إياه بشهادة الرجل الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق، سلب ذلك القتيل عندي"، الحديث، فإن قوله "صدق" شهادة صريحة لأبي قتادة أنه هو الذي قتله. والاكتفاء بواحد في باب الخبر، والأمور التي لم يقع فيها ترافع قال به كثير من العلماء، وعقده ابن عاصم المالكي في تحفته بقوله: شعر : وواحد يجزئ في باب الخبر واثنان أولى عند كل ذي نظر تفسير : وقال القرطبي في تفسيره: إن أكثر العلماء على إجزاء شهادة واحد، وقيل: يثبت ذلك بشاهد ويمين، والله أعلم. وأما على قول من قال: إن السلب موكول إلى نظر الإمام، فللإمام أن يعطيه إياه، ولو لم تقم بينة، وإن اشترطها فذلك له، قاله القرطبي، والظاهر عندي أنه لا بد من بينة لورود النص الصحيح بذلك. واختلف العلماء في السلب ما هو؟ قال مقيده عفا الله عنه. لهذه المسألة طرفان، وواسطة. طرف أجمع العلماء على أنه من السلب: وهو سلاحه، كسيفه، ودرعه، ونحو ذلك، وكذلك ثيابه. وطرف أجمع العلماء على أنه ليس من السلب: وهو ما لو وجد في هميانه، أو منطقته دنانير. أو جواهر، أو نحو ذلك. وواسطة اختلف العلماء فيها: منها فرسه الذي مات وهو يقاتل عليه، ففيه للعلماء قولان: وهما روايتان عن الإمام أحمد، أصحهما أنه منه، ومنها ما يتزين به للحرب، فقال الأوزاعي: ذلك كله من السلب، وقالت: فرقة ليس منه، وهذا مروي عن سحنون إلا المنطقة، فإنها عنده من السلب، وقال ابن حبيب في الواضحة، والسواران من السلب، والله أعلم. واعلم أن حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد. وفيهم ابن عمر، وأن سهماتهم بلغت اثني عشر بعيراً، ونفلوا بعيراً بعيراً، دليل واضح على بطلان قول من قال: "لا تنفيل إلا من خمس الخمس" لأن الحديث صريح في أنه نفلهم نصف السدس. ولا شك أن نصف السدس أكثر من خمس الخمس، فكيف يصح تنفيل الأكثر من الأقل، وهو واضح كما ترى، وأما غير ذلك من الأقوال، فالحديث محتمل له. والذي يسبق إلى الذهن، أن ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عمر بلفظ "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش، والخمس في ذلك واجب كله اهـ. يدل على أن ذلك التنفيل من الغنيمة بعد إخراج الخمس، وهو ما دل عليه حديث حبيب بن سلمة المتقدِّم، وهو الظاهر المتبادر خلافاً لما قاله ابن حجر في (الفتح) من أنه محتمل لكل الأقوال المذكورة، والله تعالى أعلم. المسالة السادسة: الحق الذي لا شك فيه أن الفارس يعطى من الغنيمة ثلاثة ِأسهم: سهمان لفرسه، وسهم لنفسه، وأن الراجل يعطى سهماً واحداً، والنصوص الصحيحة مصرحة بذلك، فمن ذلك حديث ابن عمر المتفق عليه، ولفظ البخاري عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهماً". ولفظ مسلم، حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر، "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل سهماً"تفسير : اهـ. وأكثر الروايات بلفظ "وللرجل"، فرواية الشيخين صريحة فيما ذكرنا، وبذلك فسره راويه نافع، قال البخاري في صحيحه في غزوة خيبر: قال: فسره نافع، فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم اهـ. وذلك هو معناه الذي لا يحتمل غيره في رواية الصحيحين المذكورة. ومنها ما رواه أبو داود، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبيد الله. عن نافع، عن ابن عمر "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهماً له، وسهمين لفرسه ". تفسير : حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو معادية، ثنا عبد الله بن يزيد، حدثني المسعودي، حدثني حديث : أبو عمرة عن أبيه، قال: "أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة نفر، ومعنا فرس، فأعطى كل واحد منا سهماً، وأعطى للفرس سهمين ". تفسير : وممن قال بهذا الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي والثوري. والليث، وحسين بن ثابت، وأبي يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن جرير، وأبي ثور. وخالف أبو حنيفة - رحمه الله - الجمهور فقال: للفارس سهمان، وللراجل سهم. محتجاً بما جاء في بعض الروايات "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم، قسم يوم خيبر للفارس سهمين، وللراجل سهما"تفسير : رواه أبو داود من حديث مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله عنه، وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن، ويجاب عنه من وجهين: الأول: أن المراد بسهمي الفارس خصوص السهمين الذين استحقهما بفرسه، كما يشعر به لفظ الفارس. الثاني: أن النصوص المتقدمة أصح منه، وأولى بالتقديم، وقد قال أبو داود: حديث أبي معاوية أصح، والعمل عليه، وأرى الوهم في حديث مجمع أنه قال: ثلاثمائة فارس، وكانوا مائتي فارس اهـ. وقال النووي في (شرح مسلم): لم يقل يقول أبي حنيفة هذا أحد، إلا ما روي عن علي، وأبي موسى اهـ. وإن كان عند بعض الغزاة خيل فلا يسهم إلا لفرس واحد، وهذا مذهب الجمهور منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والحسن، ومحمد بن الحسن، وغيرهم. واحتجوا بأنه لا يمكنه أن يقاتل إلا على فرس واحد، وقال الأوزاعي والثوري، والليث، وأبو يوسف: يسهم لفرسين دون ما زاد عليهما، وهو مذهب الإمام أحمد، ويروى عن الحسن. ومكحول، ويحيى الأنصاري، وابن وهب، وغيره من المالكيين. واحتج أهل هذا القول بما روي عن الأوزاعي: "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس"،تفسير : وبما روي عن أزهر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح، أن أسهم للفرس من سهمين، وللفرسين أربعة أسم ولصاحبها سهم، فذلك خمسة أسهم، وما كان فوق الفرسين فهي جنائب، رواهما سعيد بن منصور، قاله ابن قدامة في (المغني). واحتجوا أيضاً بأنه محتاج إلى الفرس الثاني، لأن إدامة ركوب واحد تضعفه، وتمنع القتال عليه فيسهم للثاني، لأنه محتاج إليه كالأول، بخلاف الثالث فإنه مستغنى عنه، ولم يقل أحد إنه يسهم لأكثر من فرسين، إلا شيئاً روي عن سليمان بن موسى، قاله النووي في (شرح مسلم)، وغيره. واختلف العلماء في البراذين والهجن على أربعة أقوال: الأول: أنها يسهم لها كسهم الخيل العراب، وممن قال به مالك، والشافعي، وعمر بن عبدالعزيز، والثوري، ونسبه الزرقاني في (شرح الموطأ) للجمهور، واختاره الخلال، وقال: رواه ثلاثة متيقظون عن أحمد، وحجة هذا القول ما ذكره مالك في موطأه، قال: لا أرى البَرَاذِينَ وا لْهُجُنَ، إلا من الخيل، لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}تفسير : [النحل:8]. وقال عز وجل: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}تفسير : [الأنفال:60]، فأنا أرى البَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ من الخيل إذا أجازها الوالي. وقد قال سعيد بن المسيب، وسئل عن البراذين، هل فيها من صدقة؟ قال: وهل في الخيل من صدقة؟اهـ. وحاصل هذا الاستدلال أن اسم الخيل في الآيتين المذكورتين يشمل البراذين والهجن فهما داخلان في عمومه، لأنهما ليسا من البغال ولا الحمير بل من الخيل. القول الثاني: أنه يسهم للبرذون والهجين سهم واحد قدر نصف سهم الفرس، واحتج أهل هذا القول بما رواه الشافعي في (الأم) وسعيد بن منصور من طريق علي بن الأقمر الوادعي، قال: أغارت الخيل فأدركت العراب، وتأخرت البراذين، فقام ابن المنذر الوادعي، فقال: لا أجعل ما أدرك كما لم يدرك، فبلغ ذلك عمر فقال: هبلت الوادعي أمه لقد أذكرت به أمضوها على ما قال، فكان أول من أسهم للبراذين دون سهام العراب، وفي ذلك يقول الشاعرهم: شعر : ومنا الذي قد سن في الخيل سنة وكانت سواء قبل ذاك سهامها تفسير : وهذا منقطع كما ترى: واحتجوا أيضاً بما رواه أبو داود في المراسيل، وسعيد بن منصور عن مكحول: "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم هجن الهجين يوم خيبر، وعرب العراب فجعل للعربي سهمين، وللهجين سهماً"تفسير : وهو منقطع أيضاً كما ترى، وبه أخذ الإمام أحمد في أشهر الروايات عنه. واحتجوا أيضاً بأن أثر الخيل العراب في الحرب أفضل من أثر البراذين وذلك يقتضي تفضيلها عليها في السهام. القول الثالث: التفصيل بين ما يدرك من البراذين إدراك العراب، فيسهم له كسهامها، وبين ما لا يدرك إدراكها فلا يسهم له، وبه قال ابن أبي شيبة، وابن أبي خيثمة، وأبو أيوب. والجوزجاني. ووجهه أنها من الخيل. وقد عملت عملها فوجب جعلها منها. القول الرابع: لا يسهم لها مطلقاً. وهو قول مالك بن عبدالله الخثعمي ووجهه أنها حيوان لا يعمل عمل الخيل فأشبه البغال. قال ابن قدامة من (المغني): ويحتمل أن تكون هذه الرواية فيما لا يقارب العتاق منها، لما روى الجوزجاني بإسناده عن أبي موسى، أنه كتب إلى عمر بن الخطاب: إنا وجدنا بالعراق خيلاً عراضاً دكنا، فما ترى يا أمير المؤمنين في سهمانها، فكتب إليه: تلك البراذين فما قارب العتاق منها، فاجعل له سهماً واحداً، وألغ ما سوى ذلك. اهـ. والبراذين: جمع برذون، بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح المعجمة، والمراد: الجفاة الخلقة من الخيل، وأكثر ما تجلب من بلاد الروم، ولها جلد على السير في الشعاب والجبال والوعر بخلاف الخيل العربية. والهجين: هو ما أحد أبويه عربي، وقيل: هو الذي أبوه عربي. وأما الذي أمه عربية فيسمى المقرف، وعن أحمد: الهجين البرذون. ويحتمل أنه أراد في الحكم. ومن إطلاق الإقراف على كون الأم عربية قول هند بنت النعمان بن بشير: شعر : وما هند مهرة عربية سليلة أفراس تحللها بغل فإن ولدت مهراً كريماً فالبحرى وإن يك اقراف فما أنجب الفحل تفسير : وقول جرير: شعر : إذا آباؤنا وأبوك عدوا أبان المقرفات من العراب تفسير : واختلف العلماء فيمن غزا على بعير، هل يسهم لبعيره؟ فذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يسهم للإبل. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل، كذلك قال الحسن، ومكحول، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي: واختاره أبو الخطاب من الحنابلة. قال ابن قدامة في (المغني): وهذا هو الصحيح إنشاء الله تعالى. لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم وقد كان معه يوم "بدر" سبعون بعيراً، ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل. هي كانت غالب دوابهم فلم ينقل عنه أنه أسهم لها، ولو أسهم لها لنقل، وكذلك من بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير، ولو أسهم لبعير لم يخف ذلك، ولأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر، فلم يسهم له كالبغل والحمار، اهـ. وقال الإمام أحمد: من غزا على بعير، وهو لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان، وظاهره أنه لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو على فرس، وعن أحمد: أنه يسهم للبعير سهم، ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره، وحكي نحو هذا عن الحسن، قاله ابن قدامة في (المغني). واحتج أهل هذا القول بقوله تعالى: {أية : فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ}تفسير : [الحشر:6] قالوا: فذكر الركاب - وهي الإبل - مع الخيل، وبأنه حيوان تجوز المسابقة عليه بعوض فيسهم له كالفرس، لأن تجويز المسابقة بعوض إنما هي في ثلاثة أشياء، هي: النصل، والخف، والحافر. دون غيرها، لأنها آلات الجهاد، فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها. تحريضاً على رياضتها، وتعلم الإتقان فيها. قال مقيدة - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي - والله أعلم - أنه لا يسهم للإبل لما قدمنا آنفاً، وأما غير الخيل والإبل. من البغال والحمير والفيلة ونحوها، فلا يسهم لشيء منه، وإن عظم غناؤها وقامت مقام الخيل. قال ابن قدامة: ولا خلاف في ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقسم لشيء من ذلك، ولأنها مما لا تجوز المسابقة عليه بعوض فلم يسهم لها كالبقر. المسألة السابعة: اختلف العلماء في حرق رحل الغال من الغنيمة، والمراد بالغال من يكتم شيئاً من الغنيمة، فلا يطلع عليه الإمام ولا يضعه مع الغنيمة. قال بعض العلماء: يحرق رحله كله إلا المصحف وما فيه روح، وهو مذهب الإمام أحمد. وبه قال الحسن وفقهاء الشام، منهم مكحول، والأوزاعي، والوليد بن هشام، ويزيد بن يزيد بن جابر، وأتى سعيد بن عبدالملك بغال فجمع ماله وأحرقه، وعمر بن عبدالعزيز حاضر ذلك فلم يعبه. وقال يزيد بن يزيد بن جابر: السنة في الذي يغل أن يحرق رحله، رواهما سعيد في سنته، قاله ابن قدامة في (المغنى). ومن حجج أهل هذا القول: ما رواه أبو داود في سننه، عن صالح بن محمد بن زائدة قال أبو داود وصالح: حديث : هذا أبو واقد قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم، فأتي برجل قد غل، فسأل سالماً عنه فقال: سمعت أبي يحدث، عن عمر بن الخطاب، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه". قال: فوجدنا في متاعه مصحفاً فسأل سالماً عنه، فقال: بعه وتصدق بثمنه.