٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الليث: يقال: سلخت الشهر إذا خرجت منه، وكشف أبو الهيثم عن هذا المعنى فقال: يقال: أهللنا هلال شهر كذا، أي دخلنا فيه ولبسناه، فنحن نزداد كل ليلة إلى مضي نصفه لباساً منه، ثم نسلخه عن أنفسنا بعد تكامل النصف منه جزءاً فجزءاً، حتى نسلخه عن أنفسنا وأنشد:شعر : إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله كفى قائلاً سلخي الشهور وإهلالي تفسير : وأقول تمام البيان فيه أن الزمان محيط بالشيء وظرف له، كما أن المكان محيط به وظرف له ومكان الشيء عبارة عن السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر ومن الجسم المحوي فإذا انسلخ الشيء من جلده فقد انفصل من السطح الباطن من ذلك الجلد وذلك السطح، وهو مكانه في الحقيقة فكذلك إذا تم الشهر فقد انفصل عن إحاطة ذلك الشهر به، ودخل في شهر آخر، والسلخ اسم لانفصال الشيء عن مكانه المعين، فجعل أيضاً اسماً لانفصاله عن زمانه المعين، لما بين المكان والزمان من المناسبة التامة الشديدة. وأما الأشهر الحرم فقد فسرناها في قوله: {أية : فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } تفسير : [التوبة: 2] وهي يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر، والمراد من كونها حرماً، أن الله حرم القتل والقتال فيها. ثم إنه تعالى عند انقضاء هذه الأشهر الحرم أذن في أربعة أشياء: أولها: قوله: {أية : وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }تفسير : [النساء: 89] وذلك أمر بقتلهم على الإطلاق، في أي وقت، وأي مكان. وثانيها: قوله: {وَخُذُوهُمْ } أي بالأسر، والأخيذ الأسير. وثالثها: قوله: {وَٱحْصُرُوهُمْ } معنى الحصر المنع من الخروج من محيط. قال ابن عباس: يريد إن تحصنوا فاحصروهم. وقال الفراء: حصرهم أن يمنعوا من البيت الحرام. ورابعها: قوله تعالى: {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } والمرصد الموضع الذي يرقب فيه العدو من قولهم: رصدت فلاناً أرصده إذا ترقبته، قال المفسرون: المعنى اقعدوا لهم على كل طريق يأخذون فيه إلى البيت أو إلى الصحراء أو إلى التجارة، قال الأخفش في الكلام محذوف والتقدير: اقعدوا لهم على كل مرصد. ثم قال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلووا سبيلهم} وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية على أن تارك الصلاة يقتل، قال لأنه تعالى أباح دماء الكفار مطلقاً بجميع الطرق، ثم حرمها عند مجموع هذه الثلاثة، وهي التوبة عن الكفر، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فعندما لم يوجد هذا المجموع، وجب أن يبقى إباحة الدم على الأصل. فإن قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد الإقرار بهما واعتقاد وجوبهما؟ والدليل عليه أن تارك الزكاة لا يقتل. أجابوا عنه: بأن ما ذكرتم عدول عن الظاهر، وأما في تارك الزكاة فقد دخله التخصيص. فإن قالوا: لم كان حمل التخصيص أولى من حمل الكلام على اعتقاد وجوب الصلاة والزكاة؟ قلنا: لأنه ثبت في أصول الفقه أنه مهما وقع التعارض بين المجاز وبين التخصيص، فالتخصيص أولى بالحمل. المسألة الثانية: نقل عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقول: في مانعي الزكاة لا أفرق بين ما جمع الله، ولعل مراده كان هذه الآية، لأنه تعالى لم يأمر بتخلية سبيلهم إلا لمن تاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة، فأوجب مقاتلة أهل الردة لما امتنعوا من الزكاة وهذا بين إن جحدوا وجوبها أما إن أقروا بوجوبها وامتنعوا من الدفع إليه خاصة، فمن الجائز أنه كان يذهب إلى وجوب مقاتلتهم من حيث امتنعوا من دفع الزكاة إلى الإمام. وقد كان مذهبه أن ذلك معلوم من دين الرسول عليه السلام كما يعلم سائر الشرائع الظاهرة. المسألة الثالثة: قد تكلمنا في حقيقة التوبة في سورة البقرة في قوله: {أية : فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ }تفسير : [البقرة: 37] روى الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع الرسول أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً، فقال عليه السلام: عرف الحق لأهله فأرسلوه. المسألة الرابعة: قوله: {فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } قيل إلى البيت الحرام، وقيل إلى التصرف في مهماتهم {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن تاب وآمن. وفيه لطيفة وهو أنه تعالى ضيق عليهم جميع الخيرات وألقاهم في جميع الآفات، ثم بين أنهم لو تابوا عن الكفر وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فقد تخلصوا عن كل تلك الآفات في الدنيا، فنرجو من فضل الله أن يكون الأمر كذلك يوم القيامة أيضاً فالتوبة عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل، والصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، وذلك يدل على أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} أي خرج. وسلختُ الشهرَ إذا صرت في أواخر أيامه، تَسْلَخه سلخاً وسلوخاً بمعنى خرجت منه. وقال الشاعر:شعر : إذا ما سلختُ الشهرَ أهللتُ قبله كفى قاتلاً سلخي الشهور وإهلالي تفسير : وٱنسلخ الشهر وٱنسلخ النهار من الليل المقبل. وسلخت المرأة درعها نزعته. وفي التنزيل: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ}تفسير : [ياسين: 37]. ونخلة مِسلاخ، وهي التي ينتثر بُسْرها أخضر. والأشهر الحرم فيها للعلماء قولان: قيل هي الأشهر المعروفة، ثلاثةٌ سَرْدٌ وواحد فَرْد. قال الأصم: أُريد به من لا عَقد له من المشركين؛ فأوجب أن يمسَك عن قتالهم حتى ينسلخ الحُرُم؛ وهو مدة خمسين يوماً على ما ذكره ٱبن عباس؛ لأن النداء كان بذلك يوم النحر. وقد تقدم هذا. وقيل: شهور العهد أربعة؛ قاله مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمرو بن شعيب. وقيل لها حُرُم لأن الله حرّم على المؤمنين فيها دماءَ المشركين والتعرض لهم إلا على سبيل الخير. الثانية ـ قوله تعالى: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} عامٌّ في كل مشرك، لكن السُّنّة خصّت منه ما تقدم بيانه في سورة «البقرة» من ٱمرأة وراهب وصبيّ وغيرهم. وقال الله تعالى في أهل الكتاب: {أية : حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ}تفسير : [التوبة: 29]. إلا أنه يجوز أن يكون لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتاب، ويقتضي ذلك منع أخذ الجزية من عبدة الأوثان وغيرهم، على ما يأتي بيانه. وٱعلم أن مطلق قوله: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} يقتضي جواز قتلهم بأيّ وجه كان؛ إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة. ومع هذا فيجوز أن يكون الصدّيق رضي الله عنه حين قتل أهل الردّة بالإحراق بالنار، وبالحجارة وبالرمي من رؤوس الجبال، والتنكِيس في الآبار، تعلّق بعموم الآية. وكذلك إحراق عليّ رضي الله عنه قوماً من أهل الردّة يجوز أن يكون ميلاً إلى هذا المذهب، وٱعتماداً على عموم اللفظ. والله أعلم. الثالثة ـ قوله تعالى: {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} عامٌّ في كل موضع. وخصَّ أبو حنيفة رضي الله عنه المسجد الحرام؛ كما سبق في سورة «البقرة». ثم اختلفوا؛ قال الحسين بن الفضل: نسخت هذه كلَّ آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء. وقال الضحاك والسدّيّ وعطاء: هي منسوخة بقوله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً}. وأنه لا يُقتل أسير صَبْراً، إما أن يمنّ عليه وإما أن يُفادى. وقال مجاهد وقتادة: بل هي ناسخة لقوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل. وقال ابن زيد: الآيتان محكمتان. وهو الصحيح، لأن المَنّ والقتل والفداء لم يزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أوّل حرب حاربهم، وهو يوم بدر كما سبق. وقوله: {وَخُذُوهُمْ} يدل عليه. والأخذ هو الأسر. والأسر إنما يكون للقتل أو الفداء أو المنّ على ما يراه الإمام. ومعنى {وَٱحْصُرُوهُمْ} يريد عن التصرف إلى بلادكم والدخول إليكم؛ إلا أن تأذنوا لهم فيدخلوا إليكم بأمان. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} المرصد: الموضع الذي يُرقب فيه العدوّ؛ يقال: رصدت فلاناً أرْصُده، أي رَقَبْته. أي ٱقعدوا لهم في مواضع الغِرّة حيث يُرصَدون. قال عامر بن الطُّفَيل:شعر : ولقد علمت وما إخالك ناسياً أن المنيّة للفتى بالمَرْصَد تفسير : وقال عِديّ:شعر : أعاذل إن الجهل من لذة الفتى وإن المنايا للنفوس بمرصد تفسير : وفي هذا دليل على جواز ٱغتيالهم قبل الدعوة. ونصب «كلّ» على الظرف، وهو اختيار الزجاج؛ ويقال: ذهبت طريقاً وذهبت كلَّ طريق. أو بإسقاط الخافض؛ التقدير: في كل مَرْصد وعلى كلّ مرصد؛ فيُجعل المرصد ٱسماً للطريق. وخطّأ أبو عليّ الزجاج في جعله الطريق ظرفاً وقال: الطريق مكان مخصوص كالبيت والمسجد؛ فلا يجوز حذف حرف الجر منه إلا فيما ورد فيه الحذف سماعاً؛ كما حكى سيبويه: دخلت الشام ودخلت البيت؛ وكما قيل:شعر : كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ تفسير : الخامسة ـ قوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ} أي من الشرك. {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} هذه الآية فيها تأمّل؛ وذلك أن الله تعالى علّق القتل على الشرك، ثم قال: «فَإنْ تَابُوا». والأصل أن القتل متى كان للشرك يزول بزواله؛ وذلك يقتضي زوال القتل بمجرّد التوبة، من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ ولذلك سقط القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة والزكاة. وهذا بيّن في هذا المعنى؛ غير أن الله تعالى ذكر التوبة وذكر معها شرطين آخرين، فلا سبيل إلى إلغائهما. نظيره قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أُمِرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عَصَموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»تفسير : . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: والله لأُقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال. وقال ابن عباس: رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه. وقال ابن العربيّ: فٱنتظم القرآن والسنة وٱطّردا. ولا خلاف بين المسلمين أن من ترك الصلاة وسائر الفرائض مستحِلاًّ كفر، ومن ترك السُّنَن متهاوناً فسَق، ومن ترك النوافل لم يَحْرَج؛ إلا أن يجحد فضلها فيكفر، لأنه يصير رادّاً على الرسول عليه السلام ما جاء به وأخبر عنه. وٱختلفوا فيمن ترك الصلاة من غير جَحْد لها ولا استحلال؛ فروى يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت ابن وهب يقول قال مالك: من آمن بالله وصدّق المرسلين وأبى أن يصلّي قُتل؛ وبه قال أبو ثَور وجميع أصحاب الشافعيّ. وهو قول حماد بن زيد ومكحول ووكِيع. وقال أبو حنيفة: يسجن ويضرب ولا يقتل؛ وهو قول ابن شهاب وبه يقول داود بن عليّ. ومن حجتهم قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أُمِرت أن أُقاتلَ الناس حتى يقولوا لا إلۤه إلا الله فإذا قالوا ذلك عَصَموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها»تفسير : . وقالوا: حقّها الثلاث التي قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحلّ دم ٱمرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كُفْرٌ بعد إيمان أو زِنًى بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس»تفسير : . وذهبت جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن من ترك صلاة واحدة متعمِّداً حتى يخرج وقتُها لغير عذر، وأبي من أدائها وقضائها وقال لا أُصلي فإنه كافر، ودَمُه ومالُه حلالان، ولا يرثه ورثته من المسلمين، ويستتاب، فإن تاب وإلا قُتل، وحُكْمُ مالِه كحكم مال المرتدّ؛ وهو قول إسحاق. قال إسحاق: وكذلك كان رأي أهل العلم من لَدُن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا. وقال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: واختلف أصحابنا متى يُقتل تارك الصلاة؛ فقال بعضهم في آخر الوقت المختار، وقال بعضهم آخر وقتِ الضرورة، وهو الصحيح من ذلك. وذلك أن يبقى من وقت العصر أربع ركعات إلى مغيب الشمس، ومن الليل أربع ركعات لوقت العشاء، ومن الصبح ركعتان قبل طلوع الشمس. وقال إسحاق: وذهاب الوقت أن يؤخر الظُّهر إلى غروب الشمس، والمغرب إلى طلوع الفجر. السادسة ـ هذه الآية دالّة على أن من قال: قد تبت أنه لا يجتزأ بقوله حتى ينضاف إلى ذلك أفعاله المحقِّقة للتوبة، لأن الله عز وجل شرط هنا مع التوبة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليحقّق بهما التوبة. وقال في آية الربا: {أية : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ}تفسير : [البقرة: 279]. وقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ} وقد تقدّم معنى هذا في سورة البقرة.
البيضاوي
تفسير : {فَإِذَا ٱنسَلَخَ} انقضى، وأصل الانسلاخ خروج الشيء مما لابسه من سلخ الشاة. {ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها. وقيل هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وهذا مخل بالنظم مخالف للإِجماع فإنه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم إذ ليس فيما نزل بعد ما ينسخها. {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} الناكثين. {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} من حل أو حرم. {وَخُذُوهُمْ } وأسروهم، والأخيذ الأسير. {وَٱحْصُرُوهُمْ} واحبسوهم أو حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام. {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} كل ممر لئلا يتبسطوا في البلاد، وانتصابه على الظرف. {فَإِن تَابُواْ} عن الشرك بالإِيمان. {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ} تصديقاً لتوبتهم وإيمانهم. {فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } فدعوهم ولا تتعرضوا لهم بشيء من ذلك، وفيه دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تعليل للأمر أي فخلوهم لأن الله غفور رحيم غفر لهم ما قد سلف وعدلهم الثواب بالتوبة.
ابن كثير
تفسير : اختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم ههنا ما هي؟ فذهب ابن جرير إلى أنها المذكورة في قوله تعالى: {أية : مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [التوبة: 36]، قاله أبو جعفر الباقر، ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم، وهذا الذي ذهب إليه حكاه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب الضحاك أيضاً، وفيه نظر، والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها بقوله: {فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} ثم قال: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم، وأجلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد في هذه السورة الكريمة. وقوله: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} أي: من الأرض، وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم، بقوله: {أية : وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ} تفسير : [البقرة: 191] وقوله: {وَخُذُوهُمْ} أي: وأسروهم إن شئتم قتلاً، وإن شئتم أسراً، وقوله: {وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم، وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم، حتى تضيقوا عليهم الواسع، وتضطروهم إلى القتل، أو الإسلام، ولهذا قال: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ولهذا اعتمد الصديق رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي الدخول في الإسلام، والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها؛ فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق الله عز وجل، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيراً ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة. وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» تفسير : الحديث، وقال أبو إسحاق: عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك، فلا صلاة له، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة، وقال: يرحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه! وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا حميد الطويل عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم» تفسير : ورواه البخاري في صحيحه، وأهل السنن إلا ابن ماجه، من حديث عبد الله بن المبارك به، وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته، لا يشرك به شيئاً، فارقها والله عنه راض» تفسير : قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل، قال الله تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: {أية : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءٰاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} تفسير : [التوبة: 11] ورواه ابن مردويه، ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة له: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا حكام بن سلم، حدثنا أبو جعفر الرازي به سواء، وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم: إنها نسخت كل عهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين وكل عقد وكل مدة، وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت براءة، وانسلاخ الأشهر الحرم، ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر، من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول شهر ربيع الآخر، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال: أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما كان سمي لهم من العهد والميثاق، وأذهب الشرط الأول. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: قال سفيان بن عيينة: قال علي بن أبي طالب: بعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف: سيف في المشركين من العرب، قال الله تعالى: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} هكذا رواه مختصراً، وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: {أية : قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ} تفسير : [التوبة: 29] والسيف الثالث قتال المنافقين في قوله: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ} تفسير : [التوبة: 73]، والرابع قتال الباغين في قوله: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحجرات: 9] ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه، فقال الضحاك والسدي: هي منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} تفسير : [محمد: 4] وقال قتادة بالعكس.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِذَا ٱنسَلَخَ } خرج {ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ } وهي آخر مدة التأجيل {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } في حِلٍّ أو حرم {وَخُذُوهُمْ } بالأسر {وَٱحْصُرُوهُمْ } في القلاع والحصون حتى يضطروا إلى القتل أو الإِسلام {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } طريق يسلكونه، ونصب «كلَّ» على نزع الخافض {فَإِن تَابُواْ } من الكفر {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } ولا تتعرضوا لهم {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن تاب.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ} رجب وذو القعده وذو الحجة والمحرم عند الجمهور، أو أشهر السياحة عشرون من ذي الحجة إلى العشر من ربيع الآخر، قاله الحسن ـ رضي الله عنه ـ {وَجَدتُّمُوهُمْ} في حل أو حرم، أو في أشهر الحرم وغيرها. {وَخُذُوهُمْ} الواو بمعنى "أو" خذوهم أو تقديره: "فخذوا المشركين حيث وجدتموهم واقتلوهم" مقدم ومؤخر. {وَاحْصُرُوهُمْ} بالاسترقاق، أو بالفداء. {كُلَّ مَرْصَدٍ} اطلبوهم في كل مكان، فالقتل إذا وجدوا والطلب إذا بعدوا، أو افعلوا بهم كل ما أرصده الله لهم من قتل أو استرقاق أو مَنٍّ، أو فداء. {تَابُواْ} أسلموا {وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ} أدّوها، أو اعترفوا بها {وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ} اعترفوا بها لا غير إذ لا يُقتل تاركها لا بل تُؤخذ منه قهراً.
