Verse. 1234 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَہَاجَرُوْا وَجٰہَدُوْا فِيْ سَبِيْلِ اللہِ وَالَّذِيْنَ اٰوَوْا وَّنَصَرُوْۗا اُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الْمُؤْمِنُوْنَ حَقًّا۝۰ۭ لَہُمْ مَّغْفِرَۃٌ وَّرِزْقٌ كَرِيْمٌ۝۷۴
Waallatheena amanoo wahajaroo wajahadoo fee sabeeli Allahi waallatheena awaw wanasaroo olaika humu almuminoona haqqan lahum maghfiratun warizqun kareemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آوَوْا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم» في الجنة.

74

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} لما قسم المؤمنين ثلاثة أقسام بين أن الكاملين في الإيمان منهم هم الذين حققوا إيمانهم بتحصيل مقتضاه من الهجرة والجهاد وبذل المال ونصرة الحق، ووعد لهم الموعد الكريم فقال. {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} لا تبعة له ولا منة فيه، ثم ألحق بهم في الأمرين من سيلحق بهن ويتسم بسمتهم فقال:

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا، عطف بذكر مالهم في الآخرة، فأخبر عنهم بحقيقة الإيمان؛ كما تقدم في أول السورة، وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب إن كانت، وبالرزق الكريم، وهو الحسن الكثير الطيب الشريف، وهو دائم مستمر أبداً، لا ينقطع ولا ينقضي ولا يسأم ولا يمل؛ لحسنه وتنوعه. ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة، كما قال: {أية : وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [التوبة: 100] الآية، وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [الحشر: 10] الآية. وفي الحديث المتفق عليه بل المتواتر من طرق صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : المرء مع من أحب» تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : من أحب قوماً فهو منهم» تفسير : وفي رواية: «حشر معهم». وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء لبعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة» تفسير : قال شريك: فحدثنا الأعمش عن تميم بن سلمة عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، تفرد به أحمد من هذين الوجهين. وأما قوله تعالى: {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} أي: في حكم الله. وليس المراد بقوله: {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ} خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث؛ كالخالة والخال، والعمة، وأولاد البنات، وأولاد الأخوات، ونحوهم؛ كما قد يزعمه بعضهم، ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحاً في المسألة، بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات؛ كما نص عليه ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولاً، وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص، ومن لم يورثهم، يحتج بأدلة من أقواها حديث: «حديث : إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» تفسير : قالوا: فلو كان ذا حق، لكان ذا فرض في كتاب الله مسمى، فلما لم يكن كذلك، لم يكن وارثاً، والله أعلم. آخر تفسير سورة الأنفال. ولله الحمد والمنة، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } في الجنة.

البقاعي

