٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
75
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ} أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار. {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} في التوارث من الأجانب. {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} في حكمه، أو في اللوح أو في القرآن واستدل به على توريث ذوي الأرحام. {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} من الموارث والحكمة في إناطتها بنسبة الإِسلام والمظاهرة، أولاً واعتبار القرابة ثانياً. عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة، وشاهد أنه بريء من النفاق، وأعطي حسنات بعدد كل منافق ومنافقة، وكان العرش وحملته يستغفرون له أيام حياته».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِن بَعْدُ } أي بعد السابقين إلى الإِيمان والهجرة {وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَٰئِكَ مِنكُمْ } أيها المهاجرون والأنصار {وَأُوْلُوا ٱلأَرْحَامِ } ذوو القرابات {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } في الإِرث من التوارث بالإِيمان والهجرة المذكورة في الآية السابقة {فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ } اللوح المحفوظ {أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } ومنه حكمة الميراث.
الخازن
تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم} اختلفوا في قوله من بعد فقيل من بعد صلح الحديبية وهي الهجرة الثانية وقيل من نزول هذه الآية وقيل من بعد غزوة بدر والأصح أن المراد به أهل الهجرة الثانية لأنها بعد الهجرة الأولى لأن الهجرة انقطعت بعد فتح مكة لأنها صارت دار إسلام بعد الفتح ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" تفسير : أخرجاه في الصحيحين وقال الحسن الهجرة غير منقطعة. ويجاب عن هذا بأن المراد منه الهجرة المخصوصة من مكة إلى المدينة فأما من كان من المؤمنين في بلد يخاف على إظهار دينه في كثرة الكفار وجب عليه أن يهاجر إلى بلد لا يخاف على إظهار دينه وقوله تعالى: {فأولئك منكم} يعني أنهم منكم وأنتم منهم لكن فيه دليل على أن مرتبة المهاجرين الأولين أشرف وأعظم من مرتبة المهاجرين المتأخرين بالهجرة لأن الله سبحانه وتعالى ألحق المهاجرين المتأخرين بالمهاجرين السابقين وجعلهم منهم وذلك معرض المدح والشرف ولولا أن المهاجرين الأولين أفضل وأشرف لما صح هذا الإلحاق. وقوله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} قال ابن عباس: كانوا يتوارثون بالهجرة والإخاء حتى نزلت هذه الآية وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض أي في الميراث أي فبين بهذه الآية أن سبب القرابة أقوى وأولى من سبب الهجرة والإخاء ونسخ بهذه الآية ذلك التوارث وقوله في كتاب الله يعني في حكم الله وقيل أراد به في اللوح المحفوظ وقيل أراد به القرآن وهو أن قسمة المواريث مذكورة في سورة النساء من كتاب الله وهو القرآن وتمسك أصحاب الإمام أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام. وأجاب عنه الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بأنه لما قال في كتاب الله كان معناه في حكم الله الذي بينه في سورة النساء فصارت هذه الآية مقيدة بالأحكام التي ذكرها في سورة النساء من قسمة المواريث وإعطاء أهل الفروض فروضهم وما بقي فللعصبات. وقوله سبحانه وتعالى: {إن الله بكل شيء عليم} يعني أنه سبحانه وتعالى عالم بكل شيء لا تخفى عليه خافية والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال "ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم توفي على أربعة منازل. مؤمن مهاجر، والأنصار، وأعرابي مؤمن لم يهاجر، إن استنصره النبي نصره، وإن تركه فهو إذن له، وإن استنصر النبي صلى الله عليه وسلم كان حقاً عليه أن ينصره، وذلك {أية : استنصروكم في الدين فعليكم النصر} تفسير : [الأنفال: 72]، والرابعة التابعين بإحسان". وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه. مثله. وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن الزبير بن العوّام قال: أنزل الله فينا خاصة معشر قريش والأنصار {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة، قدمنا ولا أموال لنا فوجدنا الأنصار نعم الإِخوان فواخيناهم وتوارثنا، فآخى أبو بكر رضي الله عنه خارجة بن زيد، وآخى عمر رضي الله عنه فلاناً، وآخى عثمان رضي الله عنه رجلاً من بني زريق بن سعد الزرقي. قال الزبير: وواخيت أنا كعب بن مالك، ووارثونا ووارثناهم فلما كان يوم أحد قيل لي، قتل أخوك كعب بن مالك فجئته فانتقلته فوجدت السلاح قد ثقله فيما نرى، فوالله يا بني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن الزبير أنه كتب إلى شريح القاضي: إنما نزلت هذه الآية أن الرجل كان يعاقد الرجل يقول: ترثني وأرثك، فنزلت {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} فلما نزلت ترك ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما. أنه قيل له: أن ابن مسعود رضي الله عنه لا يورث الموالي دون الأرحام، ويقول: إن ذوي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هيهات هيهات. أين ذهب، إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الأعراب، فنزلت {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} يعني أنه يورث المولى. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} قال: نسخت هذه الآية ما كان قبلها من مواريث العقد والحلف والمواريث بالهجرة، وصارت لذوي الأرحام قال: والابن أولى من الأخ، والأخ أولى من الأخت، والأخت أولى من ابن الأخ، وابن الأخ أولى من العم، والعم أولى من ابن العم، وابن العم أولى من الخال، وليس للخال ولا العمة ولا الخالة من الميراث نصيب في قول زيد، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطي ثلثي المال للعمة والثلث للخالة إذا لم يكن له وارث، وكان علي وابن مسعود يردان ما فضل من الميراث على ذوي الأرحام على قدر سهمانهم غير الزوج والمرأة. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: كان لا يرث الأعرابي المهاجر حتى أنزل الله {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: توارثت المسلمون لما قدموا المدينة بالهجرة، ثم نسخ ذلك فقال {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} . وأخرج الطيالسي والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنما قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت هذه الآية {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب.