الثعالبي
تفسير : قوله سبحانه: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ }: ٱلانسِلاخ: خروجُ الشيء عن الشيء المتلبِّس به؛ كٱنسلاخ الشاة عن الجِلْدِ، فشبه ٱنصرَامَ الأشهر بذلك. وقوله سبحانه: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ...} الآية: قال ابن زَيْد: هذه الآية، وقوله سبحانه: { أية : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } تفسير : [محمد:4]: هما مُحْكَمَتان؛ أي: ليستْ إِحداهما بناسخةٍ للأخرى. قال * ع *: هذا هو الصواب. وقوله: {وَخُذُوهُمْ } معناه: الأسْر. وقوله: {كُلَّ مَرْصَدٍ }: معناه: مواضع الغرَّة؛ حيث يرصدون ونصب «كُلَّ» على الظرف أو بإسقاط الخافِضِ، التقدير: في كُلِّ مَرْصَدةٍ. وقوله: {فَإِن تَابُواْ}، أي: عن الكُفْر. وقوله سبحانه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ }، أي: جَلَبَ منك عهداً وجواراً يأمن به، {حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ }، يعني القُرْآن، والمعنى: يفهم أحكامه، قال الحسن: وهذه آية محكمة؛ وذلك سُنَّة إِلى يوم القيامة. وقوله سبحانه: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ...} الآية: قال ابنُ إسحاق: هي قبائلُ بني بَكْر؛ كانوا دخلوا وقْتَ الحديبية في العهد، فأُمِرَ المسلمون بإِتمام العَهْدِ لمن لم يكُنْ نَقَضَ منهم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} الآية. قال الليثُ "يقال سلختُ الشهر: إذا خرجت منه". و "الانسلاخُ" هنا من أحسن الاستعارات، وقد بيَّن ذلك أبو الهيثم، فقال: "يقال: أهْللنا شهر كذا، أي: دخلنا فيه، فنحنُ نزداد كلَّ ليلةٍ منه إلى مضيِّ نصفه لباساً، ثم نسلخه عن أنفسنا جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي وينسلخ"؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 2744- إذا مَا سَلخْتُ الشَّهْرَ أهلَلتُ مِثلهُ كَفَى قَاتِلاً سَلْخِي الشُّهُورَ وإهْلالِي تفسير : والألف واللام في "الأشهر" يجوز أن تكون للعهد، والمراد بها: الأشهرُ المتقدمة في قوله: {أية : فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}تفسير : [التوبة:2]، والعربُ إذا ذكرت نكرة، ثم أرادت ذكرها ثانياً أتت بضميره؛ أو بلفظه مُعرَّفاً بـ "أل"، ولا يجوز حينئذ أن نصفهُ بصفةٍ تُشْعر بالمغايرة، فلو قيل: "رأيت رجلاً، فأكرمتُ الرَّجل الطَّويل" لمْ تُرد بالثَّاني الأول وإن وصفته بما لا يقتضي المغايرة جاز، كقولك: فأكرمت الرجل المذكور، ومنه هذه الآية، فإنَّ "الأشهر" قد وصفت بـ "الحُرُم"، وهي صفةٌ مفهومة من فحوى الكلام فلم تقتض المغايرة، ويجوزُ أن يراد بها غيرُ الأشهر المتقدمة، فلا تكون "أل" للعهد وقد ذكر المفسرون الوجهين. قالوا: المرادُ بالأشهر الحرم: الأربعة، رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. وقال مجاهدٌ وابن إسحاق: "هي شهور العهد فمن كان له عهد فعهده أربعة أشهر، ومن لا عهد له فأجله إلى انقضاء المحرم خمسون يوماً". وقيل لها حرم: لأنَّ الله حرَّم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتَّعرض لهم. فإن قيل: هذا القدر بعض الأشهر الحرم، واللهُ تعالى يقول: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ}. قيل: لمَّا كان القدر متصلاً بما مضى أطلق عليه اسم الجمع، ومعناه: مضت المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ الأشهر الحرم. قوله {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}. اعلم أنَّه تعالى أمر بعد انقضاءِ الأشهر الحرم بأربعة أشياء: أولها: قوله: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي: على الإطلاق في أي وقت كان في الحل أو الحرمِ. وثانيها: "وَخُذُوهُمْ" أي: أسروهم. وثالثها: "وَٱحْصُرُوهُمْ" والحصر: المنع، أي: امنعوهم من الخروج إن تحصنوا، قاله ابن عباس. وقال الفرَّاءُ "امنعوهم من دخول مكَّة والتَّصرف في بلاد الشام". ورابعها: قوله {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}. في انتصاب "كل" وجهان: أحدهما: أنه منصوبٌ على الظرف المكاني. قال الزجاج "نحو: ذهبت مذهباً". وردَّ عليه الفارسيُّ هذا القول من حيث إنَّه ظرف مكان مختص، والمكانُ المختصُّ لا يصلُ إليه الفعلُ بنفسه بل بواسطة؛ في نحو: صَلَّيْتُ في الطريق وفي البيت، ولا يصل بنفسه إلاَّ في ألفاظٍ محصورةٍ بعضها ينقاس، وبعضها يسمع، وجعل هذا نظير ما فعل سيبويه في بيت ساعدة: [الكامل] شعر : 2745- لَدْنٌ بِهزِّ الكفِّ يعْسِلُ متنهُ فيهِ كما عسل الطَّريقَ الثَّعْلَبُ تفسير : وهو أنَّهُ جعله ممَّا حذف فيه الحرفُ اتِّساعاً، لا على الظرف، لأنه ظرف مكان مختص. قال أبو حيَّان "إنه ينتصبُ على الظرف؛ لأنَّ معنى "واقعُدُوا" لا يراد به حقيقةُ القعود، وإنما يراد: ارصدوهم، وإذا كان كذلك فقد اتفق العامل والظرف في المادة، ومتى اتفقا في المادة لفظاً، أو معنًى، وصل إليه بنفسه، تقول: جلست مجلس القاضي، وقعدت مجلس القاضي، والآيةُ من هذا القبيل". والثاني: أنه منصوبٌ على إسقاط حرف الجر، وهو "على"، أي: على كلِّ مرصد قاله الأخفشُ، وجعله مثل قول الآخر: [الطويل] شعر : 2746- تَحِنُّ فتبدي مَا بِهَا مِنْ صبابَةٍ وأخْفِي الذي لَوْلاَ الأسَى لَقَضانِي تفسير : وهذا لا ينقاس، بل يقتصر فيه على السَّماع، كقوله: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ}تفسير : [الأعراف:16]، أي: على صراطك، اتفق الكل على تقدير "على"، وقال بعضهم: هو على تقدير الباء، أي: بكل مرصد، نقله أبو البقاء، وحينئذٍ تكون الباء بمعنى "في" فينبغي أن تقدَّر "في" لأنَّ المعنى عليها؛ وجعله نظير قول الشاعر: [الوافر] شعر : 2747- نُغَالِي اللَّحْمَ للأَضْيَافِ نَيْئاً ونُرخِصُهُ إذا نَضِجَ القُدورُ تفسير : و "المَرصدُ" مفعل من: رصَدَه يَرصُدُه، أي: رقَبَهُ يَرْقُبُه، وهو يصلُح للزَّمان والمكان والمصدر، قال عامر بن الطُّفيل: [الكامل] شعر : 2748- ولقدْ عَلمْتَ ومَا إخالُكَ نَاسِياً أنَّ المنيَّة للْفَتَى بالمَرْصَدِ تفسير : والمِرْصَادُ: المكانُ المختص بالترصُّد، والمرصد: يقع على الرَّاصد، سواءً كان مفرداً أم مثنى أم مجموعاً، وكذلك يقع على "المرصُودِ". وقوله تعالى: {أية : فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً}تفسير : [الجن:27] يحتمل كلَّ ذلك؛ وكأنَّهُ في الأصل مصدر، فلذلك التزم فيه الإفرادُ والتذكيرُ. ومعنى الآية: اقعدوا لهم على كلِّ طريق - والمرصدُ: الموضعُ الذي يرقب فيه العدو يريد: كونُوا لهم رصداً، لتأخذوهم من أي وجه توجهوا. قوله: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} أي: دعوهم ليتصرفوا في أمصارهم، ويدخلوا مكَّة "إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ" لمن تاب "رَحيمٌ" به. واحتجُّوا بهذه الآية على قتل تارك الصَّلاة؛ لأنَّ اللهَ تعالى أباح دم الكفَّار مطلقاً ثم حرَّمها عند التوبة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإذا لم توجد الثلاثة، فإباحة الدَّم بحالها. قال الحسينُ بن الفضلِ: "هذه الآية تنسخ كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصَّبر على أذى الأعداء". قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} الآية. روى ابن عباس: أنَّ رجلاً من المشركين قال لعليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -: إن أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله، أو لحاجة أخرى، فهل نقتل؟ فقال عليٌّ - رضي الله عنه -: "لا" لأنَّ الله قال: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} أي: فأمنه حتى يسمع كلام اللهِ. فتقرير النظم: أنه لما أوجب بانسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين، دلَّ ذلك على أن حجة الله تعالى قد قامت عليهم، وأن ما ذكره عليه الصَّلاة والسَّلام قبل ذلك من الدلائل كفى في إزاحة عذرهم، وذلك يقتضي أن أحداً من المشركين لو طلب الدَّليل والحجة لا يلتفت إليه، بل يطالب إمَّا بالإسلام، وإمَّا بالقتل، فذكر الله تعالى هذه الآية إزالة لهذه الشبهة، وبيَّن أنَّ الكافر إذا جاء طالباً الدَّليل والحجة، أو طالباً لاستماع القرآن، فإنَّه يجب إمهاله ويحرم قتله. قوله: {وَإِنْ أَحَدٌ} كقوله {أية : إِنِ ٱمْرُؤٌ هَلَكَ}تفسير : [النساء:176] في كونه من باب الاشتغال عند الجمهور. قال ابنُ الخطيب: "أَحَدٌ" مرتفع بفعل مضمر يفسِّرهُ الظَّاهرُ، وتقديره: "وإن استجارك أحد، ولا يجُوز أن يرتفع بالابتداء، لأنَّ "إنْ" من عوامل الفعل لا تدخل على غيره". قوله "حتَّى يسمَعَ" يجوز أن تكون هنا للغاية، وأن تكون للتَّعليلِ، وعلى كلا التقديرين تتعلَّق بقوله "فَأجِرهُ"، وهل يجُوزُ أن تكون هذه المسألةُ من باب التَّنازع أم لا؟ وفيه غموضٌ، وذلك أنَّه يجوز من حيث المعنى أن تعلَّق "حتَّى" بقوله "استجاركَ"، أو بقوله "فأجرهُ" إذ يجوز تقديره: وإن استجارك أحدٌ حتَّى يسمع كلام اللهِ فأجرهُ، حتَّى يسمع كلام الله. والجوابُ أنه لا يجوزُ عند الجمهور، لأمر لفظي من جهة الصناعة لا معنوي، فإنَّا لو جعلناه من التَّنازع، وأعملنا الأوَّل مثلاً، لاحتاج الثَّاني إليه مضمراً على ما تقرَّر، وحينئذٍ يلزمُ أنَّ "حتَّى" تجرُّ المضمر، و "حتَّى" لا تجرُّهُ إلاَّ في ضرورة شعر كقوله: [الوافر] شعر : 2749- فَلا واللهِ لا يَلْقَى أنَاسٌ فتًى حتَّاكَ يا ابْنَ أبي يزيدِ تفسير : وأمَّا عند من يُجيزُ أن تجرَّ المضمر؛ فلا يمتنع ذلك عندهُ، ويكون من إعمال الثَّاني لحذفه، ويكون كقولك: فَرحْتُ ومررتُ بزيدٍ، أي: فرحْتُ به، ولو كان مِنْ إعمالِ الأوَّلِ لمْ يحذفْهُ من الثَّاني، وقوله: "كَلاَمَ ٱللَّهِ" من بابِ إضافة الصِّفةِ لموصوفها، لا من بابِ إضافة المخلوقِ للخالِقِ، و "مَأْمنَهُ" يجوزُ أن يكون مكاناً، أي: مكان أمنه، وأن يكون مصدراً، أي: ثُمَّ أبلغْه أْمْنَهُ. فصل في المراد من الآية معنى الآية: وإن استجاركَ أحدٌ من المشركينَ الذين أمرتكَ بقتالهم وقتلهم أي: استأمنك بعد انسلاخ الأشهر الحرم، ليسمع كلام الله "فأجرهُ"، وأمنه "حتَّى يسمع كلام الله" فيما له وعليه من الثواب والعقاب. "ثُمَّ أَبلغهُ مأمنهُ" أي: إن لم يسلم أبلغه الموضع الذي يأمنُ فيه، وهو دار قومه، فإن قاتلك بعد ذلك، وقدرت عليه فاقتله. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ}، لا يعلمون دين الله وتوحيده، فهم محتاجون إلى سماع كلام الله. قال الحسنُ "هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة". فصل قالت المعتزلةُ: هذه الآية تدلُّ على أنَّ كلام اللهِ يسمعه الكافرُ، والمؤمنُ، والزنديقُ، والصديق والذي يسمعه جمهور الخلق؛ ليس إلاَّ هذه الحروف والأصوات، فدلَّ ذلك على أنَّ كلام اللهِ ليس إلاَّ هذه الحروف والأصوات، ثمَّ من المعلوم بالضرورة، أنَّ الحروف والأصوات لا تكون قديمة، لأنَّ تكلم الله بهذه الحروف، إمَّا أن يكون معاً، أو على الترتيب، فإن تكلَّم بها معاً لم يحصل منه هذا الكلام المنتظم؛ لأن الكلام لا يحصل مُنتظماً إلا عند دخول هذه الحروف في الوجودِ على التعاقب، فلو حصلت معاً، لما حصل الانتظام، فلم يحصل الكلام، وإن حصلت متعاقبةً؛ لزم أن ينقضي المتقدم، ويحدث المتأخر، وذلك يوجب الحدوث، فدلَّ هذا على أنَّ كلام الله مُحدثٌ - قالوا فإن قلتم: إنَّ كلام الله شيءٌ مغايرٌ لهذه الحروف والأصوات فهو باطلٌ؛ لأن الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - ما كان يشير بقوله {كَلاَمَ ٱللَّهِ} [التوبة:6] إلا إلى هذه الحروف والأصوات. وقال آخرون: ثبت بهذه الآية أنَّ كلام الله ليس إلاَّ هذه الحروف والأصوات، وثبت أن كلام الله قديمٌ، فوجب القولُ بقدم الحروف والأصوات. وقال ابنُ فورك: "إنا إذا سمعنا هذه الحروف والأصوات، فقد سمعنا مع ذلك كلام الله تعالى". وأنكروا عليه هذا القول؛ لأنَّ الكلام القديم، إمَّا أن يكون نفس هذه الحروف والأصوات، وإمَّا أن يكون شيئاً آخر مغايراً لها. والأول قول الزجاج، وهو باطلٌ، لأنَّ ذلك لا يليقُ بالعقلاء. والثاني باطلٌ، لأنَّا على هذا التقدير، لمَّا سمعنا هذه الحروف والأصوات، فقد سمعنا شيئاً آخر يخالفُ ماهيَّة هذه الحروف والأصوات لكنَّا نعلم بالضرورةِ أنا عند سماع هذه الحروف والأصوات لم نسمع شيئاً آخر سواها ولم يدرك سمعنا شيئاً مغايراً لها، فسقط هذا الكلام. والجواب عن كلام المعتزلة: أن يقال هذا الذي نسمعه ليس عين كلام الله على مذهبكم؛ لأنَّ كلام الله، ليس الحروف والأصوات التي خلقها أولاً، بل تلك الحروف والأصوات انقضت، وهذه التي نسمعها حروف وأصوات فعلها الإنسان، فما ألزمتموه علينا فهو لازم عليكم. فصل قال الفقهاءُ: إذا دخل الكافر الحربي دار الإسلامِ، كان مَغْنُوماً مع ماله، إلاَّ أن يدخل مستجيراً لغرض شرعي، كاستماع كلام الله رجاء الإسلام، أو دخل لتجارة، فإن دخل بأمان صبي أو مجنون، فأمانهما شبهة أمان؛ فيجب تبليغه مأمنه، وهو أن يبلغ مَحْرُوساً في نفسه وماله إلى مكانه الذي هو مأمن له، ومن دخل منهم دار الإسلام رسُولاً، فالرسالة أمانٌ، ومن دخل ليأخذ مالاً له في دار الإسلام، ولماله أمان، فأمان ماله أمان له. {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ} الآية. في خبر "يكون" ثلاثةُ أوجهٍ: أظهرها: أنَّهُ "كيف"، و "عَهْدٌ" اسمُها والخبر هنا واجبُ التقديم، لاشتماله على ما لهُ صدر الكلام، وهو الاستفهامُ، بمعنى الاستنكار، كقولك: كيف يُسْتفتَى مثلك؟ أي: لا ينبغي أن يستفتى. و "للمشركين" على هذا يتعلق إمَّا بـ "يكُونُ"، عند من يجيزُ في "كانَ" أن تعمل في الظَّرف وشبهه، وإمَّا بمحذوفٍ، على أنَّها صفةٌ لـ "عَهْدٌ"، في الأصلِ، فلمَّا قُدِّمتْ نصبت حالاً، و "عِند" يجوز أن تكون متعلقةً بـ "يكون" أو بمحذوفٍ على أنها صفةٌ لـ "عَهْدٌ" أو متعلقة بنفس "عَهْدٌ" لأنه مصدرٌ. والثاني: أن يكون الخبرُ "للمشركين"، و "عند" على هذا فيها الأوجه المتقدمة، ويزيد وجهاً رابعاً وهو أنه يجوزُ أن يكون ظرفاً للاستقرار الذي تعلَّق به "للمُشركين". والثالث: أن يكون الخبرُ "عِندَ اللهِ"، و "للمُشركينَ" على هذا إمَّا تبيين، وإمَّا متعلقٌ بـ "يكون" عند من يُجيز ذلك - كما تقدَّم - وإمَّا حالٌ من "عَهْدٌ". وإمَّا متعلقٌ بالاستقرار الذي تعلَّق به الخبر، ولا يبالى بتقديم معمولِ الخبر على الاسم لكونه حرف جرّ، "كَيْفَ" على هذين الوجهين مُشْبهةٌ بالظَّرفِ، أو بالحال، كما تقدَّم تحقيقه في: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ}تفسير : [البقرة:28]. ولمْ يذكُرُوا هنا وجْهاً رابعاً - وكان ينبغي أن يكون هو الأظهر - وهو أن يكون الكونُ تاماً، بمعنى: كيف يوجدُ عهدٌ للمشركينَ عند اللهِ؟ والاستفهام هنا بمعنى النَّفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء بـ "إلاَّ" ومن مجيئه بمعنى النفي أيضاً قوله: شعر : 2750- فَهَذِي سُيوفٌ يا صُدَيُّ بن مالكٍ كثيرٌ، ولكنْ كيف بالسَّيْفِ ضَارِبُ تفسير : أي: ليس ضاربٌ بالسَّيْفِ، وفي الآية محذوفٌ تقديره: كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر فيما وقع من العهد. قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} في الاستثناء وجهان: أحدهما: أنَّهُ منقطعٌ، أي: لكن الذين عاهدتم، فإنَّ حكمهم كيت وكيت. والثاني: أنَّهُ متَّصلٌ، وفيه حينئذٍ احتمالان: أحدهما: أنَّهُ منصوبٌ على أصْلِ الاستثناء من المُشركينَ. والثاني: أنه مجرورٌ على البدل منهم؛ لأنَّ معنى الاستفهام المتقدم نفيٌ، أي: ليس يكونُ للمشركين عهدٌ إلا للذين لم ينكُثوا، وقياسُ قول أبي البقاءِ فيما تقدَّم أن يكون مرفوعاً بالابتداء، والجملةُ من قوله "فَمَا ٱسْتَقَامُواْ" خبره. فصل معنى الآية: أي: لا يكون لهم عهد عند الله، ولا عند رسوله وهم يغدرون، وينقضون العهد، ثم استثنى فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. قال ابنُ عباسٍ: "هُمْ قُريْش". وقال قتادة "هم أهلُ مكَّة الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحُديبيةِ". قال تعالى: {فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ} أي: على العهد {فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} [يعني ما أقاموا على العهد ثم إنهم لم يستقيموا] ونقضوا العهد، وأعانوا بني بكر على خزاعة، فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح أربعة أشهر يختارون من أمرهم، وإمَّا أن يلحقوا بأي بلاد شاءوا، فأسلموا قبل الأربعة أشهر. وقال السدي والكلبي وابن إسحاق: إنهم قبائل من بني بكر وهم خزيمةُ، وبنو مدلج من ضمرة، وبنو الديل، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية ولم يكن نقض إلاَّ قريش، وبنو الديل من بكرٍ؛ فأمر بإتمام العهد لمنْ لم ينقض وهو بنو ضمرة، وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ لأنَّ هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكَّة؛ لأنَّ بعد الفتح كيف يقول قد مضى: {فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ}. وإنَّما هم الذين قال الله - عزَّ وجلَّ - فيهم: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً}تفسير : [التوبة:4] كما نقصكم قريش، ولم يظاهروا عليكم كما ظاهرت قريش بني بكر على خزاعة، وهم حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله "فَمَا ٱسْتَقَامُواْ" يجوزُ في "ما" أن تكون مصدرية ظرفيةً، وهي محلِّ نصب على ذلك أي: فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، ويجوزُ أن تكون شرطيةً، وحينئذٍ ففي محلِّها وجهان: أحدهما: أنَّها في محلِّ نصب على الظَّرف الزماني، والتقدير: أيَّ زمانٍ استقاموا لكم فاستقيموا لهم، ونظَّره أبو البقاءِ بقوله: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا}تفسير : [فاطر:2]. والثاني: أنها في محلِّ رفع بالابتداء، وفي الخبر الأقوال المشهورة، و "فاستقيمُوا لهُم" جواب الشرط، وقد نحا إليه الحوفيُّ، ويحتاجُ إلى حذف عائد، أي: أي زمانٍ استقاموا لكم فاستقيموا لهم، وقد جوَّز ابنُ مالكٍ في "ما" المصدرية الزمانية أن تكون شرطية جازمة، وأنشد على ذلك: [الطويل] شعر : 2751- فَمَا تَحْيَ لا تَسْأمْ حَيَاةٌ وإنْ تَمُتْ فَلا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا ولا العَيْشِ أَجْمَعَا تفسير : ولا دليل فيه، لأنَّ الظاهر الشرطيةُ من غير تأويلٍ بمصدريَّة وزمانٍ. قال أبُو البقاءِ: "ولا يجوز أن تكون نافيةً، لفساد المعنى، إذ يصير المعنى استقيموا لهم؛ لأنَّهم لم يستقيموا لكم". ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} أي: من اتقى الله فوفى بعهده لمن عاهده.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} قال: هي الأربعة عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرون من شهر ربيع الآخر. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} قال: عشر من ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، سبعون ليلة. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} قال: هي الأربعة التي قال {أية : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} تفسير : [براءة: 2]. وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم...} الآية. قال: كان عهد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش أربعة أشهر بعد يوم النحر، كانت تلك بقية مدتهم ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا مضى هذا الأجل أن يقاتلهم في الحل والحرم وعند البيت، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال: كل آية في كتاب الله تعالى فيها ميثاق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين، وكل عهد ومدة نسخها سورة براءة {خذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {واحصروهم} قال: ضيِّقوا عليهم {واقعدوا لهم كل مرصد} قال: لا تتركوهم يضربون في البلاد ولا يخرجون التجارة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه قال: الرباط في كتاب الله تعالى {واقعدوا لهم كل مرصد} . وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس في قوله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ثم نسخ واستثنى فقال {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} وقال {أية : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} تفسير : [التوبة: 6]. أما قوله تعالى: {فإن تابوا} الآية. أخرج ابن ماجه ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الربيع بن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من فارق الدنيا على الإِخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فارقها والله عنه راض" تفسير : ، قال أنس رضي الله عنه: وهو دين الله الذي جاءت به الرسل، وبلغوه عن ربهم من قبل هوج الأحاديث واختلاف الأهواء. قال أنس: وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى في آخر ما أنزل {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} قال: حرمت هذه دماء أهل القبلة. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} قال: فإنما الناس ثلاثة نفر. مسلم عليه الزكاة، ومشرك عليه الجزية، وصاحب حرب يأتمن بتجارته إذا أعطى عشر ماله. وأخرج الحاكم وصححه عن مصعب بن عبد الرحمن عن أبيه رضي الله عنه قال: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ثم انصرف إلى الطائف فحاصرهم ثمانية أو سبعة، ثم ارتحل غدوة وروحة، ثم نزل ثم هجر، ثم قال "حديث : أيها الناس إني لكم فرط، وإني أوصيكم بعترتي خيراً موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن عليكم رجلاً مني أو كنفسي فليضربن أعناق مقاتلهم وليسبين ذراريهم، فرأى الناس أنه يعني أبا بكر أو عمر رضي الله عنهما، فأخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: هذا ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن الربيع الظفري رضي الله عنه - وكانت له صحبة - قال "حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل من أشجع تؤخذ صدقته، فجاءه الرسول فرده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فإن لم يعط صدقته فاضرب عنقه ".
ابو السعود
تفسير : {فَإِذَا ٱنسَلَخَ} أي انقضى، استُعير له من الانسلاخ الواقعِ بـين الحيوان وجلدِه والأغلبُ إسناده إلى الجلد، والمعنى إذا انقضى {ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} وانفصلت عما كانت مشتملةً عليه ساترةً له انفصالَ الجلدِ عن الشاة وانكشف عنه انكشافَ الحجاب عما وراءَه كما ذكره أبو الهيثم من أنه يقال: أهلَلْنا شهرَ كذا أي دخلنا فيه ولبِسناه فنحن نزداد كلَّ ليلة لباساً منه إلى مُضيِّ نصفِه ثم نسلَخُه عن أنفسنا جزءاً فجزءاً حتى نسلَخَه عن أنفسنا كلَّه فينسلِخ وأنشد: شعر : إذا ما سلختُ الشهرَ أهلَلْتُ مثلَه كفى قاتلاً سَلْخي الشهورَ وإهلالي تفسير : وتحقيقُه أن الزمانَ محيطٌ بما فيه من الزمانيات مشتملٌ عليه اشتمالَ الجلد للحيوان وكذا كلُّ جزءٍ من أجزائه الممتدة من الأيام والشهورِ والسنين فإذا مضى فكأنه انسلخ عما فيه، وفيه مزيدُ لطفٍ لما فيه من التلويح بأن تلك الأشهرَ كانت حِرْزاً لأولئك المعاهَدين عن غوائل أيدي المسلمين فنيط قتالُهم بزوالها والمرادُ بها إما ما مر من الأشهر الأربعةِ فقط، ووضعُ المظهر موضعَ المضمرِ ليكون ذريعةً إلى وصفها بالحُرمة تأكيداً لما يُنبىء عنه إباحةُ السياحةِ من حرمة التعرضِ لهم مع ما فيه من مزيد الاعتناءِ بشأنها، أو هي مع ما فُهم من قوله تعالى: {أية : فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} تفسير : من تتمة مدةٍ بقِيَتْ لغير الناكثين فعلى الأول يكون المرادُ بالمشركين في قوله تعالى: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} الناكثين خاصةً فلا يكون قتالُ البالغين مفهوماً من عبارة النصِّ من دِلالته، وعلى الثاني مفهوماً من العبارة إلا أنه يكون الانسلاخُ وما نيط به من القتال حينئذ شيئاً فشيئاً لا دفعةً واحدةً كأنه قيل: فإذا تم ميقاتُ كلِّ طائفةٍ فاقتُلوهم، وحملُها على الأشهر المعهودةِ الدائرةِ في كل سنة لا يساعده النظمُ الكريمُ، وأما أنه يستدعي بقاءَ حُرمةِ القتالِ فيها ـ إذ ليس فيما نزل بعدُ ما ينسخها ـ فلا اعتدادَ به لا لأنها نُسخت بقوله تعالى: {أية : وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } تفسير : [الأنفال: 39] كما تُوهم فإنه رجمٌ بالغيب لأنه إن أريد به ما في سورة الأنفال فإنه نزل عَقيبَ غزوةِ بدرٍ وقد صح أن المرادَ بالذين كفروا في قوله تعالى: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الأنفال: 38] أبو سفيانَ وأصحابُه وقد أسلم في أواسط رمضانَ عام الفتحِ سنة ثمانٍ وسورةُ التوبةِ إنما نزلت في شوالٍ سنةَ تِسعٍ وإن أريد ما في سورة البقرة فإنه أيضاً نزل قبل الفتح كما يعرب عنه ما قبله من قوله تعالى: {أية : وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}تفسير : [البقرة: 191] أي من مكة وقد فعل ذلك يوم الفتح فكيف يُنسخ به ما ينزِل بعده؟ بل لأن انعقادَ الإجماعِ على انتساخها كافٍ في الباب من غير حاجةٍ إلى كون سندِه منقولاً إلينا. وقد صح أن النبـيَّ صلى الله عليه وسلم حاصرَ الطائفَ لعشرٍ بقِين من المحرم {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} من حِلّ وحِرْم {وَخُذُوهُمْ} أي أْسِروهم والأَخيذُ: الأسير {وَٱحْصُرُوهُمْ} أي قيّدوهم أو امنعوهم من التقلب في البلاد. قال ابن عباس رضي الله عنهما: حِيلوا بـينهم وبـين المسجدِ الحرام {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} أي كلَّ ممرٍ ومُجتازٍ يجتازون منه في أسفارهم، وانتصابُه على الظرفية أي ارصُدوهم وارقبُوهم حتى لا يُمرّوا به، وفائدتُه على التفسير الثاني دفعُ احتمالِ أن يُراد بالحصر المحاصرةُ المعهودة. {فَإِن تَابُواْ} عن الشرك بالإيمان بعد ما اضطُرّوا بما ذكر من القتل والأسر والحصر {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} تصديقاً لتوبتهم وإيمانِهم، واكُتفى بذكرهما عن ذكر بقيةِ العبادات لكونهما رأسَي العباداتِ البدنية والمالية {فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} فدعوهم وشأنَهم ولا تتعرَّضوا لهم بشيء مما ذكر {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر ويثبتهم بإيمانهم وطاعاتِهم وهو تعليل للأمر بتخلية السبـيل.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ}. يريد إذا انسلخ الحُرُمُ فاقتلوا مَنْ لا عهدَ له من المشركين، فإنَّهم - وإن لم يكن لهم عهد وكانوا حُرُماً - جعل لهم الأمانَ في مدة هذه المُهلَة، (....) فكرتم يأمر بترك قتال مَنْ أَبَى كيف يرضى بقطع وصال مَنْ أَتَى؟! قوله جلّ ذكره: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}. أَمَرَهم بمعالجة جميع أنواع القتال مع الأعداء. وأَعْدَى عدوِّك نَفْسُكَ التي بين جَنْبَيْك؛ فسبيلُ العبدِ في مباشرة الجهاد الأكبر مع النَّفْس بالتضييق عليها بالمبالغة في جميع أنواع الرياضات، واستفراغ الوسع في القيام بصدق المعاملات. ومِنْ تلك الجملة ألا ينزلَ بساحات الرُّخَصِ والتأويلات، ويأخذَ بالأشقِّ في جميع الحالات. قوله جلّ ذكره: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. حقيقة التوبة الرجوعُ بالكلية من غير أن تتركَ بقية. فإِذا أَسْلَم الكافرُ بعد شِرْكه، ولم يُقَصِّرْ في واجبٍ عليه من قِسْمَىْ فِعله وتَرْكِه، حَصَلَ الإذنُ في تَخْلِيَةِ سبيله وفكِّه: شعر : إن وَجَدْنَا لِمَا ادَّعَيْتَ شهوداً لم تَجدْ عندنا لحقٍّ حدودا تفسير : وكذلك النَّفْسُ إذا انخنست، وآثارُ البشرية إذا انْدَرَسَتْ، فلا حَرَجَ - في التحقيق - في المعاملات في أوان مراعاة الخطرات مع الله عند حصول المكاشفات. والجلوسُ مع الله أَوْلَى من القيام بباب الله تعالى، قال تعالى فيما ورد به الخبر: "حديث : أنا جليس مَنْ ذكرني ".
