٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: معنى البراءة انقطاع العصمة. يقال: برئت من فلان أبرأ براءة، أي انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة، ومن هنا يقال برئت من الدين، وفي رفع قوله: {بَرَاءةٌ } قولان: الأول: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة. قال الفراء: ونظيره قولك إذا نظرت إلى رجل جميل، جميل والله، أي هذا جميل والله، وقوله: {مِّنَ } لابتداء الغاية، والمعنى: هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم، كما تقول كتاب من فلان إلى فلان. الثاني: أن يكون قوله: {بَرَاءةٌ } مبتدأ وقوله: {مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } صفتها وقوله: {إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ } هو الخبر كما تقول رجل من بني تميم في الدار. فإن قالوا: ما السبب في أن نسب البراءة إلى الله ورسوله، ونسب المعاهدة إلى المشركين؟ قلنا قد أذن الله في معاهدة المشركين، فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدهم ثم إن المشركين نقضوا العهد فأوجب الله النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك، وقيل اعلموا أن الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم من المشركين. المسألة الثالثة: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف النافقون وأرجفوا بالأراجيف، جعل المشركون ينقضون العهد، فنبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد إليهم. فإن قيل: كيف يجوز أن ينقض النبي صلى الله عليه وسلم العهد؟ قلنا: لا يجوز أن ينقض العهد إلا على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يظهر له منهم خيانة مستورة ويخاف ضررهم فينبذ العهد إليهم، حتى يستووا في معرفة نقض العهد لقوله: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاء } تفسير : [الأنفال: 58] وقال أيضاً: {أية : ٱلَّذِينَ..... يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرَّةٍ } تفسير : [الأنفال: 56] والثاني: أن يكون قد شرط لبعضهم في وقت العهد أن يقرهم على العهد فيما ذكر من المدة إلى أن يأمر الله تعالى بقطعه. فلما أمره الله تعالى بقطع العهد بينهم قطع لأجل الشرط. والثالث: أن يكون مؤجلاً فتنقضي المدة وينقضي العهد ويكون الغرض من إظهار هذه البراءة أن يظهر لهم أنه لا يعود إلى العهد، وأنه على عزم المحاربة والمقاتلة، فأما فيما وراء هذه الأحوال الثلاثة لا يجوز نقض العهد البتة، لأنه يجري مجرى الغدر وخلف القول، والله ورسوله منه بريئان، ولهذا المعنى قال الله تعالى: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَـٰهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ } تفسير : [التوبة: 4] وقيل: إن أكثر المشركين نقضوا العهد إلا أناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة. المسألة الثالثة: روي أن فتح مكة كان سنة ثمان وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد، ونزول هذه السورة سنة تسع، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه سنة تسع أن يكون على الموسم، فلما نزلت هذه السورة أمر علياً أن يذهب إلى أهل الموسم ليقرأها عليهم. فقيل له لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء، فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور، ثم ساروا، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم، وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم، فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية، وعن مجاهد ثلاث عشرة آية، ثم قال: أمرت بأربع أن لا يقرب هذا البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده. فقالوا عند ذلك يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف، واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر علياً بقراءة هذه السورة عليهم وتبليغ هذه الرسالة إليهم، فقالوا السبب فيه أن عادة العرب أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا رجل من الأقارب فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما نعرف فينا من نقض العهود فربما لم يقبلوا، فأزيحت علتهم بتولية ذلك علياً رضي الله عنه، وقيل لما خص أبا بكر رضي الله عنه بتوليته أمير الموسم خص علياً بهذا التبليغ تطييباً للقلوب ورعاية للجوانب، وقيل قرر أبا بكر علي الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة، حتى يصلي على خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر، والله أعلم. وقرر الجاحظ هذا المعنى فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميراً على الحاج وولاه الموسم وبعث علياً يقرأ على الناس آيات من سورة براءة فكان أبو بكر الإمام وعلي المؤتم وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع وكان أبو بكر الرافع بالموسم والسابق لهم والآمر لهم، ولم يكن ذلك لعلي رضي الله عنه. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يبلغ عني إلا رجل مني»تفسير : فهذا لا يدل على تفضيل علي على أبي بكر، ولكنه عامل العرب بما يتعارفونه فيما بينهم، وكان السيد الكبير منهم إذا عقد لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد والعقد إلا هو أو رجل من أقاربه القريبين منه كأخ أو عم. فلهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القول. وأما قوله: {فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } ففيه أبحاث: الأول: أصل السياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب. يقال للصائم سائح لأنه يشبه السائح لتركه المطعم والمشرب. قال المفسرون: {فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ } يعني اذهبوا فيها كيف شئتم وليس ذلك من باب الأمر، بل المقصود الإباحة والإطلاق والإعلام بحصول الأمان وإزالة الخوف، يعني أنتم آمنون من القتل والقتال في هذه المدة. البحث الثاني: قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين أربعة أشهر، فمن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطه إلى الأربعة، ومن كانت مدته أقل من أربعة أشهر رفعه إلى الأربعة والمقصود من هذا الإعلام أمور: الأول: أن يتفكروا لأنفسهم ويحتاطوا في هذا الأمر، ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: إما الإسلام أو قبول الجزية أو السيف، فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً. والثاني: لئلا ينسب المسلمون إلى نكث العهد، والثالث: أراد الله أن يعم جميع المشركين بالجهاد، فعم الكل بالبراءة وأجلهم أربعة أشهر، وذلك لقوة الإسلام وتخويف الكفار، ولا يصح ذلك إلا بنقض العهود. والرابع: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج في السنة الآتية، فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يشاهد العراة. البحث الثالث: قال ابن الأنباري: قوله: {فَسِيحُواْ } القول فيه مضمر والتقدير: فقل لهم سيحوا أو يكون هذا رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله: {أية : وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً * إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } تفسير : [الإنسان: 21، 22]. البحث الرابع: اختلفوا في هذه الأشهر الأربعة، وعن الزهري أن براءة نزلت في شوال، وهي أربعة أشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وقيل هي عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر، وإنما سميت حرماً لأنه كان يحرم فيها القتل والقتال، فهذه الأشهر الحرم لما حرم القتل والقتال فيها كانت حرماً، وقيل إنما سميت حرماً لأن أحد أقسام هذه المدة من الأشهر الحرم لأن عشرين من ذي الحجة مع المحرم من الأشهر الحرم. وقيل: ابتداء تلك المدة كان من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وهي حجة الوداع، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض»تفسير : . وأما قوله: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ } فقيل: اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب. وقيل تقديره: فسيحوا عالمين أنكم لا تعجزون الله في حال. والمقصود: أني أمهلتكم وأطلقت لكم فافعلوا كل ما أمكنكم فعله من إعداد الآلات والأدوات، فإنكم لا تعجزون الله بل الله يعجزكم ويقهركم. وقيل: اعملوا أن هذا الإمهال لأجل أنه لا يخاف الفوت، لأنكم حيث كنتم فأنتم في ملك الله وسلطانه، وقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَـٰفِرِينَ } قال ابن عباس: بالقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة. وقال الزجاج: هذا ضمان من الله عز وجل لنصرة المؤمنين على الكافرين والإخزاء والإذلال مع إظهار الفضيحة والعار، والخزي والنكال الفاضح.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأُولى ـ في أسمائها. قال سعيد بن جُبير: سألت ٱبن عباس رضي الله عنه عن سورة براءة فقال: تلك الفاضحة، ما زال ينزل: ومنهم ومنهم، حتى خفنا ألاّ تدع أحداً. قال القُشيرِيّ أبو نصر عبد الرحيم: هذه السورة نزلت في غزوة تَبُوك، ونزلت بعدها. وفي أوّلها نبذُ عهودِ الكفار إليهم. وفي السورة كشف أسرار المنافقين. وتسمَّى الفاضحة والبُحوث؛ لأنها تبحث عن أسرار المنافقين. وتسمَّى المبعثرة والبعثرة: البحث. الثانية ـ وٱختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أوّل هذه السورة على أقوال خمسة: الأوّل ـ أنه قيل كان من شأن العرب في زمانها في الجاهلية، إذا كان بينهم وبين قوم عهد فإذا أرادوا نقضه كتبوا إليهم كتاباً ولم يكتبوا فيه بسملة؛ فلما نزلت سورة براءة بنقض العهد الذي كان بين النبيّ صلى الله عليه وسلم والمشركين بعث بها النبيّ صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فقرأها عليهم في الموسم، ولم يُبسمل في ذلك على ما جرت به عادتهم في نقض العهد من ترك البسملة. وقول ثان ـ روى النَّسائيّ قال حدّثنا أحمد قال حدّثنا محمد ابن المثَنَّى عن يحيى بن سعيد قال حدّثنا عوف قال حدّثنا يزيد الرّقَاشي قال قال لنا ٱبن عباس: قلت لعثمان ما حملكم إلى أن عمدتم إلى «الأنفال» وهي من المثاني، وإلى «براءة» وهي من المِئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطول؛ فما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: «ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا». وتنزل عليه الآيات فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا». وكانت «الأنفال» من أوائل ما أنزل، و «براءة» من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وقُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبيّن لنا أنها منها فظننت أنها منها؛ فمن ثمّ قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيمتفسير : . وخرّجه أبو عيسى الترمذِيّ وقال: هذا حديث حَسَن. وقول ثالث ـ رُوي عن عثمان أيضاً. وقال مالك فيما رواه ٱبن وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم: إنه لما سقط أوّلها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه. ورُوي ذلك عن ٱبن عِجلان أنه بلغه أن سورة «براءة» كانت تعدل البقرة أو قربها، فذهب منها، فلذلك لم يكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم. وقال سعيد بن جُبير: كانت مثلَ سورة البقرة. وقول رابع ـ قاله خارجة وأبو عِصمة وغيرهما. قالوا: لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: براءة والأنفال سورة واحدة. وقال بعضهم: هما سورتان. فتُركت بينهما فرجة لقول من قال إنهما سورتان، وتركت بسم الله الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة واحدة؛ فرِضيَ الفريقان معاً، وثبتت حجتاهما في المصحف. وقول خامس ـ قال عبد الله بن عباس: سألت عليّ بن أبي طالب لِمَ لمْ يُكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان؛ وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان. وروى معناه عن المبرد قال: ولذلك لم يجمع بينهما؛ فإن بسم الله الرحمن الرحيم رحمة، وبراءة نزلت سخطة. ومثله عن سفيان. قال سفيان بن عُيينة: إنما لم تكتب في صدر هذه السورة بسم الله الرحمن الرحيم لأن التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت في المنافقين وبالسيف، ولا أمان للمنافقين. والصحيح أن التسمية لم تكتب؛ لأن جبريل عليه السلام ما نزل بها في هذه السورة؛ قاله القشيرِيّ. وفي قول عثمان: قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبيّن لنا أنها منها، دليل على أن السور كلها ٱنتظمت بقوله وتبيينه، وأن براءة وحدها ضُمّت إلى الأنفال من غير عهدٍ من النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لما عاجله من الحِمام قبل تبيينه ذلك. وكانتا تُدعيان القرِينتين، فوجب أن تُجمعا وتضم إحداهما إلى الأُخرى؛ للوصف الذي لزمهما من الاقتران ورسول الله صلى الله عليه وسلم حيّ. الثالثة ـ قال ٱبن العربي: هذا دليل على أن القياس أصلٌ في الدين، ألا ترى إلى عثمان وأعيانِ الصحابة كيف لجأوا إلى قياس الشّبه عند عدم النّصّ، ورأُوا أن قصة «براءة» شبيهة بقصة «الأنفال» فألحقوها بها؟ فإذا كان الله تعالى قد بيّن دخول القياس في تأليف القرآن فما ظنّك بسائر الأحكام. الرابعة ـ قوله تعالى: {بَرَآءَةٌ} تقول: برِئت من الشيء أبرأ براءة فأنا منه بريء، إذا أزلته عن نفسك، وقطعت سبب ما بينك وبينه. و «بَرَاءَةٌ» رفع على خبر ٱبتداء مضمر، تقديره هذه براءة. ويصح أن ترفع بالابتداء. والخبر في قوله: {إِلَى ٱلَّذِينَ}. وجاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة فتعرّفت تعريفاً مّا وجاز الإخبار عنها. وقرأ عيسى بن عمر «براءةً» بالنصب، على تقدير التزموا براءة، ففيها معنى الإغراء. وهي مصدر على فَعالة؛ كالشَّناءة والدنَّاءة. الخامسة ـ قوله تعالى: {إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} يعني ِإلى الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان المتولِّي للعقود، وأصحابُه بذلك كلهم راضون، فكأنهم عاقدوا وعاهدوا فنُسب العقد إليهم. وكذلك ما عقده أئمة الكفر على قومهم منسوبٌ إليهم محسوبٌ عليهم يؤاخَذون به، إذ لا يمكن غير ذلك؛ فإن تحصيل الرضا من الجميع متعذّر، فإذا عقد الإمام لما يراه من المصلحة أمراً لزم جميع الرعايا.
البيضاوي
تفسير : {بَرَاءةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي هذه براءة، ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف تقديره وأصله {مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}، ويجوز أن تكون {بَرَاءةٌ} مبتدأ لتخصصها بصفتها والخبر {إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} وقرىء بنصبها على اسمعوا براءة، والمعنى: أن الله ورسوله برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وإنما علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين للدلالة على أنه يجب عليهم نبذ عهود المشركين إليهم وإن كانت صادرة بإذن الله تعالى واتفاق الرسول فإنهما برئا منها، وذلك أنهم عاهدوا مشركي العرب فنكثوا إلا أناساً منهم بنو ضمرة وبنو كنانة فأمرهم بنبذ العهد إلى الناكثين وأمهل المشركين أربعة أشهر ليسيروا أين شاءوا فقال: {فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم لأنها نزلت في شوال. وقيل هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر لأن التبليغ كان يوم النحر لما روي (أنها لما نزلت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم، وكان قد بعث أبا بكر رضي الله تعالى عنه أميراً على الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي رضي الله تعالى عنه سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لحقه قال: أمير أو مأمور قال مأمور، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر رضي الله تعالى عنه وحدثهم عن مناسكهم وقام علي رضي الله عنه يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: أيها الناس إني رسول الله إليكم، فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده). ولعل قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يؤدي عني إلا رجل مني»تفسير : ليس على العموم، فإنه صلى الله عليه وسلم بعث لأن يؤدي عنه كثير لم يكونوا من عترته، بل هو مخصوص بالعهود فإن عادة العرب أن لا يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل منها، ويدل عليه أنه في بعض الروايات «حديث : لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي»تفسير : {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} لا تفوتونه وإن أمهلكم. {ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَـٰفِرِينَ} بالقتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة.
ابن كثير
تفسير : هذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: آخر آية نزلت {أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ} تفسير : [النساء: 176] وآخر سورة نزلت براءة، وإنما لم يبسمل في أولها؛ لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام، بل اقتدوا في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، كما قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، وابن أبي عدي، وسهيل بن يوسف، قالوا: حدثنا عوف بن أبي جميلة، أخبرني يزيد الفارسي، أخبرني ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة، وهي من المئين، وقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان، وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء، دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، فإذا نزلت عليه الآية قال: ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وحسبت أنها منها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطوال، وكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من طرق أخر عن عوف الأعرابي به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأول هذه السورة الكريمة نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك، وهم بالحج، ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك، وأنهم يطوفون بالبيت عراة، فكره مخالطتهم، وبعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميراً على الحج تلك السنة؛ ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي في الناس: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}، فلما قفل، أتبعه بعلي بن أبي طالب؛ ليكون مبلغاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكونه عصبة له كما سيأتي بيانه. فقوله تعالى: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: هذه براءة، أي: تبرؤ من الله ورسوله { إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} اختلف المفسرون ههنا اختلافاً كثيراً، فقال قائلون: هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقت، فأجله إلى مدته مهما كان؛ لقوله تعالى: {أية : فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} تفسير : [التوبة: 4]، ولما سيأتي في الحديث. ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فعهده إلى مدته، وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير رحمه الله، وروي عن الكلبي ومحمد بن كعب القرظي وغير واحد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: { بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} الآية، قال: حد الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون في الأرض حيث شاؤوا وأَجَّل أَجَلَ من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم، من يوم النحر إلى سلخ المحرم، فذلك خمسون ليلة، إذا انسلخ الأشهر الحرم، أمره بأن يضع السيف فيمن لا عهد له وكذا رواه العوفي عن ابن عباس، وقال الضحاك بعد قوله: فذلك خمسون ليلة: فأمر الله نبيه إذا انسلخ الأشهر الحُرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهد بقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر أن يضع فيهم السيف أيضاً حتى يدخلوا في الإسلام. وقال أبو معشر المدني: حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الموسم سنة تسع، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين آية، أو أربعين آية من براءة، فقرأها على الناس، يؤجل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض، فقرأها عليهم يوم عرفة، أجلهم عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشراً من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم، وقال: لا يحجن بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} إلى أهل العهد؛ خزاعة ومدلج، ومن كان له عهد أو غيرهم، فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج، ثم قال: «حديث : إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» تفسير : فأرسل أبا بكر وعلياً رضي الله عنهما، فطافا بالناس في ذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحاب العهد بأن يؤمَّنوا أربعة أشهر فهي الأشهر المتواليات؛ عشرون من ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا، وهكذا روي عن السدي وقتادة. وقال الزهري: كان ابتداء التأجيل من شوال، وآخره سلخ المحرم، وهذا القول غريب، وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها، وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر حين نادى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك؟ ولهذا قال تعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : هذه {بَرآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } واصلة {إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } عهداً مطلقاً أو دون أربعة أشهر أو فوقها، ونقض العهد بما يذكر في قوله.
الشوكاني
.تفسير : قوله: {بَرَاءةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } برئت من الشيء أبرأ براءة، وأنا منه بريء: إذا أزلته عن نفسك، وقطعت سبب ما بينك وبينه، وبراءة مرتفعة على أنها خبر مبتدأ محذوف: أي هذه براءة، ويجوز أن ترتفع على الابتداء، لأنها نكرة موصوفة، والخبر {إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ }. وقرأ عيسى بن عمر {براءة} بالنصب على تقدير: اسمعوا براءة، أو على تقدير: التزموا براءة، لأن فيها معنى الإغراء، و «من» في قوله: {مِنَ ٱللَّهِ } لابتداء الغاية متعلق بمحذوف وقع صفة، أي واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم. وقرأ روح وزيد بنصب {رسوله}، وقرأ الباقون بالرفع. والعهد: العقد الموثق باليمين. والخطاب في عاهدتم للمسلمين، وقد كانوا عاهدوا مشركي مكة وغيرهم بإذن من الله ومن الرسول صلى الله عليه وسلم، والمعنى: الإخبار للمسلمين بأن الله ورسوله قد برئا من تلك المعاهدة بسبب ما وقع من الكفار من النقض، فصار النبذ إليهم بعهدهم واجباً على المعاهدين من المسلمين، ومعنى براءة الله سبحانه، وقوع الإذن منه سبحانه بالنبذ من المسلمين لعهد المشركين بعد وقوع النقض منهم، وفي ذلك من التفخيم لشأن البراءة والتهويل لها والتسجيل على المشركين بالذلّ والهوان ما لا يخفى. قوله: {فَسِيحُواْ فِى ٱلأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } هذا أمر منه سبحانه بالسياحة بعد الإخبار بتلك البراءة، والسياحة: السير، يقال: ساح فلان في الأرض يسيح سياحة وسيوحاً وسيحاناً، ومنه سيح الماء في الأرض وسيح الخيل، ومنه قول طرفة بن العبد:شعر : لو خفت هذا منك ما نلتني حتى ترى خيلاً أمامي تسيح تفسير : ومعنى الآية: أن الله سبحانه بعد أن أذن بالنبذ إلى المشركين بعهدهم أباح للمشركين الضرب في الأرض والذهاب إلى حيث يريدون، والاستعداد للحرب هذه الأربعة الأشهر، وليس المراد من الأمر بالسياحة تكليفهم بها. قال محمد بن إسحاق وغيره: إن المشركين صنفان: صنف كانت مدة عهده أقلّ من أربعة أشهر، فأمهل تمام أربعة أشهر، والآخر كانت أكثر من ذلك فقصر على أربعة أشهر، ليرتاد لنفسه، وهو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيث يوجد، وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر، فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك خمسون يوماً: عشرون من ذي الحجة وشهر محرم. وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد دون أربعة أشهر، ومن كان عهده أكثر من ذلك فهو الذي أمر الله أن يتمّ له عهده بقوله: {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} ورجح هذا ابن جرير، وغيره. وسيأتي في آخر البحث من الرواية ما يتضح به معنى الآية: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ } أي: اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز، ولكن لمصلحة ليتوب من تاب، وفي ذلك ضرب من التهديد، كأنه قيل: افعلوا في هذه المدّة كل ما أمكنكم من إعداد الآلات والأدوات، فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم: أي مذلكم ومهينكم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالعذاب، وفي وضع الظاهر موضع المضمر، إشارة إلى أن سبب هذا الإخزاء هو: الكفر، ويجوز أن يكون المراد: جنس الكافرين، فيدخل فيه المخاطبون دخولاً أوّلياً. قوله: {وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجّ ٱلأَكْبَرِ } ارتفاع أذان على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه مبتدأ وخبره ما بعده على ما تقدّم في ارتفاع براءة، والجملة هذه معطوفة على جملة {بَرَاءةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } وقال الزجاج: إن قوله {وأذان} معطوف على قوله {براءة}. واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لكن {أذان} مخبر عنه بالخبر الأوّل، وهو {إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } وليس ذلك بصحيح. بل الخبر عنه هو {إِلَى ٱلنَّاسِ } والأذان بمعنى: الإيذان، وهو الإعلام، كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء. ومعنى قوله: {إِلَى ٱلنَّاسِ } التعميم في هذا: أي أنه إيذان من الله إلى كافة الناس غير مختص بقوم دون قوم، فهذه الجملة متضمنة للإخبار بوجوب الإعلام لجميع الناس، والجملة الأولى متضمنة للإخبار بالبراءة إلى المعاهدين خاصة، و{يَوْمَ ٱلْحَجّ } ظرف لقوله: {وأذان}، ووصفه بالأكبر لأنه يجتمع فيه الناس، أو لكون معظم أفعال الحج فيه. وقد اختلف العلماء في تعيين هذا اليوم المذكور في الآية، فذهب جمع، منهم: عليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن أبي أوفى، والمغيرة بن شعبة، ومجاهد، أنه: يوم النحر. ورجحه ابن جرير. وذهب آخرون منهم: عمر، وابن عباس، وطاوس، أنه: يوم عرفة. والأوّل: أرجح؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر من بعثه لإبلاغ هذا إلى المشركين أن يبلغهم يوم النحر. قوله: {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىء مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } قرىء بفتح "أن" على تقدير: بأن الله برىء من المشركين. فحذفت الباء تخفيفاً. وقرىء بكسرها؛ لأن في الإيذان معنى القول، وارتفاع {رسوله} على أنه معطوف على موضع اسم "أن"، أو على الضمير في {برىء}، أو على أنه مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: ورسوله بريء منهم. وقرأ الحسن وغيره {ورسوله} بالنصب عطفاً على لفظ اسم {أن}. وقرىء {ورسوله} بالجرّ على أن الواو للقسم، روى ذلك عن الحسن، وهي قراءة ضعيفة جداً، إذ لا معنى للقسم برسول الله صلى الله عليه وسلم هاهنا، مع ما ثبت من النهي عن الحلف بغير الله، وقيل: أنه مجرور على الجوار. قوله: {فإن تبتم} أي: من الكفر، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، قيل: وفائدة هذا الالتفات زيادة التهديد، والضمير في قوله: {فَهُوَ} راجع إلى التوبة المفهومة من تبتم {خَيْرٌ لَّكُمْ } مما أنتم فيه من الكفر {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ } أي: أعرضتم عن التوبة، وبقيتم على الكفر {فَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ } أي: غير فائتين عليه، بل هو مدرككم، فمجازيكم بأعمالكم. قوله: {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } هذا تهكم بهم، وفيه من التهديد ما لا يخفى. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {بَرَاءةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } إلى أهل العهد خزاعة ومدلج، ومن كان له عهد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها فأراد الحج، ثم قال: إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحبّ أن أحجّ حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر وعلياً فطافا في الناس بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يبيعون بها، أو بالموسم كله، فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر، وهي: الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات، عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر تخلو من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، وآذن الناس كلهم بالقتال إلى أن يموتوا. وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل، في زوائد المسند، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عليّ قال: لما نزلت عشر آيات من براءة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال: "حديث : لي أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه، فاقرأه على أهل مكة"تفسير : ، فلحقته فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر وقال: يا رسول الله، نزل فيّ شيء؟ قال "حديث : لا، ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت، أو رجل منك"تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه، وأبو الشيخ، وابن مردويه، من حديث أنس نحوه. وأخرج ابن مردويه، من حديث سعد بن أبي وقاص، نحوه أيضاً. وأخرج أحمد، والنسائي، وابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي هريرة، قال: كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة، فكنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فإن أجله وأمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر، فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحجّ هذا البيت بعد العام مشرك. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: ألا يحجّ بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب، فأمره أن يؤذن ببراءة، فأذن علي في يوم النحر ببراءة: أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وأخرج الترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبهيقي في الدلائل، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه علياً وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، فانطلقا فحجا، فقام عليّ في أيام التشريق فنادى: إن الله برىء من المشركين، ورسوله، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجنّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن؛ فكان عليّ ينادى، فإذا أعيا قام أبو بكر ينادي بها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، وابن المنذر، والنحاس، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن زيد بن تبيع قال: سألت علياً بأيّ شيء بعثت مع أبي بكر في الحج؟ قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. ولا يطوف بالبيت عريان. ولا يجتمع مؤمن وكافر بالمسجد الحرام بعد عامهم هذا. ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فعهده إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد، فأجله أربعة أشهر. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {بَرَاءةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } الآية قال: حدّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاءوا، وحدّ أجل من ليس له عهد انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم من يوم النحر، إلى انسلاخ المحرّم خمسين ليلة. فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره أن يضع السيف فيمن عاهد، إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما سمي لهم من العهد والميثاق، وأذهب الشرط الأوّل {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} يعني: أهل مكة. وأخرج النحاس، عنه، نحو هذا، وقال: ولم يعاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا أحداً. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والنحاس، عن الزهري {فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } قال: نزلت في شوّال فهي الأربعة أشهر: شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله: {وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } قال: هو إعلام من الله ورسوله. وأخرج الترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن عليّ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: يوم النحر. وأخرجه ابن أبي شيبة، والترمذي، وأبو الشيخ، عنه، من قوله. وأخرج أبو داود، والنسائي، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن قرط، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم الفرّ»تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن ابن أبي أوفى، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يوم الأضحى هذا يوم الحج الأكبر»تفسير : وأخرج البخاري تعليقاً، وأبو داود، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال: "حديث : أيّ يوم"تفسير : هذا؟ قالوا: يوم النحر، قال: "حديث : هذا يوم الحجّ الأكبر"تفسير : . وأخرج البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر: يوم النحر، والحج الأكبر: الحجّ؛ وإنما قيل الأكبر: من أجل قول الناس الحجّ الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحجّ عام حجة الوداع التي حجّ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك، وأنزل الله في العالم الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } تفسير : [التوبة: 28] الآية. وأخرج الطبراني، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زمن الفتح: «حديث : إن هذا عام الحج الأكبر، قال: اجتمع حجّ المسلمين وحجّ المشركين في ثلاثة أيام متتابعات، واجتمع النصارى واليهود في ثلاثة أيام متتابعات؛ فاجتمع حجّ المسلمين والمشركين والنصارى واليهود في ستة أيام متتابعات، ولم يجتمع منذ خلق السموات والأرض كذلك قبل العام، ولا يجتمع بعد العام حتى تقوم الساعة»تفسير : وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن، أنه سئل عن يوم الحج الأكبر فقال: مالكم وللحج الأكبر؟ ذاك عام حجّ فيه أبو بكر، استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج بالناس، واجتمع فيه المسلمون والمشركون، فلذلك سمي الحج الأكبر، ووافق عيد اليهود والنصارى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب، قال: الحجّ الأكبر: اليوم الثاني من يوم النحر، ألم تر أن الإمام يخطب فيه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن المسور بن مخرمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم عرفة: «حديث : هذا يوم الحجّ الأكبر»تفسير : وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عمر بن الخطاب، قال: الحج الأكبر يوم عرفة. وأخرج ابن جرير، عن أبي الصهباء البكري قال: سألت عليّ بن أبي طالب عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم عرفة. وأخرج أبو عبيدة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: إن يوم عرفة يوم الحج الأكبر. وأخرج ابن جرير عن الزبير نحوه. ولا يخفاك أن الأحاديث الواردة في كون يوم النحر: هو يوم الحج الأكبر، هي ثابتة في الصحيحين، وغيرهم من طرق، فلا تقوى لمعارضتها هذه الروايات المصرّحة بأنه يوم عرفة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الشعبي، أنه سئل: هذا الحج الأكبر، فما الحج الأصغر؟ قال: عمرة في رمضان. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن إسحاق، قال: سألت عبد الله بن شدّاد عن الحج الأكبر فقال: الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر: العمرة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد ابن مسعود، قال: سئل سفيان بن عيينة عن البشارة تكون في المكروه فقال: ألم تسمع قوله: {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} في ترك افتتاح هذه السورة بــ{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قولان: أحدهما: أنها والأنفال كالسورة الواحدة في المقصود لأن الأولى في ذكر العهود، والثانية في رفع العهود، وهذا قول أُبي بن كعب قال ابن عباس: وكانتا تدعيان القرينتين، ولذلك وضعتا في السبع الطول. وحكاه عن عثمان بن عفان. الثاني: أن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أمان، وبراءة نزلت برفع الأمان، وهذا قول ابن عباس، ونزلت سنة تسع فأنفذها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليقرأها في الموسم بعد توجه أبي بكر رضي الله عنه إلى الحج، وكان أبو بكر صاحب الموسم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يُبِلِّغُ عَنِّي إِلاَّ رَجُلٌ مِنِّي" تفسير : حكى ذلك الحسن وقتادة ومجاهد. وحكى الكلبي أن الذي أنفذه رسول الله صلى لله عليه وسلم من سورة التوبة عشر آيات من أولها. حكى مقاتل أنها تسع آيات تقرأ في الموسم، فقرأها علي رضي الله عنه في يوم النحر على جمرة العقبة. وفي قوله تعالى {بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} وجهان: أحدهما: أنها انقطاع العصمة منهما. والثاني: أنها انقضاء عهدهما. ثم قال تعالى {فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} وهذا أمان. وفي قوله {فَسِيُحواْ فِي الأَرْضِ} وجهان: أحدهما: انصرفوا فيها إلى معايشكم. والثاني: سافروا فيها حيث أردتم. وفي السياحة وجهان: أحدهما: أنها السير على مهل. والثاني: أنها البعد على وجل. واختلفوا فيمن جعل له أمان هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقاويل: أحدها: أن الله تعالى جعلها أجلاً لمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنه أقل من أربعة أشهر ولمن كان أجل أمانه غير محدود ثم هو بعد الأربعة حرب، فأما من لا أمان له فهو حرب، قاله ابن إٍسحاق. والثاني: أن الأربعة الأشهر أمان أصحاب العهد من كان عهده أكثر منها حط إليها، ومن كان عهده أقل منها إليها، ومن لم يكن له من رسول الله عهد جعل له أمان خمسين ليلة من يوم النحر إلى سلخ المحرم لقوله تعالى {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. والثالث: أن الأربعة الأشهر عهد المشركين كافة، المعاهد منهم وغير المعاهد، قاله الزهري ومحمد بن كعب ومجاهد. والرابع: أن الأربعة ألاشهر عهد وأمان لمن لم يكن له من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ولا أمان، أما أصحاب العهود فهم على عهودهم إلى انقضاء مددهم، قاله الكلبي. واختلفوا في أول مَدَى الأربعة الأشهر على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن أولها يوم يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر، وآخرها انقضاء العاشر من شهر ربيع الآخر، قاله محمد بن كعب ومجاهد والسدي. والثاني: أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، قاله الزهري. والثالث: أن أولها يوم العشرين من ذي القعدة، وآخرها يوم العشرين من شهر ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك اليوم ثم صار في السنة الثانية في العشر من ذي الحجة وفيها حجة الوداع، لأجل ما كانوا عليه في الجاهلية من النسىء، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم فيه حتى نزل تحريم النسىء وقال: "حديث : إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ " تفسير : {وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ} أي لا تعجزونه هرباً ولا تفوتونه طلباً. {وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الكَافِرِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: بالسيف لمن حارب والجزية لمن استأمن. والثاني: في الآخرة بالنار.
ابن عطية
تفسير : {براءة } رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذه الآيات براءة، ويصح أن ترتفع بالابتداء والخبر في قوله: {إلى الذين} وجاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة فتعرفت تعريفاً ما، وجاز الإخبار عنها، وقرأ عيسى بن عمر "براءةً " بالنصب على تقدير التزموا براءة ففيها معنى الإغراء، و { براءة } معناها تخلص وتبرؤ من العهود التي بينكم وبين الكفار البادئين بالنقض، تقول برئت إليك من كذا، فبرىء الله تعالى ورسوله بهذه الآية إلى الكفار من تلك العهود التي كانت ونقضها الكفار، وقرأ أهل نجران "منِ الله " بكسر النون من "من"، وهذه الآية حكم من الله عز وجل بنقض العهود والموادعات التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين طوائف المشركين الذين ظهر منهم أو تحسس من جهتهم نقض، ولما كان عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لازما لأمته حسن أن يقول {عاهدتهم} قال ابن إسحاق وغيره من العلماء: كانت العرب قد وافقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً عاماً على أن لا يصد أحد عن البيت الحرام ونحو ذلك من الموادعات، فنقض ذلك بهذه الآية وأجل لجميعهم أربعة أشهر، فمن كان له مع النبي صلى الله عليه وسلم عهد خاص وبقي منه أقل من الأربعة أشهر بلغ به تمامها، ومن كان أمده أكثر من أربعة أشهر أتم له الأربعة الأشهر "يسيح فيها " في الأرض أي يذهب مسرحاً آمناً كالسيح من الماء وهو الجاري المنبسط ومنه قول طرفة بن العبد: [ السريع ] شعر : لو خفت هذا منك ما نلتني حتى نرى خيلاً أمامي تسيحْ تفسير : وهذا ينبىء عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشعر من الكفار نقضاً وتربصاً به إلا من الطائفة المستثناة، وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول الأشهر الأربعة شوال وحينئذ نزلت الآية، وانقضاؤها عند انسلاخ الأشهر الحرم وهو انقضاء المحرم بعد يوم الأذان بخمسين يوماً فكان أجل من له عهد أربعة أشهر من يوم نزول الآية، وأجل سائر المشركين خمسون ليلة من يوم الأذان. قال القاضي أبو محمد: اعترض هذا بأن الأجل لا يلزم إلا من يوم سمع ويحتمل أن البراءة قد كانت سمعت من أول شوال، ثم كرر إشهارها مع الأذان يوم الحج الأكبر، وقال السدي وغيره: بل أولها يوم الأذان وآخرها العشر من ربيع الآخر، وهي الحرم استعير لها الاسم بهذه الحرمة والأمن الخاص الذي رسمه الله وألزمه فيها، وهي أجل الجميع ممن له عهد وتحسس منه نقض وممن لا عهد له، وقال الضحاك وغيره من العلماء: كان من العرب من لا عهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة، وكان منهم من بينه وبينهم عهد وتحسس منهم النقض وكان منهم من بينه وبينهم عهد ولم ينقضوا، فقوله {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} هو أجل ضربه لمن كان بينه وبينهم عهد وتحسس منهم نقضه، وأول هذا الأجل يوم الأذان وآخره انقضاء العشر الأول من ربيع الآخر، وقوله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين}، هو حكم مباين للأول حكم به في المشركين الذين لا عهد لهم البتة، فجاء أجل تأمينهم خمسين يوماً أولها يوم الأذان وآخرها انقضاء المحرم، وقوله {إلى الذين عاهدتم }، يريد به الذين لهم عهد ولم ينقضوا ولا تحسس منهم نقض، وهم فيما روي بنو ضمرة من كنانة عاهد لهم المخش بن خويلد وكان تبقى من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر: وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: إنما أجل الله أربعة أشهر من كان عهده ينصرم عند انقضائها أو قبله، والمعنى فقل لهم يا محمد سيحوا، وأما من كان له عهد يتمادى بعد الأربعة الأشهر فهم الذين أمر الله لهم بالوفاء، وقوله {واعلموا أنكم غير معجزي الله }، معناه واعلموا أنكم لا تفلتون الله ولا تعجزونه هرباً من عقابه، ثم أعلمهم بحكمه بخزي الكافرين، وذلك حتم إما في الدنيا وإما في الآخرة. وقوله تعالى: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس } الآية، {وأذان } معناه إعلام وإشهار، و {الناس} ها هنا عام في جميع الخلق، و {يومَ} منصوب على الظرف والعامل فيه {آذان} وإن كان قد وصف فإن رائحة الفعل باقية، وهي عاملة في الظروف، وقيل لا يجوز ذلك إذ قد وصف المصدر فزالت عنه قوة الفعل، ويصح أن يعمل فيه فعل مضمر تقتضيه الألفاظ، وقيل العامل في صفة الأذان وقيل العامل فيه {مخزي}. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، و {يوم الحج الأكبر } قال عمر وابن عمر وابن المسيب وغيرهم: هو يوم عرفة، وقال به علي، وروي عنه أيضاً أنه يوم النحر، وروي ذلك عن أبي هريرة وجماعة غيرهم، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال منذر بن سعيد وغيره: كان الناس يوم عرفة مفترقين إذ كانت الحمس تقف بالمزدلفة وكان الجمع يوم النحر بمنى، فلذلك كانوا يسمونه الحج الأكبر أي من الأصغر الذي هم فيه مفترقون. قال القاضي أبو محمد: وهذا زال في حجة أبي بكر لأنه لم يقف بالمزدلفة، وقد ذكر المهدوي أن الحمس ومن اتبعها وقفوا بالمزدلفة في حجة أبي بكر، والذي تظاهرت به الأحاديث في هذا المعنى أن علياً رضي الله عنه أذن بتلك الآية يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر، ثم رأى أنه لم يعلم الناس بالإسماع فتتبعهم بالأذان بها يوم النحر، وفي ذلك اليوم بعث معه أبو بكر من يعينه بالأذان بها كأبي هريرة وغيره، وتتبعوا بها أيضاً أسواق العرب كذي المجاز وغيره، فمن هنا يترجح قول سفيان إن {يوم} في هذه الآية بمعنى أيام، بسبب ذلك قالت طائفة {يوم الحج الأكبر} عرفة حيث وقع أول الأذان وقالت طائفة أخرى: هو يوم النحر حيث وقع إكمال الأذان، واحتجوا أيضاً بأنه من فاته الوقوف يوم عرفة فإنه يجزيه الوقوف ليلة النحر، فليس يوم عرفة على هذا يوم الحج الأكبر. قال القاضي أبو محمد: ولا حجة في هذا، وقال سفيان بن عيينة: المراد أيام الحج كلها كما تقول يوم صفين ويوم الجمل يريد جميع أيامه، وقال مجاهد {يوم الحج الأكبر } أيام منى كلها، ومجامع المشركين حيث كانوا بذي المجاز وعكاظ حين نودي فيهم ألا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا. قال القاضي أبو محمد: وهذا كما قال عثمان لعمر حين عرض عليه زواج حفصة: إني قد رأيت ألا أتزوج يومي هذا، وكما ذكر سيبويه: تقول لرجل: وما شغلك اليوم؟ وأنت تريد في أيامك هذه، واختلف لم وصف بالأكبر؟ فقال الحسن بن أبي الحسن وعبد الله بن الحارث بن نوفل لأنه حج ذلك العام المسلمون والمشركون وصادف أيضاً عيد اليهود والنصارى. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف أن يصفه الله في كتابه بالكبر لهذا، وقال الحسن أيضاً: إنما سمي أكبر لأنه حج فيه أبو بكر ونبذت فيه العهود. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو القول الذي يشبه نظر الحسن، وبيانه أن ذلك اليوم كان المفتتح بالحق وإمارة الإسلام بتقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبذت فيه العهود وعز فيه الدين وذل الشرك، ولم يكن ذلك في عام ثمان حين ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج عتاب بن أسيد كان أمر العرب على أوله، فكل حج بعد حج أبي بكر فمتركب عليه فحقه لهذا أن يسمى أكبر، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: الحج أكبر بالإضافة إلى الحج الأصغر وهي العمرة، وقال الشعبي: بالإضافة إلى العمرة في رمضان فإنها الحج الأصغر، وقال مجاهد: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد، وهذا ليس من هذه الآية في شيء، وقد تقدم ما ذكره منذر بن سعيد ويتجه أن يوصف بالأكبر على جهة المدح لا بإضافة إلى أصغر معين، بل يكون المعنى الأكبر من سائر الأيام فتأمله، واختصار ما تحتاج إليه هذه الآية على ما ذكر مجاهد وغيره من صورة تلك الحال، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح مكة سنة ثمان، فاستعمل عليها عتاب بن أسيد وقضى أمر حنين والطائف وانصرف إلى المدينة فأقام بها حتى خرج إلى تبوك، ثم انصرف من تبوك في رمضان سنة تسع فأراد الحج ثم نظر في أن المشركين يحجون في تلك السنة ويطوفون عراة فقال لا أريد أن أرى ذلك، فأمر أبا بكر على الحج بالناس وأنفذه، ثم أتبعه علي بن أبي طالب على ناقته العضباء، وأمره أن يؤذن في الناس بأربعة أشياء، وهي: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وفي بعض الروايات ولا يدخل الجنة كافر، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته، وفي بعض الروايات، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله أربعة أشهر يسيح فيها، فإذا انقضت فـ {إن الله بريء من المشركين ورسوله}. قال القاضي أبو محمد: وأقول: إنهم كانوا ينادون بهذا كله، فهذا للذين لهم عهد وتحسس منهم نقضه، والإبقاء إلى المدة لمن لم يخبر منه نقض، وذكر الطبري أن العرب قالت يومئذ: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب، فلام بعضهم بعضاً وقالوا ما تصنعون وقد أسلمت قريش؟ فأسلموا كلهم ولم يسح أحد. قال القاضي أبو محمد: وحينئذ دخل الناس في دين الله أفواجا ً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر علياً أن يقرأ على الناس الأربعين آية صدر سورة براءة قبل ثلاثين، وقيل عشرين، وفي بعض الروايات عشر آيات، وفي بعضها تسع آيات، ذكرها النقاش، وقال سليمان بن موسى الشامي ثمان وعشرون آية، فلحق أبا بكر في الطريق فقال له أبو بكر أمير أو مأمور، فقال بل مأمور فنهضا حتى بلغا الموسم، فلما خطب أبو بكر بعرفة: قال: قم يا علي، فأدِّ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام علي ففعل، قال ثم وقع في نفسي أن جميع الناس لم يشاهدوا خطبة أبي بكر، فجعلت أتتبع الفساطيط يوم النحر، وقرأ جمهور الناس " أن الله بريء " بفتح الألف على تقدير بأن الله، وقرأ الحسم والأعرج: "إن الله " بكسر الألف على القطع، إذ الأذان في معنى القول، وقرأ جمهور الناس " ورسولُه " بالرفع على الابتداء وحذف الخبر "ورسوله بريء منهم "، هذا هو عند شيخنا الفقيه الأستاذ أبي الحسن بن الباذش رحمه الله معنى العطف على الموضع، أي تؤنس بالجملة الأولى التي هي من ابتداء وخبر فعطفت عليها هذه الجملة ، وقيل هو معطوف على موضع المكتوبة قبل دخول " أن " التي لا تغير معنى الابتداء بل تؤكده وإذ قد قرئت بالكسر لأنه لا يعطف على موضع "أن " بالفتح، وانظره فإنه مختلف في جوازه، لأن حكم "أن " رفع حكم الابتداء إلا في هذا الموضع وما أشبهه، وهذا قول أبي العباس وأبي علي رحمهما الله، ومذهب الأستاذ على مقتضى كلام سيبويه أن لا موضع لما دخلت عليه "أن" إذ هو معرب قد ظهر فيه عمل العامل ولأنه لا فرق بين " أن " وبين ليت ولعل، والإجماع أن لا موضع لما دخلت عليه هذه وقيل عطف على الضمير المرفوع الذي في " بريء"، وحسن ذلك أن المجرور قام مقام التوكيد، كما قامت "لا" في قوله تعالى: {أية : ما أشركنا ولا آباؤنا} تفسير : [الأنعام:148] وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر " رسولَه "بالنصب عطفاً على لفظ المكتوبة، وبهذه الآية امتحن معاوية أبا الأسود حتى وضع النحو إذ جعل قارئاً يقرأ بخفض "ورسولِه"، والمعنى في هذه الآية بريء من عهودهم وأديانهم براءة عامة تقتضي المحارجة وإعمال السيف، وقوله {فإن تبتم } أي عن الكفر ووعدهم مع شرط التوبة وتوعدهم مع شرط التولي، وجاز أن تدخل البشارة في المكروه لما جاء مصرحاً به مرفوع الأشكال.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} انقطاع للعصمة منهما، أو انقضاء عهدهما.