القشيري
تفسير : يريد مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهم في الحال، ومَنْ سيلحق بهم في الاستقبال وآتى الأحوال فالألْفَةُ تجمعهم، والولاية تشملهم، فلهم من الله في العقبى جزيلُ الثواب، والنجاةُ من العذابِ. ولهم في الدنيا الولايةُ والتناصُر، والمودة والتقارب، والله أعلم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} بين سبحانه ان ميراث الاولياء والصديقين من العلوم الغيبية والحكم الغربية والانباء العجبية وبيان المكاشفات والمشاهدات واسرار الجذبات واحكام المواجيد والواردات ولطائف المقامات والسير فى المجاهدات لا يصل الا الى المريدين الصادقين وانه لما ===الموفقين والقاصدين المودين والمحبين والمستغرقين فى انوار الذكار والطيارين عن المشتاقين باجنحة الافكار لانهم فى محاضر اوليات خرجوا برسم الارواح جميعا من معادن الافراج واظهروا من ارحام العدم بتجلى القدم ومن لم يكن منهم من اهل الدعاوى والمترسمين لم يصل اليه ميراث بلابل بساتين الملكوت وعناديل رياض الجبروت ولا يعرف الحان تلك الاطيار الا طير يطير بجناح الرسالة والمحبة والنبوة والولاية الا ترى كيف وصف الله سبحانه خليفة ملكه سليمان صلوات الله عليه حيث نشر فضائل ما من الله عليه بقوله علمنا منطق الطير واوتينا من كل شئ نسب اليهم بطريق من هذه الطرق فرمو نسبهم فى الولاية وله منهم ميراث علوم الحقيقة وان الله سبحانه بين فى === الازلى بقوله فى كتاب الله قسمت ارباب هذه المواريث قال عليه السلام فى هذه الاشارة العلماء ورد الانبياء ورثوا علومهم بقدر حواصلهم وفهومهم وحوالهم وسرعة سيرهم فى الملكوت واقتباسهم انوار الجبروت اولئك هم الهيون ورثوا نعيم مشاهدته وهم فيها خالدون ثم اثنى على نفسه انه كان عالماً فى الازل باختيار هؤلاء الصديقين بهذه الكرامات محيطاً بعلمه على اصطلاحهم بعد ايجاده اياهم بوصف قبولهم هذه الكرامات بقوله تعالى ولقد اخترناهم على علم على العالمين وبقوله فى تمام السورة ان الله بكل شئ عليم اى عليم بما ابدالهم من الاصطفائية الازليّة وما يبدوا منهم من سنيات طاعته والزفرات فى شوقهم الى لقائه الى الابد والله اعلم.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى بأن الذين هاجروا بعد هجرة من هاجر، وقيل أراد بعد الفتح وجاهدوا مع المؤمنين بأن قال {فأولئك منكم} ومعناه حكمهم حكمكم في وجوب موالاتهم ومواريثهم ونصرتهم. وقوله {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} قيل في معنى {كتاب الله} قولان: احدهما - في كتاب الله من اللوح المحفوظ، كما قال {أية : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها}. تفسير : والثاني - قال الزجاج: يعني في حكم الله. ومعنى {أولوا} ذووا، واحده ذو، ولا واحد له من لفظه. وفي الآية دلالة على ان من كان قرباه أقرب إلى الميت كان أولى بالميراث سواء كان عصبة او لم يكن او له تسمية او لم يكن لان مع كونه اقرب تبطل التسمية. ومن وافقنا في توريث ذوي الارحام يستثني العصبة، وذوي السهام. وهذه الآية نسخت حكم التوارث بالنصرة والهجرة فانهم كانوا لا يورثون الاعراب من المهاجرين على ما ذكره في الايات الاول. ومن قال: الولاية في الاية الأولى ولاية النصرة دون الميراث يقول: ليست هذه ناسخة لها بل هما محكمتان. ودخلت الفاء في قوله: {فاولئك} كما تقول الذي يأتيني فله درهم، لأن فيه معنى المجازات وقال مجاهد: في هذه الآيات الثلاث ذكر ما ولاية رسول الله بين المهاجرين والانصار في الميراث، ثم نسخ ذلك بآخرها من قوله {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} وقال عبد الله بن الزبير نزلت في العصبات كان الرجل يعاقد الرجل يقول ترثني وارثك فنزلت {وأولو الأرحام} إلى آخرها. وقال الحسن: والذين آمنوا من بعد يعني بعد فتح مكة. وقوله {منكم} معناه مؤمنون مثلكم، ولا هجرة بعد فتح مكة، وقال: الهجرة إلى الامصار قائمة إلى يوم القيامة. وكان الحسن يمنع ان يتزوج المهاجر إلى اعرابية. وروي عن عمر انه قال: لا تنكحوا أهل مكة، فانهم اعراب. وأكثر هذه السورة في قصة بدر. وكانت في صبيحة السابع عشر من شهر رمضان على رأس ثمانية عشر شهراً من الهجرة، من شهد هذه الواقعة فله الفضل.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ} يعنى من ايمانكم وهجرتكم {وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ} ويجب موالاتهم كموالاتكم {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} فى مكتوبةٍ فى اللّوح وهو نسخ للتّوارث بالهجرة والنّصرة {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فيحكم تارةً بالتّوارث بالهجرة وتارةً بالرّحم لمصلحةٍ يعلمها ويأمركم بموالاة انفسكم وترك موالاة الكفّار ايضاً لمصلحة.
الحبري
تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ الكُلَيْنِيُّ: عَنْ مُحمَّد بن يَحْيَى، عَن أَحْمَد بن مُحَمَّد، عن مُحَمَّد بن سَهْل، عن: الحُسَيْن بن الحَكَم: عن أَبي جَعْفَر الثاني عليه السلامُ: في رَجُلٍ ماتَ، وتركَ خالَتَيْهِ ومَوَاليه؟ قالَ: {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} المالُ بَيْنَ الخَالَتَيْن.
فرات الكوفي
تفسير : {وأولوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ75=6/ الأحزاب} [قال: حدثنا. أ، ب] فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم معنعناً: عن زيد بن علي [بن أبي طالب! عليهما السلام. ر] في قوله [تعالى في الأحزاب. ر]: {وأولوا الأرحام [بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} قال: أرحام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالملك والإمرة. أ، ب].