اسماعيل حقي
تفسير : {فاذا انسلخ} اى انقضى استعير له من الانسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده {الاشهر الحرم} وانفصلت عما كانت مشتملة عليه ساترة له انفصال الجلد عن الشاة وانكشفت عنه انكشاف الحجاب عما وراءه وتحقيقه ان الزمان محيط بما فيه من الزمانيات مشتمل عليه اشتمال الجلد للحيوان وكذا كل جزء من اجزائه الممتدة من الايام والشهور والسنين فاذا مضى فكأنه انسلخ عما فيه ووصفت الاشهر بالحرم وهى جمع حرام لان الله تعالى حرم فيها القتال وهى شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم التى ابيح للناكثين ان يسيحوا فيها لا الاشهر الدائرة فى كل سنة وهى رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لان نظم الاية يقتضى توالى الاشهر المذكورة وهذه ليست كذلك لان ثلاثة منها سرد وواحد فرد {فاقتلوا المشركين} الناكثين ابد الآباد. فهذه الآية ناسخة لكل آية فى القرآن فيها ذكر الاعراض عن المشركين والصبر على ايذائهم على وفق ما اجمع عليه جمهور العلماء {حيث وجدتموهم} ادركتموهم فى حل او حرم {وخذوهم} اى ائسروهم والاخيذ الاسير {واحصروهم} الحصر المنع والمراد اما حبسهم ومنعهم عن التبسط والتقلب فى البلاد او منعهم عن المسجد الحرام {واقعدوا لهم كل مرصد} اى كل ممر ومجتاز يجتازون منه فى اسفارهم وانتاصبه على انه ظرف لاقعدوا اى ارصدوهم فى كل مكان يرصد فيه وارقبوهم حتى لا يمروا به وهذا امر لتضييق السبيل عليهم فليس معناه حقيقة القعود. قال الكاشفى {بسته كردانيد برايشان راهها تا منتشر نشوند در بلاد وقرى] {فان تابوا} عن الشرك بالايمان حسبما اضطروا بما ذكر من القتل والاسر والحصر {واقاموا الصلوة وآتوا الزكوة} تصديقا لتوبتهم وايمانهم واكتفى بذكرهما عن بقية العبادات لكونهما رئيسى العبادات البدنية والمالية {فخلوا سبيلهم} فدعوهم وشأنهم لا تتعرضوا لهم بشئ مما ذكر. قال القاضى فى تفسيره فيه دليل على ان تاركى الصلاة ومانعى الزكاة لا يخلى سبيلهم انتهى. وعن ابى حنيفة رحمه الله ان من ترك الصلاة ثلاثة ايام فقد استحق القتل. قال الفقهاء الكافر اذا اكره على الاسلام فأجرى كلمة الاسلام على لسانه يكون مسلما فاذا عاد الى الكفر لا يقتل ويجبر على الاسلام كما فى هدية المهديين للمولى اخى جلبى. وفيه ايضا كافر لم يقر بالاسلام الا انه اذا صلى مع المسلمين بجماعة يحكم باسلامه وبلا جماعة لا وان صام او حج او ادى الزكاة لا يحكم باسلامه فى ظاهر الرواية وفى اخرى انه ان حج على وجه الذى يفعله المسلمون فى الاتيان بجميع الاحكام والتلبية وشهود كل المناسك يصير مسلما {ان الله غفور رحيم} تعليل للامر بتخلية السبيل اى فخلوهم فان الله يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر لان الايمان يجب ما قبله اى يقطعه كالحج ويثيبهم بايمانهم وطاعتهم. واعلم ان الله تعالى امر فى هذه الآية بالجهاد وهو اربعة انواع. جهاد الاولياء بالقلب بتحليته بالاخلاق الحميدة. وجهاد الزهاد بالنفس بتزكيتها عن الاوصاف الرذيلة. وجهاد العلماء باظهار الحق خصوصا عند سلطان جائر وامام ظالم. وجهاد الغزاة ببذل الروح شعر : بهر روز مرك اين دم مرده باش تاشوى باعشق سرمد خواجه تاش[1] كشته ومرده به بيشت اى قمر به كه شاه زند كان جاى دكر [2] تفسير : فالقتل اما قتل النفوس المشركة بالسيف الظاهر واما قتل النفوس العاصية بالسيف الباطن وقتلها فى نهيها عن هواها ومنعها عن مشتهاها واستعمالها على خلاف طبعها وضد طبيعتها. قيل للحسين بن على رضى الله عنهما أى الجهاد افضل قال مجاهدتك هواك. ووصى رجل ولده فقال يا بنى اعص هواك والنساء واصنع ما شئت وقوله تعالى {حيث وجدتموهم} يشير الى قتلها فى الطاعة والمعصية فقتلها فى الطاعة بملازمتها ومداومتها عليها وفطامها عن مشاربها فيها واعجابها وتخليصها اياها: قال فى القصيدة الشهيرة بالبردة شعر : وراعها وهى فى الاعمال سائمة وان هى استحلت المرعى فلا تسم تفسير : اى راع النفس فى اشتغالها بالاعمال عما هو مفسد ومنقص للكمال من الرياء والعجب والغفلة والضلال وان عدت النفس بعض التطوعات حلواواعتادت به والفته فاجتهد فى ان تقطع نفسك عنه واشتغل بما هو اشق عليها لان اعتبار العبادة انما هو بامتيازها من العادة {فان تابوا} ورجعوا الى الله اى رجعت النفوس عن هواها الى طلب الحق تعالى {واقاموا الصلاة} وداومت على العبودية والتوجه الى الحق {واتوا الزكوة} اى تزكت عن اوصافها الذميمة {فخلوا سبيلهم} عن مقاساة الشدائد بالرياضات والمجاهدات ليعلموا بالشريعة بعد الوصول الى الحقيقة فان النهاية هى الرجوع الى البداية كما فى التأويلات النجمية. يقول الفقير ظهر من هذا ان السالك وان بلغ الى غاية المراتب ونهاية المطالب فهو متقيد فى اطلاقه بمرتبة الشريعة والعمل باحكامها بحيث لو انخلع عن الاحكام والآداب كان ملحدا سيئ الادب مطرودا عن الباب مهجورا عن حريم قرب رب الارباب فالشريعة الشريفة محك لكل سالك مبتدئ ولكل واصل منتهى يظهر بها صدق الطلب وخدمة الشكر. وفى الكتب الكلامية ولا يصل العبد ما دام عاقلا بالغا الى حيث يسقط الامر والنهى لعموم الخطابات الواردة فى التكاليف واجماع المجتهدين على ذلك اللهم اجعلنا من المتقيدين بوثاق عبوديتك والمراعين لحقوق ربوبيتك
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {فإذا انسلخ الأشهر} أي: انقضى الأشهر، {الحُرم} وهي الأربعة التي امهلهم فيها، فمن قال: إنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، فهي الحرم المعروفة، زاد فيها شوال، ونقص رجب، وسميت حرماً؛ تغليباً للأكثر، ومن قال: إنها ذو الحجة إلى ربيع الثاني، فسميت حرماً؛ لحرمتها ومنع القتال فيها حينئذٍ. وغلط من قال: إنها الأشهر الحرم المعلومة؛ لإخلاله بنظم الكلام ومخالفته للإجماع؛ لأنه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم. انظر البيضاوي. فإذا انقضت الأربعة التي أمهلتهم فيها {فاقتلوا المشركين} الناكثين {حيث وجدتموهم} من حل أو حرم، {وخُذوهم} أسارى، يقال للأسير: أخيذ، {واحصروهم}؛ واحبسوهم {واقعدوا لهم كل مرصد}؛ كل ممر وطريق؛ لئلا ينبسطوا في البلاد، {فإن تابوا} عن الشرك وآمنوا، {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة}؛ تصديقاً لتوبتهم وإيمانهم؛ {فخلوا سبيلهم} أي؛ فدعوهم ولا تتعرضوا لهم بشيء من ذلك. وفيه دليل على ان تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله، بل يقاتل؛ كما فعل الصديق رضي الله عنه بأهل الردة. والآية: في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمرت أن أُقَاتِل النَّاس حتَّى يَقُولوا لا إله إلا الله، ويُقيموا الصَّلاة ويُؤتوا الزَّكَاةَ..." تفسير : الحديث. {أن الله غفور رحيم}، هو تعليل لعدم التعرض لمن تاب، أي: فخلوهم؛ لأن الله قد غفر لهم، ورحمهم بسبب توبتهم. الإشارة: فإذا انقضت ايام الغفلة والبطالة التي احترقت النفس فيها، فاقتلوا النفوس والقواطع والعلائق حيث وجدتموهم، وخذوا أعداءكم من النفس والشيطان والهوى، واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد يتعرضون فيه لكم، فإن أذعنوا، وانقادوا، وألقوا السلاح، فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم. ولما أمر بقتال المشركين وأخذهم أينما ثُقفوا، استثنى من أتى بطلب الأمان، فقال: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ}.
الطوسي
تفسير : الانسلاخ اخراج الشيء مما لابسه، وكذلك سلخ الشاة إذا نزع الجلد عنها وسلخنا شهر كذا نسلخه سلخاً وسلوخاً. وقيل في الأشهر الحرم قولان: احدهما - رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ثلاثة سرد وواحد فرد. الثاني - الاشهر الأربعة التي جعل لهم ان يسيحوا فيها آمنين، وهي عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الاول، وعشر من ربيع الآخر، في قول الحسن والسدي وغيرهما. امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين انه اذا انقضت مدة هؤلاء المعاهدين، وهي الاربعة اشهر ان يقتلوا المشركين حيث وجدوهم. قال الفراء: سواء كان في الاشهر الحرم او غيرها وسواء في الحل او في الحرم، وان يأخذوهم، ويحصروهم. والحصر المنع من الخروج عن محيط واحصر الرجل إحصاراً وحاصره العدو محاصرة وحصاراً، وحصر في كلامه حصراً وانحصر الشيء انحصاراً. والحصر والحبس والأسر نظائر. وقوله {واقعدوا لهم كل مرصد} يعني كل موضع يرقب فيه العدو والمرصد الطريق ومثله المرقب والمربأ، يقال: رصده يرصده رصداً، ونصب كل مرصد على تقدير على كل مرصد - على قول الاخفش - كما قال الشاعر: شعر : نغالي اللحم للاضياف نياً ونرخصه اذا نضج القدور تفسير : اي نغالي باللحم. وقال الزجاج هو ظرف كقولك ذهبت مذهباً وقال الشاعر: شعر : إن المنية للفتى بالمرصد تفسير : فجعله بمنزلة المحدود، والمرصد مبهم، والطريق محدود، فهذا فرق ما بينهما. واستدل بهذه الاية على ان تارك الصلاة متعمداً يجب قتله، لأن الله تعالى اوجب الامتناع من قتل المشركين بشرطين: احدهما - ان يتوبوا من الشرك. والثاني - ان يقيموا الصلاة، فاذا لم يقيموا الصلاة وجب قتلهم.
الجنابذي
تفسير : {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} هى اشهر السّياحة الّتى جعلها الله حرماً لامان المشركين {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} من حلّ وحرمٍ {وَخُذُوهُمْ} بالاسر {وَٱحْصُرُوهُمْ} عن المسجد الحرام {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} لئّلا يبسطوا فى البلاد {فَإِن تَابُواْ} بالتّوبة النّبويّة {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ} بانقياد احكام الاسلام {فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} لانّهم حينئذٍ يكونون امثالكم ولهم مالكم وعليهم ما عليكم {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يغفر ما صدر عنهم بالتّوبة {رَّحِيمٌ} برحمهم بالاسلام واقامة احكامه.
اطفيش
تفسير : {فإذا انْسَلخ الأشْهر الحُرُم} انقضت، وأصل الانسلاخ خروج الشىء مما يلبسه، والأشهر الحرم أربعة الأشهر التى جعل للمشركين أن يسيحوا فيها، وقد مر الخلف فيها، سميت حرما لتحريم القتال فيها فى ذلك العام، وقيل: لتحريم نبذ العهد فيها فى ذلك العام، وقيل: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ووجهه أن المدة أخذت من هذه الأربعة، وكان تمامها تمام هذه الأربعة، فصح تأجيلها بانسلاخ الأربعة، فليس هذا القول مخلا بالنظم. غير أن تسمية رجب وذى القعدة وذى الحجة والمحرم أشهرا حرما، والتأجيل بانسلاخها يقتضيان بقاءها كما كانت قبل، على تحريم القتال فيها، مع أن العلماء أجمعوا على أن القتال فيها حلال، ولم ينزل ناسخ لها فيما قال القاض، فلا تحمل الأشهر الحرم على هذه الأربعة لئلا يخالف الإجماع، وحملها جار الله عليها، وقال: إن العلماء أجمعوا على حل القتال فيها لنزول ناسخها. {فاقْتلُوا المشْركينَ حَيثُ وجدْتُموهُم} فى الحل والحرم، قيل: وعند البيت، وهذه الآية ناسخة لكل آية أمر فيها بالكف أو بالمهادنة، وذلك مائة وأربع عشرة آية، وقيل: مائة وأربع وعشرون، زعم بعضهم أن ذلك عجيب، نسخت هذه الآية ذلك العدد من الآى، ثم نسخت بقوله: {وإن أحد من المشركين}. قلت: بل قوله: {وإن أحد} الآية، قيل فيها: لا ناسخ لها، والمراد بالمشركين من لا عهد له، أو له عهد على تمام الأربعة، أو له عهد أقل منها، أو له عهد أكثر ونقضه، وقيل: كل مشرك، وزعم عطاء والسدى والضحاك، أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : فإمَّا منًّا بعدُ وإمَّا فداء} تفسير : وقالوا: لا يجوز قتل الأسير، بل يمنّ عليه بالإطلاق، أو يفادى، وزعم قتادة ومجاهد أنها ناسخة لقوله تعالى: {أية : فإمَّا مناً بعدُ وإما فداء} تفسير : وقال: لا يجوز فى الأسير إلا القتل، وقال ابن زيد الأندلسى: إن الآيتين محكمتان، لأن هذه فى حال القتال، وليس فيها ذكر للأسر، وتلك فى الأسر، والأسر غير القتال وهو الصحيح. {وخُذُوهُم} وأسروهم، والأخيذ الأسير {واحْصُروهُم} احبسوهم لتتمكنوا منهم، وعن ابن عباس: أحضروهم أن تحصنوا، وعنه حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام، وقيل: امنعوهم من دخول مكة، والتصرف فى بلاد الإسلام. {واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصدٍ} كل موضع يصلح أن يرصد فيه العدو، أى يرتقب فيه بأن يكون بئرا له لئلا ينبسطوا فى البلاد، وقيل: المراد طريق مكة، ولئلا يدخلوها، ونصب كل على الظرفية المكانية، لأنه ينصب على الظرفية إذا أضيف إلى ما يدل على زمان، أو مكان ولو لم يصلح هذا المضاف إليه للنصب على الظرفية كمرصد هنا، فإنه لا يصلح لها لأنه ولو كان اسم مكان، لكنه لم يتسلط عليه، ما هو فى لفظه ومعناه، وقيل: منصوب على نزع الخافض، أى فى كل مرصد أو على كل مرصد. {فإنْ تابُوا} عن الشرك {وأقامُوا الصَّلٰوةَ} المفروضة أتموها {آتَوُا الزَّكٰوةَ} تصديقا لتوبتهم {فَخلُّوا سَبيلَهم} لا تعطلوه عنهم يمشون حيث شاءوا، فإنهم حينئذ مثلكم، والآية دليل على أن تارك الصلاة، ومانع الزكاة لا يخلى سبيلهما، وأن مكان الصلاة والزكاة من الشرع عظيم، فقد قرنا بالتوحيد {إنَّ اللهَ} تعليل جملى {غَفورٌ} للتائب {رَحيمٌ} له، فإن التائب توبة نصوحا من أولياء الله. روى أن عليا قرأ: {أية : براءة من الله ورسوله} تفسير : إلى: {أية : وأن الله مخزى الكافرين} تفسير : فى الموسم فقال المشركون: يا على ولم تسيرنا فى الأرض أربعة أشهر، بل أنت وابن عمك بريئان منا إلا من الطعن والضرب إن شئتم، وندموا على ما قالوا وأسلموا، كما مر، ثم قال: {أية : وأذان من الله ورسوله} تفسير : إلى: {أية : وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} تفسير : فقام إليه من له عهد كبنى ضمرة فقالوا: يا على ونحن أيضا على أربعة أشهر؟ قال: لا إن الله قد استثناكم، فقرأ: {أية : إلا الذين عاهدتم من المشركين} تفسير : إلى: {أية : إن الله يحب المتقين} تفسير : قيل: وكانوا قد عاهدوا النبى صلى الله عليه وسلم عند البيت عام الفتح، وقد بقى لهم حين قرأ على نحو سنة، وهى آخر مدتهم، وفيهم أيضا نزل: {أية : إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} تفسير : الآية وكان الذى عاهد على بنى ضمرة الوحشى بن خويلد، ولما قرأ على: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} الآية قام رجل من المشركين ممن لا عهد له فقال: يا على أرأيت إن أراد الرجل منا أن يلقى محمدا فيسمع منه، أو يقضى معه حاجة، أتقتلونه إذا انسلخ الأشهر الحرم؟ قال: لا وقرأ: {وإنْ أحدٌ} فاعل لمحذوف دل عليه {استجارك} وعده ابن هشام وغيره من الاشتغال فى المرفوع، وأجاز الأخفش كونه مبتدأ فيكون الشرط جملة اسمية، وأجاز هو والكوفيون كونه فاعلا مقدما {مِنَ المشْرِكينَ} الذين لا عهد لهم فيما قيل، وقيل: من المشركين الذين أمر بالتعرض لهم بعد الأربعة الأشهر {اسْتَجاركَ} طلب أن يكون جارا لك، أى مجاورا لك فى بلدك، مأمونا ليسمع ما أوتيت به ويعرب الشريعة {فأجِرْهُ} اجعله جارا لك، أى مجاورا فى بلدك مأمونا. {حتَّى يسْمَع كَلامَ اللهِ} أى القرآن، والإضافة إضافة مخلوق لخالق، والمعنى حتى يسمع القرآن ويتدبر ويتفهم، فحذف العطف، أو المراد بالسمع التدبر والتفهم فى القرآن المترتبين على سماع الإذن. {ثمّ أبْلغهُ مأمنهُ} موضع أمنه إن لم يسلم، والمأمن كما رأيت اسم مكان وهو موضعه الذى لا يخاف فيه، وهو بلد قومه، وبعد ذلك قاتله من غير غدر ولا خيانة ولو لم يقاتلك، لا كما قيل: إن قاتلك بعد فقاتله. {ذَلكَ} المذكور من الإجارة والإبلاغ المأمن، أو ذلك الأمر، أو ذلك الأمن مبتدأ خبره {بأنَّهم} بسبب أنهم {قومٌ لا يعْلمونَ} ما الإسلام وما حقيقة ما تدعو إليه، وما مصلحتهم وهى الإيمان، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا أو يفهموا، وذلك مفعول لمحذوف، أى قضينا ذلك أو فرضنا ذلك، لأنهم قوم لا يعلمون. قال الحسن، ومجاهد: هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة، يجار من استجار إلى أن يسمع ويبلغ مأمنه، ثم يقاتل بعد أن لم يؤمن، وزعم الضحاك، والسدى، أنها منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين} وقال بعضهم: حكمها فى مدة أربعة الأشهر، فالمراد استجارك فى أربعة الأشهر لا بعدها. قال الكلبى: إن أناساً ممن لا عهد لهم لم يوافقوا الموسم الذى قرأ فيه على صدر هذه السورة، وكانوا بأرض اليمامة وكأنصارى من بنى قيس بن ثعلبة، ولما بلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتال المشركين الذين لا عهد لهم إذا انسلخ الأشهر الحرم، أقبلوا إلى المدينة قيل: بعد ما انسلخت ليجددوا بينهم وبينه حلفا فلم يصالحهم إلا على الإسلام أو يقتلوا، فخلى سبيلهم حتى بلغوا مأمنهم وهو اليمامة، وأقاموا بها حتى أسلم الناس، فمنهم من أسلم، ومنهم من أقام على نصرانيته، وفيهم نزل: {وإن أحد من المشركين} الآية فهى نزلت بعد الموسم، وزعم بعضهم أن آية القتل السابقة نسخت حين أسلمت العرب طوعا وكرها بقوله: {أية : لا إكراه فى الدين} تفسير : فرفع السيف عن أهل الكتاب بإعطاء الجزية.