النسفي
تفسير : مدنية وهي مائة وتسع وعشرون آية كوفي ومائة وثلاثون غيره لها أسماء: براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافرة، المنكلة، المدمدمة، لأن فيها التوبة على المؤمنين وهي تقشقش من النفاق أي تبرىء منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين وتبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها، وتفضحهم وتنكلهم وتشردهم وتخزيهم وتدمدم عليهم. وفي ترك التسمية في ابتدائها أقوال؛ فعن علي وابن عباس رضي الله عنهم، أن بسم الله أمان وبراءة نزلت لرفع الأمان. وعن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت عليه سورة أو آية قال:"حديث : اجعلوها في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا"،تفسير : وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أين نضعها، وكانت قصتها تشبه قصة الأنفال لأن فيها ذكر العهود وفي براءة نبذ العهود، فلذلك قرنت بينهما وكانتا تدعيان القرينتين وتعدان السابعة من الطوال وهي سبع. وقيل: اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: الأنفال وبراءة سورة واحدة نزلت في القتال، وقال بعضهم: هما سورتان فتركت بينهما فرجة لقول من قال هما سورتان، وتركت بسم الله لقول من قال هما سورة واحدة. {بَرَاءةٌ} خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة {مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } من لابتداء الغاية متعلق بمحذوف، وليس بصلة كما في قولك « برئت من الذين»أي هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم كما تقول «كتاب من فلان إلى فلان»، أو مبتدأ لتخصيصها بصفتها والخبر {إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ } كقولك «رجل من بني تميم في الدار» والمعنى أن الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين وأنه منبوذ إليهم {فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } فسيروا في الأرض كيف شئتم. والسيح: السير على مهل. روي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم ـ وهم بنو ضمرة وبنو كنانة ـ فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاءوا لا يتعرض لهم، وهي الأشهر الحرم في قوله {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ }تفسير : وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها. وكان نزولها سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان، وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد، وأمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على موسم سنة تسع، ثم أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر. فقال: لا يؤدّي عني إلا رجل مني. فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور. فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحثهم على مناسكهم وقال عليّ يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس، إني رسول رسول الله إليكم فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية، ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده، فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف؛ والأشهر الأربعة: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، أو عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر، وكانت حرماً لأنهم أمنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها. والجمهور على إباحة القتال في الأشهر الحرم وأن ذلك قد نسخ {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ } لا تفوتونه وإن أمهلكم {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَـٰفِرِينَ } مذلهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب. {وَأَذّان مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ } ارتفاعه كارتفاع {بَرَاءةٌ } على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها، والأذان بمعنى الإيذان وهو الإعلام كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء، والفرق بين الجملة الأولى والثانية أن الأولى إخبار بثبوت البراءة، والثانية إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت. وإنما علقت البراءة بالذين عوهدوا من المشركين، وعلق الأذان بالناس، لأن البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم، وأما الأذان فعام لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث {يَوْمَ ٱلْحَجّ ٱلأكْبَرِ } يوم عرفة لأن الوقوف بعرفة معظم أفعال الحج، أو يوم النحر لأن فيه تمام الحج من الطواف، والنحر، والحلق، والرمي، ووصف الحج بالأكبر، لأن العمرة تسمى الحج الأصغر {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىء مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } أي بأن الله حذفت صلة الأذان تخفيفاً {وَرَسُولُهُ } عطف على المنوي في {بَرِيء } أو على الابتداء وحذف الخبر أي ورسوله بريء، وقرىء بالنصب عطفاً على إسم «إن»، وبالجر على الجوار، أو على القسم كقولك «لعمرك». وحكي أن أعرابياً سمع رجلاً يقرؤها فقال: إن كان الله بريئاً من رسوله فأنا منه بريء، فلببه الرجل إلى عمر فحكى الأعرابي قراءته فعندها أمر عمر بتعلم العربية {فَإِن تُبْتُمْ } من الكفر والغدر {فَهُوَ } أي التوبة {خَيْرٌ لَّكُمْ } من الأصرار على الكفر {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ } عن التوبة أو تبتم على التولي والإعراض عن الإسلام {فَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ } غير سابقين الله ولا فائتين أخذه وعقابه {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } مكان بشارة المؤمنين بنعيم مقيم {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } استثناء من قوله {أية : فَسِيحُواْ فِى ٱلأرْضِ }تفسير : والمعنى: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً } من شروط العهد أي وفوا بالعهد ولم ينقضوه. وقرىء {لَمْ ينقضوكم} أي عهدكم وهو أليق لكن المشهورة أبلغ لأنه في مقابلة التمام { وَلَمْ يُظَـٰهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً } ولم يعاونوا عليكم عدواً {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ } فأدوه إليهم تاماً كاملاً {إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ } إلى تمام مدتهم، والاستثناء بمعنى الاستدراك كأنه قيل بعد أن أمروا في الناكثين: لكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجراهم ولا تجعلوا الوفي كالغادر {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } يعني أن قضية التقوى ألا يسوّي بين الفريقين فاتقوا الله في ذلك. {فَإِذَا ٱنسَلَخَ } مضى أو خرج {ٱلأشْهُرُ ٱلْحُرُمُ } التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ } الذين نقضوكم وظاهروا عليكم {حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } من حل أو حرم {وَخُذُوهُمْ } وأسروهم، والأخذ: الأسر {وَٱحْصُرُوهُمْ } وقيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } كل ممر ومجتاز ترصدونهم به، وانتصابه على الظرف. {فَإِن تَابُواْ } عن الكفر {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} فأطلقوا عنهم بعد الأسر والحصر، أو فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } بستر الكفر والغدر بالإسلام {رَّحِيمٌ } برفع القتل قبل الأداء بالإلتزام {وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ } {أَحَدٌ } مرتفع بفعل شرط مضمر يفسره الظاهر أي وإن استجارك أحد استجارك، والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه واستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمّنه {حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ } ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر على أن المستأمن لا يؤذي وليس له الإقامة في دارنا ويمكن من العود {ذٰلِكَ } أي الأمر بالإجارة في قوله {فَأَجِرْهُ } {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } بسبب أنهم قوم جهلة لا يعلمون ما الإسلام وما حقيقة ما تدعو إليه، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا أو يفهموا الحق {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ } {كَيْفَ } استفهام في معنى الاستنكار أي مستنكر أن يثبت لهؤلاء عهد فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به نفوسكم ولا تفكروا في قتلهم. ثم استدرك ذلك بقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ } أي ولكن الذين عاهدتم منهم {عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم {فَمَا ٱسْتَقَـٰمُواْ لَكُمْ } ولم يظهر منهم نكث أي فما أقاموا على وفاء العهد {فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ } على الوفاء. و «ما» شرطية أي فإن استقاموا لكم فاستقيموا لهم {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } يعني أن التربص بهم من أعمال المتقين. {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحذف الفعل لكونه معلوماً أي كيف يكون لهم عهد وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم أي يظفروا بكم بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ } لا يراعوا حلفاً ولا قرابة {وَلاَ ذِمَّةً } عهداً {يُرْضُونَكُم بِأَفْوٰهِهِمْ } بالوعد بالإيمان والوفاء بالعهد وهو كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد {وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ } الإيمان والوفاء بالعهد {وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ } ناقضون العهد أو متمردون في الكفر، لا مروءة تمنعهم عن الكذب، ولا شمائل تردعهم عن النكث كما يوجد ذلك في بعض الكفرة من التفادي عنهما.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {براءة من الله ورسوله} يعني هذه براءة من الله ورسوله وأصل البراءة في اللغة انقطاع العصمة يقال برئت من فلان أبرأ براءة أي انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة وقيل معناها التباعد مما تكره مجاورته قال المفسرون لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف وجعل المشركون ينقضون عهوداً كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر الله عز وجل بنقض عهودهم وذلك قوله سبحانه وتعالى:{أية : وإما تخافن من قوم خيانة}تفسير : [الأَنفال: 58] الآية ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمر به ونبذ إليهم عهودهم قال الزجاج: أي قد برئ الله ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء بها إذا نكثوا {إلى الذين عاهدتم من المشركين} الخطاب مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي عاهدهم وعاقدهم إلا أنه هو الذي عاقدهم وأصحابه بذلك راضون فكأنهم هم عقدوا وعاهدوا. قوله سبحانه وتعالى: {فسيحوا في الأرض} أي فسيروا في الأرض مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين أحداً من المشركين وأصل السياحة الضرب من الأرض والاتساع فيها والبعد عن مواضع العمارة قال ابن الأنباري: قوله فسيحوا فيه مضمر أي قل لهم فسيحوا وليس هذا من باب الأمر بل المقصود منه الإباحة والإطلاق والإعلام بحصول الأمان وزوال الخوف يعني سيحوا في الأرض وأنتم آمنون من القتل والقتال {أربعة أشهر} يعني مدة أربعة أشهر واختلف العلماء في هذا التأجيل وفي هؤلاء الذين برئ الله ورسوله إليهم من العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مجاهد: هذا التأجيل من الله للمشركين فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفعه إلى أربعة أشهر ومن كانت مدته أكثر حطه إلى أربعة أشهر ومن كان عهده بغير أجل معلوم محدود حده بأربعة أشهر ثم هو بعد ذلك حرب لله ولرسوله يقتل حيث أدرك ويؤسر إلا أن يتوب ويرجع إلى الإيمان وقيل: إن المقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا ويحتاطوا لأنفسهم ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا الإسلام أو القتل فيصير هذا داعياً لهم إلى الدخول في الإسلام ولئلا ينسب المسلمون إلى الغدر ونكث العهد وكان ابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر. فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم وذلك خمسون يوماً قال الزهري الأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لأن هذه الآية نزلت في شوال والقول الأول أصوب وعليه الأكثرون. وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة أشهر عهداً لمن كان له عهد دون الأربعة أشهر فأتم له الأربعة أشهر. فأما من كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهذا أمر بإتمام عهده بقوله تعالى:{أية : فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم}تفسير : [التوبة: 4] وقيل كان ابتداؤها في العاشر من ذي القعدة وآخرها العاشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في العاشر من ذي القعدة بسبب النسئ ثم صار في السنة المقبلة في العاشر من ذي الحجة وفيها حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال "حديث : إن الزمان قد استدار"تفسير : الحديث قال الحسن: أمر الله عز وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال من قاتله من المشركين فقال تعالى:{أية : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم}تفسير : [البقرة: 190] فكان لا يقاتل إلا من قاتله ثم أمره بقتال المشركين والبراءة منهم وأجلهم أربعة أشهر فلم يكن لأحد منهم أجل أكثر من أربعة أشهر لا من كان له عهد قبل البراءة ولا من لم يكن له عهد وكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر وأحل دماء جميعهم من أهل العهود وغيرهم بعد انقضاء الأجل وقال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: نزلت في أهل مكة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشاً عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ودخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بنو بكر في عهد قريش ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منهم وأعانتهم قريش بالسلاح فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: شعر : لا هم إني ناشد محمداً حلف أبينا وأبيه ألأتلدا كنت لنا أباً وكنا ولدا ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نصراً أبدا وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا في فيلق كالبحر يجري مزبدا أبيض مثل الشمس يسمو صعدا إن سيم خسفا وجهه تربدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تنجىأحداً وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالحطيم هجدا وقتلونا ركعاً وسجدا تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لانصرت إن لم أنصركم"تفسير : . وتجهز إلى مكة ففتحها سنة ثمان من الهجرة فلما كانت سنة تسع حديث : أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج فقيل له المشركون يحضرون ويطوفون بالبيت عراة فقال: "لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك" فبعث أبا بكر في تلك السنة أميراً على الموسم ليقيم للناس الحج وبعث معه أربعين آية من سورة براءة ليقرآها على أهل الموسم ثم بعث بعده علياً على ناقته العضباء ليقرأ على الناس صدر براءة وأمره أن يؤذن بمكة ومنى وعرفة أن قد برئت ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من كل مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فرجع أبو بكر فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء فقال: "لا ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك معي على الحوض"تفسير : ؟ قال بلى: يا رسول الله فسار أبو بكر أميراً على الحجاج وعلي بن أبي طالب يؤذن ببراءة فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس وحدثهم عن مناسكهم فأقام للناس الحج والعرب في تلك السنة على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية من أمر الحج حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأذن في الناس بالذي أمر به وقرأ عليهم أول سورة براءة وقال يزيد بن تبيع سألنا علياً بأي شيء بعثت في الحجة قال بعثت بأربع لا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته ومن يكون له عهده فأجله أربعة أشهر ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا في حج ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع (ق). عن أبي هريرة أن أبا بكر بعثه في الحجة التي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس يوم النحر أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وفي رواية ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة قال أبو هريرة فأذن معنا في أهل منى ببراءة أن لا يحج بالبيت بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وفي رواية ويوم الحج الأكبر يوم النحر والحج الأكبر الحج وإنما قيل الحج الأكبر من أجل قول الناس للعمرة الحج الأصغر قال فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك فلم يحج في العام القابل الذي حج فيه حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع مشرك وأنزل الله في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين {أية : يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله}تفسير : [التوبة: 28] الآية. (فصل) قد يتوهم متوهم أن في بعث علي بن أبي طالب بقراءة أول براءة عزل أبي بكر عن الإمارة وتفضيله على أبي بكر وذلك جهل من هذا المتوهم ويدل على أن أبا بكر لم يزل أميراً على الموسم في تلك السنة أول حديث أبي هريرة المتقدم أن أبا بكر بعثه في رهط يؤذنون في الناس الحديث وفي لفظ أبو داود والنسائي قال بعثني أبو بكر فيمن يؤذن في يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فقوله بعثني أبو بكر فيه دليل على أن أبا بكر كان هو الأمير على الناس وهو الذي أقام للناس حجهم وعلمهم مناسكهم وأجاب العلماء عن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ليؤذن في الناس ببراة بأن عادة العرب جرت أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا سيد القبيلة وكبيرها أو رجل من أقاربه وكان علي بن أبي طالب أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر لأنه ابن عمه ومن رهطه فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم ليؤذن عنه ببراءة إزاحة لهذه العلة لئلا يقولوا هذا على خلاف ما نعرفه من عادتنا في عقد العهود ونقضها وقيل لما خص أبا بكر بتوليته على الموسم خص علياً بتبليغ هذه الرسالة تطييباً لقلبه ورعاية لجانبه وقيل إنما بعث علياً في هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر ويكون جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميراً على الحجاج وولاه الموسم وبعث علياً خلفه ليقرأ على الناس براءة فكان أبو بكر الإمام وعلي المؤتم وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع وكان أبو بكر المتولي أمر الموسم والأمير علىالناس ولم يكن ذلك لعلي فدل ذلك على تقديم أبي بكر على علي وفضله عليه والله أعلم. وقوله تعالى: {واعلموا أنكم غير معجزي الله} يعني أن هذا الإمهال ليس لعجز عنكم ولكن لمصلحة ولطف بكم ليتوب تائب وقيل: معناه فسيحوا في الأرض أربعة أشهر عالمين أنكم لا تعجزون الله بل هو يعجزكم ويأخذكم لأنكم في ملكه وقبضته وتحت قهره وسلطانه وقيل معناه إنما أمهلكم هذه المدة لأنه لا يخاف الفوت ولا يعجزه شيء {وأن الله مخزي الكافرين} يعني بالقتل والعذاب في الآخرة.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ورسوله} بالنصب: روح وزيد. الباقون: بالرفع. {أئمة} بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة الباقون {أيمة} بهمز ثم ياء. {لا إيمان} بكسر الهمزة: ابن عامر. الباقون: بالفتح جمع يمين {يعملون} بياء الغيبة: عباس. الوقوف: {من المشركين} ط {معجزي الله} لا للعطف {الكافرين} ه {من المشركين} لا للعطف {ورسوله} ط{لكم} ج لابتداء الشرط مع الواو {معجزي الله} ط {أليم} ه للاستثناء {مدتهم} ط {المتقين} ه {مرصد} ج {سبيلهم} ط {رحيم} ه {مأمنه} ط {لا يعلمون} ه {المسجد الحرام } ج لأن "ما" للجزاء مع اتصالها بالفاء {فاستقيموا لهم} ط {المتقين} ه {ولا ذمة} ط {قلوبهم} ج {فاسقون} ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً. {يعملون} ه {ولا ذمة} ط {المتعدون} ه {في الدين} ط {يعلمون} ه {أئمة الكفر} لا لتعلق "لعلهم" بقوله {فقاتلوا} وما بينها اعتراض {ينتهون} ه {أوّل مرّة} ط {أتخشونهم} جل لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء {مؤمنين} ه لا للعطف {قلوبهم} ط {من يشاء} ط {حكيم} ه {وليجة} ط {تعملون} ه. التفسير: قد عد في الكشاف من أسماء هذه السورة "براءة" وذلك واضح، و "التوبة" لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين و "المقشقشة" لأنها تقشقش من النفاق أي تبرىء منه و "المبعثرة" و "المثيرة" و "الحافرة" و "الفاضحة" و "المنكلة" و "المشردة" و "المخزية" و "المدمدمة" لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم. وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه. وعن ابن عباس: ما زالت تقول {ومنهم} حتى حسبنا أن لا تدع أحداً. وللعلماء خلاف في سبب إسقاط التسمية من أولها. فعن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان في ذلك فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما نلزت عليه سورة يقول: ضعوها في موضع كذا، وكانت براءة آخر القرآن نزولاً وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين موضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال فقرنت بينهما وكأنه أراد بالمشابهة. ما روي عن أبيّ بن كعب في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، فوضعت إحداهما بجنب الأخرى. واستبعد جمع من العلماء هذا القول لأنا لو جوّزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة وذلك يفضي إلى تجويز الزيادة والنقصان في القرآن على ما يقول به الإمامية. وقال بعض العلماء: إن الصحابة اختلفوا في أن "الأنفال" مع "التوبة" سورتان أم سورة واحدة لأنهما مائتان وست آيات فهما بمنزلة إحدى الطوال، وكلتاهما وردت في القتال والمغازي، فلمكان هذا الاختلاف فرجوا بينهما فرجة تنبيهاً على قول من يقول إنهما سورتان، ولم تكتب البسملة تنبهاً على قول من يرى أنهما واحدة فعملوا عملاً يدل على أن هذا الاشتباه حاصل. وفيه أنهما لما لم يسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا متشددين في ضبط الدين وحفظ القرآن من التغيير والتحريف وذلك يبطل قول الإمامية، وفيه دليل على أن البسملة آية من كل سورة والإجازات كتابتها ههنا بل عند كل مقطع كلام. وعن ابن عباس: سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذلك فقال: لأن {بسم الله الرحمن الرحيم} أما وأن هذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود. وذكر سفيان بن عيينة هذا المعنى وأكده بقوله تعالى{أية : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً}تفسير : [النساء: 94] فقيل له: أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل الحرب "بسم الله الرحمن الرحيم"؟. فأجاب بأن ذلك ابتداء منه يدعوهم إلى الله ولم ينبذ إليهم عهدهم ولهذا قال في آخر الكتاب{أية : والسلام على من اتبع الهدى}تفسير : [طه: 47] ومما يؤكد شبهة من زعم أنهما سورة واحدة هو أن ختم الأنفال وقع بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضاً وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية، وقوله {براءة من الله ورسوله} و "من" لابتداء الغاية متعلق بمحذوف لا بالبراءة لفساد المعنى. والمعنى هذه براءة واصلة من الله ورسوله {إلى الذين عاهدتم} كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان. ويجوز أن يكون {براءة} مبتدأ لتخصصها بصفتها هي الجار والمجرور كما قلنا والخبر محذوف كما ذكرنا نظيره قولك: رجل من بني تميم في الدار. كان قد أذن الله في معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم فلما نقضوا العهد أوجب الله النبذ إليهم وكأنه قيل للمسلمين: اعلموا ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين. روي أنهم كانوا عاهدوا المشركين من غير أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ساروا. والأشهر هي الحرم لقوله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} والسياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب منه يقال للصائم سائح لتركه المطعم والمشرب. والمعنى في هذا الأمر إباحة الذهاب مع الأمان وإزالة الخوف. روي أن فتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولّى عتاب بن أسيد الوقوف بالناس في الموسم، فاجتمع في تلك السنة في المواقف ومعالم الحج المسلمون والمشركون ونزلت هذه السورة سنة تسع، وكان أمر فيها أبا بكر على الموسم فلما نزلت السورة أتبعه علياً راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر؟ فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور. وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل عليه السلام وقال: يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً فرجع أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟ قال: نعم. فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي. فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدّثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم. فقال: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية. وعن مجاهد ثلاث عشرة. ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده. فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهرونا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب السيوف. استدلت الإمامية بهذا القصة على تفضيل علي كرم الله وجهه وعلى تقديمه. وأجاب أهل السنة بأنه أمر أبا بكر على الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة حتى يصلي علي خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر. وأما قوله: "لا يبلغ عني إلا رجل مني" فذلك لأن المتعارف بين العرب أنه إذا عقد السيد الكبير منهم لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد إلا هو أو رجل من ذوي قرابته كأخ أو عم. فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينافي نقص العهد فأزيلت علتهم بتولية ذلك علياً. وقيل: لما أحضر أبا بكر لتولية أمر الموسك أحضر علياً لهذا التبليغ تطبيباً للقلوب ورعاية للجوانب. ولنرجع إلى التفسير. قال ابن الأنباري: في الكلام إضمار التقدير: فقل لهم سيحوا. ويكون ذلك رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله {أية : وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء}تفسير : [الدهر: 21، 22] واختلفوا في الأشهر الأربعة. فعن الزهري أن براءة نزلت في شوال والمراد شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر. وكانت حرماً لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو سميت حرماً على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها. وقيل: ابتداء المدّة من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة. قال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطت إلى أربعة ومن كانت مدته أقل رفعت إليها. والمقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا في أنفسهم ويحتاطوا في الأمر ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: الإسلام أو قبول الجزية أو السيف. فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً وإلى هذا المعنى أشار بقوله {واعلموا أنكم غير معجزي الله} أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب، وفيه ضرب من التهديد كأنه قيل: افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد اللآلات والأدوات فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب. وقوله {مخزي الكافرين} من باب الالتفاف من الحضور إلى الغيبة. ومن وضع الظاهر موضع المضمر ليكون فيه إشارة إلى أن سبب الإخزاء هو الكفر. ثم أراد أن يعلم جميع الناس البراءة المذكورة فقال {وأذان} وارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها. وخطىء الزجاج في قوله "إنه معطوف على براءة" لأنه لو عطف عليها لكان هو أيضاً مخبراً عنه بالخبر الأوّل وهو {إلى الذين عاهدتم} لكنه غير مقصود بل المقصود الإخبار عنه بقوله {إلى الناس} والأذان اسم بمعنى الإيذان الإعلام كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء ومنه أذان الصلاة. أمر الله تعالى بهذا الإعلام {يوم الحج الأكبر} وهو الجمع الأعظم الذي حضر فيه المؤمن والمشرك والعاهد الناكث وغير الناكث ليصل الخبر إلى جميع الأطراف ويشتهر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يحج في السنة الآتية فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يحضر الموقف غير. المؤمنين الموحدين وقيل: يوم الحج الأكبر يوم عرفة لأن فيه أعظم أعمال الحج وهو الوقوف بعرفة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : الحج عرفة"تفسير : وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد وإحدى الروايتين عن علي عليه السلام وابن عباس ورواية المسوّر بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة فقال:حديث : أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبرتفسير : . وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو يوم النحر. ووافقه قول الشعبي والنخعي والسدي والمغيرة بن شعبة وسيعد بن جبير. وذلك أن معظم أفعال الحج من الطواف والحلق والرمي والنحر يقع فيه. ومثله ما روي عن علي رضي الله عنه أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال: ما يوم الحج الأكبر؟ فقال: يومك هذا خلّ عن دابتي يعني يوم النحر. وعن ابن عمر أن رسول الله صلى عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر. قال ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وهو قول سفيان الثوري. وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها كيوم صفين ويوم الجمل يراد به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة. وعلى هذا فقد وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر. وقيل: الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد. عن مجاهد أيضاً: هذا وقد حذفت الباء التي هي صلة الأذان تخفيفاً والتقدير {أن الله بريء من المشركين} وقوله {ورسوله} بالرفع مبتدأ محذوف الخبر أي ورسوله أيضاً كذلك، أو هو معطوف على المنوي في {بريء} أي بريء هو ورسوله. وجاز العطف من غير تأكيد بالمنفصل للفصل. وقرىء بالجر على الجوار أو على أن الواو للقسم كقوله سبحانه {أية : لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون}تفسير : [الحجر: 72] والفرق بين قوله {براءة من الله} وبين قوله {إن الله بريء} أن المقصود من الكلام الأول هو الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الثاني إعلام جميع الناس بما حصل وثبت. وأيضاً المراد بالأول البراءة من العهد، وبالثاني البراءة التي هي نقيض المولاة، ولهذا لم يصف المشركين ثانياً بوصف معين كالمعاهدة تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة وهو كفرهم وشركهم ولهذا أتبعه قوله {فإن تبتم} أي عن الشرك {فهو خير لكم} وفيه ترغيب في التوبة والإقلاع الموجب لزوال البراءة {وإن توليتم} أعرضتم عن التوبة أو بقيتم على التولي والإعراض عن الإيمان والوفاء {فاعلموا أنكم غير معجزي الله} فائتين أخذ الله وعقابه. قال بعض العلماء: قوله سبحانه {فاعلموا أنكم غير معجزي الله} ليس بتكرار لأن الأول للمكان والثاني للزمان. {وبشر} يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب. وفيه من التهكم والتهديد ما فيه كيلا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب بل العذاب الشديد معدّ لهم يوم القيامة. أما قوله {إلا الذين} قد قال الزجاج: إن الاستثناء يعود إلى قوله {براءة} والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلا الذين لم ينقضوا العهد. وقال في الكشاف: وجهه أن يكون مستثنى من قوله {فسيحوا في الأرض} لأن الكلام خطاب للمسلمين والتقدير: فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم. وقيل: استثناء من قوله {إلى الذين عاهدتم} ومعنى {لم ينقصوكم شيئاً} لم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط. ومعنى {لم يظاهروا} لم يعاونوا أي لم يقدموا على المحاربة بأنفسهم ولم يهيجوا أقواماً آخرين. وقرىء {ينقضوكم} بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم. ومعنى {فأتموا إليهم} أدوه إليهم تاماً كاملاً. قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم. ثم ختم الآية بقوله {إن الله يحب المتقين} يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين ولا يجعل الوفي كالغادر، ومن جملة الغادرين بنو بكر عدواً على خزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهرتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشد: شعر : لا هم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا وقتلونا ركعاً وسجدا تفسير : فقال صلى الله عليه وسلم:حديث : لا نصرت إن لم أنصركم تفسير : ومعنى ناشد محمداً أذكر له الحلف والعهد لأنه كان بين أبيه عبد المطلب وبين خزاعة حلف قديم. والأتلد الأقدم. ثم بين حكم انقضاء أجل الناكثين فقال {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} أي التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا. وانسلاخ الشهر تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه فكلاهما ظرف {فاقتلوا المشركين} يعني الناقضين {حيث وجدتموهم} من حل أو حرم وفي أي وقت كان. {وخذوهم} وأسروهم والأخيذ الأسير {واحصروهم} امنعوهم من التصرف في البلاد وقيدوهم. وقال ابن عباس: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام. {واقعدوا لهم في كل مرصد} أي في كل ممر ومجاز ترقبوهم هناك. وانتصابه على الظرف كما مر في قوله{أية : لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم}تفسير : [الأعراف: 16] {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} إن حصلوا على شروطها {فخلوا سبيلهم} المراد من التخلية الكف عنهم وإطلاقهم من الأسر والحصر عن البيت الحرام، أو عن التصرف في مهماتهم {إن الله غفور رحيم} يغفر لهم ما سلف لهم من الكفر والغدر. قال الشافعي: إنه تعالى أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند التوبة عن الكفر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فما لم يوجد أحد هذه الأمور لم يوجد هذا المجموع، فوجب أن تبقى إباحة الدم على الأصل. فتارك الصلاة يقتل، ولعل أبا بكر استدل بمثل ذلك على جواز قتال مانعي الزكاة. وحمل أكثر الأئمة الإقامة والإيتاء ههنا على اعتقاد وجوبهما والإقرار بذلك وإن كان له وجه عدول عن الظاهر. وعن الحسن أن أسيراً نادى بحيث يسمع النبي صلى الله عليه وسلم أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثاً. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : عرف الحق لأهله فأرسلوه"تفسير : . قال بعض العلماء: ذكر التوبة ههنا عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل، وذكر الصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، ولا ريب أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى جعلنا الله من أهلها. لما أوجب الله سبحانه بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله تعالى قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفي في إزاحة علتهم فينتج ذلك أن أحداً من المشركين لو طلب الدليل والحجة يلتفت إليه بل يطالب إما بالإسلام أو بالجزية أو بالقتل، فأزال الله تعالى بكمال رأفته هذه الشبهة فقال {وإن أحد من المشركين استجارك} الآية. قال علماء العربية: ارتفع {أحد} بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وإن استجارك أحد استجارك. كرهوا الجمع بين المفسر والمفسر فحذفوا المفسر. والغرض بناء الكلام على الإبهام ثم التفسير من حيث إنّ "إن" من مظان وقوع الفعل بعده. وأيضاً ذكر الفاعل ههنا أهم لما بينا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشرك فقدم ليدل على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار. يقال: استجرت فلاناً أي طلب منه أن يكون جاراً لي أي محامياً وحافظاً من أن يظلمني ظالم، ومنه يقال: أجاره الله من العذاب أي أنقذه. والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انسلاخ الأشهر لا عهد بينك وبينه. فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمنه {حتى يسمع كلام الله} سماع تدبر وتأمل {ثم أبلغه} داره التي يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن شئت فيها، وفيه أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد وأن النظر في دين الله من أعلى المقامات فإن الكافر الذي دمه مهدر لما أظهر من نفسه كونه طالباً للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ووجب على الرسول أن يبلغه مأمنه، أما زمان مهلة النظر فليس في الآية ما يدل على ذلك ولعله مفوّض إلى اجتهاد الإمام، فمتى ظهر على ذلك المشرك علامات كونه طالباً للحق باحثاً عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضاً عن الحق دافعاً للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه وأبلغ المؤمن. ويشبه أن يقال: المدة أربعة أشهر وهو الصحيح من مذهب الشافعي. والمذكور في الآية كونه طالباً لسماع القرآن إلا أنه ألحق به كونه طالباً لسماع الدلائل والجواب الشبهات لأنه تعالى علل وجوب الإجارة بكونه غير عالم حيث قال في آخر الآية {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} فكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته. وفي سماع كلام الله وجوه: قيل أراد جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه. وقيل: سماع سورة براءة لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين والأولى حمله على كل الدلائل، وإنما خص القرآن بالذكر لأنه الكتاب الحاوي لمعظم الدلائل. واعلم أن الأمان قد يكون عاماً يتعلق بأهل إقليم أو بلدة أو ناحية وهو عقد المهادنة ويختص بالإمام وقد مر في تفسير قوله تعالى {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} وقد يكون خاصاً يتعلق بأفراد الكفار وهذا يصح من الولاة ومن آحاد المسلمين أيضاً وهذا مقصود الآية وإنه ثابت غير منسوخ. روي عن سعيد بن جبير أن رجلاً من المشركين جاء إلى علي رضي الله عنه فقال: أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله أو يأتيه لحاجة قتل؟ قال: "لا". واستدل بالآية. وعن السدي والضحاك هو منسوخ بقوله {فاقتلوا المشركين} وشرط الأمان الإسلام والتكليف فيصح من العبد والمرأة والفاسق. روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : يسعى بذمتهم أدناهم"تفسير : وعن أم هانىء قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أمنا من أمنت"تفسير : . ويعتبر أن الإسلام والتكليف الاختيار فلا يصح أمان المكره على عقد الأمان، وينعقد الأمان بكل لفظ مفيد للغرض صريحاً كقوله: أجرتك أو لا تخف، وكناية كقوله: أنت على ما تحب أو كن كيف شئت، ومثله الكتابة والرسالة والإشارة المفهمة. روي عن عمر أنه قال: والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك فنزل على ذلك ثم قتله لقتلته. هذا إذا دخل الكافر بلا سبب أما إذا دخل لسفارة فلا يتعرض له، وكذا إذا دخل لسماع الدلائل وقصد التجارة لا يفيد الأمان إلا إذا رأى الإمام مصلحة في دخول التجار. وحكم الأمان إذا انعقد عصمة المؤمن من القتل والسبي فإن قتله قاتل ضمن بما يضمن له الذمي، ولا يتعدى الأمان إلى ما خلفه في دار الحرب من أهل ومال، وأما الذي معه منهما فإن وقع التعرض لأمانه اتبع الشرط وإلا فالأرجح أن لا يتعدى الأمان إلى ذلك. وقد بقي في الآية مسألة أصولية هي أن المعتزلة استدلوا بالآية على أن كلام الله تعالى هو هذه الحروف المسموعة ويتبع ذلك أن يكون كلامه محدثاً لأن دخول هذه الحروف في الوجود على التعاقب. وأجيب بأن هذه المسموعة فعل الإنسان وليست هي التي خلقها الله تعالى أوّلاً عندكم فعلمنا أن هذا المسموع ليس كلام الله بالاتفاق فيجب ارتكاب التجوز ألبتة، ونحن نحمله على أنها هي الدالة على الكلام النفسي فلهذا أطلق عليها أنها كلام الله كما أن الجبائي قال: إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات وهو باقٍ مع قراءة كل قارىء. وزعم بعض الناس حين رأوا أنه تعالى جعل كلامه مسموعاً أن هذه الحروف والأصوات قديمة ليلزم قدم كلامه تعالى وفيه ما فيه، ثم أكد المعاني المذكورة من أول السورة إلى ههنا فقال على سبيل الاستنكار والاستبعاد {كيف يكون للمشركين عهد} المرفوع اسم كان وفي خبره ثلاثة أوجه: الأول {كيف} وقدم للاستفهام، الثاني {للمشركين} وعند على هذين ظرف للعهد أو ليكون أو للجار أو هو وصف للعهد. الثالث الخبر {عند الله} و {للمشركين} تبيين أو متعلق بـ {يكون} و {كيف} حال من العهد يعني محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم يضمرون الغدر في كل عهد، فلا تطعموا في الوفاء منهم ولا تتوانوا في قتلهم. ثم استثنى منهم المعاهدين عند المسجد الحرام الذين لم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة ثم بيّن حكمهم فقال {فما استقاموا لكم} في "ما" وجهان: أحدهما أن تكون زمانية وهي المصدرية على التحقيق أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم. الثاني شرطية أي إن استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله. {إن الله يحب المتقين} فيه إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين. ثم كرر الاستبعاد فقال {كيف} وحذف الفعل لكونه معلوماً أي كيف يكون لهم عهد {و} حالهم أنهم {إن يظهروا عليكم} أي يغلبوكم، ويظفروا بكم وذلك أن الغلبة من الكمال عند الشخص وكل من تصور في نفسه كمالاً فإنه يريد أن يظهر ذلك لغيره فأطلق الظهور على الغلبة لكونه من لوازمها {لا يرقبوا} لا يراعوا {فيكم} ولا ينتظروا بكم {إلا ولا ذمة} قال في الصحاح: الأل العهد والقرابة. ووجه ذلك في الكشاف بأن اشتقاقه من الأل هو الجؤار والأنين لأنهم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم، وسميت به القرابة لأنها تعقد بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق. وفي الصحاح أيضاً أن الأل بالكسر من أسماء الله عزّ وجلّ. وفي الكشاف أنه قرىء "إيلا" بمعناه. وقيل: جبرئيل وجبرئلّ من ذلك. وقيل: منه اشتق الأل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحم من الرحمن. قال الزجاج: الأل عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدّة من ذلك الألة الحربة، وأذن مؤللة محدّدة. ومعنى العهد والقرابة غير خارج من ذلك، والذمة العهد وجمعها ذمم وذمام وهو كل أمر لزمك وكان بحيث لو ضيعته لزمك مذمة. وقال أبو عبيدة: الذمة ما يتذمم منه أي ما يجتنب فيه الذم. قال في الكشاف {يرضونكم} كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل. ثم قال سبحانه {وأكثرهم فاسقون} عن ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض هؤلاء الكفار قد أسلم وتاب فلهذا لم يحكم بالفسق على الكل. والظاهر أنه أراد أن أكثرهم فساق في دينهم لا يتحرزون عن الكذب ونقض العهد الذي هو مذموم في جميع الأديان والنحل {اشتروا} استبدلوا {بآيات الله} بالقرآن أو بالإسلام {ثمناً قليلاً} هو اتباع الأهواء {فصدوا عن سبيله} فصرفوا عنه غيرهم وعدلوا هم أنفسهم. قال مجاهد أراد الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم. وقيل: يبعد أن يراد طائفة من اليهود الذين أعانوا المشركين على نقض العهود، فإن هذا اللفظ من القرآن كالأمر المختص باليهود ولأنه وصفهم بقوله {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} ولو أراد المشركين كان تكراراً {وأولئك هم المعتدون} المتجاوزون حدود الله في دنيه وما يوجبه العهد والعقد. ثم قال {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} فإن كان هذا في اليهود وما ذكره قبل في الكفار فلا تكرار، وإن كان كلاهما في الكفار فجزاء الأول تخلية سبيلهم وجزاء الثاني قوله {فإخوانكم} أي فهم إخوانكم {في الدين} فلم يكن من التكرار في شيء. قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة: {ونفصل الآيات} نبينها {لقوم يعلمون} لأنهم هم المنتفعون بالبيان. وهذه جملة معترضة تفيد الحث على التأمل في أحكام المشركين وعلى المحافظة على مواردها {وإن نكثوا} يعني هؤلاء التائبين {أيمانهم من بعد عهدهم} أي من بعد إسلامهم حتى يكونوا مرتدين، أو المراد نكث المشركين عهودهم ومواثيقهم. والنكث نقض طاقات الخيط من بعد برامه. {وطعنوا في دينكم} ثلبوه وعابوه {فقاتلوا أئمة الكفر} هي جمع إمام وأصلها "أأممة" كمثال وأمثلة نقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت الميم في الميم، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن من كان بهذه المثابة من الغدر وقلة الوفاء وعدم الحياء فهو عريق في الكفر متقدم فيه لا يشق كافر غباره. وقيل: خص سادتهم بالذكر لأن من سواهم يتبعهم لا محالة. ثم أبدى غرض القتال بقوله {لعلهم ينتهون} ليعلم أن الباعث على قتالهم هو ردهم إلى طاعة معبودهم رحمة عليهم لا أمر نفساني وداعٍ شهواني ووسط بين الأمر بالقتال وبين الحامل عليه قوله {إنهم لا أيمان لهم} تنبيهاً على العلة الفاعلية للقتال، أثبت لهم الأيمان أوّلاً في الظاهر حيث قال {وإن نكثوا أيمانهم} ثم نفاها عنهم في الحقيقة لأن إيمانهم ليست مما يعد أيماناً إذ لم يوفوا بها. وبهذا تمسك أبو حنيفة في أن يمين الكافر لا تكون يميناً، وعند الشافعي يمينهم يمين لأنه تعالى وصفها بالنكث ولو لم تكن منعقدة لم يتصور نكثها. ومن قرأ {لا إيمان} لهم بالكسر أي لا إسلام لهم أو لا يعطون الأمان بعد الردة والنكث فظاهر. قال العلماء: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة. ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرّضة على القتال فقال {ألا تقاتلون} قال أهل المعاني: إذا قلت: ألا تفعل كذا. فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده. وإذا قلت: ألست تفعل تقول فى ذلك في فعل تحقيق وجوده. والفرق أن "لا" ينفي بها المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل و "ليس" مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال. قال ابن إسحق والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر أو من المدينة. يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا سفيان عليه صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب. وقيل: همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه صلى الله عليه وسلم مكة ثم يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافاً به صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد {وهم بدؤكم أول مرّة} بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه. أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعة، أو المراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادىء أظلم. والحاصل أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته وأن يوبخ من فرط فيها. ثم زاد في التوبيخ فقال فيه {أتخشونهم} تقريراً للخشية منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه. ثم بيّن ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلاً {فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين} يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته أتم وعقابه أشدّ بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد. وفي الفاء نوع من تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل: لا تخشوهم لأن الله أحق بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل: إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله. ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال {قاتلوهم} ورتب عليه خمس نتائج: الأولى: قوله {يعذبهم الله بأيديكم} أي القتل والأسر واغتنام الأموال، وهذا لا ينافي{أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}تفسير : [الأنفال: 33] لأنه أراد هناك عذاب الاستئصال. قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الذي يدخل في الوجود من الأفعال كلها من الله يظهرها على أيدي العباد. واعترض الجبائي بأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال: كذب الله أنبياءه على لسان الكفرة. وأجيب بأن الأمر كذلك عندنا إلا أنا لا نقوله رعاية للأدب كما لا يقال يا خالق الخنافس والحشرات. وكما أنكم لا تقولون يا مسهل أسباب الزنا واللواط ويا دافع الموانع عنها. الثانية: {ويخزهم} قيل: هو الأسر وقيل: المراد ما نزل بهم من الذل والهوان حين شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين وهو قريب من الأول. أو هو هو. وقيل: هو عذاب الآخرة. الثالثة: {وينصركم عليهم} أورد عليه أن النصر يستتبعه إخزاء الخصم فأي حاجة إلى إفراده بالذكر؟ والجواب أن المغايرة كافية في إفراد كل من المتلازمين بالذكر على أنه من المحتمل أن يحصل لهم الخزي من جهة المؤمنين إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة لسبب آخر، فلما وعدهم النصر على الإطلاق زال ذلك الاحتمال. الرابعة: {ويشف صدور قوم مؤمنين} هم خزاعة. وعن ابن عباس: بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه فقال: أبشروا فإن الفرج قريب. الخامسة: {ويذهب غيظ قلوبهم} قيل: شفاء الصدر وإذهاب غيظ القلب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً. والجواب أن القلب أخص من الصدر كقوله: شعر : يا دار ميَّة بالعلياء فالسند تفسير : أو شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار شاق وإن كان مع الثقة بالموعود فإذهاب غيظ القلب إشارة إلى الفتح وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها وكان ذلك دليلاً على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وإعجازه. ثم قال {ويتوب الله على من يشاء} وهو ابتداء كلام للإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وقد وقع، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم. وقرىء {ويتوب} بالنصب بإضمار "أن" ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى كقوله{أية : فأصدق وأكن}تفسير : [المنافقون: 10] أما أن التوبة كيف تقع جزاء للمقاتلة فذلك من قبل الكفرة واضح فإن القتال قد يصير سبباً لتوبة بعضهم عن الكفر، وأما من جهة المؤمنين فلعل القتال كان شاقاً على بعضهم فإذا أقدم عليه صار ذلك العمل جارياً مجرى التوبة عن تلك الكراهة. وأيضاً إن حصول النصر والظفر إنعام عظيم والعبد إذا شاهد توالي النعم لم يبعد أن يصير ذلك داعياً له إلى أن يتوب عن جميع الذنوب وقد تصير كثرة المال والجاه سبباً لتحصيل اللذات بالطريق الحلال فينتهي عن الحرام. وأيضاً الإنسان حريص على ما منع فإذا انفتحت عليه أبواب الخيرات الدنيوية فربما يصير ذلك سبباً لانقباضه عن الدنيا وإعراضه عنها وهذا هو أحد الوجوه التي ذكروها في تفسير قوله تعالى حكاية عن سليمان{أية : رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي}تفسير : [ص: 35] يعني بعد حصول هذا الملك لا ينبغي للنفس الاشتغال بالدنيا {والله عليم} بكل ما يجري في ملكه وملكوته {حكيم} مصيب في أفعاله وأقواله وأحكامه وتدابيره. عن ابن عباس أن قوله {ألا تقاتلون} الآية. ترغيب في فتح مكة لأن النتائج المذكورة مشاكلة لتلك الأحوال. واستبعده الحسن لأن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة بسنة. ثم بين أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال وإنما المقصود أن يؤتى به انقياداً لأمر الله ولتكاليفه ليظهر المخلص من المنافق فقال {أم حسبتم} الآية. وقد مرّ وجه إعرابه في آل عمران عند قوله{أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا}تفسير : [آل عمران: 142]. وقوله {ولم يتخذوا} معطوف على {جاهدوا} داخل في حيز الصلة. والوليجة لبطانة يعني الحبيب الخالص "فعيلة" من ولج كالدخيلة من دخل، أو هو الرجل يكون في القوم وليس منهم. قال الواحدي: يقال هو وليجتي وهم وليجتي يستوي فيه الواحد والجمع. ومعنى الآية لا تحسبوا أن تتركوا على ما أنتم عليه ولم يظهر بعد معلوم الله من تميز المجاهدين المنافقين من المجاهدين الخلص الذين جاهدوا لوجه الله ولم يتخذوا حبيباً من الذين يضادون رسول الله والمؤمنين. ثم ختم الآية بقوله {والله خبير بما تعملون} ليعلموا أنه لم يزل عالماً بالأشياء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فيجدّوا في استقامة السيرة ويجتهدوا في نقاء السريرة. التأويل: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم} من النفوس المشركة التي اتخذت الهوى وصنم الدنيا معبوداً فهادنها الروح والقلب في أوان الطفولية لاستكمال القالب وتربيته {فسيحوا} في أرض البشرية {أربعة أشهر} هي مدة كمال الأوصاف الأربعة: النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية {وأذان من الله ورسوله} إلى الصفات الناسوتية {يوم الحج الأكبر} يوم الوصول إلى كعبة الجمال والحج الأصغر الوصول إلى كعبة القلب إن زيارة كعبة الوصال حرام على مشركي الصفات الناسوتية {فإن تبتم} عن الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية {فهو خير لكم} من قيامكم بالناسوت {وإن توليتم} ركنتم إلى غير الله {فاعلموا أنكم غير معجزي الله} عن التصرف فيكم. أما لأهل السعادة فبالجذبات الأزلية، وأما لأهل الشقاوة فبأليم عذاب القطيعة {إلا الذين عاهدتم} أيها القلوب والأرواح من مشركي النفوس على التوافق في العبودية {ثم لم ينقصوكم} شيئاً من وظائف الشريعة {ولم يظاهروا عليكم أحداً} من الشيطان والدنيا {فأتموا إليهم عهدهم} بالمداراة والرفق إلى أوان طلوع قمر العناية ونجم الجذبة والهداية. {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} استكملت مدة التربية تمام الأوصاف الأربعة {فاقتلوا} النفوس المشركة بسيف النهي عن الشهوات {حيث وجتموهم} في الطاعة بأن تكلفوها إياها وفي المعصية بأن تزجروها عنها {وخذوهم} بآداب الطريقة {واحصروهم} احبسوهم في حصار الحقيقة {واقعدوا لهم كل مرصد} راقبوهم في الأحوال كلها {فإن تابوا} رجعوا إلى طلب الحق {وأقاموا الصلاة} أدّوا حق العبودية {وآتوا الزكاة} تزكت عن الأخلاق الذميمة {فخلوا سبيلهم} اتركوا التشديد عليهم بالرياضات ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية {وإن أحد} من مشركي صفات النفس {استجارك} يا قلب لترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة {فأجره حتى يسمع كلام الله} حتى يلهم بإلهام {ثم أبلغه مأمنه} وهو وارد الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} الله وأسراره فلا يميلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيركنون إليها. {كيف يكون} لمشركي النفوس ثبات على العهد وقد جبلت ميالة إلى السفليات وغايتها بعد إصلاح حالها أن تميل إلى نعيم الجنات {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} وهو مقام الوصول المحرم على أهل الدنيا وهو مقام أهل الله وخاصته، الذين تنورت نفوسهم بأنوار الجمال والجلال فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة {فما استقاموا لكم} على الصراط المستقيم {فاستقيموا لهم} بشرحها في متسع رياض الشريعة {ولا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} لا يحفظوا حقوق الجنسية فإن الأرواح والقلوب والنفوس مزدوجة في عالمي الأمر والخلق {يرضونكم} بالأعمال الظاهرة {وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون} فيما يعملون خارجون عن الصدق والإخلاص {اشتروا} بدلالات توصلهم إلى الله {ثمناً قليلاً} من متاع الدنيا ومصالحها {فصدّوا عن سبيله} قطعوا طريق الحق على الأرواح والقلوب {فإخوانكم في الدين} رفقاؤكم في طلب الحق فارعوا حقوقهم فإن لنفسك عليك حقاً. {لقوم يعلمون} أن السير إلى الله من أعظم المقامات وأهم المهمات {وطعنوا في دينكم} أنكروا مذهب السلوك {أئمة الكفر} النفوس {وهموا بإخراج الرسول} يعني الواردات الغيبية بانسداد روزنة القلب {أول مرّة} في أوان الطفولية. {أتخشونهم} في فوات حظوظهم {فالله أحق أن تخشوه} بفوات حقوقها. {ويذهب غيظ قلوبهم} يعني وحشة الأرواح والقلوب وكدورتها {ويتوب الله على من يشاء} بالرجوع إلى الحق قبل التمادي في الباطل من غير حاجة إلى رياضة شديدة {والله عليم} باستعدادات النفوس {حكيم} فيما يدبر لكل منها. {أم حسبتم} أيها النفوس الأمارة {أن تتركوا} بلا رياضة {وليجة} أولياء من الشيطان والدنيا والهوى.