اطفيش
تفسير : {والَّذينَ آمنُوا مِنْ بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا معَكُم فألئكَ منْكُم} من جملتكم معشر المهاجرين والأنصار، هم الذين جاءوا من بعد من سبق إلى الهجرة {أية : يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}تفسير : وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية، وهى الهجرة الثانية إذا حسبت هجرة الأولين، وهجرة أصحاب الهجرتين واحدة، وهم دون الأولين وأصحاب الهجرتين، أخبر الله أنهم منكم لئلا يهاون بهم وليرغبوا، وذلك أن الحرب وضعت أوزارها نحو عامين قبل الفتح، فكانت أقل رتبة من الهجرة بعدها، كما يدل عليه استحقاق بلفظة مع، وبلفظ منكم، لكن قد تضاف مع إلى التابع. وقيل: المراد من بعد نزول الآية، حديث : وقيل: من بعد غزوة بدر، والصحيح ما مر، ولا هجرة بعد فتح مكة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" وقدم سهيل بن عمرو، وصفوان ابن أمية، ورجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم من مكة فقال: "ما جاء بكم؟" قالوا: سمعنا أنه لا يدخل الجنة إلا من هاجر، فقال: "إن الهجرة قد تقطعت ولكن جهاد ونية حسنة" ثم قال: أقسمت عليك أبا وهب - يعنى صفوان بن أمية - لترجعن إلى أباطح مكة ومن كان فى بلد يخاف فيه على إظهار دينه وجب عليه أن يهاجر إلى بلد لا يخاف فيه، تفسير : وهذا مراد الحسن بقوله: إن الهجرة باقية إلى يوم القيامة، بل قد صرح: إن الهجرة المنسوخة الهجرة التى كانت مع النبى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ومن قال بوجوب الهجرة بعد الفتح أنه يأمن على دينه، فهو فى البراءة، ومن أخذ المشركون وطنه جاز له القعود فيه معهم ما أمن على دينه فيه، ولو سافر ورجع ما لم ينزعه، ولا يجوز السفر إلى أرض الشرك، وهى الأرض التى سكنها المشركون وتغلبوا عليها، وكان الحكم فيها إلا لقتالهم أو دعائهم، ورخص بعضهم فيها ما دام يأمن على إظهار دينه لما مر عن الحسن، فلا تكون دار شرك، ورخص بعض العمانيين ما دام يتوصل إلى دينه سراً. وعن الحسن، حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فأنا برئ منه" وبعث سرية إلى ناس فى خثعم كانوا فيهم، أو لجئوا إليهم، فلما رأوهم استعصوا السجود فقتل بعضهم، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "أعطوهم نصف العقل إلا أنى برئ من كل مسلم مع مشرك فى داره" قيل: لِمَ يا رسول الله صلى الله عليك وسلم؟ قال:" لا ترى نارهما إلا عن حرب إلا صاحب جزية مقر بها" تفسير : وعن بعضهم: إنه كان الرجل بين المشركين والمؤمنين يقول: أيهم ظفر كنت معه، وإن قوله: {أية : إلا تفعلوه تكن} تفسير : الخ نزل فى ذلك، وبه قال قتادة. وقيل: نزل لما أمر بقتال المشركين كافة،وكان قوم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش، فإذا أرادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: تريد منا ونحن كافرون عنكم، وقد نرى ناركم، وكانت الجاهلية تعظم لحرمة الجوار إذا رأوا نارا فهم جيران لأهلها، وإذا أرادهم المشركون قالوا: ما تريدون منَّا ونحن على دينكم، فنزل: {أية : والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير }. تفسير : {وأولُوا الأرْحام بعْضهُم أولَى ببعْضٍ فى كِتابِ الله} قال ابن عباس: هذه ناسخة للمواريث بالهجرة والمؤاخات، والمراد أولى فى الإرث، وكتاب الله حكمه، وقيل: اللوح المحفوظ، وقيل: القرآن، فقال أبو حنيفة: أولوا الأرحام القرابة غير ذوى الفروض، وذوى التعصيب كالخال والخالة، والعمة وبنت البنت، يرثون إذا لم يكن ذوو فرض ولا عاصب. وقال الشافعى: أولوا الأرحام هم ذوو الفروض والتعصيب المذكورون فى النساء، قال: وكتاب الله القرآن إشارة إلى آيات المواريث فى النساء، وبه قال شيخه مالك، وقالت فرقة: إن الأمر كما قال أبو حنيفة وأعم، لكن نسخ بآيات المواريث، ومن لم يورث ذوى الأرحام كالخال والخالة جعل المال لبيت المال، وبه قال أهل المدينة، وزيد بن ثابت. ومذهبنا معشر الأباضية والجمهور توريثهم لهذه الآية، ولتوريثه صلى الله عليه وسلم ذا رحم ممن لا فرض له منه ولا عصبة، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخال وارث من لا وارث له" تفسير : ولاجتماع سبب القرابة، وسبب الإسلام فيهم، فهم أولى ببيت المال، وقضى بذلك عمر، وابن مسعود رضى الله عنهما. واختلفوا: فمنهم من يورثهم بالتنزيل وهو الأكثر، ينزلون كل فرع منزلة أصله، ويسمى هذا مذهب أهل التنزيل لذلك، ومنهم من يورثهم بالقرابة وهو مذهب أبى حنيفة، وهو مذهبنا يورثون الأقرب فالأقرب كالعصابة، وسمى هذا المذهب أهل القرابة لذلك، والأول أصح عند كثير وأولوا الأرحام أربعة أصناف: الأول: بنو البنات، وبنات بنى الابن، وبنو بناته ونسولهم، يقدم الأقرب منهم، فيعطى المال كله على المختار عندنا، كبنت بنت لها المال وحدها مع ابن بنت ابن، وعلى التنزيل: فلها ثلاثة ارباع وله الربع. الثانى: بنات الإخوة وبنو الإخوة للأم وبنو الأخوات، يعطى الأقرب، فإن استووا قدم من أدنى بشقيق، وان استووا فسواء، وعلى التنزيل: ينزل كل منزلة أبيه وأمه، ويرفعون بطنا بطنا إلى الموروث، ويقدم السابق، وإن استووا أعطى كل ميراث من نسب إليه. الثالث: الأجداد المحجوبون بأقرب، والجدان السواقط بالسفلى المال لمن هو أقرب، وان استووا فلذى جهة الأب الثلثان للذى جهة الأم الثلث، وعلى التنزيل: ينزل كل منزلة والده، ويقدم الأسبق. الرابع: الأخوال والخالات، والعمات، فإذا اجتمعوا فالثلثان عند بعض للعمات، والثلث للأخوال والخالات، ومحل ذلك كتب الميراث، وهذه الأصناف على هذا الترتيب. {إنَّ اللهِ بكلِّ شئٍ عليمٌ} من المواريث وغيرها كالحكمة فى تعليقها أولا بالهجرة والمؤاخات، وثانيا بالقرابة.