اطفيش
تفسير : {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ} انقضت، وأَصل الانسلاخ انتزاع الشئ عما لابسه كانسلاخ الجلد عن الشاة شبه تكون الناس من أَول الشهر إِلى تمام نصف الشهر شيئا فشيئا بالدخول فى اللباس حتى يتم لبسه، وكنى عن ذلك بلازمه وهو الانسلاخ الموضوع للانتزاع. وهو هنا مستعار للتجرد عن الشهر شيئا فشيئا حتى يتم، والمراد بالأَشهر الحرم شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وسمى شوال شهرا حراما تغليبا وسهل التخريج على ذلك أَن الانسلاخ جاءَ على آخر الثالثة التى هى شهور حرم، أَو المراد عشرون من ذى القعدة إِلى تمام عشرة من ربيع الأَول، أَو عشرون من ذى الحجة إِلى تمام عشرة من ربيع الثانى، وسمى الكل حرما تغليبا، أَو كحرمة القتال فيها فى ذلك العام فقط، وأَل على ذلك كله للعهد منظوراً فيه إِلى قوله أَشهر مع زيادة أَنها حرم، وقيل: المراد رجب وذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، وهو الأَنسب بحسب الظاهر، لأَنهن المشهورة بالأَشهر الحرم، ولأَن لفظ النكرة إِذا أُعيد آخر كان غير الأُولى، وقد زيد هنا قيد الحرم فهن غير المذكورة فى قوله {أية : فسيحوا فى الأَرض أَربعة أَشهر}تفسير : [التوبة: 2] لكن يقتضى بقاء تحريم القتال فى رجب وذى القعدة وذى الحجة والمحرم بلا نسخ، لأَن المفهوم إِذا لم ينسلخن فلا قتل، كلما كن فلا قتل، وكلما انسلخن كان القتل. وذلك أَنه لا ناسخ لهذا الاستمرار لو ثبت مع أَنهم اتفقوا إِلا قولا ضعيفا على أَنه يحل القتال فيهن، فالصواب أَن الأَشهر الحرم هى قوله أَربعة أَشهر، وهن شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، على ما اختاره بعض، أَو ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، فإِذا انسلخن حل القتال أَبدا فيهن وفى غيرهن بعد، ولا يخفى أَن المراد هذه الأَشهر من هذه السنة خاصة لا هذه الأَشهر فى كل سنة لأَن الآية بعيدة عن هذا ولا يتبادر منها هذا، أَو الترتيب بالفاء يأبى هذا أَيضا، ولأَنه مخالف للسياق الذى يقتضى توالى هذه الأَشهر حتى قيل إِنه مخالف للإِجماع على أَن هذه الأَشهر يحل فيها القتال: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، والحق أَنه لا إِجماع على حل القتال فيها بل قد قيل ببقاءِ حرمته إِلا إِن قاتلوا، وعلى النسخ يكون النسخ آية السيف التى نسخت العفو والصفح والإِعراض والمسالمة، وقال ابن حجر: قاتلوا المشركين كافة، وقيل هما، وقيل: الناسخ الإِجماع، ووجهه أَن الإِجماع إِنما يحصل بحجة من القرآن أَو الحديث ولا نعلم بها، إِلا أَنك قد علمت أَنه لا إِجماع، {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} فى حل أَو حرم، وفى كل زمان أَيضا أَبدا لأَن عموم المكان يوجب عموم الزمان وبعكس ذلك عند الإِطلاق {وَخُذُوهُمْ} ائسروهم للاسترقاق، أَو لتروا فيهم رأيكم، وأَما الفداء فجاء بعد الإِثخان، وقيل: لا تسترق العرب، كما لا تؤخذ منهم جزية، وللإِمام قتل الأَسرى {وَاحْصُرُوهُمْ} عن أَن يتصرفوا فى البلاد لتجر أَو غيره، وعن المسجد الحرام، وفى قرية إِن تحصنوا فيها {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} فى كل موضع رصد، أَى موضع مراقبة، وهو موضع سلوكهم ليلا ينبسطوا فى البلاد فتضيق صدورهم فيسلموا، ونصب كل على الظرفية لاقعدوا، وفيه دليل جواز نصب اسم المكان الميمى بغير ما يوافقه لفظا ومعنى لأَن نصب كل على الظرفية فرع نصب مرصد الذى هو اسم مكان ميمى عليها، وقال الأَخفش منصوب على تقدير على، وضعفوه، ومثل على فى وهى أَولى من على إِذ هى للظرفية ولعل داعيه لذلك عدم الموافقة المذكورة، وقيل: يجوز لموافقة المعنى ولو اختلف اللفظ، فإِن القعود والرصد من معنى واحد وهو قول حسن، تدل له الآية، نحو قعدت مجلس عمرو، وتلك الأَوامر للإِباحة، ولا يجوز الخروج عن جميعها، اللهم إِلا بالفداءِ أَو الإِطلاق بحسب نظر الإِمام بعد نزول جوازهما {فَإِنْ تَابُوا} من الإِشراك إِلى التوحيد، {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} وصاموا رمضان وأَدوا الفرائض. واقتصر على الصلاة والزكاة لكونهما رأس العبادة البدنية والمالية، فلو وحدوا وقالوا: لا نصلى ولا نؤتى الزكاة ولا نصوم رمضان أَو نحو ذلك لم يخل سبيلهم بل يبقون على القتل والأَخذ والحصر والتضييق عليهم، فقد جاءَ حديث بقتل تارك الصلاة ولو بلا إِنكار لها، واحتاطوا له بالاستتابة أَولا، وأَما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فإِذا قالوها فقد حقنوا منى دماءَهم"تفسير : ، فمعنى قالوها دانوا بها، والضمير لكلمة الشهادة والصلاة والزكاة لأَن فى بعض الروايات: حديث : أَمرت أَن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إِله إِلا الله وأَنى رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاةتفسير : ، ويلتحق بهما غيرهما، واقتصر عليهما لأَن الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإِسلام، وزعم أَبو حنيفة أَنه يحبس الموحد التارك للصلاة فلا يقتل، وقد قال الصديق بقتل مانعى الزكاة وكذا بقتل تاركى الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُمرت أَن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إِله إِلا الله، وأَنى رسول الله ويقيموا الصلاة ويوتوا الزكاة"تفسير : ، والقتل على ترك الصلاة أَمكن، وكذا الصوم بخلاف الزكاة فقد يمكن للإِمام أَخذها قهرا، فإِذا قال: لا أَصلى قتل، وإِذا قال: لا أُقضى الفائتة ولا َصوم أَو لا أَقضيه قتل، وقيل: إِذا قال: لا أَصلى فلا يقتل حتى يخرج وقتها، وقيل: حتى يبقى أَقل مما يدركها فيه، ومن ترك الصلاة أَو الزكاة أَو نحوهما إِنكارا فهو مشرك يقتل {فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} لا تفعلوا بهم شيئا من ذلك {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تعليل جملى، أَى لأَن الله غفور لشركهم بالتوبة، ويغفر ذنوب كل تائب، ومنعم لهم بالجنة إِذا تابوا، ولكل تائب.
الالوسي
تفسير : {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} أي انقضت، وأصله من السلخ بمعنى الكشط يقال: سلخت الإهاب عن الشاة أي كشطته ونزعته عنها، ويجيء بمعنى الإخراج كما يقال: سلخت الشاة عن الإهاب إذا أخرجتها منه، وذكر أبو الهيثم أنه يقال: أهللنا شهر كذا أي دخلنا فيه فنحن نزداد كل ليلة لباساً إلى نصفه ثم نسلخه عن أنفسنا جزأ فجزأ حتى ينقضي وأنشد:شعر : إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله كفى قاتلا سلخي الشهور واهلالي تفسير : والانسلاخ فيما نحن فيه استعارة حسنة وتحقيق ذلك أن الزمان محيط بما فيه من الزمانيات مشتمل عليه اشتمال الجلد على الحيوان وكذا كل جزء من أجزائه الممتدة كالأيام والشهور والسنين، فإذا مضى فكأنه انسلخ عما فيه، وفي ذلك مزيد لطف لما فيه من التلويح بأن تلك الأشهر كانت حرزاً لأولئك المعاهدين عن غوائل أيدي المسلمين فنيط قتالهم بزوالها، ومن هنا يعلم أن جعله استعارة من المعنى الأولى للسلخ أولى من جعله من المعنى الثاني باعتبار أنه لما انقضى كأنه أخرج من الأشياء الموجودة إذ لا يظهر هذا التلويح عليه ظهوره على الأول ,أل في الأشهر للعهد فالمراد بها الأشهر الأربعة المتقدمة في قوله سبحانه: {أية : فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } تفسير : [التوبة: 2] وهو المروي عن مجاهد وغيره. وفي «الدر المصون» أن العرب إذا ذكرت نكرة ثم أرادت ذكرها ثانياً أتت بالضمير أو باللفظ معرفاً بأل ولا يجوز أن تصفه حينئذ بصفة تشعر بالمغايرة / فلو قيل رأيت رجلاً وأكرمت الرجل الطويل لم ترد بالثاني الأول وإن وصفته بما لا يقتضي المغايرة جاز كقولك فأكرمت الرجل المذكور والآية من هذا القبيل، فإن {ٱلْحُرُمُ} صفة مفهومة من فحوى الكلام فلا تقتضي المغايرة، وكأن النكتة في العدول عن الضمير ووضع الظاهر موضعه الإتيان بهذه الصفة لتكون تأكيداً لما ينبىء عنه إباحة السياحة من حرمة التعرض لهم مع ما في ذلك من مزيد الاعتناء بشأن الموصوف. وعلى هذا فالمراد بالمشركين في قوله سبحانه: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} الناكثون فيكون المقصود بيان حكمهم بعد التنبيه على إتمام مدة من لم يكنث ولا يكون حكم الباقين مفهوماً من عبارة النص بل من دلالته، وجوز أن يكون المراد بها تلك الأربعة مع ما فهم من قوله سبحانه: {أية : فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ } تفسير : [التوبة: 4] من تتمة مدة بقيت لغير الناكثين. وعليه يكون حكم الباقين مفهوماً من العبارة حيث إن المراد بالمشركين حينئذ ما يعمهم والناكثين إلا أنه يكون الانسلاخ وما نيط به من القتال شيئاً فشيئاً لا دفعة واحدة، فكأنه قيل: فإذا تم ميقات كل طائفة فاقتلوهم، وقيل: المراد بها الأشهر المعهودة الدائرة في كل سنة وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وهو مخل بالنظم الكريم لأنه يأباه الترتيب بالفاء وهو مخالف للسياق الذي يقتضي توالي هذه الأشهر. وقيل: إنه مخالف للإجماع أيضاً لأنه قام على أن هذه الأشهر يحل فيها القتال وأن حرمتها نسخت وعلى تفسيره بها يقتضي بقاء حرمتها ولم ينزل بعد ما ينسخها. ورد بأنه لا يلزم أن ينسخ الكتاب بالكتاب بل قد ينسخ بالسنة كما تقرر في الأصول، وعلى تقدير لزومه كما هو رأي البعض يحتمل أن يكون ناسخه من الكتاب منسوخ التلاوة. وتعقب هذا بأنه احتمال لا يفيد ولا يسمع لأنه لو كان كذلك لنقل والنسخ لا يكفي فيه الاحتمال، وقيل: إن الإجماع إذا قام على أنها منسوخة كفى ذلك من غير حاجة إلى نقل سند إلينا، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم حاصر الطائف لعشر بقين من المحرم، وكما أن ذلك كاف لنسخها يكفي لنسخ ما وقع في الحديث الصحيح وهو «حديث : إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله تعالى السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب»تفسير : فلا يقال: إنه يشكل علينا لعدم العلم بما ينسخه كما توهم، وإلى نسخ الكتاب بالإجماع ذهب البعض منا ففي «النهاية شرح الهداية» تجوز الزيادة على الكتاب بالإجماع صرح به الإمام السرخسي، وقال فخر الإسلام: إن النسخ بالإجماع جوزه بعض أصحابنا بطريق أن الإجماع يوجب العلم اليقيني كالنص فيجوز أن يثبت به النسخ، والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور والنسخ به جائز فبالإجماع أولى. وأما اشتراط حياة النبـي صلى الله عليه وسلم في جواز النسخ فغير مشروط على قول ذلك البعض من الأصحاب اهـ. وأنت تعلم أن المسألة خلافية عندنا، على أن في الإجماع كلاما، فقد قيل: ببقاء حرمة قتال المسلمين فيها إلا أن يقاتلوا ونقل ذلك عن عطاء لكنه قول لا يعتد به، والقول بأن منع القتال في الأشهر الحرم كان في تلك السنة وهو لا يقتضي منعه في كل ما شابهها بل هو مسكوت عنه فلا يخالف الإجماع، ويكون حله معلوماً من دليل آخر ليس بشيء، لأن الظاهر أن من يدعي الإجماع يدعيه في الحل في تلك السنة أيضاً، وبالجملة لا معول على هذا التفسير، وهذه على ما قال الجلال السيوطي هي آية السيف التي نسخت آيات العفو والصفح والإعراض والمسالمة. وقال العلامة ابن حجر: آية السيف {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } تفسير : [التوبة: 36] وقيل: هما، واستدل الجمهور بعمومها على قتال الترك والحبشة كأنه قيل: فاقتلوا الكفار مطلقاً. {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} من حل وحرم {وَخُذُوهُمْ} قيل: أي أسروهم / والأخيذ الأسير، وفسر الأسر بالربط لا لاسترقاق، فان مشركي العرب لا يسترقون. وقيل: المراد إمهالهم للتخيير بين القتل والإسلام. وقيل: هو عبارة عن أذيتهم بكل طريق ممكن، وقد شاع في العرف الأخذ على الاستيلاء على مال العدو، فيقال: إن بني فلان أخذوا بني فلان أي استولوا على أموالهم بعد أن غلبوهم {وَٱحْصُرُوهُمْ} قيل أي أحبسوهم. ونقل الخازن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد امنعوهم عن الخروج إذا تحصنوا منكم بحصن. ونقل غيره عنه أن المعنى حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} أي كل ممر ومجتاز يجتازون منه في أسفارهم، وانتصابه عند الزجاج ومن تبعه على الظرفية. ورده أبو علي بأن المرصد المكان الذي يرصد فيه العدو فهو مكان مخصوص لا يجوز حذف ـ في ـ منه ونصبه على الظرفية إلا سماعاً. وتعقبه أبو حيان ((بأنه لا مانع من انتصابه على الظرفية لأن قوله تعالى: {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ} ليس معناه حقيقة القعود بل المراد ترقبهم وترصدهم، فالمعنى ارصدوهم كل مرصد يرصد فيه، والظرف مطلقاً ينصبه بإسقاط ـ في ـ فعل من لفظه أو معناه نحو جلست وقعدت مجلس الأمير))، والمقصور على السماع ما لم يكن كذلك، و {كُلَّ} وإن لم يكن ظرفاً لكن له حكم ما يضاف إليه لأنه عبارة عنه. وجوز ابن المنير أن يكون مرصداً مصدراً ميميا فهو مفعول مطلق والعامل فيه الفعل الذي بمعناه، كأنه قيل: وارصدوهم كل مرصد ولا يخفى بعده، وعن الأخفش أنه منصوب بنزع الخافض والأصل على كل مرصد فلما حذف على انتصب، وأنت تعلم أن النصب بنزع الخافض غير مقيس خصوصاً إذا كان الخافض على فانه يقل حذفها حتى قيل: إنه مخصوص بالشعر. {فَإِن تَابُواْ} عن الشرك بالإيمان بسبب ما ينالهم منكم {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ} تصديقاً لتوبتهم وإيمانهم، واكتفى بذكرهما لكونهما رئيسي العبادات البدنية والمالية {فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} أي فاتركوهم وشأنهم ولا تتعرضوا لهم بشيء مما ذكر. وقيل: المراد خلوا بينهم وبين البيت ولا تمنعوهم عنه والأول أولى، وقد جاءت تخلية السبيل في كلام العرب كناية عن الترك كما في قوله:شعر : خل السبيل لمن يبني المنار به وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر تفسير : ثم يراد منها في كل مقام ما يليق به. ونقل عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه استدل بالآية على قتل تارك الصلاة وقتال مانع الزكاة، وذلك لأنه تعالى أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فما لم يوجد هذا المجموع تبقى اباحة الدم على الأصل، ولعل أبا بكر رضي الله تعالى عنه استدل بها على قتال مانعي الزكاة. وفي «الحواشي الشهابية» أن المزني من جلة الشافعية رضي الله تعالى عنهم أورد على قتل تارك الصلاة تشكيكاً تحيروا في دفعه كما قاله السبكي في «طبقاته» فقال ((إنه لا يتصور لأنه إما أن يكون على ترك صلاة قد مضت أو لم تأت والأول باطل لأن المقضية لا يقتل بتركها والثاني كذلك لأنه ما لم يخرج الوقت فله التأخير فعلام يقتل؟ وسلكوا في الجواب مسالك. الأول: أن هذا وارد أيضاً على القول بالتعزير والضرب والحبس كما هو مذهب الحنفية فالجواب ـ الجواب ـ وهو جدلي. والثاني: أنه على الماضية لأنه تركها بلا عذر، ورد بأن القضاء لا يجب على الفور وبأن الشافعي / رضي الله تعالى عنه قد نص على أنه لا يقتل بالمقضية مطلقاً. والثالث: أنه يقتل للمؤداة في آخر وقتها. ويلزمه أن المبادرة إلى قتل تارك الصلاة تكون أحق منها إلى المرتد إذ هو يستتاب وهذا لا يستتاب ولا يمهل إذ لو أمهل صارت مقضية)) وهو محل كلام فلا حاجة إلى أن يجاب من طرف أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه كما قيل: بأن استدلال الشافعية مبني على القول بمفهوم الشرط وهو لا يعول به، ولو سلمه فالتخلية الإطلاق عن جميع ما مر، وحينئذ يقال: تارك الصلاة لا يخلى ويكفي لعدم التخلية أن يحبس، على أن ذلك منقوض بمانع الزكاة عنده، وأيضاً يجوز أن يراد بإقامتهما التزامهما وإذا لم يلتزمهما كان كافراً إلا أنه خلاف المتبادر وإن قاله بعض المفسرين. وأنت تعلم أن مذهب الشافعية إن من ترك صلاة واحدة كسلاً بشرط إخراجها عن وقت الضرورة بأن لا يصلي الظهر مثلاً حتى تغرب الشمس قتل حداً، واستدل بعض أجلة متأخريهم بهذه الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : أمرت أن أقاتل الناس» تفسير : الحديث وبين ذلك بأنهما شرطاً في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لكن الزكاة يمكن الإمام أخذها ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا منها وقاتلونا فكانت فيها على حقيقتها بخلافها في الصلاة فانه لا يمكن فعلها بالمقاتلة فكانت فيها بمعنى القتل، ثم قال: فعلم وضوح الفرق بين الصلاة والزكاة وكذا الصوم فإنه إذا علم أنه يحبس طول النهار نواه فأجدى الحبس فيه ولا كذلك الصلاة فتعين القتل في حدها ولا يخفى أن ظاهر هذا قول بالجمع بين الحقيقة والمجاز في الآية والحديث لأن الصلاة والزكاة في كل منهما، وفي الآية القتل وحقيقته لا تجري في مانع الزكاة وفي الحديث المقاتلة وحقيقتها لا تجري في تارك الصلاة فلا بد أن يراد مع القتل المقاتلة في الآية ومع المقاتلة القتل في الحديث ليتأتى جريان ذلك في تارك الصلاة ومانع الزكاة، والجمع بين الحقيقة والمجاز لا يجوز عندنا، على أن حمل الآية والحديث على ذلك مما لا يكاد يتبادر إلى الذهن فالنقض بمانع الزكاة في غاية القوة. وأشار إلى ما نقل عن المزني مع جوابه بقوله: لا يقال: لا قتل بالحاضرة لأنه لم يخرجها عن وقتها ولا بالخارجة عنه لأنه لا قتل بالقضاء وان وجب فوراً لأنا نقول: بل يقتل بالحاضرة إذا أمر بها من جهة الإمام أو نائبه دون غيرهما فيما يظهر في الوقت عند ضيقه وتوعد على إخراجها عنه فامتنع حتى خرج وقتها لأنه حينئذ معاند للشرع عناداً يقتضي مثله القتل فهو ليس لحاضرة فقط ولا لفائتة فقط بل لمجموع الأمرين الأمر والإخراج مع التصميم ثم إنهم قالوا: يستتاب تارك الصلاة فوراً ندباً، وفارق الوجوب في المرتد بأن ترك استتابته توجب تخليده في النار إجماعاً بخلاف هذا، ولا يضمن عندهم من قتله قبل التوبة مطلقاً لكنه يأثم من جهة الافتيات على الإمام وتمام الكلام في ذلك يطلب من محله. واستدل بالآية أيضاً ـ كما قال الجلال السيوطي ـ من ذهب إلى كفر تارك الصلاة ومانع الزكاة، وليس ذلك بشيء والصحيح أنهما مؤمنان عاصيان وما يشعر بالكفر خارج مخرج التغليظ {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفر لهم ما قد سلف منهم ويثيبهم بإيمانهم وطاعتهم وهو تعليل للأمر بتخلية السبيل.
