Verse. 1237 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

فَسِيْحُوْا فِي الْاَرْضِ اَرْبَعَۃَ اَشْہُرٍ وَّاعْلَمُوْۗا اَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اؘ۝۰ۙ وَاَنَّ اللہَ مُخْزِي الْكٰفِرِيْنَ۝۲
Faseehoo fee alardi arbaAAata ashhurin waiAAlamoo annakum ghayru muAAjizee Allahi waanna Allaha mukhzee alkafireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فسيحوا» سيروا آمنين أيها المشركون «في الأرض أربعة أشهر» أولها شوال بدليل ما سيأتي ولا أمان لكم بعدها «واعلموا أنكم غيرُ معجزي الله» أي فائتي عذابه «وأنَّ الله مخزي الكافرين» مذلُّهم في الدنيا بالقتل والأخرى بالنار.

2

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {فَسِيحُواْ} رجع من الخبر إلى الخطاب، أي قُلْ لهم سِيحُوا أي سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين أحداً من المسلمين بحرب ولا سلب ولا قتل ولا أسرٍ. يقال، ساح فلان في الأرض يسيح سِياحة وسُيُوحاً وسيحاناً؛ ومنه السيح في الماء الجاري المنبسط؛ ومنه قول طَرفَة بن العبد:شعر : لو خفتُ هذا منك ما نِلْتَنِي حتى ترى خيلاً أمامي تَسِيحْ تفسير : الثانية ـ وٱختلف العلماء في كيفية هذا التأجيل، وفي هؤلاء الذين بَرِىء الله منهم ورسولُه. فقال محمد ابن إسحاق وغيره: هما صِنفان من المشركين، أحدهما كانت مدّة عهده أقل من أربعة أشهر فأُمهل تمام أربعة أشهر، والآخر كانت مدّة عهده بغير أجل محدود فقُصر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه. ثم هو حَرْب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين، يُقتل حيث ما أُدرك ويُؤسر إلا أن يتوب. وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر، وٱنقضاؤه إلى عشر من شهر ربيع الآخر. فأمّا من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأربعة الأشهر الحُرُم. وذلك خمسون يوماً: عشرون من ذي الحجة والمحرّم. وقال الكَلْبِيّ: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد دون أربعة أشهر؛ ومَن كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهو الذي أمر الله أن يُتَم له عهده بقوله «فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ» وهذا ٱختيار الطبري وغيره. وذكر محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: أن هذه الآية نزلت في أهل مكة. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح قريشاً عام الحُدَيْبِيَة، على أن يضعوا الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، فدخلت خُزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بنو بكر في عهد قريش، فعَدَت بنو بكر على خُزاعة ونقضوا عهدهم. وكان سبب ذلك دماً كان لبني بكر عند خزاعة قبل الإسلام بمدة؛ فلما كانت الهُدْنة المنعقدة يوم الحديبية، أمِن الناس بعضهم بعضاً؛ فٱغتنم بنو الدِّيل من بني بكر ـ وهم الذين كان الدم لهم ـ تلك الفرصةَ وغفلةَ خزاعة، وأرادوا إدراكَ ثأر بني الأسود بن رزن، الذين قتلهم خزاعة، فخرج نوفل بن معاوية الدِّيلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مَناة، حتى بيّتوا خزاعة وٱقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقوم من قريش أعانوهم بأنفسهم؛ فٱنهزمت خزاعة إلى الحَرَم على ما هو مشهور مسطور؛ فكان ذلك نقضاً للصلح الواقع يوم الحديبية، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي وبُديل بن وَرْقاء الخزاعيّ وقوم من خزاعة، فقدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغيثين به فيما أصابهم به بنو بكر وقريش، وأنشده عمرو بن سالم فقال:شعر : يا ربّ إني ناشدٌ محمدا حِلْفَ أبينا وأبيه الأتْلَدَا كنتَ لنا أباً وكنّا وَلَدَا ثُمّتَ أسلمنا ولم ننزِع يَدَا فٱنصرْ هداكَ اللَّه نصراً عَتَدَا وٱدْعُ عبادَ اللَّه يأتوا مَدَدَا فيهم رسولُ اللَّه قد تجرّدَا أبيضُ مثلَ الشمس يَنْمُو صُعُدَا إن سِيمَ خَسْفاً وجهُه تَربّدَا في فَيْلَق كالبحر يجري مُزْبِدَا إنّ قريشاً أخلفوك الموعِدَا ونقضوا ميثاقَك المؤكَّدَا وزعموا أن لستَ تدعو أحداً وهم أذلُّ وأقلُّ عدَدَا هم بَيّتُونا بالوَتير هُجّدَا وقَتلونا ركّعاً وسُجّدَا تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «لا نُصِرتُ إن لم أنصر بني كعب». ثم نظر إلى سحابة فقال: «إنها لتستَهِلّ لنَصر بني كعب»تفسير : يعني خُزاعة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبديل بن وَرْقاء ومن معه: «حديث : إن أبا سفيان سيأتي ليَشُدّ العقد ويزيدَ في الصلح وسينصرف بغير حاجة»تفسير : . فندِمت قريش على ما فعلت، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليستديم العقد ويزيد في الصلح، فرجع بغير حاجة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما هو معروف من خبره. وتجهّز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ففتحها الله، وذلك في سنة ثمان من الهجرة. فلما بلغ هوازنَ فتحُ مكة جمعهم مالك بن عَوْف النّصْري، على ما هو معروف مشهور من غَزاة حُنَيْن. وسيأتي بعضها. وكان الظّفَر والنصر للمسلمين على الكافرين. وكانت وقعة هوازن يوم حنين في أوّل شوّال من السنة الثامنة من الهجرة. وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم قَسْم الغنائم من الأموال والنساء، فلم يقسمها حتى أتى الطائف، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وعشرين ليلة. وقيل غير ذلك. ونصب عليهم المَنْجَنِيق ورماهم به، على ما هو معروف من تلك الغَزاة. ثم ٱنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجِعرانة، وقسَم غنائم حُنين، على ما هو مشهور من أمرها وخبرها. ثم ٱنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرّقوا، وأقام الحج للناس عَتّاب بن أسِيد في تلك السنة. وهو أوّل أمير أقام الحج في الإسلام. وحج المشركون على مشاعرهم. وكان عتّاب بن أسِيد خيّراً فاضلاً ورِعا. وقدم كعب بن زُهير بن أبي سُلْمَى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وٱمتدحه، وأقام على رأسه بقصيدته التي أوّلها:شعر : بانت سُعاد فقلبي اليومَ متبولُ تفسير : وأنشدها إلى آخرها، وذكر فيها المهاجرين فأثنى عليهم ـ وكان قبل ذلك قد حُفظ له هجاء في النبيّ صلى الله عليه وسلم ـ فعاب عليه الأنصار إذ لم يذكرهم؛ فغدا على النبيّ صلى الله عليه وسلم بقصيدة يمتدح فيها الأنصار فقال:شعر : من سَرّه كرم الحياة فلا يزل في مِقْنَب من صالحي الأنصارِ وَرِثوا المكارم كابِراً عن كابرٍ إنّ الخيار هُمُ بنُو الأخيار المكْرِهين السَّمهرِيُّ بأذرع كَسوافل الهِنْدِي غيرِ قِصار والناظرين بأعينٍ محْمَرَّة كالجَمْر غيرِ كَلِيلة الأبصار والبائعين نفوسَهم لنبيّهم للموت يوم تَعانُقٍ وكِرَار يتطهّرون يرونه نُسكاً لهم بدماءِ مَنْ عَلِقوا من الكفار دَرِبوا كما دَربت ببطنِ خَفِيّةٍ غُلْبُ الرّقابِ من الأسود ضَوَارِ وإذا حَللت ليمنعوك إليهمُ أصبحت عند معاقل الأغفار ضربوا عليّاً يوم بدرٍ ضربةً دانت لوقعتها جميعُ نِزار لو يعلم الأقوامُ عِلْمِيَ كلَّه فيهم لصَدّقني الذين أمارِي قومٌ إذا خَوَت النجوم فإنهم للطارقين النازلين مَقَارِي تفسير : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد ٱنصرافه من الطائف ذا الحجة والمُحرّم وصفر وربيع الأوّل وربيع الآخر وجمادى الأُولى وجمادى الآخرة، وخرج في رجب من سنة تسع بالمسلمين إلى غزوة الروم، غزوةِ تَبُوك. وهي آخر غزوة غزاها. قال ٱبن جريج عن مجاهد:حديث : لما ٱنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تَبُوك أراد الحج ثم قال: «إنه يحضر البيتَ عُراةٌ مشركون يطوفون بالبيت فلا أحبّ أن أحج حتى لا يكون ذلك»تفسير : . فأرسل أبا بكر أميراً على الحج، وبعث معه بأربعين آية من صدر «براءة» ليقرأها على أهل المَوْسِم. فلما خرج دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم عليّاً وقال: «حديث : ٱخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذّن بذلك في الناس إذا ٱجتمعوا»تفسير : . فخرج عليّ على ناقة النبيّ صلى الله عليه وسلم العَضْباء حتى أدرك أبا بكر الصدّيق رضي الله عنهما بذي الحُليفة. فقال له أبو بكر لما رآه: أَمِيرٌ أو مأمور؟ فقال: بل مأمور ثم نهضا، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية. في كتاب النَّسائيّ عن جابر: وأنّ عليّاً قرأ على الناس «براءة» حتى ختمها قبل يوم التَّرْوِيَة بيوم. وفي يوم عرفة وفي يوم النَّحر عند ٱنقضاء خطبة أبي بكر في الثلاثة الأيام. فلما كان يوم النَّفْر الأوّل قام أبو بكر فخطب الناس، فحدّثهم كيف يَنفِرون وكيف يَرْمُون، يعلّمهم مناسكهم. فلما فرغ قام عليّ فقرأ على الناس «براءة» حتى ختمها. وقال سليمان بن موسى: لما خطب أبو بكر بعرفة قال: قُمْ يا عليّ فأدّ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عليّ ففعل. قال: ثم وقع في نفسي أن جميع الناس لم يشاهدوا خطبة أبي بكر، فجعلت ٱتتبّع الفساطيط يوم النحر. وروى التِّرمذِيّ عن زيد بن يُثَيْع قال: سألت عليّاً بأيّ شيء بُعثت في الحج؟ قال: بعثت بأربع: ألاّ يطوف بالبيت عُريان، ومن كان بينه وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا. قال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النَّسائيّ وقال: فكنت أُنادي حتى صَحِل صوتي. قال أبو عمر: بُعث عليّ ليَنبِذ إلى كل ذي عهد عهده، ويَعْهَد إليهم ألاّ يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وأقام الحجَّ في ذلك العام سنة تسع أبو بكر. ثم حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قابَل حَجّته التي لم يحج غيرها من المدينة؛ فوقعت حَجته في ذي الحجة. فقال: «حديث : إن الزمان قد ٱستدار»تفسير : الحديث، على ما يأتي في آية النَّسِيء بيانه. وثبت الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة. وذكر مجاهد: أن أبا بكر حج في ذي القَعِدة من سنة تسع. ٱبن العرَبيّ: وكانت الحكمة في إعطاء «براءة» لعليّ أن براءة تضمّنت نقض العهد الذي كان عقده النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكانت سيرة العرب ألاّ يَحُلّ العقد إلا الذي عقده، أو رجل من أهل بيته؛ فأراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، ويرسل ٱبن عمه الهاشميّ من بيته ينقض العهد، حتى لا يبقى لهم متكلّم. قال معناه الزجاج. الثالثة ـ قال العلماء: وتضمّنت الآية جواز قطع العهد بيننا وبين المشركين. ولذلك حالتان: حالة تنقضي المدّةُ بيننا وبينهم فنؤذنهم بالحرب. والإيذان اختيار. والثانية ـ أن نخاف منهم غدراً؛ فننبِذ إليهم عهدهم كما سبق. ٱبن عباس: والآية منسوخة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم عاهد ثم نبذ العهد لمّا أُمِر بالقتال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَسِيحُواْ } سيروا آمنين أيها المشركون {فِى ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } أوّلها شوّال، بدليل ما سيأتي، ولا أمان لكم بعدها {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ } أي فائتي عذابه {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَٰفِرِينَ } مذلُّهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَسِيحُواْ} أمان {فِى الأَرْضِ} تصرفوا كيف شئتم، أو سافروا حيث أردتم، والسياحة: السير على مَهل، أو البعد على وَجل. {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} أمان لمن له عهد مطلق، أو أقل من الأربعة، ومن لا أمان له فهو حرب، أو من كان له عهد أكثر من الأربعة حُط إليها، ومن كان دونها رفع إليها ومن لا عهد له فله أمان خمسين ليلة من يوم النحر إلى سلخ المُحرم لقوله تعالى ـ {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ} "ع"، أو الأربعة لجميع الكفار من كان له عهد، أو لم يكن، أو هي أمان لمن لا عهد له، ومن له عهد فأمانه إلى مدة عهده. وأول المدة يوم الحج الأكبر يوم النحر إلى انقضاء العاشر من ربيع الآخر، أو شوال وذو القعدة وذو الحجة و المحرم، أو أولها يوم العشرين من ذي القعدة وآخرها يوم العشرين من ربيع الأول لأن الحج وقع تلك السنة في ذلك اليوم من ذي القعدة لأجل النسيء وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أقره حتى نزل تحريم النسيء، فقال: "حديث : ألا إن الزمان قد استدار ".

