٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {أية : بَرَاءةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 1] جملة تامة، مخصوصة بالمشركين، وقوله: {وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجّ ٱلأَكْبَرِ } جملة أخرى تامة معطوفة على الجملة الأولى وهي عامة في حق جميع الناس، لأن ذلك مما يجب أن يعرفه المؤمن والمشرك من حيث كان الحكم المتعلق بذلك يلزمهما جميعاً، فيجب على المؤمنين أن يعرفوا الوقت الذي يكون فيه القتال من الوقت الذي يحرم فيه، فأمر الله تعالى بهذا الإعلام يوم الحج الأكبر، وهو الجمع الأعظم ليصل ذلك الخبر إلى الكل ويشتهر. وفيه مسائل: المسألة الأولى: الأذان الأعلام. قال الأزهري: يقال آذنته أوذنه إيذاناً، فالأذان اسم يقوم مقام الإيذان، وهو المصدر الحقيقي، ومنه أذان الصلاة. وقوله: {مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ } أي أذان صادر من الله ورسوله، واصل إلى الناس، كقولك: إعلام صادر من فلان إلى فلان. المسألة الثانية: اختلفوا في يوم الحج الأكبر. فقال ابن عباس في رواية عكرمة إنه يوم عرفة، وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد، وإحدى الروايتين عن علي: ورواية عن المسور بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أنه، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة. فقال: حديث : أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر. تفسير : وقال ابن عباس: في رواية عطاء: يوم الحج الأكبر يوم النحر، وهو قول الشعبي والنخعي والسدي وأحد الروايتين عن علي، وقول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير. والقول الثالث ما رواه ابن جريج عن مجاهد أنه قال: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها، وهو مذهب سفيان الثوري، وكان يقول يوم الحج الأكبر أيامه كلها، ويقول يوم صفين، ويوم الجمل يراد به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة. حجة من قال يوم عرفة قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الحج عرفة» تفسير : ولأن أعظم أعمال الحج هو الوقوف بعرفة، لأن من أدركه، فقد أدرك الحج، ومن فاته فقد فاته الحج. وذلك إنما يحصل في هذا اليوم. وحجة من قال إنه يوم النحر، هي أن أعمال الحج إنما تتم في هذا اليوم، وهي الطواف والنحر والحلق والرمي، وعن علي رضي الله عنه أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما الحج الأكبر. قال: يومك هذا، خل عن دابتي، وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع. حديث : فقال هذا يوم الحج الأكبر، تفسير : وأما قول من قال المراد مجموع تلك الأيام، فبعيد لأنه يقتضي تفسير اليوم بالأيام الكثيرة، وهو خلاف الظاهر. فإن قيل: لم سمي ذلك بالحج الأكبر؟ قلنا فيه وجوه: الأول: أن هذا هو الحج الأكبر، لأن العمرة تسمى الحج الأصغر. الثاني: أنه جعل الوقوف بعرفة هو الحج الأكبر لأنه معظم واجباته، لأنه إذا فات الحج، وكذلك إن أريد به يوم النحر، لأن ما يفعل فيه معظم أفعال الحج الأكبر. الثالث: قال الحسن: سمي ذلك اليوم بيوم الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين فيه، وموافقته لأعياد أهل الكتاب، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده، فعظم ذلك اليوم في قلب كل مؤمن وكافر. طعن الأصم في هذا الوجه وقال: عيد الكفار فيه سخط، وهذا الطعن ضعيف، لأن المراد أن ذلك اليوم يو استعظمه جميع الطوائف، وكان من وصفه بالأكبر أولئك. والرابع: سمي بذلك لأن المسلمين والمشركين حجوا في تلك السنة. والخامس: الأكبر الوقوف بعرفة، والأصغر النحر، وهو قول عطاء ومجاهد. السادس: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد، وهو منقول عن مجاهد. ثم إنه تعالى بين أن ذلك الأذان بأي شيء كان؟ فقال: {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىء مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } وفيه مباحث: البحث اللأول: لقائل أن يقول: لا فرق بين قوله: {بَرَاءةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } وبين قوله {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىء مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } فما الفائدة في هذا التكرير؟ والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن المقصود من الكلام الأول الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الكلام إعلام جميع الناس بما حصل وثبت. والوجه الثاني: أن المراد من الكلام الأول البراءة من العهد، ومن الكلام الثاني البراءة التي هي نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد، والذي يدل على حصول هذا الفرق أن في البراءة الأولى برىء إليهم، وفي الثانية: برىء منهم، والمقصود أنه تعالى أمر في آخر سورة الأنفال المسلمين بأن يوالي بعضهم بعضاً، ونبه به على أنه يجب عليهم أن لا يوالوا الكفار وأن يتبرؤا منهم، فههنا بين أنه تعالى كما يتولى المؤمنين فهو يتبرأ عن المشركين ويذمهم ويلعنهم، وكذلك الرسول، ولذلك أتبعه بذكر التوبة المزيلة للبراءة. والوجه الثالث: في الفرق أنه تعالى في الكلام الأول، أظهر البراءة عن المشركين الذين عاهدوا ونقضوا العهد. وفي هذه الآية أظهر البراءة عن المشركين من غير أن وصفهم بوصف معين، تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة كفرهم وشركهم. البحث الثاني: قوله: {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىء مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } فيه حذف والتقدير: {وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } بأن الله بريء من المشركين إلا أنه حذف الباء لدلالة الكلام عليه. واعلم أن في رفع قوله: {وَرَسُولُهُ } وجوهاً: الأول: أنه رفع بالابتداء وخبره مضمر، والتقدير ورسوله أيضاً بريء والخبر عن الله دل على الخبر عن الرسول. والثاني: أنه عطف على المنوي في بريء فإن التقدير بريء هو ورسوله من المشركين. الثالث: أن قوله: {أَنَّ ٱللَّهَ } رفع بالابتداء وقوله: {بَرِىء } خبره وقوله: {وَرَسُولُهُ } عطف على المبتدأ الأول. قال صاحب «الكشاف»: وقد قرىء بالنصب عطفاً على اسم أن لأن الواو بمعنى مع، أي برىء مع رسوله منهم، وقرىء بالجر على الجوار وقيل على القسم والتقدير أن الله بريء من المشركين وحق رسوله. ثم قال تعالى: {فَإِن تُبْتُمْ } أي عن الشرك {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } وذلك ترغيب من الله في التوبة والإقلاع عن الشرك الموجب لكون الله ورسوله موصوفين بالبراءة منه {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ } أي أعرضتم عن التوبة عن الشرك {فَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ } وذلك وعيد عظيم، لأن هذا الكلام يدل على كونه تعالى قادراً على إنزال أشد العذاب بهم. ثم قال: {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } في الآخرة لكي لا يظن أن عذاب الدنيا لما فات وزال، فقد تخلص عن العذاب، بل العذاب الشديد معد له يوم القيامة ولفظ البشارة ورد ههنا على سبيل استهزاء كما يقال: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَأَذَانٌ} الأذان: الإعلام لغةً من غير خلاف. وهو عطف على «براءة». {إِلَى ٱلنَّاسِ} الناس هنا جميع الخلق. {يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} ظرف، والعامل فيه «أذان». وإن كان قد وصف بقوله: «مِنَ اللَّهِ»؛ فإن رائحة الفعل فيه باقية، وهي عاملة في الظروف. وقيل: العامل فيه «مُخْزِي». ولا يصح عمل «أذان»؛ لأنه قد وصف فخرج عن حكم الفعل. الثانية ـ وٱختلف العلماء في الحج الأكبر؛ فقيل: يوم عرفة. رُوي عن عمر وعثمان وابن عباس وطاوس ومجاهد. وهو مذهب أبي حنيفة، وبه قال الشافعيّ. وعن عليّ وابن عباس أيضاً وابن مسعود وٱبن أبي أَوْفَى والمُغيِرة بن شعبة أنه يوم النَّحر. واختاره الطبري. وروى ابن عمر حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في الحَجّة التي حج فيها فقال: «أيُّ يوم هذا» فقالوا: يوم النحر. فقال: هذا يوم الحج الأكبر»تفسير : . أخرجه أبو داود. وخرّج البخارِيّ عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيمن يؤذّن يوم النحر بِمنًى: لا يحجُّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. ويومُ الحج الأكبر يومُ النّحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس: الحج الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام؛ فلم يحج عامَ حَجّة الوداع الذي حج فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم مشرك. وقال ٱبن أبي أَوْفَى: يومُ النحر يوم الحج الأكبر، يهراق فيه الدم، ويوضع فيه الشَّعْر، ويُلقى فيه التفث، وتَحِلّ فيه الحُرَم. وهذا مذهب مالك؛ لأن يوم النحر فيه الحج كله؛ لأن الوقوف إنما هو في ليلته، والرَّمْيُ والنحرُ والحَلْق والطوافُ في صبيحته. احتجّ الأولون بحديث مَخْرَمة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يومُ الحج الأكبر يومُ عرفة»تفسير : . رواه إسماعيل القاضي. وقال الثَّوْرِيّ وابن جُريج: الحج الأكبر أيامُ مِنًى كلُّها. وهذا كما يقال: يوم صِفِّين ويوم الجَمَل ويوم بُعاث؛ فيراد به الحِين والزمان لا نفس اليوم. ورُوي عن مجاهد: الحج الأكبر القِران، والأصغر الإفراد. وهذا ليس من الآية في شيء. وعنه وعن عَطاء: الحج الأكبر الذي فيه الوقوف بعرفة، والأصغر العُمْرة. وعن مجاهد أيضاً: أيامُ الحج كلُّها. وقال الحسن وعبد الله بن الحارث بن نَوفل: إنما سُمِّي يومُ الحج الأكبر لأنه حج ذلك العامَ المسلمون والمشركون، وٱتفقت فيه يومئذ أعياد المِلَل: اليهود والنصارى والمجوس. قال ٱبن عطيّة: وهذا ضعيف أن يصفه الله عز وجل في كتابه بالأكبر لهذا. وعن الحسن أيضاً: إنما سميَ الأكبر لأنه حجّ فيه أبو بكر ونُبذت فيه العهود. وهذا الذي يشبه نظر الحسن. وقال ٱبن سيرين: يوم الحج الأكبر العامُ الذي حج فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم حَجة الوداع، وحجّت معه فيه الأُمم. الثالثة ـ قوله تعالى: {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} «أن» بالفتح في موضع نصب. والتقدير بأن الله. ومن قرأ بالكسر قدّره بمعنى قال إن الله. «بَريءٌ» خبر أنّ. «وَرَسُولُهُ» عطف على الموضع، وإن شئت على المضمر المرفوع في «بريء». كلاهما حسن؛ لأنه قد طال الكلام. وإن شئت على الابتداء والخبر محذوف؛ التقدير: ورسوله بريء منهم. ومن قرأ «ورسولَه» بالنصب ـ وهو الحسن وغيره ـ عطفه على اسم الله عز وجل على اللفظ. وفي الشواذ «ورسولِهِ» بالخفض على القسم، أي وحقّ رسوله؛ ورُويت عن الحسن. وقد تقدمت قصة عمر فيها أوّل الكتاب. {فَإِن تُبْتُمْ} أي عن الشرك. {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي أنفع لكم. {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي عن الإيمان. {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} أي فائِتِيه؛ فإنه محيط بكم ومنزل عقابه عليكم.
