Verse. 1239 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

اِلَّا الَّذِيْنَ عٰہَدْتُّمْ مِّنَ الْمُشْرِكِيْنَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوْكُمْ شَيْــــًٔـا وَّلَمْ يُظَاہِرُوْا عَلَيْكُمْ اَحَدًا فَاَتِمُّــوْۗا اِلَيْہِمْ عَہْدَہُمْ اِلٰى مُدَّتِہِمْ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ يُحِبُّ الْمُتَّقِيْنَ۝۴
Illa allatheena AAahadtum mina almushrikeena thumma lam yanqusookum shayan walam yuthahiroo AAalaykum ahadan faatimmoo ilayhim AAahdahum ila muddatihim inna Allaha yuhibbu almuttaqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا» من شروط العهد «ولم يظاهروا» يعاونوا «عليكم أحدا» من الكفار «فأتموا إليهم عهدهم إلى» انقضاء «مدتهم» التي عاهدتم عليها «إن الله يحب المتقين» بإتمام العهود.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : هذا الاستثناء إلى أي شيء عاد؟ فيه وجهان: الأول: قال الزجاج: إنه عائد إلى قوله: {بَرَاءةٌ } والتقدير {بَرَاءةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } إلى المشركين المعاهدين إلا من الذين لم ينقضوا العهد. والثاني: قال صاحب «الكشاف»، وجهه أن يكون مستثنى من قوله: {فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ } لأن الكلام خطاب للمسلمين، والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقصوكم فأتموا إليهم عهدهم. واعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين: أحدهما: قوله: {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ } والثاني: قوله: {وَلَمْ يُظَـٰهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً } والأقرب أن يكون المراد من الأول أن يقدموا على المحاربة بأنفسهم، ومن الثاني: أن يهيجوا أقواماً آخرين وينصروهم ويرغبوهم في الحرب. ثم قال: {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ } والمعنى أن الذين ما غادروا من هذين الوجهين، فأتموا إليهم عهدهم، ولا تجعلوا الوافين كالغادرين. وقوله: {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ } أي أدوه إليهم تاماً كاملاً. قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلتين أو يكون المراد أن هذه الطائفة لما أنفوا النكث ونقض العهد، استحقوا من الله أن يصان عهدهم أيضاً عن النقض والنكث. روى أنه عدت بنو بكر على بن خزاعة في حال غيبة رسول الله وظاهرتهم قريش بالسلاح، حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله فأنشده:شعر : لا هم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا وقتلونا ركعاً وسجدا تفسير : فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا نصرت إن لم أنصركم» تفسير : وقرىء {لَمْ } بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} في موضع نصب بالاستثناء المتصل؛ المعنى: أن الله بريء من المشركين إلا من المعاهدين في مدة عهدهم. وقيل: الاستثناء منقطع؛ أي أن الله بريء منهم ولكن الذين عاهدتم فثبتوا على العهد فأتمُّوا إليهم عهدهم. وقوله: {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ} يدل على أنه كان من أهل العهد مَن خاسَ بعهده ومنهم من ثبت على الوفاء؛ فأذِن الله سبحانه لنبيّه صلى الله عليه وسلم في نقض عهد من خاس، وأمر بالوفاء لمن بقي على عهده إلى مدّته. ومعنى «لَمْ يَنْقُصُوكُمْ» أي من شروط العهد شيئاً. {وَلَمْ يُظَاهِرُواْ} لم يعاوِنوا. وقرأ عِكرمة وعطاء بن يَسار «ثم لم ينقضوكم» بالضاد معجمة على حذف مضاف؛ التقدير ثم لم ينقضوا عهدهم. يقال: إن هذا مخصوص يراد به بنو ضَمْرة خاصّةً. ثم قال: {فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} أي وإن كانت أكثر من أربعة أشهر.

البيضاوي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} استثناء من المشركين، أو استدراك فكأنه قيل لهم بعد أن أمروا بنبذ العهد إلى الناكثين ولكن الذين عاهدوا منهم. {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} من شروط العهد ولم ينكثوه أو لم يقتلوا منكم ولم يضروكم قط. {وَلَمْ يُظَـٰهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً} من أعدائكم {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} إلى تمام مدتهم ولا تجروهم مجرى الناكثين. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} تعليل وتنبيه على أن إتمام عهدهم من باب التقوى.

ابن كثير

تفسير : هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت، فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض، يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت، فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث، ومن كان له عهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهده إلى مدته، وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحداً، أي: يمالىء عليهم من سواهم، فهذا الذي يوفى له بذمته وعهده إلى مدته ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} أي: الموفين بعهدهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً } من شروط العهد {وَلَمْ يُظَٰهِرُواْ }: يعاونوا {عَلَيْكُمْ أَحَداً } من الكفار {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ } انقضاء {مُدَّتِهِمْ } التي عاهدتم عليها {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } بإِتمام العهود.