ابو السعود

تفسير : {فَسِيحُواْ} السياحةُ والسَّيْحُ الذهابُ في الأرض والسيرُ فيها بسهولة على مقتضى المشيئةِ كسيح الماءِ على موجب الطبـيعة ففيه من الدِلالة على كمال التوسعةِ والتوفية ما ليس في سيروا ونظائِره، وزيادةُ قولِه عز وجل {فِى ٱلأَرْضِ} لقصد التعميمِ لأقطارها من دار الإسلامِ وغيرِها والمرادُ إباحةُ ذلك لهم وتخليتُهم وشأنَهم من الاستعداد للحرب أو تحصينِ الأهلِ والمالِ وتحصيلِ المهرَبِ أو غيرِ ذلك لا تكليفُهم بالسياحة فيها، وتلوينُ الخطاب بصرفه عن المسلمين وتوجيهِه إليهم مع حصول المقصودِ بصيغة أمرِ الغائبِ أيضاً للمبالغة في الإعلام بالإمهال حسماً لمادة تعلّلِهم بالغفلة وقطعاً لشأفة اعتذارِهم بعدم الاستعداد، وإيثارُ صيغةِ الأمرِ مع تسنّي إفادةِ ذلك المعنى بطريق الإخبارِ أيضاً كأن يقالَ مثلاً: فلكم أن تسيحوا أو نحوُ ذلك لإظهار كمالِ القوةِ والغلبةِ وعدمِ الاكتراث لهم ولاستعدادهم فكأن ذلك أمرٌ مطلوبٌ منهم والفاءُ لترتيب الأمرِ بالسياحة وما يعقُبه على ما تؤذن به البراءةُ المذكورةُ من الحِراب، على أن الأولَ مترتبٌ على نفسه والثاني بكلا متعلِّقَيْه على عنوان كونِه من الله العزيز لا لترتيب الأولِ عليه والثاني على الأول كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ } تفسير : [النحل: 69] الخ كأنه قيل: هذه براءةٌ موجبةٌ لقتالكم فاسعَوْا في تحصيل العددِ والأسباب وبالغوا في إعتاد العَتادِ من كل باب {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ} بسياحتكم في أقطار الأرضِ في العَرْض والطول وإن ركبتم متنَ كل صعبٍ وذلول{غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} أي لا تفوّتونه بالهرب والتحصُّن. {وَأَنَّ ٱللَّهَ} وُضع الاسمُ الجليلُ موضِعَ المضمر لتربـية المهابةِ وتهويلِ أمر الإخزاءِ وهو الإذلالُ بما فيه فضيحةٌ وعار {مُخْزِى ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي مخزيكم ومُذِلُّكم في الدنيا بالقتل والأسرِ وفي الآخرة بالعذاب، وإيثارُ الإظهارِ على الإضمارِ لذمهم بالكفر بعد وصفِهم بالإشراك وللإشعار بأن علةَ الإخزاءِ هي كفرُهم ويجوز أن يكون المرادُ جنسَ الكافرين فيدخلُ فيه المخاطَبون دخولاً أولياً والمرادُ بالأشهر الأربعةُ هي الأشهرُ الحرمُ التي عُلِّق القتالُ بانسلاخها فقيل: هي شوالٌ وذو القَعدةِ وذو الحِجة والمُحرَّم، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرَّمُ وصفرُ وشهرُ ربـيعٍ الأول وعشرٌ من ربـيعٍ الآخَر، وجُعلت حُرَماً لحرمة قتالِهم فيها أو لتغليب ذي الحجة والمحرَّم على البقية، وقيل: من عشر ذي القعدة إلى عشرٍ من شهر ربـيعٍ الأول لأن الحجَّ في تلك السنةِ كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم ثم صار في العام القابل في ذي الحجة، وذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السمواتِ والأرض» تفسير : روي أنه عليه الصلاة والسلام أمر أبا بكر رضي الله تعالى عنه على موسم سنةِ تسعٍ ثم أتبعه علياً رضي الله تعالى عنه على العضباء ليقرأَها على أهل الموسم فقيل له عليه الصلاة والسلام: لو بعثت بها إلى أبـي بكر فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يؤدّي عني إلا رجلٌ مني»تفسير : وذلك لأن عادة العرب أن لا يتولى أمرَ العهد والنقض عليٌّ القبـيلة إلا رجلٌ منها فلما دنا عليٌّ سمع أبو بكر الرُّغاءُ فوقف فقال: هذا رُغاءُ ناقةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فلما لحِقه قال: أميرٌ أو مأمورٌ قال: مأمورٌ فمضياً فلما كان قبل يوم الترويةِ خطَب أبو بكر رضي الله عنه وحدثهم عن مناسكهم وقام علي رضي الله عنه يومَ النحِر عند جَمرةِ العقبة فقال: يا أيها الناسُ إني رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إليكم فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ثم قال: أُمرت بأربعٍ أن لا يقرَبَ البـيتَ بعد العام مشركٌ ولا يطوفَ بالبـيت عُريانٌ ولا يدخلَ الجنةَ إلا كلُّ نفسٍ مؤمنة وأن يُتمَّ إلى كل ذي عهد عهدُه.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ}[2] يعني سيروا فيها اعتباراً، وبالله إقراراً.