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {بَرَاءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }، التقدير: هذه الآيةُ براءَةٌ، ويصحُّ أن يرتفع «براءَةٌ»؛ بالابتداء، والخَبَرُ في قوله: {إِلَى ٱلَّذِينَ }. و{بَرَاءَةٌ } معناه: تَخَلَّصٌ وتَبَرٍّ من العهود التي بَيْنَكم، وبَيْنَ الكفَّار البادئين بالنَّقْض. قال ابن العَرَبِّي في «أحكامه»: تقول: بَرَأْتُ مِنَ الشَّيْءِ أَبْرَأُ بَرَاءَةً، فأنا مِنْه بَرِيءٌ؛ إِذا أنزلْتَهُ عن نَفْسكَ، وقطَعْتَ سبَبَ ما بينك وبَيْنه. انتهى. ومعنى السياحة في الأرض: الذَّهَاب فيها مسرحين آمنين؛ كالسَّيْح من الماء، وهو الجاري المنبسطُ؛ قال الضَّحَّاك، وغيره من العلماء: كان من العرب مَنْ لا عَهْدَ بينه وبَيْن النبيِّ صلى الله عليه وسلم جملةً، وكان منهم مَنْ بينه وبينهم عهدٌ، وتحُسسَ منهم نَقْضٌ، وكان منهم مَنْ بينه وبينهم عهدٌ ولم ينقضوا، فقوله: {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} هو أَجَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهِ لِمَنْ كان بينه وبينهم عهد، وتحسَّس منهم نقْضَهُ، وأول هذا الأجَلِ يومُ الأذان، وَآخره ٱنقضاءُ العَشْر الأُوَل مِنْ رَبيعٍ الآخِرِ، وقوله سبحانه: { أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة:5] حُكْمٌ مباينٌ للأوَّل، حَكَمَ به في المشركين الذي لا عَهْدَ لهم ألبتة، فجاء أَجَلُ تأمينهم خمسين يوماً، أوَّلها يومُ الأذانِ، وآخرها ٱنقضاء المُحَرَّم. وقوله: {إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُّم }، يريد به الذين لَهُمْ عهدٌ، ولم ينقضوا، ولا تُحُسِّسِ منهم نَقْضٌ، وهم فيما روي بَنُو ضَمْرَةَ من كِنَانَة، كان بَقِيَ مِنْ عهدهم يومَ الأذان تِسْعَةُ أشهرٍ. وقوله عز وجل: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ}، أي: لا تفلتون اللَّه، ولا تعجزونه هَرَباً.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللهِ وَرَسُولِهِ} الآية. الجمهور على رفع بَراءَةٌ، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّها رفعٌ بالابتداء، والخبرُ قوله {إِلَى ٱلَّذِينَ} وجاز الابتداءُ بالنَّكرة؛ لأنَّها تخَصَّصَتْ بالوَصْفِ بالجارِّ بعدها، وهو قوله مِنَ اللهِ كما تقولُ رجُلٌ من بني تميم في الدَّارِ. والثاني: أنَّها خبرُ ابتداءٍ مضمرٍ، أي: هذه الآياتُ براءةٌ، ويجوز في مِنَ اللهِ أن يكون متعلقاً بنفس براءةٌ؛ لأنها مصدرٌ، كالثَّناءة والدَّناءة. وهذه المادة تتعدَّى بـ "مِنْ"، تقولُ: بَرِئتُ من فلانٍ، أبرأ براءةً، أي: انقطعتِ العُصبةُ بَيْنَنَا، وعلى هذا، فيجوزُ أن يكون المُسوِّغُ للابتداء بالنَّكرة على الوجه الأوَّل هذا. وإلى الَّذينَ متعلقٌ بمحذوف على الأوَّلِ، لوقوعهِ خبراً، وبنفس "بَرَاءَةٌ" على الثَّاني، ويقال: بَرِئْتُ، وبَرَأتُ من الدين، بالكسْرِ والفتح، وقال الواحديُّ: "ليس فيه إلاَّ لغةٌ واحدة، كسرُ العينِ في الماضي وفتحُها في المستقبل". وليس كذلك، بل نقلهما أهلُ اللغةِ، وقرأ عيسى بن عمر "بَرَاءَةً" بالنصب على إضمار فعل أي اسمعُوا براءةً. وقال ابنُ عطيَّة "أي: الزموا براءة، وفيه معنى الإغراء" وقرىء "مِن اللهِ" بكسر نون "مِنْ" على أصل التقاءِ السَّاكنينِ، أو على الإتباع لميم "مِنْ" وهل لُغَيَّةٌ، فإنَّ الأكثر فتحها مع لام التَّعريفِ، وكسرها مع غيرها، نحو "مِن ابنك"، وقد يُعْكَسُ الأمرُ فيهما، وحكى أبُو عُمَرَ عن أهل نجران أنَّهم يَقْرَءُونَ كذلِك، بكسر النونِ مع لام التَّعريف. فإن قيل: ما السَّبب في أنَّ نسب البراءة إلى الله ورسوله، ونسب المُعاهدةِ إلى المشركين؟ فالجوابُ: قد أذن اللهُ في معاهدة المشركين، فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدهم، ثم إنَّ المشركين نقضُوا العهد؛ فأوجَبَ اللهُ النَّبْذَ إليهم، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك، وقيل لهم: اعلموا أنَّ الله ورسوله قد برئا ممَّا عاهدتم من المشركين. روي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا خرج إلى تبوك وتخلف المنافقون، وأرجفوا بالأراجيف، وجعل المشركون ينقضون العهد، فأمر الله تعالى بنقض عهودهم، التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الزجاج: "بَراءَةٌ" أي: قد بَرِىء الله ورسولهُ من إعطائهم العهود والوفاء بها إذا نكثوا. فإن قيل: كيف يجوزُ أن ينقض النبي صلى الله عليه وسلم العهد؟. فالجوابُ: لا يجوز أن ينقض العهد إلاَّ على ثلاثة أوجه: فالأول: أن يظهر له منهم خيانةٌ مستورة ويخاف ضررهم، فينبذ العهد إليهم، حتَّى يستووا في معرفة نقض العهد، لقوله {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ}تفسير : [الأنفال:58] وقال أيضاً: {أية : ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ}تفسير : [الأنفال:56]. الثاني: أن يكون قد شرط لبعضهم في وقت العهد أن يقرهم بما أمر الله به، فلمَّا أمر الله تعالى بقطع العهدِ بينهم قطع لأجل الشرط. الثالث: أن يكون مؤجلاً فتنقضي المدَّةُ وينقضي العهدُ، ويكونُ الغرض من إظهار البراءة أن يظهر لهم أنه لا يعود للعهد، وأنه على عزم المحاربة والمقاتلة، فأمَّا فيما وراء هذه الأحوال الثلاثة لا يجوزُ نقض العهد ألبتَّةَ؛ لأنَّه يجري مجرى الغدر وخلف القول، والله ورسوله بريئان منه؛ ولهذا المعنى قال تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} [التوبة:4]، وقيل: إنَّ أكثر المشركين نقضوا العهد إلاَّ بنُو ضمرة وبنُو كنانة. قوله: {إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} الخطاب مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي عاهدهم وعاقدهم؛ لأنه عاهدهم وأصحابه بذلك راضون، فكأنَّهم "عَاقَدُوا" وعاهدوا. قوله: "فَسِيحُواْ". قال ابنُ الأنباري: "هذا على إضمار القولِ، أي: قل لهم فسيحوا" ويكون التفاتاً من الغيبة إلى الخطابِ، كقوله: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً}تفسير : [الإنسان:21-22]، ويقال: سَاحَ يَسيحُ سِياحةً وسُيُوحاً وسَيحَاناً أي: انساب، لِسَيْح الماء في الأماكن المنبسطة، قال طرفة: [السريع] شعر : 2742- لَوْ خِفْتُ هَذَا مِنْكَ مَا نِلْتَني حتَّى ترى خَيْلاً أمَامِي تَسِيحْ تفسير : و "أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ" ظرف لـ "سِيحُوا"، وقرىء "غَيْرُ مُعْجِزي اللهَ" بنصب الجلالةِ على أنَّ النون حُذفتْ تخفيفاً، وقد تقدَّم تحريره. فصل المعنى: قال لهم سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللهِ} أي: غير فائتين ولا سابقين: {وَأَنَّ ٱللهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ} أي: مذلهم بالقتال في الدُّنيا والعذاب في الآخرة. واختلفوا في هذه الأشهر الأربعة، فقال الزهريُّ: "إن براءةَ نزلت في شوال، وهي أربعة أشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم"، والصَّواب الذي عليه الأكثرون: أنَّ ابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه إلى عشرين من ربيع الآخر، ومن لم يكن له عهد، فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك خمسون يوماً، وقيل: ابتداء تلك المدة كان من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول؛ لأنَّ الحجَّ في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النَّسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السَّنة الثانية في ذي الحجة وهي حجة الوداع ويدلُّ عليه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : ألا إنَّ الزَّمَانَ قَد اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَق اللهُ السَّمَاوَاتِ والأرْض ". تفسير : فصل اختلف العلماء في هذا التأجيل، وفي هؤلاء الذين برىء الله ورسوله من العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جماعة: هذا تأجيلٌ للمشركين، فمن كانت مدةُ عهده أقل من أربعة أشهر رفعه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدته أكثر من أربعة أشهر حطه إلى أربعة أشهر، ثمَّ هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله، فيقتل حيثُ يدرك ويؤسر إلاَّ أن يتوب. وقال الكلبيُّ: إنما كانت الأربعةُ أشهر من كان له عهد دون أربعة فأتموا له أربعة أشهر، فأمَّا من كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهذا أمر بإتمام عهده بقوله: {فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ}. قال الحسنُ "أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقتال مَنْ قاتله من المشركين، فقال: {أية : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}تفسير : [البقرة:190] وكان لا يقاتلُ إلاَّ من قاتله ثم أمره بقتال المشركين والبراءة منهم، وأجلهم أربعة أشهر، فلم يكن لأحدٍ منهم أجل أكثر من أربعة أشهر لا من كان له عهد قبل البراءة، ولا من لم يكن له عهد، وكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر، وأحل دماء جميعهم من أهل العهود وغيرهم بعد انقضاء الأجل". والمقصود من هذا الإعلام أمور: أولها: أن يتفكروا لأنفسهم ويحتاطوا في هذا الأمر، ويعلموا أنَّه ليس لهم بعد هذه المدة إلاَّ أحد أمور ثلاثة: إمَّا الإسلامُ أو قبول الجزية أو السيف، فيصير ذلك حاملاً لهم على الإسلام. وثانيها: لئلاَّ ينسب المسلمون إلى نكث العهد. وثالثها: أراد اللهُ أن يعمَّ جميع المشركين بالجهاد، فعمَّ الكل بالبراءة وأجلهم أربعة أشهر، وذلك لقوة الإسلام وتخويف الكفار، ولا يصحُّ ذلك إلا بنقض العهود. ورابعها: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج في السَّنة الآتية، فأمر بإظهار هذه البراءة لئلاَّ يشاهد العراة، وقيل: نزل هذا قبل تبوك. وقال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: نزلت في أهل مكَّة. وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشاً عام الحديبية، على أن يضعوا الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ودخلت خزاعةُ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عدتْ بنو بكر على خزاعة فنالت منها، وأعانتهم قريش بالسِّلاح فلمَّا تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة، ونقضوا العهد، خرج عمرو بن سالم الخزاعيُّ، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [الرجز] شعر : 2743- لا هُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا حِلْفَ أبينَا وأبيهِ الأَتْلَدَا كنتَ لَنَا أباً وكُنَّا وَلَدَا ثُمَّتَ أسلَمْنَا ولمْ نَنْزِعْ يَدَا فانصُرْ هَداكَ اللهُ نَصْراً أبَدَا وادْعُ عِبَادَ اللهِ يأتُوا مَدَدَا فِيهِمْ رسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا فِي فَيْلقٍ كالبَحْرِ يَجْرِي مُزبدَا أبْيَضَ مثلَ الشَّمسِ يَسْمُو صَعدَا إن سيمَ خَسْفاً وَجْهُهُ تَربَّدَا إنَّ قُريشاً أخلفُوكَ المَوْعِدَا ونَقَضُوا ميثاقَك المُؤكَّدَا هُمْ بَيَّتُونَا بالهَجيرِ هُجَّدَا وقَتلُونَا رُكَّعاً وسُجَّدَا وزعَمُوا أنْ لسْتَ تَدْعُو أحَدَا وهُمْ أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدَا تفسير : فقال رسُول الله "حديث : لا نُصِرتُ إنْ لَمْ أنصرْكم"تفسير : ، ثمَّ تجهَّز إلى مكة، ففتح مكَّة سنة ثمان من الهجرة، فلمَّا كانت سنة تسع أراد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يحُجَّ، ثم قال: إنَّه يحضر المشركون، فيطوفون عراةً. فبعث أبا بكر تلك السنة أميراً على الموسم، ليقيم للنَّاس الحجَّ، وبعث معه بأربعين آية من صدر سورة "براءة" ليقرأها على أهل الموسم، ثم بعث عليّاً على ناقته العضباء ليقرأ على النَّاس "براءة" وأمره أن يؤذن بمكَّة، ومنى، وعرفة أن قد برئت ذمة الله، وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلِّ مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان، فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أنزل في شأني شيء؟ قال: لا، ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلاَّ رجل من أهلي، أما ترضى يا أبا بكر أنَّك كنت معي في الغار، وأنَّك صاحبي على الحوضِ؟ قال: بَلَى يا رسول الله، فسار أبو بكر أميراً على الحجِّ، وعليّ ليُؤذن بـ "براءة" فلمَّا كان قبل التَّرْوية بيوم خطب أبو بكر النَّاس، وحدَّثهم عن مناسكهم، وأقام للنَّاس الحجَّ، والعرب في تلك السنةِ على منازلهم التي كانُوا عليها في الجاهلية من الحجِّ، حتَّى إذا كان يوم النَّحر، قام عليُّ بنُ أبي طالب فأذَّن في النَّاسِ بالذي أمر به، وقرأ عليهم سورة "براءة". قال زيدُ بن يثيع: سألنا عليّاً بأي شيء بعثت في الحجِّ؟ قال "بعثتُ بأربع: ألاَّ يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النَّبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخلُ الجنَّة إلاَّ نفسَّ مؤمنةٌ، ولا يجتمعُ المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا". ثمَّ حجَّ النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع. وكان السَّبب في بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليّاً، أنَّ العرب تعارفُوا فيما بينهم في العهود ونقضها ألاَّ يتولَّى ذلك إلا سيدهم، أو رجل من رهطه، فبعث عليّاً إزاحة للعلَّة، لئلاَّ يقولوا هذا خلاف ما نعرفه في نقض العهود. والدليل على أنَّ أبا بكر كان هو الأمير، أنَّ عليّاً لمَّا لحقهُ قال: أمير أو مأمور؟ فقال: مأمور، ثم ساروا وقال أبو هريرة "بعثني أبو بكر في تلك الحجَّة في مؤذنين يوم النَّحْر، يؤذِّن بمنى ألاَّ يحجَّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان". قوله وأذانٌ. رفع بالابتداء، أي: أذان صادر، أو إعلام واصل، ومِنَ اللهِ إمَّا صفةٌ، أو متعلقٌ به، وإلى النَّاسِ الخبر، ويجوزُ أن يكون خبر مبتدأ محذوفٍ أي: وهذا إعلامٌ، والجارَّان متعلقان به، كما تقدَّم في براءة. قال أبو حيَّان: "ولا وجه لقولِ من قال: إنه معطوف على "بَرَاءَةٌ"، كما لا يقال "عمرو" معطوف على "زيد" في: زيد قائم وعمرو قاعد". وقرأ الضحاك وعكرمة وأبو المتوكل "وإذْن" بكسر الهمزة وسكون الذَّال، وقرأ العامَّةُ "أنَّ الله" بفتح الهمزة على أحد وجهين، إمَّا كونه خبراً لـ "أذانٌ"، أي: الإعلامُ من اللهِ براءة من المشركين. وضعَّف أبو حيان هذا الوجه، ولم يذكر تضعيفه. وإمَّا على حذف حرفِ الجرِّ، أي: بأنَّ الله، ويتعلَّقُ هذا الجارَّ إمَّا بنفس المصدر، وإمَّا بمحذُوفٍ على أنه صفة ويَوْمَ منصوبٌ بما تعلَّق به الجارُّ في قوله إلى النَّاسِ. وزعم بعضهم أنَّه منصوبٌ بـ "أذَانٌ" وهو فاسدٌ من وجهين: أحدهما: وصفُ المصدر قبل عمله. الثاني: الفَصْلُ بينه وبين معموله بأجنبي، وهو الخبرُ، وقرأ الحسنُ والأعرج بكسر الهمزة وفيه المذهبان المشهوران، مذهبُ البصريين إضمارُ القول، ومذهبُ الكوفيين إجراءُ الأذانِ مُجْرَى القول. فصل والأذانُ: الإعلامُ، قال الأزهري: "آذنْتُه إيذاناً. فالأذانُ يقوم مقام الإيذان، وهو المصدر الحقيقي" ومنه: أذان الصَّلاة، ومنه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام للاّتي غسَّلن ابنته زينب: "حديث : فإذا فَرغتن فآذنَّنِي" تفسير : أي: أعلمنني، فلمَّا فرغنا آذنَّاهُ، أي: أعلمناه، والأذانُ معروفٌ. ونقل النووي في "التهذيب" عن الهرويِّ قال: ويقال فيه الأذان، والأذين، والإيذان قال: وقال شيخي: الأذينُ هوالمؤذن المعلم بأوقات الصلوات "فعيل" بمعنى "مفعل" [وقوله عليه السلام: "حديث : ما أذِن الله كأذنه" تفسير : بكسر الذال منه، وقوله: "كأذَنِهِ" بفتح الذال، والأذن بضم الذال وسكونها: أذن الحيوان، مؤنثة، وتصغيرها: أذينة. و "إذن" في قوله عليه السلام:"حديث : فلا إذن" تفسير : حرف مكافأة وجواب، يكتب بالنون، وإذا وقفت على "إذن" قلت كما تقول: رأيت زيداً. قال الجوهري]. قوله: "مِنَ المُشركِينَ" متعلقٌ بنفس "بَرِيءٌ"، ما يقال: بَرئْتُ منه، وهذا بخلاف قوله: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ} [التوبة:1] فإنَّها هناك تحتمل هذا، وتحتمل أن تكون صفة لـ "بَراءَةٌ". قوله ورسُولُهُ الجمهور على رفعه، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، والخبرُ محذوفٌ أي: ورسوله بريءٌ منهم، وإنَّما حذف، للدلالةِ عليه. والثاني: أنه معطوفٌ على الضمير المستتر في الخبر، وجاز ذلك للفصل المسوِّغ للعطف، فرفعه على هذا بالفاعلية والتقدير: برئ الله ورسوله [من المشركين]. الثالث: أنه معطوف على محلِّ اسم "أنَّ" وهذا عند من يجيز ذلك في المفتوحة قياساً على المكسورة، قال ابنُ عطيَّة "ومذهبُ الأستاذ - يعني ابن البَاذشِ - على مقتضى كلام سيبويه أن لا موضع لما دخلت عليه ["أنَّ" إذ هو معربٌ، قد ظهر فيه عمل العامل، وأنه لا فرق بين "أنَّ" وبين "لَيْتَ" والإجماعُ على أن لا موضع لما دخلتْ عليه] هذه". قال أبو حيَّان: "وفيه تعقُّبٌ؛ لأنَّ كون "أنَّ" لا موضع لما دخلتْ عليه ليس ظهور عمل العامل بدليل "لَيْسَ زيد بقائم" وما في الدَّار من رجل، فإنه ظهرعمل العامل ولهما موضع وقوله: "بالإجماع" يريد أنَّ "ليت" لا موضع لما دخلت عليه بالإجماع، وليس كذلك؛ لأن الفراء خالف، وجعل حكم "لَيْتَ" وأخواتها جميعاً حكم "إنَّ" بالكسر". قال شهابُ الدين قوله: "بدليل ليس زيد بقائم.." إلى آخره قد يظهر الفرقُ بينهما، فإنَّ هذا العامل، وإن ظهر عمله في حكم المعدُومِ، إذ هو زائد، فلذلك اعتبرنا الموضع معه، بخلاف "أنَّ" بالفتح، فإنَّه عاملٌ غيرُ زائد، وكانَ ينبغي أن يردَّ عليه قوله: وأنْ لا فرق بين "أنَّ" وبين "لَيْتَ" فإنَّ الفرق قائمٌ، وذلك أنَّ حكم الابتداء قد انتسخ مع "لَيْتَ"، و "لَعلَّ"، و "كأنَّ" لفظاً ومعنًى، بخلافه مع "إنَّ"، و "أنَّ"، فإنَّ معناه معهما باقٍ. وقرأ عيسى بن عمر، وزيد بن علي وابن أبي إسحاق "ورسوله" بالنَّصبِ، وفيه وجهان: أظهرهما: أنه عطفٌ على لفظ الجلالة، والثاني: أنه مفعولٌ معه. قال الزمخشريُّ. وقرأ الحسنُ "ورسُولِهِ" بالجرِّ، وفيها وجهان: أحدهما: أنه مقسمٌ به، أي: ورسوله إن الأمر كذلك، وحذف جوابه لفهم المعنى. والثاني: أنه على الجواز، كما أنهم نَعَتُوا وأكَّدوا على الجواز، وقد تقدَّم تحقيقه. وهذه القراءةُ يبعدُ صحتُها عن الحسن، للإبهام، حتَّى يحكى أنَّ أعرابياً سمع رجلاً يقرأ "ورَسُولِهِ" بالجر، فقال الأعرابيُّ: إن كان الله قد بَرِىء من رسوله فأنا بريء منه، فَلَبَّبه القارىء إلى عمر - رضي الله عنه - فحكى الأعرابيُّ الواقعة، فحينئذ أمر عمرُ بتعليم العربيَّة. ويحكى أيضاً هذه عن أمير المؤمنين عليّ، وأبي الأسود الدُّؤلي - رضي الله عنهما - قال أبُو البقاءِ: "ولا يكون عطفاً على "المشركين" لأنَّه يؤدي إلى الكفر". وهذا واضح. فصل قال بعض المفسرين قوله: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} جملة تامة مخصوصة بالمشركين، وقوله: {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} جملة أخرى ثانية معطوفة على الجملة الأولى، وهي عامة في حق جميع النَّاسِ؛ لأنَّ ذلك يجب أن يعرفه المؤمن والمشرك، من حيثُ إنَّ الحكم المتعلق بذلك يلزمهما جميعاً، فيجبُ على المؤمنين أن يعرفوا الوقت الذي يباحُ فيه القتال من الوقت الذي يحرم فيه، فأمره تعالى بهذا الإعلام يوم الحج الأكبر، وهو الجمع الأعظم، ليصل ذلك الخبر إلى الكل، فيشتهر. وفي هذا العطف الإشكال الذي ذكره أبو حيان في صدر الآية عند قوله {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ}. فصل اختلفوا في يوم الحجِّ الأكبر، فقال ابن عباس في رواية عكرمة "إنَّه يومُ عرفةَ" وهو قول عُمر، وسعيد بن المسيب، وابن الزبير، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وإحدى الروايتين عن علي، ورواية المسور بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيَّة عرفة، فقال: "حديث : أمَّا بعدُ فإنَّ هذا يوم الحج الأكبر" تفسير : لأنَّ معظم أفعال الحج فيه، حديث : وروي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقف يوم النَّحر عند الجمرات، وقال: "هذا يومُ الحج الأكبر" تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام حديث : الحج عرفةُ تفسير : ولأنَّ أعظم أعمال الحج الوقوف بعرفة؛ لأنَّ من أدركه، فقد أدرك الحجَّ، ومن فاته فقد فاته الحجُّ. وقال ابنُ عبَّاسٍ في رواية عطاء يوم الحج الأكبر: يوم النحر، وهو قول النخعيِّ، والشعبيِّ، والسديِّ، وإحدى الروايتين عن عليٍّ، وقول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير. وروى ابن جريجٍ عن مجاهد أنه قال: يوم الحجِّ الأكبر أيَّام منى كلها، وهو مذهب سفيان الثَّوري، وكان يقول: يوم الحجِّ الأكبر: أيامه كلها، كما يقال: يوم صفين، ويوم الجمل، ويراد به الحين والزمان. وأما تسميته بيوم الحج الأكبر، فإن قلنا: إنَّه يوم عرفة؛ فلأنه أعظم واجباته، ومن فاته الحجُّ، وكذلك إن قلنا: إنَّه يوم النحر، لأن معظم أفعال الحج يفعل فيه، وقال الحسنُ: سُمِّيَ بذلك لاجتماعِ المسلمين والمشركين فيه، وموافقته لأعياد أهل الكتاب، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده، فعظم ذلك اليوم في قلب كل مؤمنٍ وكافر، وطعن الأصم في هذا الوجه وقال: عيدُ الكفَّارِ فيه سخط. وهذا الطَّعن ضعيفٌ؛ لأنَّ المرادَ أنَّ ذلك اليوم استعظمه جميع الطوائف، فلذلك وصف بالأكبر. وقيل سُمِّيَ بذلك؛ لأن المسلمين والمشركين حَجُّوا في تلك السَّنة، وقيل: الأكبرُ الوقوف بعرفة والأصغر النَّحر، قاله مجاهدٌ، ونقل عن مجاهدٍ: الأكبر القرانُ، والأصغر الإفراد، فإن قيل: قوله: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} وقوله {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} لا فرق بينهما، فما فائدة هذا التكرار؟ فالجواب من وجوه: الأولُ: أنَّ المقصودَ من الأوَّلِ البراءة من العهد، ومن الثاني: البراءة التي هي نقيض الموالاة، ويدلُّ على هذا الفرقِ في البراءة الأولى برىء إليهم، وفي الثانية برئ منهم. الثاني: أنَّهُ تعالى في الكلام الأوَّل، أظهر البراءة عن المشركين الذين عاهدوا ونقضوا العهد، وفي هذه الآية أظهر البراءة عن المشركين من غير أن وصفهم بوصف معيّن، تنبيهاً على أنَّ الموجب لهذه البراءة كفرهم وشركهم. قوله "فإن تُبْتُمْ" عن الشرك، وأخلصتم التَّوحيدَ: {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عن الإيمان {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} وذلك وعيد عظيم. ثم قال {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} في الآخرة، والبشارةُ - ههنا - وردت على سبيل الاستهزاء كما يقال: تحيتهم الضرب، وإكرامهم الشّتم. قوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} في هذا الاستثناء ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه استثناءٌ منقطعٌ، والتقديرُ: لكن الذين عاهدتم فأتمُّوا إليهم عهدهم، وإلى هذا نحا الزَّمخشري، فإنه قال: "فإن قلت: ممَّا استثنى قوله: "إلاَّ الذينَ عاهَدتُّم"؟ قلت: وجهه أن يكون مستثنى من قوله: "فسيحُوا في الأرضِ"؛ لأنَّ الكلام خطابٌ للمسلمين ومعناه: براءةٌ من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فقولوا لهم: سِيحُوا إلاَّ الذين عاهدتم منهم، ثُمَّ لَمْ ينقصوا فأتموا إليهم عهدهم، والاستثناءُ بمعنى الاستدراك، كأنه قيل بعد أن أمروا في النَّاكثين، ولكن الذين لم ينكثوا، فأتمُّوا إليهم عهدهم، ولا تجروهم مجراهم. الثاني: أنَّه استثناءٌ متصلٌ، وقبلهُ جملةٌ محذوفة، تقديره: اقتلوا المشركين المعاهدين إلاَّ الذين عاهدتم، وفيه ضعفٌ؛ قاله الزَّجَّاجُ، فإنَّه قال: "إنَّه عائد إلى قوله: "براءةٌ" والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلاَّ الذين لم ينقضوا العهد". الثالث: أنَّه مبتدأ، والخبر قوله: "فأتمُّوا إليهِمْ" قاله أبو البقاءِ، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الفاء تزاد في غير موضعها، إذ المبتدأ لا يشبه الشَّرط؛ لأنَّه لأناسٍ بأعيانهم، وإنما يتمشَّى على رأي الأخفش، إذ يُجوِّز زيادتها مطلقاً، والأولى أنَّهُ منقطعٌ، لأنَّا لو جعلناهُ متصلاً مستثنى من المشركين في أوَّل السُّورة، لأدَّى إلى الفصل بين المستثنى، والمستثنى منه بجملٍ كثيرة. قوله {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} الجمهور "يَنقصُوكُم" بالصَّاد المهملة، وهو يتعدَّى لواحدٍ، ولاثنين، ويجوزُ ذلك فيه هنا فـ "كُمْ" مفعولٌ أول، و "شَيْئاً" إمَّا معفول ثان، وإمَّا مصدرٌ، أي: شيئاً من النقصان، أو: لا قليلاً، ولا كثيراً من النقصان. وقرأ عطاءُ بن السائب الكوفي وعكرمة، وابن السَّمَيْفع، وأبو زيد "يَنقُضُوكم" بالضَّاد المعجمة وهي على حذف مضاف، أي: ينقضُوا عهدكم، فحذف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مقامه. قال الكرمانيُّ: "وهي مناسبة لذكر العهد". أي: إنَّ النقضَ يُطابق العهد، وهي قريبة من قراءة العامَّة، فإنَّ من نقض العهد فقد نقص من المدة، إلاَّ أنَّ قراءة العامة أوقعُ لمقابلها التمام. فصل ومعنى قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} وهم بنو ضمرة حي من كنانة، أمر الله ورسوله بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر وكان السَّبب فيه أنهم لم ينقضوا، أي: لم ينقضوا شيئاً من عهدهم الذي عاهدتموهم عليه، "ولمْ يُظاهِرُوا" لم يعاونوا "عَليكُمْ أحَداً" من عدوكم، "فأتمُّوا إليهم عهدَهُم" الذي عاهدتموهم عليه، أي: أوفوا بعهدهم: "إلى مُدتِهِم" إلى أجلهم الذي عاهدتموهم عليه {إنَّ الله يحبُّ المُتَّقِينَ} أي: إنَّ هذه الطائفة لما اتقوا النقض، ونكث العهد، استحقوا من اللهِ أن يصان عهدهم أيضاً عن النقض والنكث.
البقاعي
تفسير : {براءة} أي عظيمة، ثم وصفها بقوله: {من} أي حاصلة واصلة من {الله} أي المحيط بصفات الكمال، فهو العالم بمن يستحق الولاية ومن يستحق البراءة {ورسوله} أي المتابع لأمره لعلمه به. ولما كانوا قد توقفوا في الحديبية كلهم أو كثير منهم تارة في نفس العهد وتارة في التأخر عن الأمر بالحلق، ثم تابعوا في كل منهما، وكان الكفار بمحل البعد عن كل خير، أشار إلى ذلك بأداة الغاية، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله إشارة إلى أنه لا يخالفه أصلاً، وأسندت المعاهدة إليهم إشارة إلى ذلك التوقف تحذيراً من أن يقع مثله، فقال مخبراً عن النبذ الموصوف: {إلى الذين عاهدتم} أي أوقعتم العهد بينكم وبينهم {من المشركين*} أي وإن كانت معاهدتكم لهم إنما كانت بإذن من الله ورسوله، فكما فعلتم المعاهدة بإذنهما فافعلوا النقض تبعاً لهما، ودل سياق الكلام وما حواه من بديع الانتظام أن العهد إنما هو لأجل المؤمنين، وأما الله ورسوله فغنيان عن ذلك، أما الله فبالغنى المطلق، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فبالذي اختاره للرسالة لأنه ما فعل ذلك به إلا وهو قادر على نصره بسبب وبغير سبب، وعلم أن ذلك فيمن نقض أو قارب من قوله بعد {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً} - الآية؛ قال البغوي: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهوداً كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله بنقض عهودهم وذلك قوله تعالى {أية : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم} تفسير : [الأنفال: 58] انتهى. وذكر ذلك ابن إسحاق وغيره، ولعله أطلق هنا ولم يقيد ممن خيف نقضه ليكون ذلك أول السورة مؤذناً بأن الخيانة وهم بالنقض شأن أكثرهم ولا سيما مشركو قريش، وهم - لكون قريش رؤوس الناس والناس تبع لهم في الخير والشر - يستحقون أن يعبر عنهم بما يفهم الكل ومبنى هذه السورة على البراءة من المشركين والموالاة للمؤمنين الدال على إيمانهم طاعة الله بالصلاة والزكاة والجهاد لمن أمر بالبراءة منه قل أو كثر قرب أو بعد في المنشط والمكره والعسر واليسر. ولما كان ظاهر الحال وقت تكامل نزولها - وهو شوال أو ذو العقدة أو ذو الحجة سنة تسع بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك - أن الحرب قد وضعت أوزارها وأطفئت نارهم ببسط الإسلام في الخاص والعام، وما بين اليمن والشام، وانتشار ألويته وأعلامه، وتأيد رئيسه وإمامه بقهر جيوش الكفار، وقصد الناس له بالاتباع من جميع الأمصار، أكد أمر الجهاد ومصادمة الأنداد في هذه السورة تأكيداً لم يؤكد في غيرها؛ ذكر الواقدي في أواخر غزوة تبوك كلاماً ثم قال: قالو: وقدم رسول الله صلى لله عليه وسلم المدينة - يعني من غزوة تبوك - في رمضان سنة تسع ثم قال: وجعل المسلمون يبيعون أسلحتهم ويقولون: قد انقطع الجهاد، فجعل القوي منهم يشتريها لفضل قوته، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك وقال:" حديث : لا تزال عصابة من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجال" تفسير : وإنما قلت: إن تكامل نزولها كان في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة لأن البغوي نقل عن الزهري أن أولها نزل في شوال، وقال ابن إسحاق - ونقله عنه البيهقي في دلائل النبوة -: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منصرفه من تبوك بقية شهر رمضان وشوالاً وذا القعدة ثم بعث أبا بكر رضي الله عنه أميراً على الحج في سنة تسع ليقيم للمؤمنين حجهم والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم - وأسند البيهقي في دلائله إلى عروة قال: فلما أنشأ الناس الحج تمام سنة تسع بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الناس وكتب له سنن الحج - انتهى. فخرج أبو بكر والمؤمنون رضي الله عنهم ونزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينهم وبينه أن لا يصد عن البيت أحد جاءه ولا يخاف أحد في الشهر الحرام؛ وكان ذلك عهداً عاماً بينه وبين الناس من أهل الشرك؛ ونقل أبو محمد البستي عنه أنه قال: فكانت هذه المدة والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين العرب أنه لا يصد أحد عن البيت ولا يتعرض لحاج ولا معتمر، ولا يقاتل في الشهر الحرام؛ وكان أماناً مستفيضاً من بعضهم لبعض على غير مدة معلومة؛ رجُع إلى ما رأيته أنا في سيرته: وكانت بين ذلك عهود بين رسوله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من العرب خصائص إلى آجال مسماة فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عنه في تبوك وفي قول من قال منهم، فكشف الله فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون؛ ثم قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: حديث : لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليقيم للناس الحج قيل له: يارسول الله! لو بعثت بها إلى أبي بكر! فقال:لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، ثم دعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له: اخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يجح بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته"تفسير : . فهذا فيه أنها نزلت بعد سفر أبي بكر رضي الله عنه، وإنما قيدت أنا بتكامل نزولها لأنه ورد أن الذي في النقض فبعث به علياً رضي الله عنه إنما هو عشر آيات أو سبع، وفي بعض الروايات التصريح بنزولها قبل سفر أبي بكر رضي الله عنه، ففي زيادات مسند الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه قال: حديث : لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر رضي الله عنه فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أدرك أبا بكر، فحيث ما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم - فذكره، وفيه أن أبا بكر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم بعدما رجع: أنزل فيّ شيء؟ قال: لا، ولكن جبريل عليه السلام جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك" تفسير : ونقل البغوي عن ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم بعث مع أبي بكر بأربعين آية من صدر سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم، ثم بعث بعده علياً على ناقته الغضباء ليقرأ على الناس صدر براءة وأمره أن يؤذن بمكة ومنى وعرفة. وفيه أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله! أنزل في شأني شيء؟قال:حديث : لا، ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا الأمر إلا رجل من أهلي تفسير : . فتبين أن الأول من إطلاق الكل على الجزء لا سيما وهو الذي فيه البراءة، وما سميت السورة براءة إلا به؛ وأن المعنى: لا يؤدي عني في العهود، لا مطلقاً، فقد أرسل رسلاً للأداء عنه من غير أهل بيته؛ وقال المهدوي في تفسير {فسيحوا في الأرض}: وروي أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد خروج أبي بكر بالناس ليحج بهم سنة تسع، فبعث بها النبي صلى الله صلى عليه وسلم علياً رضي الله عنه ليتلوها على الناس بالموضع الذي يجتمع فيه الفريقان وهو منى، وأمره أن ينادي: أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فنادى عليّ وأعانه أبو هريرة وغيره رضي الله عنهم، وكان على مكة حينئذ عتاب بن أسيد رضي الله عنه، استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو عام ثمان، وكان حج عتاب وأبي بكر سنة تسع في ذي العقدة - كذا قال وسيأتي بيان بطلانه، وتقدم خلافه عن ابن إسحاق في دلائل النبوة؛ وقال الإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي القاضي في تفسيره: حدثنا قتيبة عن الحجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من تبوك فأراد الحج فقال: إنه يحضر البيت المشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر وعلياً رضي الله عنهما، فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها كلها وبالموسم كله، وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر - يعني اشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، فآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا، فآمن الناس أجمعون. وفي سيرة ابن إسحاق: حدثنا يونس - يعني ابن بكير - عن أسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} قال: عشرين من ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر ثم لا أمان لأحد ولا عهد إلى السيف أو الإسلام؛ وقال ابن هشام: حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجل الناس أربعة اشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم؛ وللترمذي عن زيد بن أثيع قال: سألت علياً رضي الله عنه: بأيّ شيء بعثت؟ قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته ومن لا مدة له فأربعة أشهر. ونقل ابن سيد الناس عن ابن عائذ انه لما ضرب للمشركين هذا الأجل قالوا: بل الآن لا نبتغي تلك المدة، نبرأ منك ومن ابن عمك إلا بالضرب والطعن؛ فحج الناس عامهم ذلك، فلما رجعوا رغب الله المشركين فدخلوا في الإسلام طوعاً وكرهاً. وصدق الله ورسوله فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان. وقد وردت نصوص وظواهر في كثير من سورة براءة أنه نزل قبل الرجوع عن تبوك أو قبل الاعتذار، فمن النصوص قوله تعالى {لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم} وقوله {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً} - الآيات، {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم} إلى أن قال: {أية : سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم} تفسير : [التوبة: 94] وأما الظواهر فإن الواقدي قال في سيرته فأنزل من القرآن في غزوة تيوك، ثم ذكر اكثر سورة براءة وقال هو وغيره من أصحاب السير:حديث : وكان رهط من المنافقين يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك منهم وديعة بن ثابت - فذكر القصة التي فيها أن بعضهم قال ترهيباً للمؤمنين: أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟ والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال، وقال كل منهم شيئاً إلى أن قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر: أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا - إلى أن قال: إن بعضهم قال: إنما كنا نخوض ونلعب! فأنزل الله فيه {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب - إلى قوله - بأنهم كانوا مجرمين} ثم قال: وجاء الجلاس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف ما قال من ذلك شيئاً، وكان قد قال: إن كان محمد صادقاً فنحن شر من الحمير، فأنزل الله عز وجل فيه {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} - إلى آخرها، فاعترف الجلاس حينئذ وتاب وحسنت توبتهتفسير : ، وذكر مسجد الضرار وأن أهله كانوا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو متجهز إلى تبوك أن يصلي لهم فيه فاعتذر إليهم بشغله بالسفر ووعدهم أن يصلي فيه إذا رجع، فلما نزل صلى الله عليه وسلم بذي أوان - قال ابن هشام: بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار - أتاه خبره وخبر أهله من السماء، فدعا اثنين من أصحابه فأمرهما به فأحرقاه، وتفرق أهله ونزل فيه من القرآن ما نزل {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً} - إلى آخر القصة؛ قال الواقدي: وكان عاصم ابن عدي يقول: كنا نتجهز إلى تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت عبد الله بن نبتل وثعلبة بن حاطب قائمين على المسجد الضرار - إلى أن قال: فوالله ما رجعنا من سفرنا حتى نزل القرآن بذمه وذم أهله{ أية : والذين اتخذوا مسجداً ضراراً} تفسير : [التوبة: 107] - إلى آخرها، ومن ذلك تسميتها بالفاضحة، فلولا نزولها قبل معرفة أخبارهم لم تكن فاضحة، وهي في الظاهر للمعاهدين وفي الباطن مشيرة إلى أهل الردة وأن لا يقبل منهم إيمان ما لم يجمعوا بين الصلاة والزكاة كما فهم أبو بكر رضي الله عنه، وأقيمت على ذلك قرائن منها تكرير الجمع بين الصلاة والزكاة في سياق الإيمان تكريراً لم يكن في غيرها من السور، فهي من أعلام النبوة؛ وروى أبو محمد إسحاق بن إبراهيم القاضي البستي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن هذا الإسلام ثلاثون سهماً: عشر منها في براءة، وعشر في الأحزاب، وعشر في المؤمنين وسأل سائل. ولما أعلمهم سبحانه بأنه رد إليهم عهدهم، وكانوا مختلطين مع أهل الإسلام، جعل لهم مخلصاً إن آثروا البقاء على الشرك مع إعلامهم بأنه لا خلاص لهم لأنهم في قبضته، فقال مخاطباً لهم ولكل مشرك مسبباً عن البراءة: {فسيحوا} والسياحة: الاتساع في السير والبعد عن المدن والعمارة مع الإقلال من الطعام، والشراب، ولذلك يقال للصائم: سائح: والمراد هنا مطلق السير. ولما كانت السياحة تطلق على غيره، حقق المعنى بقوله: {في الأرض} أي في أيّ جهة شئتم {أربعة أشهر} أي من أيام الحج، فيكون آخرها عاشر شهر ربيع الآخر، تأمنون فيها أمناً لا نعرض لكم بسوء، بل تذهبون فيها حيث شئتم، أو ترمون حصونكم وتهيئون سلاحكم وتلمون شعثكم لا نغدركم، لأن ديننا مبني على المحاسن، ولولا أن الأمر يتعلق بنفوسنا ما نبذنا عهدكم ولا نقضنا عقدكم، ولكن الخطر في النفس وقد ظهرت منكم أمارات الغدر ولوائح الشر "وعن أيّ نفس بعد نفسي أقاتل" فإذا نقضت الأربعة الشهر فتهيؤوا لقتالنا وتدرعوا لنزالنا. ولما كان الإسلام قد ظهر بعد أن كان خفياً، وقوي بعد أن كان ضعيفاً، افتتح وعظهم بالكلمة التي تقال أولاً لمن يراد تقريع سمعه وإيقاظ قلبه وتنبيهه على أن ما بعدها أمر مهم ينبغي مزيد الاعتناء به فقال: {واعلموا أنكم} أي أيها الكفرة وإن كثرتم {غير معجزي الله} لأن علمه محيط بكل شيء فهو قادر على كل ممكن {وأن الله} أي لما له من الإحاطة بالجلال والإكرام {مخزي الكافرين*} أي كلهم منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة لأن قوله قد سبق بذلك، ولا يبدل القول لديه، والإخزاء: الإذلال مع إظهار الفضيحة والعار -. وأظهر الوصف موضع الضمير تعميماً وتعليقاً للحكم به؛ ولعل الالتفات إلى الخطاب إشارة إلى أن من ترك أمر الله حدباً على قريب أو عشير فهو منهم، وقد برئت منه الذمة، فلينج بنفسه ولا نجاء له، أو يكون لا ستعطاف الكفار تلذيذ الخطاب وترهيبهم بزواجر العقاب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد وغيرهم، أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها فأراد الحج، ثم قال "حديث : إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر رضي الله عنه وعلياً رضي الله عنه فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يبيعون بها وبالموسم كله، فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر وهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات، عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر تخلو من ربيع الأوّل، ثم عهد لهم وآذن الناس كلهم بالقتال إلى أن يموتوا ". تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال "حديث : لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر رضي الله عنه ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال لي: أدرك أبا بكر فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه، ورجع أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله نزل فيّ شيء؟ قال: لا، ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال "حديث : بعث النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة مع أبي بكر رضي الله عنه، ثم دعاه فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي، فدعا علياً فأعطاه إياه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى أهل مكة، ثم بعث علياً رضي الله عنه على أثره فأخذها منه، فكأن أبا بكر رضي الله عنه وجد في نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر أنه لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه بأربع: لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى عهده، وإن الله ورسوله بريء من المشركين". وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال "كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه بأربع. لا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى عهده، وأن الله ورسوله بريء من المشركين". وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال "كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ببراءة، فكنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أمره أو أجله إلى أربعة أشهر فإذا مضت الأربعة أشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك". وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن المسيب رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه "أن أبا بكر رضي الله عنه أمره أن يؤذن ببراءة في حجة أبي بكر فقال أبو هريرة: ثم اتبعنا النبي صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه، أمره أن يؤذن ببراءة وأبو بكر رضي الله عنه على الموسم كما هو، أو قال: على هيئته". وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا بكر رضي الله عنه على الحج، ثم أرسل علياً رضي الله عنه ببراءة على أثره، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم المقبل، ثم خرج فتوفي، فولي أبو بكر رضي الله عنه فاستعمل عمر رضي الله عنه على الحج، ثم حج أبو بكر رضي الله عنه من قابل ثم مات، ثم ولي عمر رضي الله عنه فاستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج، ثم كان يحج بعد ذلك هو حتى مات، ثم ولي عثمان رضي الله عنه فاستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج، ثم كان يحج حتى قتل". وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه يؤدي عنه براءة، فلما أرسله بعث إلى علي رضي الله عنه فقال: يا علي إنه لا يؤدي عني إلا أنا أو أنت، فحمله على ناقته العضباء فسار حتى لحق بأبي بكر رضي الله عنه فأخذ منه براءة، فأتى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخله من ذلك مخافة أن يكون قد أنزل فيه شيء، فلما أتاه قال: ما لي يا رسول الله؟! قال "خير أنت أخي وصاحبي في الغار وأنت معي على الحوض، غير أنه لا يبلغ عني غيري أو رجل مني" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع رضي الله عنه قال "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه ببراءة إلى الموسم، فأتى جبريل عليه السلام فقال: إنه لن يؤديها عنك إلا أنت أو رجل منك، فبعث علياً رضي الله عنه على أثره حتى لحقه بين مكة والمدينة، فأخذها فقرأها على الناس في الموسم". وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال "بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذن بمنى: أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأمره أن يؤذن ببراءة فأذن معنا علي رضي الله عنه في أهل منى يوم النحر ببراءة: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان". وأخرج الترمذي وحسنه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر رضي الله عنه وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه علياً رضي الله عنه وأمره أن ينادي بها، فانطلقا فحجا فقام علي رضي الله عنه في أيام التشريق فنادى {أن الله بريء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} ولا يَحُجَّنَّ بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن. فكان علي رضي الله عنه ينادي بها". وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن المنذر والنحاس والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن زيد بن تبيع رضي الله عنه قال: سألنا علياً رضي الله عنه بأي شيء بعثت مع أبي بكر رضي الله عنه في الحج؟ قال: بعثت بأربع. لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مؤمن وكافر بالمسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر. وأخرج إسحق بن راهويه والدارمي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر رضي الله عنه "أن النبي بعث أبا بكر على الحج، ثم أرسل علياً رضي الله عنه ببراءة. فقرأها على الناس في موقف الحج حتى ختمها". وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة رضي الله عنه قال "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الناس سنة تسع وكتب له سنن الحج، وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بآيات من براءة فأمره أن يؤذن بمكة وبمنى وعرفة وبالمشاعر كلها: بأنه برئت ذمة رسوله من كل مشرك حج بعد العام، أو طاف بالبيت عريان، وأجل من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد أربعة أشهر، وسار علي رضي الله عنه على راحلته في الناس كلهم يقرأ عليهم القرآن {براءة من الله ورسوله} وقرأ عليهم {أية : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} تفسير : [الأعراف: 31] الآية". وأخرج أبو الشيخ عن علي رضي الله عنه قال "حديث : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ببراءة، فقلت: يا رسول الله تبعثني وأنا غلام حديث السن، واسأل عن القضاء ولا أدري ما أجيب؟ قال: ما بد من أن تذهب بها أو أذهب بها. قلت: إن كان لا بد فأنا أذهب. قال: انطلق فأن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك، ثم قال: انطلق فاقرأها على الناس ". تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {براءة من الله ورسوله...} الآية. قال: حدَّ الله للذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاؤوا، وحد أجل من ليس له عهد انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ الحرم خمسين ليلة، فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإِسلام ونقض ما سمى لهم من العهد والميثاق، وإن ذهب الشرط الأوّل {أية : إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} تفسير : [التوبة: 4] يعني أهل مكة. وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان لقوم عهود فأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤجلهم أربعة أشهر يسيحون فيها ولا عهد لهم بعد ما وأبطل ما بعدها، وكان قوم لا عهود لهم فأجلهم خمسين يوماً، عشرين من ذي الحجة والمحرم كله، فذلك قوله {أية : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5] قال: ولم يعاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحداً. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {براءة من الله ورسوله} قال: برىء إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهودهم كما ذكر الله عزَّ وجلَّ. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس عن الزهري رضي الله عنه {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} قال: نزلت في شوّال فهي الأربعة أشهر شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
ابو السعود
تفسير : (سورة براءة مدنية وهى مائة وتسع وعشرون آية) {بَرَاءةٌ} خبرُ مبتدأ محذوفٍ وتنوينُه للتفخيم وقرىء بالنصب أي اسمعوا براءةً ومِنْ في قوله تعالى: {مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} ابتدائيةٌ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لها ليفيدَها زيادةَ تفخيمٍ وتهويلٍ أي هذه براءةٌ مبتدأةٌ من جهة الله تعالى ورسوله واصلة {إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} وإنما لم يذكر ما تعلق به للبراءة حسبما ذكر في قوله تعالى: {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىء مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} اكتفاءً بما في حيز الصلةِ فإنه منبىءٌ عنه إنباءً ظاهراً واحترازاً عن تكرير لفظة من، وقيل: هي مبتدأٌ لتخصصها بالصفة وخبرُه إلى الذين الخ والذي تقتضيه جزالةُ النظمِ هو الأولُ لأن هذه البراءةَ أمرٌ حادثٌ لم يُعهَدْ عند المخاطَبـين ذاتُها ولا عنوانُ ابتدائِها من الله تعالى ورسولِه حتى يخرُجَ ذلك العنوانُ مخرَجَ الصفةِ لها ويُجعلَ المقصودَ بالذات، والعمدةُ في الإخبار شيئاً آخرَ هو وصولُها إلى المعاهَدين، وإنما الحقيقُ بأن يُعتنىٰ بإفادته حدوثُ تلك البراءةِ من جهته تعالى ووصولِها إليهم فإن حق الصفاتِ قبل علم المخاطَب بثبوتها لموصوفاتها أن تكون أخباراً، وحقُّ الأخبار بعد العلمِ بثبوتها لما هيَ له أن تكون صفاتٍ كما حقق في موضعه، وقرىء منِ الله بكسر النون على أن الأصلَ في تحريك الساكنِ الكسرُ ولكن الوجهَ هو الفتحُ في لام التعريفِ خاصةً لكثرة الوقوع، والعهدُ العقدُ الموثقُ باليمين والخطابُ في عاهدتم للمسلمين وقد كانوا قد عاهدوا مشركي العربِ من أهل مكةَ وغيرِهم بإذن الله تعالى واتفاقِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم فنكَثوا إلا بني ضَمْرَةَ وبني كِنانةَ فأُمر المسلمون بنبذ العهدِ إلى الناكثين وأُمهلوا أربعةَ أشهر ليسيروا أين شاؤوا، وإنما نُسبت البراءةُ إلى الله ورسوله مع شمولها للمسلمين واشتراكِهم في حكمها ووجوبِ العملِ بموجبها وعُلّقت المعاهدةُ بالمسلمين خاصةً مع كونها بإذن الله تعالى واتفاقِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم للإنباء عن تنجُّزها وتحتُّمها من غير توقفٍ على رأي المخاطبـين لأنها عبارةٌ عن إنهاء حكمِ الأمانِ ورفعِ الحظْرِ المترتبِ على العهد السابقِ من التعرض للكفرة، وذلك مَنوطٌ بجناب الله عز وجل لأنه أمرٌ كسائر الأوامرِ الجاريةِ على حسب حكمةٍ تقتضيها وداعيةٍ تستدعيها تترتب عليها آثارُها من غير توقفٍ على شيء أصلاً، واشتراكُ المسلمين في حكمها ووجوبِ العمل بموجبها إنما هو طريقةُ الامتثالِ بالأمر لا على أن يكونَ لهم مدخلٌ في إتمامها أو في ترتب أحكامِها عليها، وأما المعاهدةُ فحيث كانت عقداً كسائر العقود الشرعيةِ لا تتحصّل في نفسها ولا تترتب عليها أحكامُها إلا بمباشرة المتعاقدين على وجوه مخصوصةٍ اعتبرها الشرعُ لم يُتصوَّرْ صدورُها عنه سبحانه وإنما الصادرُ عنه في شأنها هو الإذنُ فيها وإنما الذي يباشرُها ويتولى أمرَها المسلمون. ولا يخفى أن البراءةَ إنما تتعلق بالعهد لا بالإذن فيه فنُسبت كلُّ واحدة منهما إلى من هو أصلٌ فيها على أن في ذلك تفخيماً لشأن البراءةِ وتهويلاً لأمرها وتسجيلاً على الكفرة بغاية الذلِّ والهوانِ ونهايةِ الخِزْيِ والخِذلان وتنزيهاً لساحة السبحان والكبرياءِ عما يوهم شائبةَ النقصِ والبداء تعالى عن ذلك علواً كبـيراً وإدراجُه عليه الصلاة والسلام في النسبة الأولى وإخراجُه عن الثانية لتنويه شأنه الرفيعِ وإجلالِ قدرِه المنيع في كلا المقامين صلى الله عليه وسلم، وإيثارُ الجملة الاسميةِ على الفعلية كأن يقال: قد بِرىءَ الله ورسولُه من الذين أو نحوُ ذلك للدلالة على دوامها واستمرارِها وللتوسل إلى تهويلها بالتنوين التفخيميِّ كما أشير إليه.