البيضاوي
تفسير : {وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ} أي إعلام فعال بمعنى الإِفعال كالأمان والعطاء، ورفعه كرفع {بَرَاءةٌ} على الوجهين. {يَوْمَ ٱلْحَجّ ٱلأَكْبَرِ} يوم العيد لأن فيه تمام الحج معظم أفعاله، ولأن الإِعلام كان فيه ولما روي أنه صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال «حديث : هذا يوم الحج الأكبر» تفسير : وقيل يوم عرفة لقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : الحج عرفة»تفسير : ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر، أو لأن المراد بالحج ما يقع في ذلك اليوم من أعماله فإنه أكبر من باقي الأعمال، أو لأن ذلك الحج اجتمع فيه المسلمون والمشركون ووافق عيده أعياد أهل الكتاب، أو لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين. {إِنَّ ٱللَّهَ} أي بأن الله. {بَرِىء مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي من عهودهم. {وَرَسُولُهُ} عطف على المستكن في {بَرِىء}، أو على محل {إِن} واسمها في قراءة من كسرها إجراء للأذان مجرى القول، وقرىء بالنصب عطفاً على اسم إن أو لأن الواو بمعنى مع ولا تكرير فيه، فإن قوله {بَرَاءةٌ مّنَ ٱللَّهِ} إخبار بثبوت البراءة وهذه إخبار بوجوب الإِعلام بذلك ولذلك علقه بالناس ولم يخصه بالمعاهدين. {فَإِن تُبْتُمْ} من الكفر والغدر. {فَهُوَ} فالتوب {خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} عن التوبة أو تبتم على التولي عن الإسلام والوفاء. {فَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ} لا تفوتونه طلباً ولا تعجزونه هرباً في الدنيا. {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} في الآخرة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: وإعلام {مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} وتقدم، وإنذار إلى الناس {يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} وهو يوم النحر الذي هو أفضل أيام المناسك، وأظهرها وأكثرها جمعاً {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} أي: بريء منهم أيضاً، ثم دعاهم إلى التوبة إليه، فقال: {فَإِن تُبْتُمْ} أي: مما أنتم فيه من الشرك والضلال {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي استمررتم على ما أنتم عليه، {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ} بل هو قادر عليكم، وأنتم في قبضته وتحت قهره ومشيئته، {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: في الدنيا بالخزي والنكال، وفي الآخرة بالمقامع والأغلال، قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في المؤذنين الذين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد: ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة، وأن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ورواه البخاري أيضاً: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني حميد بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل: الأكبر، من أجل قول الناس: الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك، هذا لفظ البخاري في كتاب الجهاد. وقال عبد الرزاق: عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} قال: لما كان النبي صلى الله عليه وسلم زمن حنين، اعتمر من الجعرانة، ثم أمّر أبا بكر على تلك الحجة، قال معمر: قال الزهري: وكان أبو هريرة يحدث: أن أبا بكر أمر أبا هريرة أن يؤذن ببراءة في حجة أبي بكر، قال أبو هريرة: ثم أتبعنا النبي صلى الله عليه وسلم علياً، وأمره أن يؤذن ببراءة، وأبو بكر على الموسم كما هو، أو قال: على هيئته. وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج كان سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتاب بن أسيد، فأما أبو بكر إنما كان أميراً سنة تسع. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن مغيرة عن الشعبي عن محرّر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة، فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنا ننادي: أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فإن أجله أو مدته إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر، فإن الله بريء من المشركين، ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي، وقال الشعبي: حدثني محرِّر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ينادي، فكان إذا صحل ناديت، فقلت: بأي شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع: لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهده إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك. رواه ابن جرير من غير وجه عن الشعبي، ورواه شعبة عن مغيرة عن الشعبي به، إلا أنه قال: ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فعهده إلى أربعة أشهر، وذكر تمام الحديث. قال ابن جرير: وأخشى أن يكون وهماً من بعض نقلته؛ لأن الأخبار متظاهرة في الأجل بخلافه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد عن سماك عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة، قال: «حديث : لا يبلغها إلا أنا، أو رجل من أهل بيتي» تفسير : فبعث بها مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورواه الترمذي في التفسير: عن بندار عن عفان وعبد الصمد، كلاهما عن حماد بن سلمة به، ثم قال: حسن غريب من حديث أنس رضي الله عنه، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا محمد بن سليمان، - حدثنا لُوَيْن - حدثنا محمد بن جابر عن سماك عن حنش عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وسلم دعا النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال: «حديث : أدرك أبا بكر، فحيثما لحقته، فخذ الكتاب منه، فاذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم» تفسير : فلحقته بالجحفة، فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله نزل فيّ شيء؟ فقال: «حديث : لا، ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت، أو رجل منك» تفسير : هذا إسناد فيه ضعف، وليس المراد أن أبا بكر رضي الله عنه رجع من فوره، بل بعد قضائه للمناسك التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء مبيناً في الرواية الأخرى. وقال عبد الله أيضاً: حدثني أبو بكر، حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط بن نصر عن سماك عن حنش عن علي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه ببراءة، قال: يا نبي الله إني لست باللسن ولا بالخطيب، قال: «حديث : لا بد لي أن أذهب بها أنا، أو تذهب بها أنت» تفسير : قال: فإن كان ولا بد، فسأذهب أنا، قال: «حديث : انطلق، فإن الله يثبت لسانك، ويهدي قلبك» تفسير : قال: ثم وضع يده على فيه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع - رجل من همدان - سألنا علياً: بأي شيء بعثت؟ يعني: يوم بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في الحجة، قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا، ورواه الترمذي عن قلابة عن سفيان بن عيينة به، وقال: حسن صحيح، كذا قال، ورواه شعبة عن أبي إسحاق، فقال: عن زيد بن يثيع وهم فيه. ورواه الثوري عن أبي إسحاق عن بعض أصحابه عن علي رضي الله عنه. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة عن زكريا عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت براءة بأربع: أن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ثم رواه ابن جرير عن محمد بن عبد الأعلى عن أبي ثور عن معمر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: أمرت بأربع، فذكره، وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع قال: نزلت براءة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، ثم أرسل علياً فأخذها منه، فلما رجع أبو بكر قال: نزل فيّ شيء؟ قال: «حديث : لا، ولكن أمرت أن أبلغها أنا، أو رجل من أهل بيتي» تفسير : فانطلق إلى أهل مكة، فقام فيهم بأربع: لا يدخل مكة مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، وقال محمد بن إسحاق: عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي قال: لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان بعث أبا بكر ليقيم الحج للناس، فقيل: يا رسول الله لو بعثت إلى أبي بكر؟ فقال: «حديث : لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي» تفسير : ثم دعا علياً، فقال: «حديث : اذهب بهذه القصة من صدر براءة، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى: أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو له إلى مدته» تفسير : فخرج علي رضي الله عنه على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء، حتى أدرك أبا بكر في الطريق، فلما رآه أبو بكر، قال: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحج إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب، فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام، وأهل المدة إلى الأجل المسمى. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرنا ابن صخر: أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت علياً عن يوم الحج الأكبر، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة، فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته، التفت إلي فقال: قم يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صدرنا، فأتينا منى، فرميت الجمرة، ونحرت البدنة، ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا كلهم حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم، فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا وهو يوم عرفة، وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن أبي إسحاق، سألت أبا جحيفة عن يوم الحج الأكبر، قال: يوم عرفة، فقلت: أمن عندك، أم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: كل في ذلك، وقال عبد الرزاق أيضاً: عن ابن جريج، عن عطاء قال: يوم الحج الأكبر يوم عرفة. وقال عمر بن الوليد الشَّنِّي: حدثنا شهاب بن عباد البصري عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: هذا يوم عرفة، هذا يوم الحج الأكبر، فلا يصومنه أحد. قال: فحججت بعد أبي، فأتيت المدينة، فسألت عن أفضل أهلها، فقالوا: سعيد بن المسيب، فأتيته فقلت: إني سألت عن أفضل أهل المدينة، فقالوا: سعيد بن المسيب، فأخبرني عن صوم يوم عرفة، فقال: أخبرك عمن هو أفضل مني مائة ضعف؛ عمر أو ابن عمر، كان ينهى عن صومه، ويقول: هو يوم الحج الأكبر، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وهكذا روي عن ابن عباس وعبد الله بن الزبير ومجاهد وعكرمة وطاووس أنهم قالوا: يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر. وقد ورد فيه حديث مرسل رواه ابن جريج: أخبرت عن محمد بن قيس، عن ابن مخرمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم عرفة، فقال: «حديث : هذا يوم الحج الأكبر» تفسير : وروي من وجه آخر: عن ابن جريج عن محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطبهم بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «حديث : أما بعد، فإن هذا يوم الحج الأكبر»تفسير : . والقول الثاني: أنه يوم النحر، قال هشيم: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن علي رضي الله عنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر، وقال إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور: سألت علياً رضي الله عنه عن يوم الحج الأكبر فقال: هو يوم النحر، وقال شعبة عن الحكم، سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن علي رضي الله عنه: أنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة، فجاء رجل، فأخذ بلجام دابته، فسأله عن يوم الحج الأكبر، فقال: هو يومك هذا، خل سبيلها، وقال عبد الرزاق: عن سفيان عن شعبة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن أبي أوفى: أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر، وروى شعبة وغيره عن عبد الملك بن عمير به نحوه. وهكذا رواه هشيم وغيره عن الشيباني عن عبد الله بن أبي أوفى. وقال الأعمش: عن عبد الله بن سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعير، فقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر، وقال حماد بن سلمة: عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الحج الأكبر يوم النحر، وكذا روي عن أبي جحيفة وسعيد بن جبير وعبد الله بن شداد بن الهاد ونافع بن جبير بن مطعم والشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة وأبي جعفر الباقر والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: يوم الحج الأكبر هو يوم النحر، واختاره ابن جرير، وقد تقدم الحديث عن أبي هريرة في صحيح البخاري أن أبا بكر بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى، وقد ورد في ذلك أحاديث أخر كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني سهل بن محمد السجستاني، حدثنا أبو جابر الحرمي، حدثنا هشام بن الغاز الجرشي عن نافع عن ابن عمر قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع، فقال: «حديث : هذا يوم الحج الأكبر» تفسير : وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث أبي جابر، واسمه محمد بن عبد الملك، به، ورواه ابن مردويه أيضاً من حديث الوليد بن مسلم عن هشام بن الغاز به، ثم رواه من حديث سعيد بن عبد العزيز عن نافع به، وقال شعبة: عن عمرو بن مرة عن مرة الهمداني عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة حمراء مخضرمة، فقال: «حديث : أتدرون أي يوم يومكم هذا؟» تفسير : قالوا: يوم النحر، قال: «حديث : صدقتم، يوم الحج الأكبر»تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا ابن عون عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: لما كان ذلك اليوم، قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير له، وأخذ الناس بخطامه أو زمامه، فقال: «حديث : أي يوم هذا؟» تفسير : قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال: «حديث : أليس هذا يوم الحج الأكبر؟» تفسير : وهذا إسناد صحيح وأصله مخرج في الصحيح. وقال أبو الأحوص عن شبيب بن غرقدة عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فقال: «حديث : أي يوم هذا؟» تفسير : فقالوا: اليوم الحج الأكبر، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: يوم الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم النحر رواه ابن أبي حاتم، وقال مجاهد أيضاً: يوم الحج الأكبر أيام الحج كلها، وكذا قال أبو عبيد. قال سفيان: يوم الحج، ويوم الجمل، ويوم صفين، أي: أيامه كلها، وقال سهل السراج: سئل الحسن البصري عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: ما لكم وللحج الأكبر؟ ذاك عام حج فيه أبو بكر الذي استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج بالناس، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة عن ابن عون، سألت محمداً، يعني: ابن سيرين، عن يوم الحج الأكبر، فقال: كان يوماً وافق فيه حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حج أهل الوبر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَذَانٌ } إعلام {مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ } يوم النحر {أن} أي بأن {ٱللَّهَ بَرِىءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } وعهودهم {وَرَسُولُهُ } بريء أيضاً، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم عَلِيّاً من السنة وهي سنة تسع فأذَّنَ يوم النحر بمنى بهذه الآيات، وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. رواه البخاري {فَإِن تُبْتُمْ } من الكفر {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ } عن الإِيمان {فَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ وَبَشِّرِ } أخبر {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } مؤلم وهو القتل والأسر في الدنيا، والنار في الآخرة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ} في الأذان ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه القصص، وهذا قول تفرد به سليمان بن موسى النشابي. والثاني: أنه النداء بالأمر الذي يسمع بالأذن، حكاه علي بن عيسى. الثالث: أنه الإعلام، وهذا قول الكافة. وفي {يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يوم عرفة، قاله عمر بن الخطاب وابن المسيب وعطاء. وروى ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم عرفة وقال: "حديث : هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ" تفسير : والثاني: أنه يوم النحر، قاله عبد الله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبه وسعيد بن جبير والشعبي والنخعي. وروي مرة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: خطبنا رسول الله صلى عليه وسلم على ناقته الحمراء وقال "حديث : أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟ يَوْمُ النَّحْرِ وَهَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ". تفسير : والثالث: أنها أيام الحج كلها، فعبر عن الأيام باليوم، قاله مجاهد وسفيان، قال سفيان: كما يقال يوم الجمل ويوم صفين، أي أيامه كلها. أحدها: أنه سمي بذلك لأنه كان في سنة اجتمع فيها حج المسلمين والمشركين، ووافق أيضاً عيد اليهود والنصارى، قاله الحسن. والثاني: أن الحج الأكبر القِران، والأصغر الإفراد، قاله مجاهد. والثالث: أن الحج الأكبر هو الحج، والأصغر هو العمرة، قاله عطاء والشعبي.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَذَانٌ} قصص، أو نداء بالأمن يسمع بالأذن، أو إعلام عند الكافة. {يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} يوم عرفة خطب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: " حديث : هذا يوم الحج الأكبر"تفسير : ، أو يوم النحر، وهو مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو أيام الحج كلها كيوم صفين ويوم الجمل عبَّر باليوم عن الأيام. {الأَكْبَرِ} القِرآن والأصغر الإفراد، أو الأكبر الحج والأصغر العمرة، أو سمي به لأنه اجتمع فيه حج المسلمين والمشركين ووافق عيد اليهود والنصارى، قاله الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وأذان من الله ورسوله} الأذان في اللغة الإعلام ومنه الأذان للصلاة لأنه إعلام بدخول وقتها والمعنى وإعلام صادر من الله ورسوله وأصل {إلى الناس يوم الحج الأكبر} اختلفوا في يوم الحج الأكبر فروى عكرمة عن ابن عباس أنه يوم عرفة ويروى ذلك عن ابن عمر وابن الزبير وهو قول عطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب حديث : وعن علي بن أبي طالب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الاكبر فقال: يوم النحر تفسير : أخرجه الترمذي وقال ويروى موقوفاً عليه وهو أصح وعن عمر حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها فقال: أي يوم هذا، فقالوا يوم النحر فقال: هذا يوم الحج الأكبر تفسير : أخرجه أبو داود ويروى ذلك عن عبد الله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والسدي. وروى ابن جريج عن مجاهد أن يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وكان سفيان الثوري يقول الحج الأكبر أيام منى كلها لأن اليوم قد يطلق ويراد به الحين والزمان كقولك يوم صفين ويوم الجمل لأن الحروب دامت في تلك الأيام ويطلق عليها يوم واحد وقال عبد الله بن الحرث بن نوفل: يوم الحج الأكبر الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول ابن سيرين لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود وعيد النصارى وعيد المشركين ولم يجتمع مثل ذلك قبله ولا بعده فعظم ذلك اليوم عند المؤمنين والكفارين. قال مجاهد: الحج الأكبر القرآن لأنه قرن بين الحج والعمرة، وقال الزهري والشعبي وعطاء، الحج الأكبر الحج والحج الأصغر العمرة وإنما قيل لها الأصغر لنقصان أعمالها عن الحج وقيل: سمي الحج الأكبر لموافقة حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان ذلك اليوم يوم الجمعة فودع الناس فيه وخطبهم وعلمهم مناسكهم وذكر في خطبته أن الزمان قد استدار وأبطل النسي وجميع أحكام الجاهلية. وقوله سبحانه وتعالى: {أن الله بريء من المشركين ورسوله} فيه حذف والتقدير وأذان من الله ورسوله بأن الله بريء من المشركين وإنما حذفت الباء لدلالة الكلام عليها وفي رفع رسوله وجوه الأول أنه رفع بالابتداء وخبره مضمر والتقدير أن الله بريء من المشركين ورسوله أيضاً بريء الثاني تقديره بريء الله ورسوله من المشركين الثالث إن الله في محل الرفع بالابتداء وبرئ خبره ورسوله عطف على المبتدأ. فإن قلت: لا فرق بين قوله براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتهم من المشركين وبين قوله إن الله بريء من المشركين ورسوله فما فائدة هذا التكرار قلت المقصود من الآية الأولى البراءة من العهد ومن الآية الثانية البراءة التي هي تفيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد والذي يدل على صحة هذا الفرق أنه قال في أولها براءة من الله ورسوله إلى يعني بريء إليهم وفي الثانية بريء منهم وقوله تعالى: {فإن تبتم} يعني فإن رجعتم عن شرككم وكفركم {فهو خير لكم} يعني من الإقامة على الشرك وهذا ترغيب من الله في التوبة والإقلاع عن الشكر الموجب لدخول النار {وإن توليتم} يعني أعرضتم عن الإيمان والتوبة من الشرك {فاعلموا أنكم غير معجزي الله} فيه وعيد عظيم وإعلام لهم بأن الله سبحانه وتعالى قادر على إنزال العذاب بهم وهو قوله تعالى: {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} يعني في الآخرة ولفظ البشارة هنا إنما ورد على سبيل الاستهزاء. كما يقال: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...} الآية: أي: إِعلامٌ، و{يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ } قال عمر وغيره: هو يَوْمُ عَرَفَة، وقال أبو هريرة وجماعة: هو يوم النَّحْر، وتظاهرتِ الرواياتُ؛ أن عليًّا أَذَّنَ بهذه الآياتِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِثْرَ خُطْبة أبي بَكْر، ثم رأَى أَنه لم يعمَّ الناس بٱلاستماعِ، فتتبَّعهم بالأذانِ بها يوم النَّحْر، وفي ذلك اليَوْمِ بَعثَ أبو بَكْرٍ مَنْ يعينه في الأذَانِ بها؛ كَأَبِي هُرَيْرَة وغيره، وتتَّبعوا بها أيضاً أسْوَاقَ العَرَب، كَذِي المَجَازِ وغيره؛ وهذا هو سبب الخلاف، فقالتْ طائفةٌ: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَر: عرفَةُ؛ حيث وقع أَوَّلُ الأذان. وقالتْ أُخْرَى: هو يومُ النَّحْرِ؛ حيث وقع إِكمال الأذَان. وقال سفيان بن عُيَيْنَة: المراد باليَوْمِ أيامُ الحجِّ كلُّها؛ كما تقول: يَوْمُ صفِّينَ، وَيَوْمُ الجَمَلِ؛ ويتجه أن يوصَفُ بـــ «الأَكبر»؛ علَى جهة المدحِ، لا بالإِضافة إِلَى أصْغِرَ معيَّنٍ، بل يكون المعنى: الأكبر مِنْ سائر الأيام، فتأمَّله. واختصار ما تحتاجُ إِلَيْهِ هذه الآيةُ؛ على ما ذكَرَ مجاهد وغيره مِنْ صورة تلك الحال: أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ٱفتَتَحَ مكَّة سنةَ ثمانٍ، فٱستعْمَلَ عليها عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، وقضَىٰ أَمْرَ حُنَيْنٍ والطائِفِ، وٱنصرف إِلى المدينة، فأقام بها حتَّى خرج إِلى تَبُوكَ، ثم انصرفَ مِنْ تَبُوكَ في رَمَضَانَ سَنَةَ تسْعٍ، فأَراد الحَجَّ، ثم نظر في أَنَّ المشرِكِينِ يَحُجُّون في تلْكَ السَّنَة، ويَطُوفون عُرَاةً، فقال: لا أريدُ أنْ أَرَى ذلك، فأمر أبا بَكْرٍ على الحَجِّ بالناس، وأنفَذَهُ، ثم أَتْبَعَهُ عليَّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه علَى ناقتِهِ العَضْبَاءِ، وأمره أنْ يؤذِّن في النَّاس بأربعين آيةً: صَدْرُ سورةِ «بَرَاءَة»، وقيل: ثَلاَثِينَ، وقيل: عشرين، وفي بعض الروايات: عَشْر آيات، وفي بعضها: تسع آيات، وأمره أن يُؤْذِنَ الناسَ بأربعةِ أشياء، وهي: أَلاَّ يحجَّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يدخُلَ الجَنَّة إِلا نَفْسٌ مؤمنةٌ، وفي بعض الروايات: ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ كَافرٌ، ولا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيَانٌ، ومَنْ كان له عنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عهْدٌ، فهو إِلى مدَّته، وفي بعض الروايات: ومَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّه عَهْدٌ، فأجله أربعةُ أَشهُرٍ يسيحُ فيها، فإِذا ٱنْقَضَتْ، فإِن اللَّه بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولَهِ. قال * ع *: وأقول: إنهم كانوا ينادُونَ بهذا كلِّه، فأربعةُ أشهر؛ للذين لهم عَهْدٌ وتُحُسِّسَ منهم نقضُهُ، والإِبقاء إِلى المدَّة لمن لم يخبر منه نقضٌ، وذكر الطبريُّ أن العرب قالت يومئذٍ: نَحْنُ نَبرأُ مِنْ عهدك، ثم لام بعضُهُمْ بعضاً، وقالوا: ما تَصْنَعُونَ، وقد أسلَمَتْ قريشٌ؟ فأسلموا كلُّهم، ولم يَسِحْ أحد. قال * ع *: وحينئذٍ دخل الناس في دين اللَّه أفواجاً. وقوله سبحانه: {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} أي: ورسولُهُ بريءٌ منهم. وقوله: {فَإِن تُبْتُمْ }، أي: عن الكُفْر. وقوله سبحانه: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَـٰهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ }، هذا هو الاستثناءُ الذي تقدَّم ذكْره، وقرأ عكرمة وغيره: «ينْقُضُوكُمْ» - بالضاد المعجمة -، و{يُظَـٰهِرُواْ }: معناه: يعاونوا، والظَّهيرُ: المُعِينُ. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ}: تنبيهٌ على أنَّ الوفاء بالعَهْد من التقوَى.