الشوكاني

تفسير : الاستثناء بقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ }. قال الزجاج: إنه يعود إلى قوله: {بَرَاءةٌ } والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المعاهدين من المشركين إلا الذين لم ينقضوا العهد منهم. وقال في الكشاف: إنه مستثنى من قوله: {فَسِيحُواْ } والتقدير: فقولوا لهم: فسيحوا، إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقصوكم، فأتموا إليهم عهدهم. قال: والاستثناء بمعنى الاستدراك، كأنه قيل بعد أن أمروا في الناكثين: ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم، ولا تجروهم مجراهم. وقد اعترض عليه بأنه قد تخلل الفاصل بين المستثنى والمستثنى منه، وهو: {وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ } إلخ. وأجيب بأن ذلك لا يضرّ، لأنه ليس بأجنبي. وقيل: إن الاستثناء من المشركين المذكورين قبله، فيكون متصلاً وهو ضعيف. قوله: {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً } أي: لم يقع منهم أيّ نقص. وإن كان يسيراً، وقرأ عكرمة، وعطاء بن يسار"ينقضوكم" بالضاد المعجمة، أي لم ينقضوا عهدكم، وفيه دليل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده. ومنهم من ثبت عليه، فأذن الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بنقض عهد من نقض، وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدّته {وَلَمْ يُظَـٰهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً } المظاهرة: المعاونة: أي لم يعاونوا عليكم أبحداً من أعدائكم {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ } أي: أدّوا إليهم عهدهم تاماً غير ناقص {إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ } التي عاهدتموهم إليها، وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، ولا تعاملوهم معاملة الماكثين على القتال بعد مضي المدّة المذكورة سابقاً، وهي أربعة أشهر أو خمسون يوماً على الخلاف السابق. قوله: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } انسلاخ الشهر: تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه، وأصله الانسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده، فاستعير لانقضاء الأشهر، يقال: سلخت الشهر تسلخه سلخاً وسلوخاً بمعنى: خرجت منه، ومنه قول الشاعر:شعر : إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله كفى قاتلاً سلخي الشهور وإهلالي تفسير : ويقال: سلخت المرأة درعها: نزعته، وفي التنزيل: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ } تفسير : [يس: 37]. واختلف العلماء في تعيين الأشهر الحرم المذكورة هاهنا، فقيل: هي الأشهر الحرم المعروفة التي هي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرّم، ورجب: ثلاثة سرد، وواحد فرد. ومعنى الآية على هذا وجوب الإمساك عن قتال من لا عهد له من المشركين في هذه الأشهر الحرم. وقد وقع النداء والنبذ إلى المشركين بعهدهم يوم النحر، فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي الثلاثة المسرودة، خمسين يوماً تنقضي بانقضاء شهر المحرم، فأمرهم الله بقتل المشركين حيث يوجدون، وبه قال جماعة من أهل العلم منهم الضحاك والباقر. وروي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير. وقيل: المراد بها: شهور العهد المشار إليها بقوله: {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ } وسميت حرماً، لأن الله سبحانه حرّم على المسلمين فيها دماء المشركين والتعرّض لهم، وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم منهم: مجاهد، وابن إسحاق، وابن زيد، وعمرو بن شعيب. وقيل: هي الأشهر المذكورة في قوله: {فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ }. وقد روي ذلك عن ابن عباس وجماعة، ورجحه ابن كثير، وحكاه عن مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسديّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وسيأتي بيان حكم القتال في الأشهر الحرم الدائرة في كل سنة في هذه السورة إن شاء الله. ومعنى: {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }: في أيّ مكان وجدتموهم من حلّ أو حرم. ومعنى: {خذوهم}: الأسر، فإن الأخيذ هو الأسير. ومعنى الحصر: منعهم من التصرّف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم، والمرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدوّ، يقال: رصدت فلاناً أرصده، أي اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها. قال عامر بن الطفيل:شعر : ولقد علمت وما أخالك عالما أن المنية للفتى بالمرصد تفسير : وقال النابغة:شعر : أعاذل إن الجهل من لذة الفتى وإن المنايا للنفوس بمرصد تفسير : وكل في {كُلَّ مَرْصَدٍ}: منتصب على الظرفية وهو اختيار الزجاج، وقيل: هو منتصب بنزع الخافض: أي في كل مرصد، وخطأ أبو عليّ الفارسي الزجاج في جعله ظرفاً. وهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم عامة لكل مشرك، لا يخرج عنها إلا من خصته السنة، وهو: المرأة، والصبيّ، والعاجز الذي لا يقاتل، وكذلك يخصص منها أهل الكتاب الذين يعطون الجزية على فرض تناول لفظ المشركين لهم، وهذه الآية نسخت كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم. وقال الضحاك وعطاء والسديّ: هي منسوخة بقوله: {أية : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } تفسير : [محمد: 4]. وأن الأسير لا يقتل صبراً بل يمن عليه أو يفادي. وقال مجاهد وقتادة: بل هي ناسخة لقوله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء }، وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل. وقال ابن زيد: الآيتان محكمتان. قال القرطبي: وهو الصحيح؛ لأن المنّ والقتل والفداء لم تزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أوّل حرب جاء بهم وهو يوم بدر. قوله: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاة} أي: تابوا عن الشرك الذي هو سبب القتل، وحققوا التوبة بفعل ما هو من أعظم أركان الإسلام، وهو إقامة الصلاة، وهذا الركن اكتفى به عن ذكر ما يتعلق بالأبدان من العبادات، لكونه رأسها، واكتفى بالركن الآخر المالي، وهو إيتاء الزكاة عن كل ما يتعلق بالأموال من العبادات، لأنه أعظمها {فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } أي: اتركوهم وشأنهم، فلا تأسروهم، ولا تحصروهم، ولا تقتلوهم {ٱللَّهَ غَفُورٌ } لهم {رَّحِيمٌ } بهم. قوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ }، يقال: استجرت فلاناً، أي طلبت أن يكون جاراً: أي محامياً ومحافظاً من أن يظلمني ظالم، أو يتعرّض لي متعرّض. و{أحد} مرتفع بفعل مقدّر يفسره المذكور بعده: أي وإن استجارك أحد استجارك، وكرهوا الجمع بين المفسر والمفسر. والمعنى: وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم فأجره: أي كن جاراً له مؤمناً محامياً {حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ } منك ويتدبره حق تدبره، ويقف على حقيقة ما تدعو إليه: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } أي: إلى الدار التي يأمن فيها بعد أن يسمع كلام الله إن لم يسلم، ثم بعد أن تبلغه مأمنه قاتله فقد خرج من جوارك ورجع إلى ما كان عليه من إباحة دمه، ووجوب قتله حيث يوجد، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم من الأمر بالإجارة، وما بعده {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } أي: بسبب فقدانهم للعلم النافع المميز بين الخير والشر في الحال والمآل. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ } قال: هم قريش. وأخرج أيضاً عن قتادة قال: هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبيّ الله زمن الحديبية، وكان بقي من مدّتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر نبيه أن يوفي بعهدهم هذا إلى مدّتهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن عباد بن جعفر، في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ } قال: هم بنو جذيمة ابن عامر من بني بكر بن كنانة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ } قال: كان بقي لبني مذحج وخزاعة عهد، فهو الذي قال الله {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ }. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } قال: هؤلاء بنو ضمرة، وبنو مدلج، من بني كنانة كانوا حلفاء للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة العُشَيْرة من بطن ينبع {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً } ثم لم ينقصوا عهدكم بغدر {وَلَمْ يُظَـٰهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً } قال: لم يظاهروا عدوّكم عليكم {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ } يقول: أجلهم الذي شرطتم لهم {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } يقول: الذين يتقون الله فيما حرّم عليهم، فيوفون بالعهد. قال: فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الآيات أحداً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله: {فَإِنَّهُ ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ } قال: هي الأربعة: عشرون من ذي الحجة والمحرّم، وصفر، وشهر ربيع الأوّل، وعشر من ربيع الآخر. قلت: مراد السديّ أن هذه الأشهر تسمى حرماً لكون تأمين المعاهدين فيها يستلزم تحريم القتال، لا أنها الأشهر الحرم المعروفة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك، في الآية قال: هي عشر من ذي القعدة، وذو الحجة، والمحرم، سبعون ليلة. وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد قال: هي الأربعة الأشهر التي قال: {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ }. وأخرج ابن المنذر، عن قتادة، نحو قول السديّ السابق. وأخرج أبو داود في ناسخه، عن ابن عباس، في قوله: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } ثم نسخ واستثنى. فقال: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُم}، وقال: {وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ }. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ } يقول: من جاءك واستمع ما تقول. واستمع ما أنزل إليك، فهو آمن حين يأتيك فيسمع كلام الله حتى يبلغ مأمنه من حيث جاء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } قال: إن لم يوافقه ما يقصّ عليه ويخبر به فأبلغه مأمنه، وهذا ليس بمنسوخ. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ } أي: كتاب الله. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن أبي عروبة، قال: كان الرجل يجىء إذا سمع كتاب الله، وأقرّ به، وأسلم، فذاك الذي دُعي إليه، وإن أنكر ولم يقرّ به، ردّ إلى مأمنه، ثم نسخ ذلك، فقال: {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَافَّةً } تفسير : [التوبة: 36].

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {فَإِذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ} الآية. في الأشهر الحرم قولان: أحدهما: أنها رجب وذو العقدة وذو الحجة والمحرم، ثلاثة سرد وواحد فرد، وهذا رأي الجمهور. والثاني: أنها الأربعة الأشهر التي جعلها الله تعالى أن يسيحوا فيها آمنين وهي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع عشر من شهر ربيع الآخر، قاله الحسن. {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} فيه قولان: أحدهما: في حل أو حرم. والثاني: في الأشهر الحرم وفي غيرها. والقتل وإن كان بلفظ الأمر فهو على وجه التخيير لوروده بعد حظر اعتباراً بالأصلح. {وَخُذُوهُم} فيه وجهان: أحدهما: على التقديم والتأخير، وتقديره فخذوا المشركين حيث وجدتموهم واقتلوهم. والثاني: أنه على سياقه من غير تقديم ولا تأخير، وتقديره: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم. {وَاحْصُرُوهُم} على وجه التخيير في اعتبار الأصلح من الأمرين. وفي قوله {وَاحْصُرُوهُم} وجهان: أحدهما: أنه استرقاقهم. والثاني: أنه الفداء بمال أو شراء. {وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} فيه وجهان: أحدهما: أن يطلبوا في كل مكان فيكون القتل إذا وجدوا، والطلب إذا بعدوا. والثاني: أن يفعل بهم كل ما أرصده الله تعالى لهم فيما حكم به تعالى عليهم من قتل أو استرقاق أو مفاداة أو منٍّ ليعتبر فيها فعل الأَصلح منها. ثم قال تعالى {فَإِن تَابُواْ} أي أسلموا، لأن التوبة من الكفر تكون بالإسلام. {وَأَقَامُواْ الْصَلاَةَ} فيه وجهان: أحدهما: أي اعترفوا بإقامتها، وهو مقتضى قول أبي حنيفة، لأنه لا يقتل تارك الصلاة إذا اعترف بها. الثاني: أنه أراد فعل الصلاة، وهو مقتضى قول مالك والشافعي، لأنهما يقتلان تارك الصلاة وإن اعترف بها. {وَءَاتُوا الزَّكَاةَ} يعني اعترفوا بها على الوجهين معاً، لأن تارك الزكاة لا يقتل مع الاعتراف بها وتؤخذ من ماله جبراً، وهذا إجماع.