القشيري
تفسير : الفراقُ شديدٌ، وأشدُّه ألا يَعْقُبَه وصال، وفراقُ المشركين كذلك لأنه قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء: 48]. ويقال مَنْ مُنِيَ بفراق أحبائه فبئست صحبته. وقد كان بين الرسول عليه السلام وبين أولئك المشركين عهد، ولا شكَّ أنهم كانوا قد وطَّنوا نفوسَهم عليه، فنزل الخبرُ من الغيب بغتةً، وأتاهم الإعلامُ بالفرقةِ فجأةً، فقال: {أية : بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [التوبة: 1]، أي هذه براءة من الله ورسوله، كما قيل: شعر : فَبِتَّ بخيرٍ - والدُّنَى مطمئنةٌ وأصبحتَ يوماً والزمانُ تَقَلَّبَا تفسير : وما أشدَّ الفُرقةَ - لا سيَّما إذا كانت بغتةً على غير تَرَقُّبٍ - قال تعالى: {أية : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ}تفسير : [مريم: 39] وأنشدوا: شعر : وكان سراجُ الوصلِ أزهر بيننا فهبَّتْ به ريحٌ من البَيْن فانطفا
البقلي
تفسير : {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} افهم ان الوفاء بالعقود وعهود المعرفة والمحبة والعبودية لاياتى الا ممن شاهد الربوبية حين خرج من العدم بنور القدم ومن خلا من المحبة وعشق القديم فليس له عهد والوفاء بالعقد وكيف يكون منهم الوفاء وهم عن ساحة الكبرياء مطرودون فالى الابد هم من وصال الحق غير مقبولين قد برئ الحق من اهل الرعونات الذين تعبدون انفسهم وهواها والدنيا وزينتها وجاهها وقبولها الزمهم سمات الفراق لخروجهم من عهد الازل والميثاق يا ليتهم لو اعلموا اداء الفرقة لفنوا من الام البعد وانما داء اشد من داء الفراق وانشد فى هذه المعنى وكل مصيبات الزمان رايتها سوى فرقة الاحباب هينة الخطب تقبل الله ورسوله كل عذر سوى الشرك لان الشرك ظلم عظيم حيث ساوى الحدث بالقدم وقع الفرقة البديهة بعد العهود وما اشد ذلك لا سيما اذا كانت بغتة على غير رقبة === السليمة فتنبأ بخير والدنا مطمئنة واصبحت يوما والرمان تقلبا. كانوا فى زمان العهود على رجاء الوصول طوارق الغيرة واسقطته عن نيل المنية وكان سراج الوصل ازهر بيننا فبهت به ريح من البين فانطفى ثم ان الله سبحانه == عهودهم بعد ان امهلهم فى زمان يمكن تدارك ما افاقوا وذلك ما قال {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} واشفع عليهم بنقض المريدين جمهور الخلائق بقوله {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} عرف عباده يوم عيد الاكبر يعنى يوم كان الارض والسماء واحداً بن العرش و الكرسى والارض سواء الكشوف جلاله لنبيه واوليائه قال عليه السّلام اذا كان يوم عرفتم ان الله تبارك وتعالى ينزل الى السّماء الدنيا فيبدأ هى بهم الملائكة الحديث بأنه تعالى برئ من المشركين المحجوبين بهواهم عن الله ورسوله برئ منهم لان الحبيب يواق=فق حبيبه فى كل مراده وهكذا يقتضى غيره التوحيد قال ابن عطا كل من اشرك مع الله فبما لله غير الله فهو منه برئ ثم من كرمه ورحمته ما اخرجهم ان مربع الرجاء بالكلية وما قطع جبال الوصال بالجملة حين == بقوله {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} اى ان رجعتم من حظوظ انفسكم عن الدنيا الى حظوظ قلوبكم من مشاهدتى فهو خير لكم فان الخير كل الخير فى وصالى وقربتى والتوبة عند اهل الاشارة ذهاب === على الجنان عند مشاهدة قدم الرحمن قال ابو عثمان التوبة مفتاح كل خير فان تبتم فهو خير لكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {براءة من الله ورسوله} اى هذه براءة مبتدأة من جهة الله ورسوله واصلة {الى الذين عاهدتم} ايها المسلمون {من المشركين} فمن لابتداء الغاية والى لانتهاء الغاية متعلقان بمحذوف كما تقول هذا الكتاب من فلان الى فلان اى واصل منه اليه وليست كلمة من صلة براءة كما فى قولك برئت من فلان والبراءة من الله انقطاع العصمة ونقض العهد ولم يذكر ما تعلق به البراءة كما فى ان الله بريئ من المشركين اكتفاء بما فى حيز الصلة واحترازا عن تكرير لفظة من ولما كانت المعاهدة غير واجبة بل مباحة مأذونة وكان الاتفاق للعهد من المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نسب اليهم مع ان مباشرة امرها انما تتصور من المسلمين لا من الله تعالى وان كانت باذن الله تعالى بخلاف البراءة فانها واجبة اوجبها الله تعالى وامر منوط بجناب الله تعالى كسائر الاوامر غير متوقفة على رأى المخاطبين. والمعنى ان الله ورسوله قد برئا من العهد الذى عاهدتم به المشركين فانه منبوذ اليهم والعهد العقد الموثق باليمين وقد كانوا عاهدوا مشركى العرب من اهل مكة وغيرهم باذن الله واتفاق الرسول فنكثوا الابنى ضمرة وبنى كنانة فامر المسلمون بنبذ العهد الى الناكثين وامهلوا اربعة اشهر كما قال تعالى {فسيحوا} اى فقولوا لهم سيحوا وسيروا {فى الارض اربعة اشهر} مقبلين مدبرين آمنين من القتال غير خائفين من النهب والغارة. والسيح والسياحة الذهاب فى الارض والسير فيها بسهولة على مقتضى المشيئة كسيح الماء على موجب الطبيعة ففيه من الدلالة على كمال التوسعة والترفيه ما ليس فى سيروا ونظائره وزيادة فى الارض لقصد التعميم لاقطارها من دار الاسلام وغيرها والمراد اباحة ذلك لهم وتخليتهم وشأنهم للحرب او تحصين الاهل والمال او تحصيل الحرب او غير ذلك لا تكليفهم بالسياحة فيها والمراد بالاشهر الاربعة هى الاشهر الحرم التى علق القتال بانسلاخها هى شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لان السورة نزلت فى شوال سنة تسع من الهجرة بعد فتح مكة فانه كان فى السنة الثامنة منها امروا بان لا يتعرضوا للكفار بتلك المدة صيانة للاشهر الحرم عن القتال فيها ثم نسخ وجوبها ليتفكروا ويعلموا ان ليس لهم بعد هذه المدة الا الاسلام او السيف فيصير ذلك حاملا لهم على الاسلام ولئلا ينسبوا المسلمين الى الخيانة ونقض العهد على غفلة المعاهدين وقيل هى عشرون من ذى الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الاول وعشر من شهر ربيع الآخر لان التبليغ كان يوم النحر كما حديث : روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولى سنة الفتح عتاب بن اسيد الوقوف بالناس فى الموسم واجتمع فى تلك السنة فى الوقوف المسلمون والمشركون فلما كانت سنة تسع بعث ابا بكر رضى الله عنه اميرا على الموسم فلما خرج منطلقا نحو مكة اتبعه عليا رضى الله عنه راكب العضباء ليقرأ هذه السورة على اهل الموسم فقيل له عليه السلام لو بعثت بها الى ابى بكر فقال "لا يؤدى عنى الارجل منى" تفسير : وذلك لان عادة العرب ان لا يتولى امر العهد والنقض على القبيلة الارجل منها سيدهم او واحد من رهطه وعترته فبعث عليا ازاحة للعلة لئلا يقولوا هذا خلاف ما نعرفه فينا فى العهد والنقض فلما دنا على سمع ابو بكر الرغاء وهو صوف ذوات الحوافر فوقف وقال هذا رغاء ناقة رسول الله فلما لحقه قال امير ام مأمور قال مأمور فمضينا فلما كان قبل يوم التروية خطب ابو بكر وحدثهم عن مساكنهم وقام على يوم النحر عند جمرة العقبة فقال "حديث : يا ايها الناس انى رسول الله اليكم فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين او اربعين آية من اول هذه السورة ثم قال امرت باربع ان لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة الا كل نفس مؤمنة وان يتم الى كل ذى عهد عهده ". تفسير : وقال الحدادى كان الحج فى السنة التى قرأ على رضى الله عنه فيها هذه السورة فى العاشر من ذى القعدة ثم صار الحج فى السنة الثانية فى ذى الحجة وكان السبب فى تقديم الحج فى سنة العهد ما كان يفعله بنوا كنانة فى النسئ وهو التأخير انتهى فعلى هذا كان المراد بالاشهر الاربعة من عشر ذى القعدة الى عشر من شهر ربيع الاول كما ذهب اليه البعض {واعلموا انكم} بسياحتكم فى اقطار الارض فى العرض والطول وان ركبتم متن كل صعب وذلول {غير معجزى الله} اى لا تفوتونه بالهرب والتحصين. قال فى ربيع الابرار غير معجزى الله سابقى الله وكل معجز فى القرآن سابق بلغة كنانة {وان الله} اى واعلموا انه تعالى {مخزى الكافرين} اى مذلكم فى الدنيا بالقتل والاسر وفى الآخرة بالعذاب وما يحصل لكم فى الافتضاح. والاخزاء هو الازلال بما فيه فضيحة وعار. قال القشيرى قطع لهم مدة على وجه المهلة على انهم اقلعوا عن الضلال وجدوا فى المال ما فقدوا من الوصال وان ابوا الا التمادى فى الحرمة والجريمة انقطع ما بينهم وبينه من العصمة ثم ختم الآية بما معناه ان اصررتم على قبيح آثاركم مشيتم الى هلاككم بقدمكم وسعيتم فى عاجلكم فى اراقة دمكم وحصلتم فى آجلكم على ندمكم فما خسرتم الا فى صفقتكم شعر : تبدلت وتبدلنا واخسرنا من ابتغى عوضا يسعى فلم يجد تفسير : ففى الآية دعوة الى الصلح والايمان بعد الحراب والكفران فمن كفر وعصى فقد خاصم ربه فجاء الندم فى تأخيره التوبة والاستغفار وعدم مبالاته بمباغتة قهر الملك الجبار. قال بعض العرفاء ان شئت ان تصير من الابدال فحول خلقك الى بعض خلق الاطفال ففيهم خمس خصال لو كانت فى الكبار لكانوا ابدالا لا يهتمون للرزق: قال الصائب شعر : فكرآب ودانه دركنج قفس بى حاصلست زير جرخ انديشه روزى جرا باشد مرا تفسير : ولا يشكون من خالقهم اذا مرضوا شعر : حافظ ازجور توحاشاك بنالد رورى كه ازان روز كه دربند توام دلشادم تفسير : ويأكلون الطعام مجتمعين شعر : اكر خواهى كه يابى ملك ودولت بخور شاها بدرويشان نعمت تفسير : واذا تخاصموا تسارعوا الى الصلح: قال السلطان سليم الاول شعر : خواهى كه كنج عشق كنى لوح سينه را ازدل بشوى آينه سان كرد كينه را تفسير : واذا خافوا جرت عيونهم بالدموع: وفى المثنوى شعر : سوز مهر وكريه ابر جهان جون همى دارد جهانرا خوش دهان آفتاب عقل را در سوز دار جشم را جون ابر اشك افروز دار جشم كريان بايدت جون طفل خرد كم خوراين نانرا كه نان آب توبرد تفسير : واشارت الآية الكريمة الى النفوس المتمردة المشركة التى اتخذت الهوى الها وعبدت صنم الدنيا فهادنها الروح والقلب فى اوان الطفولية وعاهداها على ان لا يجاهداها ولا يقاتلاها الى حد البلوغ وهى ايضا لا تتعرض لهما الى استكمال القالب واستواء القوى البشرية التى بها تتحمل حمل الامانة واعباء اركان الشريعة وظهور كمال العقل الذى به يستعد لقبول الدعوة واجابتها وبه يعرف الرسل ومعجزاتهم وبه يثبت الصانع ويرى تعبده واجبا لاداء شكر نعمة الله وان الله ورسوله بريئ من تلك المعاهدة بعد البلوغ فانه اوان نقض عهد النفوس مع القلوب والارواح لان النفس قبل البلوغ كانت تتصرف فى المأكول والمشروب والملبوس لتربية القالب ودفع الحاجة الماسة غالبا وذلك لم يكن مضرا جدا للقلب والروح فاما بعد البلوغ فزادت فى تلك التربية بالمأكول والمشروب والملبوس لتربية القالب ودفع الحاجة الماسة غالبا وذلك لم يكن مضرا جدا للقلب والروح فاما بعد البلوغ فزادت فى تلك التربية بالمأكول والمشروب والملبوس الضرورى لاجل الشهوة ولما ظهرت الشهوة شملت آفتها المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح واشتعلت نيرانها يوما فيوما وفيها مرض القلب والروح وبعثت الانبياء لدفع هذا المرض وعلاجه كما قال عليه السلام "حديث : بعثت لدفع العادات وترك الشهوات" تفسير : وفى قوله {فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر} اشارة الى ان للنفوس فى ارض البشرية سيرا وسياحة لتكميل الاوصاف الاربعة من النباتية والحيوانية والشيطانية والانسانية التى تتولد بازدواج الروح العلوى الروحانى المفرد والقالب السفلى المركب من العناصر الاربعة. فالنباتية تولد الماء. والحيوانية تولد الريح. والشيطانية تولد النار. والانسانية تولد التراب فلتكميل هذه الصفات ارخيت ازمة النفوس فى مراتع الدنيا ونعيمها الى البلاغة ثم قال {واعلموا} يعنى نفوس اهل السعادة {أنكم غير معجزى الله} اى لا تعجوزنه ان ينزعكم عن المراتع الدنيوية ويمتعكم بالمنافع الاخروية {وان الله مخزى الكافرين} يعنى مهلك اهل الشقاوة فى تيه الغفلات والشهوات كذا فى التأويلات النجمية
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (براءة): خبر عن مضمر، أي: هذه براءة و (مِنَ): ابتدائية، متعلقة بمحذوف، أي: واصلة من الله، و (إلى الذين): متعلقة به أيضاً، أ و مبتدأ لتخصيصها بالصفة، و (إلى الذين): خبر. يقول الحق جل جلاله: هذه {براءة} أي: تبرئة {من الله ورسوله} واصلة {إلى الذين عاهدتم من المشركين}، فقد تبرأ الله ورسوله من كل عهد كان بين المشركين والمسلمين، لأنهم نكثوا أولاً، إلا أناساً منهم لم ينكثوا، وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، وسيأتي استثناؤهم. قال البيضاوي: وإنما علقت البراءة بالله وبرسوله، والمعاهدة بالمسلمين؛ للدلالة على أنه يجب عليهم نبذ عهود المشركين إليهم، وإن كانت صادرة بإذن الله واتفاق الرسول؛ فإنهما برئا منها. هـ. وقال ابن جزي: وإنما أسند العهد إلى المسلمين؛ لأن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لازم للمسلمين، وكأنهم هم الذين عاهدوا المشركين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عقد العهد مع المشركين إلى آجال محدودة، فمنهم من وفّى، فأمر الله أن يتم عهده إلى مدته، ومنهم من نقص أو قارب النقض، وجعل له أجل أربعة أشهر، وبعدها لا يكون له عهد. هـ. وإلى ذلك أشار بقوله: {فسيحوا في الأرض أربعةَ أشهرٍ} آمنين لا يتعرض لكم أحد، وبعدها لا عهد بيني وبينكم. وذكر الطبري: أنهم أسلموا كلهم في هذه المدة ولم يسح أحد. هـ. وهذه الأربعة الأشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، لأنها نزلت في شوال، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من الآخر، لأن التبليغ كان يوم النحر؛ لما روي (أنها لَمّا نزلت أرسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه راكبِاً العَضْبَاءَ ليَقْرأَهَا عَلى أهل المَوْسِم، وكان قد بعث أبا بكرٍ رضي الله عنه أميراً على الموسم، فقيل: لو بَعَثْتَ بها إِلى أَبَي بكرٍ؟ فقال: "لا يُؤَدِّي عَنَّي إلا رَجُلٌ مِنِّي" فَلَمَّا دَنَا عَليٌّ رضي الله عنه، سَمِعَ أَبُو بَكرٍ الرُّغاءَ، فوقف وَقَال: هذا رُغاء ناقَةِ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فوقف، فلمَّا لَحِقَهُ قال: أَمير أو مَأمُورٌ؟ قال: مَأمُورٌ، فلما كان قبل الترْويَة خَطَبَ أبو بكر رضي الله عنه، وحَدَّثَهُمْ عَنْ مَنَاسِكَهِم، وقَامَ عليٌّ ـ كرم الله وجهه ـ يومَ النَّحر، عند جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فقال: يا أَيُّها النّاس، إني رَسُولُ رَسولِ اللَّهِ إليكم، فقالوا: بماذا؟ فَقَرأَ عليهمْ ثلاثين أوْ أرْبعين آيةً من أول السورة، ثم قال: أمرْتُ بأربَعٍ: أَلا يَقْرب البَيْتَ بعد هذا مُشركٌ، ولا يَطُوف بالبيت عُريَانٌ، ولا يَدخُلُ الجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٍ، وأن يَتِمَّ كُلّ ذِي عَهْدٍ عَهْدُهُ). ولعل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولا يؤدي عني إلا رجل مني" تفسير : خاص بنقض العهود، لأنه قد بعث كثيراً من الصحابة ليؤدوا عنه، وكانت عادة العرب ألاّ يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل منها. قاله البيضاوي مختصراً. ثم قال تعالى لأهل الشرك: {واعلموا أنكم غير مُعجزي الله} أي: لا تفوتونه، وإن أمهلكم، {وأن الله مُخزي الكافرين} في القتل والأسر في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة. الإشارة: وقد وقع التبرؤ من أهل الشرك مطلقاً، أما الشرك الجلي فقد تبرأ منه الإسلام والإيمان، وأما الشرك الخفي فقد تبرأ منه مقام الإحسان، ولا يدخل أحدٌ مقام الإحسان حتى لا يعتمد على شيء، ولا يستند إلى شيء، إلا على من بيده ملكوت كل شيء، فيطرح الأسباب وينبذ الأرباب، ويرفض النظر إلى العشائر والأصحاب، حتى لا يبقى في نظره إلا الكريم الوهاب، فمن أصرَّ على شوكه الجلي أو الخفي فإن الله يمهل ولا يهمل، فلا بد أن يلحقه وباله: إما خزي في الدنيا، أو عذاب في الآخرة، كل على ما يليق به. وقال القشيري: إنْ قَطَعَ عنهم الوصلة فقد ضَرَبَ لهم مدةً على وجه المُهْلَةِ، فأَمَّنهُم في الحَالِ؛ ليتأهبوا لتَحمُّل مقاساةِ البراءةِ فيما يستقبلونه في المآلِ. والإشارةُ فيه: أنهم إنْ أقلعوا في هذه المهلة عن الغَيِّ والضلال، وجدوا في المآل ما فقدوا من الوصال. وإنْ أبَوْا إلا التمادي في تَرْكِ الخدمة والحرمة، انقطع ما بينه وبينهم من الوصلة. هـ. والله تعالى أعلم. ثم أمر بإظهار تلك البراءة للناس، فقال: {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ}.
الطوسي
تفسير : قيل في علة ترك افتتاح هذه السورة بـ {بسم الله الرحمن الرحيم} قولان: احدهما - ما روي عن ابي بن كعب أنه ضمت هذه السورة إلى الانفال بالمقاربة، فكانتا كسورة واحدة لأن الاولى في ذكر العهود والاخرى في رفع العهود. وقال عثمان لاشتباه قصتهما، لان الاولى في ذكر العهود والاخرى في رفع العهود. وقال المبرد: لأن {بسم الله الرحمن الرحيم} أمان وبراءة نزلت لرفع الامان. ويحتمل رفع {براءة} وجهين: احدهما - ان يكون خبراً لمبتدأ محذوف وتقديره هذه الآيات براءة. والثاني - ان يكون مبتدأ وخبره الظرف في قوله {إلى الذين}. والاول اجود لانه يدل على حصول المدرك كما تقول لما تراه حاضرا: حسن والله اي هذا حسن. ومعنى البراءة انقطاع برئ براءة وابرأه ابراءاً وتبرأ تبرؤاً وبرئت من المرض وبرأت أبرأ وأبرؤ وبرأ تبريئا. وروى أهل اللغة برأت أبرؤ برءاً، ولم يجيء من المهموز (فعلت أفعل) إلا في هذا الحرف الواحد وبريت القلم أبريه برياً بغير همز، وبراه السير إذا هزله. وبرئ له يبرئ إذا تعرض له، وباراه إذا عارضه وأبرأت البعير إذا جعلت لانفه براه بالالف. ومعنى الآية برئ الله من المشركين ورسوله {إلا الذين عاهدتم من المشركين} من اعطائتم الامان، والعهود والوفاء لهم بها إلا إذا نكثوا، لانهم كانوا ينكثون ما كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله، فأمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله ان ينبذ ايضاً اليهم عهدهم. وقوله {إلا الذين عاهدتم من المشركين} فالعهد العقد الذي يتقدم به لتوثيق الامر عهد عهداً وعاهد معاهدة وتعاهد الامر تعاهداً وتعهده تعهداً وقوله: {عاهدتم} انما جاء بلفظ الخطاب، لأن فيه دلالة على الأمر بالنبذ إلى المشركين برفع الامان ولولا ذلك لجاز عاقدنا، لان معاقدة النبي صلى الله عليه وآله انما هي عن الله عز وجل. ويجوز رفع الامان والبراءة من غير نقض العهد إذا كان مشروطاً إلى ان يرفعه الله اليهم.
الجنابذي
تفسير : {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ..} هذه من المصادر النّائبة عن افعالها واصلها برء الله ورسوله براءة من الّذين عاهدتم ثمّ حذف الفعل واقيم المصدر مقامه ووصل الفاعل بحرف الجرّ صفة له، نظيره ما يقولون زعماً منهم وخلافاً لهم فانّهما اصلهما زعموا وخالفوا وابدل لفظة من بلفظة اى اشعاراً بتضمين معنى الوصول او تقديره، ثمّ عدل من نصب براءة الى الرّفع مبالغةً وتأكيداً وقد قرئ بالنّصب على اصله وعلى هذا فهى مبتدء مخصّص بالصّفة وخبره الى الّذين عاهدتم ويحتمل ان يكون خبراً لمبتدءٍ محذوفٍ ومن الله والى الّذين عاهدتم صفتين له اى براءة ناشئة من الله واصلة الى الّذين عاهدتم، او هذه براءة واصله من الله الى الّذين عاهدتم ونسب المعاهدة الى المسلمين لانّها مع كونها من رسول الله (ص) كانت لمصلحة المسلمين فكأنّها كانت منهم، ونسب البراءة الى الله والرّسول مخاطباً للمسلمين اشارة الى وجوبها عليهم والّذين عاهدتم وان كان عامّاً لكنّه مخصّص بالنّاقضين بقرينة الاستثناء الآتى، فالنّظر فى انّه كيف يجوز نقض العهد من الرّسول (ص)؟ ساقط من اصله.
الحبري
تفسير : حَدَّثَنَا عَليُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَني الحُسَيْنُ بنُ الحَكَمِ الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانٌ، عن الكَلْبِيّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عَن: ابنِ عَبَّاسٍ: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}. نَزَلَتْ في مُشْرِكِيْ الْعَرَبِ غَيْرَ بَنِي ضُمْرَة.
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدثنا الحسين بن الحكم [قال: حدثنا حسن بن حسين قال: حدّثنا حبان عن الكلبي عن أبي صالح.ح]: عن ابن عباس [رضي الله عنه. ن. في قوله. ر]: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} نزلت في مشركي العرب غير بني ضمرة. وقوله: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} والمؤذن يومئذ عن الله ورسوله علي بن أبي طالب عليه السلام أذّن بأربع [كلمات: بأن. ن] لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف [ح: يطوفن] بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي [ح: رسول الله] صلى الله عليه [وآله وسلم. ن] أجلٌ فأجله إلى مدته، ولكم أن تسيحوا في الأرض أربعة أشهر. فرات قال: حدثني علي بن محمد بن علي بن عمر الزهري معنعناً: عن عيسى بن عبد الله [القمي. أ، ب] قال: سمعت أبا عبد الله [جعفر الصادق عليه السلام. ر. يقول. أ، ب]: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر ببراءة فسار حتى [إِذا. أ، ب] بلغ الجحفة بعث [ر: فبعث] رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ر] علياً [ر: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام] في طلبه فأدركه، [قال. أ، ب]: فقال أبو بكر لعلي: أنزل فيّ شيءٌ قال: لا ولكن لا يؤدي إلا نبيه أو رجل منه. وأخذ علي الصحيفة وأتى الموسم وكان يطوف في الناس ومعه السيف فيقول: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر [و اعلموا أنكم غير معجزي الله}. أ، ب] فلا يطوف بالبيت بعد عامنا هذا عريان [ر: عرياناً بعد عامه هذا] ولا مشرك، فمن فعل فإن معاتبتنا إِياه بالسيف. قال: وكان يبعثه إلى الأصنام فكسرها! ويقول: حديث : لا يؤدي عني إِلا أنا وأنتتفسير : ، فقال لي يوم لحقه علي بالخندق في غزوة تبوك فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي وأنت خليفتي في أهلي وأنه لا يصلح [لها. ر] إِلا أنا وأنت . تفسير : فرات قال: حدثني أحمد بن عيسى بن هارون العجلي معنعناً: عن حكيم بن جبير [عن علي بن الحسين عليه السلام] قال: إِنَّ لعلي [عليه السلام. ب] اسماً في القرآن ما يعرفونه. قال: قلت: أي اسم؟ قال: {وأذان من الله ورسوله إِلى الناس يوم الحج الأكبر} قال: فقال: الأذان من الله هو [والله. ب] علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ]. فرات قال: حدثني أحمد بن عيسى بن هارون معنعناً: عن حكيم بن جبير قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام قال: إِن لعلي في القرآن اسماً لا يعرفونه ألم تسمع إِلى قوله: {وَأذان من الله ورسوله إِلى الناس}. فرات قال: حدثني أحمد بن عيسى بن هارون معنعناً: عن علي بن الحسين [عليه السلام. ب] قال: إِن لعلي في القرآن اسماً لا [أ: ما] يعرفونه. قال: قلت أي اسم؟ قال: وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} قال: فعلي أذان [ب: الأذان] من الله. فرات قال: حدّثنا الحسين بن الحكم معنعناً: عن حكيم بن جبير قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: والله إِن لعلي [ابن أبي طالب.أ] لإسماً [ب: اسماً] في كتاب الله ما يعرفونه [أ: ما يعرفونها]. قال: قلت: جعلت فداك اسم؟! قال: نعم. [قال. أ] قلت: وأي اسم؟ قال: ألم تسمع الله يقول: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} هو والله الأذان. فرات قال: حدثني علي بن حمدون معنعناً: عن علي بن الحسين [عليهما السلام. ر] قال: إِنَّ لعلي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] في كتاب الله اسم ولكن لا يعرفونه. قال: قلت: ما هو؟ قال: ألم [ب: ألا] تسمع إلى قوله [تعالى. ر]: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} هو والله كان الأذان. فرات قال: حدّثني علي بن العباس البجلي معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه [في] قوله [تعالى. ر]: {براءة من الله ورسوله إِلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} يقول: براءة من الله ورسوله من العهد إلى الذين عاهدتم من المشركين غير أربعة أشهر [قال. ب. ر: فلما] كان بين النبي وبين المشركين ولث من عقود فأمر الله رسوله أن ينبذ إلى كل ذي عهدٍ عهدهم إِلا من أقام الصلاة وآتى الزكاة، فلما كانَت غزوة تبوك ودخلت سنة تسع في شهر ذي الحجة الحرام من مهاجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزلت هؤلاء الآيات وكان رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ] حين فتح مكة لم يؤمر [ر، أ: يؤم] أن يمنع المشركين أن يحجوا، وكان المشركون يحجون مع المسلمين فتركهم [ر: فنزل.أ: فنزلهم] على حجهم [ر، أ:حجة] الأول في الجاهلية وعلى أمورهم التي كانوا عليها في طوافهم بالبيت عراة و تحريمهم الشهور الحرام والقلائد ووقوفهم بالمزدلفة، فأراد الحج فكره أن يسمع تلبية العرب لغير الله والطواف بالبيت عراة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ر: النبي] أبا بكر إِلى الموسم، وبعث معه بهؤلاء الآيات من براءة وأمره أن يقرأها على الناس يوم الحج الأكبر وأمره أن يرفع الخمس من قريش وكنانة وخزاعة إِلى عرفات، فسار أبو بكر حتى نزل بذي [أ، ب: ذا] الحليفة، فنزل جبرئيل [عليه السلام. ر] على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إِن الله يقول: إنه لن يؤدي عني [ر: عن]! غيرك أو رجل منك. يعني علياً [ر: علي بن ابي طالب] فبعث النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] علي بن أبي طالب عليه السّلام [ر: علياً] في أثر أبي بكر ليدفع إِليه هؤلاء الآيات من براءة وأمره أن ينادي بهنّ يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر وأن يبرء ذمة الله ورسوله من كل [أهل. أ، ر] عهدٍ, وحمله على ناقته القصوى [خ: العضباء]. فسار [أمير المؤمنين] علي [بن أبي طالب. ر. عليه السّلام. ر، ب] على ناقة الرسول [ر: رسول الله] فأدركه بذي الحليفة، فلما رآه أبو بكر قال: أميرٌ أو مأمور؟ فقال علي [ر: عليه السلام] بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ر: النبي] لتدفع إِلي براءة. قال: فدفعها إِليه وانصرف أبو بكر إلى رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلّم. أ] فقال: يا رسول الله مالي نزعت مني براءة؟! أنزل فيّ شيء؟ فقال [النبي. ب، ر. صلى الله عليه وآله وسلّم. أ، ب]: حديث : إِن جبرئيل نزل عليَّ فأخبرني أن الله يأمرني أنه لن يؤدي [عني، ر، أ] غيري أو رجل مني، وأنا وعلي من شجرة واحدة والناس من شجر [ب: شجرات. ر: شجرة] شتّى، أما ترضى يا أبا بكر انك صاحبي في الغار؟ قال: بلى يا رسول الله . تفسير : [قال لما. أ، ب. ر: فلما] كان يوم الحج الأكبر وفرغ الناس من رمي جمرة الكبرى قام [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب. ر. عليه السّلام. ر، ب] عند الجمرة فنادى في الناس فاجتمعوا إليه فقرأ عليهم الصحيفة بهؤلاء الآيات: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} إلى قوله: {فخلوا سبيلهم}، ثم نادى ألا لا يطوفن [ر. يطوف] بالبيت عريان ولا يحجن مشرك بعد عامه هذا، وإِن لكل [ذي. ر] عهد عهده إِلى [مدته. خ. أ، ب. ر: المدينة] وأن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلماً وأن أجلكم أربعة أشهر إلى أن تبلغوا بلدانكم فهو قوله {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} وأَذن الناس كلهم بالقتال أن [لم. خ] يؤمنوا فهو قوله {وأذان من الله ورسوله إِلى الناس [يوم الحج الأكبر}. أ] قال: إِلى أهل [العهد. ر] خزاعة وبني مدلج ومن كان له عهد غيرهم، {يوم الحج الأكبر} قال: فأذن [أ، ر: فالأذان. أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السلام النداء الذي نادى به. قال: فلما قال: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} قالوا: وعلى ما تسيرنا [أ، ر: تسرنا] أربعة أشهر؟ فقد برئنا منك ومن ابن عمّك إِن شئت الآن [ظ: إِلاّ] الطعن و الضرب، ثم استثنى الله منهم فقال: {إِلا الذين عاهدتم من المشركين} فقال: العهد من كان بينه وبين النبي [صلى الله عليه وآله وسلّم. أ، ب] ولبث من عقود على الموادعة [أ، ب: المرادعة. ر: المردعة] من خزاعة، وأما قوله {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} قال: هذا لمن كان له عهد ولمن خرج عهده في أربعة أشهر لكي يتفرقوا عن مكة وتجارتها فيبلغوا إِلى أهلهم [أ، ب: أهليهم] ثم إن لقيهم بعد ذلك قتلوهم، والأربعة أشهر التي حرم الله فيها دماءهم: عشرون من ذي الحجة [الحرام. أ] والمحرم وصفر و [شهر. أ، ب] ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر فهذه أربعة أشهر المسيحات [ب: المضيحات] من يوم قراءة الصحيفة التي قرأها [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب [عليه السلام. ر، ب]. [قالوا. أ، ر] ثم قال: {واعلموا أنّكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين} يا نبي الله. قال: فيظهر نبيه عليه وآله الصلاة والسلام. قال: ثم استثنى فنسخ منها فقال: {إِلا الذين عاهدتم من المشركين} هؤلاء بنو ضمرة وبنو مدلج حيان من بني كنانة كانوا حلفاء النبي [صلى الله عليه وآله وسلّم. أ، ب] في غزوة بني العشيرة من بطن تبع {ثم لم ينقصوكم شيئاً} يقول: لم ينقضوا عهدهم بغدرٍ، {ولم يظاهروا عليكم أحداً} قال: لم يظاهروا عدوكم عليكم، {فأتموا إِليهم عهدهم إِلى مدتهم} يقول: أجلهم الذي شرطتم لهم، {إِن الله يحب المتقين} قال: الذين يتقون الله فيما حرّم عليهم ويفون بالعهد. قال: فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد هؤلاء الآيات أحداً. قال: قال: ثم نسخ ذلك فأنزل الله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} قال: هذه الذي! ذكرنا منذ يوم قرأ علي [بن أبي طالب عليه. ر] [السلام] الصحيفة يقول: [أ: قال]: فإذا مضت الأربعة الأشهر قاتلوا الذين انقضى عهدهم في الحل والحرام {حيث وجدتموهم} إِلى آخر الآية. [قال: ر] ثم استثنى فنسخ منهم فقال: {وإِن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} قال: من بعث إِليك من أهل الشرك يسألك لتؤمنه حتى يلقاك فيسمع ما تقول ويسمع ما أنزل إِليك فهو آمن فأجره {حتى يسمع كلام الله} وهو كلامك بالقرآن فآمنه {ثم أبلغه مأمنه} يقول: حتى يبلغ مأمنه من بلاده. ثم قال: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله} إلى آخر الآية فقال: هما بطنان بنو ضمرة وبنو مدلج فأنزل الله هذا فيهم حين غدروا، ثم قال [تعالى. ر]: {كيف وإِن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إِلاّ ولا ذمة} إِلى ثلاث آيات قال: هم قريش نكثوا عهد النبي [صلى الله عليه وآله وسلّم. ر، ب] يوم الحديبية وكانوا رؤوس العرب في كفرهم ثم قال: {قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلّهم ينتهون}. فرات قال: حدثني الحسن بن علي بن بزيع معنعناً: عن أبي جعفر [عليه السّلام. أ، ب] قال: قال [أمير المؤمنين. ر. علي. ب، ر. بن أبي طالب. ر] عليهما السلام: يا معشر المسلمين {قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} [الآية. أ، ب] ثم قال: هؤلاء [القوم. ر] هم ورب الكعبة يعني أهل صفين والبصرة والخوارج.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {براءة من الله ورسوله} قال جار الله: لها عدة أسماء: براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافرة، المنكلة، المدمدمة، سورة العذاب، وقد اختلف فيها فقال بعضهم: الأنفال وبراءة سورة واحدة، وقال بعضهم: هما سورتان وترك البسملة لقول من قال أنهما سورة واحدة، والمعنى أن الله ورسوله قد تبرأ من العهد الذي عاهدتم به المشركين وأنه منبوذاً لهم، قال جار الله: فإن قلت لم علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة للمسلمين؟ قلتُ: قد أذن الله في معاهدة المسلمين أولاً، وروي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة فنبذوا العهد الى الناكثين، وأمر الله أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاؤوا وألا يتعرض لهم، وهي الأشهر الحرم، في قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} وكان نزولها سنة تسع من الهجرة، وفتح مكة سنة ثماني من الهجرة، وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر ثم تبعه علي (عليه السلام) راكب العصباء ليقرأها على أهل الموسم، فلما دنا على سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟ فقال: مأمور، وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل قال: يا محمد لا يبلغنّ رسالتك إلا رجل منك فأرسل علياً (عليه السلام)، فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟ فقرأ عليهم ثلاثين آية أو قيل: أربعين آية، وقيل: عشر آيات، وقال: "لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا تدخل الجنة إلاَّ كل نفس مؤمنة" قال جار الله: فعند ذلك قالوا: يا علي أبلغ ابن عمك أنَّا نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلاَّ طعن بالرماح وضرب بالسيوف، قال في الحاكم: نزلت في ثلاثة أحياض العرب، خزاعة وبني مدلج وبني خزيمة، كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عاهدهم سنتين فجعل الله أجلهم أربعة أشهر ولم يعاهد أحداً بعد الاية، وقيل: نزلت في المشركين من كان له عهد ومن لا عهد له وأجلهم أربعة أشهر حتى ينظروا في أمرهم، أما أن يسلموا أو يأذنوا بحرب من الله ورسوله، وأباح دماءهم بعد هذه المدة، وقيل: نزلت في أهل مكة عاهدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عام الحديبية على وضع الحرب عشر سنين، ودخلت خزاعة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنو بكر دخلوا مع قريش، قعدت بنو بكر على خزاعة وأعانتهم قريش حتى تظاهروا عليهم ونقضوا وقتلوا خزاعة، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة حتى وقف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنشد أبياتاً أولها: شعر : يا رب إني ناشد محمداً حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا هم بيوتنا بالحطيم هجدا وقتلونا ركعاً وسجداً تفسير : فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لا نصرت إن لم أنصركم" تفسير : وتجهز لحرب مكة في سنة ثمان من الهجرة عن مجاهد وابن اسحاق {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} هي شوال والقعدة وذو الحجة والمحرم، وهذا قول من يقول أن السورة نزلت في شوال، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة ومحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر، قال جار الله: إن الأشهر الحرم قد نسخت وأبيح قتال المشركين فيها {واعلموا أنكم غير معجزي الله} لا تفوتونه وإن أمهلكم وهو مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب.
الهواري
تفسير : قوله: {بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ} يعني بالبراءة براءة من العهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي العرب. يقول للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: {بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ}، ثم أقبل على أهل العهد من المشركين فقال: { فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} وكان ذلك بقية عهدهم من يوم النحر إلى عشر ليالٍ يمضين من ربيع الآخر، وهو العام الذي حجّ فيه أبو بكر الصديق ونادى فيه عليّ بالآذان. وفي تفسير الحسن حديث : أن النبي عليه السلام أمر أبا بكر أن يؤذن الناسَ بالبراءة. فلما مضى دعاه فقال: إنه لا يبلغ عني في هذا الأمر إلا من هو من أهل بيتي. وقال بعضهم: إلا من هو مني. فأمر بذلك علي بن أبي طالب، رضي الله عنه . تفسير : ذكر الأعمش عن بعض أشياخه أن النبي بعث ببراءة مع أبي بكر، ثم أتبعه علياً. فأمره أن ينادي بها. ورجع أبو بكر إلى النبي يبكي، فقال: يا رسول الله، هل أنزل في شيء؟ قال: حديث : لا. فذكر ما لا أحفظه وحج أبو بكر بالناس ذلك العام . تفسير : ذكروا أن مجاهداً قال: {إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ}، يعني خزاعة ومدلج ومن كان له عهد غيرهم. أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ منها، فأراد أن يحج. ثم إِنه قال: حديث : إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة، ولا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك تفسير : . فأرسل أبا بكر وعلياً فطافا بالناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون فيها، وبالموسم كله، فآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر، وهي الأربعة الأشهر المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الأخر، ثم لا عهد لهم. ذكروا أن أبا بكر أُمِّر يومئذٍ على الحاج، ونادى فيه علي بالأذان. وكان عام حجّ فيه المسلمون والمشركون، فلم يحج المشركون بعده. قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ} أي إنكم لستم بالذين تعجزون الله وتسبقونه في الأرض حتى لا يقدر عليكم. { وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الكَافِرِينَ}.
اطفيش
تفسير : {بَرآءةٌ مِنَ اللهِ ورسولِهِ} خبر لمحذوف، أى هذه براءة، وإلى متعلقة ببراءة، أو يتعلق من بمحذوف نعت براءة، أى براءة وأصله من الله ورسوله ببراءة، أو مبتدأ خبر هو قوله: {إلَى الَّذينَ عاهَدْتُم من المشْركينَ} وقرأ عيسى بن عمرو: براءة بالنصب على المفعولية لمحذوف، أى اسمعوا براءة، أو التزموا براءة، وقرأ أهل نجران: من الله بكسر النون، والأفصح فتح نون من مع أل وهو الكثير. والمراد أن الله ورسوله قد برئا من العهد الذى عاهدتم به المشركين وهو منبوذ إليهم، لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل المنافقون يرجفون، وجعل المشركون ينقضون عهودا، فأمر بنبذها إليهم، وكان المؤمنون قد عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب، بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك علقت المعاهدة بالمؤمنين، ولأن القتال هم التالوه أو تالوا غالبه لا النبى صلى الله عليه وسلم، وعلقت البراءة بالله سبحانه، لأن هو الذى يحل ويحرم على لسان رسوله، كما عطف رسوله، أو عاقدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضوا بعقده، فنسب إليهم، وأيضا عقده لازم لهم، فهو عقد لهم، ونكث المشركون العهد إلا بنى ضمرة، وبنى كنانة، وبنى مدلج، ونبذ العهد إلى المشركين، قال ابن إسحاق: مما عوهدوا عليه أن لا يصدوا أحدا عن البيت الحرام.
اطفيش
تفسير : {بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ} بفتح النون لا بكسرها تحقيقا لكسرة مدخولها على أَل، وقرأَ أَهل نجد بكسرها مع أَل أَيضا. وهو ضعيف لاجتماع الكسرتين مع كثرتها، وأَما مع ساكن غير أَل فالراجح الأَفصح الكسر نحو من ابنك. وشق له من اسمه ليجله. والفتح ضعيفا، قاله الجاربردى {وَرَسُولِهِ} من عهد المشركين، متعلق ببراءَة. وأَما من فى الآية فمتعلق بمحذوف نعت، وبراءَة خبر لمحذوف، أَى هذه براءَة، أَى تخلص وانقطاع عن العهد، ومن الله نعت، وقوله {إِلَى الَّذِينَ عَاهَدّتُمْ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} متعلق ببراءَة.. أَو هو خبر، أَو يقدر خاصا أَى واصلة، وبراءَة مبتدأ والأُولى أَولى لأَنه أَفاد أَن هذه براءَة بخلاف الثانى، فإِن المخاطبين لا عهد لهم ببراءَة صادرة من الله يخبرهم الله بأَنها قد وصلتهم، قال السعد: يجب علم المخاطب بالنسبة التقييدية أَى كالنعت مثلا، اللهم إِلا أَن يدعى أَنهم علموا بها أَو نزلوا منزلة العالم، وكلاهما بعيد، نعم لا مانع من التوسع فيها ولو بلا علم من المخاطب. والمعاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسبت إِلى الصحابة معه لرضاهم بها واتفاقهم، ونسبت البراءَة من العهد إِلى الله ورسوله، ولم تنسب إِليهم مع أَنهم عاقدون له، والناقض هو الذى يعهد لأَن عقده بإِذن الله ورسوله فتبرأَ الله ورسوله منه بالنقض، ولأَن العهد مباح بخلاف البراءَة فإِنها واجبة فنسبت للشارع سبحانه، وذكر بعض أَن نسبة العهد إِلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فى مقام نسب فيه النبذ من المشركين لا يحسن أَدبا كما قال صلى الله عليه وسلم لأُمراءِ السرايا: "حديث : إِذا نزلتم على حصن فطلبوا النزول على حكم الله أَو على ذمة الله عز وجل فأَنزلوهم على حكمكم وذمتكم فإِنكم لا تدرون أَصادفتم حكم الله فيهم أَم لا، ولأَن تخفر ذمتكم خير من أَن تخفر ذمة الله"تفسير : . فانظر كيف أَدبهم. فتوقير عهد الله تعالى وقد نكثه المشركون أَحرى بأَلاَّ ينسب العهد المنكوث إِلى الله فينسب العهد إِلى المسلمين لا إِليه، وقيل: نسب العهد إِلى المسلمين لعلمه تعالى أَنه ينكث، وقيل ذكر الله للتمهيد كقوله تعالى: "أية : لا تقدموا بين يدى الله ورسوله" تفسير : [الحجرات: 1] وناسبه أَنه لم تعد منْ كما أَعيد عند فى قوله تعالى {أية : كيف يكون للمشركين} تفسير : [التوبة: 7] إِلخ. وقوله عز وجل "براءَة من الله" إِلخ. خبر لفظا أَمر معنى. نقض الكفرة العهد إِلا بنى ضمرة وبنى كنانة فوقهم نسبا، فأَمر الله بنبذ العهد إِلى الناكثين، وأَمهل غيرهم أَربعة أَشهر، بسبب نقضهم له. وأَرجأَت المنافقين حين خرج صلى الله عليه وسلم إِلى تبوك، وإِنما يسوغ له صلى الله عليه وسلم لخيانة ظهرت منهم "أية : فإِما تخافن من قوم"تفسير : [الأَنفال: 57] إِلخ.. أَو لتغييى العهد بنقض الله أَو بتمام مدة جعلت له.