القشيري

تفسير : إِنْ قَطَعَ عنهم الوصلةَ فقد ضَرَبَ لهم مدةً على وجه المُهْلَةِ، فَأَمَّنْهُم في الحالِ ليتأهبوا لِتَحَمُّلِ مقاساةِ البراءةِ فيما يستقبلونه في المآلِ. والإشارةُ فيه: أنهم إِنْ أقلعوا في هذه المهلة عن الغَيِّ والضلال وجدوا في المآل ما فقدوا من الوصال، وإِنْ أَبَوْا إلا التمادي في تَرْكِ الخدمة والحرمة انقطع ما بينه وبينهم من العصمة. ثم قال: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ} والإشارة فيه: إنْ أصررتم على قبيح آثاركم سعَيْتُم إلى هلاككم بِقَدَمِكُم. وندمتم في عاجلكم على سعيكم، وحَصُلْتُم في آجِلِكم على خسرانكم؛ وما خَسِرْتُم إلا في صفقتكم، وما ضَرَّ جُرْمُكم سواكم وأنشدوا: شعر : تبَدَّلَتْ وتبدَّلْنا واحسرتا مَنْ ابتغى عِوَضاً لليلى فلم يَجِدِ

الطوسي

تفسير : السيح السير في الأرض على مهل تقول: ساح يسيح سيحاً وسياحة وسيوحاً وسيحاناً وإنساح الماء إنسياحاً وسيحه تسييحاً. امر الله تعالى في هذه الآية ان يقال لهؤلاء المشركين أن يسيحوا في الأرض أربعة اشهر آمنين وإنما احلهم هذه الاشهر لانها الاشهر الحرم إلى آخر المحرم من أول شوال، في قول ابن عباس والزهري. وقال الفراء: كانت المدة إلى آخر المحرم لأنه كان فيهم من كان مدته خمسين ليلة، وهو من لم يكن له عهد من النبي صلى الله عليه وآله فجعل الله ذلك له. قال: ومعنى الاشهر الحرم المحرم وحده وإنما جمعه لانه متصل بذي الحجة وذي القعدة فكأنه قال: فاذا انقضت الثلاثة أشهر. وقال ابو عبد الله عليه السلام اول الاربعة الاشهر يوم النحر وآخرها العاشر من شهر ربيع الآخر، وهو قول محمد بن كعب القرطي ومجاهد، وقال الحسن: إنما جعل لهم هذه المدة، لان منهم من كان عهده اكثر من اربعة اشهر فحط اليها. ومنهم من كان اقل فرفع اليها. وقال ابو علي الجبائي: كان يوم النحر لعشرين من ذي القعدة إلى عشرين من ربيع الاول، لان الحج كان تلك السنة في ذلك الوقت ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وفيها حجة الوداع، وكان سبب ذلك النسيء الذي كان في الجاهلية. وقرأ براءة على الناس يوم النحر بمكة علي بن ابي طالب عليه السلام لأن أبا بكر كان على الموسم في تلك السنة فاتبعه النبي صلى الله عليه وآله بعلي عليه السلام، وقال: حديث : لا يبلغ عني الا رجل منى تفسير : - في قول الحسن وقتادة ومجاهد والجبائي - وروى أصحابنا ان النبي صلى الله عليه وآله كان ولاه ايضاً الموسم، وأنه حين أخذ البراءة من أبي بكر رجع أو بكر فقال: يا رسول الله انزل فيّ قرآن؟ فقال: لا، ولكن لا يؤدي إلا أنا او رجل مني. وروى الشعبي عن محرز بن ابي هريرة: قال: قال ابو هريرة: كنت أنادي مع علي عليه السلام حين أذن المشركين فكان اذا اضمحل صوته مما ينادي دعوت مكانه قال فقلت يا ابه اي شيء كنتم تقولون؟ قال: كنا نقول لا يحج بعد عامنا هذا مشرك - قال وما حج بعد عامنا مشرك - ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة الا مؤمن ومن كانت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله مدة فان اجله إلى اربعة اشهر فاذا انقضت اربعة اشهر فان الله بريء من المشركين ورسوله. وفتحت مكة سنة ثمان ونزلت براءة سنة تسع وحج رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع سنة عشر. وقوله {واعلموا أنكم غير معجزي الله} معناه انكم غير فائتين كما يفوت ما يعجز عنه لانكم حيث ما كنتم في سلطان الله وملكه والاعجاز ايجاد العجز والعجز ضد القدرة عند من أثبته معنى. وقوله {وأن الله مخزي الكافرين} فالاخزاء الاذلال بما فيه الفضيحة والعار. والخزي النكال الفاضح.

الجنابذي

تفسير : {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} اعلام وامهال نصفاً ورجاءً ان يتوبوا والمراد باربعة اشهر عشرون من ذى الحجة الى عاشر ربيع الثّانى، ونقل انّ فتح مكّة كان فى الثّامن من الهجرة ونزول سورة براءة فى العام التّاسع وحجّة الوداع فى العاشر واتّفق مفسّروا العامّة والخاصّة انّه بعث رسول الله (ص) ابا بكر اميراً على الموسم فقالت الخاصّة: بعثه بسورة براءة ثمّ نزل عليه الوحى ان لا يؤدّى عنك الاّ رجل منك فبعث عليّاً (ع) فلحق بأبى بكرٍ واخذ سورة براءة منه وقالت العامّة: نزل براءة بعد بعثه (ص) ابا بكر فبعث بعده عليّاً (ع) فقيل له (ص) فى ذلك فقال: "حديث : لا يؤدّى الا رجل منّى" تفسير : وتفصيل فصّته مذكورة فى كتب الفريقين {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} تهديد لهم بانّ الامهال لا ينفعهم {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} هذا نظير براءة من الله فى نيابة المصدر عن الفعل والعدول الى الرّفع {إِلَى ٱلنَّاسِ} وهذا من التّكرار المطلوب فى مقام التّهديد والغضب {يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} سمّى يوم النّحر بالحجّ الاكبر فى مقابل العمرة، او لانّ فى يوم النّحر معظم افعال الحجّ، او لانّه كان سنة حجّ فيها المسلمون والمشركون {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} اى بانّ الله ورسوله عطف على المستتر فى بريءٌ وقرء بالنّصب عطفاً على اسم انّ {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} هذا ايضاً من التّكرير المطلوب فى مقام التّهديد {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} من قبيل استعمال الضّدّ فى الضّدّ تهكّماً.