البقاعي
تفسير : ولما أنزل البراءة، أمر بالإعلام بها في المجمع الأعظم ليقطع الحجج، فقال عاطفاً ظهرة الجملة إلى مضمونها: الإخبار بوجوب الإعلام بما ثبت بالجملة الأولى المعطوفة عليها من البراءة: {وأذان} أي وهذا إعلام وإعلان واقع وواصل {من الله} أي المحيط بجميع صفات العظمة {ورسوله} أي الذي عظمته من عظمته، فلا يوجهه إلى شيء إلا أعلاه عليه؛ ولما كان المقصود الإبلاغ الذي هو وظيفة الرسول، عداه بحرف الانتهاء فقال: {إلى الناس} أي كلهم من أهل البراءة وغيرهم {يوم الحج الأكبر} قيده لأن العمرة تسمى الحج الأصغر. ولما كان كأنه قيل: ماهذا الإعلام؟ قال مفسراً له مصرحاً بما هو المقصود لئلا يقع فيه نوع لبس حاذفاً الصلة إعلاماً بأن هذا مستأنف على تقدير سؤال سائل، لا معمول لأذان: {أن الله} أي الذي له الغنى المطلق والقوة الباهرة {بريء من المشركين} أي الذين لا عهد لهم خاص فلا مانع من قتالهم، قيل: والذين وقعت البراءة منهم صنفان: أحدهما كانت مدته دون أربعة أشهر فرفع إليها، والآخر مدته بغير حد فقصر عليها، ومن لم يكن له عهد فهو أولى، ومن كان عهده محدوداً بأكثر من أربعة أشهر ولم يحدث شراً أمر بإتمام عهده إلى مدته {ورسوله} أي بريء منهم، فهو موفوع عطفاً على المنوي في "بريء" أو على محل {أن} المكسورة واسمها عند من كسرها، وقرىء بالنصب عطفاً على اسم {أن} أو لأن الواو بمعنى مع، وبالجر على الجوار، وقيل: على القسم - قال في الكشاف، قال: ويحكى أن أعرابياً سمع رجلاً يقرؤها فقال: إن كان الله بريئاً من رسوله فأنا منه بريء، فلببه الرجل إلى عمر رضي الله عنه فحكى الأعرابي قراءته فعندما أمر عمر رضي الله عنه بتعلم العربية، وروى الإمام أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري في مقدمة كتاب الوقف والابتداء بسنده عن ابن أبي ملكية قال: قدم أعرابي في زمان عمر رضي الله عنه فقال: من يقرئني مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأقرأه رجل براءة فقال: {أن الله بريء من المشركين ورسوله} بالجر، فقال: أوقد بريء الله من رسوله؟ إن يكن الله بريء من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر رضي الله عنه مقالة الأعرابي فدعاه - يعني فسأله فأخبره - فقال عمر رضي الله عنه: ليس هكذا يا أعرابي! قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال {أن الله بريء من المشركين ورسولُه} فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ مما برىء الله ورسوله منه، فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يقرىء القرآن إلا عالم باللغة. وأمر أبا الأسود فوضع النحو، ونحو ذلك في الاهتمام بشأن العربية ما حكاه الشريف محمد بن أسعد الجواني النسابة في كتابه في الأنساب في ترجمة أبي الأسود الدؤلي بسنده إليه أنه قال: دخلت على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه فرأيته مطرقاً مفكراً فقلت: فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني سمعت ببلدكم هذا لحناً، فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية، فقلت له: إن فعلت هذا بقيت فينا هذه اللغة، ثم أتيته بعد أيام فألقى إليّ صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، الفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل: ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم أن الأشياء ثلاثة: ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل الناس في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر، قال أبو الأسود الدؤلي: فجمعت أشياء فعرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكرت منها إن وأن وليت ولعل وكأن، ولم أذكر لكن، فقال لي: لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها فيها، فقال بل هي منها فزدها فيها، وقال أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي في طبقات النحويين: وقال أبو العباس محمد بن يزيد: سئل أبو الأسود الدؤلي عمن فتح له الطريق إلى الوضع في النحو وأرشده إليه، فقال: تلقنته من علي بن أبي طالب، وفي حديث آخر: ألقى إليّ أصولاً احتذيت عليها؛ وفي مختصر طباتهم للحافظ محمد بن عمران المرزباني: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد رسم لأبي الأسود الدؤلي حروفاً يعلمها الناس لما فسدت ألسنتهم فكان لا يحب أن يظهر ذلك ضناً به بعد علي رضي الله عنه، فلما كان زياد وجه إليه أن عمل شيئاً تكون فيه إماماً وينتفع به الناس فقد كنت شرعت فيه لتصلح ألسنة الناس، فدافع بذلك حتى مر يوماً بكلإ البصرة وإذا قارئ يقرأ {أن الله بريء من المشركين ورسوله} وحتى سمع رجلاً قال: سقطت عصاتي، فقال: لا يحل لي بعد هذا أن أترك الناس! فجاء إلى زياد فقال: أنا أفعل ما أمر به الأمير فليبتغ لي كاتباً حصيفاً ذكياً يعقل ما أقول، فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه، فأتي بآخر من ثقيف؛ وقال ابن الأنباري في كتاب الوقف: حدثني أبي قال: حدثنا أبو عكرمه قال: قال العتبي: كتب معاوية إلى زياد يطلب عبيد الله ابنه، فلما قدم عليه كلمه فوجده يلحن، فرده إلى زياد وكتب إليه كتاباً يلومه فيه ويقول: أمثل عبيد الله يضيع؟ فبعث زياد إلى أبي الأسود فقال: يا أبا الأسود! إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب، فلو وضعت شيئاً يصلح به الناس كلامهم ويعربون به كتاب الله، فأبى ذلك أبو الأسود وكره إجابة زياد إلى ما سأل، فوجه زياد رجلاً فقال له: اقعد في طريق أبي الأسود، فإذا مر بك فاقرأ شيئاً من القرآن وتعمد اللحن فيه، ففعل ذلك. فلما مر به أبو الأسود رفع الرجل صوته يقرأ {أن الله بريء من المشركين ورسولِه} فاستعظم ذلك أبو الأسود وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله، ثم رجع من فوره إلى زياد فقال: يا هذا، قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن، فابعث إليّ ثلاثين رجلاً، فأحضرهم زياد فاختار منهم أبو الأسود عشرة، ثم لم يزل يختارهم حتى اختار منهم رجلاً من عبد القيس، فقال: خذ المصحف وصبغاً يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتيّ فانقط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسرتهما فاجعل النقطة في أسفله، فإن أتبعت شيئاً من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين، فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره، ثم وضع المختصر المنسوب إليه بعد ذلك - انتهى. ويوم الحج المذكور هنا للجنس، أي في جميع أيام الحج - قاله سفيان الثوري - كيوم صفين والجمل وبعاث يراد به الحين والزمان الذي كان فيه ذلك، ولذلك نادى علي رضى الله عنه بنفسه ومن ندبه لذلك في جميع تلك الأيام، وقال أبو حيان: الظاهر أنه يوم واحد فقال عمر رضي الله عنه وجماعة: هو يوم عرفة، وروي مرفوعاً الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو موسى رضي الله عنه وجماعة: هو يوم النحر، وقيل: أيام الحج كلها - قاله سفيان بن عيينة قال ابن عطية: والذي تظاهرت به الأحاديث أن علياً رضي الله عنه أذن بتلك الآيات يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر رضي الله عنه، ثم رأى أنه لم يعم الناس بالإسماع فتتبعهم بالأذان بها أيضاً يوم النحر، وفي ذلك اليوم بعث أبو بكر رضي الله عنه من يعينه بها كأبي هريرة وغيره رضي الله عنهم ويتبعوا ايضاً أسواق العرب كذي المجاز وغيره؛ وبهذا يترجح قول سفيان - انتهى. وروى عبد الرزاق عن علي رضي الله عنه أن يوم النحر، وقال في تفسيره أيضاً: أخبرنا معمر عن الحسن قال: إنما سمي الحج الأكبر لأنه حج أبو بكر رضي الله عنه الحجة التي حجها، واجتمع فيها المسلمون والمشركون، ووافق أيضاً ذلك عيد اليهود والنصارى -. ولما أعلم سبحانه بالبراءة عنها، سبب عنها مرغباً مرهباً قوله التفاتاً إلى الخطاب: {فإن تبتم} أي عن الكفر والغدر {فهو} أي ذلك الأمر العظيم وهو المتاب {خير لكم} أي لأنكم تفوزون في الوفاء بالأمان في الدنيا، وفي الإسلام بالسلامة في الدارين. ولما كانت التوبة محبوبة بالطبع لما لها من النفع قال: {وإن توليتم} أي كلفتم أنفسكم خلاف ما يشتهي من التوبة موافقة للفطرة الأولى، وأصررتهم على الكفر والغدر اتباعاً للهوى المكتسب من خباثة الجبلة ورداءة الأخلاط التي قعدت بالروح عن أوجها الأول إلى الحضيض الأسفل {فاعلموا} أي علماً لا شبهة فيه {أنكم غير معجزي الله} أي لأن له صفات الكمال من الجلال والجمال، والالتفات هنا مثله في {فسيحوا} والإشارة به إلى ما ذكر في ذلك. ولما واجههم بالتهديد، أعرض عنهم وجه الخطاب تحقيراً لهم مخاطباً لأعلى خلقه مبشراً له في أسلوب التهكم بهم، فقال عاطفاً على ما تقديره: فبشر الغادرين بالخدلان، أو فبشر التائبين بنعيم مقيم: {وبشر الذين كفروا} أي أوقعوا هذا الوصف {بعذاب أليم*} أي في الدنيا والآخرة أو فيهما. ولما أعلمهم بالبراءة وبالوقت الذي يؤذن بها فيه، وكان معنى البراءة منهم أنه لا عهد لهم، استثنى بعض المعاهدين فقال: {إلا الذين عاهدتم} أي أوقعتم بينكم وبينهم عهداً {من المشركين ثم} أي بعد طول المدة اتصفوا بأنهم {لم ينقصوكم شيئاً} أي من الأمارات الدالة على الوفاء في أنفسهم كما نقض بنو الديل من بني بكر في قتالهم لخزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم {ولم يظاهروا} أي يعاونوا معاونة تظهر {عليكم أحداً} أي من أعدائكم كما ظاهرت قريش حلفاءهم من بني الدليل على حلفائكم من خزاعة {فأتموا} واشار إلى بعدهم عن الخير بحرف الغاية فقال: {إليهم عهدهم إلى مدتهم} أي وإن طالت؛ قال البغوي: وهم بنو ضمرة حي من كنانة، وكان قد بقي من عهدهم تسعة أشهر، وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا؛ وقال النحاس: ويقال: إن هذا مخصوص يراد به بنو ضمرة خاصة؛ وقال أبو محمد البستي: حدثنا قتيبة قال: ثنا الحجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال: كان بين بني مدلج وخزاعة عهد، وهم الذين قال الله {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم}. ولما كانت محافظتهم على عهدهم من أفراد التقوى، وكان الأمر بالإحسان إلى شخص من أفعال المحب، قال تعالى معللاً: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {يحب المتقين*} أي يفعل بهم وبكم افعال المحب، فهو قول حاث للكل على التقوى، وكل ينزله على ما يفهم، فهو من الإعجاز الباهر. ولما قرر أمر البراءة إثباتاً ونفياً، أمر بما يصنع بعد ما ضربه لهم من الأجل فقال: {فإذا} أي فتسبب عن ذلك أنه إذا {انسلخ } أي انقضى وانجرد وخرج ومضى {الأشهر الحرم} أي التي حرمت عليكم فيها قتالهم وضربتها أجلاً لسياحتهم، والتعريف فيها مثله{أية : كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول} تفسير : [المزمل: 15-16] {فاقتلوا المشركين} أي الناكثين الذين ضربتم لهم هذا الأجل إحساناً وكرماً؛ قال البغوي: قال الحسن بن الفضل: هذه الآية تنسخ كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء - انتهى. ومعنى {حيث وجدتموهم} أي في حل أو حرم في شهر حرام أو غيره {وخذوهم} أي بالأسر {واحصروهم} أي بالحبس عن إتيان المسجد والتصرف في بلاد الإسلام وكل مقصد {واقعدوا لهم} أي لأجلهم خاصة فإن ذلك من أفضل العبادات {كل مرصد} أي ارصدوهم وخذوهم بكل طريق يمكن ولو على غرة أو اغتيالاً من غير دعوة، وانتصابه على الظرف لأن معنى اقعدوا لهم: ارصدوهم، ومتى كان العامل في الظرف المختص عاملاً من لفظه أو من معناه جاز أن يصل إليه بغير واسطة "في" فكما يتعدى الفعل إلى المصدر من غير لفظه إذا كان بمعناه فكذلك إلى الظرف - ذكره أبو حيان، والتعبير بالقعود للارشاد إلى التأني، وفي الترصد والاستقرار والتمكن وإيصال الفعل إلى الظرف إشارة إلى أن يشغلوا في الترصد كل جزء من أجزاء كل مرصد إن قدروا على ذلك بخلاف ما لو عبر بـ"في" فإنه إنما يدل على شغل كل مرصد الصادق بالكون في موضع واحد منه أيّ موضع كان. ولما أمر تعالى بالتضييق عليهم، بين ما يوجب الكف عنهم فقال: {فإن تابوا} أي عن الكفر {وأقاموا} أي وصدقوا دعواهم التوبة بالبينه العادلة بأن أقاموا {الصلاة وآتوا الزكاة} أي فوصلوا ما بينهم وبين الخالق وما بينهم وبين الخلائق خضوعاً لله تعالى وتركاً للفساد ومباشرة للصلاح على الوجه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا وجد هذان الشاهدان العدلان {فخلوا} أي بسبب ذلك {سبيلهم} أي بأن لا تعرضوا لشيء مما تقدم لأن الله يقبل ذلك منهم ويغفر لهم ما سلف {إن} أي لأن {الله} أي الذي له الجلال والإكرام {غفور رحيم*} أي بليغ المحو للذنوب التي تاب صاحبها عنها والاتباع له بالإكرام.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {وأذان من الله ورسوله} قال: هو إعلام من الله ورسوله. وأخرج ابن أبي حاتم عن حكيم بن حميد رضي الله عنه قال: قال لي علي بن الحسين: أن لعلي في كتاب الله اسماً ولكن لا يعرفونه. قلت: ما هو؟ قال: ألم تسمع قول الله {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} هو والله الأذان. وأخرج الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر؟ فقال "يوم النحر" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر. وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن علي رضي الله عنه قال "أربع حفظتهن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن الصلاة الوسطى العصر، وإن الحج الأكبر يوم النحر، وإن أدبار السجود الركعتان بعد المغرب، وإن أدبار النجوم الركعتان قبل صلاة الفجر". وأخرج الترمذي وابن مردويه عن عمرو بن الأحوص رضي الله عنه. أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ قال "حديث : أي يوم أحرم، أي يوم أحرم، أي يوم أحرم؟ فقال الناس: يوم الحج الأكبر يا رسول الله ". تفسير : وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن قرط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أعظم الأيام عند الله أيام النحر يوم القر ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال "حديث : يوم الأضحى هذا يوم الحج الأكبر ". تفسير : وأخرج البخاري تعليقاً وأبو داود وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله عنهما "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر. قال: هذا يوم الحج الأكبر ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأكبر الحج، وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر رضي الله عنه إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك، وأنزل الله تعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} تفسير : [التوبة: 28] الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس قال: الحج الأكبر يوم النحر. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير عن المغيرة بن شعبة. أنه خطب يوم الأضحى فقال: اليوم النحر، واليوم الحج الأكبر. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: الحج الأكبر: يوم النحر. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: الحجر الأكبر: يوم النحر. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: الحج الأكبر: يوم النحر يوضع فيه الشعر، ويراق فيه الدم، وتحل فيه الحرم. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يوم الحج الأكبر يوم حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن سمرة رضي الله عنه في قوله {يوم الحج الأكبر} قال: كان عام حج فيه المسلمون والمشركون في ثلاثة أيام، واليهود والنصارى في ثلاثة أيام، فاتفق حج المسلمين والمشركين واليهود والنصارى في ستة أيام. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عون رضي الله عنه قال: سألت محمداً عن يوم الحج الأكبر؟ قال: كان يوم وافق فيه حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحج أهل الملل. وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زمن الفتح: إنه عام الحج الأكبر. قال: اجتمع حج المسلمين وحج المشركين في ثلاثة أيام متتابعات، فاجتمع حج المسلمين والمشركين والنصارى واليهود في ثلاثة أيام متتابعات، ولم يجتمع منذ خلق الله السموات والأرض كذلك قبل العام، ولا يجتمع بعد العام حتى تقوم الساعة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه. أنه سئل عن الحج الأكبر؟ فقال: ما لكم وللحج الأكبر؟ ذاك عام حج فيه أبو بكر رضي الله عنه، استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج بالناس، واجتمع فيه المسلمون والمشركون فلذلك سمي الحج الأكبر، ووافق عيد اليهود والنصارى. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم النحر، ألم تر أن الإِمام يخطب فيه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه"حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم عرفة: هذا يوم الحج الأكبر ". تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: الحج الأكبر يوم عرفة. وأخرج ابن جرير عن أبي الصهباء البكري قال: سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: يوم عرفة. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن يوم عرفة يوم الحج الأكبر، يوم المباهاة يباهي الله ملائكته في السماء بأهل الأرض، يقول "حديث : جاؤوني شعثاً غبرا، آمنوا بي ولم يروني وعزتي لأغفرن لهم ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن معقل بن داود قال سمعت ابن الزبير يقول يوم عرفة: هذا يوم الحج الأكبر. وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي. أنه سئل هذا الحج الأكبر فما الحج الأصغر؟ قال: عمرة في رمضان. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي إسحق رضي الله عنه قال: سألت عبد الله بن شداد رضي الله عنه عن الحج الأكبر فقال: الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر العمرة. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان يقال: العمرة هي الحجة الصغرى. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبو خيوة رضي الله عنه في قوله {أن الله بريء من المشركين ورسوله} قال: برىء رسوله صلى الله عليه وسلم. وأخرج أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتاب الوقف والابتداء وابن عساكر في تاريخه عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال: قدم اعرابي في زمان عمر رضي الله عنه فقال: من يُقرئني ما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم؟ فاقرأه رجل فقال {أن الله بريء من المشركين ورسوله} بالجر فقال الأعرابي: أقد برىء الله من رسوله؟ إن يكن الله برىء من رسوله فأنا أبرأ منه. فبلغ عمر مقالة الأعرابي، فدعاه فقال: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: يا أمير المؤمنين إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني؟ فاقرأني هذه سورة براءة. فقال {أن الله بريء من المشركين ورسوله} فقلت: إن يكن الله برىء من رسوله فأنا أبرأ منه. فقال عمر رضي الله عنه: ليس هكذا يا أعرابي. قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال {أن الله بريء من المشركين ورسولُهُ} فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ مما ما برىء الله ورسوله منه. فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يقرىء الناس إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود رضي الله عنه فوضع النحو. وأخرج ابن الأنباري عن عباد المهلبي قال: سمع أبو الأسود الدؤلي رجلاً يقرأ {أن الله بريء من المشركين ورسوله} بالجر فقال: لا أظنني يسعني إلا أن أضع شيئاً يصلح به لحن هذا أو كلاماً هذا معناه. أما قوله تعالى: {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} . وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن مسهر قال: سئل سفيان بن عينية عن البشارة أتكون في المكروه؟ قال: ألم تسمع قوله تعالى {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} .
ابو السعود
تفسير : {وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي إعلامٌ منهما فعَال بمعنى الإفعال كالعطاء بمعنى الإعطاء ورفعُه كرفع براءةٌ والجملةُ معطوفةٌ على مثلها وإنما قيل: {إِلَى ٱلنَّاسِ} أي كافةً لأن الأذانَ غيرُ مختصٍ بقوم دون آخَرين كالبراءة الخاصة بالناكثين بل هو شاملٌ لعامة الكفرةِ وللمؤمنين أيضاً {يَوْمَ ٱلْحَجّ ٱلأَكْبَرِ} هو يومُ العيدِ لأن فيه تمامَ الحجِّ ومعظَم أفعالِه ولأن الإعلامَ كان فيه ولما روي «حديث : أنه عليه الصلاة والسلام وقف يوم النحِر عند الجَمَرات في حَجة الوداع فقال: "هذا يومُ الحجِّ الأكبر"»تفسير : . وقيل: يومُ عرفةَ لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الحج عرفة» تفسير : ووصفُ الحجِّ بالأكبر لأن العُمرة تسمى الحجَّ الأصغرَ أو لأن المرادَ بالحج ما يقع في ذلك اليوم من أعماله فإنه أكبرُ من باقي الأعمال، أو لأن الحج اجتمع فيه المسلمون والمشركون أو لأنه ظهر فيه عزُّ المسلمين وذلُّ المشركين {أَنَّ ٱللَّهَ} أي بأن الله وقرىء بالكسر لِما أن الأذانَ فيه معنى القول {بَرِىء مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي المعاهِدين الناكثين {وَرَسُولُهُ} عطف على المستكنِّ في بريء أو على محل أنّ واسمِها على قراءة الكسر وقرىء بالنصب عطفاً على اسم أنّ أو لأن الواوَ بمعنى مع أي بريءٌ معه منهم، وبالجر على الجوار وقيل: على القسم {فَإِن تُبْتُمْ} من الشرك والغدر التفاتٌ من الغَيبة إلى الخطاب لزيادة التهديدِ والتشديد، والفاءُ لترتيب مقدّمِ الشرطيةِ على الأذان بالبراءة المذيّلةِ بالوعيد الشديد المُؤذِنِ بلِين عَريكتِهم وانكسارِ شدة شكيمتِهم {فَهُوَ} أي فالتوب {خَيْرٌ لَّكُمْ} في الدارين {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} عن التوبة أو ثبَتُّم على التولي عن الإسلام والوفاء {فَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ} غيرُ سابقين ولا فائتين {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تلوينٌ للخطاب وصرفٌ له عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن البشارة {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وإن كانت بطريق التهكمِ إنما تليق بمن يقفُ على الأسرار الإلٰهية.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [الآية: 3]. قال ابن عطاء: كل من أشرك مع الله فيما لله غير الله، فهو برئ منه. قوله تعالى: {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. قال أبو عثمان: مفتاح كل خير، قال الله تعالى: {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. قال الجنيد رحمة الله عليه: لا يبلغ التائب منزلة التحقيق فى التوبة، ما لم تجتمع فيه خصال أربع: أولها: حل الإصرار من القلب بالندم. والثانى: شدة المجاهدة فيما بقى. والثالث: صحة العزم فى ترك العود. والرابع: رد المظالم والخروج عن التبعات.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ}. أي لِيَكُنْ إعلامٌ من الله ورسوله للناس بنقض عهدهم، وإِعلانٌ عنهم بأنهم ما انقطعوا عن مألوفهم من الإهمال ومعهودهم، وقد برح الخفاء من اليوم بأنهم ليس لهم ولاءٌ، ولم يكن منهم بما عقدوا وفاءٌ، فَلْيَعْلَمْ الكافةُ أنهم أعداءٌ، وأنشدوا: شعر : أشاعوا لنا في الحيِّ أشنعَ قصةٍ وكانوا لنا سِلْماً فصاروا لنا حربا تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}. مَنْ رأى من الأغيار - شظيةً من الآثار، ولم يَرَ حصولَهَا بتصريفِ الأقدار فقد أشرك - في التحقيق - واستوجب هذه البراءة. ومَنْ لاَحَظَ الخلْق تَصَنُّعاً، أو طالَعَ نَفْسَه إعجاباً فقد جعل ما للهِ لغير الله، وظنَّ ما لله لغير الله، فهو على خطرٍ من الشِّرْكِ بالله. قوله جلّ ذكره: {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. إنْ عادوا إلى البابِ لم يقطعْ رجاءهم، ومدَّ إلى حدِّ وضوحِ العُذْرِ إِرجاءَهم. وبيَّن أنهم إِنْ أَصَرُّوا على عُتُوِّهم فإلى ما لا يُطِيقون من العذاب مِنْقَلبهُم، وفي النار مثواهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وأذان من الله ورسوله} الاذان بمعنى الايذان كالعطاء بمعنى الاعطاء اى هذا اعلام واصل منهما {الى الناس} كافة المؤمنين والكافرين ناكثين او غيرهم فالاذان عام والبراءة خاصة بالناكثين من المعاهدين والجملة عطف على قوله براءة {يوم الحج الأكبر} منصوب بما يتعلق به الى الناس. وفيه قولان. احدهما انه يوم العيد فانه يتم فيه اركان الحج كطواف الزيارة وغيره ويتم فيه معظم افعاله كالنحر والرمى وغيرهما واعلام البراءة كان فيه - وروى - ان النبى صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات فى حجة الوداع فقال هذا يوم الحج الاكبر - وروى- ان عليا رضى الله عنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء الى الجبانة فجاء رجل فاخذ بلجامها وسأله عن يوم الحج الاكبر فقال هو يومك هذا خل سبيلها. والثانى انه يوم عرفة لقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : الحج عرفة" تفسير : حصر النبى عليه السلام افعال الحج فى الوقوف بعرفة لانه معظم افعاله من حيث ان من ادرك الوقوف بعرفة فقد ادرك الحج ومن فاته الوقوف فاته الحج ووصف الحج بالاكبر لان العمرة تسمى الحج الاصغر ولاجتماع المسلمين والمشركين فى ذلك اليوم وموافقته لاعياد اهل الكتاب ولم يتفق ذلك قبله وبعده فمعظم ذلك اليوم فى قلوب جميع الطوائف والملل وورد "حديث : ان الوقفة يوم الجمعة تعدل سبعين حجة" تفسير : وهو الحج الاكبر {ان الله} اى بان الله والباء صلة الاذان حذفت تخفيفا {بريئ من المشركين} اى من عهدهم الذى نقضوه فالمراد بالمشركين المعاهدون الناكثون {ورسوله} قال المفسرون هو مرفوع معطوف على المستكن فى بريئ او منصوب على ان الواو بمعنى مع اى بريئ معه منهم او مجرور على القسم ولا تكرير فى ذكر بريئ لان قوله براءة اخبار بثبوت البراءة وهذا اخبار بوجوب الاعلام بذلك ولذلك علقه بالناس ولم يخصه بالمعاهدين كما قال اولا {أية : الى الذين عاهدتم} تفسير : [التوبة: 4] {فإن تبتم} من الكفر والغدر {فهو} اى فالتوبة {خير لكم} فى الدارين من الاقامة على الكفر والغدر {وان توليتم} اى اعرضتم عن التوبة {فاعلموا انكم غير معجزى الله} غير سابقين ولا فائتين اى لا تفوتونه طلبا ولا تعجوزنه هربا فى الدنيا. وبالفارسية [شمانه عاجز كنند كانيد خدايرا يعنى توانيد كه ازوبكر يزيد يابا او ستيزيد] {وبشر الذين كفروا بعذاب اليم} فى الآخرة والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر التبشير فى مقام الانذار تهكم بهم. وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال كنت مع على رضى الله عنه حين بعثه رسول الله بالبراءة الى مكة فقيل لابى هريرة بماذا كنتم تنادون قال كنا ننادى انه لا يدخل الجنة الا مؤمن ولا يحجن هذا البيت بعد هذا العام مشرك ولا عريان ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله الى اربعة اشهر فاذا مضت اربعة اشهر فان الله بريئ من عهد المشركين ورسوله
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (وأذان): مبتدأ، أو خبر، على ما تقدم في براءة، وهو فَعال بمعنى إفعال؛ كالعطاء بمعنى الإعطاء، أي: وإعلام من الله ورسوله واصل إلى الناس، ورفع "رسوله"؛ إما عطف على ضمير برئ، أو على محل "إن" واسمها، أو مبتدأ حُذف خبره، أي: ورسوله كذلك. يقول الحق جل جلاله: {وأذانٌ من الله ورسوله} واصل إلى الناس، ويكون {يومَ الحج الأكبر} وهو يوم النحر؛ لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله، ولأن الإعلام كان فيه. ولما روي أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقف يوم النحر، عند الجمرات، في حجة الوداع فقال: "حديث : هذا يوم الحج الأكبر"تفسير : ، وقيل: يوم عرفة؛ لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : الحج عرفة"تفسير : . ووصف الحج بالأكبر؛ لأن العمرة تسمى الحج الأصغر. وذلك الإعلام بأنَّ {الله بريء من المشركين ورسولُه} ـ عليه الصلاة والسلام ـ كذلك. قال البيضاوي؛ ولا تكرار؛ فإن قوله: {براءة من الله}: إخبار بثبوت البراءة، وهذا إخبار بوجوب الإعلام بذلك، ولذلك علقه بالناس ولم يخص بالمعاهدين. هـ. {فإن تُبْتُم} يا معشر الكفار ورجعتم عن الشرك، {فهو} أي: الرجوع {خيرٌ لكم}، {وإن توليتم} أي: أعرضتم عن التوبة وأصررتم على الكفر {فاعلموا أنكم غيرُ معجزي الله}؛ لا تفوتونه طلباً، ولا تعجزونه هرباً في الدنيا، {وبَشّرِ الذين كفروا بعذاب أليمٍ} في الآخرة. ولما أمر بنقض عهود الناكثين استثنى من لم ينقض فقال: {إَلا الذين عاهدتُّم} أي: لكن الذين عاهدتم {من المشركين}، وهم بنو ضمره وبنو كنانة، {ثم لم يَنقُضُوكم شيئاً} من شروط العهد، ولم ينكثوا، ولم يقتلوا منكم ولم يضروكم قط، {ولم يُظاهروا عليكم أحداً} أي: لم يعاونوا عليكم أحداً من أعدائكم، {فأتموا إليهم عهدهم إلى} تمام {مُدتهم}، وكانت بقيت لهم من عهدهم تسعة أشهر. ولا تجروهم مجرى الناكثين؛ {إن الله يحب المتقين}، وهو تعليل وتنبيه على أن إتمام عهدهم من باب التقوى. قاله البيضاوي. الإشارة: من أعظم شؤم الشرك: إن الله ورسوله تبرآ من أهله مرتين: خاصة وعامة، فيجب على العبد التخلص منه خفياً أو جلياً، ويستعين على ذلك بصحبة أهل التوحيد الخاص، حتى يُخلصوه من أنواع الشرك كلها، فإن صدر منه شيء من ذلك فليبادر بالتوبة وأصر على شركه، كان ذلك هوانه وخزيه، وبالله التوفيق. ثم أمر بجهاد المشركين بعد الأربعة الأشهر التي أمهلتهم فيها، فقال: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ}.