تفسير : ولما تقدمت أنواع المؤمنين: المهاجر والناصر والقاعد، وذكر أحكام موالاتهم، أخذ يبين تفاوتهم في الفضل فقال: {والذين آمنوا} أي بالله وما أتى منه {وهاجروا} أي فيه من يعاديه سابقين مع نبيه صلى الله عليه وسلم {وجاهدوا} أي بما تقدم من المال والنفس أو بأحدهما {في سبيل الله} أي الذي له صفات الكمال فبذلوا الجهد في إذلالهم كما بذل الأعداء الجهد في إذلالهم، ولم يذكر آلة الجهاد لأنها - مع تقدم ذكرها لازمة {والذين آووا} أي من هاجر إليهم {ونصروا} أي حزب الله، وأعلم بقوله: {أولئك} أي الصنفين الأولين خاصة {هم المؤمنون حقاً} أي حق الإيمان، لأنهم حققوا أيمانهم: المهاجر بالانسلاخ من كل ما يحبه من الأمور الدنيوية، والناصر من جميع أهل الكفر بإيواء أهل الله ونصرتهم. ولما بين وصفهم، بين ما حباهم به بقوله دالاً على أن الإنسان محل النقصان، فهو - وإن اجتهد حتى كان من القسم الأعلى - لا ينفك عن مواقعة ما يحتاج فيه إلى الغفران: {لهم مغفرة} أي لزلاتهم وهفواتهم، لأن مبنى الآدمي على العجز اللازم عنه التقصير وإن اجتهد، والدين متين فلن يشاده أحد إلا غلبه؛ ولما ذكر تطهيرهم بالمغفرة، ذكر تزكيتهم بالرحمة فقال: {ورزق} أي من الغنائم وغيرها في الدنيا والآخرة {كريم*} أي لا كدر فيه بوجه، لا في قطعه ولا في نقصانه ولا في شيء من شأنه. ولما حصر المؤمنين حقاً في الموصوفين، بين أن من ترك ما هو عليه من لزوم دار الكفر والقعود عن الجهاد، لحق بمطلق درجتهم وإن كانوا فيها أعلى منه فقال ذاكراً القسم الرابع: {والذين آمنوا} ولما كانوا قد تأخروا عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مدة، أدخل الجار فقال: {من بعد} أي من بعد تأخر إيمانهم عن السابقين {وهاجروا} أي لاحقين للسابقين، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم من هاجر بعد الحديبية، قال: وهي الهجرة الثانية {وجاهدوا معكم} أي من تجاهدونه من حزب الشيطان {فأولئك منكم} أي لهم ما لكم وعليهم ما عليكم من المواريث والمغانم وغيرها، لأن الوصف الجامع هو المدار للأحكام وإن تأخرت رتبتهم عنكم كما أفهمته أداة البعد. ولما بين أنهم منهم، بين أنه متى جمعهم الوصف المحصل للولاية، كان القرب في الرحم أولى من غيره فقال: {وأولو الأرحام} أي من المؤمنين الموصوفين {بعضهم أولى ببعض} أي في الإرث وغيره من المتصفين بولاية الدين الخالية عن الرحم {في كتاب الله} أي القرآن أو في حكمه وقسمه الذي أنزله إليكم الملك الأعظم في آيات الإرث، وهي مقيدة بالعصبات فنسخت الولاية فلا دلالة على توريث غيرهم، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة المنذر بن عمرو أن بدراً قطعت المواخاة بين الصحابة رضي الله عنهم، يعني فتكون هذه الآية ناسخة آية{بعضهم أولياء بعض} وتكون تلك حينئذ مبينة أمر ما كان قبل غزوة بدر - وهو حسن، والآية التي في سورة الأحزاب مؤيدة له، ثم علل سبحانه ما ذكر بما يرغب فيه فقال: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال كلها {بكل شيء عليم*} فهو يعلم أن هذا هو الذي تدور عليه المصلحة وتدوم به الألفة كما علم في أول الأمر أن نوط الإرث وغيره من لوازم القرب بالأخوة الإسلامية أولى لما في ذلك من تكثير قلتكم ونصر ذلتكم وجمع شتاتكم وجعل ما بينكم من الأخوة كلحمة النسب، فأما الآن فقد ضرب الدين بجرانه، وثبت بقواعده وأركانه، وولى الكفر بسلطانه، ونكص مدبراً بأعوانه، فتوارثوا بالإسلام والقرابة وتقاطعوا الكفار، وقربوا وبعدوا، وانحازوا عنهم كما انحازو عنكم، وتبرؤوا منهم كما تبرؤوا منكم، فقد انطبق آخر السورة بالإعراض عن الدنيا وإصلاح ذات البين وبيان المؤمنين حقاً وتقليد العليم في جميع الأعمال من غير اعتراض - على أولها، وببيان من يوالي ومن يعادي على أول براءة - والله الموفق.