اطفيش

تفسير : {فَسِيحُوا فى الأرْضِ أرْبعَة أشْهرٍ} هذا خطاب للمشركين أن يسيروا فى الأرض حيث شاءوا، آمنين أن يضرهم أحد من المسلمين ما لم تتم أربعة أشهر، ويتفكروا فيها ويختاروا، فإنه ليس بعدها إلا الإسلام أو القتل، وذلك إعلان لهم خروج عن الغدر، وابتداء الأجل المذكور يوم الحج الأكبر وانقضائه تمام عشرة من ربيع الآخر، ومن كان له عهد قد رفع إلى هذا وأكثر، حط إلى هذا أو لا عهد له فهذا عهد قاله السدى. قال: وذلك هو الأشهر الحرم أستعير لها هذا الاسم لهذه الحرمة، والأمن الخاص أو للتغليب، لأن ذا الحجة والمحرم منها، وفى أول ذلك الأجل نزلت الآية، ونسبه بعضهم للأكثر، وقال ابن عباس، والزهرى: الأشهر الأربعة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وأن الآية نزلت فى شوال، وقيل: الحادى عشر من ذى القعدة إلى عشرين من ربيع الأول، لأن الحج فى تلك السنة، كان فى ذلك الوقت للنسىء الذى كان فيهم، ثم صار فى السنة بعدها فى ذى الحجة، واستمر فيها، وفى هذه حج صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : ألا إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلقه الله ". تفسير : وقيل: كان ابتداؤها فى العاشر من ذى القعدة، وانقضاؤها فى العاشر من ربيع الأول، والحج فى تلك السنة فى ذلك الوقت، وقيل أجل لمن له عهد أربعة أشهر من شوال، وأجل سائر المشركين خمسون يوما من يوم الأذان، واعترض بأن الأجل لا يلزم إلا من يوم سمع، ويحتمل أن البراءة كانت سمعت من أول شوال، وكرر إشهارها مع الأذان يوم الحج كذا قيل. وقال الضحاك: هذه الأربعة من يوم الأذان لانقضاء العشر الأول من ربيع الأخير لمن له عهد تحسس بنقضه، وقوله: {أية : فإذا انسلخ الأشهر الحرم} تفسير : إلى آخره فيمن لا عهد له، فوافق أجل تأمينهم خمسين يوما، أولها يوم الأذان، وآخرها انقضاء المحرم، وقوله: {أية : الذين عاهدتم} تفسير : فيمن له عهد لم ينقضه، وهم بنو ضمرة، وكنانة، وقيل: عاهد لضمرة المخش بن خويلد، وبقى من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر. وقيل أربعة الأشهر لمن لا عهد له، أو له عهد دونها، أو على تمامها، وأما من له عهد أكثر فإنه يوفى له {أية : فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم}. تفسير : وقال مجاهد: نزلت فى أهل مكة، عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أن يضعوا الحرب عشر سنين، ودخلت خزاعة فى عهده، بعث بعده عليا راكبا على العضباء، وهى ناقته صلى الله عليه وسلم، والغضبا وبنو بكر فى عهد قريش، فنكثوا كما يأتى إن شاء الله فى سورة النصر أو الفتح، وكان فتح مكة سنة ثمانٍ، وأمَّر عليهم عتاب بن أسيد حديث السن. حديث : ولما كانت سنة تسع أراد صلى الله عليه وسلم الحج فقيل له: إن المشركين يحضرون ويطوفون بالبيت عراة، فبعث أبا بكر تلك السنة أميرا على الموسم ليقم للناس حجهم، وأمره أن يقرأ فى الموسم على الناس أربعين آية من أول براءة، وقيل: ثلاثين، وقال سليمان بن موسى الشامى: ثمان وعشرين آية، وقيل: عشرين، وقال مجاهد: ثلاث عشرة، وقيل: عشر، وقيل: تسع وقيل له: لو بعث بها إلى أبى بكر؟ فقال: "لا يؤدى عنى إلا رجل منى" تفسير : وهذا فى نقض العهد كإثباته كما روى: "حديث : لا ينبغى لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلى" تفسير : وعادة العرب أن لا يثبتوا العهد أو ينقضوه إلا سيد القبيلة، أو رجل من أقاربه عنه فأزيحت علتهم بعلى، وأبو بكر متقدم عليه رتبة وسنا، وأمير على الموسم، وإمام يصلى بعلى وغيره، ويخطب. وقد قيل: إنه بعث عليا ليصلى خلفه كالتنبيه على إمامته العظمى بعد، وقيل: تطييبا لقلب على، ورعاية لجنابه، وقيل: إن أول براءة نزل بعد خروج أبى بكر، ولما دنا علىّ سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما لحقه قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور، وروى أنه لحقه فى العرج وقد استوى لتكبير الصبح بعد التثويب، فوقف عن التكبير فقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء، لقد بدا له الحج، فإن كان فهو يصلى بنا، فإذا عليها علىّ فسأله فقال مأمور بقراءة براءة فى مواقف الحج. وخطب أبو بكر قبل التروية، وعلم الناس مناسكهم فقرأها على حتى ختمها، وخطبهم يوم عرفة، وحدثهم عن مناسكهم، فقرأها علىّ حتى ختمها، وخطبهم يوم النحر، وحدثهم عن إفاضتهم، فقرأها علىّ حتى ختمها يقرأهما فى ذلك كله قائما. "حديث : وروى أن أبا بكر كان ببعض الطريق، وهبط جبريل فقال: يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل عليا، فرجع أبو بكر إلى رسول الله فقال: يا رسل الله أشىء نزل من السماء؟ قال: "نعم فسر وأنت على الموسم وعلىّ ينادى بالآى" وكان قبل ذلك أمر أبا بكر بالآى"تفسير : ، وفى رواية "حديث : قال حين رجع: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، أنزل فى شأنى شىء؟ قال: "لا ولكن لا ينبغى لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلى، أما ترضى يا أبا بكر أنك أنت معى فى الغار، وأنك معى على الحوض؟" قال: بلى يا رسول الله ". تفسير : وخطب أبو بكر فى اليوم الذى قبل يوم التروية، وحدثهم عن مناسكهم، وأقام حجهم، والعرب فى تلك السنة على أمر الجاهلية فى الحج، وقام علىّ يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم، فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم الآى، ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، وفى رواية لا يجتمع المؤمنون والمشركون بعد عامهم هذا فى حج، وروى لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذى عهد عهده، ومن لا عهد له فعهده إلى أربعة أشهر. فقالوا عند ذلك: يا علىّ أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأن ليس بيننا وبينه عهد إلا طعنا بالرماح، وضربا بالسيوف، ثم تلاوموا فقالوا: ما تصنعون وقد أسلمت قريش فأسلموا كلهم. وروى أنهم ندموا فقالوا: يا على نحن على المدة التى ذكرت، وذلك فى السنة التاسعة، وحج صلى الله عليه وسلم فى العاشرة، وهى حجة الوداع، وقال قوم منهم الداودى الماوردى: حج أبو بكر فى ذى الحجة حقيقة، فيناسبه ما رواه ابن إسحاق، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بعد ما رجع من تبوك رمضان، وشوالا، وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج، وهو ظاهر فى أن بُعثَ أبو بكر فى ذى القعدة. وفى رواية: خطب أبو بكر بعرفة فقال: قم يا على فأدى رسالة رسول الله فقام ففعل، قال على: ثم وقع فى نفسى أن الناس لم يشهدوا خطبة أبى بكر كلهم، فجعلت أتتبع الفسطاط يوم النحر، وأرسل أبو بكر معه أبا هريرة يعينه وغيره، وتتبعوا أسواق العرب كذى المجاز، وعكاظ ومجنة، وفى رواية أمر عليا أن يؤذن بمكة ومنى وعرفة: أن قد برئت ذمة الله ورسوله من كل مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. {واعْلَموا أنكُم غَير مُعْجزى اللهَ} غير فائتيه، ولو أمهلكم هذه المدة فإنكم فى قبضته {وأنَّ الله مُخْزى الكَافِرينَ} مذلهم فى الدنيا بالقتل والأسر والسلب فى الدنيا، وبالعذاب فى الآخرة.