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ مَعَكُمْ} أي في بعض أسفاركم، والمراد بهم قيل: المؤمنون المهاجرون من بعد صلح الحديبية وهي الهجرة الثانية، وقيل: من بعد نزول الآية، وقيل: من بعد غزوة بدر، والأصح أن المراد بهم الذين هارجوا بعد الهجرة الأولى {فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ} أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار، وفيه إشارة إلى أن السابقين هم السابقون في الشرف وأن هؤلاء دونهم فيه، ويؤيد أمر شرفهم توجيه الخطاب إليهم بطريق الالتفات، وبهذا القسم صارت أقسام المؤمنين أربعة، والتوارث إنما هو في القسمين الأولين على ما علمت؛ وزعم الطبرسي أن ذلك الحكم يثبت لهؤلاء أيضاً فيكون التوارث بين ثلاثة أقسام، وجعل معنى {مّنكُمْ} من جملتكم وحكمهم حكمكم في وجوب الموالاة والموارثة والنصرة ولم أره لأصحابنا. {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ} أي ذوو القرابة {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} آخر منهم في التوريث من الأجانب {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} أي في حكمه أو في اللوح المحفوظ، أخرج الطيالسي والطبراني وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت هذه الآية فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب» وأخرج ابن مردويه عنه رضي الله تعالى عنه قال: توارث المسلمون لما قدموا المدينة بالهجروة ثم نسخ ذلك بهذه الآية» واستدل بها على توريث ذوي الأرحام الذين ذكرهم الفرضيون، وذلك لأنها نسخ بها التوارث بالهجرة ولم يفرق بين العصبات وغيرهم فيدخل من لا تسمية لهم ولا تعصيب وهم ـ هم ـ وبها أيضاً احتج ابن مسعود كما أخرجه ابن أبـي حاتم والحاكم على أن ذوي الأرحام أولى من مولى العتاقة، ولما سمع الحبر قال: «هيهات هيهات أين ذهب؟ إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الاعراب فنزلت» وخالفه سائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أيضاً على ما قيل. وأنت تعلم أنه إذا أريد بكتاب الله تعالى آيات المواريث السابقة في سورة النساء أو حكمه سبحانه المعلوم هناك لا يبقى للاستدلال على توريث ذوي الأرحام بالآية وجه، وكذا ما قاله ابن الفرس من أنه قد يستدل بها لمن قال: إن القريب أولى بالصلاة على الميت من الوالي {أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} ومن جملته ما في تعليق التوارث بالقرابة الدينية أولاً على الوجه السابق وبالقرابة النسبية آخراً من الحكم البالغة. هذا ومن باب الإشارة: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} الإيمان العلمي {وَهَاجَرُواْ} من أوطان نفوسهم {وَجَـاهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ} بإنفاقها حتى تخللوا بعباء التجرد والانقطاع إلى الله عز وجل {وَأَنفُسِهِمْ} بإتعابها بالرياضة ومحاربة الشيطان وبذلها في {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تعالى وطريق الوصول إليه {وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ} إخوانهم في الطريق ونصروهم على عدوهم بالإمداد {أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} بميراث الحقائق والعلوم النافعة {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ} / عن وطن النفس {مَا لَكُم مّن وَلـٰيَتِهِم مّن شَيْء} فلا توارث بينكم وبينهم إذ ما عندكم لا يصلح لهم ما لم يستعدوا له وما عندهم يأباه استعدادكم {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} كما هاجرتم فحينئذٍ يثبت التوارث بينكم وبينهم {أية : وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ } تفسير : [الأنفال: 72] فإن الدين مشترك، وعلى هذا الطرز يقال في باقي الآيات والله تعالى ولي التوفيق وبيده أزمة التحقيق.
ابن عاشور
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ}. بعد أن منع الله ولاية المسلمين للذين آمنوا ولم يهجروا بالصراحة، ابتداءً ونفى عن الذين لم يهاجروا تحقيق الإيمان، وكان ذلك مثيراً في نفوس السامعين أن يتساءلوا هل لأولئك تمكن من تدارك أمرهم بِرأبِ هذه الثَّلمة عنهم، ففتح الله باب التدارك بهذه الآية: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم}. فكانت هذه الآية بياناً، وكان مقتضى الظاهر أن تكون مفصولة غير معطوفة، ولكن عدل عن الفصل إلى العطف تغليباً لمقام التقسيم الذي استوعبته هذه الآيات. ودخول الفاء على الخبر وهو {فأولئك منكم} لتضمين الموصول معنى الشرط من جهة أنّه جاء كالجواب عن سؤال السائِل، فكأنّه قيل: وأمّا الذين آمنوا من بعد وهاجروا الخ، أي: مهما يكن من حال الذين آمنوا ولم يهاجروا، ومن حال الذين آمنوا وهاجروا والذين آووا ونصروا، فـ{الذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} وبذلك صار فعل {آمنوا} تمهيداً لما بعده من {هاجروا وجاهدوا} لأن قوله: {من بعد} قرينة على أنّ المراد: إذا حصل منهم ما لم يكن حاصلاً في وقت نزول الآيات السابقة، ليكون أصحاب هذه الصلة قسماً مغايراً للأقسام السابقة. فليس المعنى أنّهم آمنوا من بعد نزول هذه الآية، لأنّ الذين لم يكونوا مؤمنين ثم يؤمنون من بعد