ابن عاشور
تفسير : {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}. تفريع على قوله: {أية : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}تفسير : [التوبة: 2] فإن كان المراد في الآية المعطوفِ عليها بالأربعة الأشهر أربعةً تبتدىء من وقت نزول براءة كان قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} تفريعاً مراداً منه زيادة قيد على قيد الظرف من قول: {أية : أربعة أشهر}تفسير : [التوبة: 2] أي: فإذا انتهى أجل الأربعة الأشهر وانسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين إلخ لانتهاء الإذن الذي في قوله: {أية : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}تفسير : [التوبة: 2]، وإن كانت الأربعة الأشهر مراداً بها الأشهر الحرم كان قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} تصريحاً بمفهوم الإذن بالأمن أربعةَ أشهر، المقتضي أنّه لا أمْن بعد انقضاء الأربعة الأشهر، فهو على حدّ قوله تعالى: {أية : وإذا حللتم فاصطادوا}تفسير : [المائدة: 2]، ــــ بعد قوله ــــ {أية : غير محلي الصيد وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 1] فيكون تأجيلاً لهم إلى انقضاء شهر المحرم من سنة عشر، ثم تحذيراً من خرق حرمة شهر رجب، وكذلك يستمرّ الحال في كلّ عام إلى نسخ تأمين الأشهر الحرم كما سيأتي عند قوله تعالى: {أية : منها أربعة حرم... فلا تظلموا فيهن أنفسكم}تفسير : [التوبة: 36]. وانسلاخ الأشهر انقضاؤها وتمامها وهو مطاوع سلخ. وهو في الأصل استعارة من سلخ جلد الحيوان، أي إزالته. ثم شاع هذا الإطلاق حتى صار حقيقة. والحرم جمع حرام وهو سماعي لأنّ فُعُلا بضم الفاء والعيْن إنما ينقاس في الاسم الرباعي ذي مد زائد. وحرام صفة. وقال الرضي في باب الجمع من «شرح الشافية» إن جموع التكسير أكثرها محتاج إلى السماع، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : الشهر الحرام بالشهر الحرام} تفسير : في سورة البقرة (194). وهي ذو القعدة وذو الحجّة ومحرّم ورجب. وانسلاخها انقضاء المدّة المتتابعة منها، وقد بَقيت حرمتها ما بَقي من المشركين قبيلة، لمصلحة الفريقين، فلما آمن جميع العرب بَطل حكم حُرمة الأشهر الحرم، لأنّ حُرمةَ المحارم الإسلامية أغنت عنها. والأمر في فاقتلوا المشركين} للإذن والإباحة باعتبار كلّ واحد من المأمورات على حدة، أي فقد أُذن لكل في قتلهم، وفي أخذهم، وفي حصارهم، وفي منعهم من المرور بالأرض التي تحت حكم الإسلام، وقد يعرض الوجوب إذا ظهرت مصلحة عظيمة، ومن صور الوجوب ما يأتي في قوله: {أية : وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر}تفسير : [التوبة: 12] والمقصود هنا: أن حرمة العهد قد زالت. وفي هذه الآية شرع الجهاد والإذن فيه والإشارة إلى أنّهم لا يقبل منهم غير الإسلام. وهذه الآية نسخت آيات الموادعة والمعاهدة. وقد عمّت الآية جميع المشركين وعمّت البقاع إلا ما خصصته الأدلّة من الكتاب والسنة. والأخذ: الأسر. والحصر: المنع من دخول أرض الإسلام إلا بإذن من المسلمين. والقعود مجاز في الثبات في المكان، والملازمةِ له، لأن القعود ثبوت شديد وطويل. فمعنى القعود في الآية المرابطة في مظانّ تطرقّ العدوّ المشركين إلى بلاد الإسلام، وفي مظان وجود جيش العدوّ وعُدته. والمرصد مكان الرَصْد. والرصْد: المراقبة وتتبع النظر. و{كلّ} مستعملة في تعميم المراصد المظنون مرورهم بها، تحذيراً للمسلمين من إضاعتهم الحراسة في المراصد فيأتيهم العدوّ منها، أو من التفريط في بعض ممارّ العدوّ فينطلق الأعداء آمنين فيستخفّوا بالمسلمين ويتسامع جماعات المشركين أنّ المسلمين ليسوا بذوي بأس ولا يقظة، فيؤول معنى {كل} هنا إلى معنى الكثرة للتنبيه على الاجتهاد في استقصاء المراصد كقول النابغة:شعر : بها كُل ذيَّال وخنساءَ ترعوي إلى كلّ رجّاف من الرمل فارد تفسير : وانتصب {كل مرصد} إمَّا على المفعول به بتضمين {اقعدوا} معنى (الزموا) كقوله تعالى: {أية : لأقعدن لهم صراطك المستقيم}تفسير : [الأعراف: 16]، وإمّا على التشبيه بالظرف لأنّه من حقّ فعل القعود أن يَتعدّى إليه بــــ (في) الظرفية فشبّه بالظرف وحذفت (في) للتّوسّع. وتقدم ذكر (كلّ) عند قوله تعالى: {أية : وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} تفسير : في سورة الأنعام (25). {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. تفريع على الأفعال المتقدمة في قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم}. والتوبة عن الشرك هي الإيمان، أي فإن آمنوا إيماناً صادقاً، بأن أقاموا الصلاة الدالّةَ إقامتُها على أنّ صاحبها لم يكن كاذباً في إيمانه، وبأن آتوا الزكاة الدالَّ إيتاؤُها على أنّهم مؤمنون حقّاً، لأنّ بذل المال للمسلمين أمارة صدق النية فيما بُذل فيه فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة شرط في كفّ القتال عنهم إذا آمنوا، وليس في هذا دلالة على أنّ الصلاة والزكاة جزء من الإيمان. وحقيقة {فخلوا سبيلهم} اتركوا طريقهم الذي يمرّون به، أي اتركوا لهم كلّ طريق أمرتم برصدهم فيه أي اتركوهم يسيرون مجتازين أو قَادمين عليكم، إذ لا بأس عليكم منهم في الحالتين، فإنّهم صاروا إخوانكم، كما قال في الآية الآتية {أية : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين}تفسير : [التوبة: 11]. وهذا المركب مستعمل هنا تمثيلاً في عدم الإضرار بهم ومتاركتهم، يقال: خَلّ سبيلي، أي دعني وشأني، كما قال جرير:شعر : خَلّ السبيلَ لمن يبنِي المنارَ به وأبرز ببَرْزَةَ حيث اضطرّك القدَر تفسير : وهو مقابل للتمثيل الذي في قوله: {واقعدوا لهم كل مرصد}. وجملة: {إن الله غفور رحيم} تذييل أريد به حثّ المسلمين على عدم التعرّض بالسوء للذين يسلمون من المشركين، وعدمِ مؤاخذتهم لما فرط منهم، فالمعنى اغفروا لهم، لأنّ الله غفر لهم وهو غفور رحيم، أو اقتدوا بفعل الله إذ غفر لهم ما فَرَطَ منهم كما تعلمون فكونوا أنتم بتلك المثابة في الإغضاء عمّا مضى.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} الآية. اختلف العلماء في المراد بالأشهر الحرم في هذه الآية. فقال ابن جرير: إنها المذكورة في قوله تعالى: {أية : مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُم}تفسير : [التوبة: 36] قاله أبو جعفر الباقر. ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم، وحكى نحو قوله هذا علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وإليه ذهب الضحاك. ولكن السياق يدل على أن المراد بها الأشهر الإمهال المذكورة في قوله: {أية : فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}تفسير : [التوبة: 2]. قال ابن كثير: في تفسير هذه الآية: والذي يظهر من حيث السياق، ما ذهب إليه ابن عباس، في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن المراد بها، الأشهر الأربعة المنصوص عليها بقوله: {أية : فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} تفسير : [التوبة: 2] ثم قال: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم قتالهم فيها، وأجلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، مع أن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى- اهـ.
الواحدي
تفسير : {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} يعني: مدَّة التَّأجيل {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} في حلٍّ أو حرمٍ {وخذوهم} بالأسر {واحصروهم} إنْ تحصَّنوا {واقعدوا لهم كلَّ مرصد} على كلِّ طريقٍ تأخذون فيه {فإنْ تابوا} رجعوا عن الشِّرك {وأقاموا الصلاة} المفروضة {وآتوا الزكاة} من العين والثِّمار والمواشي {فخلوا سبيلهم} فدعوهم وما شاؤوا {إنَّ الله غفور رحيم} لمَنْ تاب وآمن. {وإن أحد من المشركين} الذين أمرتك بقتلهم {استجارك} طلب منك الأمان من القتل {فأجره} فاجعله في أمنٍ {حتى يسمع كلام الله} القرآن، فتقيم عليه حجَّةَ الله، وتبيِّن له دين الله {ثمَّ أبلغه مأمنه} إذا لم يرجع عن الشِّرك لينظر في أمره {ذلك بأنهم قومٌ لا يعلمون} [يفعلونَ] كلَّ هذا لأنَّهم قومٌ جهلةٌ لا يعلمون دين الله وتوحيده. {كيف يكون للمشركين عهدٌ عند الله وعند رسوله} مع إضمارهم الغدر ونكثهم العهد {إلاَّ الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} يعني: الذين استثناهم من البراءة {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} ما أقاموا على الوفاء بعهدهم فأقيموا أنتم. {كيف} أَيْ: كيف يكون لهم عهدهم {و} حالُهم أنَّهم {إنْ يظهروا عليكم} يظفروا بكم ويقدروا عليكم {لا يرقبوا فيكم} لا يحفظوا فيكم {إلاًّ ولا ذمَّةً} قرابةً ولا عهداً {يرضونكم بأفواههم} يقولون بألسنتهم كلاماً حلواً {وتأبى قلوبهم} الوفاء به {وأكثرهم فاسقون} غادرون ناقضون للعهد. {اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً} استبدلوا بالقرآن متاع الدُّنيا {فصدوا عن سبيله} فأعرضوا عن طاعته {إنهم ساء} بئس {ما كانوا يعملون} من اشترائهم الكفر بالإِيمان. {لا يرقبون} يعني: هؤلاء النَّاقضين للعهد {وأولٰئك هم المعتدون} المجاوزون للحلال إلى الحرام بنقض العهد. {فإن تابوا} عن الشِّرك {وأقاموا الصَّلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم} أَيْ: فهم إخوانكم {في الدين ونفصِّل الآيات} نبيِّن آيات القرآن {لقوم يعلمون} أنَّها من عند الله. {وإن نكثوا أيمانهم} نقضوا عهودهم {وطعنوا في دينكم} اغتابوكم وعابوا دينكم {فقاتلوا أئمة الكفر} رؤساء الضَّلالة. يعني: صناديد قريش {إنهم لا أيمان لهم} لا عهود لهم {لعلهم ينتهون} كي ينتهوا عن الشِّرك بالله، ثمَّ حرَّض المؤمنين عليهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فإذا انسلخ الأشهر الحرم: انقضت وخرجت الأشهر الأربعة التي أمنتم فيها المشركين. حيث وجدتموهم: أي في أي مكان لقيتموهم في الحل أو الحرم. وخذوهم: أي أسرى. وأحصروهم: أي حاصروهم حتى يسلموا أنفسهم. واقعدوا لهم كل مرصد: أي اقعدوا لهم في طرقاتهم وارصدوا تحركاتهم. فإن تابوا: أي آمنوا بالله ورسوله. فخلوا سبيلهم: أي اتركوهم فلا حصار ولا مطاردة ولا قتال. استجارك: أي طلب جوارك أي حمايتك. مأمنه: أي المكان الذي يأمن فيه. فما استقاموا لكم: أي لم ينقضوا عهدهم ولم يخلوا بالاتفاقية. وإن يظهروا عليكم: أي يغلبوكم. لا يرقبوا فيكم: أي لا يراعوا فيكم ولا يحترموا. إلاَّ ولا ذمة: أي لا قرابة، ولا عهداً فالإلّ: القرابة والذمة: العهد. معنى الآيات: ما زال السياق في إعلان الحرب العامة على المشركين تطهيراً لأرض الجزيرة التي هي دار الإِسلام وحوزته من بقايا الشرك والمشركين، فقال تعالى لرسوله والمؤمنين {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} أي إذا انقضت وخرجت الأشهر الحرم التي أمنتم فيها المشركين الذين لا عهد لهم أولهم عهد ولكن دون أربعة أشهر أو فوقها وبدون حد محدود {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} في الحل والحرم سواء {وَخُذُوهُمْ} أسرى {وَٱحْصُرُوهُمْ} حتى يستسلموا، {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} أي سدوا عليهم الطرق حتى يقدموا أنفسهم مسلمين أو مستسلمين وقوله تعالى {فَإِن تَابُواْ} أي من الشرك وحربكم {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} إذ أصبحوا مسلمين مثلكم. وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي أن الله سيغفر لهم ويرحمهم بعد إسلامهم، لأنه تعالى غفور رحيم، هذا ما دلت عليه الآية الأولى [5] أما الآية الثانية [6] فقد أمر تعالى رسوله أن يجير من طلب جواره من المشركين حتى يسمع كلام الله منه صلى الله عليه وسلم ويتفهم دعوة الإِسلام ثم هو بالخيار إن شاء أسلم وذلك خير له وإن لم يسلم رده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكان يأمن فيه من المسلمين أن يقتلوه. وهو معنى قوله تعالى {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} فلذا قبل منهم ما طلبوه من الجوار حتى يسمعوا كلام الله تعالى إذ لو علموا ما رغبوا عن التوحيد إلى الشرك. وقوله تعالى في الآية الثالثة [7] {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ} هذا الاستفهام للنفي مع التعجب أي ليس لهم عهد أبداً وهم كافرون غادرون، وقوله تعالى {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} هؤلاء بعض بني بكر بن كنانة عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام صلح الحديبية وهم عند الحرم فهؤلاء لهم عهد وذمة ما استقاموا على عهدهم فلم ينقضوه. فإن استقاموا استقام لهم المسلمون ولم يقتلوهم وفاء بعهدهم وتقوى لله تعالى لأنه تعالى يكره الغدر ويحب المتقين لذلك. وقوله تعالى {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} الاستفهام للتعجب أي كيف يكون للمشركين عهد يفون به لكم وهم إن يظهروا عليكم يغلبوكم في معركة، {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ} أي لا يراعوا الله تعالى ولا القرابة ولا الذمة بل يقتلوكم قتلاً ذريعاً، وقوله تعالى {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ} إخبار من الله تعالى عن أولئك المشركين الناكثين للعهد الغادرين بأنهم يحاولون إرضاء المؤمنين بالكذب بأفواههم، وقلوبهم الكافرة تأبى ذلك الذي يقولون بألسنتهم أي فلا تعتقده ولا تقره، {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} لا يعرفون الطاعة ولا الالتزام لا بعهد ولا دين، والجملة فيها تهييج للمسلمين على قتال المشركين ومحاصرتهم وأخذهم تطهيراً لأرض الجزيرة منهم قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الوفاء بالعهود ما لم ينقضها المعاهدون. 2- تقرير مبدأ الحزم في القتال والضرب بشدة. 3- وجوب تطهير الجزيرة من كل شرك وكفر لأنها دار الإِسلام. 4- إقام الصلاة شرط في صحة الإِيمان فمن تركها فهو كافر غير مؤمن. 5- احترام الجوار، والإِقرار به، وتأمين السفراء والممثلين لدولة كافرة. 6- قبول طلب كل من طلب من الكافرين الإِذن له بدخول بلاد الإِسلام ليتعلم الدين الإِسلامي. 7- القرآن كلام الله تعالى حقاً بحروفه ومعانيه لقوله {حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ} الذي يتلوه عليه صلى الله عليه وسلم. 8- وجوب مراقبة الله تعالى ومراعاة القرابة واحترام العهود.