اطفيش

تفسير : {فَسِيحُوا فِى الأَرْضِ} قل لهم: سيحوا. والأَولى أَن يحكى مع ما بعده ببراءَة لأَن فيها معنى القول، وأَصل السيح جريان الماءِ وانبساطه، والأَمر بالسياحة إِباحة بإِزالة الخوف من القتل والأَسر وهو فى معنى الإِطلاق بعد الحصر لأَنهم كانوا خائفين، وإِخافتهم كالمنع من السير والسياحة السير حيث شاءَ وأولوا ببعد عن العمران {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} تسمى أَشهر المدة فى أَمن وبعدها الحرب والقتل والأَسر والسبى إِلا إِن أَسلمتم، والمدة لأَن يتفكروا ويراعوا الأَصلح إِذا لم يبق إِلا التشديد ولئلا ينسبوا المسلمين إِلى الغدر. لو كانت البراءَة متصلة بالحرب بعدها، يتوهمون الغدر قبلها بالاستعداد، وليعلموا أَن المؤمنين غير مكترثين بهم وباستعدادهم فى الأَشهر، نزلت براءَة فى شوال وبلغت البراءَة والنقض فى اليوم العاشر من ذى الحجة وابتداء الأَشهر منه وتمامها العاشر من ربيع الثانى، فيكون سمى عدد الأَيام شهرا ولو لم تكن من شهر واحد، بعث صلى الله عليه وسلم عليا أَن يؤدى، فقيل: هلا أَمرت الصديق، وهو أَمير الحج فى ذلك العام، فقال: لا يؤدى عنى إِلا رجل منى، ويروى: لا ينبغى لأَحد أَن يبلغ هذا إِلا رجل من أَهلى، يعنى العهد ونقضه على عادة العرب لا بوحى فيهما أَن يتولاهما لرجل هو من أَهله، وأَما غيرهما فكثيرا ما يرسل صلى الله عليه وسلم فيه من ليس من أَهله، وقيل: نزلت فى عاشر ذى القعدة، وبلغت فى عاشر ذى الحجة، وابتداء الأَشهر من عاشر ذى الحجة، سافر على إِلى مكة للتبليغ على العضباءِ ناقة له صلى الله عليه وسلم، وليست عضباءَ، أَى مشقوقة الأُذن، ولكن لقبت بذلك، ولما سمع الصديق رغاءَها وقف فقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لعلى: أَمير أَو مأمور، فقال: مأمور، وخطب الصديق اليوم الثامن وعلمهم المناسك.. وفيه تلويح إِلى خلافته لعظم شأن الحج، ولا سيما فى هذه الواقعة، وأَنه استخلفه صلى الله عليه وسلم فى صلوات آخر أَمره، وقال على يوم النحر عند جمرة العقبة، يا أَيها الناس، إِنى رسول رسول الله إِليكم، فقالوا: بماذا؟ فقرأَ أَربعين أَو ثلاثين آية من أَول السورة، ثم قال: أمرت بأَربع: أَلا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إِلا كل نفس مؤمنة، وأَن يتم إلى كل ذى عهد عهده. وذكر الأَمر بالأَربع فى مكة وعرفة أَيضا بأَمره صلى الله عليه وسلم فى صوت عال، ولو بلغ عنه أَجنب لربما لم يقبلوا، ولما بلغ على قالوا: أَبلغ ابن عمك أَنا قد نبذنا العهد وراءَ ظهرنا، وأَنه ليس بيننا وبينه إِلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف، فتح مكة عام ثمانية، وكان التبليغ عام تسعة، أَراد الحج عام تسعة، فقيل له: إِن المشركين يطوفون عراة، فأَمر الصديق على الحج، وأَلحقه عليا للتبليغ. وذكرت الفتح وسببه مبسوطا فى شرح النونية، وفى سنة تسع عاد الحج إِلى ذى الحجة بالنسئِ، وقال: أَلا إِن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق ا لله السماوات والأرض. وعاهد يوم الحديبية قريشا على وضع الحرب عشر سنين، ودخلت خزاعة فى عهده صلى الله عليه وسلم، وبنو بكر فى عهد قريش، فغدرت بنو بكر وأَعانتهم قريش بالسلاح، فقال عمرو بن سالم الخزاعى على باب المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة فى المسجد: شعر : يـا رب إِنـى ناشـــد محمـدا حلــف أَبينا وأَبيـه الأَتلــدا قـد كنتـم ولـدا وكنـا ولـدا ثمت أَسلمنا ولم ننـزع يــدا فانصرهداك الله نصرًا أَيـدا وادع عباد الله يأتــوا مـددا فيهم رسول الله قـد تجـردا إِن سيم خسفا وجهه تربــدا إِن قريشا أَخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقــك المؤكــــدا وجعلوا إِلـى كـداءَ رصـدا وزعموا أَن لست أَدعو أَحدا وهــم أَذل وأَقـــل عــــددا هــم بيتونــا بالوتيــر هجـــدا وقتلونـا ركعــا وســجـدا تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نصرت يا عمرو بن سالم"تفسير : ، وعرضت له سحابة. وقال: إِن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب، وأَمر أَن يتجهزوا لفتح مكة. وقال: حديث : لا نصرت إِن لم أَنصركتفسير : .. ففتح مكة فى عامه عام ثمانية، وحج فى العاشر حجة الوداع، لما قيل له عام تسع: إِن المشركين يطوفون عراة، فترك الحج إِلى العاشر، ولحق علىٌّ الصديق قريبا من المدينة، فرجع الصديق فقال: يا رسول الله بأَبى أَنت وأمى، هل نزل فىَّ شئ، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا.. ولكن لا ينبغى لأَحد أَن يبلغ هذا إِلا رجل من أَهلى، أَما ترضى أَنك معى فى الغار، وأَنك معى على الحوض"تفسير : ؟ فقال: بلى.. يا رسول الله، وقيل: لحقه على فى العرج.. - بفتح فكسر - ويدل له "أية : فإِذا انسلخ الأَشهر الحرم" تفسير : [التوبة: 5] جعل شوالا من الحرم تغليبا - قرية جامعة بينها وبين المدينة ستة وسبعون ميلا، ويبعد أَن يرجع الصديق منها، فلعله قال: هل نزل فىَّ شئ، وبلغ على فقال: أَمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأَنه من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إِلى مدته، أَى ولو كانت أَقل من أَربعة أَشهر أَو أَكثر، ومن لم يكن له عهد فأَجله أَربعة أَشهر، رواه يزيد ابن تبيع عن على، وهذا رد لقول مجاهد أَنه من كان عهده أَقل أَو أَكثر، أَو بلا مدة أَولا عهد له فأَربعة كمن له أَربعة، ويناسب قوله "أية : فأَتموا إِليهم عهدهم" تفسير : [التوبة: 4] والسنة أَلاَّ يجاوز المسلمون الأَربعة الأَشهر لهذه الآية، وإِذا ضعفوا فلا يجاوزوا عشرة أَعوام لقصة الحديبية، وأَجيب بأَن لهم عهدهم المذكور فى الآية، وقال الكلبى: من له أَقل من الأَربعة فأَربعة، ومن له ما فوق فله ما فوق، وقيل: ابتداء الأَشهر من شوال وآخرها آخر المحرم، ويدل له فإِذا انسلخ الأَشهر الحرم وجعل شوال من الحرم تغليبا، وقيل: من عاشر ذى القعدة فآخرها عشرة ربيع الأَول {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ} غير فائتيه بعذاب الدنيا بالأَسر والقتل وغيره، ولا عذاب الآخرة، فلا تغتروا بإِمهاله ولسياحتكم واستعدادكم {وَأَنَّ اللهَ مُخْزِى الْكَافِرِينَ} مذلهم فى قلوبهم فلا يعتقدون عزة لأَنفسهم، أَو هذه فى القتل والأَسر وما قبله فى عذاب الآخرة، وأَعاد لفظ الجلالة ولم يضمر لتربية المهابة، ولم يضمر للكافرين للفاصلة، وتعليق الحكم بالكفر، وإِن أريد بالكافرين الجنس المعهودون فالإِظهار هو مقتضى الظاهر، ويدخل المعهودون بالأُولى.