لا حاجة إلى بيان حكم الاعتداد بإيمانهم، فإنّ من المعلوم أنّ الإسلام يجُبُّ ما قبَله، وإنّما المقصود: بيان أنّهم إن تداركوا أمرهم بأن هاجروا قُبلوا وصاروا من المؤمنين المهاجرين، فيتعيّن أنّ المضاف إليه المحذوفَ الذي يشير إليه بناء {بعدُ} على الضمّ أن تقديره: من بعد ما قلناه في الآيات السابقة، وإلاّ صار هذا الكلام إعادة لبعض ما تقدّم، وبذلك تسقط الاحتمالات التي تردّد فيها بعض المفسّرين في تقدير ما أضيف إليه (بعد). وفي قوله: {معكم} إيذان بأنّهم دُون المخاطبين الذين لم يستقرّوا بدار الكفر بعد أن هاجر منها المؤمنون، وأنّهم فرطوا في الجهاد مدة. والإتيان باسم الإشارة للذين آمنوا من بعدُ وهاجروا، دون الضمير، للاعتناء بالخبر وتمييزهم بذلك الحكم. و«من» في قوله: {منكم} تبعيضية، ويعتبر الضمير المجرور بمن، جماعة المهاجرين أي فقد صاروا منكم، أي من جماعتكم وبذلك يعلم أنّ ولايتهم للمسلمين. {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}. قال جمهور المفسّرين قوله: {فأولئك منكم} أي مثلكم في النصر والموالاة، قال مالك: إنّ الآية ليست في المواريث، وقال أبو بكر بن العربي: قوله: {فأولئك منكم} «يعني في الموالاة والميراث على اختلاف الأقوال، أي اختلاف القائلين في أنّ المهاجر يرث الأنصاري والعكس، وهو قول فرقة. وقالوا: إنّها نسخت بآية المواريث. عطف جملة على جملة فلا يقتضي اتّحاداً بين المعطوفة والمعطوف عليها، ولكن وقوع هذه الآية بإثر التقاسيم يؤذن بأنّ لها حظّاً في إتمام التقسيم، وقد جعلت في المصاحف مع التي قبلها آية واحدة. فيظهر أنّ التقاسيم السابقة لمّا أثبتت ولاية بين المؤمنين، ونفت ولايةً من بينهم وبين الكافرين، ومِن بينهم وبين الذين آمنوا ولم يهاجروا حتّى يهاجروا، ثم عادت على الذين يهاجرون من المؤمنين بعد تقاعسهم عن الهجرة بالبقاء في دَار الكفر مدّة، فبيّنت أنّهم إن تداركوا أمرهم وهاجروا يدخلون بذلك في ولاية المسلمين، وكان ذلك قد يشغل السامعين عن وَلاية ذوي أرحامهم من المسلمين، جاءت هذه الآية تذكّر بأنّ ولاية الأرحام قائمة وأنّها مرجّحة لغيرها من الولاية فموقعها كموقع الشروط، وشأن الصفات والغايات بعد الجُمل المتعاطفة أنّها تعود إلى جميع تلك الجمل، وعلى هذا الوجه لا تكون هذه الآية ناسخة لما اقتضته الآيات قبلها من الولاية بين المهاجرين والأنصار بل مقيّدةً الإطلاقَ الذي فيها. وظاهر لفظ {الأرحام} جَمْعُ رَحِم وهو مقّر الولد في بطن أمّه، فمن العلماء من أبقاه على ظاهره في اللغة، فجعل المراد من أولي الأرحام ذوي القرابة الناشئة عن الأمومة، وهو ما درج عليه جمهور المفسّرين، ومنهم من جعل المراد من الأرحام العصابات دون المولودين بالرحم. قاله القرطبي، واستدلّ له بأنّ لفظ الرحم يراد به العصابة، كقول العرب في الدعاء «وصلتْك رحم»، وكقول قُتَيّلة بنتِ النضر بن الحارث: شعر : ظَلّتْ سيوف بني أبيه تَنوشه للَّه أرحام هناك تمزّق تفسير : حيث عَبرت عن نَوش بني أبيه بتمزيق أرحام. وعُلم من قوله: {أولى} هو صيغة تفضيل أنّ الولاية بين ذوي الأرحام لا تعتبر إلا بالنسبة لمحلّ الولاية الشرعية فأولوا الأرحام أوْلى بالولاية ممّن ثبتت لهم ولاية تامّة أو ناقصة كالذين آمنوا ولم يهاجروا في ولاية النصر في الدين إذا لم يقم دونها مانع من كفر أو ترك هجرة، فالمؤمنون بعضهم لبعض أولياء ولاية الإيمان، وأولو الأرحام منهم بعضهم لبعض أولياء ولايةَ النسب، ولولاية الإسلام حقوق مبيّنة بالكتاب والسنّة، ولولاية الأرحام حقوق مبيّنة أيضاً، بحيث لا تُزاحم إحدى الولايتين الأخرى، والاعتناءُ بهذا البيان مؤذن بما لوشائج الأرحام من الاعتبار في نظر الشريعة، فلذلك عَلقت أولوية الأرحام بأنّها كائنة في كتاب الله أي في حكمه. وكتابُ الله قضاؤه وشرعه، وهو مصدر، إمّا باق على معنى المصدرية، أو هو بمعنى المفعول، أي مكتوبة كقول الراعي: شعر : كانَ كتابُها مفعولاً تفسير : وجَعْلُ تلك الأولوية كائنة في كتاب الله كنايةٌ عن عدم تعبيره، لأنّهم كانوا إذا أرادوا توكيد عهد كتبوه. قال الحارث بن حِلَّزة: شعر : حَذر الجَوْر والتَّطَاخِي وهل ينْــــ ــــقُض ما في المهارق الأهواء تفسير : فتقييد أولوية أولي الأرحام بأنّها في كتاب الله للدلالة على أنّ ذلك حكم فطري قدّره الله وأثبته بما وضع في الناس من الميل إلى قراباتهم، كما ورد في الحديث: «حديث : إن الله لما خلق الرحِمَ أخذت بقائمة من قوائم العرش وقالت: هذا مقام العائذِ بك من القَطيعة»تفسير : الحديثَ. فلمّا كانت ولاية الأرحام أمراً مقرراً في الفطرة، ولم تكن ولاية الدين معروفة في الجاهلية بيّن الله أنّ ولاية الدين لا تُبطل ولاية الرحم إلاّ إذا تعارضتا، لأنّ أواصر العقيدة والرأي أقوى من أواصر الجسد، فلا يغيّره ما ورد هنا من أحكام ولاية الناس بعضهم بعضاً، وبذلك الاعتبار الأصلي لولاية ذوي الأرحام كانوا مقدمين على أهل الولاية، حيث تكون الولاية، وينتفي التفضيل بانتفاء أصلها، فلا ولاية لأولي الأرحام إذا كانوا غير مسلمين. واختلف العلماء في أنّ ولاية الأرحام هنا هل تشمل ولاية الميراث: فقال مالك بن أنس هذه الآية ليست في المواريث أي فهي ولاية النصر وحسن الصحبة، أي فنقصر على موردها ولم يرها مساوية للعام الوارد على سبب خاصّ إذ ليست صيغتها صيغة عموم، لأن مناط الحكم قوله: {أولى ببعض} لا قوله . وقال جماعة تشمل ولاية الميراث، ثم اختلفوا فمنهم من قال: نُسِخت هذه الولاية بآية المواريث، فبطل توريث ذوي الأرحام بقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ألْحِقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأِوْلى رجلٍ ذَكَرٍ»تفسير : فيكون تخصيصاً للعموم عندهم. وقال جماعة يرث ذوو الأرحام وهم مقدمون على أبناء الأعمام، وهذا قول أبي حنيفة وفقهاء الكوفة، فتكون هذه الآية مقيِّدة لإطلاق آية المواريث، وقد علمت ممَّا تقدّم كلّه أنّ في هذه الآيات غموضاً جعلها مرامي لمختلف الأفهام والأقوال. وأيَّامّاً كانت فقد جاء بعدها من القرآن والسنة ما أغنى عن زيادة البسط. وقوله: {إن الله بكل شيء عليم} تذييل هو مؤذن بالتعليل؛ لتقرير أوْلويّة ذوي الأرحام بعضهم ببعض فيما فيه اعتداد بالولاية، أي إنّما اعتبرت تلك الأولويّة في الولاية، لأنّ الله قد علم أنّ لآصرة الرحم حقّاً في الولاية هو ثابت ما لم يمانعه مانع معتبر في الشرع، لأنّ الله بكلّ شيء عليم وهذا الحكم ممّا علم، الله أنّ إثباته رفق ورأفة بالأمّة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. لم يعين تعالى في هذه الآية الكريمة المراد بأولي الأرحام. واختلف العلماء في هذه الآية، هل جاء في القرآن ما يبين المراد منها أو لا. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها بينتها آيات المواريث. كما قدمنا نظيره في قوله: {أية : لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} تفسير : [النساء: 7]. قالوا: فلا إرث لأحد من أولي الأرحام غير من عينت لهم حقوقهم في آيات المواريث. وممن قال بهذا زيد بن ثابت، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وأبو ثور، وداود، وابن جرير وغيرهم. وقالوا: الباقي عن نصيب الورثة المنصوص على إرثهم لبيت مال المسلمين، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" تفسير : رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، من حديث عمرو بن خارجة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. ورواه أيضاً الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبن أمامة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وحسنه الترمذي وابن حجر، ولا يضعف بأن في إسناده إسماعيل بن عياش، لما قدمنا مراراً أن روايته عن الشاميين قوية، وشيخه في حديث أبي أمامة هذا شرحبيل بن مسلم، وهو شامي ثقة، وقد صرح في روايته بالتحديث. وقال فيه ابن حجر في (التقريب): صدوق فيه لين، فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي صححه الترمذي، من رواية عمرو بن خارجة، وحسنه الترمذي، وابن حجر من رواية أبي أمامة: "حديث : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه"تفسير : يدل بعمومه على أنه لم يبق في التركة حق لغير من عينت لهم أنصباؤهم في آيات المواريث. وقد قال بعض أهل هذا القول: المراد بذوي الأرحام العصبة خاصة، قالوا: ومنه قول العرب وصلتك رحم، يعنون قرابة الأب دون قرابة الأم، ومنه قول قتيلة بنت الحارث، أو بنت النضر بن الحارث: شعر : ظلت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تشقق تفسير : فأطلقت الأرحم على قرابة بني أبيه، والأظهر على القول بعدم التوريث، أن المراد بذوي الأرحام القرباء، الذين بينت حقوقهم بالنص مطلقاً. واحتج أيضاً من قال: لا يرث ذوو الأرحام بما روي عن عطاء بن يسار. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب إلى قباء يستخير في ميراث العمة والخالة فأنزل عليه "لا ميراث لهما" أخرجه أبو داود، في المراسيل والدارقطني، والبيهقي، من ريق زيد بن أسلم، عن عطاء، مرسلاً، وأخرجه النسائي في (سننه)، وعبد الرزاق، و ابن أبي شيبة، من مرسل زيد بن أسلم، ليس فيه ذكر عطاء، ورد المخالف هذا بأنه مرسل. وأجيب بأن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد. الاحتجاج بالمرسل، وبأنه رواه البيهقي، والحاكم، والطبراني، موصولاً من حديث أبي سعيد، وما ذكره البيهقي من وصله من طريقين. إحداهما: من رواية ضرار بن صرد أبي نعيم. والثانية: من رواية شريك بن أبي نمر، عن الحارث بن عبد، مرفوعاً. وقال محشيه، صاحب (الجوهر النقي) في ضرار المذكور: إنه متروك. وعزا ذلك للنسائي، وعزا تكذيبه ليحيى بن معين. وقال في ابن أبي نمر: فيه كلام يسير. وفي الحارث بن عبد: أنه لا يعرفه، ولا ذكر له إلا عند الحاكم في (المستدرك) في هذا الحديث. قال مقيده - عفا الله عنه -: ما ذكره من أن ضرار بن صرد متروك غير صحيح. لأنه صدوق له بعض أوهام لا توجب تركه. وقال فيه ابن حجر في (التقريب): صدوق له أوهام وخطأ، ورمي بالتشنيع، وكان عارفاً بالفرائض. وأما ابن أبي نمر: فهو من رجال البخاري، ومسلم. وأما إسناد الحاكم: فقال فيه الشوكاني، في (نيل الأوطار): إنه ضعيف وقال في إسناد الطبراني: فيه محمد بن الحارث المخزومي. قلت: قال فيه ابن حجر في (التقريب): مقبول، وقال الشوكاني أيضاً، قالوا: وصله - أيضاً - الطبراني من حديث أبي هريرة. ويجاب: بأنه ضعفه بمسعدة بن اليسع الباهلي. قالوا: وصله الحاكم أيضاً من حديث ابن عمر، وصححه. ويجاب: بأن في إسناده عبد الله بن جعفر المدني، وهو ضعيف. قالوا: روى له الحاكم شاهداً من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن الحارث بن عبد، مرفوعاً. ويجاب: بأن في إسناده سليمان بن داود الشاذكوني، وهو متروك. قالوا: أخرجه الدارقطني من وجه آخر عن شريك. ويجاب: بأنه مرسل. اهـ. قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذه الطرق الموصولة والمرسلة يشد بعضها