تفسير : اهـ بلفظه من أبي داود. وذكر ابن قدامة أنه رواه أيضاً الأثرم، وسعيد، وقال أبو داود أيضاً: حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي، قال: أخبرنا أبو إسحاق عن صالح بن محمد، قال: غزونا مع الوليد بن هشام، ومعنا سالم بن عبدالله بن عمر، وعمر بن عبدالعزيز فغل رجل متاعاً، فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به، ولم يعطه سهمه، قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين رواه غير واحد، أن الوليد بن هشام أحرق رحل زياد بن سعد، وكان قد غل، وضربه. حدثنا محمد بن عوف، قال: ثنا موسى بن أيوب، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه ". تفسير : قال أبو داود: وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد - ولم أسمعه منه - ومنعوه سهمه، قال أبو داود: وحدثنا به الوليد بن عتبة، وعبدالوهاب بن نجدة، قالا: ثنا الوليد عن زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب، قوله ولم يذكر عبدالوهاب بن نجدة الحوطي منع سمهمه، اهـ من أبي داود بلفظه، وحديث صالح بن محمد الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضاً الترمذي، والحاكم، والبيهقي. قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال: سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة، الذي يقال له أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث. قال المنذري: وصالح بن محمد بن زائدة: تكلم فيه غير واحد من الأئمة. وقد قيل: إنه تفرد به، وقال البخاري: عامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول، وهو باطل ليس بشيء. وقال الدارقطني: أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد، قال: وهذا حديث لم يتابع عليه، ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمحفوظ أن سالماً أمر بذلك، وصحح أبو داود وقفه، فرواه موقوفاً من وجه آخر، وقال: هذا أصح كما قدمنا، وحديث عمرو بن شعيب الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي، وزهير بن محمد الذي ذكرنا في إسناده الظاهر أنه هو الخراساني. وقد قال فيه ابن حجر في (التقريب) رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببها، وقال البخاري عن أحمد: كان زهير الذي يروى عنه الشاميون آخر، وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه.اهـ. وقال البيهقي: ويقال إنه غير الخراساني، وأنه مجهول. اهـ. وقد علمت فيما قدمنا عن أبي داود، أنه رواه من وجه آخر موقوفاً على عمرو بن شعيب! وقال ابن حجر: إن وقفه هو الراجح. وذهب الأئمة الثلاثة، مالك، والشافعي، وأبو حنيفة: إلى أنه لا يحرق رحله، واحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يحرق رحل غال، بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، عن عبدالله بن عمرو، حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالاً فنادى في الناس، فيجيؤون بغنائمهم، فيخمسه، ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، فقال: "أسمعت بلالاً ينادي ثلاثاً"، قال نعم، قال: "فما منعك أن تجيء به"؟ فاعتذر إليه، فقال: كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك،تفسير : هذا لفظ أبي داود، وهذا الحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري، وأخرجه الحاكم وصححه. وقال البخاري: قد روي في غير حديث عن الغال، ولم يأمر بحرق متاعه. فقد علمت أن أدلة القائلين بعدم حرق رحل الغال أقوى، وهم أكثر العلماء. قال مقيدة - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة: هو ما اختاره ابن القيم، قال في (زاد المعاد) بعد أن ذكر الخلاف المذكور في المسألة: والصواب أنه هذا من باب التعزير والعقوبات المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة، فإنه حرق وترك، وكذلك خلفاؤه من بعده، ونظير هذا قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة، فليس بحد. ولا منسوخ. وإنما هو تعزير يتعلق باجتهاد الإمام. اهـ. وإنما قلنا: إن هذا القول أرجح عندنا. لأن الجمع واجب إذا أمكن، وهو مقدم على الترجيح بين الأدلة، كما علم في الأصول، والعلم عند الله تعالى. أما لو سرق واحد من الغانمين من الغنيمة قبل القسم، أو وطىء جارية منها قبل القسم، فقال مالك وجل أصحابه: يحد حد الزنى والسرقة في ذلك، لأن تقرر الملك لا يكون بإحراز الغنيمة. بل بالقسم. وذهب الجمهور - منهم الأئمة الثلاثة - إلى أنه لا يحد للزنى ولا للسرقة لأن استحقاقه بعض الغنيمة شبهة تدرأ عنه الحد. وبعض من قال بهذا يقول: إن ولدت فالولد حر يلحق نسبه به، وهو قول أحمد. والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة. وفرق بعض المالكية بين السرقة والزنى، فقال: لا يحد للزنى، ويقطع إن سرق أكثر من نصيبه بثلاثة دراهم. وبهذا قال عبدالملك من المالكية، كما نقله عنه ابن المواز. واختلف العلماء فيما إذا مات أحد المجاهدين قبل قسم الغنيمة، هل يورث عنه نصيبه؟ فقال مالك في أشهر الأقوال: والشافعي: إن حضر القتال: ورث عنه نصيبه وإن مات قبل إحراز الغنيمة، وإن لم يحضر القتال فلا سهم له. وقال أبو حنيفة: إن مات قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام خاصة. أو قسمها في دار الحرب فلا شيء له. لأن ملك المسلمين لا يتم عليها عنده إلا بذلك. وقال الأوزاعي: إن مات بعد ما يدرب قاصداً في سبيل الله - قبل أو بعد - أسهم له، وقال الإمام أحمد: إن مات قبل حيازة الغنيمة فلا سهم له، لأنه مات قبل ثبوت ملك لمسلمين عليها، وسواء مات حال القتال أو قبله، وإن مات بعد إحراز الغنيمة فسهمه لورثته. قال مقيدة - عفا الله عنه -: وهذا أظهر الأقوال عندي، والله تعالى أعلم. ولا يخفى أن مذهب الإمام مالك - رحمه الله - في هذه المسألة مشكل، لأن حكمه بحد الزاني والسارق: يدل على أنه لا شبهة للغانمين في الغنيمة قبل القسم، حكمه بإرث نصيب من مات قبل إحراز الغنيمة إن حضر القتال. يدل على تقرر الملك بمجرد حضور القتال، وهو كما ترى، والعلم عند الله تعالى. المسألة الثامنة: أصح الأقوال دليلاً: أنه لا يقسم للنساء والصبيان الذين لا قدرة لهم على القتال، وما جرى مجراهم، ولكن يرضخ لهم من الغنيمة باجتهاد الإمام، ودليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه. عن ابن عباس، لما سأله نجدة عن خمس خلال. منها: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ فكتب إليه ابن عباس: كتبت تسألني: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء، وقد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن. الحديث. وهو صحيح فيما ذكرنا، فيجب حمل ما ورد في غيره من أن النساء يسهم لهن على الرضخ المذكور في هذا الحديث المعبر عنه بقوله: "يحذين من الغنيمة". قال النووي: قوله: "يحذين" هو بضم الياء وإسكان الحاء المهملة، وفتح الذال المعجمة، أي يعطين تلك العطية، وتسمى الرضخ، وفي هذا أن المرأة تستحق الرضخ، ولا تستحق السهم، وبهذا قال أبو حنيفة، والثوري، والليث، والشافعي، وجماهير العلماء. وقال الأوزاعي: تستحق السهم إن كانت تقاتل، أو تداوي الجرحى، وقال مالك: لا رضخ لها، وهذان المذهبان مردودان بهذا الحديث الصحيح الصريح اهـ. المسألة التاسعة: اعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ نفقة سنته من فيء بني النضير، لا من المغانم. ودليل ذلك: حديث : حديث مالك بن أوس بن الحدثان المتفق عليه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: دخلت على عمر، فأتاه حاجبه يرفأ، فقال: هل لك في عثمان، وعبدالرحمن، والزبير، وسعد؟ قال: نعم، فأذن لهم، ثم قال: هل لك في علي، وعباس؟ قال نعم، قال عباس: يا أمير المؤمنين أقض بيني وبين هذا، قال: أنشدكم بالله، الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة" يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه؟ فقال: الرهط، قد قال ذلك، فأقبل على عليِّ، وعباس، فقال: هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك، قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره، فقال عز وجل: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} [الحشر:6] إلى قوله: {قَدِيرٌ} [الحشر:6] فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموه، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان النَّبي صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته. أنشدكم بالله، هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي، وعباس: أنشدكما بالله، هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم، قال عمر: فتوفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبضها فعمل بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم توفى الله أبا بكر فقلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبضتها سنتين أعمل فيها ما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، ثم جئتماني، وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع: جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك، وأتاني هذا يسألني نصيب أمراته من أبيها، فقلت: إن شئتما دفعتها إليكما بذلك فتلتمسان مني قضاء غير ذلك: فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما فادفعاه إلى تفسير : اهـ. هذا لفظ البخاري في (الصحيح) في بعض رواياته، ومحل الشاهد من الحديث تصريح عمر بأنه صلى الله عليه وسلم كان ينفق على أهله نفقة سنته من فيء بني النضير، وتصديق الجماعة المذكورة له في ذلك، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة بألفاظ متقاربة المعنى. وهو نص في أن نفقة أهله صلى الله عليه وسلم كانت في الفيء، لا من الغنيمة. ويدل له أيضاً الحديث المتقدم "حديث : مالي ما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم"تفسير : فإن قيل ما وجه الجمع بين ما ذكرتم، وبين ما أخرجه أبو داود من طريق أسامة بن زيد عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: حديث : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا: "بنو النضير، وخيبر، وفدك. فأما بنو النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأما فدك فكانت حبساً لأبناء السبيل. وأما خيبر فجزأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء: جزئين بين المسلمين، وجزءاً نفقة لأهله، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين الفقراء والمهاجرين ". تفسير : فالجواب - والله تعالى أعلم - أنه لا تعارض بين الروايتين، لأن "فدك" ونصيبه صلى الله عليه وسلم من "خيبر" كلاهما فيء كما قدمنا عليه الأدلة الواضحة، وكذلك "النضير"، فالجميع فيء كما تقدم إيضاحه، فحكم الكل واحد. وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، قالت: حديث : وكانت فاطمة رضي الله عنها تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ . تفسير : فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي، وعباس، وأما خيبر، وفدك فأمسكهما عمر، وقال: هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم. هذا لفظ البخاري في صحيحه. وقال ابن حجر في (الفتح): وقد ظهر بهذا صدقة النَّبي صلى الله عليه وسلم تختص بما كان من بني النضير. وأما سهمه من خيبر، وفدك فكان حكمه إلى من يقوم بالأمر بعده، وكان أبو بكر يقدم نفقة نساء النَّبي صلى الله عليه وسلم مما كان يصرفه فيصرفه من خيبر، وفدك، وما فضل من ذلك جعله في المصالح، وعمل عمر بعده بذلك، فلما كان عثمان تصرف في فدك بحسب ما رآه، فروى أبو داود من طريق مغيرة بن مقسم، قال: جمع عمر بن عبدالعزيز بني مروان، فقال: "حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفق من فدك على بني هاشم، ويزوج أيمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، وكانت كذلك في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر، ثم أقطعها مروان"،تفسير : يعني في أيام عثمان. قال الخطابي: إنما أقطع عثمان "فدك" لمروان، لأنه تأول أن الذي يختص بالنَّبي صلى الله عليه وسلم يكون للخليفة بعده، فاستغنى عثمان عنها بأمواله، فوصل بها بعض قرابته، ويشهد لصنيع أبي بكر حديث أبي هريرة المرفوع الثابت في الصحيح بلفظ: "حديث : ما تركت بَعْدَ نَفَقَةِ نسائي، وَمَؤُونَةِ عاملي فهو صدقة ". تفسير : فقد عمل أبو بكر وعمر بتفصيل ذلك بالدليل الذي قام لهمام، اهـ. واعلم أن فيء "بني النضير" تدخل فيه أموال "مخيريق" رضي الله عنه، وكان يهودياً من "بني قينقاع" مقيماً في بني النضير، فلما خرج النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد، قال لليهود: ألا تنصرون محمداً صلى الله عليه وسلم، والله إنكم لتعلمون أن نصرته حق عليكم، فقالوا: اليوم يوم السبت، فقال: لا سبت، وأخذ سيفه ومضى إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فلما حضره الموت قال: أموالي إلى محمد صلى الله عليه وسلم يضعها حيث شاء، وكان له سبع حوائط ببني النضير وهي "المثيب"، "والصائفة، "والدلال"، "وحسنى"، "وبرقة"، "والأعواف"، "ومشربة أم إبراهيم". وفي رواية الزبير بن بكار "الميثر" بدل "الميثب"، "والمعوان" عوض "الأعواف" وزاد "مشربة أم إبراهيم" الذي يقال له "مهزوز". وسميت "مشربة أم إبراهيم" لأنها كانت تسكنها "مارية" قاله بعض أصحاب المغازي، وعد الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي "مخيريق" المذكور من شهداء أحد، حيث قال في سردهم: شعر : وذو الوصايا الجم للبشير وهو مخيريق بن النضير