الالوسي

تفسير : {فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أي سيروا فيها حيث شئتم، وأصل السياحة جريان الماء وانبساطه ثم استعملت في السير على مقتضى المشيئة، ومنه قوله:شعر : لو خفت هذا منك ما نلتني حتى ترى خيلاً أمامي تسيح تفسير : ففي هذا الأمر من الدلالة على كمال التوسعة والترفيه ما ليس في سيروا ونظائره وزيادة {فِي ٱلأَرْضِ} زيادة في التعميم، والكلام بتقدير القول أي فقولوا لهم سيحوا، أو بدونه وهو الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والمقصود الإباحة والإعلام بحصول الأمان من القتل والقتال في المدة المضروبة، وذلك ليتفكروا ويحتاطوا ويستعدوا بما شاءوا ويعلموا أن ليس لهم بعد إلا الإسلام أو السيف ولعل ذلك يحملهم على الاسلام، ولأن المسلمين لو قاتلوهم عقيب إظهار النقض فربما نسبوا إلى الخيانة فأمهلوا سداً لباب الظن وإظهاراً لقوة شوكتهم وعدم اكتراثهم بهم وباستعدادهم، وللمبالغة في ذلك اختيرت صيغة الأمر دون فلكم أن تسيحوا، والفاء لترتيب الأمر بالسياحة وما يعقبه على ما يؤذن به البراءة المذكورة من الحرب على أن الأول مترتب على نفسه للثاني بكلا متعلقيه على عنوان كونه من الله العزيز جل شأنه، كأنه قيل: هذه براءة موجبة لقتالكم فاسعوا في تحصيل ما ينجيكم وإعداد ما يجديكم. {أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم عند الزهري لأن الآية نزلت في الشهر الأول، وقيل: إنها وإن نزلت فيه إلا أن قراءتها على الكفار وتبليغها إليهم كان يوم الحج الأكبر فابتداء المدة عاشر ذي الحجة إلى انقضاء عشر شهر ربيع الآخر، وروي ذلك عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي. وقيل: ابتداء تلك المدة يوم النحر لعشر من ذي القعدة إلى انقضاء عشر من شهر ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسىء الذي كان فيهم ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وهي حجة الوداع التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض»تفسير : وإلى ذلك ذهب الجبائي، واستصوب بعض الأفاضل الثاني وادعى أن الأكثر عليه، روي من عدة أخبار متداخلة بعضها في «الصحيحين» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشاً عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ودخلت خزاعة في عهد النبـي صلى الله عليه وسلم فدخل بنو بكر في عهد قريش ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منها وأعانتهم قريش بالسلاح فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم خرج عمرو الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشد:شعر : لاهمَّ إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدا وكنا والدا ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نصراً أعتدا وادعو عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا أن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وجعلوا لي من كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحداً وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالحطيم هجدا وقتلونا ركعا وسجدا تفسير : فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا نصرت إن لم أنصرك» تفسير : ثم تجهز إلى مكة ففتحها سنة ثمان من الهجرة فلما كانت سنة تسع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج فقال: إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة فبعث عليه الصلاة والسلام تلك السنة أبا بكر رضي الله تعالى عنه أميراً على الناس ليقيم لهم الحج وكتب له سننه ثم بعث بعده علياً كرم الله تعالى وجهه على ناقته العضباء ليقرأ على أهل الموسم صدر براءة فلما دناه علي كرم الله تعالى وجهه سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم وقام علي كرم الله تعالى وجهه يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: أيها الناس إني رسول الله تعالى إليكم فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية من السورة ثم قال: أمرت بأربع أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده، واختلفت الروايات في أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه هل كان مأموراً أو لا بالقراءة أم لا والأكثر على أنه كان مأموراً وأن علياً كرم الله تعالى وجهه لما لحقه رضي الله تعالى عنه أخذ منه ما أمر بقراءته، وجاء في رواية ابن حبان وابن مردويه عن أبـي سعيد الخدري أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه حين أخذ منه ذلك أتى النبـي صلى الله عليه وسلم وقد دخله من ذلك مخافة أن يكون قد أنزل فيه شيء فلما أتاه قال: مالي يا رسول الله؟ قال: خير أنت أخي وصاحبـي في الغار وأنت معي على الحوض غير أنه لا يبلغ عني غيري أو رجل مني. / وجاء من رواية أحمد والترمذي وحسنه وأبو الشيخ وغيرهم عن أنس قال: «حديث : بعث النبـي صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبـي بكر رضي الله تعالى عنه ثم دعاه فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي فدعا علياً كرم الله تعالى وجهه فأعطاه إياه» تفسير : وهذا ظاهر في أن علياً لم يأخذ ذلك من أبـي بكر في الطريق وأكثر الروايات على خلافه، وجاء في بعضها ما هو ظاهر في عدم عزل أبـي بكر رضي الله تعالى عنه عن الأمر بل ضم إليه علي كرم الله تعالى وجهه. فقد أخرج الترمذي وحسنه والبيهقي في «الدلائل» وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ثم أتبعه علياً وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات فحجا فقام علي رضي الله تعالى عنه في أيام التشريق فنادى أن الله برىء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن فكان علي كرم الله تعالى وجهه ينادي فإذا أعيا قام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فنادى بها» تفسير : وأيا ما كان ليس في شيء من الروايات ما يدل على أن علياً رضي الله تعالى عنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يبلغ عني غيري أو رجل مني سواء كان بوحي أم لا» تفسير : جار على عادة العرب أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا رجل من الأقارب لتنقطع الحجة بالكلية، فالتبليغ المنفي ليس عاماً كما يرشد إلى ذلك حديث أحمد والترمذي. وكيف يمكن إرادة العموم وقد بلغ عنه صلى الله عليه وسلم كثيراً من الأحكام الشرعية في حياته وبعد وفاته كثير ممن لم يكن من أقاربه صلى الله عليه وسلم كعلي كرم الله تعالى وجهه ومنهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه فإنه في تلك السنة حج بالناس وعلمهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن الحج وما يلزم فيه وهو أحد الأمور الخمسة التي بني الإسلام عليها، على أن من أنصف من نفسه علم أن في نصب أبـي بكر رضي الله تعالى عنه لإقامة مثل هذا الركن العظيم من الدين على ما يشعر به قوله سبحانه: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [آل عمران: 97] الآية إشارة إلى أنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة شعائر دينه لا سيما وقد أيد ذلك بإقامته مقامه عليه الصلاة والسلام في الصلاة بالناس في آخر أمره عليه الصلاة والسلام وهي العماد الأعظم والركن الأقوم لدينه عليه الصلاة والسلام في الصلاة بالناس، والقول بأنه رضي الله تعالى عنه عزل في المسألتين كما يزعمه بعض الشيعة لا أصل له وعلى المدعي البيان ودونه الشم الراسيات. وبالجملة دلالة «لا ينبغي» الخ على الخلافة مما لا ينبغي القول بها، وقصارى ما في الخبر الدلالة على فضل الأمير كرم الله تعالى وجهه وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمن لا ينكر ذلك لكنه بمعزل عن اقتضائه التقدم بالخلافة على الصديق رضي الله تعالى عنه. وقد ذكر بعض أهل السنة نكتة في نصب أبـي بكر أميراً للناس في حجهم ونصب الأمير كرم الله تعالى وجهه مبلغا نقض العهد في ذلك المحفل وهي أن الصديق رضي الله تعالى عنه لما كان مظهراً لصفة الرحمة والجمال كما يرشد إليه ما تقدم في حديث الإسراء وما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر» أحال إليه عليه الصلاة والسلام أمر المسلمين الذين هم مورد الرحمة، ولما كان علي كرم الله تعالى وجهه الذي هو أسد الله مظهر جلاله فوض إليه نقض عهد الكافرين الذي هو من آثار الجلال وصفات القهر فكانا كعينين فوارتين يفور من إحداهما صفة الجمال ومن الأخرى صفة الجلال في ذلك المجمع العظيم الذي كان أنموذجا للحشر ومورداً للمسلم والكافر انتهى. ولا يخفى حسنه لو لم يكن في البين تعليل النبـي صلى الله عليه وسلم. / وجعل المدة أربعة أشهر قيل لأنها ثلث السنة والثلث كثير، ونصب العدد على الظرفية لسيحوا أي فسيحوا في أقطار الأرض في أربعة أشهر. {وَٱعْلَمُوا أَنَّكُمْ} لسياحتكم تلك {غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} لا تفوتونه سبحانه بالهرب والتحصن {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَـٰفِرِينَ} في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالعذاب المهين، وأظهر الاسم الجليل لتربية المهابة وتهويل أمر الإخزاء وهو الإذلال بما فيه فضيحة وعار، والمراد من الكافرين إما المشركون المخاطبون فيما تقدم والعدول عن مخزيكم إلى ذلك لذمهم بالكفر بعد وصفهم بالاشراك وللاشعار بأن علة الإخزاء هي كفرهم وإما الجنس الشامل لهم ولغيرهم ويدخل فيه المخاطبون دخولاً أولياً.