الطوسي
تفسير : الاذان الاعلام في قول ابن زيد والزجاج والجبائي، تقول: أذنني فلان كذا فأذنت اي اعلمني فعلمت. وقال بعضهم: معناه النداء الذي يسمع بالاذن. وقال الفراء والزجاج: انما ارتفع لأنه عطف على قوله {براءة} وقيل معناه عليكم اذان، لأن فيه معنى الامر. والحج المقصد إلى اعمال المناسك على ما امر الله به وقد بينا شرائط الحج واركانه وفرائضه في كتب الفقه، ولا نطول بذكره ها هنا والحج الاكبر قال عطا، ومجاهد، وعامر وبشر بن عبادة: هو ما فيه الوقوف بعرفه، والاصغر العمرة، وقال مجاهد: الحج الاكبر هو القران، والحج الاصغر هو الافراد. وقيل في معنى {يوم الحج الأكبر} ثلاثة اقوال: احدها - ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: عرفة، وهو المروي عن عمر وابن عباس بخلاف فيه وبه قال عطا ومجاهد وابن الزبير وابو حنيفة. الثاني - في رواية اخرى عن النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وابن عباس وسعيد ابن جبير، وعبد الله بن ابي أوفى، وابراهيم ومجاهد أنه يوم النحر، وهو المروي عن ابي عبد الله عليه السلام. وسمي بالحج الاكبر لانه حج فيه المشركون والمسلمون ولم يحج بعدها مشرك. الثالث - قال مجاهد وشعبة: هو جميع ايام الحج. اعلم الله تعالى في هذه الاية المشركين انه ورسوله بريء من المشركين وانه ان تبتم ورجعتم إلى الايمان وطاعة الرسول {فهو خير لكم} وان اعرضتم وتوليتم فاعلموا انكم لا تفوتون الله وان الله يبشر الكافرين بعذاب اليم اي شديد مؤلم. قال الحسن الحج الاكبر ثلاثة ايام الحج اجتمعت في تلك الايام الثلاثة اعياد المسلمين واعياد اليهود واعياد النصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن فيما خلا ولا يكون إلى يوم القيامة.
الحبري
تفسير : وَقَوْلُهُ: {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ}. والمُوَذِّنُ ـ يَوْمَئِذٍ ـ عَن الله وَرَسُولِهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ عَلِيٌّ بنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أَذَّنَ بِأَرْبَعٍ: لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ اِلاَّ مُؤْمِنٌ. وَلا يَطُوْفَنَّ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ. وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] أَجَلٌ فَأَجَلُهُ اِلى مُدَّتِهِ. وَلَكُمْ أَنْ تَسِيْحُوْا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ فُراتٌ، قالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ الحَكَمِ ـ معنعناًـ: عن حكيم بن جُبَيْرٍ، قالَ: سَمِعْتُ عليَّ بنَ الحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ يقولُ: وَالله، إنَّ لِعَلِيّ بِنِ أَبي طَالِبٍ لإَسْماً في كِتابِ الله ما يَعْرِفُونَهُ. قالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِداكَ، إسْمٌ؟ قالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَأَيُّ اسْمٍ؟ قالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ الله يَقولُ: {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ}. هُوَ وَالله الأَذانُ. الحَسكانيُّ: حَدَّثَنَا الحَاكِمُ أَبو عَبْدِ اللهِ الحافظُ، قِرَاءةً وإمْلاءً: حَدَّثَنَا أَبو الحَسَنِ عَليُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَقَبَةَ الشَّيْبَانيُّ بِالْكُوفَةِ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ الحَكَمِ الحِبَريُّ: عن عَفَّان بن مُسْلمٍ، عن حَمَّاد بن سَلَمة، عن سماك، عن أَنَس: أَنَّ رَسُول الله بَعَثَ بَراءَةَ مَعَ أَبي بَكْرٍ ا لى أَهْل مَكَّةَ، فَلمَّا أَنْ قَفَّاهُ، دَعاهُ فَبَعَثَ عَلِيّاً وقالَ: "حديث : لاَ يُبَلِّغُهَا اِلاَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي ".
الأعقم
تفسير : {وأذان من الله ورسوله} أي إعلام من الله ومن رسوله، وهذا عام لجميع الناس، من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث {يوم الحج الأكبر} يوم عرفة، وقيل: يوم النحر، وقد تقدم كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وإعلامه الناس يوم الحج الأكبر، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : يوم عرفة يوم الحج الأكبر" تفسير : ووصفه بالأكبر لأن العمرة بشهر الحج الأصغر، وجعل الوقوف هو الحج الأكبر لأنه معظم واجباته، ولأنه إذا فات فات الحج، وإن أريد به يوم النحر فلأنه يفعل فيه أفعال الحج فهو الحج الأكبر، وعن الحسن: سمي يوم الحج لاجتماع المسلمين والمشركين {فإن تبتم} من الكفر والغدر {فهو خير لكم وإن توليتم} عن التوبة أو تبتم عن التولي والإعراض عن الاسلام {فاعلموا أنكم غير} سابقين {الله} ولا فائتين عن أخذه وعقابه {إلاَّ الذين عاهدتم من المشركين}، قيل: الاستثناء واقع من قوله: {براءة من الله ورسوله} في العهد الذي كان، وقيل: هو عام، وقيل: هم حي من كنانة قال ابن عباس: بقي لهم من عهدهم تسعة أشهر {ثم لم ينقصوكم شيئاً} من شروط العهد، وقيل: لم ينقصوا شيئاً من مدة العهد بالخيانة {ولم يظاهروا} أي لم يعاونوا {عليكم} أيها المؤمنون {أحداً} من عدوكم بالنفس والمال {فأتمُّوا اليهم عهدهم إلى مدتهم} أجلهم الذي وقعت المعاهدة عليه {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} كقولهم الجرد قيل: الأربعة الأشهر: ثلاثة سرد وواحد فرد القعدة والحجة ومحرم ورجب، وروي ذلك جماعة من المفسرين وهو أيضاً قول أبي علي، وقيل: هي شهور العهد وسميت حرماً لأنه تعالى حرم فيها القتال، وقيل: هي عشر من ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول وسميت حرماً لأن ابتداءها في أشهر الحرم {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}، قيل: في الحل والحرم {وخذوهم واحصروهم} أي قيدوهم وامنعوهم التصرف في البلاد، وعن ابن عباس: حصروهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام {واقعدوا لهم كل مرصد} أي كل طريق {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} أي دعوهم يحجوا معكم ويسرفوا في دار الاسلام لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.
الهواري
تفسير : قال: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} [أي وإعلام من الله ورسوله]، يعني بالأذان أن يؤذن للناس بذلك. { إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ} أي يوم النحر. ذكروا عن علي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال: حديث : هو يوم النحر تفسير : ذكر عن الحسن قال: إنما كان عاماً ولم يكن يوماً، يعني ذلك العام. ذكروا عن مجاهد قال: وأذان من الله ورسوله إلى الناس كلّهم بالقتال إلا أن يؤمنوا وقال: الحج الأكبر، حين الحج، أيامه كلها. قوله: {أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} أي إِن لم يؤمنوا { فَإِن تُبْتُمْ} يقول للمشركين: فإن تبتم من الشرك فأسلمتم { فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي عن الله ورسوله وعن دينه {فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ} أي لستم بالذين تعجزون الله فتسبقونه حتى لا يقدر عليكم. { وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي بالقتل قبل عذاب الآخرة. ثم رجع إلى قصة أصحاب العهد فقال: { إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} أي لم يضروكم شيئاً {وَلَمْ يُظَاهِرُوا} أي لم يعاونوا { عَلَيْكُمْ أَحَداً} من المشركين { فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} أي إلى الأجل الذي عاهدتموهم عليه من يوم النحر إلى عشر يمضين من شهر ربيع الآخر. { إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ}. قوله: { فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} ذكروا عن بعضهم قال: إنه ذكر في أول السورة أهل العهد فقال: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ} من يوم النحر خمسين ليلة إلى انسلاخ المحرم لمن لا عهد له. فأمر الله نبيه إذا مضى هذا الأجل في المشركين ممن لم يكن له عهد فقال: {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}. قال: {وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} فأمر بقتالهم في الحلّ والحرم وعند البيت حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وأمره في أهل العهد أن يتم لهم عهدهم أربعة أشهر بعد يوم النحر إلى عشر يمضين من ربيع الآخر، ثم يُقتَلون حيث وَجَدَهم. قال الحسن: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ} الأشهر الحرم في هذا الموضع الأشهر التي أُجِّلُوا فيها والتي كانوا يَحْرُمون فيها على المسلمين لأنهم في عهد منها، آخرها عشر ليالٍ يمضين من شهر ربيع الآخر؛ وسمّاها حرماً لأنه نهى عن قتالهم فيها وحرّمه. وقول الكلبي مثل القول الأول، لهم خمسون ليلة إلى انسلاخ المحرّم ثم يقتلون حيث وُجِدوا. قال: { فَإِن تَابُوا} أي من الشرك { وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ} أي وأقروا بالزكاة، لأن من المسلمين من لا تجب عليهم الزكاة { فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي يغفر لهم الكفر إذا آمنوا. كقوله: (أية : قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ) تفسير : [الأنفال:38]. وقال بعضهم: في قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ}... إلى آخر الآية، قال: هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمان الحديبية، وكان عهدهم أن لا إغلال ولا أسلال. فغلّوا نبي الله ونكثوا العهد وظاهروا المشركين على المسلمين.