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 41- واعلموا - أيها المسلمون - أن ما ظفرتم به من مال الكفار فحكمه: أن يقسم خمسة أخماس، خُمس منها لله وللرسول ولقرابة النبى واليتامى: وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم وهم فقراء، والمساكين، وهم ذوو الحاجة من المسلمين، وابن السبيل: وهو المنقطع فى سفره المباح. والمخصص من خُمس الغنيمة لله وللرسول يرصد للمصالح العامة التى يقررها الرسول فى حياته، والإمام بعد وفاته، وباقى الخُمس يصرف للمذكورين. أما الأخماس الأربعة الباقية من الغنيمة - وسكتت عنها الآية - فهى للمقاتلين، فاعلموا ذلك، واعملوا به إن كنتم آمنتم بالله حقاً، وآمنتم بما أنزل على عبدنا محمد من آيات التثبيت والمدد، يوم الفرقان الذى فرَّقنا فيه بين الكفر والإيمان، وهو اليوم الذى التقى فيه جمعكم وجمع الكافرين ببدر، والله عظيم القدرة على كل شئ، وقد نصر المؤمنين مع قلتهم، وخذل الكافرين مع كثرتهم. 42- واذكروا حين كنتم فى الوادى بأقرب الجانبين من المدينة، وهم بأبعد الجانبين، وركْب التجارة الذى تطلبونه أقرب إليكم مما يلى البحر، ولو تواعدتم أنتم على التلاقى للقتال لما اتفقتم عليه، ولكن الله دبر تلاقيكم على غير موعد ولا رغبة منهم. لينفذ أمراً كان ثابتاً فى علمه أنه واقع لا محالة، وهو القتال المؤدى إلى نصركم وهزيمتهم، لتنقطع الشبهات، فيهلك الهالكون عن حُجة بينة بالمشاهدة: وهى هزيمة الكثرة الكافرة، ويحيا المؤمنون عن حجة بينة: وهى نصر الله للقلة المؤمنة. إن الله لسميع عليم لا يخفى عليه شئ من أقوال الفريقين ولا نياتهم. 43- واذكر - أيها الرسول - حين تفضل الله عليك، فصور لك فى منامك جيش الأعداء فى قلة ليطمئنكم على أنكم ستغلبونهم، فتثبتوا أمام جمعهم ولو ترككم ترونهم كثيراً دون أن يثبتكم بهذه الرؤيا لهبتموهم، ولترددتم فى قتالهم، ولعجزتم، وكان التنازع فى الإقدام وعدمه، ولكن الله سلم من ذلك ونجَّى من عواقبه، إنه عليم بما فى القلوب التى فى الصدور.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أنما غنمتم من شيء: أي ما أخذتموه من مال الكافر قهراً لهم وغلبة قليلاً كان أو كثيراً. فأن لله خمسه: أي خمس الخمسة أقسام، يكون لله والرسول ومن ذكر بعدهما. ولذي القربى: هم قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب. وما أنزلنا على عبدنا: أي من الملائكة والآيات. يوم الفرقان: أي يوم بدر وهو السابع عشر من رمضان، إذ فرق الله فيه بين الحق والباطل. التقى الجمعان: جمع المؤمنين وجمع الكافرين ببدر. العدوة الدنيا: العدوة حافة الوادي، وجانبه والدنيا أي القريبة إلى المدينة. بالعدوة القصوى: أي البعيد من المدينة إذ هي حافة الوادي من الجهة الأخرى. والركب أسفل منكم: أي ركب أبي سفيان وهي العير التي خرجوا من أجلها. أسفل منكم مما يلي البحر. عن بيِّنة: أي حجة ظاهرة. لتنازعتم في الأمر: أي اختلفتم. ويقللكم في أعينهم: هذا قبل الالتحام أما بعد فقد رأوهم مثليهم حتى تتم الهزيمة لهم. معنى الآيات: هذه الآيات لا شك أنها نزلت في بيان قسمة الغنائم بعدما حصل فيها من نزاع فافتكها الله تعالى منهم ثم قسمها عليهم فقال الأنفال لله وللرسول في أول الآية ثم قال هنا {وَٱعْلَمُوۤا} أيها المسلمون {أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} حتى الخيط والمخيط، ومعنى غنمتم أخذتموه من المال من أيدي الكفار المحاربين لكم غلبة وقهراً لهم فقسمته هي أن {لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ}، والأربعة أخماس الباقية هي لكم أيها المجاهدون للراجل قسمة وللفارس قسمتان لما له من تأثير في الحرب، ولأن فرسه يحتاج إلى نفقة علف. والمراد من قسمة الله أنها تنفق في المصالح العامة ولو أنفقت على بيوته لكان أولى وهي الكعبة وسائر المساجد، وما للرسول فإنه ينفقه على عائلته، وما لذي القربى فإنه ينفق على قرابة الرسول الذين يحرم عليهم أخذ الزكاة لشرفهم وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وما لليتامى ينفق على فقراء المسلمين، وما لابن السبيل ينفق على المسافرين المنقطعين عن بلادهم إذا كانوا محتاجين إلى ذلك في سفرهم وقوله تعالى {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ} أي رباً {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} أي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} وهو يوم بدر حيث التقى المسلمون بالمشركين، والمراد بما أنزل تعالى على عبده ورسوله الملائكة والآيات منها الرمية التي رمى بها المشركين فوصلت إلى أكثرهم فسببت هزيمتهم. وقوله {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي كما قدر على نصركم على قلتكم وقدر على هزيمة عدوكم على كثرتهم هو قادر على كل شيء يريده وقوله تعالى {إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ} تذكير لهم بساحة المعركة التي تجلت فيها آيات الله وظهر فيها إنعامه عليهم ليتهيئوا للشكر. وقوله تعالى {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ} أي لو تواعدتم أنتم والمشركون على اللقاء في بدر للقتال لاختلفتم لأسباب تقتضي ذلك منها أنكم قلة وهم كثرة {وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} أي محكوماً به في قضاء الله وقدره، وهو نصركم وهزيمة عدوكم. وجمعكم من غير تواعد ولا اتفاق سابق. وقوله تعالى {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} هذا تعليل لفعل الله تعالى يجمعكم في وادي بدر للقتال وهو فعل ذلك ليحيا بالإِيمان من حيى على بينة وعلم أن الله حق والإِسلام حق والرسول حق والدار الآخرة حق حيث أراهم الله الآيات الدالة على ذلك، ويهلك من هلك بالكفر على بينة إذ اتضح له أن ما عليه المشركون كفر وباطل وضلال ثم رضي به واستمر عليه. وقوله تعالى {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} تقرير لما سبق وتأكيد له حيث أخبر تعالى أنه سميع لأقوال عباده عليهم بأفعالهم فما أخبر به وقرره هو كما أخبر وقرر. وقوله تعالى {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً} أي فأخبرت أصحابك ففرحوا بذلك وسُّروا ووطنوا أنفسهم للقتال، وقوله: {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً} أي في منامك وأخبرت به أصحابك لفشلتم أي جبنتم عن قتالهم، ولتنازعتم في أمر قتالهم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} من ذلك فلم يريكهم كثيراً إنه تعالى عليم بذات الصدور ففعل ذلك لعلمه بما يترتب عليه من خير وشر. وقوله تعالى {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ} أي اذكروا أيها المؤمنون إذ يريكم الله الكافرين عند التقائكم بهم قليلاً في أعينكم كأنهم سبعون رجلاً أو مائة مثلاً ويقللكم سبحانه وتعالى في أعينهم حتى لا يهابوكم. وهذا كان عند المواجهة وقبل الالتحام أما بعد الالتحام فقد أرى الله تعالى الكافرين أراهم المؤمنين ضعيفهم في الكثرة وبذلك انهزموا كما جاء ذلك في سورة آل عمران في قوله {أية : يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ} تفسير : [الآية: 13] وقوله تعالى {لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} تعليل لتلك التدابير الإِلهية لأوليائه لنصرتهم وإعزازهم وهزيمة أعدائهم وإذلالهم وقوله تعالى {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} إخبار منه تعالى بأن الأمور كلها تصير إليه فما شاء منها كان وما لم يشأ لم يكن خبراً كان أو غيراً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان قسمة الغنائم على الوجه الذي رضيه الله تعالى. 2- التذكير بالإِيمان، إذ هو الطاقة الموجهة باعتبار أن المؤمن حي بإيمانه يقدر على الفعل والترك، والكافر ميت فلا يكلف. 3- فضيلة غزوة بدر وفضل أهلها. 4- بيان تدبير الله تعالى في نصر أوليائه وهزيمة أعدائه. 5- بيان أن مرد الأمور نجاحاً وخيبة لله تعالى ليس لأحد فيها تأثير إلا بإذنه.
القطان
تفسير : الغُنم والمغنم والغنيمة: ما يناله الانسان في الحرب من أموال الأعداء. يوم الفرقان: يوم بدر. اعملوا ايها المؤمنون ان حُكم كل ما غنمتموه من الاعداء المحاربين ان يُقسم خمسة اخماس: خمس منها لله وللرسول ولقرابته، واليتامى، وهم أطفال المسملين الذين مات آباؤهم وهم فقراء، والمساكين، وهم ذوو الحاجة من المسلمين، وابن السبيل، وهو المنقطع في سفره. ويُنفق من هذا المخصص لله وللرسول في المصالح العامة التي يقررها الرسول في حياته، ويقرّرها الإمامُ بعد وفاته، وباقي الخمس يصرف للمذكورين آنفا. واما الاخماس الاربعة الباقية من الغنيمة، فهي للمقاتلين. وقرابة النبي عليه الصلاة والسلام هم بنو هاشم وبنو المطّلب، دون بني عبد شمس ونوفل. روى البخاري عن مطعم بن جبير (من بني نوفل) قال: حديث : مشيت أنا وعثمان بن عفان (من بين عبد شمس) الى الرسول فقلنا: يا رسول الله، أعطيتَ بني المطّلب وتركتَنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال الرسول الكريم: (إنما بنو المطّلب وبنو هاشم واحِد) . تفسير : والسر في هذا ان قريشاً لما حصَرت بني هاشم في الشِعب وقاطعتْهم دخَلَ معهم فيه بنو المطلب، ولم يدخل بنو عبد شمس ولا بنو نوفل. والحكمة في تقسيم الخُمس على هذا النحو، أن الدولة التي تدير سياسة الأمة لا بدَّ لها من المال لتستعين به على القيام بالمصالح العامة، كشعائر الدين والدفاع عن الأمة، وهو ما جُعل لِلّه في هذه الآية، ثم ان هناك نفقة رئيس حكومتها وهو سهمُ الرسول فيها، ثم لِذوي القربى وذوي الحاجات من ضعفاء الأمة. ولا يزال هذا الاعتبار معمولاً به في كثير من الدول مع اختلاف شئون المجتمع والمصالح العامة، فالمالُ الذي رُصد للمصالح العامة يدخل في موازنة الوزارات المختلفة ما بين مصروفات علنية وسرّيّة، ولا سيما الامور الحربية. وكذلك راتبُ رأس الدولة من ملكٍ او رئيس جمهورية، منه ما هو خاصٌ بشخصه، ومنه ما هو لأُسرته وعياله. ومن موازنة الدولة ما يُبذل لإعانة، الجمعيات الخيرية والعِلمية وغيرها. وعند الشيعة تفسيرٌ للغنيمة أعمُّ مما عند السنّة، كما أنهم اختلفوا عنهم في تقسيم الخمس، فقالوا: يُقسم الخُمس الى قسمين: الاول منها ثلاثة اسهم: سهمٌ لله، وسهم لرسوله، وسهم لذوي قرباه. وما كان لله فهو للرسول، وما كان للرسول فهو لقرابته، ووليُّ القرابة بعد النبي هو الإمام المعصوم القائم مقام النبي، فان وُجد أعطي له، وإلا وجَب إنفاقه في المصالح الدينية، وأهمُّها الدعوةُ الى الإسلام، والعملُ على نشره وإعزازه. أما القسم الثاني فهو ثلاثة أسهم: سهم لأيتام آل محمد، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء السبيل خاصة، لا يشاركهم فيه أحد، لأن الله حرّم عليهم الصَدقات فعوّضهم عنها بالخمس. فاعلموا ذلك أيها المسلمون، واعملوا به إن كنتم آمنتم بالله حقا، وآمنتم بما أَنزلْنا على عبدنا محمد يوم الفرقان من آيات التثبيت والمدد، وهو اليوم الذي التقى فيه جمعكم وجمع الكافرين ببدر. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ومن عظيم قدرته ان نصَركم على قلتكم وضعفكم، وخذل الكافرين مع كثرتهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْيَتَامَىٰ} {وَٱلْمَسَاكِينِ} {آمَنْتُمْ} (41) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقَةَ قِسْمَةِ المَغَانِمِ التِي يَغْنَمُها المُسْلِمُونَ فِي الحَرْبِ. وَالغَنِيمَةِ هِيَ المَالُ المَأْخُوذُ مِنَ الكُفَّارِ بِإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ. أَمَّا الفَيْءُ فَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ (أيْ بِدُونِ حَرْبٍ أوْ بِدُونِ خُرُوجِ جِيُوشِ المُسْلِمِينَ إلَى الأعْدَاءِ: كَالأمْوَالِ التِي يُصَالِحُونَ عَليهَا، أوْ يَمُوتُونَ عَنْهَا دُونَ وَارِثٍ لَهُمْ، وَالخَرَاجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ). يَقُولُ تَعَالَى: اعْلَمُوا يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ أنَّ كُلَّ مَا غَنِمْتُمُوهُ مِنَ الكُفَّارِ المُحَارِبِينَ فَاجْعَلُوا أوَّلاً خُمْسَهُ للهِ تَعَالَى لِيُنْفَقَ فِيمَا يُرْضِيهِ مِنْ مَصَالِحِ الدَّينِ العَامَّةِ: كَالدَّعْوَةِ لِلإِسْلاَمِ وَإِقَامَةِ شَعَائِرِهِ، وَعِمَارَةِ الكَعْبَةِ وَكِسْوَتِها، ثُمَّ أعْطُوا مِنْهُ لِلرَّسُولِ كِفَايَتَهُ لِنَفْسِهِ وَنِسَائِهِ مُدَّةَ سَنَةٍ، ثُمَّ أعْطُوا مِنْهُ ذَوِي القُرْبَى مِنْ أهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ نَسَباً وَوَلاءً (وَقَدْ خَصَّ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ بِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي أخِيهِ المُطَّلِبِ المُسْلِمِينَ)، ثُمَّ المُحْتَاجِينَ مِنْ سَائِرِ المُسْلِمِينَ، وَهُمُ اليَتَامَى وَالمَسَاكِينُ، وَابْنُ السَّبِيلِ (وَهُوَ المُجْتَازُ الذِي نَفِدَتْ نَفَقَتُهُ). وَهَذا الخُمْسُ يُدْفَعُ لِلإِمَامِ (بَعْدَ الرَّسُولِ) لِيَصْرِفَهُ فِي الوُجُوهِ المُبَيَّنَةِ فِي الآيَةِ. وَاليَتَامَى - هُمْ أيْتَامُ المُسْلِمِينَ - وَقِيلَ: إنَّ النَّصَّ عَامٌّ يَعُمُّ الأغْنِيَاءَ مِنَ الأيْتَامِ وَالفُقَرَاءَ. المَسَاكِينِ - هُمُ المُحْتَاجُونَ الذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يَسُدُّونَ بِهِ خَلَّتَهُمْ. وَابْنِ السَّبِيلِ - هُوَ المُسَافِرُ أوِ المُريدُ السَّفَرَ مَسَافَةَ القَصْرِ (أَيْ المَسَافَةُ التِي يُبَاحُ فِيهَا قَصْرُ الصَّلاَةِ) وَلَيْسَ لَهُ مَا يُنْفِقُهُ فِي سَفَرِهِ. أَمَّا الأخْمَاسُ الأرْبَعَةُ البَاقِيَةُ فَهِيَ لِلْمُقَاتِلِينَ فَاعْلَمُوا ذَلِكَ، وَاعْمَلُوا بِهِ، إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ حَقّاً، وَآمَنْتُمْ بِمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ آيَاتِ التَّثْبِيتِ وَالمَدَدِ يَوْمَ الفُرْقَانِ الذِي فَرَقْنَا فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَالإِيمَانِ وَالكُفْرِ، وَهُوَ اليَوْمُ الذِي التَقَى فِيهِ جَمْعُكُمْ مَعْ جَمْعِ المُشْرِكِينَ بِبَدّرٍ، وَاللهُ عَظِيمُ القُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيءٍ. يَوْمَ الفُرْقَانِ - يَوْمَ بَدْرٍ الذِي فَرَقَ اللهُ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ.