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ان الذين شاهدوا بارواحهم مشاهدة الازل حين عرف سبحانه نفسه لها بتحقيق الخطاب بقوله الست بربكم قالوا بلى فصحبها انوار مشاهدته من الازل الى الابد بنعت المعانية وحلاوة السماع ومواجيد واردات القرب مع اتصال نورا الغيب على السرمدية وهاجروا عن حظوظ طباعها من الاكوان والحدثان وجاهدوا فى مكائدتها فى محل الامتحان مع النفس والشيطان لرضى الرّحمن وجوف الهجران فلما اتصفوا بهذه الاوصاف حصل لهم حقائق الايمان وعرفان وسمَّاهم محققين فى الايقان بقوله {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} ثم ذكر امتنان عليهم بغفرانه اياهم حركات ضمائرهم فى وقت الامتحان وتقصيرهم فى حقيقة العرفان وكشف جماله لهم فى مرآة البرهان بقوله {لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} سرّهم عن عين القهر حتى لا تصل اليهم ضرب عين القهريات ورزقهم رزق قربة بكشف المواصلات قال ابو يزيد جهاد النفس فى هجرانها نزعها عن المالوفات واجراؤها على سبيل الله باسقاط العلائق عن المال والاهل وذلك قوله وهاجروا وجاهدوا وقال بعضهم اى فارقوا قرناء السوء والاعمال القبيحة والدعاوى الباطلة قال بعضهم امنوا ببذل القلوب لله وهاجروا ببذل الاملاك لله وجاهدوا بذلوا الروح لله فى سبيل الله فمن بذل قلبه لمحبته وبذل ملكه لرضاه وبذل نفسه وروحه لاعزاز دينه كان محبا حقيقة ومن كان محبا حقيقة كان مومنا حقاً قال ابو بكر الفارس فضل اصحاب النبى صلى الله عليه وسلم بشيئين بصحبتهم مع النبى صلى الله عليه وسلم والمجاهدة معه وهجرانهم الى الله بالسرائر وغربتهم مع انفسهم الا ترى الله يقول الذين امنوا من طوارق الخذلان وهاجروا بقلوبهم فى ملكوت الغيوب وجاهدوا انفسهم على طاعة رسوله اولئك ههم المؤمنون حقا حقيقة ايمانهم ما قدم من الثناء عليهم والله اعلم.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين آمنوا} بجميع ما يجب ان يؤمن به اجمالا وتفصيلا {وهاجروا} اوطانهم تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبا لمرضاة الله {وجاهدوا} الكفار والمجاهدة. والجهاد [باكسى كارزار كردن درراه خداى] {فى سبيل الله} هو دين الاسلام والاخلاص الموصلان الى الجنة ودرجاتها {والذين آووا} اى ضموا المؤمنين الى انفسهم فى مساكنهم ومنازلهم وواسوهم يقال اويت منزلى واليه اويا نزلته بنفسى وسكنته واوّيته وآويته انزلته والمأوى المكان فالايواء بالفارسية [جايكاه دادن] {ونصروا} اى اعانوهم على اعداءهم فالموصول الاول عبارة عن المهاجرين الاولين والثانى عن الانصار كما سبق {اولئك هم المؤمنون} ايمانا {حقا} لانهم حققوا ايمانهم بتحصيل مقتضاه من الهجرة والجهاد وبذل المال ونصرة الحق. فالآية الاولى مذكورة لبيان حكمهم وهو انهم يتوارثون ويتولى بعضهم بعضا فى الميراث. هذه الاية مذكورة لبيان ان الكاملين فى الايمان منهم هم المهاجرون الاولون والانصار لا غيرهم فلا تكرار {لهم مغفرة} لذنوبهم {وزرق كريم} اى واسع كثير يطعمهم الله تعالى فى الجنة طعاما يصير كالمسك رشحا ولا يستحيل فى اجوافهم نجوا وهو ما يخرج من البطن من ريح او غائط ثم ألحق بهم فى الامرين من سيلحق بهم ويتسم بسمتهم فقال {والذين آمنوا من بعد} اى من بعد الهجرة الاولى {وهاجروا} بعد هجرتكم {وجاهدوا معكم} فى بعض مغازيكم {فأولئك منكم} اى من جملتكم ايها المهاجرون والانصار وهم الذين جاؤا من بعدهم {أية : يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان} تفسير : [الحشر: 10] ألحقهم الله بالسابقين وجعلهم منهم تفضلا منه وترغيبا فى الايمان والهجرة -روى- ان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم آخى بين المهاجرين والانصار فكان المهاجر يرثه اخوه الانصارى دون قريبه الغير المهاجر وان كان مسلما. فنسخ الله تعالى ذلك الحكم بقوله {واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} آخر منهم فى التوارث من الاجانب {فى كتاب الله} اى فى حكمه {إن الله بكل شيء عليم} ومن جملته ما فى تعليق التوارث بالقرابة الدينية اولا بالقرابة النسبية آخرا من الحكم البالغة شعر : نه در احكام اوست جون وجرا نه در افعال او جكونه وجند تفسير : اعلم ان المهاجرين الاولين من حيث انهم اسسوا قاعدة الايمان واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم افضل من الانصار يدل عليه قوله عليه السلام "حديث : لولا الهجرة لكنت امرءاً من الانصار " .