ابن عطية

تفسير : هذا هو الاستثناء الذي تقدم ذكره في المشركين الذين بقي من عهدهم تسعة أشهر وكانوا قد وفوا بالعهد على ما يجب، وقال قتادة: هم قريش الذين عوهدوا زمن الحديبية. قال القاضي أبو محمد: وهذا مردود بإسلام قريش في الفتح قبل الأذان بهذا كله، وقال ابن عباس: قوله {إلى مدتهم } إلى الأربعة الأشهر التي في الآية، وقرأ الجمهور " ينقصوكم " بالصاد غير منقوطة،وقرأ عطاء بن يسار وعكرمة وابن السميفع " ينقضوكم " بالضاد من النقض وهي متمكنة مع العهد ولكنها قلقة في تعديلها إلى الضمير، ويحسن ذلك أن النقض نقض وفاء وحق للمعاهد، وكذلك تعدى " أتموا " بـ " إلى " لما كان العهد في معنى ما يؤدى ويبرأ به وكأنهم يقتضون العهد، و {يظاهروا} معناه يعاونوا، والضمير المعين، وأصله من الظهر كان هذا يسند ظهره إلى الآخر والآخر كذلك وقوله {إن الله يحب المتقين } تنبيه عكلى أن الوفاء بالعهد من التقوى، وقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} الآية، الانسلاخ خروج فالشيء عن الشيء المتلبس به كانسلاخ الشاة عن الجلد والرجل عن الثياب، ومنه قوله تعالى: {أية : نسلخ منه النهار } تفسير : [يس:37] فشبه انصرام الأشهر أسمائها وأحكامها من الزمن بذلك، وقد تقدم القول فيمن جعل له انقضاء الأشهر الحرم أجلاً وما المعنى بـ {الأشهر الحرم } بما أغنى عن إعادته، وقوله {فاقتلوا المشركين }. أمر بقتال المشركين فخرج الأمر بذلك بلفظ اقتلوا على جهة التشجيع وتقوية النفس، أي هكذا يكون أمركم معهم، وهذه الآية نسخت كل موادعة في القرآن أو مهادنة وما جرى مجرى ذلك وهي على ما ذكر مائة آية وأربع عشرة آية، وقال الضحاك والسدي وعطاء: هذه الآية منسوخة بقوله {أية : فإما منّاً بعد وإما فداء } تفسير : [محمد:47] وقالوا لا يجوز قتل أسير البتة صبراً إما أن يمن عليه وإما أن يفادى، وقال قتادة ومجاهد وغيرهما: قوله {أية : فإما منّاً بعد وإما فداء} تفسير : [محمد: 47] منسوخ بهذه الآية، وقالوا لا يجوز المن على أسير ولا مفاداته ، ولا شيء إلا القتل، وقال ابن زيد: هما محكمتان. قال القاضي أبو محمد : ولم يفسر أكثر من هذا، و قوله هو الصواب، والآيتان لا يشبه معنى واحدة، معنى الأخرى، وذلك أن هذه الآية قوله {فاقتلوا المشركين } {وخذوهم واحصروهم} أفعال إنما تمتثل مع المحارب المرسل المناضل، وليس للأسير فيها ذكر ولا حكم وإذا أخذ الكافر خرج عن درجات هذه الآية وانتقل إلى حكم الآية الأخرى، وتلك الآية لا مدخل فيها لغير الأسير، فقول ابن زيد هو الصواب، وقوله {خذوهم } معناه الأسر، وقوله {كل مرصد} معناه في مواضع الغرة حيث يرصدون، وقال النابغة: [الطويل] شعر : أعاذل إن الجهل من لذة الفتى وإن المنايا للنفوس بمرصد تفسير : ونصب {كل} على الظرف، وهو اختيار الزجّاج، أو بإسقاط الخافض التقدير في كل مرصد، أو على كل مرصد، وحكى سيبويه ضرب الظهر والبطن، وقوله تعالى: {فإن تابوا} يريد من الكفر فهي متضمنة الإيمان، ثم قرن بها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تنبيهاً على مكان الصلاة والزكاة من الشرع، وقوله {فخلوا سبيلهم } تأمين، وقال أنس بن مالك: هذا هو دين الله الذي جاءت به الرسل وهو من آخر ما نزل قبل اختلاف الأهواء، وفيه قال النبي صلى الله عليه: "حديث : من فارق الدنيا مخلصاً لله تعالى مطيعاً له لقي الله وهو عنه راض"، تفسير : ثم وعد بالمغفرة في صيغة الخبر عن أوصافه تعالى.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {إلا الذين عاهدتم من المشركين} هذا الاستثناء راجع إلى قوله تعالى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين يعني إلا من عهد الذين عاهدتم من المشركين وهم بنو ضمرة حي من كنانة أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإتمام عهدهم إلى مدتهم وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا العهد وهو قوله تعالى: {ثم لم ينقصوكم شيئاً} يعني من عهودهم التي عاهدتموهم عليها {ولم يظاهروا} يعني ولم يعاونوا {عليكم أحداً} يعني من عدوكم وقال صاحب الكشاف: وجهه أن يكون مستنثى قوله تعالى فسيحوا في الأرض لأن الكلام خطاب للمسلمين ومعناه براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم: سيحوا في الأرض إلا الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقصوكم {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} والاستثناء بمعنى الاستدراك كأنه قيل لهم بعد أن أمروا في الناكثين لكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجراهم ولا تجعلوا الوفي كالغادر {إن الله يحب المقتين} يعني أن قضية التقوى تقتضي أن لا يسوى بين القبيلتين يعني الوافي بالعهد والناكث له والغادر فيه. قوله سبحانه وتعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} يعني فإذا انقضت الأشهر الحرم ومضت وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. وقال مجاهد ومحمد بن إسحاق: هي شهور العهد سميت حرماً لحرمة نقض العهد فيها فمن كان له عهد فعهده أربعة أشهر ومن لا عهد له فأجله إلى انقضاء المحرم وذلك خمسون يوماً وقيل إنما قال لها حرم لأن الله سبحانه وتعالى حرم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم. فإن قلت: على هذا القول هذه المدة وهي الخمسون يوماً بعض الأشهر الحرم والله سبحانه وتعالى قال فإذا انسلخ الأشهر الحرم. قلت: لما كان هذا القدر من الأشهر متصلاً بما مضى أطلق عليه اسم الجمع والمعنى فإذا مضت المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ الأشهر الحرم {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} يعني في الحل والحرم وهذا أمر إطلاق يعني اقتلوهم في أي وقت وأي مكان وجدتموهم {وخذوهم} يعني وأسروهم {واحصروهم} أي واحبسوهم. قال ابن عباس: يريد أن تحصنوا فاحصروهم وامنعوهم من الخروج. وقيل: امنعوهم من دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام {واقعدوا لهم كل مرصد} يعني على كل طريق والمرصد الوضع الذي يقعد فيه للعدو من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته والمعنى كونوا لهم رصداً حتى تأخذوهم من أي وجه توجهوا. وقيل: معناه اقعدوا لهم بطريق مكة حتى لا يدخلوها {فإن تابوا} يعني من الشرك ورجعوا إلى الإيمان {وأقاموا الصلاة} يعني وأتموا أركان الصلاة المفروضة {وآتوا الزكاة} الواجب عليهم طيبة بها أنفسهم {فخلوا سبيلهم} يعني إلى الدخول إلى مكة والتصرف في بلادهم {إن الله غفور} يعني لمن تاب ورجع من الشرك إلى الإيمان ومن المعصية إلى الطاعة {رحيم} يعني بأولياءه وأهل طاعته، وقال الحسن بن الفضل: نسخت هذه الآية كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذى الأعداء.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏إلا الذين عاهدتم من المشركين‏} ‏ قال‏:‏ هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر الله نبيه أن يوفي لهم بعهدهم هذا إلى مدتهم‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن عباد بن جعفر في قوله ‏ {‏إلا الذين عاهدتم من المشركين‏}‏ قال‏:‏ هم بنو خزيمة بن عامر من بني بكر بن كنانة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ثم لم ينقصوكم شيئا‏ً.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ فإن نقض المشركون عهدهم وظاهروا عدوّاً فلا عهد لهم، وإن أوفوا بعهدهم الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يظاهروا عليه فقد أمر أن يؤدي إليهم عهدهم ويفي به‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم‏} ‏ قال‏:‏ كان لبني مدلج وخزاعة عهد، فهو الذي قال الله ‏ {‏فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم‏} ‏‏. وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏إلا الذين عاهدتم من المشركين‏}‏ قال‏:‏ هؤلاء بنو ضمرة وبنو مدلج حيان من بني كنانة، كانوا حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة من بني تبيع ‏ {‏ثم لم ينقصوكم شيئا‏ً} ‏ ثم لم ينقضوا عهدكم بغدر ‏ {‏ولم يظاهروا‏} ‏ عدوّكم عليكم ‏ {‏فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم‏} ‏ يقول‏:‏ أجلهم الذي شرطتم لهم ‏ {‏إن الله يحب المتقين‏} ‏ يقول‏:‏ الذين يتقون الله تعالى فيما حرم عليهم فيفون بالعهد‏:‏ قال‏:‏ فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الآيات أحد.