الثعلبي
تفسير : {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} حتّى الخيط والمخيط. واختلف العلماء في معنى الغنيمة والفي، ففرّق قوم بينهما: قال الحسن بن صالح: سألت عطاء بن السائب عن الفي والغنيمة فقال: إذا ظهر المسلمون على المشركين على أرضهم فأخذوه عنوة فما أخذوا من مال ظهروا عليه فهو غنيمة. وأمّا الأرض فهو في سواد هذا الفيء. وقال سفيان الثوري: الغنيمة ما أصاب المسلمون عنوة بقتال، والفي ما كان من صلح بغير قتال. وقال قتادة: هما بمعنى واحد ومصرفهما واحد وهو قوله تعالى { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ}. اختلاف أهل التأويل في ذلك فقال بعضهم قوله: { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} مفتاح الكلام. ولله الدنيا والآخرة فإنّما معنى الكلام: فأنّ للرسول خُمسه وهو قول الحسن وقتادة وعطاء، فإنّهم جعلوا سهم الله وسهم الرسول واحداً، وهي رواية الضحاك عن ابن عباس. قالوا: كانت الغنيمة تقسم خمسة أخماس فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، وقسّم الخمس الباقي على خمسة أخماس: خمس للنبيّ صلى الله عليه وسلم كان له ويصنع فيه ما شاء وسهم لذوي القربى، وخمس اليتامى وخمس للمساكين وخُمس لابن السبيل. فسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس. وقال بعضهم: معنى قوله: (فأن لله) فإن لبيت الله خمسه. وهو قول الربيع وأبي العالية قالا: كان يجاء بالغنيمة فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أسهم، فجعل أربعة لمن شهد القتال ويعزل أسهماً [فيضرب يده] في جميع ذلك فما قبض من شيء جعله للكعبة وهو الذي سُميّ لله ثمّ يقسّم ما بقي على خمسة أسهم: سهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم وسهم لذي القربى، وسهم اليتامى، وسهم للمساكين، وخمس لابن السبيل، وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس. وقال ابن عباس: سهم الله وسهم رسوله جميعاً لذوي القربى وليس لله ولا لرسوله منه شيء. وكانت الغنيمة تُقسّم على خمسة أخماس فأربعة منها لمن قاتل عليها وخمس واحد تقسّم على أربعة، فربع لله والرسول ولذي القربى. فما كان لله والرسول فهو لقرابة النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ النبيّ من الخمس شيئاً. والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل. وأمّا قوله (ولذي القربي) فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس مكان الصدقة واختلفوا فيهم. فقال مجاهد وعليّ بن الحسين وعبد الله بن الحسن: هم بنو هاشم. وقال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب خاصّة. واحتج في ذلك بما روى الزهري عن سعيد بن جبير بن مطعم قال: حديث : لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهماً لذوي القربى من خيبر على بني هاشم والمطلب مشيت أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخوانك بنو هاشم لا تنكر فضلهم مكانك الذي حملك الله منهم أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنّما نحن وهم بمنزلة واحدة، فقال صلى الله عليه وسلم "إنّهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام. إنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد" ثمّ أمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى يديه بالأُخرى . تفسير : وقال بعضهم: هم قريش كلّها. كتب نجدة الى ابن عباس وسأله عن ذوي القربى فكتب إليه ابن عباس: قد كنا نقول: إنا هم، فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلّها ذو قربى. واختلفوا في حكم النبيّ صلى الله عليه وسلم وسهم ذي القربى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ابن عباس والحسن يجعلانه في الخيل والسلاح، والعدّة في سبيل الله ومعونة الإسلام وأهله. وروى الأعمش عن إبراهيم. قال: كان أبو بكر رضي الله عنه وعمر يجعلان سهم النبيّ صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح، فقلت لإبراهيم: ما كان لعليّ رضي الله عنه قول فيه. قال: كان أشدهم فيه. قال الزهري: إنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر الصديق يطلبان ميراثهم من فدك وخيبر. فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركنا صدقة" فانصرفا . تفسير : وقال قتادة: كان سهم ذي القربى طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حيّاً. فلمّا توفي جعل لولي الأمر بعده. وقال عليّ كرم الله وجهه: يعطى كل إنسان نصيبه من الخمس لا يعطى غيره، ويلي الإمام سهم الله ورسوله. وقال بعضهم: سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مردود بعده في الخمس. والخمس بعده مقسوم على ثلاث أسهم: على اليتامى والمساكين وابن السبيل وهو قول جماعة من أهل العراق. وقال عمرو عن عيينة: حديث : صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المغنم فلمّا فرغ أخد وبره من جسد البعير فقال: "إنّه لا يحلّ لي من هذا المغنم مثل هذا إلاّ الخمس، والخمس مردود فيكم ". تفسير : وقال آخرون: الخمس كلّه لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال المنهال ابن عمرو: سألت عبد الله بن محمد بن عليّ وعليّ بن الحسين عن الخمس فقالا: هو لنا، فقلت لعلي رضي الله عنه: إن الله تعالى يقول {وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} فقال: يتامانا ومساكيننا. وأمّا اليتامى فهم أطفال المسلمين الذين هلك أباؤهم، والمساكين أهل الفاقة والحاجة من المسلمين، وابن السبيل المسافر المنقطع. وقال ابن عباس: هو الفتى الضعيف الذي ترك المسلمين {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} محمد صلى الله عليه وسلم {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} يوم فرق فيه بين الحق والباطل ببدر {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} جمع المسلمين وجمع المشركين وهو يوم بدر وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة وكان يوم الجمعة لسبع عشر مضت من شهر رمضان {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِذْ أَنتُمْ} يا معشر المسلمين {بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} شفير الوادي الأدنى إلى المدينة {وَهُم} يعني عدوكم من المشركين {بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} من الوادي الأقصى من المدينة {وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ} إلى ساحل البحر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي والمشركين بأسفله والعير قد [انهرم] به أبو سفيان على الساحل حتّى قدم مكّة. وفي العدوة قراءتان: كسر العين وهو قراءة أهل مكّة والبصرة. وضم العين وهو قرأ الباقين واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وهما لغتان مشهورتان كالكُسوة والكَسوة. والرُشوة والرَشوة. وينشد بيت الراعي: شعر : وعينان حمر مآقيهما كما نظر العِدوة الجؤذر تفسير : بكسر العين. وينشد بيت أوس بن حجر: شعر : وفارس لو تحل الخيل عُدوته ولّوا سراعاً وما همّوا بإقبال تفسير : بالضم. والدنيا تأنيث الأدنى، والقصوى تأنيث الأقصى. وكان المسلمون خرجوا ليأخذوا العير وخرج الكفار ليمنعوها فالتقوا من غير ميعاد قال الله {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ} لقلّلكم وكثرة عدوكم {وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} من نصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه {لِّيَهْلِكَ} هذه اللام مكررة على اللام في قوله {لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} ويهلك {مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ} أي ليموت مَنْ يموت على بينة [ولَهَاً وعِبْرةً] عاينها وحجّة قامت عليه، وكذلك حياة من يحيى لوعده {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. وقال محمد بن إسحاق: ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه وقطعت معذرته ويؤمن من آمن على [مثواك]. وقال قتادة: ليضل من ضل عن بينة ويهتدي من اهتدى على بيّنة. وقال عطاء: ليهلك من هلك عن بينة عن علم بما دخل فيه من الفجور {وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} عن علم ويقين بلا إله إلاّ الله. وفي (حي) قولان، قرأ أهل المدينة: (حيي) بيائين مثل خشيي على الإيمان، وقرأ الباقون (حيّ) بياء واحدة مشددة على الإدغام، لأنّه في الكتاب بياء واحدة {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ} يا محمد يعني المشركين {فِي مَنَامِكَ} أي في نومك، وقيل: في موضع نومك يعني عينك {قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ} لجبنتم {وَلَتَنَازَعْتُمْ} اختلفتم {فِي ٱلأَمْرِ} وذلك أن الله تعالى أراهم إياه في منامه قليلا فأخبر صلى الله عليه وسلم بذلك، فكان تثبيتاً لهم ونعمة من الله عليهم شجعهم بها على عدوهم فذلك قوله عزّ وجلّ {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} قال ابن عباس: سلم الله أمرهم حين أظهرهم على عدوهم {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} قال مقاتل: ذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن العدو قليل قبل [لقاء] العدو فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه بما رأى. فقالوا: رؤيا النبيّ حق، القوم قليل، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين وأصدق رؤيا النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال عبد الله بن مسعود: لقد قُللوا في أعيننا يوم بدر حتّى قلت لرجل إلى جنبي: [نراهم سبعين] قال أراهم مائة فأسرنا رجلا فقلنا كم كنتم؟ قال: ألفاً. ويقللكم يا معشر المؤمنين في أعينهم. قال السدي: قال أُناس من المشركين: إن العير قد انصرفت فارجعوا. فقال أبو جهل: الآن إذا [ينحدر لكم] محمد وأصحابه فلا ترجعوا حتّى تستأصلوهم ولا تقتلوهم بالسلاح خذوهم أخذاً كي لا يعبد الله بعد اليوم، إنّما محمد وأصحابه أكلة جزور فاربطوهم بالجبال. كقوله من القدرة على نفسه. قال الكلبي: استقلّ المؤمنون المشركين والمشركون المؤمنين، البحتري: بعضهم على بعض. {لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} كائناً في علمه، نصر الإسلام وأهله وذل الشرك وأهله. وقال محمد بن إسحاق: ليقضي الله أمرا كان مفعولاً بالانتقام من أعدائه والإنعام على أوليائه {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما سبب ذكر الغنيمة هنا؟. وما المناسبة؟. ونقول: إن الله سبحانه وتعالى يتحدث عن القتال. ونهاية كل معركة ينتصر فيها المسلمون يكون فيها غنائم. وهذه مناسبة الحديث عن الغنائم، وبما أن الله سبحانه وتعالى يتحدث عن مدده للمؤمنين. وأنه ناصرهم، وأنه نعم النصير، ولكن الغنائم لا تجيء إلا نتيجة للنصر، فكأن الله يريد من المؤمنين أن يتأكدوا أن النصر سيكون من نصيبهم؛ بدليل أن الحديث انتقل إلى الغنائم. والغنيمة هي كل منقول يأخذه المسلم المقاتل من الكافر، والثابت أن الغنائم لم تكن تحل لأحد من الأنبياء قبل رسول الله صلى عليه وسلم. ويقول الحق: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41]. إذن فلله الخمس وتبقى أربعة أخماس توزع على المقاتلين. والخمس الذي هو لله كيف نقسمه؟ لقد ذكر القرآن أسلوب توزيع هذا الخمس بطريقة اختلف فيها العلماء؛ فالآية تقول: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41]. ثم تزيد: {وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} [الأنفال: 41]. وقد قال بعض العلماء تمسكاً بظاهر الآية الكريمة: إن خمس الغنائم يوزع على من سماهم الله تعالى في كتابه العزيز وهم ستة: (الله، الرسول، ذو القربى، اليتامى، المساكين، ابن السبيل) فتكون الأسهم ستة، وجمهور العلماء على أنّ خمس الغنائم يقسم خمسة أسهم فيكون لله وللرسول سهم واحد لأنه لا يوجد فصل بين الله ورسوله، والأسهم الأربعة الباقية من هذا الخمس توزع على الأنواع الأربعة (ذي القربى - اليتامى - المساكين - ابن السبيل) لكل نوع منهم سهم. واختلفوا أيضاً في معنى {وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} هل هم القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم ممن؟ ثم بعد ذلك جاء نصيب اليتامى والمساكين وابن السبيل فلم يحدث خلاف فيه - والخلاصة: أن الغنائم كلها تقسم خمسة أقسام خمسها لهؤلاء الخمسة وأربعة أخماسها الباقية للجيش المقاتل؛ لأن الله تعالى بين حكم الخمس وسكت عن الباقي فدل ذلك على أنه للغانمين ثم يقول الحق: {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ} [الأنفال: 41]. وهم بطبيعة الحال الحال مؤمنون بالله، وكأن هذا القول جاء ليراجعوا إيمانهم إذا اعترضوا على هذا التقسيم. فإن طمع أحد منهم في الخمس الذي هو لله ورسوله ولم يقنع بأربعة الأخماس المقسمة - كما قال الله تعالى - يكون قد خدش إيمانه بمن أصدر هذا الأمر، وسبحانه هو الذي أنزل هذا التقسيم. فمن زاغ وتطلعت عينه إلى شيء فليرد هذا الزيغ؛ لأن الذي قسم هو الله الذي نصر المقاتلين. وإذا كان النصر هو الذي جاء بالغنائم، فالذي أعطى النصر هو الله سبحانه وتعالى، والنصر سبب من الله، وما يوهب للإنسان من الحق، على العبد أن يقبل فيه قسمة الله. ومثال ذلك ما أراده الله للإنسان المسلم من حسن التصرف في ماله، فهو في حياته حر ويملك حق التصرف في هذا المال، واحتراماً لمشاعرك الاجتماعية والإنسانية والعاطفية في البيئة التي تحيا فيها، جعل الله لك الحق في الوصية بأن تخصص ثلث مالك لما تريد ومن تريد، فقد ترى أن هناك إنساناً من غير أقربائك وهو بطبيعة الحال لن يرثك، ولكنه خدمك في حياتك أو في مرضك أو في شيخوختك، وأنت تريد أن تترك شيئاً من ثروتك له، اعترافاً بجميله، أو لعل هناك أناساً من معارفك تعرف أنهم أحوج من أبنائك، فتخصص لهم بعضاً من المال، شرط ألا يتعدى الثلث، فيشاء الحق سبحانه وتعالى أن يضع للعواطف الإيمانية الإنسانية في الناس مجالاً، فترك لك الحرية في أن تتصرف في ثلث التركة ثم قسم سبحانه الثلثين على الورثة. إذن فقول الحق تبارك وتعالى: {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ} [الأنفال: 41]. أي أنه سبحانه قد جعل من الإيمان أن يتم توزيع الغنائم بالشكل الذي حدده الله عز وجل، ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41]. والفرقان هو الشيء الذي يفرق بين الحق والباطل؛ فرقاً واضحاً بشدة بحيث يكون ظاهراً للجميع. وقد أطلق الله الفرقان على القرآن الكريم في سورة آل عمران فيقول تبارك وتعالى: {أية : وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} تفسير : [آل عمران: 3 - 4]. فحينما أنزل الله تعالى التوراة والإنجيل جاءت التوراة لتفرق بين الحق والباطل، وأيضاً جاء الإنجيل ليفرق بين الحق والباطل، وشاء الله سبحانه وتعالى ألا تطلق كلمة "الفرقان" إلا على القرآن الكريم؛ لأن القرآن هو الفارق النهائي الذي لن يأتي فارق من بعده، فلن ينزل كتاب سماوي آخر. {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} [الأنفال: 41]. الله سبحانه وتعالى يقصد هنا بيوم الفرقان يوم بدر الذي كان فرقاً بين حق وباطل؛ فرقاً لافتا للأنظار، وقد أخذت كلمة الفرقان المعنى العام وهو أن يفرق بين الحق والباطل، فالمسلمون كانوا قلة والكفار كانوا كثرة، والمسلمون كانوا خارجين للاستيلاء على القافلة والعير ولم يكن لديهم أي عدة أو عتاد للحرب، بينما استعد الكفار للحرب والقتال بالعدد والعتاد والفرسان، وكان المسلمون يتمنون أن تكون قافلة قريش لهم، وهي قافلة لا يحرسها إلا عدد قليل من الرجال، لا شوكة لهم، وأراد الحق تبارك وتعالى أن يواجه المسلمون وهم قلة جيشاً له شوكة أي له عدة وعتاد؛ لأن المسلمين ظنوا أن الاستيلاء على القافلة لن يستغرق منهم وقتا طويلا أو جهداً كبيراً، فحراس القافلة عدد محدود وبلا سلاح قوي. لكن شاء الله عز وجل أن يخوض المؤمنون المعركة وهم قلة وأن ينتصروا، حتى يعلم الجميع أن هذه القلة المؤمنة انتصرت بلا عددٍ ولا عُدَّة على من يملكون العدد والعدة، وبذلك يظهر الفرق بين الإيمان والكفر، وبين نصر الله وزيف الشيطان، ولو استولى المسلمون على قافلة قريش لقيل: إن أية مجموعة من المسلحين كانت تستطيع أن تنهب هذه القافلة، ولذلك لم يعطهم الله العير بل ابتلاهم بالنفير وهو الجيش الخارج من مكة بقصد الحرب وهو مستعد لها ليلفت النظر إلى هؤلاء المؤمنين الذين خرجوا بغير قصد الحرب وقد انتصروا على الكفار الذين خرجوا للحرب واستعدوا لها. وكان المؤمنون ثلاثمائة وجيش الكفار ألفاً، فإذا جاء النصر، تأكد الكل أن كفة المؤمنين قد رجحت، وإذا تعجب أحد كيف ينتصر هذا العدد القليل غير المسلح على هذا العدد الكثير والمسلح، يمكن أن يرددوا قول الله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41]. وهذه المشيئة الإلهية هي التي قلبت الموازين. وفي أول سورة البقرة يحكي الحق سبحانه وتعالى لنا قصة طالوت وجالوت، ويروي كيف طلب بنو إسرائيل من نبي لهم أن تحدد السماء شخصاً يكون ملكاً عليهم، ليقودهم في معركة ضد طاغية اسمه جالوت؛ أخرجهم من ديارهم وشردهم، فلما جاء الأمر بأن يكون طالوت هو الملك، جادل بنو إسرائيل في قيادته لهم. {أية : قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ} تفسير : [البقرة: 247]. كانوا هم الذين طلبوا أن يكون لهم ملك، فلما جاء طالوت باختيار الله اعترضوا عليه. ثم خرج طالوت مع الذين اتبعوه وابتلاهم الله بنهر وهو عطاش، ويقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} تفسير : [البقرة: 249]. وابتلاهم الله سبحانه وتعالى بأن مروا على نهر وهم عطاش، وطلب منهم ألا يشربوا إلا أن يأخذ كل منهم قليلاً من الماء في كف يده ليرطب به فمه، فلما وصلوا إلى النهر، اندفعت أغلبيتهم ليعبوا ويشربوا ما شاء لهم، والأقلية فقط هي التي امتثلت لأمر الله تعالى ولم تشرب، وهؤلاء هم الذين بقوا مع طالوت وعبروا النهر، لكنهم حين رأوا جيش الأعداء، قالت أغلبيتهم ما جاء في القرآن الكريم وحكاه لنا: {أية : فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} تفسير : [البقرة: 249]. أي أنهم خافوا من مواجهة جيش جالوت ورفضوا القتال، إلا الأقلية منهم، وهكذا حدثت لهم التصفية مرتين بالاختيار والابتلاء؛ الأولى بالصبر على العطش، والثانية بمواجهة جيش العدو، وهذه هي الأقلية الصافية التي رسخ إيمانها، وقالوا ما جاء بالقرآن الكريم: {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [البقرة: 249]. أي أن هذه الفئة المؤمنة التي بقيت والتي تخشى حساب الله في الآخرة لم تخفهم قلتهم ولا كثرة جنود جالوت، بل قالوا: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، وانتصروا بالفعل، وكان هذا فرقاناً ظاهراً من الله عز وجل. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41]. أي يوم التقاء جمع المؤمنين وجمع الكفار، وتحقق نصر المؤمنين، رغم قلة العدد والعتاد. ولذلك يذيل الحق سبحانه وتعالى الآية بالقول الكريم: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41]. أي أن الله عز وجل قادر على أن ينصر المؤمنين وهم قلة وغير مستعدين للقتال. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما أمر تعالى بقتال المشركين، وذكر فيما تقدم طرفاً من غزوة بدر، وكان لا بد بعد القتال من أن يغنم المجاهدون الغنائم - وهي أموال المشركين - على طريق القهر والظفر، ذكر سبحانه هنا حكم الغنائم وكيفية قسمتها، ثم سرد بقية الأحداث الهامة في تلك الغزوة المجيدة "غزوة بدر". اللغَة: {الْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} عدوة الوادي: جانبه وشفيره، والدنيا تأنيث الأدنى أي الأقرب والمراد ما يلي جانب المدينة {ٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} القصوى: تأنيث الأقصى أي الأبعد، وكل شيء تنحى عن شيء فقد قصا والمراد ما يلي جانب مكة {نَكَصَ} النكوص: الإِحجام عن الشيء {كَدَأْبِ} الدأب: العادة، وأصله في اللغة إِدامة العمل يقال: فلان يدأب في كذا أي يدوم عليه ويواظب ثم سميت العادة دأباً لأن الإِنسان مداوم على عادته {تَثْقَفَنَّهُمْ} قال الليث: يقال ثقفنا فلاناً في موضع كذا أي أخذناه وظفرنا به {فَشَرِّدْ} التشريد: التفريق والتبديد يقال: شردت القوم إِذا قاتلتهم وطردتهم عنها حتى فارقوها. التفسِير: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} أي اعلموا أيها المؤمنون أنما غنمتوه من أموال المشركين في الحرب سواء كان قليلاً أو كثيراً {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} قال الحسن: هذا مفتاح كلام، الدنيا والآخرة لله أي أن ذكر اسم الله على جهة التبرك والتعظيم كقوله {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 62] قال المفسرون: تقسم الغنيمة خمسة أقسام، فيعطى الخمس لمن ذكر الله تعالى في هذه الآية، والباقي يوزع على الغانمين {وَلِلرَّسُولِ} أي سهم من الخمس يعطى للرسول صلى الله عليه وسلم {وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم وبنو المطلب {وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} أي ولهؤلاء الأصناف من اليتامى الذين مات آباؤهم، والفقراء من ذوي الحاجة، والمنقطع في سفره من المسلمين {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ} جواب الشرط محذوف تقديره: إِن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن هذا هو حكم الله في الغنائم فامتثلوا أمره بطاعته {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} أي وبما أنزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} أي يوم بدر لأن الله فرق به بين الحق والباطل {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} أي جمع المؤمنين وجمع الكافرين، والتقى فيه جند الرحمن بجند الشيطان {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي قادر لا يعجزه شيء، ومنه نصركم مع قلَّتكم وكثرتهم {إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} هذا تصوير للمعركة أي وقت كنتم يا معشر المؤمنين بجانب الوادي القريب الى المدينة {وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} أي وأعداؤكم المشركون بجانب الوادي الأبعد عن المدينة {وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ} أي والعير التي فيها تجارة قريش في مكان أسفل من مكانكم فيما يلي ساحل البحر {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ} أي ولو تواعدتم أنتم والمشركون على القتال لاختلفتم له ولكن الله بحكمته يسر وتمم ذلك قال كعب بن مالك: إِنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد قال الرازي: المعنى لو تواعدتم أنتم وأهل مكة على القتال لخالف بعضكم بعضاً لقلتكم وكثرتهم، {وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} أي ولكن جمع بينكم على غير ميعاد ليقضي الله ما أراد بقدرته، من إِعزاز الإِسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، فكان أمراً متحققاً واقعاً لا محالة قال أبو السعود: والغرض من الآية أن يتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح، ليس إِلا صنعاً من الله عز وجل خارقاً للعادات، فيزدادوا إِيماناً وشكراً، وتطمئن نفوسهم بفرض الخمس {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ} أي فعل ذلك تعالى ليكفر من كفر عن وضوح وبيان {وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} أي ويؤمن من آمن عن وضوح وبيان، فإِن وقعة بدر من الآيات الباهرات على نصر الله لأوليائه وخذلانه لأعدائه {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع لأقوال العباد عليم بنياتهم {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً} أي اذكر يا محمد حين أراك الله في المنام أعداءك قلة، فأخبرت بها أصحابك حتى قويت نفوسهم وتشجعوا على حربهم قال مجاهد: أراه الله إِياهم في منامه قليلاً، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك فكان تثبيتاً لهم {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ} أي ولو أراك ربك عدوك كثيراً لجبن أصحابك ولم يقدروا على حرب القوم، وانظر إِلى محاسن القرآن فإِنه لم يسند الفشل إِليه صلى الله عليه وسلم لأنه معصوم بل قال {لَّفَشِلْتُمْ} إِشارة إِلى أصحابه {وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} أي ولاختلفتم يا معشر الصحابة في أمر قتالهم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} أي ولكن الله أنعم عليكم بالسلامة من الفشل والتنازع {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي عليم بما في القلوب يعلم ما يغيّر أحوالها من الشجاعة والجبن، والصبر والجزع {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ} هذه الرؤية باليقظة لا بالمنام أي واذكروا يا معشر المؤمنين حين التقيتم في المعركة فقلل الله عدوكم في أعينكم لتزداد جرأتكم عليهم، وقلَّلكم في أعينهم حتى لا يستعدوا ويتأهبوا لكم قال ابن مسعود: لقد قُلِّلُوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل: أتراهم يكونون مائة؟ وهذا قبل التحام الحرب فلما التحم القتال كثر الله المؤمنين في أعين الكفار فبُهتوا وهابوا، وفُلَّت شوكتهم، ورأوا ما لم يكن في الحسبان، وهذا من عظائم آيات الله في تلك الغزوة {لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} أي فعل ذلك فجرَّأ المؤمنين على الكافرين، والكافرين على المؤمنين، لتقع الحرب ويلتحم القتال، وينصر الله جنده ويهزم الباطل وحزبه، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي مصير الأمور كلها إِلى الله يصرّفها كيف يريد، لا معقب لحكمه وهو الحكيم المجيد، {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ} هذا إِرشاد إِلى سبيل النصر في مبارزة الأعداء أي إٍِذا لقيتم جماعة من الكفرة فاثبتوا لقتالهم ولا تنهزموا {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} أي أكثروا من ذكر الله بألسنتكم لتستمطروا نصره وعونه وتفوزوا بالظفر عليهم {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي في جميع أقوالكم وأفعالكم ولا تخالفوا أمرهما في شيء {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ} أي ولا تختلفوا فيما بينكم فتضعفوا وتجبنوا عن لقاء عدوكم {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي تذهب قوتكم وبأسكم، ويدخلكم الوهن والخور {وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} أي واصبروا على شدائد الحرب وأهوالها، فإِن الله مع الصابرين بالنصر والعون {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ} أي لا تكونوا ككفار قريش حين خرجوا لبدر عتواً وتكبراً، وطلباً للفخر والثناء، والآية إِشارة إِلى قول أبي جهل: والله لا نرجع حتى نَرد بدراً، فنشرب فيها الخمور وننحر الجزور، وتعزف علينا القيان - المغنيات - وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبداً قال الطبري: فسقوا مكان الخمر كؤوس المنايا، وناحت عليهم النوائح مكان القيان {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي ويمنعون الناس عن الدخول في الإِسلام {وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي وهو سبحانه عالم بجميع ذلك وسيجازيهم عليه {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أي واذكر وقت أن حسَّن لهم الشيطان أعمالهم القبيحة من الشرك وعبادة الأصنام، وخروجهم لحرب الرسول عليه السلام {وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ} أي لن يغلبكم محمد وأصحابه {وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} أي مجير ومعين لكم {فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} أي فلما تلاقى الفريقان ولى الشيطان هارباً مولياً الأدبار {وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ} أي بريء من عهد جواركم، وهذا مبالغة في الخذلان لهم {إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ} أي أرى الملائكة نازلين لنصرة المؤمنين وأنتم لا ترون ذلك وفي الحديث "حديث : ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة، إِلا ما رأى يوم بدر، فإِنه رأى جبريل يزْعُ الملائكة" تفسير : أي يصفها للحرب {إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي إِني أخاف الله أن يعذبني لشدة عقابه قال ابن عباس: جاء إِبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رأيته في صورة "سراقة بن مالك" فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس وإِني جار لكم، فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل عليه السلام إِلى إِبليس، فلما رآه - وكانت يده في يد رجلٍ من المشركين - انتزع يده ثم ولى مدبراً وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: إِني أرى ما لا ترون إِني أخاف الله، وكذب عدو الله فإِنه علم أنه لا قوة له ولا منعة وذلك حين رأى الملائكة {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي حين قال أهل النفاق الذين أظهروا الإِيمان وأبطنوا الكفر لضعف اعتقادهم بالله {غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ} أي اغتر المسلمون بدينهم فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به قال تعالى في جوابهم {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي ومن يعتمد على الله ويثق به فإِن الله ناصره لأن الله عزيز أي غالب لا يذل من استجار به، حكيم في أفعاله وصنعه {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} أي لو رأيت وشاهدت أيها المخاطب أو أيها السامع حالتهم ببدر حين تقبض ملائكة العذاب أرواح الكفرة المجرمين، وجواب {لَوْ} محذوف للتهويل أي لرأيت أمراً فظيعاً وشأناً هائلاً قال أبو حيان: وحذف جواب لو جائز بليغ حذفه في مثل هذا لأنه يدل على التهويل والتعظيم أي لرأيت أمراً فظيعاً لا يكاد يوصف {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} أي تضربهم الملائكة من أمامهم وخلفهم، على وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي ويقولون لهم: ذوقوا يا معشر الفجرة عذاب النار المحرق، وهذا بشارة لهم بعذاب الآخرة وقيل: كانت معهم أسواط من نار يضربونهم بها فتشتعل جراحاتهم ناراً {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} أي ذلك العذاب بسبب ما كسبتم من الكفر والآثام {وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي وانه تعالى عادل ليس بذي ظلم لأحد من العباد حتى يعذبه بغير ذنب، وصيغة {ظَلاَّمٍ} ليست للمبالغة وإِنما هي للنسب أي ليس منسوباً إِلى الظلم فقد انتفى أصل الظلم عنه تعالى فتدبره {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي دأب هؤلاء الكفرة في الإِجرام يعني عملهم وطريقهم الذي دأبوا فيه كعمل وطريق آل فرعون ومن تقدمهم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود في العناد والتكذيب والكفر والإِجرام {كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي جحدوا ما جاءهم به الرسل من عند الله {فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} أي أهلكهم بكفرهم وتكذيبهم {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي قوي البطش شديد العذاب، لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ} أي ذلك الذي حل بهم من العذاب بسبب أن الله عادل في حكمه لا يغير نعمة أنعمها على أحدٍ إِلا بسبب ذنبٍ ارتكبه، وأنه لا يبدل النعمة بالنقمة {حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} أي حتى يبدلوا نعمة الله بالكفر والعصيان، كتبديل كفار قريش نعمة الله من الخصب والسعة والأمن والعافية، بالكفر والصد عن سبيل الله وقتال المؤمنين قال السدي: نعمة الله على قريش محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به وكذبوه، فنقله الله إِلى المدينة وحل بالمشركين العقاب {وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي وأنه سبحانه سميع لما يقولون عليم بما يفعلون {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ} كرره لزيادة التشنيع والتوبيخ على إِجرامهم أي شأن هؤلاء وحالهم كشأن وحال المكذبين السابقين حيث غيّروا حالهم فغيّر الله نعمته عليهم {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أي أهلكناهم بسبب ذنوبهم بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالحجارة، وبعضهم بالغرق ولهذا قال {وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ} أي أغرقنا فرعون وقومه معه {وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} أي وكل من الفرق المكذبة كانوا ظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي حيث عرَّضوها للعذاب {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ} أي شر من يدب على وجه الأرض في علم الله وحكمه {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي الذين أصروا على الكفر ورسخوا فيه فهم لا يتوقع منهم إِيمان لذلك قال ابن عباس: نزلت في بني قريظة من اليهود، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يحاربوه فنقضوا العهد {ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ} أي الذين عاهدتهم يا محمد على ألا يعينوا المشركين {ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ} أي يستمرون على النقض مرة بعد مرة {وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ} أي لا يتقون الله في نقض العهد قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاهد يهود بني قريظة ألا يحاربوه ولا يعاونوا عليه المشركين، فنقضوا العهد وأعانوا عليه كفار مكة بالسلاح يوم بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا فعاهدهم مرة أخرى فنقضوا العهد ومالئوا الكفار يوم الخندق {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ} أي فإِن تظفر بهم في الحرب {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ} أي فاقتلهم ونكل بهم تنكيلاً شديداً يشرد غيرهم من الكفرة المجرمين {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي لعلهم يتعظون بما شاهدوا فيرتدعوا والمعنى: اجعلهم عبرة لغيرهم حتى لا يبقى لهم قوة على محاربتك {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً} أي وإِن أحسست يا محمد من قوم معاهدين خيانة للعهد ونكثاً بأمارات ظاهرة {فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} أي اطرح إِليهم عهدهم على بينة ووضوح من الأمر قال النحاس: هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه والمعنى: وإِما تخافن من قوم - بينك وبينهم عهد - خيانة فانبذ إِليهم العهد أي قل لهم قد نبذت إِليكم عهدكم وأنا مقاتلكم، ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يثقون بك فيكون ذلك خيانة وغدراً {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ} وهذا كالتعليل للأمر بنبذ العهد أي لا يحب من ليس عنده وفاء ولا عهد {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ} أي لا يظنن هؤلاء الكفار الذين أفلتوا يوم بد من القتل أنهم فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم في قبضتنا وتحت مشيئتنا وقهرنا {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} كلام مستأنف أي إِنهم لا يُعجزون ربهم، بل هو قادر على الانتقام منهم في كل لحظة، لا يعجزه أحد في الأرض ولا في السماء {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} أي أعدوا لقتال أعدائكم جميع أنواع القوة: المادية، والمعنوية قال الشهاب: وإِنما ذكر القوة هنا لأنه لم يكن لهم في بدر استعداد تام، فنُبهوا على أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل زمان {وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} أي الخيل التي تربط في سبيل الله {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} أي تُخيفون بتلك القوة الكفار أعداء الله وأعداءكم {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} أي وترهبون به آخرين غيرهم قال ابن زيد: هم المنافقون وقال مجاهد: هم اليهود من بني قريظة والأول أصح لقوله {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} أي لا تعلمون ما هم عليه من النفاق ولكن الله يعلمهم {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي وما تنفقوا في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} أي تُعْطون جزاءه وافياً كاملاً يوم القيامة {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} أي لا تنقصون من ذلك الأجر شيئاً. البَلاَغَة: 1- {مِّن شَيْءٍ} التنكير للتقليل. 2- {عَلَىٰ عَبْدِنَا} ذكره صلى الله عليه وسلم بلفظ العبودية وإِضافته إِلى الله للتشريف والتكريم. 3- {بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} بين لفظ "الدنيا" و "القصوى" طباق. 4- {لِّيَهْلِكَ ... وَيَحْيَىٰ} استعار الهلاك والحياة للكفر والإِيمان، وبين "يهلك" و "يحيا" طباقٌ. 5- {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي تذهب قوتكم وشوكتكم وهو من باب الاستعارة أيضاً. تنبيه: يأمرنا الله تعالى بإِعداد القوة لقتال الأعداء، وقد جاء التعبير عاماً {مِّن قُوَّةٍ} ليشمل القوة المادية، والقوة الروحية، وجميع أسباب القوة، وكيف لا يطمع العدو بالممالك الإِسلامية وهو لا يرى عندنا معامل للأسلحة، وذخائر للحرب، بل كلها مما يشتريه المسلمون من بلاد العدو؟ فلا بد لنا من العودة إِلى تعاليم الإِسلام إِذا ما أردنا حياة العزة والكرامة.
الصابوني
تفسير : [3] كيفية قسمة الغنائم التحليل اللفظي {غَنِمْتُمْ}: الغنيمة.. ما أخذ من الكفار قهراً بطريق القتال والغلبة، أما ما أخذ منهم بغير حرب أو قتال فهو "فيء" كما مر سابقاً. قال الشاعر: شعر : وقد طوّفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب تفسير : {خُمُسَهُ}: بضم الميم وإسكانها لغتان وقد قرئ بهما، والخمس أن يقسم الشيء إلى خمسة أجزاء ثم يؤخذ جزء واحد منه، والواجب الشرعي أن تخمسّ الغنائم فيصرف الخمس فيما ذكره الله، ويوزع الباقي وهو أربعة أخماس بين الغانمين. قال القرطبي: لما بين الله تعالى حكم الخمس وسكت عن الباقي دل ذلك على أنه ملك للغانمين. {وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ}: هم قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم: "بنو هاشم، وبنو المطلب" على الصحيح من الأقوال كما سيأتي إن شاء الله. {وَٱلْيَتَامَىٰ}: هم أولاد المسلمين الذين هلك آباؤهم في سن الصغر قبل البلوغ، لأنه لا يتم بعد البلوغ. {وَٱلْمَسَاكِينِ}: هم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين. {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ}: هو المنقطع في سفره مع شدة حاجته وإنما قيل "ابن السبيل" لأنه لما انقطع في سفره أصبح الطريق كأنه أبٌ له. {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ}: هو يوم بدر لأن الله سبحانه وتعالى فرق فيه بين الحق والباطل وبين الإيمان والكفر وهذه الغزوة كانت في السنة الثانية من الهجرة وفي السابع عشر من رمضان وهي أول معركة وقعت بين المسلمين والمشركين. {ٱلْجَمْعَانِ}: المراد به جمع المؤمنين وجمع المشركين. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: اعلموا أيها المؤمنون أن كل ما غنمتموه من الكفار المحاربين أياً كان قليلاً أو كثيراً حق ثابت لكم. وحكمه: أن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فاقسموه - خمسة أقسام - واجعلوا خمسه لله، ينفق في مصالح الدين، وإقامة الشعائر، وعمارة الكعبة وكسوتها، ثم اعطوا الرسول صلى الله عليه وسلم منه كفايته لنفسه ولنسائه، ثم أعطوا منه ذي القربى من أهله وعشيرته، ثم المحتاجين من سائر المسلمين وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل ثم بين سبحانه وتعالى أن هذا هو مقتضى الإيمان وهو الإذعان. والخضوع لأوامره وأحكامه وعدم الخلاف والنزاع فيما بينهم لأن الله عز وجل هو الذي قسم فأعطى كلَّ ذي حق حقه كما راعى مصالح العباد جميعاً فما على المؤمنين إلا الرضى والتسليم لحكم الله العلي الكبير. وجه الارتباط بالآيات السابقة لما أمر سبحانه وتعالى في الآيات السابقة بقتال الكفرة المعتدين، الذين كانوا يفتنون المؤمنون، ويقفون في وجه الدعوة الإسلامية، ووعد المؤمنين بالنصر عليهم، وكان ذلك مستلزماً لكسب الغنائم منهم، بيّن جل وعلا هنا حكم قسمة هذه الغنائم، وأوضح وجوه المصارف فيها حتى لا يكون ثمة نزاع ولا خلاف بين الغانمين، فهذا هو وجه الارتباط. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: التنكير في قوله تعالى: {مِّن شَيْءٍ} يفيد التقليل أي أي شيء كان، سواء كان هذا الشيء قليلاً أو كثيراً، عظيماً أو حقيراً، حتى الخيط والمخيط (الإبرة). اللطيفة الثانية: ذكرُ الله تعالى في القسمة في قوله تعالى: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} لتعليمنا التبرك بذكر اسم الله المعظم، واستفتاح الأمور باسمه تعالى، ولا يقصد منه أن الخمس يقسم على ستة منها (الله) فإنّ لله الدنيا والآخرة، والله هو الغني الحميد، أو يراد منه إنفاقه في سبيل الله فيكون الكلام على (حذف مضاف). اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} المراد به محمد صلى الله عليه وسلم وإنما لم يذكره باسمه تعظيماً له وتكريماً، لأن أعظم وأشرف أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم وصفه بالعبودية، وهذا هو السر في ذكره في سورة الإسراء بهذا الوصف الجليل {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 1] وإضافة العبد إليه تعالى تشعر بكمال العناية والتكريم كما قال أحد العارفين: شعر : وممّا زادني شرفاً وتيهاً وكدتُ بأخمصي أطَأ الثُريّا دخولي تحت قولك "يا عبادي" وإنْ صيّرْتَ "أحمد" لي نبياً تفسير : فائدة هامة: قال المراغي: في "تفسيره" وإنما خص الرسول صلى الله عليه وسلم من ذي القربى بني هاشم، وبني المطلب دون بني عبد شمس، ونوفل لأن قريشاً لما كتبت وأخرجت بني هاشم من مكة وحصرتهم في الشعب، لأنهم ناصروا الرسول صلى الله عليه وسلم دخل معهم فيه بنو المطلب ولم يدخل بنو عبد شمس ولا بنو نوفل لذلك خصهم عليه الصلاة والسلام بالقسمة تكريماً لهم وتقديراً. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل الغنيمة والفيء شيء واحد؟! بينا فيما سبق التعريف لكلٍ من الغنيمة والفيء. وقد اختلف العلماء فيهما: فقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ عَنوة من الكفار في الحرب. والفيء ما أخذ عن صلح... وهذا قول الشافعي. وقال بعضهم: الغنيمة ما أخذ من مال منقول. والفيء هو مال غير المنقول كالأرضين والعقارات وغيرها.. وهذا قول مجاهد. وقيل: الغنيمة والفيء بمعنى واحد. والصحيح الأول وهو ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله. قال القرطبي: واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى: {غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر، ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بينا، ولكنْ عُرْفُ الشرع قيّد اللفظ بهذا النوع. وسمّى الشرع المال الواصل إلينا من الكفار باسمين: (غنيمة) و(فيء) فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب "غنيمة" ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفاً، والفيء مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف كخراج الأرضين. الحكم الثاني: كيف يوزع الخمس بين الغانمين؟ ذكرت الآية الكريمة أن خمس الغنائم يوزع لمن سمّاهم الله عز وجل في كتابه العزيز وهم ستة (الله، الرسول، ذو القربى، اليتامى، المساكين، ابن السبيل) وسكتت عن الباقي فدل ذلك على أنه يوزع على الغانمين. سهم الله: أما سهم "الله" عز وجل فقد اختلف المفسرون فيه على قولين: أ - إنه يصرف على الكعبة لأن قوله (لله) أي لبيت الله فهو على (حذف مضاف). ب - وقال الجمهور إن قوله (لله) استفتاح كلام يقصد به التبرك فللَّه الدنيا والآخرة وهو المالك لكل ما في السماوات والأرض فليس سبحانه بحاجة إلى سهم من هذه السهام لأنه هو الغني وإنما ذكر تبارك وتعالى اسمه ليعلمنا التبرك بذكره وافتتاح الأمور باسمه وعلى هذا الرأي يكون الخمس بين خمسة (الرسول، ذي القربى، اليتامى، المساكين، ابن السبيل). سهم الرسول: أما سهم الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه حق له صلى الله عليه وسلم يأخذه من الغنيمة ويضعه حيث شاء لأهل بيته أو في مصالح المسلمين، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم ". تفسير : وقال آخرون إن لفظ (الرسول) في الآية استفتاح كلام كما قالوا في قوله (لله) وأن الخمس يقسم على أربعة أسهم (ذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل). سهم ذي القربى: والمراد قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد اختلف في (ذي القربى) على ثلاثة أقوال: أ - قيل إنهم قريش جميعاً. ب - وقيل إنهم بنو هاشم فقط. جـ - وقيل إنهم (بنو هاشم وبنو المطلب) وهذا هو الرأي الصحيح والراجح. ومما يدل عليه ما رواه البخاري عن (مطعم بن جبير) من بني نوفل قال: مشيتُ أنا وعثمان بن عفان - من بني عبد شمس - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله! أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد، إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام"تفسير : . فدلّ الحديث على أن المراد بذي القربى (بنو المطلب وبنو هاشم) ويرى بعضهم أن القرابة لا يعطون إلا أن يكونوا فقراء وهذا الحكم ثابت للرسول صلى الله عليه وسلم ولذي قرباه في حياته وأما بعد وفاته يرجع إلى بيت مال المسلمين. قال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة (اليتامى، والمساكين، وابن السبيل) لأنه قد ارتفع سهم الرسول صلى الله عليه وسلم بموته كما ارتفع سهم أقربائه بموته وهذا منقول عن الشافعي أيضاً. قالوا: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة والجند. ويصرف في مصالح المسلمين. سهم اليتامى: وهذا السهم يصرف على أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم وهم في سن الصغر وأما بعد البلوغ فيزول عنهم وصف اليتم. سهم المساكين: وهم أهل الفاقة والحاجة من ضعفاء المسلمين الذين لا يملكون من حطام الدنيا شيئاً ويحتاجون إلى مواساة ومساعدة. سهم ابن السبيل: وهو الغريب الذي انقطع في سفره فإنه يعطى من الخمس حتى ولو كان غنياً في بلده. ذلك لأننا نعتبر حالته التي هو عليها الآن. مذهب المالكية: وقد خالف المالكية هذه الأقوال المتقدمة جميعاً ورأوا أن الخمس - خمس الغنيمة - يجعل في بيت المال ينفق منه على ما ذكر في الآية وعلى غيرهم بحسب ما يراه الإمام من المصلحة وقالوا: إن ذكر هذه الأصناف في الآية الكريمة إنما هو على سبيل المثال لا على سبيل التمليك وهو من باب إطلاق (الخاص وأريد به العام). أدلة المالكية: وقد استدل المالكية لمذهبهم ببضعة أدلة ثبتت في المغازي والسير جعلتهم يذهبون إلى هذا الرأي وقد ذكرها ابن العربي في "أحكام القرآن" وهي: أولاً: روي في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد فأصابوا في سهمانهم اثني عشر بعيراً ونفلوا بعيراً بعيراً. ثانياً: ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في أسارى بدر: (حديث : لو كان المطعم بن عدي حياً وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له) تفسير : والمراد بالنتنى (الأسرى من المشركين) والمطعم بن عدي هو الذي أجار النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من الطائف وهو الذي قام بنقض الصحيفة، فقال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم مكافأة له على جميلة وإحسانه. ثالثاً: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ردّ سبي هوازن وفيه الخمس. رابعاً: روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: حديث : آثر النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين أناساً من الغنيمة فأعطى (الأقرع بن حابس) مائة من الإبل وأعطى (عيينة) مائة من الإبل، وأعطى أناساً من أشراف العرب وآثرهم يومئذٍ في القسمة فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها. أو ما أريد بها وجه الله!! فقلت: والله لأخبرنّ النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته: فقال: "يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" . تفسير : خامساً: روي في الصحيح أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمسُ والخمس مردود عليكم ". تفسير : فمن هذه الأحاديث يتبين أن الخمس من حق الإمام يتصرف به كيف شاء، ويجعله في مصالح المؤمنين وأن ذكر هذه الأصناف في الآية إنما هو على سبيل (التمثيل) لا على سبيل (التمليك) إذ لو كان ملكاً واستحقاقاً لهم لما جعله الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان في غيرهم وهذا الرأي للماليكة سديد ووجيه. الحكم الثالث: كيف توزع الغنائم؟ ظاهر الآية يدل على أن توزيع الغنيمة يكون بين المحاربين على السوية، من دون تفضيل أو زيادة أو نقص، وقد وردت السنة النبوية تشير إلى التفضيل، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : جعل للفارس سهمين وللراجل سهماً" تفسير : وفي "البخاري" عن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهماً ". تفسير : ورأي الجمهور من العلماء أن يعطى الفارسُ سهمين ويُعطى الراجلُ سهماً واحداً وذلك لأن الذي يركب الفرس يحتاج إلى نفقةٍ لفرسه ويكون بلاؤه في الحرب أعظم ولذلك فإن الشارع الحكيم راعى هذه الناحية فزاده في القسمة فأعطى سهماً له وسهماً لفرسه. الحكم الرابع: هل الآية هذه ناسخة للآية السابقة؟ يذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة لأول السورة لأن الآية الأولى ذكرت أن الأنفال لله والرسول. وهذه الآية بينت أنّ للغانمين أربعة أخماس الغنيمة فتكون هذه الآية ناسخة لتلك، والصحيح أنه لا نسخ كما وضحنا ذلك في السابق والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً - التشريع لله سبحانه وليس لأحدٍ أن يشرّع من تلقاء نفسه. ثانياً - الخمس يصرف في سبيل الله وفي المصارف التي أشارت إليها الآية الكريمة. ثالثاً: الغنائم توزع بين المجاهدين حسب ما شرع الله وفصله الرسول صلى الله عليه وسلم. رابعاً: على المؤمن أن يمتثل أمر الله ويطيع رسوله في كل شؤون الحياة. خامساً: يوم بدر هو يوم الفرقان الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل وبين الكفر والإيمان.
الأندلسي
تفسير : {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} الآية، قال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة. {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} قال ابن عباس وجماعة: خمسة استفتاح كلام كما يقول الرجل لعبده: أعتقك الله، وأعتقتك على جهة التبرك وتفخيم الأمر والدنيا كلها لله تعالى وقسم الله وقسم الرسول واحد. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم الخمس على خمسة أقسام. والظاهر أن ما موصولة، وغنمتم صلة ما، والعائد محذوف، ومن شىء تفسير لما انبهم في لفظ ما أريد بها العموم فلذلك دخلت الفاء في خبر ان لتضمن العموم معنى الشرط وان لله في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي فالحكم ان لله خمسه. وأجاز الفراء أن تكون ما شرطية منصوبة بغنمتم، واسم انّ ضمير الشأن محذوف تقديره انه وحذف هذا الضمير مع أن المشددة مخصوص عند سيبويه بالشعر. وتقدم الكلام على ذوي القربى وما بعدها بالبقرة وظاهر العطف يقتضي التشريك فلا يحرم أحد. {وَمَآ أَنزَلْنَا} معطوف على بالله ويوم الفرقان يوم بدر بلا خلاف فرق الله فيه بين الحق والباطل. والجمعان: جمع المؤمنين وجمع الكافرين. والمنزل: الآيات والملائكة والنصر. وختم بصفة القدرة لأنه تعالى أدال المؤمنين أي نصرهم على قلتهم على الكافرين على كثرتهم ذلك اليوم. {إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} العدوة شط الوادي وتسمى شفيراً وضفّة سميت بذلك لأنها عدت ما في الوادي من ماء أي منعته أن يتجاوزه. قال الشاعر: شعر : عدتني عن زيارتها العوادي وحالت دونها حرب زبون تفسير : ويسمى الفضاء المساير للوادي عدوة للمجاوزة. وقرىء: بالعدوة بكسر العين وبضمّها. ومعنى الدنيا: القربى، والقصوى: البعدى. وثبوت الواو في القصوى شاذ في القياس فصيح في الاستعمال. والقياس القصيا بالياء وقد قاله بعض العرب لأن الفعلي من ذوات الواو تقلب ياء كالدنيا من الدنو والعليا من العلو والمدينة من الوادي من موضع الوقعة منه في الشرق وبينهما مرحلتان. وقرىء أسفل بالنصب منصوباً على الظرف وهو في موضع الخبر للمبتدأ قبله وأصله وصف لموصوف محذوف تقديره والركب مكاناً أسفل منكم أي في مكان. وقرىء: أسفل بالرفع اتسع في الظرف، فجعل خبراً للمبتدأ قبله وذلك ان العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء وكانت أرضاً لا بأس بها ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي الأرض اللينة التي تغوص فيها الأقدام ولا يمشي فيها إلا بتعب ومشقة وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم. {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ} كان الإلِتقاء على غير ميعاد. قال مجاهد: أقبل أبو سفيان وأصحابه تجاراً من الشام ولم يشعروا بأصحاب محمد ولا بأصحاب بدر ولم يشعر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بكفار قريش ولا كفار قريش بمحمد وأصحابه حتى التقوا على ماء بدر لتستقي ركابهم فاقتتلوا فغلبهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأسروهم. {وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}. أي ولكن تلاقيتم على غير ميعاد ليقضي الله أمراً من نصر دينه وإعزاز كلمته وكسر الكفار وإذلالهم كان مفعولاً أي موجوداً متحققاً واقعاً. {لِّيَهْلِكَ} بدل من ليقضي فيتعلق بمثل ما تعلق به ليقضي. والظاهر أن المعنى ليقتل من قتل من كفار قريش وغيرهم عن بيان من الله تعالى وإعذار بالرسالة ويعيش من يعيش عن بيان منه وإعذار لا حجة لأحد عليه. وقرىء: حيي بياءين على الفكّ وحى بالإِدغام. {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتظاهرت الروايات أنها رؤيا منام رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الكفار قليلاً فأخبر بها أصحابه فقويت نفوسهم وشجعت على أعدائهم، وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين انتبه: أبشروا لقد نظرت إلى مصارع القوم. والمراد بالقلة قلة القدر والبأس والنجدة، وانهم مهزومون مصروعون، ولا يحمل على قلة العدد لأنه صلى الله عليه وسلم رؤياه حق وقد كان علم أنهم ما بين تسع مائة إلى الألف فلا يمكن حمل ذلك على قلة العدد. وانتصب قليلاً على أنه مفعول ثالت ليرى. والأول هو ضمير الخطاب، والثاني ضمير الغيبة، وكثيراً مفعول ثالث لأرى. والأول ضمير الخطاب، والثاني ضمير الغيبة أجريت الحلمية مجرى أعلمت فتعدت إلى ثلاثة مفاعيل، وجواز حذف هذا المنصوب يبطل هذا المذهب تقول: رأيت زيداً في النوم، وأرى الله زيداً في النوم، قال الزمخشري: انتصب قليلاً على الحال. وما قاله ظاهر لأن أرى منقولة بالهمزة من رأى البصرية فتعدت إلى اثنين الأول كاف الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني ضمير الكفار فقليلاً وكثيراً منصوبان على الحال. {وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} أي تفرقت آراؤكم في أمر القتال فكان يكون ذلك سبباً لانهزامكم وعدم إقدامكم على قتال أعدائكم، لأنه لو رآهم كثيراً أخبركم برؤياه ففشلتم، ولما كان عليه السلام محمياً من الفشل معصوماً من النقائص أسند تعالى الفشل إلى من يمكن ذلك في حقه، فقال تعالى: لفشلتم، وهذا من محاسن القرآن. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} من الفشل والتنازع والاختلاف بإِراءته له عليه السلام الكفار قليلاً فأخبرهم بذلك. {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ} الآية، هذه الرؤية يقظة لا منام، وقلل الكفار في أعين المؤمنين تحقيراً لهم ولئلا يجبنوا عن لقائهم. وقال ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة. وقلل المؤمنون في أعين الكفار حتى قال قائل منهم: إنما هم أكلة جزور. وذلك قبل الإِلتقاء بهم ليجترؤا على المؤمنين فتقع الحرب ويلتحم القتال إذ لو كثروا قبل اللقاء لأحجموا وتحيلوا في الخلاص أو استبعدوا واستنصروا.