اطفيش
تفسير : {وأذانٌ مِنَ اللهِ ورسُولِهِ} أى إعلام منهما، وهو اسم مصدر آذن كآمن أمانا، وأعطى عطاء، والمصدر أذان وإيمان وإعطاء، ومن ذلك الأذان للصلاة، فإنه إعلام بوقتها، والجار والمجرور نعت لأذان، الأصل أذان ثابت من الله ورسوله، أو النعت كون خاص، أى منهما. {إلى النَّاسِ} كلهم، وإعراب ذلك كإعراب {أية : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} تفسير : ولا وجه لقول بعضهم إنه معطوف على براءة، إلا إن أراد عطفه وما بعده على براءة وما بعده، وهذه الجملة إخبار بوجوب الإعلام بما يثبت، وتلك أخبار بثبوت البراءة، والبراءة مختصة بالمعاهدين، معلقة بهم، والأذان عام فعلق بالناس. {يَومَ الحجِّ الأكْبرِ} متعلق بأذان، ولو وصف لبقاء رائحة الفعل فيه، وهى عاملة فى الظروف، وقيل: لا يجوز عمل المصدر واسمه إذا وصفا لزوال قوة الفعل، وأجيز تعليقه بأذن أو أخزى محذوفا، وقيل: متعلق لمخزى وهو بعيد، ووجه تعليقه بأذان، أو بأذن مع أن الآيات نزلت قبل ذلك أن إعلام الناس بها كان يوم الحج الأكبر وهو يوم عيد الأضحى عند عبد الله بن أبى أوفى، والمغيرة بن شعبة، والشعبى، والنخعى، وابن جبير، والسدى، حديث : قال علىّ: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر قال: "يوم النحر" ". تفسير : وعن عمر:حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات فى الحجة التى حج فيها فقال: "أى يوم هذا؟" فقال: يوم النحر، فقال: "هذا يوم الحج الأكبر"" تفسير : وبذلك قال أبو هريرة، وقال على فى رواية، وابن عباس، وعكرمة، وعمرو، وابن عمر، وابن الزبير، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وابن المسيب: يوم عرفة وأن فيه وقوع أول الأذان، والصحيح الأول لما روى، وقد مر، وفى الأضحى كمل الأذان، واحتج بعض على أنه عيد الأضحى بأن من فاته الوقوف يوم عرفة يجزيه الوقوف ليلة النحر، وهو احتجاج باطل. وعن منذر بن سعيد: كان الناس يوم عرفة مفترقين إذا كانت قريش تقف بالمزدلفة، وكان الجميع يوم النحر وهو يوم الأضحى بمعنى، فيوم الحج الأصغر يوم عرفة لافتراقهم، ويوم الحج الأكبر يوم النحر لاجتماعهم، ولكن قريشا ومن تبعها وقفوا بالمزدلفة فى حجة أبى بكر هذه. وقال مجاهد، وسفيان الثورى: يوم الحج الأكبر أيام منى، فاليوم بمعنى الزمان، كما يقال: يوم صفين، ويوم الجمل، مع بقاء القتال أياما، ورجحه بعضهم بما مر أذان على يوم عرفة ويوم النحر وبعده، ونسب لسفيان بن عيينة. وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل، وابن سيرين، والحسن البصرى: هو يوم حجة الوداع فقط، فلم يكن قبل، ولن يكن بعد، لأنه اجتمع فيه حج المسلمين، وعيد اليهود، وعيد النصارى، وعيد المشركين أخزاهم الله، ولم يجتمع ذلك قبل، ولا يجتمع بعد، وضعف بأنه لا يصفه الله لهذا بأنه أكبر، وأجيب بأن المراد بوصفه بذلك أنه كثر معظموه، واتفق الناس على تعظيمه: مسلمهم وكافرهم، والصحيح كما مر أنه عيد النحر مطلقا، ووصف بذلك لأن فيه تمام الحج، ومعظم أفعاله، ولأن الإعلام كان فيه. ومن قال: يوم حجة الوداع، فالأولى له فى تقليل وصفه أن يقول: وصفه لأن فيه حجة الوداع، ولأنه يوم الجمعة، وودع الناس فيه، وخطبهم وعلمهم المناسك، وذكر فى خطبته استدارة الزمان، وأبطل أحكام الجاهلية، وقد أبطلها يوم الفتح أيضا. وقيل: يوم الحج الأكبر ذلك اليوم الذى حج فيه أبو بكر، ونبذت فيه العهود، وعز فيه الإسلام، ولذا وصف بأنه أكبر، وهو رواية عن الحسن البصرى، وقيل: إن يوم الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر العمرة، وبه قال عطاء، وقال الشعبى: الحج الأكبر الحج، والأصغر العمرة فى رمضان، وقال مجاهد: الأكبر القران بين الحج والعمرة، والأصغر الإفراد، وإنما يكون هذا مقبولا يدخل به فى الآية إن أريد به حج أبى بكر إن كان قارئا، أو يوم حجة الوداع إن كانت بالقران، وقد يقال: المراد يوم النحر مطلقا ووصفه بالأكبر مدح لا تحرز عن كبير أو صغير. {أنَّ الله برىءٌ منَ المشْركينَ} فتحت همزة أن لأن الأذان بمعنى الإعلام، أو لتقدير الباء، أى بأن الله، كسرت فى قراءة الحسن والأعرج، لأن الأذان فيه معنى القول {ورسُولُهُ} بالرفع عطفا على الضمير المستتر فى برىء، لوجود الفصل، أو بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف أى ورسوله برىء منهم، أو ورسوله كذلك، وزعم بعض الكوفيين أنه معطوف على أصل اسم أن فإنه فى الأصل مرفوع، وأن رفعه منوى، ولو تغير لفظه بأن المفتوحة الهمزة، أو المكسورة الهمزة فى الآية، وعليه فإنما أفرد الخبر لأنه بوزن فعيل بمعنى فاعل، وما كان كذلك يجوز إفراده مع غير الواحد. قالوا: وهو مرفوع عطفا على محل أن واسمها، فإنهما مبتدأ عند جماعة، وهذا فى قراءة الكسر، وقيل بهذا فى إن بالكسر وأخواتها، وقرأ ابن إسحاق، وعيسى بن عمر بالنصب عطفا على اسم أن، وأفرد الخبر لما مر، أو يقدر خبر معطوف على خبر أن بمنزلة قولك: إن زيدا قائم وعمرا قائم، أو النصب على المعية، فناصبه برىء. وحكى جار الله: أن بعضا قرأ ورسوله بالجر على الجوار، والذى يختاره ابن هشام أن الجر على الجوار ممنوع فى العطف لفصل العاطف، وقيل: الجر على القسم فهو كقولهم: إن فرعون وهامان وقارون والنمرود والنبيين جميعا لفى سقر، بأن الواو الداخلة على لفظ اليمين للقسم. وقال محمد بن قاسم، وأبو بكر الأنبارى فى أماليه، وأبو القاسم ابن عساكر فى تاريخ دمشق، عن ابن أبى مليكة أن أعرابيا قدم إلى المدينة فى زمان عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: من يقرئنى مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأقرأه رجل: {أية : براءة من الله ورسوله} تفسير : وقال: أن الله برىء من المشركين ورسوله بالجر، فقال الأعرابي: أو قد برىء الله من رسوله، إن يكن الله بريئا من رسوله فأنا أبرأ منه. فبلغ عمر مقالة الأعرابى فدعاه فقال: يا أعرابى أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنى قدمت المدينة ولا علم لى بالقرآن فسألت من يقرئنى فأقرأنى هذا سورة براءة فقال: إن الله برىء من المشركين ورسولِهِ، فقلت: أو قد برىء الله من رسوله، إن يكن الله برىء منه فأنا منه برىء، فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابى قال، فكيف هى يا أمير المؤمنين؟ فقال: {أن الله برىء من المشركين ورسولُهُ} فقال الأعرابى: وأنا والله أبرأ ممن برىء الله ورسوله منه، فأمر عمر بن الخطاب أن لا يقرأ القرآن إلا على عالم باللغة، وأمر أبا الأسود فوضع علم النحو. وأخرج ابن الأنبارى فى أماليه، من طريق محمد بن خالد المهلبى، عن أبيه قال: سمع أبو الأسود رجلا يقرأ أن الله برىء من المشركين ورسوله بالجر، فقال: لا أظننى يسعنى إلا أن أضع شيئا أصلح به لحن هذا، وأخرج من طريق العتبى أن معاوية كتب إلى زيادة يطلب عبيد الله ابنه، فلما قدم عليه كلمه فوجده يلحن، فرده إلى زياد وكتب إليه يلومه ويقول: أمثل عبيد الله يضيع، فبعثه زيادة إلى أبى الأسود فقال له: يا أبا الأسود إن هذه العجمة قد كثرت وأفسدت من لسان العرب، فلو وضعت شيئا يصلح به الناس ألسنتهم، ويعرفون به كتاب الله، فأبى ذلك أبو الأسود، فوجه زياد رجلا وقال له: اقعد فى طريق أبى الأسود، فإذا مر بك فاقرأ شيئا من القرآن وتعمد اللحن، فلما مر أبو الأسود رفع الرجل صوته يقرأ: أن الله برىء من المشركين ورسوله بالجر، فاستعظم ذلك أبو الأسود، فقال: عز وجه الله أن يتبرأ من رسوله، ثم رجع من فوره إلى زياد وقال له: أجبتك إلى ما سألت، والبراءة الأولى إبطال للعهد، وهذه نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعد. {فإنْ تُبْتُم} عن الكفر والغدر {فَهو خَيرٌ لكُم} أى فالتوب خير لكم، أو فالمتاب خير لكم، وليس كما قيل: إن مصدر تاب توبة دون توب، وإنه لا يقال فى مصدره: توب إلا فى الضرورة بحذف التاء للضرورة، بل يقال فى السعة: توبة وتوب، ومتاب ومتابة، قال الله سبحانه، {أية : وقابل التوب}. تفسير : {وإنْ تولَّيتُم} أعرضتم عن التوبة فلم تتوبوا، أو عن الإسلام والوفاء به بعد التوبة {فاعْلَموا أنَّكم غَيرُ مُعْجزى اللهَ} غير فائتين عذابه وأخذه، وهذا وعيد يقع عليهم فى الدنيا {وبشِّر الَّذينَ كَفرُوا بعَذابٍ أليمٍ} فى الآخرة، ولفظ التبشير استهزاء بهم.
اطفيش
تفسير : {وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ} المشركين مطلقا والمؤمنين {يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} أَى وهذا أَذان أَو هؤلاءِ الآيات أَذان، وجعله مبتدأ مخبر عنه بإِلى الناس ضعيف كضعف الإِخبار عن براءَة بالذين، ويجوز عطفه على براءَة إِذا جعلنا براءَة خبر المحذوف. أَى هذه الآيات براءَة وأَذان، لا إِذا جعلنا براءَة مبتدأ خبره إِلى الذين لئلا يلزم الإِخبار عن المبتدأ قبل العطف عليه، ويوم منصوب بأَذان، وليس إِلى الناس خبرا، والحج الأَكبر يوم النحر فى رواية عن على وابن عباس لأَن فيه أَكثر أَعمال الحج، والحج الأَصغر عرفة أَو العمرة لأَنها أَقل أَفعالا من الحج، وقيل: الحج الأَكبر عرفة لحديث "حديث : الحج عرفة" تفسير : ولحديث المسور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يوم الحج الأَكبر يوم عرفة" تفسير : وهو رواية أُخرى عن المسور وابن عباس، ولأَنه من فاته عرفة فاته الحج مع أَنه مبدؤه بعد الإِحرام، وأَما طواف الزيارة فإِنه مع وجوبه مبنى على الإِحرام وعرفة، والفضل فى هذا القول بالكيف وفى الأَول بالكم، ورجح بعضهم الأَول لأَن الإِعلام كان فى العيد فإِن الأَذان ولو كان أَيضا فى مكة لكن فى العيد أَعظم، وكذا كان أَيضا فى مكة لكن هذا أَعظم لتفرغ الناس له أَعظم من تفرغهم فى عرفة، ولأَنه صلى الله عليه وسلم وقف عند الجمرة، ويروى بين الجمرات، فقال: "حديث : هذا يوم الحج الأَكبر"تفسير : ، وقيل: وصف بالأَكبر سواء قلنا أَنه عرفة أَو العيد، لكن لظهور عز الإِسلام فيه عن الشرك، قيل: ولاتفاقه أَيضا عيدًا لأَهل الكتاب، ولاجتماع المشركين والمسلمين فيه، وهو ضعيف إِذ لا يعتبر عيد أَهل الكتاب واجتماع المشركين بعد الإِسلام، ولم يتفق عيد المسلمين واليهود والنصارى قبل ذلك، ولم يتفق إِلى الآن ولعله لا يتفق بعد، وعن مجاهد: يوم الحج الأَكبر أَيام الحج كلها، فاليوم بمعنى الوقت كما يقال يوم الخصب، وليس يوما واحدا، ومن متعلق بأَذان المحذوف نعت لأَذان ولكن إِذا جعل نعتا تعلق يوم باستقرار النعت لا بأَذان، وأَذان بمعنى إِعلام اسم للإِيذان كالأَمان اسم للإِيمان، والعطاء اسم للإِعطاء.. {أَنَّ اللهَ بَرِئٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} أَى بأَن الله، أَو لا تقدر الباء لتعديه لأَنه بمعنى الإِعلام، والمفعول الأَول محذوف، أَى إِعلام الناس أَن الله برئ من عهد المشركين {وَرَسُولُهُ} عطف على المستتر فى برئ للفصل بينهما أَو يقدر ورسوله برئ، أَو رسوله كذلك، أَو عطف على محل اسم أَن فيكون فى برئ ضمير الله ورسوله، وأَفرد لشبهه بالمصدر، وقال ابن الحاجب: لا يجوز العطف على محل اسم أَن بالفتح لأن الكلام مؤول بالمصدر بحسب العامل بخلاف المكسورة فاسمها كأَنه مرفوع على الابتداءِ لاعتبار حدوث أَن، ولم يقل أَن الله ورسوله بريئان، ليتحمل تلك المعانى، وليذكر براءَة الله وبراءَة رسوله إِذا قدرنا ورسوله برئ أَو ورسوله كذلك، وليس قوله أَن الله برئ من المشركين ورسوله تكريرا لقوله "أية : براءَة من الله ورسوله" تفسير : [التوبة: 1] إِلخ.. لأَن تلك إِخبار لفظا بثبوت البراءَة للناكثين وهذه إِخبار بوجوب الإِعلام بالبراءَة للناس المعاهدين وغيرهم والمسلمين، وروى أَن بعض العامة قرأَ بجر رسوله وسمعه أَعرابى فقال: أَنا برئ من رسول الله إِن برئَ الله منه. فلببه القارئ إِلى عمر فحكى له الأَعرابى الجر، فقال له عمر: إِنما التلاوة ورسوله، فرفع، فقال الأَعرابى: أَنا برئ ممن برئَ الله ورسوله منه، قبح الله ذلك القارئَ، لا تجعلوه إِماماً بعد، وأَمر عمر الناس بتعلم العربية، وروى هذا فى الأَعرابى مع أَبى الأَسود وعلى فوضع على بعض النحو كما شهر، وروى أَن الحسن البصرى قرأَ عمداً بالجر، فإِن صح فقسم أَو على الجوار، ولو فصل العاطف لا على العطف على المشركين فإِن القصد له إِشراك كما أَنكر الأَعرابى {فَإِنْ تُبْتُمْ} من الشرك ونقض العهد، والخطاب بعد الغيبة للتهديد، وذلك مترتب على الأَذان ولذلك قرن بالفاء، وكذا ترتب عليه إِن توليتم إِلخ.. لأَنه عطف على إِن تبتم إِلخ. {فَهُوَ} أَى التوب المعلوم من تبتم، وإِن رجعنا الضمير إِلى التوبة جاز لأَن الخبر مذكر {خَيْرٌ لَكُمْ} من البقاءِ على الشرك فإِن البقاءَ عليه حسن عندهم، أَو خير بمعنى نفع، أَو هو باق على صيغة التفضيل خارج عن معناه، فمعناه فهو حسن والشرك قبيح {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} عن التوبة أَو بقيتم على التولى عن الإِيمان فإِن التولى موجود فلا بد فى شرط التولى من مجاز وهو الثبات عليه، وإِلا لزم تحصيل الحاصل وإِيضاح المجاز أَن الثبات عليه مسبب ولازم بيانى له {فاعْلمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ} بهرب عنه ولا بمقاومة له ولا بقدرة على عذابه وعدم توجع به فى الدنيا لمن قتل وأَسر، فأَما عذاب الآخرة ففى قوله {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} موجع، على أَن المراد بالذين كفروا من تقدم ذكرهم، وإِن أريد العموم تدخل المذكورون أَولا، وإِن أَريد الأَولون فالتعبير بالظاهر ليذكر علة العذاب وهو الكفر، أَو يطلق نفى الإِعجاز ويراد بالعذاب الأَليم عذاب الدنيا والآخرة، وذكر التبشير فى السوءِ تهكم، وفى قوله "تبتم" طريق التفات من الغيبة إِلى الخطاب بالترغيب فى التوبة، وذلك أَن فى الخطاب لذة للمخاطب - بفتح الطاءِ - وتحببا إِليه، أضو وجه الالتفات تهديدهم على عدم التوبة والتولى عنها وعلى جواز استعمال الكلمة فى معان يفسر بالتلذيذ والتحبب والتهديد جملة أَو توزيعا، بحسب الصلوح.