بعضاً، فيصلح مجموعها للاحتجاج، ولا سيما أن منها ما صححه بعض العلماء، كالطريق التي صححها الحاكم، وتضعيفها بعبد الله بن جعفر المدني: فيه أنه من رجال مسلم، وأخرج له البخاري تعليقاً، وقال فيه ابن حجر في (التقريب): ليس به بأس. اهـ. واحتجوا أيضاً بما رواه مالك في (الموطأ)، والبيهقي، عن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن عبد الرحمن ابن حنظلة الزرقي: أنه أخبره عن مولى لقريش كان قديماً يقال له ابن موسى، أنه قال: كنت جالساً عند عمر بن الخطاب، فلما صلى الظهر، قال: "يا يرفأ" هلم ذلك الكتاب لكتاب كتبه في شأن العمة، فنسأل عنها، ونستخبر عنها فأتاه به "يرفأ" فدعا بتور أو قدح فيه ماء، فمحا ذلك الكتاب فيه، ثم قال: لو رَضِيَكِ الله وَارِثَةً أَقرَّكِ، لَوْ رَضِيَكِ الله أَقَرَّكِ. وقال مالك في (الموطأ) عن محمد بن أبي بكر بن حزم: أنه سمع أباه: كثيراً يقول: كان عمر بن الخطاب يقول: عجباً للعمة ترث ولا تورث، والجميع فيه مقال، وقال جماعة من أهل العلم: لا بيان للآية من القرآن، بل هي باقية على عمومها، فأوجبوا الميراث لذوي الأرحام. وضابطهم: أنهم الأقارب الذين لا فرض لهم ولا تعصيب. وهم أحد عشر حيزاً: 1- أولاد البنات. 2- وأولاد الأخوات. 3- وبنات الإخوة. 4- وأولاد الأخوة من الأم. 5- والعمات من جميع الجهات. 6- والعم من الأم. 7- والأخوال. 8- والخالات. 9- وبنات الأعمام. 10- والجد أبو الأم. 11- وكل جدة أدلت بأب بين أمين، أو بأب أعلى من الجد. فهؤلاء، ومن أدلى لهم يسمون ذوي الأرحام. وممن قال بتوريثهم. إذا لم يوجد وارث بفرض أو تعصيب - إلا الزوج والزوجة - الإمام أحمد. ويروى هذا القول، عن عمر، وعلي، وعبد الله، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء - رضي الله عنهم - وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وطاوس، وعلقمة، ومسروق، وأهل الكوفة، وغيرهم. نقله ابن قدامة في (المغني)، واحتجوا بعموم قوله تعالى: {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} الآية، وعموم قوله تعالى: {أية : لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} تفسير : [النساء: 7] الآية، ومن السنة بحديث المقدام بن معد يكرب، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "حديث : من ترك مالاً فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه. وأرث، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه" تفسير : أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، والنسائي وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، وحسنه أبو زرعة الرازي، وأعله البيهقي بالاضطراب، ونقل عن يحيى بن معين، أنه كان يقول: ليس فيه حديث قوي، قاله في (نيل الأوطار). واحتجوا أيضاً بما رواه أبو أمامة بن سهل، أن رجلاً رمى رجلاً بسهم فقتله، وليس له وارث إلا خال، فكتب في ذلك ابو عبيدة بن الجراح إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له" تفسير : رواه أحمد، و ابن ماجه، وروى الترمذي المرفوع منه، وقال: حديث حسن. قال الشَّوكاني - رحمه الله -: وفي الباب عن عائشة عند الترمذي والنسائي، والدارقطني، من رواية طاوس، عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخال وارث من لا وارث له" تفسير : قال الترمذي: حسن غريب، وأعله النَّسائي بالاضطراب، ورجح الدَّارقطني، والبيهقي، وقفه. قال التّرمذي: وقد أرسله بعضهم ولم يذكر فيه عائشة. وقال البزار: أحسن إسناد فيه حديث أبي أُمامة بن سهل، وأخرجه عبد الرزاق، عن رجل من أهل المدينة، والعقيلي وابن عساكر، عن أبي الدرداء، وابن النجار، عن أبي هريرة، كلها مرفوعة. اهـ. قال الترمذي: وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام، واحتجوا أيضاً بما رواه أبو داود، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها: وفيه ابن لهيعة. قال مقيده - عفا الله عنه -: أظهر الأقوال دليلاً عندي، أن الخال يرث من لا وارث له، دون غيره من ذوي الأرحام، لثبوت ذلك فيه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بالحديثين المذكورين دون غيره، لأن الميراث لا يثبت إلا بدليل، وعموم الآيتين المذكورتين لا ينهض دليلاً. لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه" تفسير : كما تقدم. فإذا علمت أقوال العلماء، وحججهم في إرث ذوي الأرحام وعدمه، فاعلم أن القائلين بالتوريث: اختلفوا في كيفيته، فذهب المعروفون منه بأهل التنزيل، إلى تنزيل كل واحد منهم منزلة من يدلى به من الورثة، فيجعل له نصيبه، فإن بعدوا نزلوا درجة درجة، إلى أن يصلوا من يدلون به، فيأخذون ميراثه، فإن كان واحداً. أخذ المال كله، وإن كانوا جماعة، قسم المال بين من يدلون به، فما حصل لكل وارث جعل لمن يدلى به، فإن بقي من سهام المسألة شيء، رد عليهم على قدر سهامهم. وهذا، هو مذهب الإمام أحمد، وهو قول علقمة، ومسروق، والشعبي، والنخعي، وحماد، ونعيم، وشريك، وابن أبي ليلى، والثوري، وغيرهم؛ كما نقله عنهم ابن قدامة في (المغني). وقال أيضاً: قد روي عن علي، وعبد الله - رضي الله عنهما -: أنهما نزلا بنت البنت منزلة البنت، وبنت الأخ منزلة الأخ، وبنت الأخت منزلة الأخت، والعمة منزلة الأب، والخالة منزلة الأم، وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه - في العمة، والخالة. وعن علي أيضاً: أنه نزل العمة منزلة العم، وروي ذلك عن علقمة، ومسروق، وهي الرواية الثانية عن أحمد، وعن الثوري وأبي عبيد: أنهما نزلاها منزلة الجد مع ولد الأخوة والأخوات، ونزلها آخرون منزلة الجدة. وإنما صار هذا الخلاف في العمة: لأنها أدلت بأربع جهات وارثات: فالأب والعم أخواها، والجد والجدة أبواها، ونزل قوم الخالة منزلة جدة: لأن الجدة أمها، والصحيح من ذلك تنزيل العمة أباً، والخالة أماً. اهـ. من (المغني). وذهبت جماعة أخرى ممن قال بالتوريث - منهم أبو حنيفة، وأصحابه - إلى أنهم يورثون على ترتيب العصبات، فقالوا: يقدم أولاد الميت وإن سفلوا، ثم أولاد أبويه أو أحدهما وإن سفلوا، ثم أولاد أبوي أبويه وإن سفلوا، وهكذا ابداً لا يرث بنو أب أعلى وهناك بنو أب أقرب منه؛ وإن نزلت درجتهم. وعن أبي حنيفة: أنه جعل أبا الأم - وإن علا - أولى من ولد البنات، ويسمى مذهب هؤلاء: مذهب أهل القرابة.