ابو السعود

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} استدراكٌ من النبذ السابقِ الذي أُخّر فيه القتالُ أربعةَ أشهرٍ كأنه قيل: لا تُمهلوا الناكثين فوق أربعةِ أشهرٍ لكن الذين عاهدتموهم ثم لم ينكُثوا عهدَهم فلا تُجْروهم مُجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم بل أتِمّوا إليه عهدَهم، ولا يضُرّ في ذلك تخللُ الفاصلِ بقوله تعالى: {أية : وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : الخ لأنه ليس بأجنبـي بالكلية بل هو أمر بإعلام تلك البراءةِ كأنه قيل: وأَعلِموها، وقيل: هو استثناءٌ متصلٌ من المشركين الأوّل، ويرده بقاءُ الثاني على العموم مع كونهما عبارةً عن فريق واحد وجعلُه استثناءً من الثاني يأباه بقاء الأولُ كذلك وقيل: هو استداركٌ من المقدر في (فسيحوا) أي قولوا لهم: سيحوا أربعةَ أشهر لكن الذين عاهدتم منهم {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} من شروط الميثاقِ ولم يقتُلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط وقرىء بالمعجمة أي لم ينقضوا عهدَكم شيئاً من النقض، وكلمة ثم للدِلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادي المدة {وَلَمْ يُظَـٰهِرُواْ} أي لم يعاونوا {عَلَيْكُمْ أَحَداً} من أعدائكم كما عدَتْ بنو بكر على خُزاعةَ في غَيْبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فظاهَرَتْهم قريشٌ بالسلاح {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ} أي أدوه إليهم كاملاً {إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} ولا تفاجئوهم بالقتال عند مضيِّ الأجل المضروبِ للناكثين ولا تعاملوهم معاملتهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: بقي لِحيٍّ من بني كنانةَ من عهدهم تسعةُ أشهر فأتم إليهم عهدَهم {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} تعليلٌ لوجوب الامتثال وتنبـيهٌ على أن مراعاةَ حقوقِ العهدِ من باب التقوى وأن التسويةَ بـين الوفيِّ والغادر منافيةٌ لذلك وإن كان المعاهَدُ مشركاً.

القشيري

تفسير : منْ وَفَّى الحقَّ في عقدِه فَزِدْه على حفظِ عهدهِ؛ إذ لا يستوي مَنْ وفَّاه ومنْ جفاه.

اسماعيل حقي

تفسير : {الا الذين عاهدتم من المشركين} استدراك اى استثناء منقطع من النبذ السابق الذى اخر فيه القتال اربعة اشهر كأنه قيل لا تمهلوا الناكثين فوق اربعة اشهر لكن الذين لم ينكثوا عهدهم فلا تجروهم مجرى الناكثين فى المسارعة الى قتلهم بل اتموا اليهم عهدهم {ثم} للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادى المدة {لم ينقصوكم شيأ} من شروط العهد ولم ينكثوا و ينقص يتعدى الى اثنين فكم مفعول اول وشيأ مفعول ثان والى واحد فشيأ منصوب على المصدرية اى شيأ من النقصان. قال الكاشفى [بس ايشان كم نكردند جيزى از عهدهاء شما يعنى نشكستند بيمان شمارا] {لم يظاهروا} لم يعاونوا {عليكم احدا} من اعدائكم كما عدت بنوا بكر على خزاعة حلفاء النبى عليه السلام فظاهرتهم قريش بالسلاح {فاتموا اليهم عهدهم} عدى اتموا بالى لتضمنه معنى فأدوا اى فأدوه اليهم تاما كاملا {الى مدتهم} ولا تفاجئوهم بالقتال عند مضى الارجل المضروب للناكثين ولا تعاملوهم معاملتهم -روى- ان بنى ضمرة وهم حى من بنى كنانة عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية عند البيت وكان بقى لهم من عهدهم تسعة اشهر فأتم عليه الصلاة والسلام اليهم عهدهم {ان الله يحب المتقين} تعليل لوجوب الامتثال وتنبيه على ان مراعاة حقوق العهد من باب التقوى وان التسوية بين الوفى والغادر منافية لذلك وان كان المعاهد مشركا: قال الحافظ شعر : وفا وعهد نكو باشد ار بياموزى وكرنه هركه توبينى ستمكرى داند تفسير : قال الشيخ نصر آبادى للمتقى علامات اربع حفظ الحدود وبذل المجهود والوفاء بالعهود والقناعة بالموجود: قيل فى الترجمة شعر : متقى را بود جهار نشان حفظ احكام شرع اول آن ثانيا آنجه دست رس باشد برفقيران وبى كسان باشد عهدرا با وفا كند بيوند هرجه باشد بدان شود خرسند تفسير : واعلم ان الحج الاكبر يوم الوصول الى كعبة الوصال والحج الاصغر يوم الوصول الى كعبة القلب. وزيارة كعبة الوصال وطوافها حرام على مشركى الصفات الناسوتية لانها تميل الى غير الله وتركن الى ما سواه فلا تطوف الناسوتية حول كعبة اللاهوتية الا بعد فنائها وفناؤها انما يكون بالجذبات الآلهية فاذا تداركت العناية الازلية العبد يخاطب {أية : يا ايتها النفس المطمئنة ارجعى الى ربك} تفسير : [الفجر: 27-28] اما فى حال الحياة واما فى وقت الوفاة {أية : لكل أجل كتاب} تفسير : [الرعد: 38] أما ترى الى سحرة فرعون كيف قالوا {أية : إنا إلى ربنا منقلبون} تفسير : [الأعراف: 125] وفى حديث المعراج "حديث : ثم ذهبت الى الجنة فرأيت رضوان خازنها فلما رآنى فرح بى ورحب بى وادخلنى الجنة وارانى فيها من العجائب ما وعد الله فيها لاوليائه مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ورأيت فيها درجات اصحابى ورأيت فيها الانهار والعيون وسمعت فيها صوتا وهو يقول آمنا برب العالمين فقلت ما هذا الصوت يا رضوان قال هم سحرة فرعون وسمعت صوتا آخر وهو يقول لبيك اللهم فقلت من هو قال ارواح الحجاج وسمعت التكبير فقال هؤلاء الغزاة فسمعت التسبيح فقال هؤلاء الانبياء ورأيت قصور الصالحين ثم بلغت الى سدرة المنتهى" تفسير : وسميت المنتهى لان علم الخلائق ينتهى اليها "حديث : ثم تخلف عنى جبريل فقلت له أتتركنى وحيدا فقال يا اكرم الخلق على الله ما جاوز هذا المكان احد قبلك ولا يجاوز بعدك فاذا نادانى فقال لى ادن منى يا محمد فلم ازل ادنو وهو يقول ادن الف كرة حتى قربت منه كما قال تعالى {فكان قاب قوسين او ادنى} وما من مرة ادنو من ربى الا قضى لى فيها حاجة ثم وقفت فقطرت على لسانى قطرة كانت احلى من العسل وابرد من الثلج فعلمت علم الاولين والآخرين وقال لى يا محمد قد جعلت الاسلام حلوا فى قلوب امتك حتى احبوه وجعلت الكفر مرا فى قلوبهم حتى ابغضوه ". تفسير : يقول الفقير ومنه يعرف ان الله تعالى جل الكفر حلوا فى قلوب امة الدعوة حتى احبوه وجعل الايمان مرا فى قلوبهم حتى ابغضوه فحب الايمان من الجذبة الآلهية والعناية الازلية وبه اتقى المؤمن من الكفر ثم من العصيان ثم من الجهل ثم من رؤية ما سوى الله والميل اليه. فيا اهل الايمان ادركتكم العناية العامة. ويا اهل العرفان جذبتكم الهداية الخاصة فقوموا واشكروا الله تعالى على ما انعم عليكم واوصله من كمال كرمه اليكم وقد نص على انه يحب المتقين فتارة تكون محبا وهو محبوب وتارة تكون محبوبا وهو محب ومقام المحبوبية اعلى المقامات ولو كان فوقه ما هو اعلى منه لما قيل لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حبيب الله فعليك ايها العاقل بالرجوع الى المولى قبل تمام المدة وهو حلول الاجل وقبل ان تكتنفك الموانع من الجبن والكسل وطريق الاختيار مقبولة دون طريق الاضطرار فان اقبلت فلك سعادة الوقت وان اعرضت فلك الشقاوة والمقت نسأل الله تعالى ان يهدينا الى طريق الرضى ويقيل عثرتنا فيما مضى آمين