الالوسي
تفسير : {وَأَذانٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي إعلام وهو فعال بمعنى الأفعال أي إيذان كالأمان والعطاء. ونقل الطبرسي أن أصله من النداء الذي يسمع بالأذن بمعنى أذنته أو صلته إلى أذنه، ورفعه كرفع براءة والجملة معطوفة على مثلها. وزعم الزجاج أنه عطف على {أية : بَرَآءَةٌ} تفسير : [التوبة: 1]، وتعقب بأنه لا وجه لذلك فإنه لا يقال: أن عمراً معطوف على زيد في قولك: زيد قائم وعمرو قاعد. وذكر العلامة الطيبي أن لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يعطف على براءة على أن يكون من عطف الخبر على الخبر كأنه قيل: هذه السورة براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم خاصة وأذان من الله ورسوله {إِلَى ٱلنَّاسِ} عامة. نعم الأوجه أن يكون من عطف الجمل لئلا يتخلل بين الخبرين جمل أجنبية ولئلا تفوت المطابقة بين المبتدأ والخبر تذكيراً وتأنيثاً، ونظر فيه بعضهم أيضاً بأنهم جوزوا في الدار زيد والحجرة عمرو وعدوا ذلك من العطف على معمولي عاملين، وصرحوا بأن نحو زيد قائم وعمرو يحتمل الأمرين، وأجيب بأنه أريد عطف أذان وحده على براءة من غير تعرض لعطف الخبر على الخبر كما في نحو أريد أن يضرب زيد عمراً ويهين بكر خالداً فليس العطف إلا في الفعلين دون معموليهما هذا الذي منعه من منع؛ وإرادة العموم من {ٱلنَّاسِ} هو الذي ذهب إليه أكثر الناس لأن هذا الأذان ليس كالبراءة المختصة بالناكثين بل هو شامل للكفرة وسائر المؤمنين أيضاً، وقال قوم: المراد بهم أهل العهد. وقوله سبحانه: {يَوْمَ ٱلْحَجّ ٱلأَكْبَرِ} منصوب بما تعلق به {إِلَى ٱلنَّاسِ} لا بأذان لأن المصدر الموصوف لا يعمل على المشهور، والمراد به يوم العيد لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله ولأن الإعلام كان فيه. ولما أخرج البخاري تعليقاً وأبو داود وابن ماجه وجماعة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر، قال: هذا يوم الحج الأكبر»، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن جبير وابن زيد ومجاهد وغيرهم، وقيل: يوم عرفة لقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : الحج عرفة» تفسير : ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً، وأخرج ابن أبـي حاتم عن المسور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج ابن جرير عن أبـي الصهباء أنه سأل علياً كرم الله تعالى وجهه عن هذا اليوم فقال: هو يوم عرفة، وعن مجاهد وسفيان أنه جميع أيام الحج كما يقال: يوم الجمل ويوم صفين ويراد باليوم الحين والزمان والأول أقوى رواية ودراية، ووصف بالحج الأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر أو لأن المراد بالحج ما وقع في ذلك اليوم من أعماله فانه أكبر من باقي الأعمال فالتفضيل نسبـي وغير مخصوص بحج تلك السنة. وعن الحسن أنه وصف بذلك لأنه اجتمع فيه المسلمون والمشركون ووافق عيده أعياد أهل الكتاب، وقيل: لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين / فالتفضيل مخصوص بتلك السنة؛ وأما تسمية الحج الموافق يوم عرفة فيه ليوم الجمعة بالأكبر فلم يذكروها وإن كان ثواب ذلك الحج زيادة على غيره كما نقله الجلال السيوطي في بعض «رسائله» {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي من عهودهم. وقرأ الحسن والأعرج {إنَّ} بالكسر لما أن الأذان فيه معنى القول، وقيل: يقدر القول، وعلى قراءة الفتح يكون بتقدير حرف جر وهو مطرد في إن وأن، والجار والمجرور جوز أن يكون خبراً عن أذان وأن يكون متعلقاً به وأن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة له، وقوله سبحانه: {وَرَسُولُهُ} عطف على المستكن في {بَرِيۤءٌ}، وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف وأن يكون عطفاً على محل اسم إن لكن على قراءة الكسر، لأن المكسورة لما لم تغير المعنى جاز أن تقدر كالعدم فيعطف على محل ما عملت فيه أي على محل كان له قبل دخولها فإنه كان إذ ذاك مبتدأ، ووقع في كلامهم محل أن مع اسمها والأمر فيه هين. ولم يجيزوا ذلك على المشهور مع المفتوحة لأن لها موضعاً غير الابتداء، وأجاز ابن الحاجب هٰهنا العطف على المحل في قراءة الجماعة أيضاً بناء على ما ذكر من أن المفتوحة على قسمين ما يجوز فيه العطف على المحل وما لا يجوز، فإن كان بمعنى إن المكسورة كالتي بعد أفعال القلوب نحو علمت أن زيداً قائم وعمرو جاز العطف لأنها لاختصاصها بالدخول على الجمل يكون المعنى معها إن زيداً قائم وعمرو في علمي، ولذا وجب الكسر في علمت إن زيداً لقائم، وإن لم تكن كذلك لا يجوز نحو أعجبني أن زيداً كريم وعمرو ويتعين النصب فيه لأنها حينئذ ليست مكسورة ولا في حكمها، ووجه الجواز بناء على هذا أن الإذن بمعنى العلم فيدخل على الجمل أيضاً كعلم. وقرأ يعقوب برواية روح وزيد {وَرَسُولَه} بالنصب وهي قراءة الحسن وابن أبـي اسحاق وعيسى بن عمرو، وعليها فالعطف على اسم {أَن} وهو الظاهر، وجوز أن تكون الواو بمعنى مع ونصب {وَرَسُولَه} على أنه مفعول معه أي برىء معه منهم. وعن الحسن أنه قرأ بالجر على أن الواو للقسم وهو كالقسم بعمره صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه: {أية : لَعَمْرُكَ } تفسير : [الحجر: 72] وقيل: يجوز كون الجر على الجوار وليس بشيء، وهذه القراءة لعمري موهمة جداً وهي في غاية الشذوذ الظاهر أنها لم تصح. يحكى أن أعرابياً سمع رجلاً يقرؤها فقال: إن كان الله تعالى بريئاً من رسوله فانا منه بريء فلببه الرجل إلى عمر رضي الله تعالى عنه فحكى الأعرابـي قراءته فعندها أمر عمر بتعليم العربية، ونقل أن أبا الأسود الدؤلي سمع ذلك فرفع الأمر إلى علي كرم الله تعالى وجهه فكان ذلك سبب وضع النحو والله تعالى أعلم. وفرق الزمخشري بين معنى الجملة الأولى وهذه الجملة بأن تلك إخبار بثبوت البراءة وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت، وفي «الكشف» أن هذا على تقدير رفعهما بالخبرية ظاهر إلا أن في قوله إخبار بوجوب الإعلام تجوزاً وأراد أن يبين أن المقصود ليس الإخبار بالإعلام بل أعلم سبحانه أنه بريء ليعلموا الناس به، وعلى التقدير الثاني وجهه أن المعنى في الجملة الأولى البراءة الكائنة من الله تعالى حاصلة منتهية إلى المعاهدين من المشركين فهو إخبار بثبوت البراءة كما تقول في زيد موجود مثلا: إنه إخبار بثبوت زيد، وفي الثانية إعلام المخاطبين الكائن من الله تعالى بتلك البراءة ثابت واصل إلى الناس فهو إخبار بثبوت الإعلام الخاص صريحاً ووجوب أن يعلم المخاطبون الناس ضمنا، ولما كان المقصود هو المعنى المضمن ذكر أنها إخبار بوجوب الإعلام، وزعم بعضهم لدفع التكرار أن البراءة الأولى لنقض العهد والبراءة الثانية لقطع الموالاة والإحسان / وليس بذلك. {فَإِن تُبْتُمْ} من الكفر والغدر بنقض العهد {فَهُوَ} أي التوب {خَيْرٌ لَّكُمْ} في الدارين والالتفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة التهديد والتشديد، والفاء الأولى لترتيب مقدم الشرطية على الاذان المذيل بالوعيد الشديد المؤذن بلين عريكتهم وانكسار شدة شكيمتهم {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} عن التوبة أو ثبتم على التولي عن الإسلام والوفاء {فَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ} غير سابقيه سبحانه ولا فائتيه {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي في الآخرة على ما هو الظاهر. ومن هنا قيد بعضهم غير معجزي الله بقوله في الدنيا، والتعبير بالبشارة للتهكم، وصرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: لأن البشارة إنما تليق بمن يقف على الأسرار الإلهية، وقد يقال: لا يبعد كون الخطاب لكل من له حظ فيه وفيه من المبالغة ما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}. عطف على جملة {أية : براءة من الله ورسوله}تفسير : [التوبة: 1] وموقع لفظ {أذان} كموقع لفظ {أية : براءة}تفسير : [التوبة: 1] في التقدير، وهذا إعلام للمشركين الذين لهم عهد بأنّ عهدهم انتقض. والأذانُ اسم مصدر آذنه، إذا أعلمه بإعلان، مثل العطاء بمعنى الإعطاء، والأمان بمعنى الإيمان، فهو بمعنى الإيذان. وإضافة الأذان إلى الله ورسوله دُون المسلمين، لأنّه تشريع وحكم في مصالح الأمّة، فلا يكون إلاّ من الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا أمر للمسلمين بأن يأذنوا المشركين بهذه البراءة، لئلا يكونوا غادرين، كما قال تعالى: {أية : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين}تفسير : [الأنفال: 58]. والمراد بالناس جميع الناس من مؤمنين ومشركين لأن العلم بهذا النداء يَهُمّ الناس كلّهم. ويوم الحجّ الأكبر: قيل هو يوم عرفة، لأنّه يوم مجتمع الناس في صعيد واحد، وهذا يروى عن عمر، وعثمان، وابن عباس، وطاووس، ومجاهد، وابن سيرين. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وفي الحديث: «حديث : الحج عرفة»تفسير : . وقيل: هو يوم النحر، لأنّ الناس كانوا في يوم موقف عرفة مفترقين إذْ كانت الحُمْس يقفون بالمزدلفة، ويقف بقية الناس بعرفة، وكانوا جميعاً يحضرون منى يوم النحرِ، فكان ذلك الاجتماع الأكبرَ، ونسَب ابنُ عطية هذا التعليل إلى منذر بن سعيد، وهذا قول علي، وابن عمر، وابن مسعود، والمغيرة بن شعبة، وابن عباس أيضاً، وابن أبي أوفى، والزهري، ورواه ابن وهب عن مالك، قال مالك: لا نشك أن يوم الحج الأكبر يوم النحر لأنّه اليوم الذي تُرمى فيه الجمرة، وينحر فيه الهدي، وينقضي فيه الحج، من أدرك ليلة النحر فوقف بعرفة قبل الفجر أدرَك الحج. وأقول: إن يوم عرفة يوم شغل بعبادة من وقوف بالموقف ومن سماع الخطبة. فأما يوم منى فيوم عيدهم. و{الأكبر} بالجرّ نعت للحجّ، باعتبار تجزئته إلى أعمال، فوُصف الأعظم من تلك الأعمال بالأكبر، ويظهر من اختلافهم في المراد من الحجّ الأكبر أنّ هذا اللفظ لم يكن معروفاً قبل نزول هذه الآية فمن ثم اختلف السلف في المراد منه. وهذا الكلام إنشاءٌ لهذا الأذان، موقّتاً بيوم الحجّ الأكبر، فيؤوّل إلى معنى الأمر، إذ المعنى آذنوا الناس يوم الحجّ الأكبر بأنّ الله ورسوله بريئان من المشركين. والمراد بـــ {الناس} جميع الناس الذين ضمّهم الموسم، ومن يبلغه ذلك منهم: مؤمنهم ومشركهم، لأنّ هذا الأذان ممَّا يجب أن يعلمه المسلم والمشرك، إذ كان حكمه يلزم الفريقين. وقوله: {أن الله بريء من المشركين} يتعلّق بــــ {أذان} بحذف حرف الجرّ ــــ وهو باء التعدية ــــ أي إعلام بهذه البراءة المتقدّمة في قوله: {أية : براءة من الله ورسوله}تفسير : [التوبة: 1] فإعادتها هنا لأنّ هذا الإعلام للمشركين المعاهَدين وغيرهم، تقريراً لعدم غدر المسلمين، والآية المتقدّمة إعلام للمسلمين. وجاء التصريح بفعل البراءة مرّة ثانية دون إضمار ولا اختصار بأن يقال: وأذان إلى الناس بذلك، أو بها، أو بالبراءة، لأنّ المقام مقام بيان وإطناب لأجل اختلاف أفهام السامعين فيما يسمعونه، ففيهم الذكّي والغبي، ففي الإطناب والإيضاح قطع لمعاذيرهم واستقصاء في الإبلاغ لهم. وعُطف {ورسولهُ} بالرفع، عند القرّاء كلّهم: لأنّه من عطف الجملة، لأنّ السامع يعلم من الرفع أنّ تقديره: ورسولُه بريءٌ من المشركين، ففي هذا الرفع معنى بليغ من الإيضاح للمعنى مع الإيجاز في اللفظ، وهذه نكتة قرآنيّة بليغة، وقد اهتدى بها ضابىء بن الحارث في قوله:شعر : ومن يكُ أمسَى بالمدينةِ رحله فإنّي وقيّارٌ بها لغريب تفسير : برفع (قيار) لأنّه أراد أن يجعل غربة جمله المسمّى «قياراً» غربة أخرى غير تابعة لغربته. وممّا يجب التنبيه له: ما في بعض التفاسير أنّه روى عن الحسن قراءة {ورسوله} ــــ بالجرّ ــــ ولم يصحّ نسبتها إلى الحسن، وكيف يتصور جرّ {ورسوله} ولا عامل بمقتضي جرّه، ولكنّها ذات قصة طريفة: أنّ أعرابياً سمع رجلاً قرأ {أن الله بريء من المشركين ورسوله} ــــ بجرّ ورسولِه ــــ فقال الأعرابي: إن كان الله بريئاً من رسوله فأنا منه بريء. وإنّما أراد التورّكَ على القارىء، فلبَّبَه الرجل إلى عمر، فحكى الأعرابي قراءتَه فعندها أمر عمر بتعلّم العربية، وروي ــــ أيضاً ــــ أنّ أبا الأسود الدؤلي سمع ذلك فرفع الأمر إلى علي. فكان ذلك سبب وضع النحو، وقد ذكرت هذه القصة في بعض كتب النحو في ذكر سبب وضع علم النحو. وهذا الأذان قد وقع في الحجّة التي حجّها أبو بكر بالناس، إذ ألحق رسول الله عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب بأبي بكر، موافياً الموسم ليؤذِّن ببراءة، فأذن بها علي يوم النحر بمنى، من أولها إلى ثلاثين أو أربعين آية منها، كذا ثبت في الصحيح والسنن بطرق مختلفة يزيد بعضها على بعض. ولعلّ قوله: «أو أربعين آية» شكّ من الراوي، فما ورد في رواية النسائي، أي عن جابر: أنّ علياً قرأ على الناس بَراءة حتّى ختمها، فلعلّ معناه حتّى ختم ما نزل منها ممّا يتعلّق بالبراءة من المشركين، لأنّ سورة براءة لم يتم نزولها يومئِذ، فقد ثبت أنّ آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هي آخر آية من سورة براءة. وإنّما ألحق النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب بأبي بكر الصديق، لأنه قيل لرسول الله إنّ العرب لا يرون أن يَنقض أحد عهدَه مع مَن عاهده إلاّ بنسفه أو برسول من ذي قرابة نسبه، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يترك للمشركين عذراً في علمهم بنبذ العهد الذي بينه وبينهم. وروي: أنّ علياً بعث أبا هريرة يطوف في منازل قبائل العرب من منى، يصيح بآيات براءة حتى صحل صوته. وكان المشركون إذا سمعوا ذلك يقولون لعلي «سترون بعد الأربعة الأشهر فإنّه لا عهد بيننا وبين ابن عمك إلاّ الطعن والضرب». {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. التفريع على جملة: {أن الله بريء من المشركين}، فيتفرّع على ذلك حالتان: حالة التوبة، وحالة التولي. والخطاب للمشركين الذين أوذنوا بالبراءة، والمعنى: فإنْ آمنتم فالإيمان خير لكم من العهد الذي كنتم عليه، لأنّ الإيمان فيه النجاة في الدنيا والآخرة، والعهد فيه نجاة الدنيا لا غير. والمراد بالتولي: الإعراض عن الإيمان. وأريد بفعل {تولّيتم} معنى الاستمرار، أي: إن دمتم على الشرك فاعلموا أنكم غير مفلتين من قدرة الله، أي اعلموا أنّكم قد وقعتم في مكنة الله، وأوشكتم على العذاب. وجملة: {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} معطوفة على جملة: {وأذان من الله ورسوله} لما تتضمنّه تلك الجملة من معنى الأمر، فكأنّه قيل: فآذنوا الناس ببراءة الله ورسوله من المشركين، وبأنّ من تاب منهم فقد نجا ومن أعرض فقد أوشك على العذاب، ثم قال: وبشر المعرضين المشركين بعذاب أليم. و(البشارة) أصلها الإخبار بما فيه مسرّة، وقد استعيرت هنا للإنذار، وهو الإخبار بما يسوء، على طريقة التهكّم، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : فبشّرهم بعذاب أليم} تفسير : في سورة آل عمران (21). والعذاب الأليم: هو عذاب القتل، والأسر، والسبي، وفَيء الأموال، كما قال تعالى: {أية : وأنزل جنوداً لم تروها وعذَّب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين}تفسير : [التوبة: 26] فإنّ تعذيبهم يوم حنين بعضه بالقتل، وبعضه بالأسر والسبي وغنم الأموال، أي: أنذر المشركين بأنّك مقاتلهم وغالبهم بعد انقضاء الأشهر الحرم، كما يدلّ عليه قوله: {أية : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَأَذَانٌ} (3) - وَبَلاَغٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وَإِنْذَارٌ إلَى النَّاسِ (أذَانٌ) يَوْمَ عِيدِ النَّحْرِ (لأنَّهُ أكْبَرُ المَنَاسِكِ، وَمَجْمَعُ النَّاسِ فِي الحَجِّ لِيَصِلَ إلَيْهِمُ البَلاغُ)، أنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ مِنْهُمْ أيْضاً، فَإِنْ تَابَ المُشْرِكُونَ وَانْتَهَوا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالضَّلاَلِ، فَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ، وَإِنْ أَصَرُّوا وَاسْتَمَرُّوا عَلَى مَا هُمْ فِيهِ، فَلْيَعْلَمُوا أنْهَمُ لَيْسُوا بِمُعْجِزِي اللهِ الذِي هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ فِي قَبْضَتِهِ، وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَأنَّهُمْ لَنْ يَفُوتُوهُ أبَداً، وَلَنْ يَجِدُوا مِنْهُ مَهْرَباً. وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى الكَافِرِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً ألِيماً إذا اسْتَمَرُّوا فِي كُفْرِهِمْ. أذَانٌ - إعْلانٌ وَإيذَانٌ. يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ - يَوْمَ النَّحْرِ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبعض الناس يقول ما دام الله تعالى قد قال: {أية : بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [التوبة: 1]. فلماذا يعيد سبحانه وتعالى: {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3]. ونقول: إن البراءة جاءت إعلاماً بالمبدأ، والأذن جاء لإبلاغ البراءة، و"أذان" معناها إعلام يبلغ للناس كلهم، تماماً كأذان الصلاة؛ فهو إعلام للناس بدخول وقت الصلاة. والأذان مأخوذ من الأذن. لأن الإنسان حين يعلم الناس بشيء لا بد أن يخطب فيهم فيسمعون كلامه بآذانهم، ولذلك تجد الأذن هي الوسيلة الأولى للإدراك، فقبل أن ترى تسمع، وقبل أن تتكلم لا بد أن تسمع، فإن لم تسمع من يتكلم لا تقدر أنت على الكلام. ولذلك يقول الحق جل جلاله: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ}تفسير : [البقرة: 18]. أي لا يسمعون، وما داموا لا يسمعون لا يتكلمون. وقد يأتي بعض الناس ويقول: إنَّ وسيلة الإعلام قد تعتمد على العين ويقرأ منها الإنسان. ولكن من يقول ذلك ينسى أن الإنسان لا يستطيع أن يقرأ إلا إذا سمع ألفاظ الحروف، وحين يقال له: هذه ألف وهذه باء وهذه تاء فهو يتعلم. إذن كل بلاغ إنما يبدأ بالأذن، والأذن هي أول آلة إدراكية تؤدي مهمتها فور ولادة الإنسان؛ لأنك إن أشرت بأصبعك إلى عيني طفل مضى على ولادته أيام لا يتأثر. ذلك أن العين لا تبدأ في أداء مهمتها قبل بضعة أيام، ولكن إذا صرخت بجوار الطفل يسمع وينزعج. والله سبحانه وتعالى حين يتحدث عن وسائل الإدراك يأتي بالسمع أولاً فيقول جل جلاله: {أية : وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ}تفسير : [النحل: 78]. لأن الأذن تبدأ عملها فوراً - كما قلنا - والعين لا تبدأ عملها إلا بعد أربعة أو خمسة أيام. والأذن تستقبل بها أصواتاً متعددة في وقت واحد. ولكن مجال الرؤية محدود. وأنت حين لا تريد أن ترى شيئا تبعد عينيك عنه. ولكن الأصوات تصل إلى أذنك من كل مكان دون أن تستطيع منعها. ولذلك يأتي السمع مفرداً، والأبصار متعددة؛ لأن هذا يرى شيئاً وهذا يرى شيئاً. لكنك بالأذن تسمع نائماً أو متيقظاً، وتأتيك الأصوات ويتوحد المدرك من السمع؛ فهي آلة الاستدعاء والإيقاظ. ولذلك حين تكلم الله عن أهل الكهف يريد أن ينيمهم ثلثمائة سنة وازدادوا تسعا. رغم أن أقصى ما ينامه الإنسان هو يوم أو بعض يوم، قال سبحانه وتعالى عنهم في هذا الشأن: {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً}تفسير : [الكهف: 11]. وكان الضرب على الآذان حتى لا يوقظهم صوت عال لإنسان أو حيوان. وهم عندما قاموا: {أية : قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}تفسير : [الكهف: 19]. لأن الإنسان عادة لا ينام أكثر من هذه المدة، وهذا يدل على أنهم حين استيقظوا كانوا على الهيئة التي ناموا عليها لم يتغير فيهم شيء، مما يدل على أن الله أوقف تأثير الزمن عليهم، ولولا أن الله قد ضرب على آذانهم لأيقظهم صوت الرعد أو الحيوانات المفترسة أو غيرها من الأصوات. وأثبت لنا العلم الحديث أن مَنْ يرقد في الفراش بسبب المرض مدة طويلة يخاف الأطباء من إصابته بقروح الفراش، فلا يخاف الطبيب على المريض من المرض فقط، بل يخاف أيضاً من آثار الرقود على الجسد. والله يلفتنا إلى هذه الحقيقة فيقول: {أية : وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ}تفسير : [الكهف: 18]. ولأن الأذن هي وسيلة السمع، نجد الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}تفسير : [الانشقاق: 1-2]. وهذا القول يدل على أن السماء فور سماعها من الله أمره بأن تنشق؛ تستجيب على الفور وتطيع أمره بالانشقاق وذلك يوم القيامة، وإذا كان الذي بلغ الأذان من الله ورسوله إلى كل الناس يوم الحج هو علي بن أبي طالب؛ فكيف يقال؟ {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3]. نقول: إن الله تعالى أعلم رسوله، والرسول صلى الله عليه وسلم أعلم عليا، وعلي هو الذي نادى وبلَّغ، لكن هناك من يقول: إن الله طلب البلاغ إلى الناس. مع أن البراءة كانت للمشركين. ونقول: إن الإعلام كان لكل الناس للمؤمن وغير المؤمن حتى يعرف جميع الناس موقفهم؛ فيعرف المؤمن أن العهد قد قطع، ويعرف غير المؤمن أن العهد قد قطع، فلا يؤخذ أحد على غرة، وليرتب كل إنسان موقفه في ضوء البلاغ الصادر من الله عز وجل؛ والله سبحانه وتعالى أراد اعتدال الميزان بأيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك فهو لا يخاطب المؤمنين وحدهم، بل كان الخطاب للعالم كله، وإن كان المؤمنون هم الذين سيجاهدون لتنسجم حركة الأرض مع منهج السماء. ومن هذا يستفيذ المؤمن والكافر؛ لأن الكل سينتفع بالعدل والأمانة والنزاهة التي يضعها المنهج على الأرض. ولذلك يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالمنهج لإصلاح الكون كله فقال سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ}تفسير : [النساء: 105]. أي أن الحكم بين الناس جميعاً هو المطلوب من رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب منهج السماء. وقوله سبحانه وتعالى: {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} [التوبة: 3]. وهذا القول فيه تعميم في المكان وتعميم في المكين، فيوم الحج يجتمع الناس كلهم في مكان واحد. وقد يتساءل البعض: لماذا سمي الحج الأكبر؟ نقول: لأنه الحج الوحيد الذي اجتمع فيه الكفار والمؤمنون. وبعد ذلك لم يعد هناك حج للكفار أو المشركين. وبعض المفسرين يقولون: إن كلمة الحج الأكبر جاءت لتميز بين الحج الأصغر وهي العمرة وبين الحج الذي يكون فيه الوقوف بعرفات، ونقول: إن العمرة لا يطلق عليها الحج الأصغر. وقيل إنَّ يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة. ولكن بعض العلماء قالوا: إنه يوم النحر؛ لأن فيه مناسك كثيرة: رمي الجمرات والتقصير وطواف الإفاضة؛ لذلك سمي يوم النحر بالحج الأكب لكثرة مناسكه، وقيل: إنها أيام الحج كلها وأنها قد سميت بيوم الحج على طريقة العرب في أداء الحدث الواحد بظرفه الملائم، ألم يقل الحق سبحانه وتعالى: يوم حنين؟. وحنين استغرقت أياماً فكأن اليوم يراد به الظرف الجامع لحدث كبير، فكأن أيام الحج كلها يطلق عليها "يوم الحج". أو أن الإعلان قاله سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم عرفة، وبلغ هذا الإعلام كل من سمعه إلى غيره، والآية الكريمة تقول: {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3]. وهذا إذن من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، ومن رسوله إلى علي كرم الله وجهه، ومن علي للمؤمنين، ومن المؤمنين؛ من سمع لمن لم يسمع، أن الله بريء من المشركين، وكان هذا إعلانا بالقطيعة، ولكن الله برحمته لا يغلق الباب أمام عباده أبداً، ولذلك يقول: {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [التوبة: 3]. أي فتح لهم باب التوبة فإن تابوا عفا الله عنهم، وإن لم يتوبوا فالقول الفصل هو: {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 3]. إذن فالحق سبحانه وتعالى قادر عليهم وقادر أن يأتي بهم مهما كانوا، وعلى النبي والمبلغين عنه أن يبشروا الكفار بالعذاب الأليم، والبشارة إعلام بخبر سار، والإنذار إخبار بسوء. فهل العذاب بشارة أم إنذار؟. نقول: إن هذا هو جمال أسلوب القرآن الكريم، يبشر الكفار فيتوقعون خبراً سارا: ثم يعطيهم الخبر السيىء بالعذاب الذي ينتظرهم؛ تماماً كما تأتي إلى إنسان يعاني من العطش الشديد، ثم تأتي بكوب ماء مثلج وعندما تصل به إليه ويكاد يلمس فمه تفرغه على الأرض، فيكون هذا زيادة في التعذيب وزيادة في الحسرة، فالنفس تنبسط أولاً ثم يأتي القبض. وفي هذا يقول الشاعر: شعر : كما أبرقت قوماً عطاشاً غمامةٌ فَلَمَّا رَأَوْها أقْشَعتْ وتَجلَّتِ تفسير : وهكذا تكون اللذعة لذعتين، ابتداء مطمع، وإنتهاء ميئس بينما في الإنذار لذعة واحدة فقط. وانظر إلى قوله الحق تبارك وتعالى: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ}تفسير : [الكهف: 29]. حين تسمع "يغاثوا" تتوقع الفرج فيأتي الجواب: {أية : يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} تفسير : [الكهف: 29]. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 3]. والعذاب من الله يوصف مرة بأنه عظيم ومرة أخرى يوصف بأنه مهين وثالثة يوصف بأنه أليم، والسبب هو أن الوصف يختلف باختلاف المُعَذَّبين، وسيأخذ كل مسيء وعاص وكافر من العذاب ما يناسبه، فهناك إنسان يحتمل العذاب ولا يحتمل الإهانة، وهناك إنسان يحتمل الإهانة ولا يحتمل الألم، فكأن كل واحد من الناس سيأتيه العذاب الذي يتعبه، فإن كان لا يتعبه إلا العذاب العظيم جاءه، وإن كان لا يتعبه إلا الإهانة جاءته، وإن كان لا يتعبه إلا الألم جاءه. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَٰهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، حدثنا إِبراهيم، حدثنا آدم، ثنا ثنا ورقاءُ عن سليمان الشيباني، عن سعيد بن جبير قال: هو يوم النحر [الآية: 3]. أَخبرنا عبد الرحمن، حدثنا إِبراهيم، ثنا هشيم وورقاءُ عن سليمان الشيباني، عن ابن أَبي أَوفى قال: يوم النحر يعني: {يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} [الآية: 3]. أَنبا عبد الرحمن، حدثنا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} [الآية: 3]: حين الحج، أَيامه كلها.
زيد بن علي
تفسير : أَخبرنا أبو جعفر. قالَ: حدثنا علي بن أحمد. قال: حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي خالد، عن زيد بن علي عليهما السلام في قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} معناهُ عِلمٌ مِنهُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا ما وعد اللّه به المؤمنين، من نصر دينه وإعلاء كلمته، وخذلان أعدائهم من المشركين الذين أخرجوا الرسول ومن معه من مكة، من بيت اللّه الحرام، وأجلوهم، مما لهم التسلط عليه من أرض الحجاز. نصر اللّه رسوله والمؤمنين حتى افتتح مكة، وأذل المشركين، وصار للمؤمنين الحكم والغلبة على تلك الديار. فأمر النبي مؤذنه أن يؤذن يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر، وقت اجتماع الناس مسلمهم وكافرهم، من جميع جزيرة العرب، أن يؤذن بأن اللّه بريء ورسوله من المشركين، فليس لهم عنده عهد وميثاق، فأينما وجدوا قتلوا، وقيل لهم: لا تقربوا المسجد الحرام بعد عامكم هذا، وكان ذلك سنة تسع من الهجرة. وحج بالناس أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه، وأذن ببراءة -يوم النحر- ابن عم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه. ثم رغب تعالى المشركين بالتوبة، ورهبهم من الاستمرار على الشرك فقال: { فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ }. أي: فائتيه، بل أنتم في قبضته، قادر أن يسلط عليكم عباده المؤمنين. { وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي: مؤلم مفظع في الدنيا بالقتل والأسر، والجلاء، وفي الآخرة، بالنار، وبئس القرار.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} [3] 233- أنا هنَّاد بن السَّري، عن أبي الأحوص، عن ابن غَرْقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجَّةِ الوداع يقول: "حديث : يا أيها الناس" ثلاث مرات "أيُّ يوم هذا؟" قالوا: يوم النَّحر يوم الحجِّ الأكبر. قال: "فإن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم بينكم حرام كحُرمة يومكم هذا، ألا لا يجني جانٍ على ولده، ولا مولود على والده، ألا وإن الشيطان قد أَيس أن يُعبد في بلدكم هذا أبدا، ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى، ألا وإنَّ كل رِبا الجاهلية موضوع، لكم رُؤُسُ أموالكم لا تَظْلمون ولا تُظْلمون، ألا وإن كل دم من دماء الجاهلية موضوع، وأوَّل ما أضع منها دم الحارث ابن عبد المطلب"، كان مُسْتَرضعا في بني ليث فقتلت هُذيل، "ألا يا أمتاه هل بَلَّغت؟" ثلاث مرات قالوا: نعم قال: "اللهمَّ اشهَدْ ".
همام الصنعاني
تفسير : 1044- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ}: [الآية: 3]، قال: إنما سمي الحج الأكبر لأنه حج أبو بكر الحجة التي حجها، فاجتمع فيه المسلمون والمشركون ووافق أيضاً عيد اليهود والنصارى، فلذلك سُمِّيَ الحج الأكبر. 1045- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال عطاء: يوم عرفة يوم الحج الأكبر. 1046- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهمذاني، عن الحارث، عن عَليّ، قال: الحج الأكبر يَوْمُ النَّحْر. 1047- قال معمر، وقال الزهري يوم النحر: الحج الأكبر. 1048- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري: أن أهل الجاهلية كان يُسَمُّون الحج الأصغر: العمرة. 1049- حدثنا عبد الرزاق، عن ابنِ جُرَيْج، عن عطاء قال: الحج الأكبر يوم عرفة. 1050- عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: {أية : وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ}تفسير : : [الطور: 49]، ركعتان قبل الفجر وإدبار السجود ركعتان من بعد المغرب، والحج الأكبر يوم النحر. 1051- حدثنا عبد الرزاق، عن الثّوري، عن أ بي إسحاق، قال: سألت عَبْدَ اللهِ بْن شَدَّد، عن الحجر الأكبر والحج الأصغر، فقال: الحج الأكبر: يوم النحر، والحج الأصْغَر: العمرة. 1052- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أبي إسحاق، قال: سألتُ أبا جُحَيْفَةَ عن الحج الأكبر؟ قال، فقال: يَوْمَ عَرَفَة، فقلنا: أَمِنْ عند هذا، أم مِنْ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: كل ذلِكَ. قال: فسألت عبد الله بن شَدَّاد فقال: الحج الأكبر: يوم النحر، والحج الأصغر: العمرة. 1053- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أفضل أيام الحج: يوم عرفة. 1054- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَةَ، عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعت عبد الله بن أبي أَوْفَى يقول: الحج الأكبر يوم يوضع فيه الشَّعر، ويُهْرَاقُ فيه الدَّمُ ويُحل فيه الحرام.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):