تفسير : فان المراد منه اكرام الانصار بان لا رتبة بعد الهجرة اعلى من نصرة الدين. والمهاجرون على طبقات. منهم من هاجر معه عليه السلام او بعد هجرته قبل صلح الحديبية وهو فى سنة ثنتين من الهجرة وهم المهاجرون الاولون. ومنهم من هاجر بعد صلح الحديبية قبل فتح مكة وهم أهل الهجرة الثانية. ومنهم ذو هجرتين هجرة الى الحبشة وهجرة الى المدينة وكانت الهجرة الى المدينة بعد ان هاجر اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضا على المؤمن المستطيع ليكون فى سعة أمر دينه ولينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في اعلاء كلمة الله فلما فتح مكة اعلمهم بأن الهجرة المفروضة قد انقطعت وانه ليس لاحد بعد ذلك ان ينال فضيلة الهجرة وان ينازع المهاجرين فى مراتبهم. واما الهجرة التى تكون من المسلم لصلاح دينه الى مكة او الى غيرها فانها باقية ابدا الدهر غير منقطعة وفى الحديث "حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " .تفسير : وفى الحديث "حديث : من زارنى بعد موتى فكأنما زارنى فى حياتى ومن مات باحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة " تفسير : وروى الامام فى الاحياء ان النبى عليه الصلاة والسلام لما عاد الى مكة استقبل الكعبة وقال انك خير ارض الله واحب بلاد الله الىّ ولولا انى اخرجت منك ما خرجت فما هو محبوب للنبى عليه السلام محبوب لامته ايضا فالاقامة بمكة مع الوفاء بحق المقام افضل كيف لا والنظر الى البيت عبادة والحسنات فيها مضاعفة وللقاصر عن القيام بحق الموضع ترك الاقامة فان بعض العلماء كرهها لمثله -حكى- ان عمر بن العزيز وامثاله من الامراء كان يضرب فسطاطين فسطاطا فى الحل وفسطاطا فى الحرم فاذا اراد ان يصلى او يعمل شيئاً من الطاعات دخل فسطاط الحرم رعاية لفضل المسجد الحرام واذا اراد ان يأكل او يتكلم او غير ذلك خرج الى فسطاط الحل ومقدار الحرم من قبل المشرق ستة اميال ومن الجانب الثانى اثنى عشر ميلا ومن الجانب الثالث ثمانية عشر ميلا ومن الجانب الرابع اربعة وعشرون ميلا هكذا قال الفقيه ابو جعفر. وكما ان للاماكن الشريفة والبقاع المنيفة قدرا وحرمة عند الله تعالى وعند الناس فكذا القلوب الصافية لاهل الكمالات الوافية بل خطرها اعظم شعر : مسجدى كواندرون اولياست سجده كاه جمله است آنجا خداست آن مجازاست اين حقيقت اى خران نيست مسجد جزدرون سروران تفسير : وفى قوله تعالى {فأولئك منكم} اشارة الى ان كل سالك صادق سلك طريق الحق من المتأخرين على قدم الايمان والهجرة والجهاد الحقيقى فهو من المتقدمين لانه ليس عند الله صباح ولا مساء فالواصلون كلهم كنفس واحدة وهم متبرئون من الزمان والمكان استوى عندهم الامس واليوم والغد والقرب والبعد والعلو والسفل ولهذا قال عليه السلام "حديث : امتى كالمطر لا يدرى اولهم خير ام آخرهم" تفسير : وعند المتأخرين من اخوانه وقال "تفسير : واشوقاه الى لقاء اخوانى" تفسير : هذا وكان الحسن اذا قرأ سورة الانفال قال طوبى لجيش قائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبارزهم اسد الله وجهادهم طاعة الله ومددهم ملائكة الله وثوابهم رضوان الله نسال الله تعالى ان يوفقنا لصالحات الاعمال وحسنات الاقوال والاحوال وان تجعلنا مشغولين بطاعة الله فى كل آن وحال

ابن عجيبة