الطوسي

تفسير : استثنى الله تعالى من براءته عز وجل، وبراءة ورسوله صلى الله عليه وآله من المشركين من كان لهم العهد، في قول الزجاج. وقال الفراء: هذا استثناء في موضع نصب، وهم قوم من بني كنانة كان قد بقي من اجلهم تسعة اشهر، فقال الله تعالى {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} لا تحطوهم إلى الاربعة اشهر، وقال مجاهد: عنى بذلك جماعة من خزاءة ومدلج. وقال ابن عباس: توجه ذلك إلى كل من كان بينه وبين رسول الله عهد قبل براءة. وينبغي أن يكون ابن عباس اراد بذلك من كان بينه وبينه عقد هدنة او إلى قوم من المشركين لم يتعرضوا له صلى الله عليه وآله بعداوة ولا ظاهروا عليه عدوه، لان النبي صلى الله عليه وآله صالح اهل هجر واهل البحرين وايلى ودومة الجندل، وادرج، واهل معنا، وهم ناس من اليهود في توجهه إلى تبوك او في مرجعه منها، وله عهود الصلح والحرب غير هذه، ولم ينبذ اليهم بنقض عهد، ولا حاربهم بعد ان صاروا اهل ذمة إلى ان مضى لسبيله. ووفى لهم بذلك من بعده، فمن حمل ذلك على جميع العهود فقد اخطأ. وقال الحسن: هذا استثناء من قوله تعالى {اقتلوا المشركين}، {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} ثم نقلت إلى ها هنا وباقي الناس على خلافه. وقوله {ثم لم ينقصوكم شيئاً} النقصان حط العدة عن عدة، والزيادة الحاق العدة بعدة. والمعنى ثم لم ينقصوكم من شروطكم العهد شيئاً، ولم يظاهروا عليكم أحداً فالمظاهرة المعاونة على العدو للظهور عليه فهؤلاء إن لم يعاونوا عليكم احداً من اعدائكم ولا نقصوكم شيئاً من حقكم في عهدهم فأتموا اليهم عهدهم إلى مدتهم، وهو أمن من الله تعالى إلى ان يبلغوا المدة التي وافقهم عليها. قال قتادة: وهم مشركوا قريش كانوا عاهدوه في الحديبية وبقي من مدتهم اربعة اشهر بعد يوم النحر. والاتمام بلوغ الحد في العدة من غير زيادة ولا نقصان فهنا معناه امضاء الامر على ما تقدم به العهد إلى انقضاء اجل العقد. والمدة زمان طويل الفسحة، واشتقاقه من مددت له في الاجل للمهلة. والمعنى إلى انقضاء مدتهم. وقرأ عطاء {ثم لم ينقضوكم} بالضاد المعجمة وهي شاذة {وأن} بفتح الهمزة، لان تقديره بأن الله بريء من المشركين، ولا يجوز أن يكون المراد نبذ العهد إلى مكة، لأن مكة فتحت سنة ثمان وصارت دار الاسلام، ونبذ العهد كان في سنة تسع فعلم بذلك ان المراد غيرهم.

الجنابذي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} استثناء من المشركين لبيان بقاء عهد غير النّاكثين {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} من شروط العهد {وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً} فانّ نقض الشّروط ومظاهرة العدوّ نقض فعلىّ {فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} من نقض العهد بلا سببٍ.

اطفيش

تفسير : {إلا الَّذين عاهدْتُم مِنَ المشْرِكينَ} استثناء من المشركين فى قوله: {أية : براءة من الله ورسوله} تفسير : إلى: {الذين عاهدتم من المشركين} أو استدراك على جملة ذلك الكلام، فعلى هذا فهو استثناء منقطع، كأنه كأنه قيل: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فقولوا لهم: سيحوا فى الأرض أربعة أشهر، لكن الذين عاهدتم منهم {ثمَّ لم ينْقصُوكم شَيئاً} من العهد، وقرأ عطاء بن يسار، وعكرمة، وابن السميفع: ولم ينقضوكم شيئا بضاد معجمة، وتعذى للكاف لتضمنه معنى النقص بصاد مهملة، أو على تقدير حرف أى ولم ينقضوا لكم شيئا. {ولَم يُظاهِروا عَليْكم} لم يعينوا عليكم، والظهير المعين، وأصله من الظهر، كان هذا يسند ظهره إلى الآخر والآخر إليه {أحداً} من أعدائكم {فأتمُّوا إليْهِم عَهْدَهم} عدى لإتمام بعلى لتضمنه معنى التأدية {إلى مُدَّتهِم} أى إلى تمامها، ولا تجروا الوفى مجرى الناكث {إنَّ اللهَ يُحبُّ المتَّقينَ} ومن التقوى أن لا يسووا بين الوفى والناكث، وهؤلاء الذين لم ينقصوا شيئا من العهد، ولم يظاهروا هم الذين مر أنهم بقى من عهدهم تسعة أشهر، قاله ابن عباس. وقال قتادة: هم الذين عوهدوا من الحديبية، ورد بإسلام قريش فى الفتح قبل الأذان بذلك، فالمدة على الأول تسعة أشهر، وعلى الثانى عشر سنين وهو غير صحيح، لما مر آنفا، لنقضهم قبل نزول الآية، وقال ابن عباس: المدة فى رواية أربعة أشهر، لأنه يرى أربعة الأشهر فى رواية عنه مدة لمن لا مدة له، ولمن له مدة أقل منها أو أكثر أو مثلها.

اطفيش

تفسير : {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المشْرِكِينَ} هم بنو ضمرة وحى من كنانة لم ينقضوا شرطا ولم يظاهروا أَحدا عليكم من الكفار كما قال الله عز وجل {ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا} من شروط العهد ولم يقتلوا أَحدا منكم وممن فى عهدكم فهو مفعول أَول مؤخر فإِن ينقص يكون لازما ومتعديا لواحد ومتعديا لاثنين، أَو مفعول مطلق أَى لم ينقصوكم نقصا، وإِنما قلت مفعول أَول مؤخر لأَنه فاعل فى المعنى إِذ هو الذى يسقط وينقص {وَلَمْ يُظَاهِرُوا} يعينوا {عَلَيْكُمْ} أَو على من فى عهدكم كخزاعة {أَحَدًا فأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} إِلى انقضاءِ مدتهم، بقى من مدة بنى ضمرة وكنانة تسعة أَشهر وهم باقون على العهد فأَمر بالوفاءِ لهم ولا يجعل الوافى كالغادر، وقيل بنو ضمرة وبنو مدلج هما المراد وأَنهما حيان من كنانة، وأَخرج ابن أَبى حاتم أَنه قال: هؤلاءِ قريش عاهدوا نبى الله صلى الله عليه وسلم زمان الحديبية، وبقى لهم من مدتهم أَربعة أَشهر بعد يوم النحر، فأَمر النبى صلى الله عليه وسلم أَن يوفى لهم ما بقى، وهو خلاف ما شهر، والاستثناء إِما منقطع أَى لكن الذين عاهدتم من المشركين ليس حكمهم حكما بأَربعة أَشهر، وبين هذا بقوله فأَتموا إِلخ.. ولا يلزم من كونه منقطعا أَن يكون منصوبا على الاشتغال أَى صونوا الذين عاهدتم، أَو راعوهم، أَو مبتدأ مخبرا عنه بالأَمر، وإِما متصل من قوله الذين عاهدتم من المشركين، وفى هذا فصل كثير وعليه فهو قيل فى هذا المعنى كأَنه براءَة من الله ورسوله إِلى الذين عاهدتم من المشركين الذين ليسوا بنى ضمرة {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} وإِتمام مدتهم من التقوى وهو واجب وعدمه فسق، ولذلك ناسب ذكر التقوى هنا، وأَيضا ذكرها إِشارة إِلى أَن وفاءَ العهد مع إِتمام المدة لهم لا يحبهم الله به لأَنهم لم يتقوا الشرك، والله جل وعلا يحب إِتمام الوعد حتى أَنه من حلف على غير معصية فإِن الله عز وجل اختار له أَلا يحنث إِلا لغرض مهم، وحتى أَنه من رأَى ميتا فى منامه وأَخبره بشئ أَو أَمره به أَو نهاه واستكتمه الميت فأَنعم له الكتم لم يجز له الإِخبار به لحديث "حديث : حرمة موتانا كحرمة أَحيائنا ".