الالوسي
تفسير : {بَرَاءَةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي هذه براءة والتنوين للتفخيم و {مِنَ} ابتدائية كما يؤذن به مقابلتها بإلى متعلقة بمحذوف وقع صفة للخبر لفساد تعلقه به أي واصلة من الله، وقدروه بذلك دون حاصلة لتقليل التقدير لأنه يتعلق به {إِلَى} الآتي أيضاً، وجوز أن تكون مبتدأ لتخصيصها بصفتها وخبره قوله تعالى: {إِلَى ٱلَّذِينَ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}. وقرأ عيسى بن عمرو {براءة} بالنصب وهي منصوبة باسمعوا أو الزموا على الإغراء، وقرأ أهل نجران {مِنِ ٱللَّهِ} بكسر النون على أن الأصل في تحريك الساكن الكسر، لكن الوجه الفتح مع لام التعريف هرباً من توالي الكسرتين، وإنما لم يذكر ما تعلق به البراءة حسبما ذكر في قوله تعالى: {أية : أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 3] اكتفاءً بما في حيز الصلة فإنه منبىء عنه إنباءً ظاهراً واحترازاً عن تكرار لفظ من، والعهد العقد الموثق باليمين، والخطاب في {عَـاهَدْتُمْ } للمسلمين وقد كانوا عاهدوا مشركي العرب من أهل مكة وغيرهم بإذن الله تعالى واتفاق الرسول صلى الله عليه وسلم فنكثوا إلا بني ضمرة وبني كنانة، وأمر المسلمون بنبذ العهد إلى الناكثين وأملهوا أربعة أشهر ليسيروا حيث شاءوا. وإنما نسبت البراءة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مع شمولها للمسلمين في اشتراكهم في حكمها ووجوب العمل بموجبها وعلقت المعاهدة بالمسلمين خاصة مع كونها بإذن الله تعالى واتفاق الرسول عليه الصلاة والسلام للإنباء عن تنجزها وتحتمها من غير توقف على رأي المخاطبين لأنها عبارة عن إنهاء حكم الأمان ورفع الخطر المترتب على العهد، السابق عن التعرض للكفرة وذلك منوط بجانب الله تعالى من غير توقف على شيء أصلاً، واشتراك المسلمين إنما هو على طريق الامتثال لا غير، وأما المعاهدة فحيث كانت عقداً كسائر العقود الشرعية لا تتحصل ولا تترتب عليها الأحكام إلا بمباشرة المتعاقدين على وجه لا يتصور صدوره منه تعالى وإنما الصادر عنه سبحانه الإذن في ذلك وإنما المباشر له المسلمون، ولا يخفى أن البراءة إنما تتعلق بالعهد لا بالإذن فيه فنسبت كل واحدة منهما إلى من هو أصل فيها، على أن في ذلك تفخيماً لشأن البراءة وتهويلاً لأمرها وتسجيلاً على الكفرة بغاية الذل والهوان ونهاية الخزي والخذلان، وتنزيهاً لساحة الكبرياء عما يوهم شائبة النقص والبداء تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وأدراجه صلى الله عليه وسلم في النسبة الأولى وإخراجه عن الثانية لتنويه شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم في كلا المقامين كذا حرره بعض المحققين وهو توجيه وجيه. وزعم بعضهم أن المعاهدة لما لم تكن واجبة بل مباحة مأذونة نسبت إليه بخلاف البراءة فإنها واجبة بإيجابه تعالى فلذا نسبت للشارع وهو كما ترى. وذكر ابن المنير ((في سر ذلك أن نسبة العهد إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في مقام نسب فيه النبذ من المشركين لا يحسن أدباً. / ألا ترى إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء السرايا حيث يقول لهم: «حديث : إذا نزلتم بحصن فطلبوا النزول على حكم الله تعالى فأنزلوهم على حكمكم فإنكم لا تدرون أصادفتم حكم الله تعالى فيهم أم لا، وإن طلبوا ذمة الله تعالى فأنزلوهم على ذمتكم فلأن تخفر ذمتكم خير من أن تخفر ذمة الله تعالى» تفسير : فانظر إلى أمره صلى الله عليه وسلم بتوقير ذمة الله تعالى مخافة أن تخفر وإن كان لم يحصل بعد ذلك الأمر المتوقع، فتوقير عهد الله تعالى وقد تحقق من المشركين النكث وقد تبرأ منه تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بأن لا ينسب العهد المنبوذ إليه سبحانه أحرى وأجدر فلذلك نسب العهد للمسلمين دون البراءة منه)) ولا يخلو عن حسن إلا أنه غير واف وفاء ما قد سبق، وقيل: إن ذكر الله تعالى للتمهيد كقوله سبحانه: {أية : لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } تفسير : [الحجرات: 1] تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم ولولا قصد التمهيد لأعيدت {مِنَ} كما في قوله عز وجل: {أية : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ } تفسير : [التوبة: 7] وإنما نسبت البراءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام والمعاهدة إليهم لشركتهم في الثانية دون الأولى. وتعقب بأنه لا يخفى ما فيه فإن من بريء الرسول عليه الصلاة والسلام منه تبرأ منه المؤمنون، وما ذكر من إعادة الجار ليس بلازم، وما ذكره من التمهيد لا يناسب المقام لضعف التهويل حينئذ، وقيل: ولك أن تقول: إنه إنما أضاف العهد إلى المسلمين لأن الله تعالى علم أن لا عهد لهم وأعلم به رسوله عليه الصلاة والسلام فلذا لم يضف العهد إليه لبراءته منهم ومن عهدهم في الأزل، وهذه نكتة الاتيان بالجملة اسمية خبرية وإن قيل: إنها إنشائية للبراءة منهم ولذا دلت على التجدد. وفيه أن حديث الأزل لا يتأتى في حق الرسول عليه الصلاة والسلام ظاهراً وبالتأويل لا يبعد اعتبار المسلمين أيضاً، ونكتة الإتيان بالجملة الاسمية وهي الدلالة على الدوام والاستمرار لا تتوقف على ذلك الحديث فقد ذكرها مع ضم نكتة التوسل إلى التهويل بالتنكير التفخيمي من لم يذكره.
سيد قطب
تفسير : هذا المقطع من سياق السورة نزل متأخراً عن بقيتها؛ وإن كان قد جاء ترتيبه في مقدماتها. وترتيب الآيات في السورة كان يتم - كما تقدم - بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أمر توقيفي منه صلى الله عليه وسلم. وهو يتضمن إنهاء العهود التي كانت قائمة بين المسلمين والمشركين حتى ذلك الحين. سواء كان هذا الإنهاء بعد أربعة أشهر لمن كانت عهودهم مطلقة، أو الناكثين لعهودهم؛ أو كان بعد انتهاء الأجل لمن كانت لهم عهود مقيدة، ولم ينقصوا المسلمين شيئاً ولم يظاهروا عليهم أحداً.. فعلى الجملة كانت النتيجة الأخيرة هي إنهاء العهود مع المشركين في الجزيرة العربية؛ وإنهاء مبدأ التعاقد أصلاً مع المشركين بعد ذلك، بالبراءة المطلقة من المشركين، وباستنكار أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله. ومن بين ما يتضمنه كذلك عدم السماح للمشركين بالطواف بالمسجد الحرام أو عمارته في صورة من الصور بعد ذلك. خلافاً لما كان عليه العهد العام المطلق بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمشركين، أن يأمن بعضهم بعضاً في البيت الحرام والأشهر الحرم مع بقائهم على شركهم. والذي يراجع أحداث السيرة النبوية ووقائعها، ليرى من خلالها الواقع التاريخي للمنهج الحركي الإسلامي؛ ويراجع كذلك طبيعة هذا المنهج في ذاته ومراحله وأهدافه.. يرى بوضوح أن هذه الخطوة الحاسمة في العلاقات بين المعسكر الإسلامي في الجزيرة وسائر معسكرات المشركين - وكذلك بينه وبين معسكرات أهل الكتاب التي تقررت في هذه السورة - كان قد جاء موعدها، وتمهدت لها الأرض، وتهيأت لها الأحوال، وأصبحت هي الخطوة الطبيعية في أوانها المحتوم. كان قد تبين من الواقع العملي مرحلة بعد مرحلة، وتجربة بعد تجربة، أنه لا يمكن التعايش بين منهجين للحياة بينهما هذا الاختلاف الجذري العميق البعيد المدى الشامل لكل جزئية من جزئيات الاعتقاد والتصور، والخلق والسلوك، والتنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي - والإنساني - وهو الاختلاف الذي لا بد أن ينشأ من اختلاف الاعتقاد والتصور.. منهجين للحياة أحدهما يقوم على عبودية العباد لله وحده بلا شريك؛ والآخر يقوم على عبودية البشر للبشر، وللآلهة المدعاة، وللأرباب المتفرقة. ثم يقع بينهما التصادم في كل خطوة من خطوات الحياة؛ لأن كل خطوة من خطوات الحياة في أحد المنهجين لا بد أن تكون مختلفة مع الأخرى، ومتصادمة معها تماماً، في مثل هذين المنهجين وفي مثل هذين النظامين. إنها لم تكن فلتة عارضة أن تقف قريش تلك الوقفة العنيدة لدعوة "أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" في مكة. ولا أن تحاربها هذه الحرب الجائرة في المدينة.. ولم تكن فلتة عارضة أن يقف اليهود في المدينة كذلك لهذه الحركة؛ وأن يجمعهم مع المشركين معسكر واحد - وهم من أهل الكتاب! - وأن يؤلب اليهود وتؤلب قريش قبائل العرب في الجزيرة في غزوة الأحزاب لاستئصال شأفة ذلك الخطر الذي يتهدد الجميع بمجرد قيام الدولة في المدينة على أساس هذه العقيدة، وإقامة نظامها وفق ذلك المنهج الرباني المتفرد!. وكذلك سنعلم بعد قليل أنها لم تكن فلتة عابرة أن يقف النصارى - وهم من أهل الكتاب كذلك! - لهذه الدعوة ولهذه الحركة سواء في اليمن أم في الشام؛ أم فيما وراء اليمن ووراء الشام إلى آخر الزمان!. إنها طبائع الأشياء.. إنها أولاً طبيعة المنهج الإسلامي التي يعرفها جيداً - ويستشعرها بالفطرة - أصحاب المناهج الأخرى! طبيعة الإصرار على إقامة مملكة الله في الأرض، وإخراج الناس كافة من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وتحطيم الحواجز المادية التي تحول بين "الناس كافة" وبين حرية الاختيار الحقيقية.. ثم إنها ثانياً طبيعة التعارض بين منهجين للحياة لا التقاء بينهما في كبيرة ولا صغيرة؛ وحرص أصحاب المناهج الأرضية على سحق المنهج الرباني الذي يتهدد وجودهم ومناهجهم وأوضاعهم قبل أن يسحقهم!.. فهي حتمية لا اختيار فيها - في الحقيقة - لهؤلاء ولا هؤلاء! وكانت هذه الحتمية تفعل فعلها على مدى الزمن، وعلى مدى التجارب؛ وتتجلى في صور شتى، تؤكد وتعمق ضرورة الخطوة النهائية الأخيرة التي أعلنت في هذه السورة؛ ولم تكن الأسباب القريبة المباشرة التي تذكرها بعض الروايات إلا حلقات في سلسلة طويلة ممتدة على مدى السيرة النبوية الشريفة، وعلى مدى الحركة الإسلامية منذ أيامها الأولى.. وبهذه السعة في النظرة إلى الجذور الأصيلة للموقف، وإلى تحركاته المستمرة، يمكن فهم هذه الخطوة الأخيرة. وذلك مع عدم إغفال الأسباب القريبة المباشرة، لأنها بدورها لا تعدو أن تكون حلقات في تلك السلسلة الطويلة. وقد ذكر الإمام البغوي في تفسيره أن المفسرين قالوا: إنه لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك أرجف المنافقون، وأخذ المشركون ينقضون عهودهم؛ فأنزل الله الآيات بالنسبة لهؤلاء، مع إمهالهم أربعة أشهر إن كانت مدة عهدهم أقل، أو قصرها على أربعة أشهر إن كانت أكثر. وذكر الإمام الطبري - بعد استعراضه الأقوال في تفسير مطلع السورة -: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: لأجل الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين، وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته. فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه، فإن الله جل ثناؤه أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، إن الله يحب المتقين}. ومما رواه الطبري كذلك - بإسناده - عن مجاهد قوله: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} قال: أهل العهد: مدلج والعرب الذين عاهدهم، ومن كان له عهد. قال: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تبوك حين فرغ منها، وأراد الحج. ثم قال:"حديث : إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك"تفسير : . فأرسل أبا بكر وعلياً رحمة الله عليهما، فطافا بالناس بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالموسم كله، وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر. فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر. ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا. فآمن الناس أجمعون حنيئذ، ولم يَسح أحد". وهذه الأسباب القريبة المباشرة لا شك كان لها وزنها في اتخاذ الخطوة الأخيرة الحاسمة. ولكنها بدورها ليست إلا حلقات في السلسلة الطويلة؛ الناشئة ابتداء من الحتمية الجذرية الكبيرة: وهي تعارض المنهجين أصلاً، وعدم إمكان التعايش بينهما إلا فترات اضطرارية تنتهي حتماً... وقد أراد المرحوم الشيخ رشيد رضا أن يلم بحلقات السلسلة منذ بدء الدعوة - وإن يكن لم يحاول أن يلم بأصل الاختلاف الجذري الدائم الذي ينشئ هذه السلسلة بحلقاتها؛ والذي ينتهي بما انتهت إليه حتماً - فقال في تفسير المنار: "من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه، أن الله تعالى بعث محمداً رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة، ذكرنا كلياتها في تفسير: (2: 3) (ص 190 - ص228 ج 1) وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة؛ ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة، كما بيناه في تفسير (2: 256 ص 26- ص 40 ج 3) فقاومه المشركون، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه، وصدوه (ص) عن تبليغه للناس بالقوة؛ ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب، إلا بتأمين حليف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة؛ ثم اشتد إيذاؤهم للرسول (ص) حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علناً في دار الندوة؛ ورجحوا في آخر الأمر قتله؛ فأمره الله تعالى بالهجرة، كما تقدم في تفسير [8: 30] {أية : وإذا يمكر بك الذين كفروا} تفسير : ( ص 650 ج 9) فهاجر (ص) وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصاراً لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرونهم على أنفسهم. وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع ومقتضى العرف العام في ذلك العصر. وعاهد (ص) أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون. فخانوا وغدروا، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه. كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء (ص 1547 - 1556). "وقد عاهد (ص) المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل، عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة. ودخلت خزاعة في عهده (ص) كما دخلت بنو بكر في عهد قريش؛ ثم عدا هؤلاء على أولئك وأعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم، فكان ذلك سبب عودة الحرب العامة معهم، وفتحه (ص) لمكة، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله؛ ولكنهم ما زالوا يحاربونه حيث قدروا؛ وثبت بالتجربة لهم في حالي قوتهم وضعفهم أنهم لا عهود لهم، ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم، وكما يأتي قريباً في قوله تعالى من هذه السورة 7: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله - إلى قوله في آخر أية 12 - فقاتلوا أئمة الكفر، إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون}. أي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها. والمراد أنه لا يمكن أن يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية، فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه، مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به، فيجب الوفاء بالعهد بإيجابه. كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق، من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب؟! "هذا هو الأصل الشرعي الذي بني عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة، وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام عليها؛ وأما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة، وجعلها خالصة للمسلمين، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى: [2: 190] {أية : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} تفسير : وقوله: [8: 61] {أية : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} تفسير : بقدر الإمكان. وإن قال الجمهور بنسخ هذه الآية بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك".. انتهى. وظاهر من هذا الاستعراض ومن التعقيب عليه - ومما جاء بعده في تفسير السورة في تفسير المنار - أنه مع لمس السبب الأصيل العميق الكامن وراء هذه السلسلة من نقض العهود، وابتداء أول فرصة لحرب الإسلام وأهله من المشركين وأهل الكتاب، فإن المؤلف لا يتابع هذا السبب إلى جذوره؛ ولا يرى امتداده وشموله؛ ولا يستشرف الحقيقة الكبيرة في طبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الحركي؛ وطبيعة الاختلاف الجذري بين منهج الله ومناهج العبيد، التي لا يمكن الالتقاء على شيء منها؛ وبالتالي لا يمكن التعايش الطويل بين المعسكرات القائمة على منهج الله وهذه المناهج أصلاً! فأما الأستاذ محمد عزة دروزة في تفسيره للسورة في كتابه: "التفسير الحديث" فيبعد جداً عن هذه الحقيقة الكبرى؛ ولا يلمس ذلك السبب الأصيل العميق أصلاً. ذلك أنه مشغول - كغيره من الكتاب المحدثين الواقعين تحت ضغط الواقع البائس لذراري المسلمين وللقوة الظاهرة لمعسكرات المشركين والملحدين وأهل الكتاب في هذا الزمان - بتلمس شهادة لهذا الدين بأنه دين السلم والسلام؛ الذي لا يعنيه إلا أن يعيش داخل حدوده في سلام! فمتى أمكنت المهادنة والمعاهدة فهو حريص عليها، لا يعدل بها هدفاً آخر! وهو من ثم لا يرى سبباً لهذه النصوص الجديدة الأخيرة في سورة التوبة إلا نقض بعض المشركين لعهودهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن الذين لم ينقضوا عهودهم - سواء كانت مؤقتة أو مؤبدة - فقد جاءت السورة بالمحافظة عليها. وأنه حتى إذا انقضت عهودهم فإنه يجوز أن تعقد معهم معاهدات جديدة!!! وكذلك الناكثون أنفسهم! وأن الآيات المرحلية هي الأصل الذي يقيد عموم الآيات الأخيرة في هذه السورة!!! وفي ذلك يقول في شرح قوله تعالى: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين. فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم, إن الله غفور رحيم}. "وفي الآيتين وما قبلهما صور من السيرة النبوية في أواخر العهد المدني، حيث ينطوي فيهما أنه كان بين المسلمين والمشركين عهود سلم بعد الفتح المكي ربما كانت ممتدة إلى ما قبله، وأن من المشركين من ظلوا أوفياء لعهودهم، ومنهم من نقض أو ظهرت منه علائم النقض والغدر. "ولقد نبهنا قبل على أن أهل التأويل والمفسرين يسمون الآية الثانية من الآيتين اللتين نحن في صددهما آية السيف، ويعتبرونها ناسخة لكل آية فيها أمر بالتسامح والتساهل مع المشركين وإمهالهم والإغضاء والصفح والإعراض عنهم. وتوجب قتالهم إطلاقاً. وبعضهم يستثني المعاهدين منهم إلى مدتهم، وبعضهم لا يستثنيهم ولا يجوّز قبول غير الإسلام منهم بعد نزولها. ونبهنا على ما في ذلك من غلو ومناقضة للتقريرات القرآنية المتضمنة لأحكام محكمة بعدم قتال غير الأعداء وترك المسالمين والموادين وبرهم والإقساط إليهم. ولقد كرر المفسرون أقوالهم ورواياتهم عن قدماء أهل التأويل في مناسبة هذه الآية، فروى ابن كثير عن ابن عباس أن الآية أمرت النبي صلى الله عليه وسلم بأن يضع السيف في من عاهدهم حتى يدخلوا في الإسلام، وأن ينقض ما كان سمى لهم من عهد وميثاق. وقد روى المفسر نفسه قولاً عجيباً عن سليمان بن عيينة جمع فيه بين هذه الآيات وآيات أخرى من هذه السورة وغيرها ليست في صدد قتال المشركين سماها الأسياف، وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب بها حين بعثه يؤذن في الناس يوم الحج الأكبر، منها هذه الآية وسماها سيفاً في المشركين من العرب، وسيفاً في قتال أهل الكتاب وهي آية التوبة هذه: {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} تفسير : [29] وسيفاً في المنافقين وهو هذه الآية من سورة التوبة أيضاً:{أية : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير}تفسير : [73] وسيفاً في قتال الباغين وهو هذه الآية في سورة الحجرات:{أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}تفسير : [9] ومن العجيب أن الطبري ذهب إلى أن هذه الآية تشمل المعاهدين ومن لا عهد لهم إطلاقاً دون تفريق. مع أنه قرر في سياق آية الممتحنة هذه:{أية : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}تفسير : [8] أنها محكمة وأن الله لا ينهى المسلمين عن البر والإقساط لمن يقف منهم موقف المسالمة والمحاسنة والحياد من أية ملة كانوا. وهؤلاء قد لا يكونون معاهدين! "كل هذا والآية كما هو واضح من فحواها وسياقها هي في صدد قتال المشركين المعاهدين الناقضين لعهدهم وحسب. بحيث يسوغ القول إن اعتبارها آية سيف وجعلها شاملة لكل مشرك إطلاقاً تحميل لها بما لا يتحمله هذا السياق والفحوى، وكذلك الأمر في اعتبارها ناسخة للتقريرات المنطوية في آيات عديدة والتي عليها طابع المبدأ المحكم العام، مثل عدم الإكراه في الدين والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن والحث على البر والإقساط لمن لا يقاتل المسلمين ولا يخرجونهم من ديارهم على ما نبهنا عليه في مناسبات عديدة سابقة. ويأتي بعد قليل آية فيها أمر صريح للمسلمين بالاستقامة على عهدهم مع المشركين الذين عاهدوهم عند المسجد الحرام ما استقاموا لهم، وفي هذه الآية دليل قوي على وجاهة ما نقرره إن شاء الله. "وقد ترد مسألتان في صدد ما ينطوي في الآيتين من أحكام أولاهما: أن الاستثناء الوارد في أولى الآيتين محدد بانقضاء مدة العهد، فهل يكون المعاهدون من المشركين حين انقضاء هذه المدة موضع براءة الله ورسوله ويجب قتالهم؟ وكلام المفسرين ينطوي على الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب. ولم نطلع على أثر نبوي وثيق في هذا الصدد. ونرى أن كلام المفسرين يصح أن يكون محل توقف إذا أريد به الإطلاق. وأن الأمر يتحمل شيئاً من التوضيح: فالمعاهدون إما أن يكونوا أعداء للمسلمينَ قبل العهد، وقد وقع حرب وقتال بينهم، ثم عاهدهم المسلمون كما كان شأن قريش وصلحهم من النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية. وإما أن يكونوا قد رغبوا في موادعة المسلمين ومسالمتهم دون أن يكون قد وقع بينهم عداء وقتال. وآية النساء هذه:{أية : إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم، ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم. فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً}تفسير : [90] تنطوي فيها على ما نعتقد حالة واقعية مثل ذلك. وفي روايات السيرة بعض الأمثلة حيث روى ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم وادع بني صخر من كنانة ألا يغزوهم ولا يغزوه ولا يكثروا عليه ولا يعينوا عليه عدواً، وكتب بينه وبينهم كتاباً بذلك. وليس في الآية ولا في غيرها ما يمنع تجديد العهد أو تمديده مع هؤلاء ولا مع أولئك إذا رغبوا ولم يكن قد ظهر منهم نقض ولا نية غدر. وليس للمسلمين أن يرفضوا ذلك لأنهم إنما أمروا بقتال من يقاتلهم ويعتدي عليهم بشكل من الأشكال. وفي الآية التي تأتي بعد قليل والتي تأمر المسلمين بصراحة بالاستقامة على عهدهم مع المشركين ما استقاموا لهم قرينة على ما نقول إن شاء الله. "أما المسألة الثانية: فهي ما تفيده الفقرة الأخيرة من الآية الثانية من كون تخلية سبيل المشركين والكف عن قتالهم بسبب نقضهم منوطين بتوبتهم عن الشرك وإقامتهم الصلاة وإيتائهم الزكاة. "والذي يتبادر لنا في صدد هذه المسألة أن المشركين بعد أن نقضوا عهدهم وقاتلهم المسلمون فقدوا حق العهد ثانية. وصار من حق المسلمين أن يفرضوا الشرط الذي يضمن لهم الأمن والسلامة، وهو توبتهم عن الشرك ودخولهم في الإسلام وقيامهم بواجباته التعبدية والمالية. ولا يعد هذا من قبيل الإكراه في الدين، بقطع النظر عن أن الشرك يمثل مظاهر انحطاط الإنسانية وتسخيرها لقوى وأفكار وعقائد سخيفة مغايرة للعقل والمنطق والحق، كما يمثل نظاماً جاهلياً فيه التقاليد الجائرة والعادات المنكرة والعصبيات الممقوتة، وأن الإسلام الذي يشترط عليهم الدخول فيه يضمن لهم الخلاص من ذلك، والارتفاع بهم إلى مستوى الكمال الإنساني عقلاً وخلقاً وعبادة وعقيدة وعملاً. على أننا لسنا نرى في الآيات مع ذلك ما يمنع المسلمين أن يجددوا العهد مع الناكثين بعد الحرب ثانية إذا كانت مصلحتهم تقتضي ذلك. وقد لا يكونون قادرين على متابعة الحرب، أو على إخضاعهم بالقوة. والله تعالى أعلم"... انتهى. وواضح من هذه الفقرات التي اقتطفناها ومن أمثالها في تفسير المؤلف كله أنه ابتداء لا يلقي باله إلى حق الإسلام المطلق في أن ينطلق في الأرض لتحرير البشرية من العبودية للعباد، وردها إلى الله وحده، حيثما كان ذلك ممكناً له، بغض النظر عما إذا كان هناك اعتداء على أهله داخل حدودهم الإقليمية أم لم يكن.. فهو يستبعد هذا المبدأ ابتداء. وهو المبدأ الذي يقوم عليه الجهاد في الإسلام. وبدونه يفقد دين الله حقه في أن يزيل العقبات المادية من طريق الدعوة، ويفقد كذلك جديته وواقعيته في مواجهة الواقع البشري بوسائل مكافئة له في مراحل متعددة بوسائل متجددة، ويصبح عليه أن يواجه القوى المادية بالدعوة العقيدية! وهو هزال لا يرضاه الله لدينه في هذه الأرض! وواضح كذلك أن المؤلف لا يلقي باله إلى طبيعة المنهج الحركي في الإسلام، ومواجهته للواقع بوسائل مكافئة. فهو يحيل الأحكام النهائية الأخيرة على النصوص المرحلية قبلها. دون التفات إلى أن النصوص السابقة كانت تواجه حالات واقعة غير الحالة التي جاءت النصوص الأخيرة تواجهها.. وحقيقة إن هذه الأحكام ليست (منسوخة) بمعنى أنه لا يجوز الأخذ بها مهما تكن الأحوال - بعد نزول الأحكام الأخيرة - فهي باقية لمواجهة الحالات التي تكون من نوع الحالات التي واجهتها. ولكنها لا تقيد المسلمين إذا واجهتهم حالات كالتي واجهتها النصوص الأخيرة، وكانوا قادرين على تنفيذها.. .. إن الأمر في حاجة إلى سعة ومرونة وإدراك لطبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الحركي كما أسلفنا.. وبعد، فإننا نعود إلى العبارة التي افتتحنا بها الفقرة السابقة: "والذي يراجع أحداث السيرة النبوية ووقائعها، ليرى من خلالها الواقع التاريخي للمنهج الحركي الإسلامي، ويراجع كذلك طبيعة هذا المنهج في ذاته ومراحله وأهدافه.. يرى بوضوح أن هذه الخطوة الحاسمة في العلاقات بين المعسكر الإسلامي في الجزيرة وسائر معسكرات المشركين - وكذلك بينه وبين معسكرات أهل الكتاب التي تقررت في هذه السورة - كان قد جاء موعدها، وتمهدت لها الأرض، وتهيأت لها الأحوال، وأصبحت هي الخطوة الطبيعية في أوانها المحتوم". كانت التجربة تلو التجربة قد كشفت عن القانون الحتمي الذي يحكم العلاقات بين المجتمع المسلم الذي يُفرد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية والتشريع؛ والمجتمعات الجاهلية التي تجعل هذا كله لغير الله، أو تجعل فيه شركاء لله.. هذا القانون الحتمي هو قانون الصراع الذي يعبر عنه قول الله سبحانه {أية : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً } تفسير : [الحج: 40] والذي يقول عنه سبحانه كذلك:{أية : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}تفسير : [البقرة: 251]. وقد ظهرت آثار هذا القانون الحتمي في ظاهرتين بارزتين: إحداهما: انطلاق الإسلام خطوة بعد خطوة، وغزوة بعد غزوة، ومرحلة بعد مرحلة؛ لنشر منهج الله في الأرض حوله؛ وإبلاغ كلمة الله إلى أرض بعد أرض وإلى قبيلة بعد قبيلة - في طريقه إلى إبلاغها إلى الناس كافة وإزالة الحواجز المادية التي تحول دون هذا الإعلان العام والبلوغ إلى كل بني الإنسان - حتى فتحت مكة، وخضدت شوكة قريش العقبة الكبرى في طريق الزحف الإسلامي، واستسلمت هوازن وثقيف في الطائف أقوى القبائل بعد قريش في طريق هذا الزحف. وأصبحت للإسلام قوته التي ترهب عدوه؛ وتسمح بالقيام بالخطوة النهائية الحاسمة في الجزيرة - تمهيداً لما وراءها من أرض الله حسبما تتهيأ الظروف الملائمة لكل خطوة تالية، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله. وثانيتهما: نقض العهود التي كانت المعسكرات الجاهلية تعقدها مع المسلمين - في ظروف مختلفة - عهداً بعد عهد؛ بمجرد أن تتاح لها فرصة نقضها، وعند أول بادرة تشير إلى أن المعسكر الإسلامي في ضائقة تهدد وجوده؛ أو على الأقل تجعل هذا النقض مأمون العاقبة على ناقضيه من المشركين - ومن أهل الكتاب من قبلهم - فما كانت هذه العهود - إلا نادراً - عن رغبة حقيقية في مسالمة الإسلام ومهادنة المسلمين؛ إنما كانت عن اضطرار واقعي إلى حين! فما تطيق المعسكرات الجاهلية طويلاً أن ترى الإسلام ما يزال قائماً حيالها؛ مناقضاً في أصل وجوده لأصل وجودها؛ مخالفاً لها مخالفة جذرية أصيلة في الصغيرة والكبيرة من مناهجها، يهدد بقاءها بما في طبيعته من الحق والحيوية والحركة والانطلاق لتحطيم الطاغوت كله، ورد الناس جميعاً إلى عبادة الله وحده. وهذه الظاهرة الأخيرة والقاعدة الأصيلة التي تقوم عليها هي التي يقررها الله سبحانه في قوله عن المشركين: {أية : ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}تفسير : [البقرة: 217] والتي يقول فيها عن أهل الكتاب:{أية : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق}تفسير : [البقرة: 109] ويقول فيها كذلك:{أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}تفسير : [البقرة: 120] فيعلن - سبحانه - بهذه النصوص القطعية عن وحدة الهدف بين جميع معسكرات الجاهلية تجاه الإسلام والمسلمين؛ وعن قوة الإصرار على هذا الهدف وامتدادها عبر الزمان، وعدم توقيتها بظرف أو زمان! وبدون إدراك ذلك القانون الحتمي في طبيعة العلاقات بين التجمع الإسلامي والتجمعات الجاهلية، وتفسير الظواهر التي تنشأ عنه - على مدار التاريخ - بالرجوع إليه، لا يمكن فهم طبيعة الجهاد في الإسلام؛ ولا طبيعة تلك الصراعات الطويلة بين المعسكرات الجاهلية والمعسكر الإسلامي. ولا يمكن فهم بواعث المجاهدين الأوائل، ولا أسرار الفتوحات الإسلامية؛ ولا أسرار الحروب الوثنية والصليبية التي لم تفتر قط طوال أربعة عشر قرناً؛ والتي ما تزال مشبوبة على ذراري المسلمين - وإن كانوا لسوء حظهم تخلوا عن حقيقة الإسلام ولم يبق لهم منه إلا العنوان - في المعسكرات الشيوعية والوثنية والصليبية كلها: في روسيا والصين ويوغسلافيا وألبانيا. وفي الهند وكشمير. وفي الحبشة وزنجبار وقبرص وكينيا وجنوب افريقية والولايات المتحدة.. وذلك فوق عمليات السحق الوحشية البشعة لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان في العالم الإسلامي - أو الذي كان إسلامياً بتعبير أدق - وتعاون الشيوعية والوثنية والصليبية مع الأوضاع التي تتولى سحق هذه الطلائع، ومد يد الصداقة إليها، وإمدادها بالمعونات التي تبلغ حد الكفالة، وإقامة ستار من الصمت حولها وهي تسحق هذه الطلائع الكريمة! إن شيئاً من هذا كله لا يصبح مفهوماً بدون إدراك ذلك القانون الحتمي والظواهر التي يتجلى فيها.. وقد تجلى ذلك القانون - كما أسلفنا - قبيل نزول سورة التوبة بعد فتح مكة في هاتين الظاهرتين اللتين أسلفنا الحديث عنهما. وظهر بوضوح أنه لا بد من اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة في الجزيرة سواء تجاه المشركين - وهو ما نواجهه في هذا المقطع من السورة - أو تجاه أهل الكتاب، وهو ما سنواجهه في المقطع التالي مباشرة والذي بعده.. ولكن وضوح ذلك كله للقيادة المسلمة - حينذاك - لم يكن معناه وضوحه - بنفس الدرجة - لكل الجماعات والطوائف في المجتمع المسلم. وبخاصة لحديثي العهد بالإيمان والمؤلفة قلوبهم، فضلاً على ضعاف القلوب والمنافقين! كان في المجتمع المسلم - ولعل بعض هؤلاء من كرام المسلمين وخيارهم - من يتحرج من إنهاء العهود مع المشركين جميعاً - بعد أربعة أشهر للناكثين ومن لهم عهود غير موقتة ومن لم يحاربوا المسلمين ولو من غير عهد ومن لهم عهود أقل من أربعة؛ وبعد انقضاء الأجل لمن لهم عهود موقوتة ولم ينقصوا المسلمين شيئاً ولم يظاهروا عليهم أحداً - ولئن كانوا يستسيغون نبذ عهود الناكثين والذين تخاف منهم الخيانة، كما سبق في الحكم المرحلي الذي تضمنته سورة الأنفال: {أية : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} تفسير : [الأنفال: 58] فإن إنهاء عهود غيرهم بعد أربعة أشهر أو بعد الأجل المقدر، ربما بدا لهم مخالفاً لما عهدوه وألفوه من معاهدة المعاهدين وموادعة الموادعين وترك المهادنين.. ولكن الله - سبحانه - كان يريد أمراً أكبر من المألوف؛ وخطوة وراء ما انتهت إليه الأمور! وكان في المجتمع المسلم كذلك - ولعل بعض هؤلاء من كرام المسلمين وخيارهم كذلك - من يرى أنه لم تعد هناك ضرورة لقتال المشركين عامة، ومتابعتهم حتى يفيئوا إلى الإسلام؛ بعدما ظهر الإسلام في الجزيرة وغلب؛ ولم تبق إلا جيوب متناثرة هنا وهناك لا خوف منها على الإسلام اليوم. ومن المتوقع أن تفيء رويداً رويداً - في ظل السلم - إلى الإسلام.. ولا يخلو هذا الفريق من التحرج من قتال الأقرباء والأصدقاء ومن تربطهم بهم علاقات اجتماعية واقتصادية متنوعة، متى كان هناك أمل في دخولهم في الإسلام بغير هذا الإجراء العنيف.. ولكن الله سبحانه كان يريد أن تقوم آصرة التجمع على العقيدة وحدها، وأن تخلص الجزيرة للإسلام، وأن تصبح كلها قاعدة أمينة له؛ وهو يعلم أن الروم يبيتون للإسلام على مشارف الشام كما سيجيء! وكان في المجتمع المسلم - ولعل بعض هؤلاء كان من كرام المسلمين وخيارهم أيضاً! - من يخشى الكساد الذي يتوقعه من تعطل الصلات التجارية والاقتصادية في أنحاء الجزيرة بسبب إعلان القتال العام على المشركين كافة فيها؛ وتأثير ذلك في موسم الحج، وبخاصة بعد إعلان ألا يحج بعد العام مشرك، وألا يعمر المشركون مساجد الله. وبخاصة حين يضيف إلى هذا الاعتبار عدم ضرورة هذه الخطوة؛ وإمكان الوصول إليها بالطرق السلمية البطيئة!.. ولكن الله سبحانه كان يريد أن تقوم آصرة التجمع على العقيدة وحدها - كما تقدم - وأن تكون العقيدة أرجح في ميزان القلوب المؤمنة من كل ما عداها. سواء من القرابات والصداقات؛ أم من المنافع والمصالح. كما أنه - سبحانه - كان يريد أن يعلمهم أنه هو الرزاق وحده، وأن هذه الأسباب الظاهرة للرزق ليست هي الأسباب الوحيدة التي يملك أن يسخرها لهم بقدرته. وكان في المجتمع المسلم من ضعاف القلوب والمترددين والمؤلفة قلوبهم والمنافقين، وغيرهم كذلك ممن دخلوا في دين الله أفواجاً ولم ينطبعوا بعد بالطابع الإسلامي من يفرق من قتال المشركين كافة؛ ومن الكساد الذي ينشأ من تعطيل المواسم، وقلة الأمن في التجارة والتنقل وانقطاع الأواصر والصلات؛ وتكاليف الجهاد العام في النفوس والأموال. ولا يجد في نفسه دافعاً لاحتمال هذا كله، وهو إنما دخل في الإسلام الغالب الظاهر المستقر؛ فهي صفقة بلا عناء كبير.. أما هذا الذي يرادون عليه فما لهم وما له وهم حديثوا عهد بالإسلام وتكاليفه؟!.. وكان الله - سبحانه - يريد أن يمحص الصفوف والقلوب، وهو يقول للمسلمين {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون}. هذه الأعراض المتشابكة في المجتمع المسلم المختلط - بعد الفتح - اقتضت ذلك البيان الطويل المفصل المتعدد الأساليب والإيحاءات في هذا المقطع، لمعالجة هذه الرواسب في النفوس، وهذه الخلخلة في الصفوف، وتلك الشبهات حتى في قلوب بعض المسلمين المخلصين.. اقتضت أن تفتتح السورة بهذا الإعلان العام ببراءة الله ورسوله من المشركين، وأن يتكرر إعلان البراءة من الله ورسوله بعد آية واحدة بنفس القوة ونفس النغمة العالية؛ حتى لا يبقى لقلب مؤمن أن يبقى على صلة مع قوم يبرأ الله منهم ويبرأ رسوله: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين}..[1] {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله}.. [3] واقتضت تطمين المؤمنين وتخويف المشركين بأن الله مخزي الكافرين، وأن الذين يتولون لا يعجزون الله ولا يفلتون من عذابه: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين}.. [2] {فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم}.. [3] واقتضت استنكار أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله - إلا الذين عاهدوا ثم استقاموا فيستقام لهم مدة عهدهم ما استقاموا عليه - مع تذكير المؤمنين بأن المشركين لا يرقبون فيهم عهداً ولا يتذممون من فعلة لو أنهم قدروا عليهم، وتصوير كفرهم، وكذبهم فيما يظهرونه لهم أحياناً من مودة بسبب قوتهم: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله - إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إن الله يحب المتقين - كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إِلاَّ ولا ذمة، يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون، اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله، إنهم ساء ما كانوا يعملون. لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة وأولئك هم المعتدون}... [7 - 10] واقتضت استثارة الذكريات المريرة في نفوس المسلمين؛ واستجاشة مشاعر الغيظ والانتقام وشفاء الصدور من أعدائهم وأعداء الله ودين الله: {ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة؟ أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم، ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم}.. [13 - 15]. واقتضت الأمر بالمفاصلة الكاملة على أساس العقيدة؛ ومقاومة مشاعر القرابة والمصلحة معاً؛ والتخيير بينها ويبن الله ورسوله والجهاد في سبيله، ووقف المسلمين على مفرق الطريق: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون. قل: إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم، وأموال اقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها، أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين}.. [23 - 24]. واقتضت تذكيرهم بنصر الله لهم في مواطن كثيرة، وأقربها يوم حنين الذي هزموا فيه فلم ينصرهم إلا الله بجنده وبتثبيته لرسوله: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين؛ ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين}.. [25 - 26]. واقتضت أخيراً تطمينهم من ناحية الرزق الذي يخشون عليه من كساد الموسم وتعطل التجارة؛ وتذكيرهم أن الرزق منوط بمشيئة الله لا بهذه الأسباب الظاهرة التي يظنونها: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا. وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء، إن الله عليم حكيم}.. [28] وهذه التوكيدات والتقريرات، وهذه الإيحاءات والاستثارات، وهذه الحملة الطويلة المنوعة الأساليب.. تشي - كما أسلفنا - بحالة المجتمع المسلم بعد الفتح، ودخول العناصر الجديدة الكثيرة فيه؛ وبعد التوسع الأفقي السريع الذي جاء إلى المجتمع المسلم بهذه الأفواج التي لم تنطبع بعد بطابع الإسلام.. ولولا أن مجتمع المدينة كان قد وصل مع الزمن الطويل، والتربية الطويلة إلى درجة من الاستقرار والصلابة والخلوص والاستنارة، لكانت هذه الظواهر مثار خطر كبير على وجود الإسلام ذاته كما ذكرنا ذلك مراراً من قبل. والآن نكتفي بهذا القدر من الحديث العام عن ذلك المقطع الأول من السورة وما يشي به من حالة المجتمع في حينه؛ لنواجه نصوصه بالتفصيل: {براءةٌ من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين. فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين. وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر: أن الله بريء من المشركين ورسوله، فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم. إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً - فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، إن الله يحب المتقين. فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد. فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم، وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون}.. هذه الآيات - وما بعدها إلى الآية الثامنة والعشرين - نزلت تحدد العلاقات النهائية بين المجتمع الإسلامي الذي استقر وجوده في المدينة وفي الجزيرة العربية - بصفة عامة - وبين بقية المشركين في الجزيرة الذين لم يدخلوا في هذا الدين.. سواء منهم من كان له عهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما لاح له أن مواجهة المسلمين للروم - حين توجهوا لمقابلتهم في تبوك - ستكون فيها القاضية على الإسلام وأهله، أو على الأقل ستضعف من شوكة المسلمين وتهد من قوتهم.. ومن لم يكن له عهد ولكنه لم يتعرض للمسلمين من قبل بسوء.. ومن كان له عهد - موقوت أو غير موقوت - فحافظ على عهده ولم ينقص المسلمين شيئاً ولم يظاهر عليهم أحداً.. فهؤلاء جميعاً نزلت هذه الآيات وما بعدها لتحدد العلاقات النهائية بينهم وبين المجتمع المسلم؛ في ظل الاعتبارات التي أسلفنا الحديث عنها بشيء من التوسع سواء في تقديم السورة، أو في تقديم هذا الدرس خاصة. وأسلوب هذه الآيات وإيقاع التعبير فيها، يأخذ شكل الإعلان العام، ورنينه العالي! فيتناسق أسلوب التعبير وإيقاعه مع موضوعه والجو الذي يحيط بهذا الموضوع؛ على طريقة القرآن في التعبير. وقد وردت روايات متعددة في ظروف هذا الإعلان، وطريقة التبليغ به، ومن قام بالتبليغ. أصحها وأقربها إلى طبائع الأشياء وأكثرها تناسقاً مع واقع الجماعة المسلمة يومذاك ما قرره ابن جرير وهو يستعرض هذه الروايات. ونقتطف من تعليقاته ما يمثل رؤيتنا لحقيقة الواقعة مغفلين ما لا نوافقه عليه من كلامه وما تناقض فيه بعض قوله مع بعض. إذ كنا لا نناقش الروايات المتعددة ولا نناقش تعليقات الطبري؛ ولكن نثبت ما نرجح أنه حقيقة ما حدث من مراجعة ما ورد وتحقيقه: قال في رواية له عن مجاهد: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين}.. قال: أهل العهد: مدلج والعرب الذين عاهدهم، ومن كان له عهد. قال: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تبوك حين فرغ منها - وأراد الحج، ثم قال: "حديث : إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك"تفسير : . فأرسل أبا بكر وعلياً رحمة الله عليهما. فطافا بالناس، بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالموسم كله؛ وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر.. فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر. ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا. فآمن الناس أجمعون حينئذ.ولم يسح أحد". وقال - بعد استعراض جملة الروايات في حقيقة الأجل ومبدئه ونهايته والمقصودين به: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأجل الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين، وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته. فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه، فإن الله جل ثناؤه أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، إن الله يحب المتقين}.. [سورة التوبة: 4]. "فإن ظن ظان أن قول الله تعالى ذكره: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [سورة التوبة: 5] يدل على خلاف ما قلنا في ذلك، إذ كان ذلك ينبئ على أن الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحرم قتل كل مشرك، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن الآية التي تتلو ذلك تبين عن صحة ما قلنا، وفساد ما ظنه من ظن أن انسلاخ الأشهر الحرم كان يبيح قتل كل مشرك كان له عهد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لم يكن كان له منه عهد. وذلك قوله: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله - إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إن الله يحب المتقين} [التوبة: 7] فهؤلاء مشركون؛ وقد أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم، وترك مظاهرة عدوهم عليهم. "وبعد، ففي الأخبار المتظاهرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه حين بعث علياً رحمة الله عليه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم، أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم: "حديث : ومن كان بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد فعهده إلى مدته"تفسير : ، أوضح الدليل على صحة ما قلنا. وذلك أن الله لم يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض قبل التأجيل، أو من كان له عهد إلى أجل غير محدود. فأما من كان أجله محدوداً، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلاً، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بإتمام عهده إلى غايته مأموراً. وبذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب". وقال في تعقيب آخر على الروايات المتعددة في شأن العهود: "فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا. فأما من كان عهده إلى مدة معلومة فلم يجعل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين لنقضه ومظاهرة أعدائهم سبيلاً، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد وفى له بعهده إلى مدته، عن أمر الله إياه بذلك. وعلى ذلك ظاهر التنزيل، وتظاهرت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". وإذا نحن تركنا الروايات التي بها ضعف، وما يمكن أن يكون قد تركه الخلاف السياسي - فيما بعد- بين شيعة علي - رضي الله عنه - وأنصار الأمويين، أو أهل السنة، من الأثر في بعض الروايات؛ فإننا نستيطع أن نقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بأبي بكر - رضي الله عنه - أميراً للحج في هذا العام لما كرهه من الحج والمشركون يطوفون بالبيت عراة. ثم نزلت أوائل سورة التوبة هذه؛ فبعث بها علياً - رضي الله عنه - في أثر أبي بكر. فأذن بها في الناس - بكل ما تضمنته من أحكام نهائية ومنها ألا يطوف بعد العام بالبيت مشرك. وقد روى الترمذي في كتاب التفسير - بإسناده - عن علي قال: "بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أنزلت "براءة" بأربع. أن لا يطف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد فهو إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة".. وهذا الخبر هو أصح ما ورد في هذا الباب. فنكتفي به. {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين}.. هذا الإعلان العام، بهذا الإيقاع العالي؛ يتضمن المبدأ العام للعلاقة بين المسلمين والمشركين في ذلك الحين في جزيرة العرب قاطبة. إذ كانت العهود المشار إليها هي التي كانت بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمشركين في الجزيرة. والإعلان ببراءة الله وبراءة رسوله من المشركين، يحدد موقف كل مسلم؛ ويوقع إيقاعاً عميقاً عنيفاً على قلب كل مسلم، بحيث لا يبقى بعد ذلك مراجعة ولا تردد! ثم تأتي بعد الإعلان العام البيانات والمخصصات والشروح لهذا الإعلان: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، واعلموا أنكم غير معجزي الله، وأن الله مخزي الكافرين}.. فهذا بيان للمهلة التي أجل الله المشركين إليها: أربعة أشهر يسيرون فيها ويتنقلون ويتاجرون ويصفون حساباتهم، ويعدّلون أوضاعهم.. آمنين.. لا يؤخذون على غرة وهم آمنون إلى عهودهم. حتى أولئك الذين نقضوا عهودهم عند أول بادرة لاحت لهم، وعند أول توقع بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين لن ينقلبوا إلى أهليهم من تبوك؛ وأن الروم سيأخذونهم أسرى! كما توقع المرجفون في المدينة والمنافقون! ومتى كان ذلك؟ كان بعد فترة طويلة من العهود التي ما تكاد تبرم حتى تنقض؛ وبعد سلسلة طويلة من التجارب التي تقطع بأن المشركين لن يزالوا يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا.. وفي أي عصر تاريخي؟ في العصر الذي لم تكن البشرية كلها تعرف لها قانوناً إلا قانون الغابة؛ ولم يكن بين المجتمعات المختلفة إلا القدرة على الغزو أو العجز عنه! بلا إنذار ولا إخطار ولا رعاية لعهد متى سنحت الفرصة!. ولكن الإسلام هو الإسلام منذ ذلك الزمان.. ذلك أنه منهج الله الذي لا علاقة له بالزمان في أصوله ومبادئه. فليس الزمان هو الذي يرقيه ويطوره؛ ولكنه هو الذي يرقي البشرية ويطورها حول محوره وداخل إطاره؛ بينما هو يواجه واقعها المتطور المتغير - بتأثيره - بوسائل متجددة ومكافئة لما يطرأ عليها في أثناء تحركه بها قدماً من تطور وتغير. ومع المهلة التي يعطيها للمشركين يزلزل قلوبهم بالحقيقة الواقعة؛ ويوقظهم إلى هذه الحقيقة ليفتحوا عيونهم عليها. إنهم بسياحتهم في الأرض لن يعجزوا الله في الطلب! ولن يفلتوا منه بالهرب! ولن يفلتوا من مصير محتوم قدره وقرره: أن يخزيهم ويفضحهم ويذلهم: {واعلموا أنكم غير معجزي الله، وأن الله مخزي الكافرين}.. وإلى أين يفلتون ويهربون فيعجزون الله عن طلبهم والإتيان بهم؛ وهم في قبضته - سبحانه - والأرض كلها في قبضته كذلك؟! وقد قدر وقرر أن يذلهم فيخزيهم ولا راد لقضائه؟! بعد ذلك يبين الموعد الذي تعلن فيه هذه البراءة وتبلغ إلى المشركين لينذروا بها وبالموعد المضروب فيها: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر: أن الله بريء من المشركين ورسوله. فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم}.. ويوم الحج الأكبر اختلفت الروايات في تحديده: أهو يوم عرفة أم يوم النحر. والأصح أنه يوم النحر: والأذان البلاغ؛ وقد وقع للناس في الموسم؛ وأعلنت براءة الله ورسوله من المشركين كافة - من ناحية المبدأ - وجاء الاستثناء في الإبقاء على العهد إلى مدته في الآية التالية.. والحكمة واضحة في تقرير المبدأ العام ابتداء في صورة الشمول؛ لأنه هو الذي يمثل طبيعة العلاقات النهائية. أما الاستثناء فهو خاص بحالات تنتهي بانتهاء الأجل المضروب. وهذا الفهم هو الذي توحي به النظرة الواسعة لطبيعة العلاقات الحتمية بين المعسكر الذي يجعل الناس عبيداً لله وحده، والمعسكرات التي تجعل الناس عبيداً للشركاء، كما أسلفنا في التقديم للسورة والتقديم لهذا المقطع منها كذلك. ومع إعلان البراءة المطلقة يجيء الترغيب في الهداية والترهيب من الضلالة: {فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم}.. وهذا الترهيب وذلك الترغيب في آية البراءة؛ يشيران إلى طبيعة المنهج الإسلامي. إنه منهج هداية قبل كل شيء. فهو يتيح للمشركين هذه المهلة لا لمجرد أنه لا يحب أن يباغتهم ويفتك بهم متى قدر - كما كان الشأن في العلاقات الدولية ولا يزال! - ولكنه كذلك يمهلهم هذه المهلة للتروي والتدبر، واختيار الطريق الأقوم؛ ويرغبهم في التوبة عن الشرك والرجوع إلى الله، ويرهبهم من التولي، وييئسهم من جدواه، وينذرهم بالعذاب الأليم في الآخرة فوق الخزي في الدنيا. ويوقع في قلوبهم الزلزلة التي ترجها رجاً لعل الركام الذي ران على الفطرة أن ينفض عنها، فتسمع وتستجيب! ثم.. هو طمأنة للصف المسلم، ولكل ما في قلوب بعضه من مخاوف ومن تردد وتهيب؛ ومن تحرج وتوقع. فالأمر قد صار فيه من الله قضاء. والمصير قد تقرر من قبل الابتداء! وبعد تقرير المبدأ العام في العلاقات بالبراءة المطلقة من المشركين ومن عهودهم يجيء الاستثناء المخصص للحالات المؤقتة، التي يصار بعدها إلى ذلك المبدأ العام: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً، ولم يظاهروا عليكم أحداً، فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، إن الله يحب المتقين}.. وأصح ما قيل عن هؤلاء الذين ورد فيهم هذا الاستثناء أنهم جماعة من بني بكر - هم بنو خزيمة بن عامر من بني بكر بن كنانة - لم ينقضوا عهدهم الذي كان في الحديبية مع قريش وحلفائهم، ولم يشتركوا مع بني بكر في العدوان على خزاعة، ذلك العدوان الذي أعانتهم عليه قريش، فانتقض بذلك عهد الحديبية، وكان فتح مكة بعد سنتين اثنتين من الحديبية، وكان العهد لمدة عشر سنوات من الحديبية. وكانت هذه الجماعة من بني بكر بقيت على عهدها وبقيت على شركها. فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هنا أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم. والذي يؤيد ما ذهبنا إليه - وهو رواية محمد بن عباد بن جعفر - أن السدي يقول: "هؤلاء بنو ضمرة وبنو مدلج حيان من بني كنانة. وأن مجاهد يقول: "كان لبني مدلج وخزاعة عهد فهو الذي قال الله {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم}.. غير أنه يلاحظ أن خزاعة كانت قد دخلت في الإسلام بعد الفتح. وهذا خاص بالمشركين الذين بقوا على شركهم.. كما يؤيده ما سيجيء في الآية السابعة من قوله تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين}.. فهذان الحيان من كنانة ممن عاهدوا عند المسجد الحرام في الحديبية، ثم لم ينقصوا المسلمين شيئاً ولم يظاهروا عليهم أحداً. فهم المعنيون في الاستثناء أولاً وأخيراً كما ذهب إلى ذلك المفسرون الأوائل، وقد أخذ بهذا القول الأستاذ الشيخ رشيد رضا. وذهب الأستاذ محمد عزة دروزة إلى أن المعنيين بالمعاهدين عند المسجد الحرام هم طائفة أخرى غير المذكورة في الاستثناء الأول. ذلك أنه كان يحب أن يذهب إلى جواز قيام معاهدات دائمة بين المسلمين والمشركين، فارتكن إلى قوله تعالى: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} ليستدل منه على جواز تأبيد المعاهدات! وهو قول بعيد كل البعد عن طبيعة الموقف، وعن طبيعة المنهج، وعن طبيعة هذا الدين أيضاً! كما بينا ذلك مراراً. لقد وفى الإسلام لهؤلاء الذين وفوا بعهدهم، فلم يمهلهم أربعة أشهر - كما أمهل كل من عداهم - ولكنه أمهلهم إلى مدتهم. ذلك أنهم لم ينقصوا المسلمين شيئاً مما عاهدوهم عليه، ولم يعينوا عليهم عدواً، فاقتضى هذا الوفاء لهم والإبقاء على عهدهم إلى نهايته.. ذلك مع حاجة الموقف الحركي للمجتمع المسلم في ذلك الحين إلى تخليص الجزيرة بجملتها من الشرك؛ وتحويلها إلى قاعدة أمينة للإسلام؛ لأن أعداءه على حدود الجزيرة قد تنبهوا لخطره، وأخذوا يجمعون له كما سيجيء في الحديث عن غزوة تبوك - ومن قبل كانت وقعة مؤتة إنذاراً بهذا التحفز الذي أخذ فيه الروم. فضلاً على تحالفهم مع الفرس في الجنوب في اليمن، للتألب على الدين الجديد. ولقد حدث ما ذكره ابن القيم من أن هؤلاء الذين استثناهم الله وأمر بالوفاء لهم بعهودهم قد دخلوا في الإسلام قبل أن تنقضي مدتهم. بل حدث أن الآخرين الذين كانوا ينقضون عهودهم وغيرهم ممن أمهلوا أربعة أشهر يسيحون فيها في الأرض، لم يسيحوا في الأرض وإنما اختاروا الإسلام أيضاً! لقد علم الله - سبحانه - وهو ينقل بيده خطى هذه الدعوة، أنه كان الأوان قد آن لهذه الضربة الأخيرة؛ وأن الظروف كانت قد تهيأت والأرض كانت قد مهدت؛ وأنها تجيء في أوانها المناسب؛ وفق واقع الأمر الظاهر، وفق قدر الله المضمر المغيب. فكان هذا الذي كان. ونقف أمام التعقيب الإلهي على الأمر بالوفاء بالعهد للموفين بعهدهم: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين}.. إنه يعلق الوفاء بالعهد بتقوى الله وحبه - سبحانه - للمتقين. فيجعل هذا الوفاء عبادة له؛ وتقوى يحبها من أهلها.. وهذه هي قاعدة الأخلاق في الإسلام.. إنها ليست قاعدة المنفعة والمصلحة؛ وليست قاعدة الاصطلاح والعرف المتغيرين أبداً.. إنها قاعدة العبادة لله وتقواه. فالمسلم يتخلق بما يحبه الله منه ويرضاه له؛ وهو يخشى الله في هذا ويتطلب رضاه. ومن هنا سلطان الأخلاق في الإسلام؛ كما أنه من هنا مبعثها الوجداني الأصيل.. ثم هي في الطريق تحقق منافع العباد، وتؤمن مصالحهم، وتنشئ مجتمعاً تقل فيه الاحتكاكات والتناقضات إلى أقصى حد ممكن، وترتفع بالنفس البشرية صُعداً في الطريق الصاعد إلى الله.. وبعد تقرير الحكم ببراءة الله ورسوله من المشركين.. المعاهدين وغير المعاهدين منهم سواء.. مع استثناء الذين لم ينقصوا المسلمين شيئاً ولم يظاهروا عليهم أحداً بالوفاء لهم بعهدهم إلى مدتهم.. يجيء ذكر الإجراء الذي يتخذه المسلمون بعد انقضاء الأجل المضروب: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم، واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد. فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم}.. وقد اختلفت الأقوال عن المقصود هنا بقوله تعالى: {الأشهر الحرم}.. هل هي الأشهر الحرم المصطلح عليها وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثم رجب: وعلى ذلك يكون الوقت الباقي بعد الأذان في يوم الحج الأكبر بهذه البراءة هو بقية الحجة ثم المحرم.. خمسين يوماً.. أم إنها أربعة أشهر يحرم فيها القتال ابتداء من يوم النحر فتكون نهايتها في العشرين من ربيع الأخر؟.. أم إن الأجل الأول للناقضين عهودهم. وهذا الأجل الثاني لمن ليس لهم عهد أصلاً أو لمن كان له عهد غير مؤقت؟ والذي يصح عندنا أن الأربعة الأشهر المذكورة هنا غير الأشهر الحرم المصطلح عليها. وأنه أطلق عليها وصف الأشهر الحرم لتحريم القتال فيها؛ بإمهال المشركين طوالها ليسيحوا في الأرض أربعة أشهر. وأنها عامة - إلا فيمن لهم عهد مؤقت ممن أمهلوا إلى مدتهم - فإنه ما دام أن الله قد قال لهم: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} فلا بد أن تكون هذه الأشهر الأربعة ابتداء من يوم إعلانهم بها.. وهذا هو الذي يتفق مع طبيعة الإعلان. وقد أمر الله المسلمين - إذا انقضت الأشهر الأربعة - أن يقتلوا كل مشرك أنى وجدوه أو يأسروه أو يحصروه إذا تحصن منهم أو يقعدوا له مترصدين لا يدعونه يفلت أو يذهب - باستثناء من أمروا بالوفاء لهم إلى مدتهم - بدون أي إجراء آخر معه. ذلك أن المشركين أنذروا وأمهلوا وقتاً كافياً؛ فهم إذن لا يقتلون غدراً، ولا يؤخذون بغتة، وقد نبذت لهم عهودهم، وعلموا سلفاً ما ينتظرهم. غير أنها لم تكن حملة إبادة ولا انتقام.. إنما كانت حملة إنذار ودفع إلى الإسلام: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، إن الله غفور رحيم}.. لقد كانت هنالك وراءهم اثنتان وعشرون سنة من الدعوة والبيان؛ ومن إيذائهم للمسلمين وفتنتهم عن دينهم، ومن حرب للمسلمين وتأليب على دولتهم. ثم من سماحة لهذا الدين. ورسوله وأهله معهم.. وإنه لتاريخ طويل.. ومع هذا كله فلقد كان الإسلام يفتح لهم ذراعيه؛ فيأمر الله نبيه والمسلمين الذين أوذوا وفتنوا وحوربوا وشردوا وقتلوا.. كان يأمرهم أن يكفوا عن المشركين إن هم اختاروا التوبة إلى الله، والتزموا شعائر الإسلام التي تدل على اعتناقهم هذا الدين واستسلامهم له وقيامهم بفرائضه. وذلك أن الله لا يرد تائباً مهما تكن خطاياه.. {إن الله غفور رحيم}.. ولا نحب أن ندخل هنا في الجدل الفقهي الطويل الذي تعرضت له كتب التفسير وكتب الفقه حول هذا النص: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم}.. وعما إذا كانت هذه شرائط الإسلام التي يكفر تاركها؟ ومتى يكفر؟ وعما إذا كان يكتفى بها من التائب دون بقية أركان الإسلام المعروفة؟.. الخ فما نحسب أن هذه الآية بصدد شيء من هذا كله. إنما هو نص كان يواجه واقعاً في مشركي الجزيرة يومذاك. فما كان أحدهم ليعلن توبته ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة إلا وهو يعني الإسلام كله، ويعني استسلامه له ودخوله فيه. فنصت الآية على التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لأنه ما كان ليفعل هذا منهم في ذلك الحين إلا من نوى الإسلام وارتضاه بكامل شروطه وكامل معناه. وفي أولها الدينونة لله وحده بشهادة أن لا إله إلا الله، والاعتراف برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - بشهادة أن محمداً رسول الله. فليست هذه الآية بصدد تقرير حكم فقهي، إنما هي بصدد إجراء واقعي له ملابساته. وأخيراً فإنه مع هذه الحرب المعلنة على المشركين كافة بعد انسلاخ الأشهر الأربعة يظل الإسلام على سماحته وجديته وواقعيته كذلك. فهو لا يعلنها حرب إبادة على كل مشرك كما قلنا. إنما يعلنها حملة هداية كلما أمكن ذلك. فالمشركون الأفراد، الذين لا يجمعهم تجمع جاهلي يتعرض للإسلام ويتصدى؛ يكفل لهم الإسلام - في دار الإسلام - الأمن، ويأمر الله - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يجيرهم حتى يسمعوا كلام الله ويتم تبليغهم فحوى هذه الدعوة؛ ثم أن يحرسهم حتى يبلغوا مأمنهم.. هذا كله وهم مشركون. {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون}.. إن هذا يعني أن الإسلام حريص على كل قلب بشري أن يهتدي وأن يثوب؛ وأن المشركين الذين يطلبون الجوار والأمان في دار الإسلام يجب أن يعطوا الجوار والأمان؛ ذلك أنه في هذه الحالة آمن حربهم وتجمعهم وتألبهم عليه؛ فلا ضير إذن من إعطائهم فرصة سماع القرآن ومعرفة هذا الدين؛ لعل قلوبهم أن تتفتح وتتلقى وتستجيب.. وحتى إذا لم تستجب فقد أوجب الله لهم على أهل دار الإسلام أن يحرسوهم بعد إخراجهم حتى يصلوا إلى بلد يأمنون فيه على أنفسهم!!! ولقد كانت قمة عالية تلك الإجارة والأمان لهم في دار الإسلام.. ولكن قمم الإسلام الصاعدة ما تزال تتراءى قمة وراء قمة.. وهذه منها.. هذه الحراسة للمشرك، عدو الإسلام والمسلمين ممن آذى المسلمين وفتنهم وعاداهم هذه السنين.. هذه الحراسة له حتى يبلغ مأمنه خارج حدود دار الإسلام! .. إنه منهج الهداية لا منهج الإبادة، حتى وهو يتصدى لتأمين قاعدة الإسلام للإسلام.. والذين يتحدثون عن الجهاد في الإسلام فيصمونه بأنه كان لإكراه الأفراد على الاعتقاد! والذين يهولهم هذا الاتهام ممن يقفون بالدين موقف الدفاع؛ فيروحون يدفعون هذه التهمة بأن الإسلام لا يقاتل إلا دفاعاً عن أهله في حدوده الإقليمية! هؤلاء وهؤلاء في حاجة إلى أن يتطلعوا إلى تلك القمة العالية التي يمثلها هذا التوجيه الكريم: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون}.. إن هذا الدين إعلام لمن لا يعلمون، وإجارة لمن يستجيرون، حتى من أعدائه الذين شهروا عليه السيف وحاربوه وعاندوه.. ولكنه إنما يجاهد بالسيف ليحطم القوى المادية التي تحول بين الأفراد وسماع كلام الله؛ وتحول بينهم وبين العلم بما أنزل الله؛ فتحول بينهم وبين الهدى، كما تحول بينهم وبين التحرر من عبادة العبيد؛ وتلجئهم إلى عبادة غير الله.. ومتى حطم هذه القوى، وأزال هذه العقبات، فالأفراد - على عقيدتهم - آمنون في كنفه؛ يعلمهم ولا يرهبهم ويجيرهم ولا يقتلهم؛ ثم يحرسهم ويكفلهم حتى يبلغوا مأمنهم.. هذا كله وهم يرفضون منهج الله! وفي الأرض اليوم أنظمة ومناهج وأوضاع من صنع العبيد؛ لا يأمن فيها من يخالفها من البشر على نفسه ولا على ماله ولا على عرضه ولا على حرمة واحدة من حرمات الإنسان! ثم يقف ناس يرون هذا في واقع البشر وهم يتمتمون ويجمجمون لدفع الاتهام الكاذب عن منهج الله بتشويه هذا المنهج وإحالته إلى محاولة هازلة قوامها الكلام في وجه السيف والمدفع في هذا الزمان وفي كل زمان! {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام؟ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إن الله يحب المتقين. كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولا ذمة، يرضونكم فأفواههم وتأبى قلوبهم، وأكثرهم فاسقون. اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله، إنهم ساء ما كانوا يعملون. لا يرقبون في مؤمن إِلاَّ ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون. فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، ونفصل الآيات لقوم يعلمون. وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وطعنوا في دينكم، فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون}. لما انتهى في مجموعة الآيات السابقة إلى تقرير الأحكام النهائية الأخيرة بين المجتمع المسلم والباقين من المشركين في الجزيرة، وهي تعني إنهاء حالة التعاهد والمهادنة معهم جميعاً.. بعضهم بعد مهلة أربعة أشهر، وبعضهم بعد انتهاء مدتهم.. حيث يؤول الأمر بعد هذه الأحكام إلى حالتين اثنتين: توبة وإقامة للصلاة وإيتاء للزكاة - أي دخول في الإسلام وأداء لفرائضه - أو قتال وحصار وأسر وإرصاد.. لما انتهى إلى الأمر بإنهاء حالة التعاقد على ذلك الوجه أخذ في هذه المجموعة الجديدة من الآيات يقرر - عن طريق الاستفهام الاستنكاري - أنه لا ينبغي ولا يجوز وليس من المستساغ أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله. وهو استنكار للمبدأ في ذاته؛ واستبعاد له من أساسه! بقوله تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله}. ولما كان هذا الاستنكار في هذه المجموعة التالية في السياق للمجموعة الأولى، قد يفهم منه نسخ ما كان قد تقرر في المجموعة الأولى من إمهال ذوي العهود الموفين بعهودهم الذين لم ينقصوا المسلمين شيئاً ولم يظاهروا عليهم أحداً إلى مدتهم.. فقد عاد يقرر هذا الحكم مرة أخرى بقوله: {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إن الله يحب المتقين}.. وجاءت في هذا التوكيد الجديد زيادة بيان.. إذ كان الأمر الأول مطلقاً بالوفاء بعهود من استقاموا على عهودهم إلى مدتهم.. فجاء هذا التوكيد يقيد هذا الإطلاق بأن هذا الوفاء مرهون باستقامتهم في المستقبل إلى نهاية المدة كذلك كما استقاموا في الماضي. وهي دقة بالغة في صياغة النصوص في هذه العلاقات والمعاملات، وعدم الاكتفاء بالمفهومات الضمنية، وإتباعها بالمنطوقات القطعية. ونظراً لما أسلفنا بيانه في مقدمات السورة ومقدمات هذا المقطع منها، من الظواهر والأعراض والاعتبارات التي كانت قائمة في المجتمع المسلم يومئذ تجاه هذه الخطوة الحاسمة الخطيرة، فقد أخذ السياق يثير في نفوس المسلمين ما يدفع عنهم التردد والتحرج والتهيب، بإطلاعهم على حقيقة حال المشركين ومشاعرهم ونواياهم تجاه المسلمين، وأنهم لا يرعون فيهم عهداً، ولا يتحرجون فيهم من شيء ولا يتذممون، وأنهم لا يفون بعهد، ولا يرتبطون بوعد؛ وأنهم لا يكفون عن الاعتداء متى قدروا عليه. وأن لا سبيل لمهادنتهم أو ائتمانهم ما لم يدخلوا فيما دخل فيه المسلمون. {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله؟}.. إن المشركين لا يدينون لله بالعبودية خالصة، وهم كذلك لا يعترفون برسالة رسوله. فكيف يجوز أن يكون لهؤلاء عهد عند الله وعند رسوله؟ إنهم لا يواجهون بالإنكار والجحود عبداً مثلهم، ولا منهجاً من مناهج العبيد من أمثالهم. إنما هم يواجهون بالجحود خالقهم ورازقهم؛ وهم يحادون الله ورسوله بهذا الجحود ابتداء..فكيف يجوز أن يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله؟ هذه هي القضية التي يثيرها هذا السؤال الاستنكاري.. وهي قضية تنصب على مبدأ التعاهد ذاته؛ لا على حالة معينة من حالاته.. وقد يستشكل على هذا بأنه كانت للمشركين عهود فعلاً؛ وبعض هذه العهود أمر الله بالوفاء بها. وأنه قد وقعت عهود سابقة منذ قيام الدولة المسلمة في المدينة. عهود مع اليهود وعهود مع المشركين. وأنه وقع عهد الحديبية في السنة السادسة للهجرة. وأن النصوص القرآنية في سور سابقة كانت تجيز هذه العهود، وإن كانت تجيز نبذها عند خوف الخيانة.. فإذا كان مبدأ التعاهد مع المشركين هو الذي يرد عليه الإنكار هنا، فكيف إذن أبيحت تلك العهود وقامت حتى نزل هذا الاستنكار الأخير لمبدأ التعاهد؟! وهذا الاستشكال لا معنى له في ظل الفهم الصحيح لطبيعة المنهج الحركي الإسلامي الذي أسلفنا الحديث عنه في مطالع هذه السورة وفي مطالع سورة الأنفال قبلها.. لقد كانت تلك المعاهدات مواجهة للواقع في حينه بوسائل مكافئة له؛ أما الحكم النهائي فهو أنه لا ينبغي أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله.. كانت أحكاماً مرحلية في طريق الحركة الإسلامية التي تستهدف ابتداء ألا يكون في الأرض شرك بالله؛ وأن تكون الدينونة لله وحده.. ولقد أعلن الإسلام هدفه هذا منذ أول يوم ولم يخدع عنه أحداً. فإذا كانت الظروف الواقعية تقضي بأن يدع من يسالمونه ابتداء من المشركين ليتفرغ لمن يهاجمونه؛ وأن يوادع من يريدون موادعته في فترة من الفترات. وأن يعاهد من يريدون معاهدته في مرحلة من المراحل، فإنه لا يغفل لحظة عن هدفه النهائي الأخير؛ كما أنه لا يغفل عن أن هذه الموادعات والمعاهدات من جانب بعض المشركين موقوته من جانبهم هم أنفسهم. وأنهم لا بد مهاجموه ومحاربوه ذات يوم؛ وأنهم لن يتركوه وهم يستيقنون من هدفه؛ ولن يأمنوه على أنفسهم إلا ريثما يستعدون له ويستديرون لمواجهته.. ولقد قال الله للمسلمين منذ أول الأمر:{أية : ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}تفسير : وهي قولة الأبد التي لا تتخصص بزمن ولا بيئة! وقوله الحق التي لا تتعلق بظرف ولا حالة! ومع استنكار الأصل، فقد أذن الله - سبحانه - بإتمام عهود ذوي العهود الذين لم ينقصوا المسلمين شيئاً ولم يظاهروا عليهم أحداً إلى مدتها، مع اشتراط أن تكون الاستقامة على العهد - في هذه المدة - من المسلمين مقيدة باستقامة ذوي العهود عليها: {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إن الله يحب المتقين}.. وهؤلاء الذين تشير الآية إلى معاهدتهم عند المسجد الحرام ليسوا طائفة أخرى غير التي ورد ذكرها من قبل في قوله تعالى: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، إن الله يحب المتقين}.. كما فهم بعض المفسرين المحدثين.. فهي طائفة واحدة ذكرت أول مرة بمناسبة عموم البراءة وإطلاقها، لاستثنائها من هذا العموم. وذكرت مرة ثانية بمناسبة استنكار مبدأ التعاهد ذاته مع المشركين مخافة أن يظن أن هذا الحكم المطلق فيه نسخ للحكم الأول.. وذكرت التقوى وحب الله للمتقين هنا وهناك بنصها للدلالة على أن الموضوع واحد. كما أن النص الثاني مكمل للشروط المذكورة في النص الأول. ففي الأول اشتراط استقامتهم في الماضي، وفي الثاني اشتراط استقامتهم في المستقبل. وهي دقة بالغة في صياغة النصوص - كما أسلفنا - لا تلحظ إلا بضم النصين الواردين في الموضوع الواحد، كما هو ظاهر ومتعين. ثم يعود لاستنكار مبدأ التعاهد بأسبابه التاريخية والواقعية؛ بعد استنكاره بأسبابه العقيدية والإيمانية؛ ويجمع بين هذه وتلك في الآيات التالية: {كيف؟ وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إِلاًّ ولا ذمة، يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون. اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله، إنهم ساء ما كانوا يعملون. لا يرقبون في مؤمن إِلاًّ ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون}.. كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله؛ وهم لا يعاهدونكم إلا في حال عجزهم عن التغلب عليكم. ولو ظهروا عليكم وغلبوكم لفعلوا بكم الأفاعيل في غير مراعاة لعهد قائم بينهم وبينكم، وفي غير ذمة يرعونها لكم؛ أو في غير تحرج ولا تذمم من فعل يأتونه معكم! فهم لا يرعون عهداً، ولا يقفون كذلك عند حد في التنكيل بكم؛ ولا حتى الحدود المتعارف عليها في البيئة والتي يذمون لو تجاوزوها. فهم لشدة ما يكنونه لكم من البغضاء يتجاوزون كل حد في التنكيل بكم، لو أنهم قدروا عليكم. مهما يكن بينكم وبينهم من عهود قائمة. فليس الذي يمنعهم من أي فعل شائن معكم أن تكون بينكم وبينهم عهود؛ إنما يمنعهم أنهم لا يقدرون عليكم ولا يغلبونكم!.. وإذا كانوا اليوم - وأنتم أقوياء - يرضونكم بأفواههم بالقول اللين والتظاهر بالوفاء بالعهد. فإن قلوبهم تنغل عليكم بالحقد؛ وتأبى أن تقيم على العهد؛ فما بهم من وفاء لكم ولا ود! {وأكثرهم فاسقون. اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله. إنهم ساء ما كانوا يعملون}.. وهذا هو السبب الأصيل لهذا الحقد الدفين عليكم، وإضمار عدم الوفاء بعهودكم، والانطلاق في التنكيل بكم - لو قدروا - من كل تحرج ومن كل تذمم.. إنه الفسوق عن دين الله، والخروج عن هداه. فلقد آثروا على آيات الله التي جاءتهم ثمناً قليلاً من عرض هذه الحياة الدنيا يستمسكون به ويخافون فوته. وقد كانوا يخافون أن يضيع عليهم الإسلام شيئاً من مصالحهم؛ أو أن يكلفهم شيئاً من أموالهم؛ فصدوا عن سبيل الله بسبب شرائهم هذا الثمن القليل بآيات الله. صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم (فسيجيء أنهم أئمة الكفر).. أما فعلهم هذا فهو الفعل السيئ الذي يقرر الله سوءه الأصيل: {إنهم ساء ما كانوا يعملون!}.. ثم إنهم لا يضمرون هذا الحقد لأشخاصكم؛ ولا يتبعون تلك الخطة المنكرة معكم بذواتكم.. إنهم يضطغنون الحقد لكل مؤمن؛ ويتبعون هذا المنكر مع كل مسلم.. إنهم يوجهون حقدهم وانتقامهم لهذه الصفة التي أنتم عليها.. للإيمان ذاته.. كما هو المعهود في كل أعداء الصفوة الخالصة من أهل هذا الدين، على مدار التاريخ والقرون.. فكذلك قال السحرة لفرعون وهو يتوعدهم بأشد أنواع التعذيب والتنكيل والتقتيل:{أية : وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا}تفسير : وكذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكتاب بتوجيه من ربه:{أية : قل: يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله؟}تفسير : وقال سبحانه عن أصحاب الأخدود الذين أحرقوا المؤمنين: {أية : وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد}تفسير : فالإيمان هو سبب النقمة. ومن ثم هم يضطغنون الحقد لكل مؤمن، ولا يراعون فيه عهداً ولا يتذممون من منكر: {لا يرقبون في مؤمن إِلاًّ ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون}.. فصفة الاعتداء أصيلة فيهم.. تبدأ من نقطة كرههم للإيمان ذاته وصدودهم عنه؛ وتنتهي بالوقوف في وجهه؛ وتربصهم بالمؤمنين؛ وعدم مراعاتهم لعهد معهم ولا صلة، إذا هم ظهروا عليهم؛ وأمنوا بأسهم وقوتهم. وعندئذ يفعلون بهم الأفاعيل غير مراعين لعهد قائم، ولا متحرجين ولا متذممين من منكر يأتونه معهم.. وهم آمنون! ثم يبين الله كيف يقابل المؤمنون هذه الحال الواقعة من المشركين: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، ونفصل الآيات لقوم يعلمون}. {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون}.. إن المسلمين يواجهون أعداء يتربصون بهم؛ ولا يقعد هؤلاء الأعداء عن الفتك بالمسلمين بلا شفقة ولا رحمة إلا عجزهم عن ذلك.لا يقعدهم عهد معقود، ولا ذمة مرعية، ولا تحرج من مذمة، ولا إبقاء على صلة.. ووراء هذا التقرير تاريخ طويل، يشهد كله بأن هذا هو الخط الأصيل الذي لا ينحرف إلا لطارئ زائل، ثم يعود فيأخذ طريقه المرسوم! هذا التاريخ الطويل مع الواقع العملي؛ بالإضافة إلى طبيعة المعركة المحتومة بين منهج الله الذي يخرج الناس من العبودية للعباد ويردهم إلى عبادة الله وحده، وبين مناهج الجاهلية التي تعبد الناس للعبيد.. يواجهه المنهج الحركي الإسلامي بتوجيه من الله سبحانه، بهذا الحسم الصريح: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون}.. {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون}.. فإما دخول فيما دخل فيه المسلمون، وتوبة عما مضى من الشرك والاعتداء. وعندئذ يصفح الإسلام والمسلمون عن كل ما لقوا من هؤلاء المشركين المعتدين؛ وتقوم الوشيجة على أساس العقيدة؛ ويصبح المسلمون الجدد إخواناً للمسلمين القدامى؛ ويسقط ذلك الماضي كله بمساءاته من الواقع ومن القلوب! {ونفصل الآيات لقوم يعلمون}.. فهذه الأحكام إنما يدركها ويدرك حكمتها الذين يعلمون وهم المؤمنون. وإما نكث لما يبايعون عليهم من الإيمان بعد الدخول فيه، وطعن في دين المسلمين. فهم إذن أئمة في الكفر، لا أيمان لهم ولا عهود. وعندئذ يكون القتال لهم؛ لعلهم حينئذ أن يثوبوا إلى الهدى.. كما سبق أن قلنا: إن قوة المعسكر المسلم وغلبته في الجهاد قد ترد قلوباً كثيرة إلى الصواب؛ وتريهم الحق الغالب فيعرفونه؛ ويعلمون أنه إنما غلب لأنه الحق؛ ولأن وراءه قوة الله؛ وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما أبلغهم من أن الله غالب هو ورسله. فيقودهم هذا كله إلى التوبة والهدى. لا كرهاً وقهراً، ولكن اقتناعاً بالقلب بعد رؤية واضحة للحق الغالب. كما وقع وكما يقع في كثير من الأحايين. وبعد.. فما المدى الذي تعمل فيه هذه النصوص؟ ما المدى التاريخي والبيئي؟ أهي خاصة بأهل الجزيرة العربية في ذلك الزمان المحدد؟ أم إن لها أبعاداً أخرى في الزمان والمكان؟ إن هذه النصوص كانت تواجه الواقع في الجزيرة العربية بين المعسكر الإسلامي ومعسكرات المشركين. وما من شك أن الأحكام الواردة بها مقصود بها هذا الواقع. وأن المشركين المعنيين فيها هم مشركو الجزيرة.. هذا حق في ذاته.. ولكن ترى هذا هو المدى النهائي لهذه النصوص؟ إن علينا أن نتتبع موقف المشركين - على مدى التاريخ - من المؤمنين. ليتكشف لنا المدى الحقيقي لهذه النصوص القرآنية؛ ولنرى الموقف بكامله على مدار التاريخ. فأما في الجزيرة العربية فلعل ذلك معلوم من أحداث السيرة المشهورة. ولعل في هذا الجزء من الظلال وحده ما يكفي لتصوير مواقف المشركين من هذا الدين وأهله منذ الأيام الأولى للدعوة في مكة حتى هذه الفترة التي تواجهها نصوص هذه السورة. وحقيقة إن المعركة الطويلة الأمد لم تكن بين الإسلام والشرك بقدر ما كانت بين الإسلام وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. ولكن هذا لا ينفي أن موقف المشركين من المسلمين كان دائماً هو الذي تصوره آيات هذا المقطع من السورة: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إِلاًّ ولا ذمة! يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم، وأكثرهم فاسقون. اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيله، إنهم ساء ما كانوا يعملون. لا يرقبون في مؤمن إِلاًّ ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون}. لقد كان هذا هو الموقف الدائم للمشركين وأهل الكتاب من المسلمين. فأما أهل الكتاب فندع الحديث عنهم إلى موعده في المقطع الثاني من السورة؛ وأما المشركون فقد كان هذا دأبهم من المسلمين على مدار التاريخ. وإذا نحن اعتبرنا أن الإسلام لم يبدأ برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - إنما ختم بهذه الرسالة. وأن موقف المشركين من كل رسول ومن كل رسالة من قبل إنما يمثل موقف الشرك من دين الله على الإطلاق؛ فإن أبعاد المعركة تترامى؛ ويتجلى الموقف على حقيقته؛ كما تصوره تلك النصوص القرآنية الخالدة، على مدار التاريخ البشري كله بلا استثناء! ماذا صنع المشركون مع نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وشعيب، وموسى، وعيسى، عليهم صلوات الله وسلامه والمؤمنين بهم في زمانهم؟ ثم ماذا صنع المشركون مع محمد - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين به كذلك؟.. إنهم لم يرقبوا فيهم إِلاًّ ولا ذمة متى ظهروا عليهم وتمكنوا منهم.. وماذا صنع المشركون بالمسلمين أيام الغزو الثاني للشرك على أيدي التتار؟ ثم ما يصنع المشركون والملحدون اليوم بعد أربعة عشر قرناً بالمسلمين في كل مكان؟.. إنهم لا يرقبون فيهم إِلاًّ ولا ذمة، كما يقرر النص القرآني الصادق الخالد.. عندما ظهر الوثنيون التتار على المسلمين في بغداد وقعت المأساة الدامية التي سجلتها الروايات التاريخية والتي نكتفي فيها بمقتطفات سريعة من تاريخ "البداية والنهاية" لابن كثير فيما رواه من أحداث عام 656 هـ: "ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان. ودخل كثير من الناس في الآبار، وأماكن الحشوش، وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون. وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات، ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار. إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم. فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة، فيقتلونهم بالأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة - فإنا لله وإنا إليه راجعون - كذلك في المساجد والجوامع والربط. ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم، وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي، وطائفة من التجار أخذوا أمانا بذلوا عليه أموالاً جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم. وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب، ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة.. "وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة. فقيل ثمانمائة ألف. وقيل: ألف ألف. وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف نفس - فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم - وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم. وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوماً.. وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر، وعفى قبره، وكان عمره يومئذ ستاً وأربعين سنة وأربعة أشهر. ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام. وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد، وله خمس وعشرون سنة. ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن وله ثلاث وعشرون سنة، وأسر ولده الأصغر مبارك وأسرت أخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم.. "وقتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي، وكان عدو الوزير، وقتل أولاده الثلاثة: عبد الله وعبد الرحمن وعبد الكريم، وأكابر الدولة واحداً بعد واحد. منهم الدويدار الصغير مجاهد الدين أيبك، وشهاب الدين سليمان شاه، وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد.. وكان الرجل يستدعى به من دار الخلافة من بني العباس، فيخرج بأولاده ونسائه، فيذهب إلى مقبرة الخلال، تجاه المنظرة، فيذبح كما تذبح الشاة، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه.. وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين علي ابن النيار. وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن. وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات عدة؟ شهور ببغداد.. "ولما انقضى الأمر المقدر، وانقضت الأربعون يوماً، بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر، فتغيرت صورهم، وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء، فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.. "ولما نودي ببغداد بالأمان، خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم؛ وقد أنكر بعضهم بعضاً، فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد. فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى.." الخ الخ. هذه صورة من الواقع التاريخي، حينما ظهر المشركون على المسلمين فلم يرقبوا فيهم إِلاًّ ولا ذمة. فهل كانت صورة تاريخية من الماضي البعيد الموغل في الظلمات، اختص بها التتار في ذلك الزمان؟ كلا! إن الواقع التاريخي الحديث لا تختلف صوره عن هذه الصورة!.. إن ما وقع من الوثنيين الهنود عند انفصال باكستان لا يقل شناعة ولا بشاعة عما وقع من التتار في ذلك الزمان البعيد.. إن ثمانية ملايين من المهاجرين المسلمين من الهند - ممن أفزعتهم الهجمات البربرية المتوحشة على المسلمين الباقين في الهند فآثروا الهجرة على البقاء - قد وصل منهم إلى أطراف باكستان ثلاثة ملايين فقط! أما الملايين الخمسة الباقية فقد قضوا بالطريق.. طلعت عليهم العصابات الهندية الوثنية المنظمة المعروفة للدولة الهندية جيداً والتي يهيمن عليها ناس من الكبار في الحكومة الهندية، فذبحتهم كالخراف على طول الطريق، وتركت جثثهم نهباً للطير والوحش، بعد التمثيل بها ببشاعة منكرة، لا تقل - إن لم تزد - على ما صنعه التتار بالمسلمين من أهل بغداد!.. أما المأساة البشعة المروعة المنظمة فكانت في ركاب القطار الذي نقل الموظفين المسلمين في أنحاء الهند إلى باكستان، حيث تم الاتفاق على هجرة من يريد الهجرة من الموظفين المسلمين في دوائر الهند إلى باكستان واجتمع في هذا القطار خمسون ألف موظف.. ودخل القطار بالخمسين ألف موظف في نفق بين الحدود الهندية الباكستانية يسمى (ممر خيبر).. وخرج من الناحية الأخرى وليس به إلا أشلاء ممزقة متناثرة في القطار!.. لقد أوقفت العصابات الهندية الوثنية المدربة الموجهة، القطار في النفق. ولم تسمح له بالمضي في طريقه إلا بعد أن تحول الخمسون ألف موظف إلى أشلاء ودماء!.. وصدق قول الله سبحانه:{أية : كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إِلاًّ ولا ذمة}تفسير : وما تزال هذه المذابح تتكرر في صور شتى. ثم ماذا فعل خلفاء التتار في الصين الشيوعية وروسيا الشيوعية بالمسلمين هناك.. لقد أبادوا من المسلمين في خلال ربع قرن ستة وعشرين مليوناً.. بمعدل مليون في السنة.. وما تزال عمليات الإبادة ماضية في الطريق.. ذلك غير وسائل التعذيب الجهنمية التي تقشعر لهولها الأبدان. وفي هذا العام وقع في القطاع الصيني من التركستان المسلمة ما يغطي على بشاعات التتار.. لقد جيء بأحد الزعماء المسلمين، فحفرت له حفرة في الطريق العام. وكلف المسلمون تحت وطأة التعذيب والإرهاب، أن يأتوا بفضلاتهم الآدمية (التي تتسلمها الدولة من الأهالي جميعاً لتستخدمها في السماد مقابل ما تصرفه لهم من الطعام!!!) فيلقوها على الزعيم المسلم في حفرته.. وظلت العملية ثلاثة أيام والرجل يختنق في الحفرة على هذا النحو حتى مات! كذلك فعلت يوغسلافيا الشيوعية بالمسلمين فيها. حتى أبادت منهم مليوناً منذ الفترة التي صارت فيها شيوعية بعد الحرب العالمية الثانية إلى اليوم. وما تزال عمليات الإبادة والتعذيب الوحشي - التي من أمثلتها البشعة إلقاء المسلمين رجالاً ونساء في "مفارم" اللحوم التي تصنع لحوم (البولوبيف) ليخرجوا من الناحية الأخرى عجينة من اللحم والعظام والدماء - ماضية إلى الآن!!! وما يجري في يوغسلافيا يجري في جميع الدول الشيوعية والوثنية... الآن.. في هذا الزمان.. ويصدق قول الله سبحانه: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إِلاًّ ولا ذمة؟}. {لا يرقبون في مؤمن إِلاًّ ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون}.. إنها لم تكن حالة طارئة ولا وقتية في الجزيرة العربية. ولم تكن حالة طارئة ولا وقتية في بغداد.. إنها الحالة الدائمة الطبيعية الحتمية؛ حيثما وجد مؤمنون يدينون بالعبودية لله وحده؛ ومشركون أو ملحدون يدينون بالعبودية لغير الله. في كل زمان وفي كل مكان. ومن ثم فإن تلك النصوص - وإن كانت قد نزلت لمواجهة حالة واقعة في الجزيرة، وعنت بالفعل تقرير أحكام التعامل مع مشركي الجزيرة - إلا أنها أبعد مدى في الزمان والمكان. لأنها تواجه مثل هذه الحالة دائماً في كل زمان وفي كل مكان. والأمر في تنفيذها إنما يتعلق بالمقدرة على التنفيذ في مثل الحالة التي نفذت فيها في الجزيرة العربية، ولا يتعلق بأصل الحكم ولا بأصل الموقف الذي لا يتبدل على الزمان.. {ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدأوكم أول مرة؟ أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم، ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم. أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة؟ والله خبير بما تعملون}.. تجيء هذه الفقرة بعد الفقرة السابقة التي تقرر فيها الاستنكار من ناحية المبدأ لأن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله؛ والأمر بتخيير المشركين في الجزيرة بين الدخول فيما دخل فيه المسلمون أو قتالهم - إلا من استجار فيجار حتى يسمع كلام الله ثم يبلغ مأمنه خارج دار الإسلام - وبيان علة هذا الاستنكار؛ وهي أنهم لا يرعون إِلاًّ ولا ذمة في مؤمن متى ظهروا على المؤمنين. تجيء هذه الفقرة لمواجهة ما حاك في نفوس الجماعة المسلمة - بمستوياتها المختلفة التي سبق الحديث عنها - من تردد وتهيب للإقدام على هذه الخطوة الحاسمة! ومن رغبة وتعلل في أن يفيء المشركون الباقون إلى الإسلام دون اللجوء إلى القتال الشامل! ومن خوف على النفوس والمصالح وركون إلى أيسر الوسائل!... والنصوص القرآنية تواجه هذه المشاعر والمخاوف والتعلات باستجاشة قلوب المسلمين بالذكريات والأحداث القريبة والبعيدة. تذكرهم بنقض المشركين لما أبرموه معهم من عقود وما عقدوه معهم من أيمان. وتذكرهم بما همَّ به المشركون من إخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة قبل الهجرة. وتذكرهم بأن المشركين هم الذين بدأوهم بالاعتداء في المدينة.. ثم تثير فيهم الحياء والنخوة أن يكونوا إنما يخشون لقاء المشركين. والله أولى أن يخشوه إن كانوا مؤمنين.. ثم تشجعهم على قتال المشركين لعل الله أن يعذبهم بأيديهم، فيكونوا هم ستاراً لقدرة الله في تعذيب أعدائه وأعدائهم، وخزيانهم وقهرهم. وشفاء صدور المؤمنين الذين أوذوا في الله منهم.. ثم تواجه التعلات التي تحيك في صدور البعض من الأمل في دخول المشركين الباقين في الإسلام دون حرب ولا قتال. تواجه هذه التعلات بأن الرجاء الحقيقي في أن يفيء هؤلاء إلى الإسلام أولى أن يتعلق بانتصار المسلمين، وهزيمة المشركين، فيومئذ قد يفيء بعضهم - ممن يقسم الله له التوبة - إلى الإسلام المنتصر الظاهر الظافر!.. وفي النهاية تلفتهم الآيات إلى أن سنة الله هي ابتلاء الجماعات بمثل هذه التكاليف ليظهر حقيقة ما هم عليه. وأن السنة لا تتبدل ولا تحيد.. {ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدأوكم أول مرة؟ أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه، إن كنتم مؤمنين}.. إن تاريخ المشركين مع المسلمين كله نكث للأيمان، ونقض للعهود. وأقرب ما كان من هذا نقضهم لعهدهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديبية. ولقد قبل - صلى الله عليه وسلم - من شروطهم - بإلهام من ربه وهداية - ما حسبه بعض أفاضل أصحابه قبولاً للدنية! ووفى لهم بعهده أدق ما يكون الوفاء وأسماه، ولكنهم هم لم يفوا، وخاسوا بالعهد عامين اثنين، عند أول فرصة سنحت.. كما أن المشركين هم الذين هموا بإخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل في مكة؛ وبيتوا أمرهم في النهاية على قتله قبل الهجرة. وكان هذا في بيت الله الحرام الذي يأمن فيه القاتل منهم على دمه وماله؛ حتى لكان الواحد يلقى قاتل أخيه أو أبيه في الحرم فلا يمسه بسوء. أما محمد رسول الله، الداعي إلى الهدى والإيمان وعبادة الله وحده، فلم يرعوا معه هذه الخصلة؛ وهموا بإخراجه؛ ثم تآمروا على حياته؛ وبيتوا قتله في بيت الله الحرام، بلا تحرج ولا تذمم مما يتحرجون منه ويتذممون مع أصحاب الثارات!.. كذلك كانوا هم الذين هموا بقتال المسلمين وحربهم في المدينة. فهم الذين أصروا - بقيادة أبي جهل - على ملاقاة المسلمين بعد أن نجت القافلة التي خرجوا لها؛ ثم قاتلوهم بادئين في أحد وفي الخندق. ثم جمعوا لهم في حنين كذلك.. وكلها وقائع حاضرة أو ذكريات قريبة؛ وكلها تنم عن الإصرار الذي يصفه قول الله تعالى:{أية : ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}تفسير : كما تنم عن طبيعة العلاقة بين المعسكر الذي يعبد آلهة من دون الله تجاه المعسكر الذي لا يعبد إلا الله.. وحين يستعرض السياق هذا الشريط الطويل من الذكريات والمواقف والأحداث، في هذه اللمسات السريعة العميقة الإيقاع في قلوب المسلمين، يخاطبهم: {أتخشونهم؟