تفسير : قال البيضاوي: لما قسم المؤمنين ثلاثة أقسام، ـ أي: مهاجرين، وأنصار، ومن آمن ولم يهاجر ـ بين أن الكاملين في الإيمان منهم هم الذين حققوا إيمانهم، بتحصيل مقتضاه من الهجرة، والجهاد، وبذل المال، ونصرة الحق، ووعد لهم الوعد الكريم، فقال: {لهم مغفرة ورزق كريم}؛ لا تبعة له، ولا فتنة فيه. ثم ألحق بهم في الأمرين من يلتحق بهم ويتسم بسمتهم فقال: {والَّذيِنَ ءَامَنُوا مِن بَعدُ وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا مَعَكُم فَأُولَئِكَ مَنكُم...} أي: من جملتكم أيها المهاجرين والأنصار. هـ. ثم نسخ الميراث المتقدم، فقال: {... وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. يقول الحق جل جلاله: {وأولُوا الأرحامِ} من قرابة النسب، {بعضُهم أوْلى ببعض} في التوارث من الأجانب، وظاهره: توريث ذوي الأرحام، كالخال والعمة وسائر ذوي الأرحام، وبه قال أبو حنيفة، ومنعه مالك، ورأى أن الآية منسوخة بآية المواريث التي في النساء، أو يراد بالأولية: غير الميراث، كالنصرة وغيرها. وقوله: {في كتابِ الله} أي: في القرآن، أو اللوح المحفوظ. {إن الله بكل شيء عليم} من أمر المواريث وغيرها، أو عليم بحكمة إناطتها بنسبة الإسلام والمظاهرة أولاً، بالقربة ثانياً، والله تعالى أعلم. الإشارة: الناس ثلاثة: عوام، وخواص، وخواص الخواص. فالعوام: هم الذين لا شيخ لهم يصلح للتربية. والخواص: هم الذين صحبوا شيخ التربية، ولم ينهضوا إلى مقام التجريد. وخواص الخواص: هم الذين صحبوا شيخ التربية وتجردوا ظاهراً وباطناً، خربوا ظواهرهم، وعمّوا بواطنهم، وهم الذين خاضوا بحار التوحيد، وذاقوا أسرار التفريد. وهم الذين أشار المجذوب إلى مقاومهم بقوله: شعر : يا قارئين علم التوحيد هنا البحور اليَّ تغْبي هذامقام أهل التجريد الواقفين مع ربي تفسير : فأهل التجريد، كالمهاجرين والأنصار، وأهل الأسباب من أهل النسبة، كمن لم يهاجر من الصحابة، ومن تجرد بعدُ ودخل معهم، والتحق بهم. قال تعالى؛ قا ل تعالى؛ {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم}، ومن لا نسبة له كمن لا صحبة له، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله، وصحبه، وسلم تسليماً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية ان الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله وهاجروا من ديارهم وأوطانهم، يعني من مكة إلى المدينة، وجاهدوا مع ذلك في سبيل الله وقتال اعدائه. والذين آووا من الأنصار ومعناه ضموهم اليهم ونصروا النبي صلى الله عليه وآله بأنهم المؤمنون حقاً، وقيل في معناه قولان: احدهما انهم المؤمنون الذين حققوا ايمانهم لما يقتضيه من الهجرة والنصرة بخلاف من اقام بدار الشرك. الثاني - قال ابو علي الجبائي: معناه انهم المؤمنون حقاً، لان الله حقق ايمانهم بالبشارة التي بشرهم بها، ولو لم يهاجروا ولم ينصروا لم يكن مثل هذا. واختلفوا في هل تصح الهجرة في هذا الزمان أو لا؟ فقال قوم: لا تصح لان النبي صلى الله عليه وآله قال: حديث : لا هجرة بعد الفتح تفسير : ولأن الهجرة انتقال من دار الكفر إلى دار الاسلام على هجر الاوطان، وليس يقع مثل هذا في هذا الزمان لاتساع بلاد الاسلام إلا أن يكون نادراً لا يعتد به. وقال الحسن: بقيت هجرة الاعراب إلى الامصار إلى يوم القيامة. والأقوى أن يكون حكم الهجرة باقياً، لأن من أسلم في دار الحرب ثم هاجر إلى دار الاسلام كان مهاجراً، وسمي الجهاد في سبيل الله لأنه طريق إلى ثواب الله في دار كرامته. وقوله {لهم مغفرة ورزق كريم} اخبار منه تعالى أن لهؤلاء المغفرة لذنوبهم والرزق الكريم يعني العظيم الواسع والكريم الذي يصح منه الكرم من غير مانع. والكرم الجود العظيم والشرف قال الشاعر: شعر : تلك المكارم لأقعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا تفسير : وقيل: الرزق الكريم هنا طعام الجنة لانه لا يستحيل إلى أجوافهم نجواً بل يصير كالمسك ريحاً.