ابن عاشور

تفسير : {فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}. الفاء للتفريع على معنى البراءة، لأنّها لمّا أمر الله بالإذان بها كانت إعلاماً للمشركين، الذين هم المقصود من نقض العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، فضمير الخطاب في فعل الأمر معلوم منه أنّهم الموجه إليهم الكلام وذلك التفات. فالتقدير: فليسيحوا في الأرض ونكتة هذا الالتفات إبلاغ الإنذار إليهم مباشرة. ويجوز تقدير قول محذوف مفرّع على البراءة من عهودهم، أي فقل لهم: سيحوا في الأرض أربعة أشهر. والسياحة حقيقتها السير في الأرض. ولمّا كان الأمر بهذا السير مفرّعاً على البراءة من العهد، ومقرّراً لحرمة الأشهر الحرام، علم أنّ المراد السير بأمن دون خوف في أي مكان من الأرض، وليس هو سيرهم في أرض قومهم، دلّ على ذلك إطلاق السياحة وإطلاق الأرض، فكان المعنى: فسيحوا آمنين حيثما شئتم من الأرض. وهذا تأجيل خاصّ بعد البراءة كان ابتداؤه من شوال وقت نزول براءة، ونهايته نهاية محرّم في آخر الأشهر الحرم المتوالية، وهي: ذو القعدة وذو الحجّة والمحرم. وهذا قول الجمهور قال ابن إسحاق: وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذّن فيهم ليرجع كلّ قوم إلى مأمنهم وقال بعضهم: هي أربعة أشهر تبتدىء من عاشر ذي الحجّة وتنتهي في عاشر ربيع الآخر، فيكون قوله: {أية : فإذا انسلخ الأشهر الحرم}تفسير : [التوبة: 5] (أي من ذلك العام) تنهيةً لذلك الأجل روعي فيها المدّة الكافية لرجوع الناس إلى بلادهم، وذلك نهاية المحرّم. وقيل: الأشهر الأربعةُ هي المعروفة عندهم في جميع قبائِل العرب وهي ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورَجب، أي فلم يبق للمشركين أمْنٌ إلاّ في الأشهر الحرم وعلى هذا فليس في الآية تأجيل خاصّ لتأمينهم، ولكنّه التأمين المقرّر للأشهر الحرم فيكون المعنى: البراءة من العهد الذي بينهم فيما زاد على الأمن المقرّر للأشهر الحرم. وحكى السهيلي في «الروض الأنف» أنّه قيل إنّه أراد بانسلاخ الأشهر الحرم ذا الحجّة والمحرم من ذلك العام، وأنّه جعل ذلك أجلاً لمن لا عهد له من المشركين ومن كان له عهد جعل له عهد جعل له أربعة أشهر أولها يوم النحر من ذلك العام. وفي هذا الأمر إيذان بفرض القتال في غير الأشهر الحرم، وبأنّ ما دون تلك الأشهر حَرب بين المسلمين والمشركين، وسيقع التصريح بذلك. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَـٰفِرِينَ}. عطف على {فسيحوا} داخل في حكم التفريع، لأنّه لمّا أنبأهم بالأمان في أربعة الأشهر عقبه بالتخويف من بأس الله احْتراساً من تطرّق الغرور، وتهديداً بأنّ لا يطمئنوا من أنْ يسلّط الله المسلمين عليهم في غير الأشهر الحرم، وإن قبعوا في ديارهم. وافتتاح الكلام بــــ {واعلموا} للتنبيه على أنّه ممّا يحقّ وعيه، والتدبر فيه، كقوله: {أية : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} تفسير : في سورة الأنفال (24)، وقد تقدّم التنبيه عليه. والمُعجز اسم فاعل، من أعجز فلاناً إذا جعَله عاجزاً عن عمل مَّا، فلذلك كان بمعنى الغالب والفائِت، الخارج عن قدرة أحد، فالمعنى: أنّكم غير خارجين عن قدرة الله، ولكنّه أمّنكم وإذا شاء أوقعكم في الخوف والبأس. وعُطف قوله: {وأن الله مخزي الكافرين} على قوله: {أنكم غير معجزي الله} فهو داخل في عمل {واعلموا} فمقصود منه وعيه والعلم به كما تقدم آنفاً. وكان ذكر {الكافرين} إخراجاً على خلاف مقتضى الظاهر: لأنّ مقتضى الظاهر أن يقول: وإنّ الله مخزيكم، ووجه تخريجه على الإظهار الدلالة على سبيبة الكفر في الخزي. والإخزاء: الإذلال. والخزي ــــ بكسر الخاء ــــ الذلّ والهوان، أي مقدّر للكافرين الإذلال: بالقتل، والأسر، وعذاب الآخرة، ما داموا متلبّسين بوصف الكفر.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكَافِرِينَ} (2) - حَدَّدَ اللهُ تَعَالَى لِلَّذِينَ عَاهَدُوا الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ تَكُنْ لِعُهُودِهِمْ مُدَّةٌ مُعَيَّنَةٌ، مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أشْهُرٍ يَسِيحُونَ خِلاَلَهَا فِي الأرْضِ، وَيَتَنَقَّلُونَ كَيْفَ شَاؤُوا آمِنِينَ. أمَّا الذِينَ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرَّسُولِ عَهْدٌ، فَجَعَلَ مُدَّتَهُمْ انْسِلاَخَ الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَإذا انْسَلَخَتْ الأشْهُرُ الحُرُمُ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا، وَضَعَ الرَّسُولُ فِيهِمُ السَيْفَ، حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإِسْلاَمِ. وَيُعْلِمُ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ أنَّهُمْ، أيْنَما كَانُوا، فَهُمْ خَاضِعُونَ لِسُلْطَانِهِ، وَأنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَهُ طَلَباً، وَأنَّهُ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ الخِزْيَ عَلَى الذِينَ يَكْفُرُونَ بِهِ. أَرْبَعَةَ أشْهُرِ - أَوَّلُها عَاشِرُ ذِي الحِجَّةِ. غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ - غَيْرُ فَائِتِينَ مِنْ عَذَابِهِ بِالهَرَبِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والخطاب هنا للمشركين. وتساءل البعض: كيف يتأتى أن يكون خطاب الحق في الآية الأولى للمسلمين بالبراءة من المشركين، ثم يأتي خطاب من الله للمشركين؟. وقال بعض العلماء إنه ما ما دامت البراءة قد صدرت من الله، فكأن الله تعالى يقول للمؤمنين قولوا للمشركين: {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة: 2]. ولكننا نرد على هذا بأن المعاهدة تكون بين اثنين، ولذلك لا بد أن يكون هناك خطاب للذين قطعوا، وخطاب للمقطوعين، ويتمثل خطاب الذين قطعوا في قوله تعالى: {أية : بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 1]. وخطابه للمقطوعين يتمثل في قوله سبحانه وتعالى: {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة: 2]. ومن سماحة هذا الدين الذي أنزله الحق تبارك وتعالى؛ أن المولى سبحانه يعطي مهلة لمن قطعت المعاهدة معهم، فأعطاهم مهلة أربعة أشهر حتى لا يقال إن الإسلام أخذهم على غرة، بل أعطاهم أربعة أشهر ومن كانت مدة عهد أكثر من أربعة أشهر فسوف يستمر العهد إلى ميعاده. {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة: 2]. وكلمة "فسيحوا" تعطي ضماناً إيمانيا، فـ"ساح" معناها سار ببطء، وهناك "ساح الشيء" و"سال الشي" عندما تقول: "سال الماء" أي تدفق وسال، وأنت تشاهده سائلا. وإن قلت: "ساح السمن" أي سار ببطء لا يدرك حتى صار سائلا. ولماذا قال الحق سبحانه وتعالى {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ}؟. والإجابة: أن سماحة الإسلام تمنع أن نأخذكم على غرة، وعلى الذين قطع الإسلام معهم العهد أن يسيروا