}.. فإنهم لا يقعدون عن قتال المشركين هؤلاء إلا أن تكون هي الخشية والخوف والتهيب! ويعقب على السؤال بما هو أشد استجاشة للقلوب من السؤال: {فالله أحق أن تخشوه، إن كنتم مؤمنين}.. إن المؤمن لا يخشى أحداً من العبيد. فالمؤمن لا يخشى إلا الله، فإذا كانوا يخشون المشركين فالله أحق بالخشية، وأولى بالمخافة؛ وما يجوز أن يكون لغيره في قلوب المؤمنين مكان! وإن مشاعر المؤمنين لتثور؛ وهي تستجاش بتلك الذكريات والوقائع والأحداث.. وهم يذكرون بتآمر المشركين على نبيهم صلى الله عليه وسلم.. وهم يستعرضون نكث المشركين لعهودهم معهم وتبييتهم لهم الغدر كلما التمسوا منهم غرة، أو وجدوا في موقفهم ثغرة. وهم يتذكرون مبادأة المشركين لهم بالعداء والقتال بطراً وطغياناً.. وفي غمرة هذه الثورة يحرض المؤمنين على القتال: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم، وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم}.. قاتلوهم يجعلكم الله ستار قدرته، وأداة مشيئته، فيعذبهم بأيديكم ويخزهم بالهزيمة وهم يتخايلون بالقوة، وينصركم عليهم ويشف صدور جماعة من المؤمنين ممن آذاهم وشردهم المشركون. يشفها من غيظها المكظوم، بانتصار الحق كاملاً، وهزيمة الباطل، وتشريد المبطلين.. وليس هذا وحده ولكن خيراً آخر يُنتظر وثواباً آخر يُنال: {ويتوب الله على من يشاء}.. فانتصار المسلمين قد يرد بعض المشركين إلى الإيمان، ويفتح بصيرتهم على الهدى حين يرون المسلمين يُنصرون، ويحسون أن قوة غير قوة البشر تؤيدهم، ويرون آثار الإيمان في مواقفهم - وهذا ما كان فعلاً - وعندئذٍ ينال المسلمون المجاهدون أجر جهادهم، وأجر هداية الضالين بأيديهم؛ وينال الإسلام قوة جديدة تضاف إلى قوته بهؤلاء المهتدين التائبين: {والله عليم حكيم}. عليم بالعواقب المخبوءة وراء المقدمات. حكيم يقدر نتائج الأعمال والحركات. إن بروز قوة الإسلام وتقريرها ليستهوي قلوباً كثيرة تصد عن الإسلام الضعيف، أو الإسلام المجهول القوة والنفوذ. وإن الدعوة إلى الإسلام لتختصر نصف الطريق حين تكون الجماعة المسلمة بادية القوة، مرهوبة الجانب، عزيزة الجناب. على أن الله سبحانه وهو يربي الجماعة المسلمة بالمنهج القرآني الفريد لم يكن يعدها وهي في مكة قلة قليلة مستضعفة مطاردة، إلا وعداً واحداً: هو الجنة. ولم يكن يأمرها إلا أمراً واحداً: هو الصبر.. فلما أن صبرت وطلبت الجنة وحدها دون الغلب، آتاها الله النصر؛ وجعل يحرضها عليه ويشفي صدورها به. ذلك أن الغلب والنصر عندئذ لم يكن لها ولكن لدينه وكلمته. وإن هي إلا ستار لقدرته.. ثم إنه لم يكن بد أن يجاهد المسلمون المشركين كافة، وأن تنبذ عهود المشركين كافة؛ وأن يقف المسلمون إزاءهم صفاً.. لم يكن بد من ذلك لكشف النوايا والخبايا، ولإزالة الأستار التي يقف خلفها من لم يتجرد للعقيدة، والأعذار التي يحتج بها من يتعاملون مع المشركين للكسب، ومن يوادونهم لآصرة من قربى أو مصلحة.. لم يكن بد من إزالة هذه الأستار والمعاذير، وإعلان المفاصلة للجميع، لينكشف الذين يخبئون في قلوبهم خبيئة، ويتخذون من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة، يلجون منها إلى مصالحهم وروابطهم مع المشركين، في ظل العلاقات غير المتميزة أو الواضحة بين المعسكرات المختلفة: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، والله خبير بما تعملون}.. لقد كان في المجتمع المسلم - كما هو الحال عادة - فئة تجيد المداورة، وتنفذ من الأسوار. وتتقن استخدام الأعذار. وتدور من خلف الجماعة، وتتصل بخصومها استجلاباً للمصلحة ولو على حساب الجماعة، مرتكنة إلى ميوعة العلاقات ووجود ثغرات في المفاصلة بين المعسكرات. فإذا وضحت المفاصلة وأعلنت قطعت الطريق على تلك الفئة، وكشفت المداخل والمسارب للأنظار. وإنه لمن مصلحة الجماعة، ومن مصلحة العقيدة، أن تهتك الأستار وتكشف الولائج، وتعرف المداخل، فيمتاز المكافحون المخلصون، ويكشف المداورون الملتوون، ويعرف الناس كلا الفريقين على حقيقته، وإن كان الله يعلمهم من قبل: {والله خبير بما تعملون}.. ولكنه سبحانه يحاسب الناس على ما يتكشف من حقيقتهم بفعلهم وسلوكهم. وكذلك جرت سنته بالابتلاء لينكشف الخبيء وتتميز الصفوف، وتتمحص القلوب. ولا يكون ذلك كما يكون بالشدائد والتكاليف والمحن والابتلاءات. {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر؛ أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون. إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين. أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله؟ لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين. الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون. يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم}.. وبعد البراءة والإعلان لم يبق عذر ولا حجة لمن لا يقاتل المشركين؛ ولم يعد هنالك تردد في حرمانهم زيارة البيت أو عمارته، وقد كانوا يقومون بهما في الجاهلية، وهنا ينكر السياق على المشركين أن يكون لهم الحق في أن يعمروا بيوت الله، فهو حق خالص للمؤمنين بالله، القائمين بفرائضه؛ وما كانت عمارة البيت في الجاهلية وسقاية الحاج لتغير من هذه القاعدة.. وهذه الآيات كانت تواجه ما يحيك في نفوس بعض المسلمين الذين لم تتضح لهم قاعدة هذا الدين. {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر}.. فهو أمر مستنكر منذ الابتداء، ليس له مبرر لأنه مخالف لطبائع الأشياء. إن بيوت الله خالصة لله، لا يذكر فيها إلا اسمه، ولا يدعى معه فيها أحد غيره، فكيف يعمرها من لا يعمر التوحيد قلوبهم، ومن يدعون مع الله شركاء، ومن يشهدون على أنفسهم بالكفر شهادة الواقع الذي لا يملكون إنكاره، ولا يسعهم إلا إقراره؟ إقراره؟ {أولئك حبطت أعمالهم}.. فهي باطلة أصلاً، ومنها عمارة بيت الله التي لا تقوم إلا على قاعدة من توحيد الله. {وفي النار هم خالدون}.. بما قدموا من الكفر الواضح الصريح. إن العبادة تعبير عن العقيدة؛ فإذا لم تصح العقيدة لم تصح العبادة؛ وأداء الشعائر وعمارة المساجد ليست بشيء ما لم تعمر القلوب بالاعتقاد الإيماني الصحيح، وبالعمل الواقع الصريح، وبالتجرد لله في العمل والعبادة على السواء: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله}.. والنص على خشية الله وحده دون سواه بعد شرطي الإيمان الباطن والعمل الظاهر، لا يجيء نافلة. فلا بد من التجرد لله؛ ولا بد من التخلص من كل ظل للشرك في الشعور أو السلوك؛ وخشية أحد غير الله لون من الشرك الخفي ينبه إليه النص قصداً في هذا الموضع ليتمحض الاعتقاد والعمل كله لله. وعندئذ يستحق المؤمنون أن يعمروا مساجد الله، ويستحقون أن يرجوا الهداية من الله: {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين}.. فإنما يتوجه القلب وتعمل الجوارح، ثم يكافئ الله على التوجه والعمل بالهداية والوصول والنجاح. هذه هي القاعدة في استحقاق عمارة بيوت الله؛ وفي تقويم العبادات والشعائر على السواء يبينها الله للمسلمين والمشركين، فما يجوز أن يسوى الذين كانوا يعمرون الكعبة ويسقون الحجيج في الجاهلية، وعقيدتهم ليست خالصة لله، ولا نصيب لهم من عمل أو جهاد، لا يجوز أن يسوى هؤلاء - لمجرد عمارتهم للبيت وخدمتهم للحجيج - بالذين آمنوا إيماناً صحيحاً وجاهدوا في سبيل الله وإعلاء كلمته: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن أمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله؟}.. {لا يستوون عند الله}.. وميزان الله هو الميزان وتقديره هو التقدير: {والله لا يهدي القوم الظالمين}. المشركين الذين لا يدينون دين الحق، ولا يخلصون عقيدتهم من الشرك، ولو كانوا يعمرون البيت ويسقون الحجيج. وينتهي هذا المعنى بتقرير فضل المؤمنين المهاجرين المجاهدين، وما ينتظرهم من حرمة ورضوان، ومن نعيم مقيم وأجر عظيم: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون. يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم}.. وأفعل التفضيل هنا في قوله: {أعظم درجة عند الله} ليس على وجه، فهو لا يعني أن للآخرين درجة أقل، إنما هو التفضيل المطلق. فالآخرون {حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون} فلا مفاضلة بينهم وبين المؤمنين المهاجرين المجاهدين في درجة ولا في نعيم. ثم يمضي السياق في تجريد المشاعر والصلات في قلوب الجماعة المؤمنة. وتمحيصها لله ولدين الله؛ فيدعو إلى تخليصها من وشائج القربى والمصلحة واللذة، ويجمع كل لذائذ البشر، وكل وشائج الحياة، فيضمها في كفة، ويضع حب الله ورسوله وحب الجهاد في سبيله في الكفة الأخرى، ويدع للمسلمين الخيار. {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء - إن استحبوا الكفر على الإيمان - ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون. قل: إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم، وأموال اقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها.. أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره. والله لا يهدي القوم الفاسقين}.. إن هذه العقيدة لا تحتمل لها في القلب شريكاً؛ فإما تجرد لها، وإما انسلاخ منها، وليس المطلوب أن ينقطع المسلم عن الأهل والعشيرة والزوج والولد والمال والعمل والمتاع واللذة؛ ولا أن يترهبن ويزهد في طيبات الحياة.. كلا إنما تريد هذه العقيدة أن يخلص لها القلب، ويخلص لها الحب، وأن تكون هي المسيطرة والحاكمة، وهي المحركة والدافعة. فإذا تم لها هذا فلا حرج عندئذ أن يستمتع المسلم بكل طيبات الحياة؛ على أن يكون مستعداً لنبذها كلها في اللحظة التي تتعارض مع مطالب العقيدة. ومفرق الطريق هو أن تسيطر العقيدة أو يسيطر المتاع؛ وأن تكون الكلمة الأولى للعقيدة أو لعرض من أعراض هذه الأرض. فإذا اطمأن المسلم إلى أن قلبه خالص لعقيدته فلا عليه بعد هذا أن يستمتع بالأبناء والإخوة وبالزوج والعشيرة؛ ولا عليه أن يتخذ الأموال والمتاجر والمساكن؛ ولا عليه أن يستمتع بزينة الله والطيبات من الرزق - في غير سرف ولا مخيلة - بل إن المتاع بها حينئذ لمستحب، باعتباره لوناً من ألوان الشكر لله الذي أنعم بها ليتمتع بها عباده، وهم يذكرون أنه الرازق المنعم الوهاب. {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء - إن استحبوا الكفر على الإيمان -}.. وهكذا تتقطع أواصر الدم والنسب، إذا انقطعت آصرة القلب والعقيدة. وتبطل ولاية القرابة في الأسرة إذا بطلت ولاية القرابة في الله. فلله الولاية الأولى، وفيها ترتبط البشرية جميعاً، فإذا لم تكن فلا ولاية بعد ذلك، والحبل مقطوع والعروة منقوضة. {ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون}.. و{الظالمون} هنا تعني المشركين. فولاية الأهل والقوم - إن استحبوا الكفر على الإيمان - شرك لا يتفق مع الإيمان. ولا يكتفي السياق بتقرير المبدأ، بل يأخذ في استعراض ألوان الوشائج والمطامع واللذائذ؛ ليضعها كلها في كفة ويضع العقيدة ومقتضياتها في الكفة الأخرى: الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة (وشيجة الدم والنسب والقرابة والزواج) والأموال والتجارة ( مطمع الفطرة ورغبتها) والمساكن المريحة (متاع الحياة ولذتها).. وفي الكفة الأخرى: حب الله ورسوله وحب الجهاد في سبيله. الجهاد بكل مقتضياته وبكل مشقاته. الجهاد وما يتبعه من تعب ونصب، وما يتبعه من تضييق وحرمان، وما يتبعه من ألم وتضحية، وما يتبعه من جراح واستشهاد.. وهو - بعد هذا كله - "الجهاد في سبيل الله" مجرداً من الصيت والذكر والظهور. مجرداً من المباهاة، والفخر والخيلاء. مجرداً من إحساس أهل الأرض به وإشارتهم إليه وإشادتهم بصاحبه. وإلا فلا أجر عليه ولا ثواب.. {قل: إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها، أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله.. فتربصوا حتى يأتي الله بأمره..} ألا إنها لشاقة. ألا وإنها لكبيرة، ولكنها هي ذاك.. وإلا: {فتربصوا حتى يأتي الله بأمره}.. وإلا فتعرضوا لمصير الفاسقين: {والله لا يهدي القوم الفاسقين}.. وهذا التجرد لا يطالب به الفرد وحده، إنما تطالب به الجماعة المسلمة، والدولة المسلمة. فما يجوز أن يكون هناك اعتبار لعلاقة أو مصلحة يرتفع على مقتضيات العقيدة في الله ومقتضيات الجهاد في سبيل الله. وما يكلف الله الفئة المؤمنة هذا التكليف، إلا وهو يعلم أن فطرتها تطيقه - فالله لا يكلف نفساً إلا وسعها- وإنه لمن رحمة الله بعباده أن أودع فطرتهم هذه الطاقة العالية من التجرد والاحتمال؛ وأودع فيها الشعور بلذة علوية لذلك التجرد لا تعدلها لذائذ الأرض كلها.. لذة الشعور بالاتصال بالله، ولذة الرجاء في رضوان الله، ولذة الاستعلاء على الضعف والهبوط، والخلاص من ثقلة اللحم والدم، والارتفاع إلى الأفق المشرق الوضيء. فإذا غلبتها ثقلة الأرض ففي التطلع إلى الأفق ما يجدد الرغبة الطامعة في الخلاص والفكاك. ثم لمسة للمشاعر بالذكرى، وباستعراض صفحة من الواقع الذي عاشه المسلمون إذ ذاك منذ قريب.. المواطن التي نصرهم الله فيها، ولم تكن لهم قوة ولا عدة. ويوم حنين الذي هزموا فيه بكثرتهم ثم نصرهم الله بقوته. يوم أن انضم إلى جيش الفتح ألفان فقط من الطلقاء! يوم أن غفلت قلوب المسلمين لحظات عن الله مأخوذة بالكثرة في العدد والعتاد. ليعلم المؤمنون أن التجرد لله، وتوثيق الصلة به هي عدة النصر التي لا تخذلهم حين تخذلهم الكثرة في العدد والعتاد؛ وحين يخذلهم المال والإخوان والأولاد: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين؛ ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين. ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء، والله غفور رحيم}. ولقد كان نصر الله لهم في المواطن الكثيرة قريباً من ذاكرتهم لا يحتاج إلى أكثر من الإشارة. فأما وقعة حنين فكانت بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة. وذلك لما فرغ - صلى الله عليه وسلم - من فتح مكة، وتمهدت أمورها، وأسلم عامة أهلها، وأطلقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه، وأن أميرهم مالك بن عوف النضري، ومعه ثقيف بكمالها، وبنو جشم، وبنو سعد ابن بكر، وأوزاع من بني هلال - وهم قليل - وناس من بني عمرو بن عامر وعوف ابن عامر؛ وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم؛ وجاءوا بقضهم وقضيضهم. فخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم في جيشه الذي جاء معه للفتح وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة، وهم الطلقاء، في ألفين؛ فسار بهم إلى العدو؛ فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له "حنين" فكانت فيه الواقعة في أول النهار في غلس الصبح. انحدروا في الوادي وقد كمنت فيه هوازن، فما توجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد بادروهم، ورشقوا بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا حملة رجل واحد كما أمرهم ملكهم. فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين - كما قال الله عز وجل - وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ وهو راكب بغلته الشهباء، يسوقها إلى نحر العدو، والعباس آخذ بركابها الأيمن، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر، يثقلانها لئلا تسرع السير، "حديث : وهو ينوه باسمه - عليه الصلاة والسلام - ويدعو المسلمين إلى الرجعة، ويقول: "إلي يا عباد الله. إلي أنا رسول الله" ويقول في تلك الحال: أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب"تفسير : وثبت معه من أصحابه قريب من مائة، ومنهم من قال ثمانون؛ فمنهم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - والعباس وعلي والفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، وأسامة بن زيد، وغيرهم - رضي الله عنهم - ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي بأعلى صوته: يا أصحاب الشجرة - يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها على ألا يفروا عنه - فجعل ينادي بهم: يا أصحاب السمرة، ويقول تارة: يا أصحاب سورة البقرة. فجعلوا يقولون: يا لبيك، يا لبيك. وانعطف الناس فتراجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع لبس درعه ثم انحدر عنه وأرسله، ورجع بنفسه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما اجتمعت شرذمة منهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصدقوا الحملة... وانهزم المشركون فأتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. هذه هي المعركة التي اجتمع فيها للمسلمين - للمرة الأولى - جيش عدته اثنا عشر ألفاً فأعجبتهم كثرتهم، وغفلوا بها عن سبب النصر الأول، فردهم الله بالهزيمة في أول المعركة إليه؛ ثم نصرهم بالقلة المؤمنة التي ثبتت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتصقت به. والنص يعيد عرض المعركة بمشاهدها المادية، وبانفعالاتها الشعورية: {إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين}.. فمن انفعال الإعجاب بالكثرة، إلى زلزلة الهزيمة الروحية، إلى انفعال الضيق والحرج حتى لكأن الأرض كلها تضيق بهم وتشد عليهم. إلى حركة الهزيمة الحسية، وتولية الأدبار والنكوص على الأعقاب.. {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين}.. وكأنما السكينة رداء ينزل فيثبت القلوب الطائرة ويهدئ الانفعالات الثائرة. {وأنزل جنوداً لم تروها}.. فلا نعلم ماهيتها وطبيعتها.. وما يعلم جنود ربك إلا هو.. {وعذب الذين كفروا}. بالقتل والأسر والسلب والهزيمة: {وذلك جزاء الكافرين}.. {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء، والله غفور رحيم}.. فباب المغفرة دائماً مفتوح لمن يخطئ ثم يتوب. إن معركة حنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الانشغال عن الله، والاعتماد على قوة غير قوته، لتكشف لنا عن حقيقة أخرى ضمنية. حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة. إن الكثرة العددية ليست بشيء، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة. وإن الكثرة لتكون أحياناً سبباً في الهزيمة، لأن بعض الداخلين فيها، التائهين في غمارها، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة؛ فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في توثيق صلتهم بالله، انشغالاً بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة. لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة، لا بالزبد الذي يذهب جفاء، ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح! وعندما يبلغ السياق إلى هذا المقطع، ويلمس وجدان المسلمين بالذكرى القريبة من التاريخ، ينهي القول في شأن المشركين. ويلقي الكلمة الباقية فيهم إلى يوم الدين: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا؛ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء. إن الله عليم حكيم}.. إنما المشركون نجس. يجسم التعبير نجاسة أرواحهم فيجعلها ماهيتهم وكيانهم. فهم بكليتهم وبحقيقتهم نجس، يستقذره الحس، ويتطهر منه المتطهرون! وهو النجس المعنوي لا الحسي في الحقيقة، فأجسامهم ليست نجسة بذاتها. إنما هي طريقة التعبير القرآنية بالتجسيم. {نجس. فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}.. وتلك غاية في تحريم وجودهم بالمسجد الحرام، حتى لينصبّ النهي على مجرد القرب منه، ويعلل بأنهم نجس وهو الطهور! ولكن الموسم الاقتصادي الذي ينتظره أهل مكة؛ والتجارة التي يعيش عليها معظم الظاهرين في الجزيرة؛ ورحلة الشتاء والصيف التي تكاد تقوم عليها الحياة... إنها كلها ستتعرض للضياع بمنع المشركين من الحج؛ وبإعلان الجهاد العام على المشركين كافة.. نعم! ولكنها العقيدة. والله يريد أن تخلص القلوب كلها للعقيدة! وبعد ذلك، فالله هو المتكفل بأمر الرزق من وراء الأسباب المعهودة المألوفة: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء}.. وحين يشاء الله يستبدل أسباباً بأسباب؛ وحين يشاء يغلق باباً ويفتح الأبواب.. {إن الله عليم حكيم}.. يدبر الأمر كله عن علم وعن حكمة، وعن تقدير وحساب.. لقد كان المنهج القرآني يعمل، في المجتمع المسلم الذي نشأ من الفتح؛ والذي لم تكن مستوياته الإيمانية قد تناسقت بعد.. وكما أننا نلمح من خلال السياق في هذا المقطع ما كان يعتور هذا المجتمع من ثغرات. فكذلك نلمح عمل المنهج القرآني في سد هذه الثغرات. ونلمح الجهد الطويل المبذول لتربية هذه الأمة بهذا المنهج القرآني الفريد. إن القمة التي كان المنهج القرآني ينقل خطى هذه الأمة لتبلغ إليها، هي قمة التجرد لله، والخلوص لدينه وقمة المفاصلة على أساس العقيدة مع كل أواصر القربى وكل لذائذ الحياة، وكان هذا يتم من خلال ما يبثه المنهج القرآني من وعي لحقيقة الفوارق والفواصل بين منهج الله الذي يجعل الناس كلهم عبيداً لله وحده، ومنهج الجاهلية الذي يجعل الناس أرباباً بعضهم لبعض.. وهما منهجان لا يلتقيان.. ولا يتعايشان.. وبدون هذا الفقه الضروري لطبيعة هذا الدين وحقيقته، وطبيعة الجاهلية وحقيقتها؛ لا يملك إنسان أن يقوّم الأحكام الإسلامية، التي تقرر قواعد المعاملات والعلاقات بين المعسكر المسلم وسائر المعسكرات.
ابن عاشور
تفسير : افتتحت السورة كما تفتتح العهودُ وصكوك العقود بأدَلّ كلمة على الغرض الذي يراد منها كما في قولهم: هذا ما عهد به فلان، وهذا ما اصطلح عليه فلان وفلان، وقول الموثّقين: باع أو وكّل أو تزوّج، وذلك هو مقتضى الحال في إنشاء الرسائِل والمواثيق ونحوها. وتنكير {براءة} تنكير التنويع، وموقع {براءة} مبتدأ، وسوغ الابتداء به ما في التنكير من معنى التنويع للإشارة إلى أنّ هذا النوع كاف في فهم المقصود كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : المص كتابٌ أنزل إليك}تفسير : [الأعراف: 1، 2]. والمجروران في قوله: {من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم} في موضع الخبر، لأنّه المقصود من الفائِدة أي: البراءة صدرت من الله ورسوله. و{من} ابتدائية، و{إلى} للانتهاء لما أفاده حرف {من} من معنى الابتداء. والمعنى أنّ هذه براءة أصدرها الله بواسطة رسوله إبلاغاً إلى الذين عاهدتم من المشركين. والبراءة الخروج والتفصّي مما يتعب ورفعُ التبِعة. ولما كان العهد يوجب على المتعاهدين العمل بما تعاهدوا عليه ويُعد الإخلاف بشيء منه غدراً على المخلف، كان الإعلان بفسخ العهد براءةً من التبِعات التي كانت بحيثُ تنشأ عن إخلاف العهد، فلذلك كان لفظ {براءة} هنا مفيداً معنى فسخ العهد ونبذه ليأخذ المعاهَدون حِذرهم. وقد كان العرب ينبذون العهد ويردّون الجوار إذا شاءوا تنهية الالتزام بهما، كما فعل ابن الدُّغُنَّه في ردّ جوار أبي بكر عن قريش، وما فعل عثمان بن مظعون في ردّ جوار الوليد بن المغيرة إيّاه قائلاً: «رضيتُ بجوار ربّي ولا أريد أن أستجير غيره». وقال تعالى: {أية : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين}تفسير : [الأنفال: 58] أي: ولا تخنهم لظنّك أنّهم يخونونك فإذا ظننته فافسخ عهدك معهم. ولمّا كان الجانب، الذي ابتدأ بإبطال العهد وتنهيته، هو جانب النبي صلى الله عليه وسلم بإذن من الله، جعلت هذه البراءة صادرة من الله، لأنّه الآذن بها، ومن رسوله، لأنّه المباشر لها. وجُعل ذلك منهَّى إلى المعاهدين من المشركين، لأنّ المقصود إبلاغ ذلك الفسخ إليهم وإيصالُه ليكونوا على بصيرة فلا يكون ذلك الفسخ غدراً. والخطاب في قوله: {عاهدتم} للمؤمنين. فهذه البراءة مأمورون بإنفاذها. واعلم أنّ العهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين كان قد انعقد على صور مختلفة، فكان بينه وبين أهل مكة ومن ظاهرهم عَهد الحديبية: أن لا يُصَدّ أحد عن البيت إذا جاء، وأن لا يُخاف أحد في الشهر الحرام، وقد كان معظم قبائل العرب داخلاً في عقد قريش الواقع في الحديبية؛ لأنّ قريشاً كانوا يومئذٍ زعماء جميع العرب، ولذلك كان من شروط الصلح يومئذ: أنّ من أحبّ أن يدخل في عهد محمد دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، وكان من شروط الصلح وضع الحرب عن الناس سنين يأمَن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، فالذين عاهدوا المسلمين من المشركين معروفون عند الناس يوم نزول الآية. وهذا العهد، وإن كان لفائدة المسلمين على المشركين، فقد كان عَديلُهُ لازماً لفائِدة المشركين على المسلمين، حين صار البيت بيد المسلمين بعد فتح مكّة، فزال ما زال منه بعد فتح مكّة وإسلام قريش وبعض أحْلافهم. وكان بين المسلمين وبعض قبائِل المشركين عهود؛ كما أشارت إليه سورة النساء (90) في قوله تعالى: {أية : إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} تفسير : الآية، وكما أشارت إليه هذه السورة (4) في قوله تعالى: {أية : إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً} تفسير : الآية. وبعض هذه العهود كان لغير أجل معيّن، وبعضها كان لأجل قد انقضى، وبعضها لم ينقض أجله. فقد كان صلح الحديبية مؤجّلاً إلى عَشر سنين في بعض الأقوال وقيل: إلى أربع سنين، وقيل: إلى سنتين. وقد كان عهد الحديبية في ذي القعدة سنة ستّ، فيكون قد انقضت مدّته على بعض الأقوال، ولم تنقض على بعضها، حين نزول هذه الآية. وكانوا يحسبون أنّه على حكم الاستمرار، وكان بعض تلك العهود مؤجلاً إلى أجل لم يتمّ، ولكن المشركين خفروا بالعهد في ممالاة بعض المشركين غير العاهدين، وفي إلحاق الأذى بالمسلمين، فقد ذُكر أنّه لمّا وقعت غزوة تبوك أرجف المنافقون أنّ المسلمين غُلبوا فنقض كثير من المشركين العهد، وممّن نقض العهد بعضُ خزاعة، وبنُو مُدلِج، وبنو خزيمة أو جَذِيمة، كما دلّ عليه قوله تعالى: {أية : ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحدا}تفسير : [التوبة: 4] فأعلن الله لهؤلاء هذه البراءة ليأخذوا حِذرهم، وفي ذلك تضييق عليهم إن داموا على الشرك، لأنّ الأرض صارت لأهل الإسلام كما دلّ عليه قوله تعالى بعدُ: {أية : فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله}تفسير : [التوبة: 3]. وإنّما جعلت البراءة شأنا من شؤون الله ورسوله، وأسند العهد إلى ضمير المسلمين: للإشارة إلى أنّ العهود التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم لازمة للمسلمين وهي بمنزلة ما عقدوه بأنفسهم، لأنّ عهود النبي عليه الصلاة والسلام إنّما كانت لمصلحة المسلمين، في وقت عدم استجماع قوتهم، وأزمانَ كانت بقية قوةٍ للمشركين، وإلاّ فإنّ أهل الشرك ما كانوا يستحقّون من الله ورسوله توسعة ولا عهداً لأنّ مصلحة الدين تكون أقْوَمُ إذا شّدد المسلمون على أعدائه، فالآن لمّا كانت مصلحة الدين متمحّضة في نبذ العهد الذي عاهده المسلمون المشركين أذن اللَّهُ رسوله صلى الله عليه وسلم بالبراءة من ذلك العهد، فلا تبعة على المسلمين في نبذه، وإن كان العهد قد عقده النبي صلى الله عليه وسلم ليعلموا أنّ ذلك توسعة على المسلمين، على نحو ما جزى من المحاورة بين عمر بن الخطاب وبين النبي صلى الله عليه وسلم يوم صلح الحديبية، وعلى نحو ما قال الله تعالى في ثبات الواحد من المسلمين لاثنين من المشركين، على أنّ في الكلام احتباكاً، لما هو معروف من أنّ المسلمين لا يعملون عملاً إلاّ عن أمر من الله ورسوله، فصار الكلام في قوَّة براءة من الله ورسوله ومنكم، إلى الذين عاهد الله ورسولُه وعاهدتم. فالقبائل التي كان لها عهد مع المسلمين حين نزول هذه السورة قد جمعها كلّها الموصول في قوله: {إلى الذين عاهدتم من المشركين}. فالتعريف بالموصولية هنا، لأنّها أخصر طريق للتعبير عن المقصود، مع الإشارة إلى أنّ هذه البراءة براءة من العهد، ثم بيّن بعضها بقوله: {أية : إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً}تفسير : [التوبة: 4] الآية.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ} إلى قوله تعالى: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}. ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الكفار المعاهدين، وأنه بعد انقضاء أشهر الإمهال الأربعة المذكورة في قوله: {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} إلا عهد الكافر. وفي هذا اختلاف كثير بين العلماء. والذي يبينه القرآن، ويشهد له من تلك الأقوال، هو أن محل ذلك إنما هو في أصحاب العهود المطلقة غير الموقتة بوقت معين، أو من كانت مدة عهده الموقت أقل من أربعة اشهر، فتكمل له اربعة أشهر. أما أصحاب العهود الموقتة الباقي من مدتها أكثر من أبرعة اشهر، فإنه يجب لهم إتمام مدتهم، ودليله المبين له من القرآن. هو قوله تعالى: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِين} تفسير : [التوبة: 4] وهو اختيار ابن جرير، وروي عن الكلبي، ومحمد بن كعب القرظي، وغير واحد، قاله ابن كثير ويؤيده حديث علي رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم، بعثه حين أنزلت "براءة" بأربع: ألا يطوف بالبيت عريان. ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا. ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته. ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. قوله تعالى: {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} الآية. قال بعض العلماء: كان ابتداء التأجيل بالأشهر الأربعة المذكورة من شوال. وآخره سلخ المحرم، وبه قال الزهري - رحمه الله تعالى - ولكن القرآن، يدل على أن ابتداءها من يوم النحر. على الأصح من أنه يوم الحج الأكبر، أو يوم عرفة على القول بأنه هو يوم الحج الأكبر، وذلك في قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} الآية. وهو صريح في أن ابتداء الإعلام المذكور من يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر، ولا يخفى انتهاؤها في العشر من ربيع الثاني. قال ابن كثير: - في تفسير هذه الآية - وقال الزهري: كان ابتداء التأجيل من شوال، وآخره سلخ المحرم، وهذا القول غريب، وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها، وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر، حين نادى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ولهذا قال تعالى: {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ}.
الواحدي
تفسير : {براءة من الله ورسوله...} الآية. أخذت المشركون ينقضون عهوداً بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره الله تعالى أن ينقض عهودهم وينبذها إليهم، وأنزل هذه الآية، والمعنى: قد برىء الله ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء بها إذ نكثوا، ثمَّ خاطب المشركين فقال: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} سيروا فيها آمنين حيث شئتم. يعني: شوالاً إلى صفر، وهذا تأجيلٌ من الله سبحانه للمشركين، فإذا انقضت هذه المدَّة قُتلوا حيثما أُدركوا {واعلموا أنكم غير معجزي الله} لا تفوتونه وإنْ أُجِّلتم هذه المدَّة {وأنَّ الله مُخْزي الكافرين} مذلُّهم في الدُّنيا بالقتل، والعذاب في الآخرة. {وأذان من الله} إعلامٌ منه {ورسوله إلى الناس} يعني: العرب {يوم الحج الأكبر} يوم عرفة. وقيل: يوم النَّحر، والحجُّ الأكبر [الحجُّ] بجميع أعماله، والأصغر العمرة {أنَّ الله بريء من المشركين ورسولُهُ} أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يُعلم مشركي العرب في يوم الحجِّ الأكبر ببراءته من عهودهم، فبعث عليَّاً رضي الله عنه حيث قرأ صدر براءة عليهم يوم النَّحر، ثمَّ خاطب المشركين، فقال: {فإن تبتم} رجعتم عن الشِّرك {فهو خيرٌ لكم} من الإِقامة عليه {وإن توليتم} عن الإِيمان {فاعلموا أنكم غير معجزي الله} لا تفوتونه بأنفسكم عن العذاب، ثمَّ أوعدهم بعذاب الآخرة فقال: {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} ثمَّ استثنى قوماً من براءة العهود، فقال: {إلاَّ الذين عاهدتم من المشركين ثمَّ لم ينقصوكم} من شروط العهد {شيئاً} وهم بنو ضمرة وبنو كنانة {ولم يظاهروا عليكم أحداً} لم يعاونوا عليكم عدوَّاً {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدَّتهم} إلى انقضاء مدَّتهم، وكان قد بقي لهم من مدَّتهم تسعة أشهر، فأمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بإتمامها لهم {إنَّ الله يحب المتقين} مَنِ اتَّقاه بطاعته.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- الله ورسوله بريئان من المشركين الذين عاهدتموهم فنقضوا العهد. 2- فلكم الامان - أيها المشركون - مدة أربعة أشهر - من حين البراءة تنتقلون فيها حيث شئتم، واعلموا أنكم حيثما كنتم خاضعين لسلطان الله، وأنتم لا تعجزونه، وإن الله كاتب الخزى على الذين يجحدونه. 3- وبلاغ من الله ورسوله إلى الناس عامة، فى مجتمعهم يوم الحج الأكبر، أن الله ورسوله بريئان من عهود المشركين الخائنين - فيا أيها المشركون الناقضون للعهد - إذا رجعتم عن شرككم بالله، فإن ذلك خير لكم فى الدنيا والآخرة، أما إن أعرضتم وبقيتم على ما أنتم عليه، فاعلموا أنكم خاضعون لسلطان الله. وأنت - أيها الرسول - أنذر جميع الكافرين بعذاب شديد الإيلام. 4- أما من عاهدتم من المشركين، فحافظوا على عهودكم ولم يُخِلُّوا بشئ منها، ولم يعينوا عليكم أحداً، فأوفوا لهم عهدهم إلى نهايته واحترموه.. إن الله يحب المتقين المحافظين على عهودهم. 5- فإذا انقضت مدة الأمان - الأشهر الأربعة - فاقتلوا المشركين الناقضين للعهد فى كل مكان، وخذوهم بالشدة، واضربوا الحصار عليهم بسد الطرق، واقعدوا لهم فى كل سبيل، فإن تابوا عن الكفر، والتزموا أحكام الإسلام بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلا سبيل لكم عليهم لدخولهم فى دين الله، والله عظيم المغفرة لمن تاب، واسع الرحمة بعباده.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: براءة: أي هذه براءة بمعنى تبرؤ وتباعد وتخلص. عاهدتم: أي جعلتم بينكم وبينهم عهداً وميثاقاً. فسيحوا في الأرض: أي سيروا في الأرض طالبين لكم الخلاص. مخزي الكافرين: مذل الكافرين ومهينهم. وأذان من الله: إعلام منه تعالى. يوم الحج الأكبر: أي يوم عيد النحر. لم ينقصوكم شيئاً: أي من شروط المعاهدة وبنود الاتفاقية. ولم يظاهروا عليكم أحداً: أي لم يعينوا عليكم أحداً. معنى الآيات: هذه السورة القرآنية الوحيدة التي خلت من البسملة لأنها مفتتحة بآيات عذاب فتنافى معها ذكر الرحمة، وهذه السورة من آخر ما نزل من سور القرآن الكريم وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وبعض الصحابة في حج سنة تسع يقرأون هذه الآيات في الموسم، وهي تعلم المشركين أن من كان له عهد مطلق بلا حد شهر أو سنة مثلاً أو كان له عهد دون أربعة أشهر، أو كان له عهد فوق أربعة أشهر ونقضه تُعْلِمُهُم بأن عليهم أن يسيحوا في الأرض بأمان كامل مدة أربعة أشهر فإن أسلموا فهو خير لهم وإن خرجوا من الجزيرة فإن لهم ذلك وإن بقوا كافرين فسوف يؤخذون ويقتلون حيثما وجدوا في ديار الجزيرة التي أصبحت دار إسلام بفتح مكة ودخول أهل الطائف في الإِسلام هذا معنى قوله تعالى {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي واصلة {إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} تبدأ من يوم الإِعلان عن ذلك وهو يوم العيد الأضحى. وقوله تعالى {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} أي غير فائتيه ولا هاربين من قهره وسلطانه عليكم هذا أولاً، وثانياً {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ} أي مذلهم وقوله تعالى {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي محمد صلى الله عليه وسلم والأذان الإِعلان والإِعلام، {إِلَى ٱلنَّاسِ} وهم المشركون {يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} أي يوم عيد الأضحى حيث تفرّغ الحجاج للاقامة بمنى للراحة والاستجمام قبل العودة إلى ديارهم، وصورة الإِعلان عن تلك البراءة هي قوله تعالى {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} أي كذلك بريء من المشركين وعليه {فَإِن تُبْتُمْ} أيها المشركون إلى الله تعالى بتوحيده والإِيمان برسوله وطاعته وطاعة رسوله {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} من الإِصرار على الشرك والكفر والعصيان، {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي أعرضتم عن الإِيمان والطاعة {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} بحال من الأحوال فلن تفوتوه ولن تهربوا من سلطانه فإن الله تعالى لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب ثم قال تعالى لرسوله {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي أخبرهم به فإنه واقع بهم لا محالة إلا أن يتوبوا وقوله تعالى في الآية الرابعة [4] {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ} من شروط المعاهدة {شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ} أي لم يعاونوا {عَلَيْكُمْ أَحَداً} لا برجال ولا بسلاح ولا حتى بمشورة ورأي فهؤلاء لم يبرأ الله تعالى منهم ولا رسوله، وعليه {فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} أي مدة أجلهم المحدد بزمن معين فوفوا لهم ولا تنقضوا لهم عهداً إلى أن ينقضوه هم بأنفسهم، أو تنتهي مدتهم وحينئذ إما الإِسلام وإما السيف إذ لم يبق مجال لبقاء الشرك في دار الإِسلام وقبته. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- جواز عقد المعاهدات بين المسلمين والكافرين إذا كان ذلك لدفع ضرر محقق عن المسلمين، أو جلب نفع للإِسلام والمسلمين محققاً كذلك. 2- تحريم الغدر والخيانة، ولذا كان إلغاء المعاهدت علنياً وإمداد أصحابها بمدة ثلث سنة يفكرون في أمرهم ويطلبون الأصلح لهم. 3- وجوب الوفاء بالمعاهدات ذات الآجال إلى أجلها إلا أن ينقضها المعاهدون. 4- فضل التقوى وأهلها وهو اتقاء سخط الله بفعل المحبوب له تعالى وترك المكروه.
القطان
تفسير : براءة: إعذار وإنذار بانقطاع العصمة. فسِيحوا في الارض: تجوّلوا فيها وتنقلوا. مخزي الكافرين: مذلهم. وأذان من الله: إعلام منه تعالى ومن رسوله ببراءتها من المشركين. لم ينقصوكم شيئا: لم يخلّوا في شروط المعاهدة. ولم يظاهروا عليكم: لم يعاونوا احداً عليكم. لقد دلت تجربة الرسول الكريم واصحابه مع المشركين في جميع انحاء الجزيرة العربية ان هؤلاء لا أمان لهم ولا عهود، ولا يُؤمَن غدرُهم في حالَي القوة ولا الضعف، بل لا يستطيع المسلمون ان يعيشوا على اسس المعاهدات ما داموا على شِركهم. فجاءت هذه السورة تأمر المسلمين بنبذِ عهود المشركين المطلقة، واتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام. وهكذا حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى محا الشرك من جزية العرب ودانت كلها للاسلام. وقد زاد اقبال العرب على الإسلام بعد الحجّة التي حجّها أبو بكر سنة تسع للهجرة، وفي هذه الحجة أرسل النبيّ عليّ بن ابي طالب ليلحق بأبي بكر، ويتلو على الناس قرآنا. فكان فصلا بين عهدين: عهدٍ كان الإسلام يقوى فيه شيئا فشيئا، لكن مع بقاء الشرك في بعض القبائل، وعهد آخر خلصت فيه الجزيرة كلها للاسلام. والقرآن - الذي تلاه عليّ على الناس، وفَرّق الله به بين هذين العهدين - هو هذه الآيات الكريمة من سورة التوبة. {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}. هذه براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم أيُها المسلمون من المشركين، فيها إنذار بقطع تلك المعاهدات. {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ}. قولوا أيها المسلمون: سِيروا في الأرض وانتم آمنون لا يتعرّض لكم أحدٌ من المسلمين بقتال مدة أربعةِ اشهر، تبتدئ من عاشرِ ذي الحجّة من سنة تسع للهجرة (وهو يوم النحر الّذي بُلِّغوا فيه هذه الدعوة)، وتنتهي في العاشر من شهر ربيعٍ الآخِر من سنة عشر. انتقِلوا طوال هذه المدة حيث شئتم، وانتم تفكرون في عاقبة أمركم، ثم تخيَّروا بين الاسلام والاستعداد للقتال، واعلموا انكم لن تُعجزوا الله اذا أصررتم على شِرككم، بل سيسلّط عليكم المؤمنين ويؤيدهم بنصره الذي وعدهم به. والعاقبة للمتقين. {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} هذا بلاغ من الله ورسوله إلى الناس كافة، في اجتماعهم يوم النّحر من الحجّ الأكبر، يصرّح بالبراءة من عهود المشركين. {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ}. فيا أيها المشركون الناقضونَ للعهدِ: إن تُبتم ورجعتم عن شِرككم بالله، وعن خيانتكم وغدْرِكم، كان ذلك خيراً لكم في الدنيا والآخرة، أما ان بقيتم على ما أنتم عليه، فاعلموا انكم لن تُفلِتوا من سلطان الله ولا من وعده لرسوله وللمؤمنين بالنصر عليكم. {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. وبشّر أيها الرسول الكريم جميع الكافرين بعذاب أليم في الآخرة. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ}. أما من عاهدتم من المشركين، فحافَظوا على عهودكم ولم يُخِلّوا بشيء منها، ولم يُعِينوا عليكم أحداً - فأوفوا لهم عهدهم إلى نهايته واحترِموه {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} الذين يحافظون على عهودهم. وفي هذه الآية دليلٌ على أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ما دام العهدُ معقودا وتصريحٌ بأن العهدَ المؤقت لا يجوز نقضُه الا بانتهاء وقته، هذا اذا حافظ العدو المعاهد على ذلك العهد، فان نقض شيئا منه اعتُبر ناقضاً كما قال تعالى {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً}. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: حديث : بعثني أبو بكر في تلك الحَجَّة في مؤذِّنين بعثَهم يوم النحر يؤذنون بِمِنَى: ان لا يحُجّ بعد العام مُشرِك، ولا يطوفَ بالبيت عُريان، ثم أردف بعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره ان يؤذن ببراءة، عين يتلوها على الناس .
د. أسعد حومد
تفسير : {عَاهَدْتُمْ} (1) - كَانَتْ هَذِهِ السُورَةُ مِنْ أوَاخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وَلَمْ يَكْتُبِ الصَحَابَةُ البَسْمَلَةَ فِي أوَّلِها، اقْتِدَاءً بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ إِنْ كَانَتْ تَابِعَةً لِسُورُةِ الأَنْفَالِ أوْ أَنَّهَا سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. وَأَوَّلُ هَذِهِ السُورَةِ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَفي هَذِهِ السَّنَةِ أرْسَلَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم أبَا بَكْرٍ أمِيراً لِلحَجِّ، وَأتْبَعَهُ بِعَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ لِيَقْرأ عَلَى النَّاسِ سُورَةَ التَّوْبَةِ، وَأنْ يَطْلُبَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ لاَ يَحُجُّوا بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا. وَيُعلِمُ تَعَالَى المُسْلمينَ أنَّهُ وَرَسُولَهُ بَرِيئَانِ وَمُتَحَرِّرانِ مِنَ العُهُودِ، التِي التَزَمَ بِهَا المُسْلِمُونَ مَعَ المُشْرِكينَ. وَالرَّأيُ الرَّاجِحُ أنَّ هَذِهِ البَرَاءَةَ هِيَ مِنَ العُهُودِ المُطْلَقَةِ غَيْرِ المُوَقَّتَةِ بِمُدَّةٍ مُعَينةٍ، وَمِنْ عُهُودِ أهْلِ العُهُودِ الذِينَ ظَاهَرُوا عَلَى الرَّسُولِ، وَنَقَضُوا عَهْدَهُمْ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ، لأنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِيمَا بَعْدُ، إنَّ الذِين تَقُومُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ المُسْلمِينَ عُهودٌ مُوَقَّتَةٌ، ذَاتُ أجَلٍ مُعَيَّن، يَجِبُ أنْ يُتِمَّ المُسْلِمُونَ لَهُمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ، إذَا لَمْ يَكُونُوا قَدْ نَقَضُوا العَهْدَ، وَظَاهَرُوا عَلَى المُسْلِمِينَ. وَمَنْ كَانَ عَهْدَهُ دُونَ أَرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَيُكْمَلُ إلَى أَرْبَعَةِ أشْهُرٍ. بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ - تَبَرُّؤٌ وَتَبَاعُدٌ وَاصِلٌ مِنَ اللهِ. عَاهَدْتُم - فَنَقَضُوا العَهْدَ.