الالوسي

تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} استثناء على ما في «الكشاف» من المقدر في قوله: {أية : فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [التوبة: 2] الخ لأن الكلام خطاب مع المسلمين على أن المعنى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقصوكم فأتموا إليهم عهدهم، وهو بمعنى الاستدراك كأنه قيل: فلا تمهلوا الناكثين غير أربعة أشهر ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجرى الناكثين، واعترض بأنه كيف يصح الاستثناء وقد تخلل بين المستثنى والمستثنى منه جملة أجنبية أعني قوله سبحانه: {أية : وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 3] فإنه كما قرر عطف على {أية : برآءَةٌ} تفسير : [التوبة: 1]، وأجيب بأن تلك الجملة ليست أجنبية من كل وجه لأنها في معنى الأمر بالاعلام كأنه قيل: فقولوا لهم سيحوا واعلموا أن الله تعالى بريء منهم لكن الذين عاهدتم الخ، وجعله بعضهم استدراكاً من النبذ السابق الذي أخر فيه القتال أربعة أشهر والمآل واحد، وقيل: هو استثناء من المشركين الأول وإليه ذهب الفراء، ورد بأن بقاء التعميم في قوله تعالى: {أية : أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 3] ينافيه، وقيل: هو استثناء من المشركين الثاني. ورد بأن بقاء التعميم في الأول ينافيه، والقول بالرجوع إليهما والمستثنى منهما في الجملتين ليستا على نسق واحد لا يحسن، وجعل الثاني معهوداً وهم المشركون المستثنى منهم هؤلاء فقيل مجيء الاستثناء يبعد ارتكابه في النظم المعجز، وقوله سبحانه: {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ} حينئد لا بد من أن يجعل جزاء شرط محذوف وهو أيضاً خلاف الظاهر والظاهر الخبرية، والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وكون المراد به أناساً بأعيانهم فلا يكون عاماً فيشبه الشرط فتدخل الفاء في خبره على تقدير تسليمه غير مضر فقد ذهب الأخفش إلى زيادة الفاء في خبر الموصول من غير اشتراط العموم، واستدل القطب لما في «الكشاف» بأن هٰهنا جملتين يمكن أن يعلق بهما الاستثناء جملة البراءة وجملة الإمهال، لكن تعليق الاستثناء بجملة البراءة يستلزم أن لا براءة عن بعض المشركين فتعين تعلقه بجملة الإمهال أربعة أشهر، وفيه غفلة عن أن المراد البراءة عن عهود المشركين لا عن أنفسهم، ولا كلام في أن المعاهدين الغير الناكثين ليس الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بريئين من عهودهم وإن برئا عن أنفسهم بضرب من التأويل فافهم، وقال ابن المنير: ((يجوز أن يكون قوله سبحانه: {أية : فَسِيحُواْ } تفسير : [التوبة: 2] خطاباً للمشركين غير مضمر قبله القول ويكون الاستثناء على هذا من قوله تعالى: {أية : إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ } تفسير : [التوبة: 1] كأنه قيل: براءة من الله تعالى ورسوله إلى المعاهدين إلا الباقين على العهد فأتموا إليهم أيها المسلمون عهدهم، ويكون فيه خروج من خطاب المسلمين في {إلى ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ} إلى خطاب المشركين في {فَسِيحُواْ} ثم التفات من التكلم إلى الغيبة في {أية : وَٱعْلَمُواْ / أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ } تفسير : [التوبة: 2] والأصل غير معجزي واني، وفي هذا الالتفات بعد الالتفات الأول افتنان في أساليب البلاغة وتفخيم للشأن وتعظيم للأمر، ثم يتلو هذا الالتفات العود إلى الخطاب في قوله سبحانه: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ} الخ وكل هذا من حسنات الفصاحة)) انتهى، ولا يخفى ما فيه من كثرة التعسف و {مِنَ} قيل بيانية، وقيل: تبعيضية. وثم في قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادي المدة وينقصوا بالصاد المهملة كما قرأ الجمهور يجوز أن يتعدى إلى واحد فيكون شيئاً منصوباً على المصدرية أي لم ينقصوكم شيئاً من النقصان لا قليلاً ولا كبيراً، ويجوز أن يتعدى إلى اثنين فيكون {شَيْئاً} مفعوله الثاني أي لم ينقصوكم شيئاً من النقصان لا قليلاً ولا كثيراً، ويجوز أن يتعدى إلى اثنين فيكون {شَيْئاً} مفعوله الثاني أي لم ينقصوكم شيئاً من شروط العهد وأدوها لكم بتمامها، وقرأ عكرمة وعطاء {ينقضوكم} بالضاد المعجمة، والكلام حينئذ على حذف مضاف أي لم ينقضوا عهودكم شيئاً من النقض وهي قراءة مناسبة للعهد إلا أن قراءة الجمهور أوقع لمقابلة التمام مع استغنائها عن ارتكاب الحذف {وَلَمْ يُظَـٰهِرُواْ} أي لم يعاونوا {عَلَيْكُمْ أَحَداً} من أعدائكم كما عدت بنو بكر على خزاعة فظاهرتهم قريش بالسلاح كما تقدم {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ} أي أدوه إليهم كملا {إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} أي إلى انقضائها ولا تجروهم مجرى الناكثين قيل: بقي لبني ضمرة وبني مدلج حيين من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم، وأخرج ابن أبـي حاتم أنه قال: هؤلاء قريش عاهدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر فأمر الله تعالى شأنه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوفي لهم بعهدهم ذلك إلى مدتهم وهو خلاف ما تظافرت به الروايات من أن قريشاً نقضوا العهد على ما علمت والمعتمد هو الأول {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} تعليل لوجوب الامتثال وتنبيه على أن مراعاة العهد من باب التقوى وأن التسوية بين الغادر والوفي منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركاً.