وهم مطمئنون وفي أمن وأمان ولا يتعرض لهم أحد. ووقف العلماء عند تحديد أربعة الأشهر، ونظر بعضهم إلى تاريخ النزول، وقد نزلت هذه الآية في شوال؛ إذن فتكون الأشهر الأربعة هي: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. وقال علماء آخرون: إن ساعة النزول لا علاقة لها بالأشهر الأربعة، وإن الأشهر الأربعة تبدأ من ساعة الإبلاغ أي في الحج؛ لأن الله تعالى يقول: {أية : وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ}تفسير : [التوبة: 3]. وعلى ذلك فتكون من يوم العاشر من ذي الحجة إلى يوم العاشر من ربيع الآخر. وقال بعض العلماء: إن نزول هذه الآية كان في عام النسيء الذي كان الكفار يؤخرون ويقدمون في الأشهر الحرم، والذي قال فيه الله سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ} تفسير : [التوبة: 37]. وأضاف صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي رواه أبو بكرة حيث قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: "حديث : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان ". تفسير : أي أنه صلى الله عليه وسلم حسب من بداية الكون إلى هذا الوقت فرجع بالأمر إلى نصابه وألغي النسيء؛ هذا النسيء الذي كانوا يقررونه أيام الشرك لتقديم أو لتأخير الأشهر الحرم؛ لأنهم كانوا إذا أتت الأشهر الحرم ويريدون الحرب يؤجلون الشهر الحرام حتى يمكنهم الاستمرار في الحرب. ولذلك كان الحج في هذه السنة في شهر ذي القعدة. وما دام الحج في شهر ذي القعدة، تنتهي الشهور الأربعة في العاشر من ربيع الأول. وقيل إن اختيار أربعة الأشهر جاء ليوافق ما شرعه الله في قوله سبحانه تعالى: {أية : إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}تفسير : [التوبة: 36]. فيكون عدد الأشهر مناسبا لعدد الأشهر الحرم. ولكن هذه المرة فيها ثلاثة أشهر حرم فقط هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، والشهر الرابع هو رجب فكيف يقال أربعة؟ ونقول: إن الأشهر الأربعة الحرم التي فيها رجب هي الأشهر الحرم الدائمة، أمّا الأشهر الأربعة التي ذكرت في هذه الآية فهي أربعة أشهر للعهد تنتهي بانتهائها، ولكن أربعة الأشهر الحرم الأصلية تبقى محرمة دائماً، ولقد شرع الله عز وجل الأشهر الحرم ليحرم دماء الناس من الناس؛ ذلك أن الحروب بين العرب كانت تستمر سنوات طويلة دون نصر حاسم. فجعل الله الأشهر الحرم حتى يجنح الناس إلى السلم، ويتحكم فيها العقل وتنتهي الحروب. وهنا يبلغنا الحق تبارك وتعالى أنه قد أعطى المشركين أربعة أشهر يسيرون فيها آمنين، لماذا؟ لأن الذي يكون ضعيفا مع خصمه ينتهز أي فرصة يقدر عليه فيها ليستغلها ويقضي عليه، ولا يمهله أربعة أشهر حتى ولا أربعة أيام. ولكن القوي لا يبالي بمد الأجل لخصمه لأنه يستطيع أن يأتي به في أية لحظة. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} [التوبة: 2]. ويقال فلان أعجز فلاناً، أي جعله ضعيفا عاجزاً. ولذلك فإن كلّ شيء مُعجز شرف للمُعْجَز، والمثال: عندما جاء القرآن الكريم معجزاً للعرب وكان ذلك شرفا لهم لأنهم كانوا أمة بلاغةٍ وفصاحةٍ. والله لا يتحدى الضعيف وإنما يتحدى القوي، فلغة القرآن أعجزت الفصيح والبليغ. وحين يعطي الحق سبحانه وتعالى هذه المهلة للمشركين إنما كانت ببنود معينة، وكان أمير الحج في هذا العام سيدُنا أبو بكر وكان هو الذي سيبلغ البراءة. وهي أنه لا يدخل المسجد الحرام مشرك ولا يحج مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولن يدخل الجنة إلا من آمن، هذه هي البنود. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بفطنته النبوية كان يعرف أن العرب لا يقبلون نقض العهود والمواثيق إلا من أهلها: فأرسل صلى الله عليه وسلم سيدنا عليا بن أبي طالب ليعلن نقض العهود؛ لأنه علم أن الكفار كانوا سيقولون: لا نقبل نقض العهد من أبي بكر، بل لا بد أن يكون من واحد من آل الناقض. وحينما قال المولى سبحانه وتعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} [التوبة: 2]. أعطى هذه المهلة الطويلة، لأنهم مهما فعلوا في هذه المهلة، فالله غالب على أمره. فلن يفوت أو يغيب شيء عنه سبحانه وتعالى، ومهما حاولوا أن يجدوا حلفاء لهم فلن يستطيعوا شيئا مع الله، صحيح أنهم ضعاف في هذه الفترة، وصحيح أنَّ الضعيف قد تكون قدرته على القوي مميتة لأنه يعرف أن فرصته واحدة، وإن لم يقدر على خصمه فسوف ينتهي، لكن الله غالب على أمره. وأراد الشاعر العربي أن يعبر عن ذلك فقال: شعر : وضعيفة فإذا أصابت فرصة قتلت كذلك قدرة الضعفاء تفسير : لأن الضعيف ينتهز الفرصة ليقضي على خصمه. أما القوي فيعرف أنه قادر على خصمه في أي وقت، ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ} [التوبة: 2]. الإخزاء هو الإذلال بفضيحة وعار ولا يكون ذلك إلا لمن كان متكبراً متعالياً. أي أن الله قادر على أن يخزي الكفار بفضيحة وعار مهما بلغت قوتهم وكبرهم. ويقول الحق عز وجل بعد ذلك: {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 327 : 1 : 13 - سفين في قوله {إِلَى "ٱلنَّاسِ يَوْمَ" ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} قال، يوم النحر "أربعة اشهر قال"، عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفراً، وشهر ربيع الأول، وعشراً من ربيع الآخر [الآية 2-3].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [2] 234- أنا محمد بن بشار، حدثني محمد، وعثمان بن عمر قالا: حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي، عن المُحرَّر ابن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة. قال: ما كنتم تُنَادون؟ قال: كنا نُنَادى أنه لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فأَجَلُه وأَمَدَه إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحُجُّ بعد العام مشرك، وكنت أُنادي حتى صَحِل صوتي. ذيل التفسير قوله تعالى: [{فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [2]] 13/ 748- أخبرني محمد بن قُدامة المصِّيصي، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن محرر بن أبي هريرة قال: قال أبو هريرة: كُنت أنادي (ومعي) عليٌّ حين أذًّن في المشركين، كنا نقول: لا يحُجَّنَّ بعد عامنا مشرك ولا يطوفنَّ بالبيت عُريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مُدة، فإن أجله إلى أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين.

همام الصنعاني

تفسير : 1041- عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}: [الآية: 2]، قال: نزلت في شوال فهي أربعة أشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم. 1042- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة والكلبي: عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر، وكان ذلِكَ العهد الذي كان بينهم.