الثعلبي
تفسير : {بَرَآءَةٌ} رفع بخبر ابتداء مضمر أي: هذه الآيات براءة، وقيل: رفع بخبر معرَّف الصفة على التقدير تقديره يعني {إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} براءة بنقض العهد وفسخ العقد، وهي مصدر على فَعالة كالشناءة والدناءة. {مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} إلى الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو المتولي على العقود وأصحابه كلّهم بذلك راضون، فكأنهم عقدوا وعاهدوا {فَسِيحُواْ} رجع من الخبر إلى الخطاب أي قل لهم: سيحوا أي سيروا {فِي ٱلأَرْضِ} مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين من أحد من المسلمين بحرب ولا سلب ولا قتل ولا أسر. {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} يقال: ساح في الأرض يسيح سياحة وسيوحاً وسياحاً{وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} أي غير فائتين ولا سابقين {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ} أي مذلّهم ومورثهم العار في الدنيا وفي الآخرة. واختلف العلماء في كيفية هذا التأجيل وفي هؤلاء الذين برئ الله منهم ورسوله إليكم من العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله من المشركين. فقال محمد بن إسحاق وغيره من العلماء: هم صنفان من المشركين: أحدهما كانت مدة عهده أقل من أربعة اشهر فأُمهل تمام أربعة اشهر، والآخر كانت مدة عهده بغير أجل محدود فقصر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه ثم [....] بحرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين، يُقتل حيث ما أُدرك، ويؤسر إلى أن يتوب وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر، وانتهاؤه إلى عشر من ربيع الآخر. وأما من لم يكن له عهد فإنّما أجله انسلاخ الأشهر الحرم وذلك خمسون يوماً، وقال الزهري: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لأن هذه الآية نزلت في شوال، وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد دون أربعة أشهر، فأتمّ له الأربعة الأشهر، ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر، فهذا الذي أمر أن يتم له عهده، وقال: فأتموا إليهم عهدهم إلى مدّتهم، وقال مقاتل: نزلت في ثلاثة أحياء من العرب: خزاعة وبني مذحج وبني خزيمة كان النبي صلى الله عليه وسلم عاهدهم بالحديبية سنتين فجعل الله عز وجل أجلهم أربعة أشهر، ولم يعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحداً من الناس. وقال الحسن: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأمره أن يدعو إلى التوحيد والطاعة، وفرض عليه الشرائع، وأمره بقتال من قاتله من المشركين، فقال: {أية : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}تفسير : [البقرة: 190] وكان لا يقاتل إلاّ مَن قاتله، وكان كافّاً عن أهل العهد الذين كانوا يعاهدونه الثلاثة والأربعة الأشهر حتى ينظروا في أمرهم، فإما أن يسلموا وإما أن يؤذنوا بالحرب، ثم أمره بقتال المشركين والبراءة منهم وأجلهم أربعة أشهر على أن يسلموا أو يؤذنوا بالحرب، ولم يكن لأحد منهم أجل أكثر من أربعة أشهر، لا مَن كان له عهد قبل البراءة، ولا مَن لم يكن له عهد، وكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر، وأحلّ دماء المشركين كلهم من أهل العهد وغيرهم بعد انقضاء الأجل. قال عبد الرحمن بن زيد: نقض كل عهد كان أكثر من أربعة أشهر فردّه إلى الأربعة، وقال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: نزلت في أهل مكة، وذلك حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشاً عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، فدخلت خزاعة في عهد محمد صلى الله عليه وسلم ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وكان مع ذا عهود من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قبائل من العرب خصائص، فعدت بنو بكر على خزاعة (فقتلوا رجلا) منها ورفدتهم قريش بالسلاح فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهودهم خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: * يارب إني ناشدٌ محمداً * حلف أبينا وأبيه إلا تلدا * * كُنتَ لنا أباً وكنا ولداً * ثمّت أسلمنا ولم ننزع يدا * * فانصر هداك الله نصراً [عتدا] * وادع عباد الله يأتوا مددا * * فيهم رسول الله قد تجرّدا * أبيض مثل الشمس ينمو صعدا * * إن سيم خسفاً وجهه تربدا * في فيلق في البحر تجري مزبداً * * إن قريشاً لموافوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا * * وزعموا أن لست تدعو إحدا * وهم أذلّ وأقلّ عددا * * هم [وجدونا] بالحطيم هُجّدا * وقتلونا رُكّعاً وسُجّداً * فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أنصرف إن لم أنصركم" فخرج وتجهز إلى مكة، وفتح الله مكة وهي سنة ثمان من الهجرة، ثم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف من تخلف من المنافقين وأرجفوا الأراجيف جعل المشركون ينقضون عهودهم، وأمره الله بإلقاء عهودهم إليهم ليأذنوا بالحرب، وذلك قوله تعالى {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} [الأنفال: 58] الآية. فلمّا كانت سنة تسع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج فقال: إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة ولم [.........] أن حج حتى لا يكون ذلك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه تلك السنة أميراً على الموسم ليقيم للناس الحج وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم، فلمّا سار دعا صلى الله عليه وسلم علياً فقال: "اخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذّن بذلك في الناس إذا اجتمعوا". فخرج علي رضي الله عنه على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة فأخذها منه فرجع أبا بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله بأبي أنت وأمي أنزل بشأني شيء؟ قال: "لا ولكن لا يبلّغ عني غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنّك كنت معي في الغار وأنّك صاحبي على الحوض". قال: بلى يارسول الله، وذلك أن العرب جرت عادتها في عقد عهودها ونقضها أن يتولى ذلك عن القبيلة رجل منهم فبعث النبي صلى الله عليه وسلم علياً لئلاّ، يقولوا: هذا خلاف ما نعرفه في بعض العهود. قال جابر: كنت مع علي رضي الله عنه حتى أتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فلمّا كنا (بالعرج ثوب) بصلاة الصبح، فلمّا استوى أبو بكر ليكبّر سمع الرغاء فوقف وقال: هذه رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء، لقد بدا لرسول الله في الحج، فإذا عليها عليّ، فقال أبو بكر أمير أم مأمور؟ قال: بل ارسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرأها على الناس، فكان أبو بكر أميراً على الحج وعلياً ليؤذن ببراءة، فقدما مكة، فلمّا كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس وحدثهم عن مناسكهم وأقام للناس بالحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على مناسكهم التي كانوا عليها في الجاهلية من الحج، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأذّن في الناس بالحج بالذي أمره به، وقرأ عليهم سورة براءة . تفسير : قال الشعبي: حدّثني محمد بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ينادي، وكان إذا (ضحل) صوته ناديت قلت: بأيّ شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع لا يطف بالكعبة عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فعهده إلى مدّته، ولا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك، قالوا: فقال المشركون: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب، وطفقوا يقولون: اللهم أنا قد منعنا أن نبرّك، فلمّا كان سنة عشر حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، ونقل إلى المدينة، فمكث بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وليالي من شهر ربيع الأول حتى لحق بالله عز وجل. {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ} عطف على قوله براءة، ومعناه: إعلام، ومنه الأذان بالصلاة، يقال: أذنته فأذن أي أعلمته فعلم، وأصله من الأُذن أي أوقعته في أُذنه، وقال عطية العوفي [و...] [الأذان] {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ} إلى قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} الآية، وذلك ثمان وعشرون آية. {وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} اختلفوا فيه فقال أبو جحيفة وعطاء وطاووس ومجاهد: يوم عرفة، وهي رواية عمرو عن ابن عباس، يدل عليه حديث أبي الصّهباء البكري، قال: سألت علي بن أبي طالب عن يوم الحج الاكبر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة يعلم الناس الحج وبعثني معه بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة، فخطب الناس يوم عرفة فلمّا قضى خطبته التفت اليّ وقال: هلمّ يا علي فأدّ رسالة رسول الله، فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى أتينا منى، فرميت الجمرة ونحرت البدنة وحلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضروا كلهم خطبة أبي بكر رضي الله عنه يوم عرفة فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرأها عليهم، فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر ألا وهو يوم عرفة. وروى شهاب بن عباد القصري عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: هذا يوم عرفة يوم الحج الاكبر فلا يصومنّه أحد. قال: فحججت بعد أبي فأتيت المدينة فسألت عن أفضل أهلها فقالوا: سعيد بن المسيب، فأتيته فقلت: أخبرني عن صوم يوم عرفة فقال: أخبرك عمّن هو أفضل مني مائة ضعف عن عمر وابن عمر، كان ينهى عن صومه ويقول هو يوم الحج الأكبر. وقال معقل بن داود: سمعت ابن الزبير يقول يوم عرفة: هذا يوم الحج الأكبر فلا يصمْهُ أحد، وقال غالب بن عبيد الله: سألت عطاء عن يوم الحج الأكبر، فقال: يوم عرفة فاقض منها قبل طلوع الفجر. وقال قيس بن مخرمة: حديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة ثم قال: أما بعد ـ وكان لا يخطب إلاّ قال أما بعد ـ فإنّ هذا يوم الحج الأكبر تفسير : ، وقال نافع بن جبير، وقيس بن عباد، وعبد الله ابن شراد، والشعبي والنخعي والسدي، وابن زيد هو يوم النحر وهو إحدى الروايتين عن علي رضي الله عنه. قال يحيى بن الجواد: خرج علي رضي الله عنه يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبّانة فجاءه رجل فأخذ بلجام دابته وسأله عن الحج الأكبر، فقال: هو يومك هذا فخلّ سبيلها. وقال عياش العامري: سئل عبد الله بن أبي أوفى عن يوم الحج الاكبر فقال: سبحان الله هو يوم النحر يوم يهراق فيه الدماء ويحلق فيه الشعر ويحل فيه الحرام. وروى الأعمش عن عبد الله بن سنان. قال خطبنا المغيرة بن شعبة على ناقة له يوم الأضحى فقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الاكبر. وروى شعبة بن أبي بشر، قال: اختصم علي بن عبد الله بن عباس ورجل من آل شيبة في يوم الحج الاكبر، فقال علي: هو يوم النحر، وقال الذي من آل شيبة: هو يوم عرفة فأرسلوا إلى سعيد بن جبير فسألوه فقال: هذا يوم النحر إلا ترى أنه من فاته يوم عرفة لم يفته الحج، وإذا فاته يوم النحر فقد فاته الحج، يدل عليه ما روى الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في نفر بعثهم يوم النحر يؤذّنون بمنى: لا يحج بعد العام مشرك، ولايطوف بالبيت عريان، فأردف رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً يأمره أن يؤذّن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذّن معنا علي كرم الله وجهه أهل منى يوم النحر ببراءة. صالح عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن أبا بكر بعث في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذِّنون في الناس: لايحجّنّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فكان حميد يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر من أصل حديث أبي هريرة. ابن عيينة عن ابن جريج عن مجاهد قال: يوم الحج الأكبر حين الحج أيام منى كلها ومجامع المشركين بعكاظ وذي المجارة ومخشة، ويوم نادى فيه علي بما نادى، وكان سفيان الثوري يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلّها مثل يوم صفين ويوم الجمل ويوم بُعَاث والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب كانت أياماً كثيرة. واختلفوا أيضاً في السبب الذي لأجله قيل: هذا اليوم يوم الحج الاكبر. فقال الحسن: يسمّى الحج الأكبر من أجل أنه اجتمع فيها حج المسلمين والمشركين، وقال عبد الله بن الحرث ابن نوفل: يوم الحج الاكبر كان لحجة الوداع، اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود والنصارى والمشركين، ولم يجتمع قبله ولابعده. وروى منصور وحماد عن مجاهد قال: يقال الحج الأكبر القرآن، والحج الأصغر أفراد الحج، وقال الزهري والشعبي وعطاء: الحج الأكبر: الحج، والحج الأصغر: العمرة، وقيل لها [.............] عملها [.............] من الحج. قوله عز وجل: {أَنَّ ٱللَّهَ} قرأ عيسى أنّ الله بالكسر على الابتداء لأن الأذان قول {بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره مضمر تقديره: ورسوله أيضاً بريء، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى ويعقوب (ورسوله) بالنصب عطفاً على اسم الله، ولم يقل بريئان لأنه يرجع إلى كل واحد منهما كقول الشاعر: شعر : فمن يك أمسى بالمدينة رحله فأني وقيار بها لغريب تفسير : وروي عن الحسن ورسوله بالخفض على القسم، وبلغني أن اعربياً سمع رجلاً يقرأ هذه القراءة. فقال: إن كان أمراً من رسوله فإني بريء منه أيضاً، فأخذ الرجل (بتلْنَتِه) وجرّه إلى عمر ابن الخطاب، فقص الأعرابي قصته وقوله أيضاً، فعند ذلك أمر عمر بتعليم العربية. {فَإِن تُبْتُمْ} رجعتم من كفركم وأخلصتم بالتوحيد {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عن الإيمان (إلى الإصرار) على الكفر {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَبَشِّرِ} وأخبر {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ثم قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم}. وهو استثناء من قوله: براءة من الله ورسوله إلى الناس إلا من الذين عاهدتم {مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} من عهدكم الذي عاهدتموهم عليه {وَلَمْ يُظَاهِرُواْ} يعاونوا {عَلَيْكُمْ أَحَداً} من عدوكم بأنفسهم ولا بسلاح ولا بخيل ولا برجال ولا مال. وقرأ عطاء بن يسار ثم لم ينقضوكم بالضاد المعجمة من نقض العهد، وقرأ العامة بالصاد. قوله {فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ} فأوفوا بعهدهم {إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} أجلهم الذي عاهدتموهم عليه {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} وهم بنو ضمرة وكنانة وكان بقي لهم من مدتهم تسعة أشهر فأمر بإتمامها لهم {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ} انتهى ومضى وقتها، يقال: منه سلخت أشهر كذا نسلخه سلخا وسلوخاً بمعنى خرجنا. قال الشاعر: شعر : إذا ماسلخت الشهر أهللت مثله كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي تفسير : وفيه قيل: شاة مسلوخة المنزوعة من جلدها، وحية سالخ إذا أخرجت من جلدها {ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} وهي أربعة، ثلاثة فرد،وواحد زوجي وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب. وقال مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمر بن شعيب: هي شهور العهد، وقيل لها الحرم لأن الله حرّم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم إلا سبيل الخير {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} في الحلّ والحرم، وجدتموهم فأسروهم {وَٱحْصُرُوهُمْ} وامنعوهم دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} أي على كل طريق ومرقب، يقال: رصدت فلاناً أرصده رصداً إذا رقبته. قال عامر بن الطفيل. شعر : ولقد علمت وما إخالك ناسياً أن في المنيّة للفتى بالمرصد تفسير : {فَإِن تَابُواْ} من الشرك {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} يقول: دعوهم في أمصارهم، ودعوهم يدخلوا مكة {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [.........] في حكم هذه الآية. قال الحسين بن الفضل: فنسخت هذه الآية كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء، وقال الضحاك والسدّي وعطاء: قوله: (فاقتلوا المشركين) منسوخة بقوله: {أية : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً}تفسير : [محمد: 4] وقال قتادة: بل هي ناسخة لقوله: {أية : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً}تفسير : [محمد: 4]. والصحيح أنّ حكم هذه الآية ثابت، وأنها غير منسوخة إحداهما بصاحبتها لأنّ المنّ، والقتل، والفداء لم يزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم من أول حاربهم وهو يوم بدر، ويدلّ عليه قوله تعالى: {وَخُذُوهُمْ} والأخذ هو الأسر، والأسر إنّما يكون للقتل أو الفداء، والدليل عليه أيضاً قول عطاء قال: حديث : أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأسير يقال له أبو أُمامة وهو سيد اليمامة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا أُمامة أيّها أحب إليك: أعتقك أو أفاديك أو أقتلك أو تسلم؟". فقال: أن تعتق تعتق عظيماً، وأن تفادِ تفاد عظيماً، وإنْ تقتل تقتل عظيماً، وأما أن أسلم فلا والله لا أسلم أبداً. قال فأني أعتقتك. فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسوله . تفسير : وكانت مادّة ميرة مكة من قبل اليمامة فقال لأهل مكة: والذي لا إله إلا هو لاتأتيكم ميرة أبداً، ولا حبّة من قبل اليمامة حتى تؤمنوا بالله ورسوله فأضرّ إلى أهل مكة فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أيّهم له حزب يشكون ذلك إليه، فكتب إلى أبي أُمامة: حديث : لاتقطع عنهم ميرة كانت من قبلك تفسير : ، ففعل ذلك أبو أمامة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والبراءة - كما قلنا - هي انقطاع العصمة، والعصمة استمساك، والحق تبارك وتعالى يقول: {أية : وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 101]. وهو أيضا يقول: {أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [هود: 43]. إذن فالبراءة يلزم منها أنه كان هناك عهد واستمساك به، وجاءت البراءة من الاستمساك بهذا العهد الذي عهده رسول الله معهم، وكانوا معتصمين بالمعاهدة، ثم جاء الأمر الإلهي بقطع هذه المعاهدة. وكلمة "براءة" تجدها في "الدَّيْن" ويقال: "برىءَ فلانٌ من الدَّيْن". أي أن الدَّيْنَ كان لازماً في رقبته، وحين سَدَّده وأدَّاه يقال: "برىء من الدَّين". ويُقال: "برىء فلان من المرض" إذا شُفِي منه أي أن المرضَ كان يستمسك به ثم انقطع الاستمساك بينه وبين المرض. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاهد قريشاً وعاهد اليهود، ولم يُوَفِّ هؤلاء بالعهود، وكان لزاماً أن ينقض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه العهود. وإذا سأل سائل: لماذا لم ينقض هذه العهود من البداية، ولماذا تأخر نقضه لها إلى السنة التاسعة من الهجرة. رغم أن مكة قد فتحت في العام الثامن من الهجرة؟ لقد حرر الرسول صلى الله عليه وسلم الكعبة من الأصنام والوثنية، وبعد أن استقرت دولة الإسلام بدأ تحرير "المكين" وهو الإنسان الذي يحيا بجانب البيت الحرام، وكان لا بد من تصفية تجعل المؤمنين في جانب، والكفار وأهل الكتاب والمنافقين في جانب آخر، وقد حدث هذا في العام التاسع من الهجرة حتى لا يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والمكان محرر والمسجد محرر والناس محررون، ولذلك أوضح سبحانه وتعالى بهذه الآية لأصحاب العهود التي كانت بينهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم: أنتم لستم أهلاً للأمان ولا للوفاء بالعهود؛ لذلك نحن قد قطعنا هذه العهود. وهذه القطيعة ليست من إرادة بشرية من محمد وأصحابه ولكنها قطيعة بأمر الله تعالى، فقد يجوز أن يعرف البشر شيئاً ويَغيب عنهم أشياء. لكن العالم الأعلى قال: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 1]. ولم يقل براءة من الله وبراءة من الرسول، ذلك لأنها براءة واحدة، والبراءة صادرة من الله المشرع الأعلى، ومبلغة من الرسول الخاتم، والبراءة موجهة إلى المشركين الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له حلف مع قبيلة خزاعة، وكانت هناك قبيلة مضادة لها اسمها قبيلة بكر متحالفة مع قريش. وقد أعانت قريش قبيلة بكر على قبيلة خزاعة، فذهب إلى المدينة شاعر من خزاعة هو عمرو بن سالم الخزاعي وقال القصيدة المشهورة ومنها هذه الأبيات: شعر : يا رب إنّي ناشدٌ مُحَّمدا حلف أبينا وأبيه الأ تلَدا كُنت لنا أباً وكنَّا ولدا ثُمَّتَ أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نَصْراً عتدا وادع عباد الله يأتوا مددَا إن قريشاً أخلفُوك الموعدا ونَقَضُوا ميثاقَك المؤكَّدا هم بيتونا بالوتير هُجَّدا وقتلونا ركَّعاً وسُجَّدا تفسير : فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال: نصرت يا عمرو بن سالم، لا نصرت إن لم أنصرك. إذن فالمشركون هم الذين نقضوا العهد أولاً، وصاروا لا يؤمن لهم جانب لأنهم لا يحترمون عهداً أو معاهدة، ونزل قول الحق سبحانه وتعالى: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1]. الخطاب هنا للمسلمين، والبراءة من المشركين. ونزل بعد ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا أَبو القاسم، عبد الرحمن بن الحسن بن أَحمد بن محمد عبيد القاضي الهمذاني، قراءَة عليه قال: حدثنا إِبراهيم بن الحسن بن على الكسائي، قال: ثنا آدم بن أَبي إِياس، قال: حدثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الآية: 1] يعني: خزاعة ومدلج، ومن كان له عهد من غيرهم. وذلك أَنه: أَقبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من تبوك، حين فرغ منها، فأَراد الحج ثم قال: إِنه يحضر البيت مشركون يطوفون بالبيت عراة، فلا أُحب أَن أَحج حتى أَحج وليس معي مشرك. فأَرسل أَبا بكر ابن أَبي قحافة، وعلي بن أَبي طالب، فطافا بالناس بذي المجاز، وبأَمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها كلها وبالموسم كله. فآذنوا أَصحاب العهد أَن يأْمنوا أَربعة أَشهر. وهي الأَشهر الحرم المنسلخات المتواليات، عشرون من آخر ذي الحجة إِلى عشر يخلون من ربيع الآخر، أَن لا عهد لهم. فآذن الناس كلهم بالقتال إِلا أَن يؤمنوا.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {بَرَآءَةٌ} برئت من الشيء: إِذا قطعت ما بينك وبينه من سبب وأزلته عن نفسك، قال الزجاج: برئت من الرجل والدين براءة، وبرئت من المرض بُروءاً {فَسِيحُواْ} السياحة: السير في الأرض والذهاب فيها للتجارة أو العبادة أو غيرهما {أَذَانٌ} الأذان: الإِعلام ومنه أذان الصلاة {مَرْصَدٍ} المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو من قولهم: رصدت فلاناً إِذا ترقبته قال الشاعر: إِن المنية للفتى بالمرصد {ٱسْتَجَارَكَ} طلب جوارك أي أمانك {إِلاَّ} الإِلُّ: العهد والقرابة وأنشد أبو عبيدة: شعر : أفسد الناس خلوف خلفوا قطعوا الإِلَّ وأعراف الرحم تفسير : {نَكَثوا} النكث: النقض وأصله في كل ما فُتل ثم حل {وَلِيجَةً} بطانة ودخيلة، قال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة وأصله من الولوج، فالداخل في القوم وليس منهم يسمى وليجة وقال الفراء: الوليجة: البطانة من المشركين يفشي إِليهم سره، ويعلمهم أمره. سَبَبُ النّزول: روي أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر، وفيهم "العباس بن عبد المطلب" فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيّروهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقال: وهل لكم من محاسن؟ فقال: نعم، إِنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني - الأسير - فنزلت هذه الآية {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ..} الآية. التفسِير: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي هذه براءة من المشركين ومن عهودهم كائنة من الله ورسوله قال المفسرون: أخذت العرب تنقض عهوداً عقدتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره الله بإِلقاء عهودهم إِليهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الحج ليقيم للناس المناسك، ثم أتبعه علياً ليعلم الناس بالبراءة، فقام علي فنادى في الناس بأربع: ألاّ يقرب البيت الحرام بعد العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان، وأنه لا يدخل الجنة إِلا مسلم، ومن كان بينه وبين رسول الله مدة فأجله إِلى مدته، والله بريء من المشركين ورسولهُ {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} أي سيروا آمنين أيها المشركون مدة أربعة أشهر لا يقع بكم منا مكروه، وهو أمر إِباحة وفي ضمنه تهديد {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} أي لا تفوتونه تعالى وإِن أمهلكم هذه المدة {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ} أي مذلهم في الدنيا بالأسر والقتل، وفي الآخرة بالعذاب الشديد {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ} أي إِعلام الى كافة الناس بتبرئ الله تعالى ورسوله من المشركين {يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} أي يوم النحر الذي هو أفضل أيام المناسك قال الزمخشري: وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} أي إِعلام لهم بأن الله بريء من المشركين وعهودهم، ورسوله بريء منهم أيضاً {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي فإِن تبتم عن الكفر ورجعتم إِلى توحيد الله فهو خير لكم من التمادي في الضلال {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} أي وإِن أعرضتم عن الإِسلام وأبيتم إِلا الاستمرار على الغيّ والضلال، فاعلموا أنكم لا تفوتون الله طلباً، ولا تُعجزونه هرباً {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي بشر الكافرين بعذاب مؤلم موجع يحل بهم قال أبو حيان: جعل الإِنذار بشارة على سبيل الاستهزاء بهم، وفي هذا وعيد عظيم لهم {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي إِلا الذين عاهدتموهم ولم ينقضوا العهد فأتموا إِليهم عهدهم قال في الكشاف: وهو استثناء بمعنى الاستدراك أي لكن من وفى ولم ينكث فأتموا عليهم عهدهم، ولا تُجروهم مجراهم، ولا تجعلوا الوفي كالغادر {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} أي لم ينقصوا من شروط الميثاق شيئاً {وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً} أي لم يعينوا عليكم أحداً من أعدائكم {فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} أي وفوا العهد كاملاً إِلى انقضاء مدته {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} أي يحب المتقين لربهم الموفين لعهودهم قال البيضاوي: هذا تعليل وتنبيه على أن إِتمام عهدهم من باب التقوى قال ابن عباس: كان قد بقي لحيٍّ من كنانة من عهدهم تسعة أشهر، فأتم صلى الله عليه وسلم إِليهم عهدهم {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} أي مضت وخرجت الأشهر الأربعة التي حرم فيها قتالهم {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} أي اقتلوهم في أي مكانٍ أو زمان من حلٍّ أو حرم، قال ابن عباس: في الحلِّ والحرم وفي الأشهر الحرم {وَخُذُوهُمْ} أي بالأسر {وَٱحْصُرُوهُمْ} أي احبسوهم وامنعوهم من التقلب في البلاد قال ابن عباس: إِن تحصنوا فاحصروهم أي في القلاع والحصون حتى يُضطروا إِلى القتل أو الإِسلام {وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} أي اقعدوا لهم في كل طريق يسلكونه، وارقبوهم في كل ممر يجتازون منه في أسفارهم قال في البحر: وهذا تنبيه على أن المقصود إِيصال الأذى إِليهم بكل وسيلة بطريق القتال أو بطريق الاغتيال {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ} أي فإِن تابوا عن الشرك وأدوا ما فرض عليهم من الصلاة والزكاة {فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} أي كفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ} أي إِن استأمنك مشرك وطلب منك جوارك {فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ} أي أمنه حتى يسمع القرآن ويتدبره قال الزمخشري: المعنى إِن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر، لا عهد بينك وبينه، واستأمنك ليسمع ما تدعو إِليه من التوحيد والقرآن، فأمنه حتى يسمع كلام الله ويتدبره ويطّلع على حقيقة الأمر أقول: هذا غاية في حسن المعاملة وكرم الأخلاق، لأن المراد ليس النيل من الكافرين، بل إِقناعهم وهدايتهم حتى يعرفوا الحق فيتبعوه، ويتركوا ما هم عليه من الضلال {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} أي ثم إِن لم يُسلم فأوصله إِلى ديار قومه التي يأمن فيها على نفسه وماله من غير غدر ولا خيانة {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} أي ذلك الأمر بالإِجارة للمشركين، بسبب أنهم لا يعلمون حقيقة دين الإِسلام، فلا بد من أمانهم حتى يسمعوا ويتدبروا، ثم بين تعالى الحكمة من البراءة من عهود المشركين فقال {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ} استفهام بمعنى الانكار والاستبعاد أي كيف يكون لهم عهد معتدٌ به عند الله ورسوله، ثم استدرك فقال {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي لكن من عاهدتم من المشركين عند المسجد الحرام ولم ينقضوا العهد قال ابن عباس: هم أهل مكة وقال ابن اسحاق: هم قبائل بني بكر كانوا دخلوا وقت الحديبية في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فأمر بإِتمام العهد لمن لم يكن نقض عهده منهم {فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} أي فما داموا مستقيمين على عهدهم فاستقيموا لهم على العهد قال الطبري: أي فما استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على الوفاء {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} أي يحب من اتقى ربه، ووفى عهده، وترك الغدر والخيانة {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} تكرار لاستبعاد ثباتهم على العهد أي كيف يكون لهم عهد وحالهم هذه أنهم إِن يظفروا بكم {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} أي لا يراعوا فيكم عهداً ولا ذمة، لأنه لا عهد لهم ولا أمان قال أبو حيان: وهذا كله تقرير واستبعاد لثبات قلوبهم على العهد {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ} أي يرضونكم بالكلام الجميل إِن كان الظفر لكم عليهم {وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ} أي وتمتنع قلوبهم من الإِذعان والوفاء بما أظهروه وقال الطبري: المعنى يعطونكم بألسنتهم من القول خلاف ما يضمرونه لكم في نفوسهم من العداوة والبغضاء، وتأبى قلوبهم أن يذعنوا بتصديق ما يبدونه لكم بألسنتهم {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} أي وأكثرهم ناقضون للعهد خارجون عن طاعة الله {ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي استبدلوا بالقرآن عرضاً يسيراً من متاع الدنيا الخسيس {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ} أي منعوا الناس عن اتباع دين الإِسلام {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بئس هذا العمل القبيح الذي عملوه {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} أي لا يراعون في قتل مؤمن لو قدروا عليه عهداً ولا ذمة {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ} أي وأولئك الجامعون لتلك الأوصاف الذميمة هم المجاوزون الحد في الظلم والبغي {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ} أي فإِن تابوا عن الكفر وأقاموا الصلاة وأعطوا الزكاة {فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} أي فهم إخوانكم في الدين، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم {وَنُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي ونبين الحجج والأدلة لأهل العلم والفهم، والجملة اعتراضية للحث على التدبر والتأمل {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ} أي وإِن نقضوا عهودهم الموثقة بالأيْمان {وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ} أي عابوا الإِسلام بالقدح والذم {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} أي رؤساء وصناديد الكفر {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} أي لا أيمان لهم ولا عهود يوفون بها {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} أي كي يكفوا عن الإِجرام، وينتهوا عن الطعن في الإِسلام، قال البيضاوي: وهو متعلق بـ "قاتلوا" أي ليكن غرضكم في المقاتلة الانتهاء عما هم عليه، لا إِيصال الأذية بهم كما هو طريقة المؤذين {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} تحريض على قتالهم أي ألا تقاتلون يا معشر المؤمنين قوماً نقضوا العهود وطعنوا في دينكم؟ {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} أي عزموا على تهجير الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة حين تشاوروا بدار الندوة على إِخراجه من بين أظهركم {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي هم البادئون بالقتال حيث قاتلوا حلفاءكم خزاعة، والبادئ أظلم، فما يمنعكم أن تقاتلوهم؟ {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ}؟ أي أتخافونهم فتتركون قتالهم خوفاً على أنفسكم منهم؟ فالله أحق أن تخافوا عقوبته إِن تركتم أمره {إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ} أي إِن كنتم مصدقين بعذابه وثوابه قال الزمخشري: يعني أن قضية الإِيمان الصحيح ألا يخشى المؤمن إِلا ربه ولا يبالي بما سواه.. ثم بعد الحض والحث أمرهم بقتالهم صراحة فقال {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} أي قاتلوهم يا معشر المؤمنين فقتالكم لهم عذاب بأيدي أولياء الله وجهاد لمن قاتلهم {وَيُخْزِهِمْ} أي يذلهم بالأسر والقهر {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} أي يمنحكم الظفر والغلبة عليهم {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} أي يشف قلوب المؤمنين بإِعلاء دين الله وتعذيب الكفار وخزيهم قال ابن عباس: هم قوم من اليمن قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى كثيراً فشكوا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبشروا فإِن الفرج قريب {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} أي يذهب ما بها من غيظ، وغمٍّ، وكرب، وهو كالتأكيد لشفاء الصدور وفائدته المبالغة في جعلهم مسرورين بما يمنّ الله عليهم من تعذيب أعدائهم قال الرازي: أمر تعالى بقتالهم وذكر فيه خمسة أنواع من الفوائد، كل واحد منها يعظم موقعه إِذا انفرد، فكيف بها إِذا اجتمعت؟ {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} كلام مستأنف أي يمن الله على من يشاء منهم بالتوبة والدخول في الإِسلام كأبي سفيان {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عالم بالأسرار لا تخفى عليه خافية، حكيم لا يفعل إِلا ما فيه حكمة ومصلحة قال أبو السعود: ولقد أنجز الله سبحانه جميع ما وعدهم به على أجمل ما يكون، فكان إِخباره عليه السلام بذلك قبل وقوعه معجزة عظيمة {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ} أي منقطعة بمعنى بل والهمزة أي بل أحسبتم يا معشر المؤمنين أن تتركوا بغير امتحان وابتلاء يعرف الصادق منكم في دينه من الكاذب فيه! {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} أي والحال أنه لم يتبيّن المجاهد منكم من غيره، والمراد بالعلم علم ظهور لا علم خفاء فإِنه تعالى يعلم ذلك غيباً فأراد إِظهار ما علم ليجازي على العمل {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} أي جاهدوا في سبيل الله ولم يتخذوا بطانة وأولياء من المشركين يفشون إِليهم أسرارهم ويوالونهم من دون المؤمنين، والغرض من الآية: ان الله تعالى لا يترك الناس دون تمحيص يظهر فيه الطيب من الخبيث {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي يعلم جميع أعمالكم لا يخفى عليه شيء منها {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} أي لا يصح ولا يستقيم ولا ينبغي ولا يليق بالمشركين أن يعمروا شيئاً من المساجد {شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} أي حال كونهم مقرين بالكفر، ناطقين به بأقوالهم وأفعالهم حيث كانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك، إِلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك" يعنون الأصنام، وكانوا قد نصبوا أصنامهم خارج البيت، وكانوا يطوفون عراة كلما طافوا طوفة سجدوا للأصنام والمعنى: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة مساجد الله، مع الكفر بالله وبعبادته {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي بطلت أعمالهم بما قارنها من الشرك {وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} أي ماكثون في نار حهنم أبداً {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي إِنما تستقيم عمارة المساجد وتليق بالمؤمن المصدق بوحدانية الله، الموقن بالآخرة {وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ} أي أقام الصلاة المكتوبة بحدودها، وأدى الزكاة المفروضة بشروطها {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي خاف الله ولم يرهب أحداً سواه {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} أي فعسى أن يكونوا في زمرة المهتدين يوم القيامة قال ابن عباس: كل عسى في القرآن واجبة قال الله لنبيه {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} تفسير : [الإسراء: 79] يقول: إِن ربك سيبعثك مقاماً محموداً وهي الشفاعة قال أبو حيّان: وعسى من الله تعالى واجبة حيثما وقعت في القرآن، وفي التعبير بعسى قطع لأطماع المشركين أن يكونوا مهتدين، إِذ من جمع هذه الخصال الأربعة جعل حاله حال من تُرجى له الهداية، فكيف بمن هو عارٍ منها؟ وفيه ترجيح الخشية على الرجاء، ورفض الاغترار بالأعمال الصالحة {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الخطاب للمشركين، والاستفهام للإِنكار والتوبيخ والمعنى: أجعلتم يا معشر المشركين سقاية الحجيج وسدانة البيت، كإِيمان من آمن بالله وجاهد في سبيله؟ وهو رد على العباس حين قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإِسلام والهجرة، فلقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج فنزلت قال الطبري: هذا توبيخ من الله تعالى لقوم افتخروا بالسقاية وسدانة البيت الحرام، فأعلمهم أن الفخر في الإِيمان بالله، واليوم الآخر، والجهاد في سبيله {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ} أي لا يتساوى المشركون بالمؤمنين، ولا أعمال أولئك بأعمال هؤلاء ومنازلهم {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} هذا كالتعليل أي لا يوفق الظالمين إِلى معرفة الحق، قال في البحر: ومعنى الآية إِنكار أن يُشبه المشركون بالمؤمنين، وأعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة، ولما نفى المساواة بينهم أوضحها بأن الكافرين بالله هم الظالمون، ظلموا أنفسهم بعدم الإِيمان، وظلموا المسجد الحرام إِذ جعلوه متعبداً لأوثانهم، وأثبت للمؤمنين الهداية في الآية السابقة، ونفاها عن المشركين هنا فقال {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} ثم قال تعالى {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ} هذا زيادة توضيح وبيان لأهل الجهاد والإِيمان والمعنى: إِن الذين طهروا أنفسهم من دنس الشرك بالإِيمان، وطهروا أبدانهم بالهجرة من الأوطان، وبذلوا أنفسهم وأموالهم للجهاد في سبيل الرحمن، هؤلاء المتصفون بالأوصاف الجليلة أعظم أجراً، وأرفع ذكراً من سقاة الحاج، وعمار المسجد الحرام وهم بالله مشركون {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} أي وأولئك هم المختصون بالفوز العظيم في جنات النعيم {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ} أي يبشرهم المولى برحمة عظيمة، ورضوان كبير من ربٍّ عظيم {وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} أي وجنات عالية، قطوفها دانية، لهم في تلك الجنات نعيم دائم لا زوال له {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي ماكثين في الجنان إِلى ما لا نهاية {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي ثوابهم عند الله عظيم، تعجز العقول عن وصفه قال أبو حيان: لما وصف المؤمنين بثلاث صفات: الإِيمان، والهجرة، والجهاد بالنفس والمال، قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاثة: الرحمة، الرضوان، والجنان، فبدأ بالرحمة لأنها أعم النعم في مقابلة الإِيمان، وثنَّى بالرضوان الذي هو نهاية الإِحسان في مقابلة الجهاد، وثلَّث بالجنان في مقابلة الهجرة وترك الأوطان وقال الألوسي: ولا يخفى أن وصف الجنات بأن لهم فيها نعيمٌ مقيم جاء في غاية اللطافة، لأن الهجرة فيها السفر، الذي هو قطعة من العذاب. البَلاَغَة: 1- {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} التنوين للتفخيم والتقييد بأنها من الله ورسوله لزيادة التفخيم والتهويل. 2- {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} هذا يسمى "الأسلوب التهكمي" لأن البشارة بالعذاب تهكم به. 3- {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ} شبّه مضي الأشهر وانقضاءها بالإِنسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده فهو من باب الاستعارة. 4- {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ذكر الاسم الجليل مكان الضمير لتربية المهابة وإِدخال الروعة في القلب. 5- {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} الجملة مفيدة للحصر أي هم الفائزون لا غيرهم. 6- {وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ} في تخصيص الصلاة والزكاة بالذكر تفخيم لشأنهما وحث على التنبه لهما. 7- {بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ} تنكير الرحمة والرضوان للتفخيم والتعظيم أي برحمة لا يبلغها وصف واصف. فَائِدَة: عمارة المساجد نوعان: حسية، ومعنوية، فالحسية بالتشييد والبناء، والمعنوية بالصلاة وذكر الله، وقد ربط الباري جل وعلا بين العمارة والإِيمان وفي الحديث "حديث : إِذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإِيمان لأن الله تعالى يقول {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تفسير : فالعمارة الحقيقية بالصلاة وذكر الله. لطيفَة: ذكر القرطبي أن أعرابياً قدم المدينة المنورة فقال: من يقرئني مما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأقرأه رجل سورة براءة حتى أتى الآية الكريمة {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} فقرأها عليه بالجرِّ {وَرَسُولُهُ} فقال الأعرابي: وأنا أيضاً أبرأ من رسوله، فاستعظم الناس الأمر وبلغ ذلك عمر فدعاه فقال يا أعرابي: أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال يا أمير المؤمنين: قدمت المدينة فأقرأني رجل سورة براءة فقلت إِن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فقال: ما هكذا الآية يا أعرابي؟ قال فكيف يا أمير المؤمنين! فقرأها عليه بالضم {وَرَسُولُهُ} فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ مما برئ الله ورسوله منه، فأمر عمر ألا يقرئ الناس إِلا عالم بلغة العرب.
الأندلسي
تفسير : قوله تعالى: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية، هذه السورة مدنية كلها، وقيل: إلا آيتان من آخرها فإِنهما نزلتا بمكة، وهكذا قول الجمهور. ويقال: برئت من فلان أبرأ براءة، أي انقطعت بيننا العصمة. ومنه برئت من الدين. وارتفع براءة على الابتداء، والخبر إلى الذين عاهدتم، ومن الله صفة مسوغة لجواز الابتداء بالنكرة أو على إضمار مبتدأ، أي هذه براءة. وقرأ عيسى بن عمر براءة بالنصب، قال ابن عطية: أي الزموا. وفيه معنى الإِغراء. وقال الزمخشري: اسمعوا براءة إلى الذين عاهدتم. قال ابن إسحاق وغيره: كانت العرب قد أوثقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً عاماً على أن لا يصد أحد عن البيت الحرام ونحو هذا من الموادعات. فنقض ذلك بهذه الآية وأجّل لجميعهم أربعة أشهر، فمن كان له مع رسول الله عهد خاص وبقي منه أقل من الأربعة أبلغ به تمامها، ومن كان أمده أكثر أتم له عهده، وإذا كان ممن تحسس منه نقض العهد قصر على أربعة أشهر، ومن لم يكن له عهد خاص فرضت له الأربعة. يسيح في الأرض، أي يذهب فيها سوحاً آمناً. وظاهر من المشركين العموم فدخل فيه مشركوا قريش وغيرهم. "فسيحوا" في الأرض أمر إباحة، وفي ضمنه تهديد، وهو التفات من غيبة إلى خطاب، أي قل لهم يسيحوا. ويقال: ساح سياحة وسيوحاً وسيحاناً، ومنه سيح الماء وهو الجاري المنبسط. قال ابن عباس: أول الأشهر شوال حين نزلت الآية، وانقضاؤها انقضاء المحرم بعد يوم الأذان بخمسين. فكان أجل من له عهد أربعة أشهر من يوم النزول، وأجل سائر المشركين خمسون ليلة من يوم الأذان. {غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} أي لا تفوتونه وإن أمهلكم وهو مخزيكم، أي مذلكم في الدنيا بالقتل والأسر والنهب، وفي الآخرة بالعذاب. {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} قرىء: وإذن بكسر الهمزة وسكون الذال. وقرىء: ان الله بكسر الهمزة وفتحها، فالفتح على تقدير بأنّ الله، والكسر على إضمار القول على مذهب البصريين أو، لأن الاذان في معنى القول، فكسرت على مذهب الكوفيين. وحكى أبو عمرو عن أهل نجد أنهم يقرؤون من الله بكسر النون على أصل التقاء الساكنين واتباعاً لكسرة الميم. والظاهر أن يوم الحج الأكبر يوم واحد. فقال عمر وجماعة: هو يوم عرفة. وروي مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو موسى وجماعة: هو يوم النحر. وقيل: يوم الحج الأكبر أيام الحج كلها، قاله سفيان بن عيينة. والذي تظاهرت به الأحاديث أن علياً رضي الله عنه أذن بتلك الآيات يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر رضي الله عنه، ثم رأى أنه لم يعم الناس بالاسماع فتتبّعهم بالاذان بها يوم النحر، وفي ذلك اليوم بعث أبو بكر من يعينه بها كأبي هريرة وغيره، وتتبّعوا بها أيضاً أسواق العرب كذي المجاز وغيره، وبهذا يترجح قول سفيان. وجملة براءة من الله ورسوله إخبار بثبوت البراءة، وجملة واذان من الله ورسوله اخبار بوجوب الاعلام بما ثبت فافترقنا، وعلقت البراءة بالمعاهدين لأنها مختصة بهم ناكثيهم وغير ناكثيهم، وعلق الاذان بالناس لشموله معاهداً وغيره ناكثاً وغيره مسلماً وكافراً. {وَرَسُولُهُ} معطوف على موضع اسم انّ إذ كان قبل دخول انّ كان في موضع رفع على الابتداء وفي العطف على هذا الموضع خلاف، ويجوز أن يكون معطوفاً على الضمير المستكن في قوله: بريء، تقديره بريء هو ورسوله، والأجود أن يكون مرفوعاً على الابتداء وخبره محذوف تقديره ورسوله بريء منهم، وحذف الخبر لدلالة ما قبله عليه. {فَإِن تُبْتُمْ} أي من الشرك الموجب لتبرىء الله ورسوله منكم. {فَهُوَ} أي التوب. {خَيْرٌ لَّكُمْ} في الدنيا لعصمة أنفسكم وأولادكم وأموالكم، وفي الآخرة لدخولكم الجنة وخلاصكم من النار. {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي عن الإِسلام. {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} أي لا تفوتونه عما يحل بكم من نقماته. {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} جعل الإِنذار بشارة على سبيل الاستهزاء بهم، والذين كفروا عام يشمل المشركين عبدة الأوثان وغيرهم، وفي هذا وعيد عظيم بما يحل بهم. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم} الأظهر أن يكون استثناء منقطعاً بمعنى لكن، ويبعد أن يكون متصلاً وان كان قد قال به قوم لعسر ظهور المستثنى منه قبله الذي هؤلاء بعض منه. {فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} أي إلى انقضاء مدة عهدهم. والظاهر أن قوله: إلى مدتهم، يكون في المدة التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أمروا بإِتمام العهد إلى تمام المدة. وعن ابن عباس: كان بقي لحيّ من كنانة تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم. {وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً}، أي لم يعينوا عليكم أحداً كما فعلت قريش ببني بكر حين أعانوهم بالسلاح على خزاعة. وتعدى أتموا بإِلى لتضمنه معنى فادوا، أي فأدوه تامّاً كاملاً.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ لمَّا كان المشركون المصرون على شركهم من أعدى الأعادي، وأشدهم غيظاً مع الله ورسوله، وكان عهودهم ومواثيقهم غير معول عليها في علم الله، تبرأ سبحانه منهم وأمر رسوله أيضاً بالتبري عنهم وعن عهودهم ومواثيقهم، فقال: {بَرَآءَةٌ} المطلع على مخايل أهل الشرك أصالة {وَ} من {رَسُولِهِ} لتنبذوا وتطرحوا عهودكم ومواثيقكم {إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي: هذه براءة ونقض عهد وإسقاط ذمة، ورفع أمان كان بينكم أيها المؤمنون وبين المشركين، نزلت إليكم {مِّنَ ٱللَّهِ} [التوبة: 1]. وعليكم ألاَّ تبادروا ولا تفاجئوا إلى المقاتلة بعد نبذ العهد، بل أمهلوهم وقولا لهم: {فَسِيحُواْ} أي: سيروا أيها المسرفون {فِي ٱلأَرْضِ} أي: في أرضنا هذه آمنين بلا خوف {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} قيل: هي عشرون من ذي الحجة وتمام المحرم والصفر، وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر، واستعدوا في تلك المدة وهيئوا أسباب القتال فيها {وَٱعْلَمُوۤاْ} أيها المصرون على الشرك يقيناً، وإن زعمتم غلبتكم علينا بمظاهرة إخوانكم واستعانة قبائلكم وعشائركم {أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} أي: لستم غالبين على الله المتعزز برداء العظمة والكبرياء، المتفرد بالمجد والبهاء {وَ} اعلموا أيضاً {أَنَّ ٱللَّهَ} المنتقم من عصاة عباده {مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ} [التوبة: 2] أي: مهينهم ومذلهم وإن أمهلهم زماناً بطريق على تجبرهم وتكبرهم. {وَ} هذه أيضاً {أَذَانٌ} إعلام وتشييع، ونداء صدر عنه {مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} بإذنه {إِلَى ٱلنَّاسِ} المجتمعين من أقصى البلاد {يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} لأن وقوف يوم عرفة كان يوم الجمعة؛ لذلك سمي به {أَنَّ ٱللَّهَ} أي: بأن الله المتعزز بالعظمة والكبرياء {بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي: من عهودهم ومواثيقهم، لا يؤمنهم بعد عامكم هذا {وَرَسُولُهُ} أيضاً مأمور من عنده بالبراءة ونقض العهد وإسقاط الذمة، ويعد اليوم ارتفعت الهدنة وصار الأمر الأمر إما بالسيق وإما الإسلام. {فَإِن تُبْتُمْ} ورجعتم عمَّا أنتم عليه من الكفر والشرك إلى الإيمان والتوحيد {فَهُوَ} أي: إيمانكم ورجوعكم {خَيْرٌ لَّكُمْ} في أولاكم وأخراكم {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} وأعرضتم عن الإسلام والإيمان، وأصررتم على الشرك والطغيان {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} أي: لستم غالبين على جنوده {وَ} بالجملة: {بَشِّرِ} يا أكمل الرسل {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله وأصروا عليه، ولم يرجعوا عنه مع ورود الزواجر والخوارق {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 3] في النشأة الاولى بالقتل والسبي والإجلاء، وفي الآخرة بالحرمان عن رتبة الإنسان.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : قوله تعالى: {بَرَآءَةٌ} [التوبة: 1] إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4]. الإشارة فيها: فاعلم أن الحكمة ترك كتابة {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} في أول السورة براءة، وكتابتها في سورة النمل؛ ليعلم أنها آية مكررة في القرآن، وأنها أكثر مما أنزلت في أوائل السور؛ لتكون فاصلة بين السورتين، ولتكون كل سورة متوجة بتاج اسم الله تعالى وصفة جماله وجلاله، فحيث نزلت كتبت، وحيث لم تنزل لم تكتب، فلما لم تنزل في أول براءة ما كتبت في أولها ونزلت في أول النمل وفي أثنائها كتبت في الموضعين جمعاً. {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1] يشير إلى أن النفوس المتمردة المشركة التي اتخذت الهوى إلهاً وتعبدت صنم الدنيا فهادها الروح والقلب في أوان الطفولية، وعاهدها على ألا يجاهداها ولا يقاتلاها إلى حد البلوغ، وهي أيضاً لا تتعرض لها لاستكمال القالب واستواء القوى البشرية التي بها يتحمل حمل الأمانة، واعياً لأركان الشريعة وظهور كمال العقل الذي يستعد لقبول الدعوة وإجابتها، وبه يعرف الرسل ومعجزاتهم، وبه يثبت الصانع ويرى تعبده واجباً لأداء شكر نعمه، وإن الله ورسوله بريء من تلك المعاهدة بعد البلوغ، فإنه وإن نقض عهد النفوس مع القلوب والأرواح؛ لأن النفس قبل البلوغ كانت تتصرف في المأكول والمشروب والملبوس؛ لتربية القالب ودفع الحاجة الماسة غالباً وذلك لمن يكن فقراً جداً للقلب والروح، فأمَّا البلوغ فزاد في تلك التربية بالمكول والمشروب والملبوس الضروري الشهوة، ولمَّا ظهرت الشهوة شملت آفتها المأكول المشروب والنكوح واشتعلت نيرانها وأشعلت يوماً بيوم وفيها مرض القلب والروح وبعثت الأنبياء ولدفع هذا المرض وعلاجه، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت لرفع العادات وترك الشهوات ". تفسير : وفي قوله تعالى: {فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة: 2] إشارة إلى أن للنفوس في أرض البشرية سيراً وساحة لتكميل الأوصاف الأربعة النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية التي تتولد بازدواج الروح العلوي النوراني المفرد والقالب السفلي الظلماني المركب من العناصر الأربعة، فالنباتية: تولد الماء، والحيوانية: تولد الريح، والشيطانية: تولد النار، والإنسانية: تولد التراب. فلتكتمل هذه الصفات أرخيت أزمة النفوس في مراتع الدنيا ونعيمها إلى البلاغة ثم قال: {وَٱعْلَمُوۤاْ} [التوبة: 2] يعني: نفوس أهل السعادة {أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} [التوبة: 2] أي: لا تعجزونه أن ينزعكم عن المراتع الدنيوية ويمتعكم بالمنافع الأخروية {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ} [التوبة: 2] يعني: مهلك أهل الشقاوة في تيه الغفلات والشهوات، {وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3] أي: أعلام وأخيار منهما. {إِلَى ٱلنَّاسِ} [التوبة: 3] أي: إلى الصفات الناسوتية، {يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} [التوبة: 3] يوم الوصول إلى كعبة الوصال والحج الأكبر يوم الوصول إلى كعبة القلب، {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3] يشير إلى أن زيارة كعبة الوصال وطوافها حرام على مشركي الصفات الناسوتية؛ لأنها تميل إلى غير الله، وتركن إلى ما سواه فلا تطوف الناسوتية حول كعبة اللاهوتية إلا بعد فنائها فيها، {فَإِن تُبْتُمْ} [التوبة: 3] على الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية. {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} يشير إلى أن قيامكم بالله خير لكم من قيامكم بالناسوت، {وَإِن تَوَلَّيْتُمْ} عن الله وركنتم إلى غيره، {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ} أي: لا تعجزونه عن التصرف فيكم، أمَّا لأهل السعادة فبالجذبات الإلهية يفنيكم عنكم ويبقيكم به، وأمَّا لأهل الشقاوة فالبطرد والتعذيب بألم الفراق ونار القطيعة، كما قال تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [التوبة: 3] أي: تولوا وأعرضوا عنا، {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 3]. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 4] يشير إلى النفوس المشركة بأنها من مع ميلها إلى غير الله عاهدت مع القلوب على أن توافقهم في العبودية وتحمل أحباء الشريعة، {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} [التوبة: 4] من شرائط العبودية، {وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً} [التوبة: 4] أي: لم يعانوا عليكم أعداءكم من الشيطان والدنيا وزخارفها ولم يتابعوا الهوى وتداركوا العهد بالوفاء تجانباً عن الجفاء، {فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ} [التوبة: 4] بالمدارة والرفق، {إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} [التوبة: 4] إلى أوان طلوع شمس سعادتهم عن أفق العناية فإن لكل أجل كتاب فتداركهم العناية الأزلية بخطاب {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}تفسير : [الفجر: 27-28] إمَّا في حال الحياة، وإمَّا في وقت الوفاة، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4] الذين يتقون به عما سواه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: هذه براءة من اللّه ومن رسوله إلى جميع المشركين المعاهدين، أن لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض على اختيارهم، آمنين من المؤمنين، وبعد الأربعة الأشهر فلا عهد لهم، ولا ميثاق. وهذا لمن كان له عهد مطلق غير مقدر، أو مقدر بأربعة أشهر فأقل، أما من كان له عهد مقدر بزيادة على أربعة أشهر، فإن الله يتعين أن يتمم له عهده إذا لم يخف منه خيانة، ولم يبدأ بنقض العهد. ثم أنذر المعاهدين في مدة عهدهم، أنهم وإن كانوا آمنين، فإنهم لن يعجزوا اللّه ولن يفوتوه، وأنه من استمر منهم على شركه فإنه لا بد أن يخزيه، فكان هذا مما يجلبهم إلى الدخول في الإسلام، إلا من عاند وأصر ولم يبال بوعيد اللّه له.
همام الصنعاني
تفسير : 1037- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب في قوله تعالى: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}: [الآية: 1]، قال: لما قفل النبي صلى الله عليه وسلم زمان حنين، اعتمر من الجعرانة وأمَّر أبا بكْرٍ على تلْكَ الحجة. 1038- عدب الرزاق، عن معمر، عن الزهري: أنَّ أبا هُرَيْرة كانَ يُحدِّث أن أبا بكر أمر أبا هُرَيْرَة أن يُؤذِّنَ ببراءة في ناس معَهُ، قال أبو هريرة: ثم تبَّعنا النبي صلى الله عليه وسلم عليّاً وأمرَهُ أن يؤذّن ببراءة وأبو بكر على الموسم، كما هو، أو قال: عَلَى هيئته. 1039- عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن زَيْدِ بن يُثيع، عن علي قال: "حديث : أمرت بأربع: أمرت ألا يقرب البيت بعد هذا العام مُشْرِك، ولا يَطُوف رجُلٌ بالبيت عرياناً، ولا يدخل الجنَّة إلاَّ نفس مسلمة، وأن أُتِمَّ إلى كل ذي عَهْدٍ عَهَدَهُ ". 1040تفسير : - عبد الرزاق، عن معمر،: قَالَ قَتَادَة مثله أيضاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):