ابن عاشور

تفسير : استثناء من المشركين في قوله: {أية : أن الله بريء من المشركين}تفسير : [التوبة: 3]، ومن {الذين كفروا} في قوله: {أية : وبشر الذين كفروا بعذاب أليم}تفسير : [التوبة: 3] لأنّ شأن الاستثناء إذا ورد عقب جمل أن يرجع إلى ما تحتويه جميعُها ممّا يصلح لِذلك الاستثناء، فهو استثناء لهؤلاء: من حكم نقض العهد، ومن حُكم الإنذار بالقتال، المترتّببِ على النقض، فهذا الفريق من المشركين باقون على حرمة عهدهم وعلى السلم معهم. والموصول هنا يعمّ كلّ من تحقّقت فيه الصلة، وقد بين مدلول الاستثناء قوله: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم}. وحرف (ثم) في قوله: {ثم لم ينقصوكم شيئاً} للتراخي الرتبي، لأنّ عدم الإخلال بأقلّ شيء ممّا عاهدوا عليه أهمّ من الوفاء بالأمور العظيمة ممّا عاهدوا عليه، لأنّ عدم الإخلال بأقلّ شيء نادر الحصول. والنقصُ لِشيء إزالة بعضه، والمراد: أنّهم لم يفرّطوا في شيء ممّا عاهدوا عليه. وفي هذا العطف إيذان بالتنويه بهذا الانتفاء لأنّ (ثُمَّ) إذا عطفت الجمل أفادت معنى التراخي في الرتبة، أي بُعد مرتبة المعطوف من مرتبة المعطوف عليه، بُعد كمال وارتفاع شأن. فإنّ من كمال العهد الحفاظ على الوفاء به. وهؤلاء هم الذين احتفظوا بعهدهم مع المسلمين، ووفّوا به على أتمّ وجه، فلم يكيدوا المسلمين بكيد، ولا ظاهروا عليهم عدّواً سِرًّا، فهؤلاء أمِر المسلمون أن لا ينقضوا عهدهم إلى المدّة التي عوهدوا عليها. ومن هؤلاء: بنو ضَمره، وحَيَّان من بني كنانة: هم بنو جذيمة، وبنو الدِّيل. ولا شكّ أنّهم ممّن دخلوا في عهد الحديبية. وقد علم من هذا: أنّ الذين أمَر الله بالبراءة من عهدهم هم ضدّ أولئك، وهم قوم نقصُوا ممّا عاهدوا عليه، أي كَادوا، وغدروا سرّاً، أو ظاهروا العدوّ بالمدد والجوسسة. ومن هؤلاء: قريظة أمَدُّوا المشركين غير مرّة، وبنو بَكر، عَدَوْا على خزاعة أحلاف المسلمين كما تقدّم فعُبِّر عن فعلهم ذلك بالنقصِ لأنّهم لم ينقضوا العهد علناً، ولاَ أبطلوه، ولكنهم أخلُّوا به، ممّا استطاعوا أن يَكيدوا ويمكروا، ولأنهم نقضوا بعض ما عاهدوا عليه. وذكر كلمة {شيئاً} للمبالغة في نفي الانتقاص، لأنّ كلمة «شيء» نكرة عامّة، فإذا وقعت في سياق النفي أفادت انتفاء كلّ ما يصدق عليه أنّه موجود، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء} تفسير : في سورة البقرة (113). والمظاهرة: المعاونة، يجوز أن يكون فعلها مشتقّاً من الاسم الجامد وهو الظهر، أي صُلب الإنسان أو البعيرِ، لأنّ الظهر به قوة الإنسان في المشي والتغلّب، وبه قوة البعير في الرحلة والحمل، يقال: بعير ظهير، أي قوي على الرحلة، مُثِّلَ المُعِين لأحدٍ على عمل بحال من يُعطيه ظهره يحمل عليه، فكأنّه يعيره ظهره ويعيره الآخر ظهره، فمن ثَمّ جاءت صيغة المفاعلة، ومثله المعاضدة مشتقّة من العَضد، والمساعدة من الساعد، والتأييد من اليد، والمكاتفة مشتقّة من الكتف، وكلّها أعضاء العمل. ويجوز أن يكون فعله مشتقّاً من الظهور، وهو مصدر ضدّ الخفاء، لأنّ المرء إذا انتصر على غيره ظهر حاله للناس، فمُثِّل بالشيء الذي ظهر بعد خفاء، ولذلك يعدى بحرف (على) للاستعلاء المجازي، قال تعالى: {أية : وإن تظاهرا عليه}تفسير : [التحريم: 4] ــــ وقال ــــ {أية : كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة}تفسير : [التوبة: 8] ــــ وقال ــــ {أية : ليُظهره على الدين كله}تفسير : [الفتح: 28] ــــ وقال ــــ {أية : والملائكة بعد ذلك ظهير}تفسير : [التحريم: 4] أي معين. والفاء في قوله: {فأتِمُّوا} تفريع على ما أفاده استثناء قوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً} إلخ، وهو أنّهم لا تشملهم البراءة من العهد. والمدّة: الأجل، مشتقّة من المَدّ لأنّ الأجل مَدّ في زمن العمل، أي تطويل، ولذلك يقولون: مَاد القُوم غيرَهم، إذا أجَّلوا الحربَ إلى أمد، وإضافة المدّة إلى ضمير المعاهَدين لأنّها منعقدة معهم، فإضافتها إليهم كإضافتها إلى المسلمين، ولكن رجّح هنا جانبهم، لأنّ انتفاعهم بالأجل أصبح أكثر من انتفاع المسلمين به، إذ صار المسلمون أقوى منهم، وأقدر على حربهم. وجملة: {إن الله يحب المتقين} تذييل في معنى التعليل للأمر بإتمام العهد إلى الأجل بأنّ ذلك من التقوَى، أي من امتثال الشرع الذي أمر الله به، لأنّ الإخبار بمحبة الله المتّقين عقب الأمر كناية عن كون المأمور به من التقوى. ثم إنّ قبائل العرب كلّها رغبت في الإسلام فأسلموا في تلك المدّة فانتهت حُرمة الأشهر الحرم في حكم الإسلام.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ}. يفهم من مفهوم مخالفة هذه الآية: أن المشركين إذا نقضوا العهد جاز قتالهم، ونظير ذلك أيضاً، قوله تعالى: {أية : فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُم} تفسير : [التوبة: 7] وهذا المفهوم في الآيتين صرح به جل وعلا في قوله: {أية : وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} تفسير : [التوبة: 12].