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما انتصرتم وظفرتم عليهم {ٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} منهم وأخذتم {مِّن شَيْءٍ} أي: مما يطلق عليه اسم الشيء حتى الخيط {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} أي: فاعلموا أن خمسه ثابت لله {وَ} يصرف من مال الله خمسه {لِلرَّسُولِ} المستخلف منه، النائب عنه {وَ} بعد انقراضه يصرف إلى الولاة المقيمين لحدود الله، وسهم آخر منه {لِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} المنتمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وعبد المطلب. {وَ} آخر حق {ٱلْيَتَامَىٰ} الذي لا مال له ولا متعهد {وَ} آخر حق {ٱلْمَسَاكِينِ} الذين أسكنهم الفقر والفاقة في زاوية الهوان والمذلة {وَ} آخر حق {ٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} المنقطعين عن الأوطان لمصلحة شرعية، فعليكم أيها الحكام أن تحافظوا على هذه القسمة ولا تتجاوزوا عنها {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ} المستوي على العدل القويم. ثمَّ قال سبحانه: {وَمَآ أَنزَلْنَا} بمقتضى جودنا ولطفنا من النصر والظفر على الأعداء والإمداد بالملائكة {عَلَىٰ عَبْدِنَا} وحبيبنا {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} الفارق بين الحق والباطل والمحق والمبطل، وذلك {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} أي: الصنفان من الطرفين في بدر مع ضعف أهل الحق وقوة الكفار {وَٱللَّهُ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من نصر ضعفاء الأولياء وانهزام الأعداء {قَدِيرٌ} [الأنفال: 41]. اذكروا أيها المؤمنون ضعفكم ورثاثة حالكم وقت {إِذْ أَنتُمْ} مترددون {بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} أي: على شفير الوادي التي هي أقرب إلى المدينة ولا ماء فيها، ورمالها تسوخ أرجلكم وأنتم راحلون {وَهُم} متمكنون {بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} أي: على شفير الوادي الأبعد من المدينة والماء عندهم {وَٱلرَّكْبُ} أي: العير التي قصدتم نحوه قد كان بمكانٍ {أَسْفَلَ} وأبعد {مِنكُمْ} على ساحل البحر مقدار ثلاثة أميال، وأنتم حيارى بين الإقدام والإحجام. {وَ} بالجملة: {لَوْ تَوَاعَدتُّمْ} أنتم وهم القتال في وقت معين بلا وحي من الله ووعد من جانبه {لاَخْتَلَفْتُمْ} أنتم ألبتة؛ لضعفكم وقوتهم وهيبتهم {فِي ٱلْمِيعَادِ} الذي وعدتم معهم؛ لرعيكم ورهبتكم منهم {وَلَـٰكِن} جمع سبحانه بلطفه شملكم ومكنكم في مكانكم، وأمطر عليكم في ليلتكم {لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ} المولي لنصركم وغلبتكم {أَمْراً} حكماً مبرماً {كَانَ مَفْعُولاً} عنده وإن لم يفعل بعد، وإنما فعل سبحانه بكم ما فعل من النصر والظفر بهم من القهر والقمع {لِّيَهْلِكَ} من الكفار {مَنْ هَلَكَ} أي: مات وانخذل غيظاً {عَن بَيِّنَةٍ} واضحة شاهدتها {وَيَحْيَىٰ} أيضاً من المسلمين {مَنْ حَيَّ} فرحاً {عَن بَيِّنَةٍ} واضحة لائحة انكشف بها {وَ} اعلموا {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائر عباده {لَسَمِيعٌ} لمناجاة كلا الفريقين {عَلِيمٌ} [الأنفال: 42] بنياتهم، يفعل من كل منهم على مقتضى علمه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن دعائم الغنائم بقوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} [الأنفال: 41] إلى قوله: {تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} [الأنفال: 44] الإشارة فيه: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} يا أهل الجهاد الأكبر عند الفطرة النفوس التي هي عدوكم وغنائم النفوس المقتولة ما تبدلت به صفاتها من التخلق بأخلاق الله تعالى: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} [الأنفال: 41] يشير إلى أن ما غنمتم عند رفع حجب من أنوار المشاهدات وأسرار المكاشفات فلكم أربعة أخماسه تعيشون بها مع الله وتكتمونها عن الأغيار، ولا تنفقون أكثر من خمسها في الله مخلصاً وللرسول متابعاً {وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} يعني: الإخوان في الله تواصلاً، {وَٱلْيَتَامَىٰ} يعني: أهل الطلب الذين غاب عنهم مشايخهم قبل بلوغهم إلى حد الكمال. {وَٱلْمَسَاكِينِ} يعني: الطالبين الصادقين، والذين تمسكوا بأيدي الإرادة أذيال إرشادكم، {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} يعني: الصادر والوارد من أهل الصدق والإرادة مراعياً جانب كل طائفة منهم على حسب صدقهم وإرادتهم وطلبهم واستعدادهم واستحقاقهم مؤدياً حقوقهم لله في الله وبالله في متابعة الرسول إلى مقام المعاينة. {آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ} [الأنفال: 41] عياناً كما آمن الرسول به ليلة المعراج وكوشفتم بحقائق، {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} [الأنفال: 41] في سر {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10]، {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} [الأنفال: 41] الذي فيه {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرحمن: 1-2]، {ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41] جميع الصفات الإنسانية، وجميع الأخلاق الربانية، فصار لمحمد صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى خلوة لا يسع فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41] أي: قادر على أن يوصلكم في متابعة رسوله إلى هذا المقام وهو الفناء من الوجود والبقاء بالمعبود، كما أوصل إليه ورسوله، وقد أعطاكم هذه المرتبة وقدركم وأكرمكم بها أيها الصادقون في الطلب، {إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} [الأنفال: 42] أي: نفوسكم بجانب الدنيا نازلة، {وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} [الأنفال: 42] يعني: الأرواح بأقصى عالم الملكوت. {وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ} [الأنفال: 42] يعني: الهياكل والقوالب بأسفل من الأراوح والنفوس، فإنها أسفل سافلين أي: إلى القوالب، {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ} [الأنفال: 42] أيها الأرواح والنفوس والأجساد بالإجماع، {لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ} [الأنفال: 41] لما بينكم من التباين والاختلاف والضدية يعني: لما جمعتم بالاختيار لاختلاف طبائعكم، {وَلَـٰكِن} [الأنفال: 42] جمعكم الله بالقدرة والحكمة، {لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} [الأنفال: 42] ليجعل مرافق أرواحكم في مقصد صدق عن مليك مقتدر بعدما كانت في أقصى الملكوت ومنازل نفوسكم في عالم الأرواح مع الملائكة المقربين. كما قال تعالى: {أية : فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي}تفسير : [الفجر: 29] بعدما كانت محبوسة في سجن الدنيا، ومقامات أجسادكم في جنات النعيم وأعلى عليين بعدما كانت أسفل سافلين، {لِّيَهْلِكَ} [الأنفال: 42] من أرواح الأشياء المزرؤة لجهنم، {مَنْ هَلَكَ} [الأنفال: 42] بمخالفة الشرائع، وتكذيب الأنبياء، ومتابعة الهوى، ومحبة الدنيا واستيفاء لذاتها وشهواتها، {عَن بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] أي: عن حجة ثابتة عليه بعد اجتماع الأرواح والنفوس والأجساد، مستعدة لقبول الإيمان والكفر وتصديق الأنبياء وتكذيبهم ومتابعتهم ومخالفتهم مستجمعة أسباب تمتعات الدنيوية والأخروية. {وَيَحْيَىٰ} [الأنفال: 42] من أرواح السعداء المخلوقة للجنات والقربات، {مَنْ حَيَّ} [الأنفال: 42] بالإيمان وأنواره والإيقان وأسراره والعرفان وحقائقه، {عَن بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] حجة ثابتة عليه بعد كماله الاستعداد، وصرفه في طلب الكمال والوصول إلى حضرة ملك ذي الجلال، {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ} [الأنفال: 42] لمن دعاه بالوصول والوصال إليه بالغدو والآصال، {عَلِيمٌ} [الأنفال: 42] بأحوال العباد ومصالحهم. {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً} [الأنفال: 43] مع كثرتهم في الصورة ليعتبر نومكم بأنهم قليلو المعنى قليلو القوة والشوكة، وأنه تعالى يكثر قلبكم بالملائكة وقوة القلب ويظهركم عليهم، {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً} [الأنفال: 43] في الصورة والمعنى فحسبتموهم ذات الشوكة، {لَّفَشِلْتُمْ} [الأنفال: 43] كما هو طبع الإنسان {وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} [الأنفال: 43] أمر القتال، {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} [الأنفال: 43] قلوبكم عن الموت البشري بما أراكم قليلاً، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [الأنفال: 43] عالم بما في القلوب. {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} [الأنفال: 44] أي: في أعين الصحابة كما أراكهم في النوم قليلاً؛ ليعلم أن نومكم وحي ولا خلاف فيه لئلا تفشلوا، {وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ} [الأنفال: 44] لأنهم ينظرون إليكم بالأبصار الظاهرة لا يرون كثرة معناكم وقوة قلوبكم ومددكم من الملائكة، فإنهم عمي البصائر والقلوب ولئلا يفروا من القتال كما فر إبليس لما رأى مدد الملائكة وهو قد جاء مع الكفار في صورة سراقة فقالوا له: أين تفر؟ فقال: لهم إني أرى ما لا ترون، والحكمة في ذلك {لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} [الأنفال: 44] في علم الله، ومشيئته بقضائه وقدره وحكمة بالغة منه، وفيه إشارة إلى أن من سنة الله تعالى أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم حقائق الأشياء حقاً وصدقاً وهو يخبر بها ثم يرونها أرباب الصورة في الظاهر بضدها ابتلاءً واختياراً للمؤمن والمنافق يزل قدمه ويشوش حاله، وبالاعتراض يزيد نفاقه على النفاق وعماه على العمى، {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} [الأنفال: 44] فحال المؤمن وأمره يرجع إلى رضاه، وحال المنافق يرجع إلى سخطه، والرضا والسخط من آثار لطفه وقهره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ثم أخبر عن أسباب الفلاح لأرباب الصلاح بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ} [الأنفال: 45] إلى قوله: {أية : شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}تفسير : [الأنفال: 48] والإشارة فيها: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [الأنفال: 45] يشير إلى أن القلوب والأرواح المؤمنة بشواهد الحق، {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} [الأنفال: 45] جماعة العدو، فالنفس وهواها والشيطان وأعوانه والدنيا وزينتها، {فَٱثْبُتُواْ} [الأنفال: 45] على ما أنتم عليه من اليقين والصدق والإخلاق والقلب، {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} [ألأنفال: 45] فإنكم بمداومة الذكر تعبرون عن ظلمات الوجود، {لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الأنفال: 45] تخلصون عن ظلمات الخلقية وتفوزون بأنوار الحقيقة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ } أي: أخذتم من مال الكفار قهرا بحق، قليلا كان أو كثيرا. { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } أي: وباقيه لكم أيها الغانمون، لأنه أضاف الغنيمة إليهم، وأخرج منها خمسها.فدل على أن الباقي لهم، يقسم على ما قسمه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: للراجل سهم، وللفارس سهمان لفرسه، وسهم له. وأما هذا الخمس، فيقسم خمسة أسهم، سهم للّه ولرسوله، يصرف في مصالح المسلمين العامة، من غير تعيين لمصلحة، لأن اللّه جعله له ولرسوله، واللّه ورسوله غنيان عنه، فعلم أنه لعباد اللّه.فإذا لم يعين اللّه له مصرفا، دل على أن مصرفه للمصالح العامة. والخمس الثاني: لذي القربى، وهم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب.وأضافه اللّه إلى القرابة دليلا على أن العلة فيه مجرد القرابة، فيستوي فيه غنيهم وفقيرهم، ذكرهم وأنثاهم. والخمس الثالث لليتامى، وهم الذين فقدت آباؤهم وهم صغار، جعل اللّه لهم خمس الخمس رحمة بهم، حيث كانوا عاجزين عن القيام بمصالحهم، وقد فقد من يقوم بمصالحهم. والخمس الرابع للمساكين، أي: المحتاجين الفقراء من صغار وكبار، ذكور وإناث. والخمس الخامس لابن السبيل، وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، [وبعض المفسرين يقول إن خمس الغنيمة لا يخرج عن هذه الأصناف ولا يلزم أن يكونوا فيه على السواء بل ذلك تبع للمصلحة وهذا هو الأولى] وجعل اللّه أداء الخمس على وجهه شرطا للإيمان فقال: { إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ } وهو يوم { بدر } الذي فرق اللّه به بين الحق والباطل. وأظهر الحق وأبطل الباطل. { يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } جمع المسلمين، وجمع الكافرين،أي: إن كان إيمانكم باللّه، وبالحق الذي أنزله اللّه على رسوله يوم الفرقان، الذي حصل فيه من الآيات والبراهين، ما دل على أن ما جاء به هو الحق. { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } لا يغالبه أحد إلا غلبه. { إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا } أي: بعدوة الوادي القريبة من المدينة، وهم بعدوته أي: جانبه البعيدة من المدينة، فقد جمعكم واد واحد. { وَالرَّكْبُ } الذي خرجتم لطلبه، وأراد اللّه غيره { أَسْفَلَ مِنْكُمْ } مما يلي ساحل البحر. { وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ } أنتم وإياهم على هذا الوصف وبهذه الحال { لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ } أي: لا بد من تقدم أو تأخر أو اختيار منزل، أو غير ذلك، مما يعرض لكم أو لهم، يصدفكم عن ميعادكم. { وَلَكِنْ } اللّه جمعكم على هذه الحال { لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا } أي: مقدرا في الأزل، لا بد من وقوعه. { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ } أي: ليكون حجة وبينة للمعاند، فيختار الكفر على بصيرة وجزم ببطلانه، فلا يبقى له عذر عند اللّه. { وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } أي: يزداد المؤمن بصيرة ويقينا، بما أرى اللّه الطائفتين من أدلة الحق وبراهينه، ما هو تذكرة لأولي الألباب. { وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } سميع لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، عليم بالظواهر والضمائر والسرائر، والغيب والشهادة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 312 : 18 : 4 - سفين عن ليث عن مجاهد {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} المخيط من الشيء. [الآية 41].
همام الصنعاني
تفسير : 1016- عبد الرزاق، عن معمر، عن عثمان الجرزي، عن مقسم في قوله تعالى {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} [الآية: 41] قال: يوم بدر فَرِّقَ الله بين الحق والباطل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):