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} كرّره بلفظه احضاراً لهم بمديحتهم واشعاراً بعلّة الحكم {لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} علوىّ لا كالارزاق الارضيّة التّى فى تحصيلها كلفة ومشقّة وحال الارتزاق فيها زحمة وبعد الارتزاق حاجة الى المدافعة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا} يعني الأنصار {أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ} أي لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي الجنة. { وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِن بَعْدُ} أي: من بعد فتح مكة {وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ} أي مع النبي عليه السلام والمؤمنين { فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ} أي مؤمنون مثلكم، ولا هجرة بعد فتح مكة. قال الحسن: يعني الهجرة التي كانت مع النبي عليه السلام. قال: إلا أن الهجرة إلى الأمصار قائمة إلى يوم القيامة. ذكروا أن صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو ورجل آخر قد سموه قدموا على النبي عليه السلام المدينة فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إنا سمعنا أنه لا يدخل الجنة إلا من هاجر. فقال: إن الهجرة قد انقطعت، ولكن جهاد ونية حسنة. ثم قال: أقسمت عليك أبا وهب، يعني صفوان بن أمية، لترجعن إلى أباطيح مكة. قوله: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. ذكروا أن أبا بكر الصديق قال: إن هذه الآية التي ختم الله بها سورة الأنفال: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} ممن جرت الرحم من العصبة. ذكروا أن مجاهداً قال: هذه الثلاث الآيات في خاتمة الأنفال فيهن ذكر ما كان كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مهاجري المسلمين من كانوا وبين الأنصار في الميراث، ثم نسخ ذلك في آخر السورة: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {والَّذين آمنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا فى سَبيلِ اللهِ والَّذينَ آووْا ونَصرُوا أولئك هُم المؤمنُونَ حقًّا} كرر ذلك لتأكيد الهجرة، ولتعظيم المهاجرين والأنصار، كذا قيل: ومراد قائله تكرار ذكر: المؤمنين المهاجرين المجاهدين، والمؤوين الناصرين لا تكرار الجملة، وإلا فهذه حكم لهم بكمال الإيمان وما بعده من المغفرة والرزق، والأولى فى الموالاة، بل قال بعضهم: المراد فى الأولى المهاجرون الأولون، وهم من هاجر إلى المدينة أولا، وفى الثانية المهاجرون إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وهم أصحاب الهجرتين، فلو قيل: المراد فى الأولى المهاجرون أو غيرهم، وفى الثانية أصحاب الهجرتين تخصيصا لهم بالذكر بعد العموم لكان أولى. {لَهم مغْفرةٌ} عظيمة {ورزْقٌ كَريمٌ} حسن واسع دائم لا ينغصه شئ، لا تبعة فيه ولا منة، ولا تعب، ولا يستحيل غائطا ولا بولا خالص عن كل مذمة.

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللهِ} هم المهاجرون الآخرون بعد الحديبية وقبل الفتح إِذ وضعت الحرب أَوزارها عامين بالصلح الواقع فى الحديبية وكان - قيل - على عشر سنين، ومات صلى الله عليه وسلم قبل تمامها، وانتقض ببعض أَهل مكة بقتل خزاعة وهم فى ذمته صلى الله عليه وسلم فكان الفتح، وقيل: المراد من هاجروا بعد هذه الآية، وقيل: من هاجر بعد غزوة بدر. وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"تفسير : . فمن أَسلم فى موضع ولو فى بريش جاز له المقام فيه إِن عرف دينه ولم يمنع من إِظهاره، وقيل: لو منع من إِظهاره إِن كان يفعله سرا. والهجرة طبقات، هجرة إِلى المدينة وأَهلها المهاجرون الأَولون، وهجرة إِلى الحبشة ثم منها إِلى المدينة وأَهلها أَصحاب الهجرتين، وهجرة بعد صلح الحديبية وقبل الفتح، ويجوز أَن يراد هنا المهاجرون الأَولون المذكورون فى قوله تعالى: إِن الذين، إِلخ، لأَن ما هنالك لبيان أَن بعضهم وبعض الأَنصار أَولياء بعض، وما هنا فى بيان أَنهم كاملوا الإِيمان وأَن لهم مغفرة ورزقا كريما، كما قال {وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} أَى إِيمانا كاملا، إِلا أَنه لم يقل بأَموالهم وأَنفسهم اكتفاء بذكره أَولا {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} عظيمة