د. أسعد حومد

تفسير : {عَاهَدتُّم} {يُظَاهِرُواْ} (4) - وَيَسْتَثْنِي اللهُ تَعَالَى مِنْ تَحْدِيدِ الأجَلِ بِأَرْبَعَةِ أشْهُرٍ، الذِينَ لَهُمْ عَهْدٌ مُحَدَّدُ المُدَّةِ، فَيَأمُرُ اللهُ المُسْلمِينَ بِإِتْمَامِ عَهْدِهِمْ إليْهِمْ إلَى مُدَّتِهِ المُحَدَّدَةِ، إِذا كَانُوا لَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَهُمْ، وَلَمْ يُسَاعِدُوا أحَداً مِنْ أعْدَاءِ المُسْلمينَ عَلَيْهِمْ، لأنَّ اللهَ يُحِبُّ المَتَّقِينَ الذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ. (وَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الوَفَاءَ بِالعَهْدِ مِنْ فَرَائِضِ الإِسْلاَمِ مَا دَامَ العَهْدُ مَعْقُوداً، وَمِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الوَفَاءِ بِالعَهْدِ مُحَافَظَةُ العَدُوِّ عَلَى العَهْدِ بِتَمَامِهِ نَصّاً وَرُوحاً، فَإِنْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئاً، أَوْ أَخَلَّ بِغَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِهِ عُدَّ نَاقِضاً لَهُ). لَمْ يُظَاهِرُوا - لَمْ يُعَاوِنُوا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا استثناء، ولكنه استثناء مشروط بأن هؤلاء كانوا أمناء على العهد وموفين به ولم ينقصوا منه شيئا، أي لم يصدوا لكم تجارة ولم يستولوا على أغنام ولم يسرقوا أسلحتكم ولم يغروا بكم أحداً ولم يظاهروا عليكم أحداً؛ وهؤلاء هم بنو ضمرة وبنو كنانة، فلم يحث منهم شيء ضد المؤمنين فجاء الأمر بأن يستمر العهد معهم إلى مدته. ولقائل أن يقول: إن المستثنى يقتضي مستثنى منه،، ونقول: المستثنى منه هم المشركون في قوله الحق تبارك وتعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً} [التوبة: 4]. والإنقاص معناه تقليل الكمّ إمَّا في الذوات، وإما في متعلقات الذوات، والإنقاص في الذوات يكون بالقتل، والإنقاص في متعلقات الذوات يكون بمصادرة التجارة أو الماشية، وسرقة السلاح. إذن ففي الإنقاص هنا مرحلتان؛ مرحلة في الذوات أي بالقتل، ومرحلة في تابع الذوات وهي الأشياء المملوكة، ولذلك قال: {لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} أي شيء كان، سواء في الذوات أو متعلقات الذوات، وأيضا لم يغروا عليكم أحداً ولم يشجعوا أحداً على أي عمل ضد الرسول. {وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً} [التوبة: 4]. ويظاهر أي يعادل، وكلها مأخوذة من مادة الظهر، وهو يتحمل أكثر من اليد، فالإنسان لا يقدر أن يحمل جوال قمح بيده مثلا، ولكنه يقدر أن يحمله على ظهره. ولذلك يقول المثل العامي: من له ظهر لا يضرب على بطنه. إذن فالظهر للمعونة. والحق يقول: {أية : فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ} تفسير : [الصف: 14]. أي عالين. والحق سبحانه وتعالى حين قص علينا نبأ تآمر بعض من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، قال: {أية : وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}تفسير : [التحريم: 4]. فظهير في الآية الكريمة أي معين. ويأتي الحق هنا إلى منطقة القوة في الإنسان، لذلك يقال: فلان يشد ظهري. أي يعاونني بقوة. ويقال: ظهر فلان على فلان. أي غلبه وتفوق عليه، ويقال: وعلا ظهره. أي استولى على منطقة القوة منه؛ لذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم في سورة الكهف عن ذي القرنين ذكر بعض اللقطات وقال: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً} تفسير : [الكهف: 93-95]. فالله سبحانه وتعالى لفتنا هنا إلى حقيقة علمية لم نعرفها إلا في العصر الحديث. فالسد إذا كان كله من مادة صلبة؛ يتعرض للانهيار إذا ما جاءت هزة أثرت في كل جوانبه، أما إن كان هناك جزء من بناء صلب على الحافة، وجزء صغير في المنتصف وجزء ثالث، ثم رابع، ويفصل بين كُلٍّ جزء ردم من تراب فالردم فيه تنفسات بحيث يمتص الصدمة، وهي نفس فكرة الإسفنج التي نحيط بها الأشياء التي نخاف عليها من الكسر لنحفظها، فلو أن الصندوق من الخشب أو الحديد أو أي مادة صلبة لتحطم الشيء الموضوع فيه بمجرد اصطدامه بالأرض صدمة قوية، ولكن إذا أحطناه بوسادة من الإسفنج فهي تمتص الصدمات. وأنواع السدود التي تتلقى الصدمات يقال عنها: السد الركامي. ونلتفت إلى قول الحق سبحانه: {أية : فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ}تفسير : [الكهف: 95]. وهذا يدلنا على أن القوي يجب أن يعين الضعيف معونة لا تحوجه له مرة أخرى؛ لذلك يقال: لا تعط الجائع سمكة؛ ولكن علمه أن يصطاد السمك ليعتمد على نفسه بعد ذلك، وهذه هي المعونة الصحيحة، ولذلك نجد أن ذا القرنين رفض أن يأخذ مقابلا لبناء الردم؛ لأن مهمة الأقوياء في الأرض من أصحاب الطاقة الإيمانية أن يمنعوا الظلم بلا مقابل حتى يعتدل ميزان الحياة؛ لأن الضعيف قد لا يملك ما يدفعه للقوي. ولو أن كل قَوِيٍّ أراد ثمناً لنصرة الضعيف لاختل ميزان الكون وطغى الناس، ولكن الأقوياء في عالمنا يريدون أن يظلموا بقوتهم؛ لذلك يختل ميزان الكون الذي نعيش فيه. ولننظر إلى تفويض الله لذي القرنين وكيف أحسن ذو القرنين الحكم بين الناس، وأقام العدل فيهم وكيف ترصد الظالمين، قال القرآن الكريم على لسان ذي القرنين: {أية : قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} تفسير : [الكهف: 87-88]. هكذا أقام ذو القرنين العدل، بتعذيب الظالم وتكريم المؤمن صاحب العمل الصالح. وقول الحق سبحانه وتعالى على لسان ذي القرنين: "أعينوني" يعطينا كيفية إدارة العدل في الكون، فذلك الذي أعطاه الله الأسباب إن أراد أن يعين الضعفاء فعليه أن يشركهم في العمل معه، ولا يعمل هو وهم يتفرجون وإلاَّ تعودوا على الكسل فتفسد همة كل منهم. ولكن إذا جعلهم يعملون معه سيتعلمون العمل ثم يتقنونه فتزداد مهارتهم وقوتهم في مواجهة الحياة؛ لذلك نجد أن ذا القرنين أشرك معه الضعفاء، وقال لهم: {أية : آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} تفسير : [الكهف: 96]. إذن فقد جعلهم يعملون معه ويبنون، وهذه أمانة القوي فيما آتاه الله تعالى من القوة، بل إننا نجده قد تفاهم معهم رغم أن الحق تبارك وتعالى قال فيهم: {أية : لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً}تفسير : [الكهف: 93]. كيف تفاهم معهم؟ لعله استخدم لغة الإشارة وتحايل ليفهموا مقصده. ويدلنا القرآن على تفهمهم له أن قال الحق على لسانهم: {أية : قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} تفسير : [الكهف: 94]. قد تَمَّ بناء السد بمعاونة هؤلاء الضعفاء، وكان بناء هذا السد بصورة تتحدى طاقة العدوان في كل من يأجوج ومأجوج، وقد حاول كل منهما أن يصعد فوق السد ليتغلب عليه، ولكنه كان فوق طاقة كل منهما فلم يستطيعا اختراقه، وهذا وضحه لنا المولى سبحانه وتعالى في قوله: {أية : فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً} تفسير : [الكهف: 97]. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَمْ يُظَٰهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} [التوبة: 4]. أي لم يعينوا ولم يساعدوا أحداً من أعدائكم حتى يتغلب عليكم، وسماحته سبحانه وتعالى بإتمام مدة العهد تعني أن هذه المدة كانت أكثر من أربعة أشهر. وهكذا يعطينا سبحانه جلال عدالته، فسمح لمن كان العهد معهم أقل من أربعة أشهر، أن يأخذوا مهلة أربعة أشهر، والحق سبحانه لا يحب نقض العهد؛ لذلك طلب من المؤمنين أن يعطوا المشركين الذين عاهدوهم مدة العهد ولو كانت أكثر من أربعة أشهر؛ حتى يتعلم المؤمن أن يُوفِيَ بالعهد ما دام الطرف الآخر يحترمه. وزيادة المدة هنا؛ أو زيادة المهلة نابعة من قوة الله تعالى وقدرته؛ لأن كل من في الأرض غير معجزي الله، فإن طالت المدة أو قصرت فلن تعطي المشركين ميزة ما، فالله يستطيع أن ينالهم في أي وقت وفي أي مكان. ويختم الحق سبحانه وتعالى الآية بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4]. والمتقون هم الذين يجعلون بينهم وبين أي شيء، يغضب الله وقاية. وإن تعجب بعض الناس من قول الحق سبحانه وتعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} وقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} فإننا نقول: إن معنى {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي اجعلوا بينكم وبين صفات الجبروت لله وقاية، اتقوا صفات الجبروت في الله حتى لا يصيبكم عذابه، فلله صفات جلال منها المنتقم والجبار والقهار، وله صفات جمال مثل الرحيم، والوهاب، الرزاق، الفتاح، إذن اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال في الله وقاية لكم وحماية من أن تتعرضوا لغضب الله تعالى، والإنسان يتقي صفات الجلال في الله بأن يتبع منهجه ويطيعه في كل ما أمر به لينال من فيض صفات الجمال. وقوله الحق سبحانه وتعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} أي اجعلوا بينكم وبين النار وقاية حتى لا تمسكم النار. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ...}.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ لمَّا لم يصدر عن بعض المشركين شيء من أمارات النقض والإتيان وعلامات المخالفة والمخادعة استثناهم الله سبحانه، وأمر المؤمنين بمحافظة عهودهم إلى انقضاء المدة المعلومة، فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ} بعد المعاهدة {لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} مما عاهدوا عليه والتزموا حفظه، بل داوموا على حفظها {وَ} مع ذلك {لَمْ يُظَاهِرُواْ} ولم يعانوا {عَلَيْكُمْ أَحَداً} من أعدائكم حفظاً لعهدكم وميثاقكم {فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ} أي: أنتم أولى بإيفاء الكعهد وإتمام مدته {إِلَىٰ} انقضاء {مُدَّتِهِمْ} التي عاهدوا عليها {إِنَّ ٱللَّهَ} المستوي على العدل القويم {يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4] الذي يواظبون على إيفاء العهود وحفظ المواثيق؛ حذراً عن تجاوز حدود الله وعهوده. {فَإِذَا ٱنسَلَخَ} أي: انقضى ومضى {ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} المأمورة فيها السياحة والأمن {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} المصرين على الشرك، الناقضين للعهد والميثاق {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} في حل أو حرم مستأمنين أم لا {وَخُذُوهُمْ} أي: ائسروهم واسترقوهم، واستولوا عليهم {وَ} إن استحفظوا استحصنوا {ٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ} لأخذهم وقتلهم {كُلَّ مَرْصَدٍ} وممر من شعاب الجبال وشفار الوادي {فَإِن تَابُواْ} ورجعوا عن الشرك، ومالوا إلى الإيمان {وَ} بعد إيمانهم {أَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} التي هي علامة إيمانهم وتصديقهم. {وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ} التي تطهر قلوبهم عن أمارات النفاق {فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} كسائر المسلمين تتذكروا، وتلتفتوا بما صدر عنهم من المخالفة والمقاتلة والشقاق فيمامضى {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوال عباده {غَفُورٌ} لما صدر عنهم من المعاصي والآثام {رَّحِيمٌ} [التوبة: 5] لهم يوصلهم إلى دار السلام بعدما أخلصوا الإنابة والرجوع.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي هذه البراءة التامة المطلقة من جميع المشركين. { إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } واستمروا على عهدهم، ولم يجر منهم ما يوجب النقض، فلا نقصوكم شيئا، ولا عاونوا عليكم أحدا، فهؤلاء أتموا لهم عهدهم إلى مدتهم، قَلَّتْ، أو كثرت، لأن الإسلام لا يأمر بالخيانة وإنما يأمر بالوفاء. { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } الذين أدوا ما أمروا به، واتقوا الشرك والخيانة، وغير ذلك من المعاصي.

همام الصنعاني

تفسير : 1043- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي: أنَّها كانت هذه الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهدٌ دون الأربعة، فجعل له عهد أكثر من الأربعة الأشهر، فهو الذي أمر أن يتم له عهده فقال: {فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ}: [الآية: 4].