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {وَجَاهَدُواْ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} {وَأْوْلُواْ} {كِتَابِ} (75) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الذِينَ يَتْبَعُونَ المُؤْمِنينَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ إِيمَانٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ، وَجِهَادٍ فِي سَبيلِ اللهِ، يَكُونُونَ مَعَ السَّابِقِينَ فِي الآخِرَةِ. وَذَوُو الأَرْحَامِ مِنَ الأَقَارِبِ جَمِيعاً لَهُمْ وَلاَيَةُ القرابةِ، وَبَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْضٍ في المَوَدَّةِ وَالمَالِ وَالنُّصْرَةِ كَمَا شَرَعَ اللهُ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ في هذا الوُجُودِ. أُوْلُو الأَرْحَامِ - ذَوُو القَرَابَةِ. أَوْلَى - بِالمِيْرَاثِ مِنَ الأَجَانِبِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن فمن آمن بعد هؤلاء الأولين وهاجر وجاهد له أيضاً مغفرة ورزق كريم. هكذا حدد الحق سبحانه وتعالى فئات المؤمنين وجعل لكل فئة مقامها، فالذين آمنوا هم جميعاً قد انتموا انتماء أوليا إلى الله، ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان مقهوراً في أشياء ومختاراً في أشياء يفعلها أو لا يفعلها، والمؤمن يختار ما أراده الله تعالى له؛ ففعل ما قال له: "افعل"، ولم يفعل ما قال له: "لا تفعل"، فكأنه اختار مرادات الله في التشريع. إن معنى الإيمان أن يستقر في قلبك وأن تؤمن أن الله تعالى بكل صفات كماله خلق لنا هذا الكون وخلقنا، وأننا جئنا إلى هذا الكون فوجدناه قد أعد لنا إعداداً جيداً، كل ما فيه مسخر لخدمة الإنسان، وأعطانا الله سبحانه وتعالى الاختيار في أشياء، وجعلنا من رحمته مقهورين في أشياء. مثلا دقات القلب والدورة الدموية وأجزاء جسمك الداخلية مقهورة لله عز وجل لا دخل لاختيارك فيها، وكذلك التنفس فأنت تتنفس وأنت نائم ولا تعرف كيف يحدث ذلك، ولكن الأفعال التي تصدر منك بعد فكر، تلك هي الأفعال التي جعل الله لك فيها اختياراً. ولو أرادك الخالق أن تكون مقهورا لفعل، ولو أراد أن يؤمن الناس جميعاً لفعل؛ ولكنه سبحانه وتعالى ترك لهم الاختيار؛ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؛ ليعرف مَنْ مِن عباده أحب الله فأطاعه في التكليف، ومَنْ مِن الخلق قد عصاه. إذن فالانتماء الأول للمسلم هو انتماء الإيمان، وللإنسان انتماءات أخرى؛ ينتمي لوطنه ولأهله ولأولاده ولماله، ولمن الانتماء الأول يجب أن يكون لله تعالى، بحيث يترك الناس أوطانهم وأموالهم وأهلهم إذا كان الإيمان يقتضي ذلك. والإنسان المؤمن هو الذي يترك اختياره فيختار ما أمر به الله عز وجل، ويجعل كل ما يملكه في خدمة ذلك؛ فيجاهد بنفسه لأن الله أمره بذلك، ويجاهد بماله لأن الله أمره بذلك. إذن فالمؤمن الحق لا انتماء له إلا لله. فالذين هاجروا والذين آووا ونصروا، تركوا أموالهم وأولادهم وكل ما يملكون حبا في الله وطاعة له. فالأنصار لم يهاجروا ولكنهم وضعوا كل إمكاناتهم في إيواء المهاجرين حبا لله؛ فتنازلوا عن مساكن لهم وأموال لهم، وتنازلوا عن زوجاتهم في سبيل الله كل منهم مؤمن حقًا، أما الفئة الثانية فهناك نقص في إيمانهم؛ ذلك أنهم لم يهاجروا رغم إسلامهم وفضلوا أن يبقوا مع أولادهم وأهلهم. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى عنهم: {أية : مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ}تفسير : [الأنفال: 72]. أي ليس مطلوباً أن توالوهم، لكن إذا استنصروكم في الدين فعليكم النصر، لماذا؟ لأنهم لم يتركوا الانتماءات الأخرى مثل المال والولد والأهل ومكان الإقامة. والفئة الثالثة هم الذين جاءوا بعد ذلك، لم تكن هناك هجرة ليهاجروا ولكن من آمن منهم وجاهد وترك اختياره وخضع لاختيار الله خضوعاً تاما يكون كالمؤمنين الأوائل؛ لأنهم تركوا كل الانتماءات من أجل الله تعالى. ثم يختتم الحق سبحانه سورة الأنفال بهذه الآية الكريمة: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمِْ...}
همام الصنعاني
تفسير : 1036- عبد الرزاق، قال معمر، قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: [الآية: 75]، {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ} [التوبة: 1] قال: يقال: إنهما سورة واحدة: الأنفال والتوبة، فلذلك لم يكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم. قال ابن جريج عن عطاء: يقولون: إن الأنفال والتوبة سورة واحِدة، فلذلك لم يُكْتَب بَيْنَهُمَا بسم الله الرحمن الرحيم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):