لذنوبهم {وَرِزْقٌ} عظيم فى الجنة {كَرِيمٌ} لا نقص فيه ولا زوال ولا تكدر بشئٍ، وإِن أُريد بهذه الآية المهاجرون الأَولون فالمهاجرون الآخرون فى قوله عز وجل: {والَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ} بعد المهاجرين الأَولين أَو بعد الحديبية وبيعة الرضوان، والماصدق واحد {وَهَاجرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ} بأَموالهم وأَنفسهم {فَأُولئِك مِنْكُمْ} أَيها المهاجرون الأَولون والأَنصار، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم من التوارث والمغانم والنصر، وغير ذلك، وفى قوله منكم تفضيل للأَولين والأَنصار عليهم لأَنه استلحاق، فالخلاف فى فضل المهاجرين على الأَنصار أَو الأَنصار على المهاجرين إِنما يتم فى المهاجرين الأَولين، وأَما المتأَخرون فالأَنصار أَفضل منهم، وإِن أُريد بقوله عز وجل{من بعد}بما بعد الهجرة الثانية، أَو المهاجرين ثانيا، وقيل: المراد من بعد نزول الآية، فيكون المعنى والذين يؤمنون من بعد ويهاجرون ويجاهدون وهم أَهل الهجرة الثالثة، وقيل من بعد بدر {وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} فى الميراث والنصر، أَى الإِرث بالنسب أَولى من الإِرث بالإِسلام والهجرة فهذا ناسخ للإِرث بالإِسلام والهجرة، ونسخ للإِرث بالمخالفة، فقيل: أُولو الأَرحام هم من ذكر الله من الورثة بالنسب فى سورة النساءِ، وقيل: أُولو الأَرحام القرابة الذين لا ذكر لهم فيها، ولم يوجد واحد منهم كالخال والخالة وبنت الأَخ وبنت العم لمجئ الحديث بأَن الخال وارث من لا وارث له، وبه نقول نحن وأَبو حنيفة، وعن ابن عباس: كانوا يتوارثون بالهجرة والإِخاءِ حتى نزلت {وأُولو الأَرحام بعضهم أَولى ببعض} أَى فى الإِرث، وبالأَول قال الشافعى، وهو أَن المراد من فى سورة النساءِ غير الأَزواج، وعنه أَن المراد العصبة الذين يرثون ما بقى عمن ذكر فى سورة النساءِ، واحتج بقوله تعالى {فِى كِتَابِ اللهِ} وفسره بحكم الله الذى حكم به فى سورة النساءِ، ويشكل عليه أَنه لم يذكر هنا ولا فى النساءِ أَن الباقى بعد الفروض للعصبة، وإِنما يصلح بلا إِشكال إِذا فسروا أَولو الأَرحام بما فى النساءِ غير الأَزواج لا بخصوص العصبة، مع أَنه لا مانع من كون كتاب الله اللوح المحفوظ أَو القرآن أَو حكم الله لا بخصوص كونه ما فى النساءِ، وعلى كل حال لنا حجة على إِرث ذوى الأَرحام كالخال والعم للأُم وهو الحديث، ويقدم عند قوم المعتق على نحو الخال والخالة، وعكس ابن مسعود وخالفه ابن عباس وسائر الصحابة وهو متعلق بأُولو، أَو خبر لمحذوف، أَى ما ذكر ثابت فى كتاب الله، وكان المهاجر يرثه أَخوه الأَنصارى إِذا لم يكن للمهاجر وارث فى المدينة ولا يرثه وليه الذى لم يهاجر. ولو أَسلم إِلى أن فتحت مكة فكان التوارث بالنسب لنسخ الهجرة، والمهاجر يرث الأَنصارى وحده قبل النسخ ولو كان للأَنصارى وارث مسلم فى المدينة لأَنه هو الذى التزم لوجه الله بالتناصر للمهاجر {إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} من تفصيل المواريث وغيرها، وفى الآية إِشارة إِلى الإِغراء بصلة الرحم وإِلى ضعف القول بأَنه يكفى أَنك نويت الاتصال بينك وبينهم ولم تنو أَن تطعمهم، والحديث يحض على وصلهم بالمال والبدن والجاه، ونية النفع إِن لم تجد. ثم إِن كان ذهابك إِليهم يثقل عليهم فاقتصر على النفع بلا ذهاب ولا سيما إِن كانوا فقراءَ، ففى ذهابك إِليهم جمع مئونة نزولك مع ما هم فيه من الفقر.. وقد قيل إِنه لا يكرم الإِنسان بما يكرهه لأَن فيه مضرة الكره وإِفساد لما يكرم به حتى إِن كانت لك رغبة فى طعام وكان عظيماً فى الحسن فلا تكرم به رحمك إِن كرهه، وكذا غيره فإِنه يكره مجيئك فلا تجئه، وإِن كره كلاماً فلا تقله له إِلا ما أَمر به الشرع كالسلام فقله.. والله أَعلم ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلى العظيم..