القطان
تفسير : فاذا انسلخ: اذا انقضت وانتهت. الاشهر الحرم: هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.. حرم الله فهي القتال. احصروهم: احبسوهم امنعوهم من الخروج. المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو. استجار: طلب الامان والحماية. أَجره: أمنه. مأمنه: مسكنه الذي يأمن فيه. إلاَّ: جوارا او قرابة. بعد تقرير الحكم ببراءة الله ورسوله من المشركين، مع استثناء الذين لم ينقُصوا المسلمين شيئاً ولم يُظهروا عليهم أحداً - قفى على ذلك بذكر ما يجب ان يفعله المسلمون بعد انقضاء الأجل المضروب والامان الذي أُعطي لهم. فاذا انقضت الأشهر الاربعة التي حرَّم الله فيها قتال المشركين، فافعلوا كل ما ترونه موافقاً للمصلحة من تدابير الحرب وشئونها.. اقتلوا الناقضين للعهد في كل مكان، وخُذوهم بالشدّة، واضربوا عليهم الحِصار بسدّ الطرق، واقعدوا لم في كل سبيل. فإن تابوا عن الكفر، واسلموا والتزموا باحكام الاسلام - فلا سبيل لكم عليهم، لدخولهم في دين الله. ان الله تعالى يغفر لهم ما سبق من الشرك والضلال، فهو واسع الرحة بعباده. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أُمرتُ أن أقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله، وان محمداً رسولُ الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصَمُوا منّي دماءَهم وأموالهم إلا بحق الاسلام، وحِسابُهم على الله ". تفسير : {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ}. وان طلب منك الأمانَ أيها الرسول، أحدٌ من المشركين الذين أُمرتُم بقتالهم ليسمعَ دعوتك ويعلم ما أنزلَ الهُ، فأمِّنْه حتى يسمعَ كلام الله، فان دخل في الاسلام فهو منكم، وإن لم يدخل فأبلِغْه مسكنه الذي يأمن فيه. وهذا الأمر بتأمين المستجدِّ من هؤلاء الناس حتى يسمع كلام الله إنما تبريره أنه جاهل للاسلام، وأمثاله قوم لا يدرون ما الكتاب ولا الايمان. {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ}. انتهى في الآيات السابقة من تقرير الاحكام النهائية بين المسلمين والمشركين في الجزيرة، فأخذ في الآيات اللاحقة يقرر انه لا ينبغي ان يكون للمشركين عهد عند الله وسوله: كيف يكون لهؤلاء الناقضين للعهود مرارا، عهدٌ محترم؟ لا تأخذوا ايها المسلمون بعهودهم الا الذين عاهدتموهم منهم عند المسجد الحرام (مثل بني كِنانة وبني ضمَرة) لأنهم لم ينقضوا عهدهم الذي عاهدوا الرسول عليه يوم الحديبية، وهي قريبة من مكة، ولذلك قال تعالى: عند المسجد الحرام. فاستقيموا ايها المسلمون على عهد هؤلاء ما دااموا مستقيمين {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} الذين يخشون نقض العهد، فلا يفعلونه. {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}. كيف تحافظون على عهودهم، وهم قوم إن تمكنوا لم يدّخروا جُهدا في القضاء عليكم، غير مراعين جواراً ولا قرابة ولا عهدا. ثم بين الله ما تنطوي عليه نواياهم من الضغينة فقال: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ}. انهم يخدعونكم بكلامهم المعسول، وقلوبهم منطوية كراهيتكم، وأكثرُهم خارجون عن الحق ناقضون للعهد، فليس عندهم وفاء لكم ولا ود.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {وَآتَوُاْ} {ٱلزَّكَاةَ} (5) - فَإِذَا انْقَضَتْ الأشْهُرُ المُحَدَّدَةُ أجَلاً لِلْمُشْرِكِينَ، وَالَّتِي حَرَّمَ اللهُ فِيهَا قِتَالَهُمْ، فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ، حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فِي الأرضِ، وَأسُروهُمْ (خُذُوهُمْ)، فَإنْ شِئْتُمْ أسْراً، وَإنْ شِئْتُمْ قَتْلاً. وَلاَ تَكْتَفُوا بِقِتَالِ مَنْ تُصَادِفُونَهُ مِنْهُمْ فِي طَرِيقِكُمْ، وَلَكِنِ اقْصُدُوهُمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَحَاصِرُوهُمْ فِي حُصُونِهِمْ، وَامْنَعُوا خُرُوجَهُمْ وَانْفِلاَتَهُمْ، وَارْصُدُوا طُرُقَهُمْ وَمَسَالِكَهُمْ، حَتَّى تُضَيِّقُوا عَلَيْهِمُ الوَاسِعَ، وَتَضْطَرُّوهُمْ إلَى القَتْلِ أوِ الإِسْلاَمِ. فَإنْ تَابُوا عنِ الشِّرْكِ وَأسْلمُوا، وَأقَامُوا الصَّلاَةَ، وَأدُّوا الزَّكَاةَ، وَقَامُوا بِوَاجِبَاتِ الإِسْلاَمِ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (وَهَذِهِ الآيَةُ تُسَمَّى آيَةَ َالسَّيفِ إِذْ جَاءَ الأَمْرُ فِيهَا بِالقِتَالِ، وَكَانَ مُؤَجَّلاً إلَى أَنْ يَقْوَى المُسْلِمُونَ). انْسَلَخَ - انْقَضَى وَيُقْصَدُ بِالأشْهُرِ الحُرُمِ هُنَا أشْهُرُ العَهْدِ الأرْبَعَةُ. احْصُرُوهُمْ - احْبِسُوهُمْ وَضَيِّقُوا عَلَيْهِمْ، وَامْنَعُوهُمْ مِنَ الانْسِياَحِ فِي البِلاَدِ. كُلَّ مَرْصَدٍ - كُلَّ طَرِيقٍ وَمَمَرٍّ وَمَرقَبٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"انسلخ" يعني انقضت وانتهت الأشهر الحرم، ومادة "سلخ" و"انسلخ" تدور كلها حول نزع شيء ملتصق بشيء، فتقول: "سلخت الشاة" أي نزعت الجلد عن اللحم، والجلد يكون ملتصقا باللحم شديداً. فكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن الأشهر الحرم هي زمان، والزمان ظرف، فالناس مظروفون في الزمان والمكان، فكأن الأشهر الحرم تحيطهم كوقاية لهم من المؤمنين، فإذا مرت الأشهر الحرم تزول هذه الوقاية عنهم بعد أن كانت ملتصقة بهم، والانسلاخ له معنيان: فمرة يقال ينسلخ الشيء عن الشيء، ومرة يقال: ينسلخ الشيء من الشيء، ولذلك تجد في القرآن الكريم تبارك وتعالى: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا}تفسير : [الأعراف: 175]. وهذه الآية الكريمة التي نزلت في ابن باعوراء الذي أعطاه الله العلم والحكمة والآيات، ولكنه تهاون فيها وتركها، فكأنه هو الذي انسلخ بإرادته وليست هي التي انسلخت منه، وصار بذلك مقابلا للشاة، ونحن نسلخ جلد الشاة من الشاة. والحق سبحانه وتعالى أيضا يقول: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ}تفسير : [يس: 37]. فكأن الليل مثل الذبيحة، ثم يأتي النهار فيسلخ منه الظلمة وبزيلها عنه ويأتي بالضياء، فكأن الليل ثوب أسود يأتي عليه ثوب أبيض هو النهار، فإذا جاء ميعاد الليل رفع الثوب الأبيض أو سلخ النور عن ظمة الليل؛ لتصبح الدنيا مليئة بظلام الليل، وكأن النور هو الذي يطرأ على الظلمة فيكسوها بياضا، أي أن الضوء هو الذي يأتي ويذهب، بينما الظلمة موجودة، فإذا جاءها ضوء الشمس صارت نهارا، وإذا انسلخ منها صارت ليلاً. وماذا يحدث عندما تنتهي الأشهر الحرم؟ يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5]. فكأن الله سبحانه وتعالى بعد أن أعطى المشركين مهلة أربعة أشهر، والذين لهم عهد أكثر من ذلك يتركون إلى أن تنتهي مدة العهد، ومن بعد ذلك يكون عقاب المشرك هو القتل، لماذا؟ لأنه لا يجتمع في هذا المكان دينان. ولقائل أن يقول: وأين هي حرية التدين؟ ونقول: فيه فرق بين بيئة نزل فيها القرآن بلغة أهلها؛ وعلى رسول من أنفسهم، أي يعرفونه جيدا ويعرفون تاريخه وماضيه، وبيئة لها أحكامها الخاصة بحكم التنزيل، فأولئك الذين نزل القرآن في أرضهم وجاءت الرسالة على رسول منهم وهو موضع ثقة يعرفون صدقة وأمانته ويأتمنونه على كل نفيس وغال يملكونه، وكان كل ذلك مقدمة للرسالة، وكانت المقدمة كفيلة إذا قال لهم إنني رسول الله لم يكذبوه؛ لأنه إذا لم يكن قد كذب عليهم طوال أربعين سنة عاشها بينهم، فهل يكذب على الله؟ الذي لا يكذب على المخلوق أيكذب على الله؟ هذا كلام لا يتفق مع العقل والمنطق؛ لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}تفسير : [التوبة: 128]. أي ليس غريبا عليكم، تعرفونه جيدا حتى إنكم كنتم تأتمنونه على أغلى ما تملكون، وتلقبونه بالأمين في كل شئون الدنيا، فكيف ينقلب الأمين غير صادق عندكم؟ كما أن القرآن الكريم وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء بلغتكم وأسلوبه من جنس ما نبغتم فيه، فكان إعجازاً لكم، وتحداكم الله تعالى بأن تأتوا بسورة من مثله فعجزتم وأنتم ملوك البلاغة والفصاحة، فكأن الإعجاز من أمانة الرسول وصدقه، والإعجاز من بلاغة القرآن وتحديه يقتضي منكم الإيمان فيكون عدم الإيمان هنا مكابرة تقتضي عقاباً صارماً. فإن سأل سائل: أين هي حرية التدين؟ وأين تطبيق قول الحق تبارك وتعالى؟ {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} تفسير : [البقرة: 256]. نقول: نعم، لا إكراه في أن تؤمن بالله وتؤمن بدينه، ولكن ما دمت قد آمنت فلا بد أن تلتزم بما يوجبه هذا الإيمان، أما عند التفكير في مبدأ التدين فأنت حر في أن تؤمن بالله أو لا تؤمن. ولكن إذا آمنت فالواجب أن نطلب منك أن تلتزم. ثم إن الحق سبحانه وتعالى شاء ألاَّ يجتمع في الجزيرة العربية دينان أبداً. ولكن في أيِّ مكان آخر مثل فارس، الروم، فهم لن يعرفوا إعجاز القرآن الكريم كلغة، ولكن يسمعون أنَّه معانٍ سامية بقوانين فعالة تنظم الحياة وترتقي بها. أما الذين يعرفون الرسول وفصاحة المعجزة التي جاء بها، فلن يُقبل منهم إلاَّ أن يسلموا، ولا يُقبل منهم أن يظلوا في أرض الرسالة دون إسلام، وإن أرادوا أن يظلوا على الشرك فليرحلوا بعيداً عن هذه الأرض. وهناك من يقول: إنَّ الإسلام انتشر بالسيف أو الجزية، ونقول: إن الإسلام انتشر بالقدوة، أما السيف فكان دفاعاً عن حق اختيار العقيدة في البلاد التي دخلها الإسلام فاتحاً، والجزية كانت لقاء حماية من يريد أن يبقى على دينه. ونجد في حياتنا اليومية من يستخدم {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} في غير موضعها، فحين يقول مسلم لآخر: لماذا لا تصلي؟ يرد عليه بهذا القول: {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ}. ونقول: إن {لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} مسألة تخص قمة التدين، أي مسألة اعترافك بأنك مسلم أو غير ذلك، لكن ما دمت قد أعلنت الإسلام وحُسبت على المسلمين، فعليك الالتزام بما فرضه عليك الدين فلا تشرب الخمر ولا تزن، إذن فـ{لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} تعني لا إكراه على اختيار الإسلام، ولكن لا بد من الحرص ممن أعلنوا الإسلام على مطلوبات الدين. إذن فلماذا أُكْرِه العرب على الإسلام؟ قيل في ذلك سببان: الأول أن الرسول صلى الله عليه وسلم منهم، والثاني أنَّ المعجزة جاءت بلسانهم. ويتابع الحق سبحانه وتعالى قوله: {وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ} [التوبة: 5]. فإن عز عليكم أن تقتلوهم فخذوهم أسرى؛ ما داموا لم يدافعوا عن أنفسهم بقتالكم، ولم يهددوكم في حياتكم، وهنا يحقن الدم ويستفاد بهم كأسرى. وإن خفتم من شرورهم فاحصروهم في مكان مراقب. إذا قاموا بأي حركة معادية يكون من السهل عليكم كشفها، وإنزال العقاب بهم. والحصر هنا تقييد الحركة مع السماح لهم بحركة محدودة بحيث لا يغيبون عن نظركم. ثم يتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5]. أي ارصدوا حركاتهم حتى تأمنوا مكرهم؛ وحتى لا يتصل بعضهم بالبعض الآخر، وينشئوا تكتلاً يعادي الإسلام. ارصدوا حركاتهم، وارصدوا كلامهم، وارصدوا أفعالهم، ولا تجعلوهم يخرجون عن رقابتكم وافعلوا ما بوسعكم لتكونوا في مأمن من شرورهم، ولكن لا تخوجوا بالاستطلاع إلى حيز استذلالهم، فالاستدلال غير الاستذلال. وقد يتساءل البعض: لماذا هذا الاختلاف في العقوبة حيث هناك القتل وهناك الحصر وهناك الرصد لهم في طرقهم ومسالكهم،؟. نقول: إن العقوبة تختلف باختلاف مواقع المشركين من العداء للإسلام، فهناك أئمة الكفر الذين يحاربون هذا الدين؛ ويدعون الناس لعدم الإيمان، ويحرضون على قتال المسلمين وقتلهم وإيذائهم ولا ينصلحون أبداً، ولا يكفون أذاهم عن المؤمنين أبداً: أولئك جزاؤهم القتل. وهناك من لا يؤذون المسلمين، وإنما يجاهرون بالعداء للدعوة، هؤلاء شأنهم أقل؛ فنأخذهم أسرى. وهناك من الكفار من لا يفعل شيئا إلا أنه غير مؤمن؛ فهؤلاء نراقب حركاتهم ليتقي المسلمون شرّهم ليكونوا على استعداد بصفة دائمة لمواجهتهم إذا ما انقلبوا ليؤذوا المسلمين ويهاجموهم ويقاتلوهم. إذن فلم توضع عقوبة واحدة تشمل الجميع. لأن الجميع غير متساوين في عدائهم للإسلام؛ فأئمة الكفر لهم حكم، والذين عداوتهم للإسلام أقل لهم حكم آخر. ثم تأتي رحمة الله سبحانه وتعالى؛ لأنه سبحانه وتعالى رحيم بعباده فلا ييئسهم أبداً من الرجوع إليه فيقول: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 5]. ويفتح سبحانه باب التوبة أمام عباده جميعاً ولا يغلقه أبداً، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيما يرويه عنه أبو حمزة أنس بن مالك - خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لله أفرحُ بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ". تفسير : أي أنك وأنت مسافر في صحراء جرداء بعيدة تماماً عن أي عمران ثم جلست لتستريح ومعك الجمل الذي تسافر عليه؛ عليه الماء والطعام وكل ما تملك من وسائل الحياة، ثم غفلت عن الجمل فانطلق شارداً وسط الصحراء، وتنبهت فلم تجده ولا تعرف مكانه، وفجأة وأنت تمضي على غير هدى وجدت الجمل أمامك، فكيف تكون فرحتك؟ إنها بلا شك فرحة كبيرة جدا لأنك وجدت ما ينجيك من الهلاك، وهذه الفرحة تملأ النفس وتغمرها تماماً، كذلك يفرح الله بتوبة عباده، لذلك يوضح سبحانه وتعالى بأنه إن تاب هؤلاء الكفار من عدائهم لدين الله ورسوله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فَلْيُخَلِّ المسلمون سبيلهم وليتركوهم أحراراً. وهنا نجد ثلاثة شروط: أولها التوبة والعودة إلى الإيمان. وإقامة الصلاة، هذا هو الشرط الثاني، ثم يأتي الشرط الثالث وهو إيتاء الزكاة، ولا بد أن يؤدي الثلاثة معاً؛ لأن التوبة عن الكفر هي دخول في حظيرة الإيمان، والدخول إلى حظيرة الإيمان يقتضي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ثم إقامة الصلاة ثم إيتاء الزكاة ثم صوم رمضان ثم حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. ولو نظرت إلى أركان الإسلام الخمسة تجد أن المسلم قد يؤدي بعضها ولا يؤدي البعض الآخر، فالمسلم الفقير الذي لا يجد إلا ضروريات الحياة تسقط عنه الزكاة ويسقط عنه الحج، والمسلم المريض مرضاً مزمناً يسقط عنه الصوم، وتبقى شهادة أن لا الله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ وهذه يكفي أن يقولها المسلم في العمرة مرة، ويبقى ركن إقامة الصلاة لا يسقط أبداً، لا في الفقر ولا في الغنى ولا في الصحة ولا في المرض؛ لأن الصلاة هي الفارقة بين المسلم وغير المسلم، وهي عماد الدين لأنه تتكرر كلَّ يوم خمس مرات، فالمريض عليه أن يصلي بقدر الاستطاعة. فإن لم يستطع أن يؤديها واقفا فجالساً وإن لم يستطع أن يؤديها جالساً فراقداً. إننا نعلم أن كل صلاة إنما تضم كل أركان الإسلام؛ ففي كل صلاة نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ وكل صلاة فيها زكاة؛ لأن الزكاة إخراج بعض المال للفقراء، والمال يأتي من العمل، والعمل محتاج لوقت، والصلاة تأخذ بعض وقتك الذي يمكن أن تستخدمة في العمل فيعطيك رزقاً تزكي به، فكأنك وأنت تصلي أعطيت بعض مالك لله سبحانه وتعالى؛ لأنك أخذت الوقت الذي كان يمكن أن تعمل فيه فتكسب مالاً للزكاة، فكأن الصلاة فيها زكاة الوقت. إن الوقت هو ما نحتاج إليه في حركة الحياة للحصول على المال فتكون في الصلاة زكاة. ونأتي بعد ذلك للصوم وأنت في الصوم إنما تمتنع عن شهوة البطن وشهوة الفرج بعضاً من الوقت؛ من قبيل الفجر إلى المغرب، وكذلك في الصلاة. وفي الصلاة أنت لا تستطيع أن تأكل أثناء الصلاة. فكأنك لا بد أن تصوم عن شهوة البطن وأنت تصلي، كما أنك لا بد أن تصوم عن شهوة الفرج أثناء الصلاة، فلا تستطيع وأنت تصلي أن تفعل أي شيء مع زوجتك، ولا تستطيع زوجتك أن تفعل معك شيئا، بل أنت في الصلاة تكون في دائرة أوسع من الإمساك، لأنك ممنوع من الحركة وممنوع من الكلام. فإذا جئنا إلى حج بيت الله الحرام؛ نقول إنَّك ساعة تصلي لا بد أن تتجه إلى بيت الله الحرام، وتتحرى القبلة، إذن فكأن بيت الله الحرام في بالك وفي ذكرك وأنت تتجه إليه في كل صلاة. وعلى ذلك فقد جمعت الصلاة أركان الإسلام كلها. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حديث : الصلاة عماد الدين" تفسير : وإذا كانت الصلاة هي عماد الدين كما بين النبي صلى الله عليه وسلم فمن أقامها فقد أقام الدَّين - ومن عجائب ترتيب آيات القرآن أنك تجد الصلاة مقرونة دائما بالزكاة؛ لأن الزكاة بالمال، والصلاة زكاة بالوقت، نحن محتاجون إلى الوقت لنعمل فيه حتى نأتي بالمال، والحق سبحانه وتعالى يقول: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]. ومعنى ذلك أنهم إذا لم يؤدوا الثلاثة معاً لا نخلي سبيلهم، وما دمنا لا نخلي سبيلهم فهم يدخلون تحت العقوبات التي حددها الله وهي: "اقتلوهم" أو "خذوهم" أو: {وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5]. وأول العقوبات هو القتل وذلك لأئمة الكفر، فإذا آمن كافر وترك الصلاة لا يكون قد تاب وآمن: وإذا لم يؤد الزكاة لا يكون قد تاب وآمن؛ لذلك إذا لم يقوموا بالعبادات الثلاث لا نخلي سبيلهم، ولقد أفتى بعض الأئمة بأن تارك الصلاة يقتل، ونقول: لا، تارك الصلاة إمَّا أن يكون قد تركها إنكاراً لها وجحودا بها، وإما أن يكون قد تركها عن كسل. فإن كان يتركها عن كسل لأنه لا يقدر على نفسه والدنيا تجذبه بمشاغلها فعلينا أن نحاول بالحكمة والموعظة الحسنة أن ننصحه ونستحثه حتى يعود إلى الصلاة ويؤديها في وقتها، ثم من بعد ذلك إن تركها عمداً كسلاً، يعاقب بالضرب الشديد، ولكن بعض الأئمة يقولون: لقد قاتل أبو بكر أولئك الذين ارتدوا ومنعوا الزكاة، ونقول: إنه لم يقاتلهم لأنهم عصاة، بل لأنهم قد ردوا الحكم على الله، وأنكروا الزكاة فكانوا بذلك قد ارتدوا كفاراً؛ لأن هناك فارقاً بين أن ترد الحكم على الله وتنكره؛ وبين أن تسلم بالحكم لله، وتعلن أنك مع إيمانك بهذا الحكم لا تقدر على التنفيذ، أو تعترف أنك مقصر في التنفيذ. ولذلك نقول للذين يحاولون أن يدافعوا عن الربا ويحلوه: قولوا هو حرام ولكننا لا نقدر على أنفسنا حتى لا تعودوا كفاراً: لأنك إذا قلت إن الربا ليس حراماً تكون قد رددت الحكم على الله ووقفت موقف الكافر، ولكنك إن قلت إن الربا حرام ولكن ظروفي قهرتني فلم أستطع، تكون بذلك عاصياً. وهذا كما قلنا هو الفرق بين معصية إبليس ومعصية آدم عليه السلام، فقد أمر الله تعالى إبليس بالسجود فعصى، وآدم أمره الله فعصى، فلماذا قضى الله على إبليس عليه اللعنة إلى يوم القيامة، بينما تلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه وغفر له؟ نقول: لأن إبليس رد الحكم على الله؛ فقال: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61]. وقال: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [ص: 76]. فكأن إبليس رد الحكم على الله عز وجل، ولكن آدم لم يقل ذلك. وإنما قال: حكمك يا ربي صحيح وما أمرتني به هو الحق، ولكني لم أقدر على نفسي فظلمتها فتب عليّ واغفرلي وذلك مصداقا لقوله سبحانه وتعالى: {أية : قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 23]. وهذا هو الفرق بين المعصية والكفر. إذن فالتعامل مع المشركين إن لو يتوبوا ولم يُصَلُّوا ولم يُزكُّوا، ولم يقدر عليهم المسلمون، ماذا يحدث؟. إن على المسلمين أن يحاولوا تطبيق ما أمر به الله سبحانه وتعالى بشأنهم. ولكن ماذا إن استجار واحد من المشركين بالمسلمين؟. وهنا ينزل قول الحق تبارك وتعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} معناهُ كُلَّ طَريقٍ.
الأندلسي
تفسير : {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} الظاهر أن هذه الأشهر هي التي أبيح للناكثين ان يسيحوا فيها، ووصفت بالحرم لأنها محرم فيها القتال، وتقدم ذكر الخلاف في ابتدائها وانتهائها، وإذا تقدمت النكرة وذكرت بعد ذلك فالوجه ان يؤتى بالضمير نحو: لقيت رجلاً فضربته. ويجوز أن يعاد اللفظ معرفاً بأل نحو: لقيت رجلاً فضربت الرجل. ولفظ حيث وجدتموهم عام في الأماكن من حل وحرم. {وَخُذُوهُمْ} عبارة عن الأسر والأخيذ الأسير، ويدل على جواز أسرهم. {وَٱحْصُرُوهُمْ} قيدوهم وامنعوهم من التصرف في بلاد المسلمين. وقيل: استرقوهم وحاصروهم ان تحصنوا. قال القرطبي في قوله: واقعدوا لهم كل مرصد، دلالة على جواز اغتيالهم قبل الدعوة، لأن المعنى اقعدوا لهم مواضع الغرة، وهذا تنبيه على أن المقصود إيصال الأذى إليهم بكل طريق، اما بطريق القتال، أو بطريق الاغتيال. وقد أجمع المسلمون على جواز السرقة من أموال أهل الحرب، واستلال خيلهم وإتلاف مواشيهم إذا عجزوا عن الخروج بها إلى دار الإِسلام إلا أن يصالحوا على مثل ذلك. قال الزمخشري: كل مرصد، كل ممرّ، ومجتاز ترصدونهم فيه وانتصابه على الظرف كقوله: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16]. "انتهى". وهذا الذي قاله الزجاج قال: كل مرصد، ظرف كقولك: ذهبت مذهباً. ورده أبو علي لأن المرصد: المكان الذي يرصد العدو فيه، فهو مكان مخصوص لا يحذف الحرف منه إلا سماعاً، كما حكي سيبويه: دخلت البيت، وكما: عسل الطريق الثعلب. "انتهى". وأقول: يصح انتصابه على الظرف لأن قوله: واقعدوا لهم، ليس معناه حقيقة القعود بل المعنى ارصدوهم في كل مكان يرصد فيه ولما كان هذا المعنى جاز قياساً أن يحذف منه في، كما قال: وقد قعدوا إيقافها كل مقعد. فمتى كان العامل في الظرف المختص عاملاً من لفظه أو من معناه جاز أن يصل إليه بغير واسطة في، فيجوز: جلست مجلس زيد، وقعدت مجلس زيد، تريد في مجلس زيد فكما يتعدى الفعل إلى المصدر من غير لفظه إذا كان بمعناه فكذلك إلى الظرف. وقال الأخفش: معناه على كل مرصد فحذف على واعمل الفعل وحذف على ووصول الفعل إلى مجرورها فينصبه، يخصّه أصحابنا بالشعر وأنشدوا قول الشاعر: شعر : تحن فتبدي ما بها من صبابة وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني تفسير : أي لقضى علي. {فَإِن تَابُواْ} أي عن الكفر والغدر. والتوبة تتضمن الإِيمان وترك ما كانوا فيه من المعاصي. {فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} كناية عن الكف عنهم وإجرائهم مجرى المسلمين في تصرفاتهم حيث ما شاؤا ولا يتعرض لهم. {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ} الآية، الظاهر أنها محكمة. وعن ابن جبير قال: جاء رجل إلى عليّ كرم الله وجهه فقال: ان أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء الأجل ليسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل. قال: لا، لأن الله تعالى قال: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} الآية، ولما أمر تعالى بقتل المشركين حيث وُجدوا وأخذهم وحصرهم وطلب غَدّتهم ذكر لهم حالة لا يقتلون فيها ولا يؤخذون وهي إذا جاء واحد منهم مسترشداً طالباً للحجة والدلالة على ما تدعو إليه من الدين، فالمعنى وان أحد من المشركين استجارك، أي طلب منك أن تكون مجيراً له وذلك بعد انسلاخ الأشهر ليسمع كلام الله تعالى، وما تضمنه من التوحيد ويقف على ما بعثت به فكن مجيراً له حتى يسمع كلام الله ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر. {ثُمَّ أَبْلِغْهُ} داره التي يأمن فيها ان لم يسلم، ثم قاتله إن شئت من غير غدرٍ ولا خيانة. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} أي ذلك الأمر بالإِجارة وإبلاغ المأمن بسبب أنهم قوم جهلة لا يعلمون ما الإِسلام وما حقيقة ما تدعو إليه، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويتفهموا الحق. {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ} الآية، هذا استفهام معناه التعجب والاستنكار والاستبعاد، وفي الآية إضمار أي كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر والنكث. والاستفهام يراد به النفي كثيراً. قال الشاعر: شعر : فهذي سيوف يا هُدَيَ بن مالك كثير ولكن كيف بالسيف ضارب تفسير : أي ليس بالسيف ضارب. ولما كان الاستفهام معناه النفي صلح مجيء الاستثناء وهو متصل. وقيل: منقطع، أي لكن الذين عاهدتم منهم عند المسجد الحرام. وقال ابن عباس: هم قريش. وقال السدي: بنو خزيمة بن الدئل. وقال ابن إسحاق: قبائل بني بكر كانوا دخلوا وقت الحديبية في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش. كيف في موضع نصب خبرا ليكون. وعهد اسم يكون. والظاهر أن ما مصدرية ظرفية، أي استقيموا لهم مدة استقامتهم، وليست شرطية. وقال أبو البقاء: هي شرطية كقوله تعالى: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ}تفسير : [فاطر: 2]. "انتهى". فكان التقدير ما استقاموا لكم من زمان فاستقيموا لهم. وقال الحوفي: ما شرط في موضع رفع بالابتداء، والخبر استقاموا، ولكم متعلق باستقاموا. {فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} الفاء جواب الشرط. "انتهى". فكان التقدير فأي وقت استقاموا لكم فيه فاستقيموا لهم. وإنما جوّز أن تكون شرطية لوجود الفاء في فاستقيموا لأن المصدرية الزمانية لا تحتاج إلى الفاء.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن حال المشركين وقتلهم بقوله تعالى: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} إلى قوله: {أية : يَنتَهُونَ}تفسير : [التوبة: 12]. الإشارة فيه قوله تعالى: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} يشير إلى استكمال الأوصاف الأربعة التي بها قوام الإنسان من النباتية والحيوانية والشيطانية كما مرَّ ذكرها في الآيات المتقدمة؛ يعني: مهما كملت النفس هذه الصفات بها تصير مشركة؛ لأن بهذه الأوصاف تميل إلى الدنيا وزخارفها وتعبد الهوى والشيطان، {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي: النفوس المشركة بسيف الصدق وقتلها في نهيها عن هواها ومنعها عن مشتهاها واستعمالها على خلاف طبعها وضد طبيعتها. {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] يعني: في الطاعة والمعصية، فقتلها في الطاعة بملازمتها ومداومتها عليها، وفي المعصية بنظافتها عن مشاربها فيها وإعجابها بها وتحصيلها إياها، {وَخُذُوهُمْ} [التوبة: 5] بآداب الطريقة، {وَٱحْصُرُوهُمْ} [التوبة: 5] والجأوهم إلى حصار الحقيقة. {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5] يشير إلى مراقبة أحوال النفوس وشد طرف خيلها، أي: ارقبوا مقرها ومهربها، {فَإِن تَابُواْ} [التوبة: 5] رجعوا إلى الله ورجعت النفوس عن هواها إلى طلب الحق تعالى، {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} [التوبة: 5] أي: داومت على العبودية والتوجه الحق، {وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ} [التوبة: 5] عن أوصافها الذميمة، {فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] عن مفلسات الشدائد بالرياضات والمجاهدات؛ ليعلموا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة، فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية، {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} [التوبة: 5] يستر بصفاته الراجعين إليه، {رَّحِيمٌ} [التوبة: 5] بإقباله إليهم لحصولهم لديه. {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 6] يعني: من مشركي النفوس يشير إلى إحدى صفات النفوس، {ٱسْتَجَارَكَ} [التوبة: 6] بالقلب يعني: بعض صفات النفس إن مال إلى جوار القلب، ويرغب في نوع من العبودية وترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة، {فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ} [التوبة: 6] حتى يلهم بإلهام الله ويميز به الفجور والتقوى، فتتزكى عن الفجور وتحلى بالتقوى، {ثُمَّ أَبْلِغْهُ} [التوبة: 6] بالإخلاص والاجتهاد، {مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6] وهو دار الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعقلت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها من سطوة جذبة الحق، فإن بطش ربك لشديد، {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ} [التوبة: 6] يعني: النفس وصفاتها، {قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6] الله والطاعة فلا يقبلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيرغبون إليها. {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ} [التوبة: 7] يشير إلى مشركي النفوس كيف يكون، إمَّا ثبات على العهد الذي عاهدت الله تعالى يوم الميثاق على أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً من الدنيا والآخرة، وذلك أن النفس ما دامت حية باقية على صفاتها الذميمة غير المبدلة بالحميدة، ولا يمكنها العبودية الخالصة من قرب الطمع في المقاصد الدنيوية والأخروية؛ لأنها خلقت من السفليات وجبلت ميالة إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها بالطبع وإن صقل الطبع الطمع بالتزكية عنها وآل إلى الصلاح أمرها وتخلقت بالأخلاق الروحانية، فحينئذٍ تميل من الشهوات الدنيوية الفانية إلى شهوات نعيم الجنة الباقية كقوله تعالى: {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ}تفسير : [الزخرف: 71]. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} التوبة: 7] وهو مقام الوصول الذي حرام على أهل الدنيا والآخرة وهو مقام أهل الله خاصة، فإن النفس إذا تنورت بالأنوار المنعكسة من تجلي صفات الجلال والجمال لمرآة القلب تفنى عن أوصافها المخلوقية وتبقى بالأنوار الخالقية، فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة محفوظة عن خصائصها، {فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ} [التوبة: 7] عن الصراط المستقيم فتصهر بالدين القيوم، {فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} [التوبة: 7] على مهادنة النفوس من ترك جهادها بشدائد فتك الطريقة وسَرح في رياض متسع الشريعة، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7] أي: النفوس المتقية بالله عمَّا سواه. ثم أخبر عن خصوصية النفوس، وإنها لا تصلح للثبات على الاستقامة، وأنها غير مأمونة عنها فقال: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} [التوبة: 8] إلى قوله: {أية : لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}تفسير : [التوبة: 12] يشير إلى أن النفس في جميع الأحوال مترقبة للظفر بالقلب والروح، {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} [التوبة: 8] أي: لا يحفظوا فيكم حقوق الجنسية، فإن الخليقة بعضها من بعض الأرواح والقلوب والنفوس والأصدقاء بالعهد، فإنها مجبولة على الجفاء ونقض العهود، {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 8] بالأعمال الظاهرة، {وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 8] طبيعتهم وجبلتهم اختياراً ما يرضونكم به اضطراراً، {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8] فيما يعملون للرياء والنفاق خارجون عن الصدق والإخلاص.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى { فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ } أي: التي حرم فيها قتال المشركين المعاهدين، وهي أشهر التسيير الأربعة، وتمام المدة لمن له مدة أكثر منها، فقد برئت منهم الذمة. { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } في أي مكان وزمان، { وَخُذُوهُمْ } أسرى { وَاحْصُرُوهُمْ } أي: ضيقوا عليهم، فلا تدعوهم يتوسعون في بلاد اللّه وأرضه، التي جعلها [الله] معبدا لعباده. فهؤلاء ليسوا أهلا لسكناها، ولا يستحقون منها شبرا، لأن الأرض أرض اللّه، وهم أعداؤه المنابذون له ولرسله، المحاربون الذين يريدون أن يخلو الأرض من دينه، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. { وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } أي: كل ثنية وموضع يمرون عليه، ورابطوا في جهادهم وابذلوا غاية مجهودكم في ذلك، ولا تزالوا على هذا الأمر حتى يتوبوا من شركهم. ولهذا قال: { فَإِنْ تَابُوا } من شركهم { وَأَقَامُوا الصَّلاةَ } أي: أدوها بحقوقها { وَآتُوا الزَّكَاةَ } لمستحقيها { فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } أي: اتركوهم، وليكونوا مثلكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم. { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } يغفر الشرك فما دونه، للتائبين، ويرحمهم بتوفيقهم للتوبة، ثم قبولها منهم. وفي هذه الآية، دليل على أن من امتنع من أداء الصلاة أو الزكاة، فإنه يقاتل حتى يؤديهما، كما استدل بذلك أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):