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} كلام مسوق للثناء على القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة للمؤمنين وهم المهاجرون والأنصار بأنهم الفائزون بالقدح المعلى من الإيمان مع الوعد الكريم بقوله سبحانه: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} لا يقادر قدرها {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي لا تبعة له ولا منة فيه، وقيل: هو الذي لا يستحيل نجوا في الأجواف وهو رزق الجنة.

ابن عاشور

تفسير : الأظهر أنّ هذه جملة معترضة بين جملة {أية : والذين كفروا بعضهم أولياء بعض}تفسير : [الأنفال: 73]، وجملة {أية : والذين آمنوا من بعد وهاجروا}تفسير : [الأنفال: 75] الآية، والواو اعتراضية للتنويه بالمهاجرين والأنصار، وبيان جزائهم وثوابهم، بعد بيان أحكام ولاية بعضهم لبعض بقوله: {أية : إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله}تفسير : [الأنفال: 72] إلى قوله: {أية : أولئك بعضهم أولياء بعض}تفسير : [الأنفال: 72] فليست هذه تكريراً للأولى، وإن تشابهت ألفاظها: فالأولى لبيان ولاية بعضهم لبعض، وهذه واردة للثناء عليهم والشهادة لهم بصدق الإيمان مع وعدهم بالجزاء. وجيء باسم الإشارة في قوله:{أولئك هم المؤمنون} لمثل الغرض الذي جيء به لأجله في قوله: {أية : أولئك بعضهم أولياء بعض}تفسير : [الأنفال: 72] كما تقدّم. وهذه الصيغة صيغة قصر، أي قصر الإيمان عليهم دون غيرهم ممّن لم يهاجروا، والقصر هنا مقيّد بالحال في قوله: {حَقّاً}. فقوله: {حقّا} حال من {المؤمنون} وهو مصدر جعل من صفتهم، فالمعنى: أنّهم حاقّون، أي محقّقون لإيمانهم بأن عضّدوه بالهجرة من دار الكفر، وليس الحقّ هنا بمعنى المقابل للباطل، حتّى يكون إيمان غيرهم ممّن لم يهاجروا باطلاً، لأنّ قرينة قوله: {أية : والذين آمنوا ولم يهاجروا}تفسير : [الأنفال: 72] مانعة من ذلك، إذ قد أثبت لهم الإيمان، ونفى عنهم استحقاق ولاية المؤمنين. والرزق الكريم هو الذي لا يخالط النفع به ضرّ ولا نكد، فهو نفع محض لا كدر فيه.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {وَجَاهَدُواْ} {آوَواْ} {أُولَـٰئِكَ} (74) - فِي الايَاتِ السَّابِقَةِ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حُكْمَ المُؤْمِنينَ فِي الدُّنْيا، ثُمَّ عَطَفَ فِي هَذِهِ الآيَةِ عَلَى ذِكْرِ مَا لَهُمْ فِي الآخِرَةِ فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ بِحَقِيقَةِ الإِيمَانِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى سَيَجْزِيهِمْ بِالصَّفْحِ وَالمَغْفِرَةِ عَنِ الذُنُوبِ، وَبِالرِّزْقِ الكريم الحَسَنِ الطَّيِّبِ، الذِّي لاَ يَنْقَطِعُ وَلاَ يَنْقَضِي، وَلاَ يُسْأَمُ وَلاَ يُمَلُّ حُسْنُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي إياكم أن تقولوا بأنهم لم يهاجروا معكم. وتنكروا أنهم منكم. بل هم منكم وأولياؤكم فهم قد اتبعوكم بإحسان. وما الذي جعل الحق سبحانه وتعالى يذكر هذا مرة أخرى؟. لقد تكلم سبحانه وتعالى عن الذين آمنوا وجاهدوا في سبيل الله والذين نصروا، ولننتبه إلى أن هذا ليس تكراراً لأنه سبحانه وتعالى يذكر لنا هنا أنهم جاهدوا بالمال والنفس. وقد جاءت هذه الآية لتثبيت الحكم الشرعي. وانظر إلى عجز كل آية لتعرف. ففي عجز هذه الآية: {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74]. والحكم الشرعي بالنسبة لهم هو أن يكونوا أولياء بعض، وهذا ما ذكره الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة حيث يقول: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}تفسير : [الأنفال: 72]. أي أعطانا الحكم الشرعي في ولاية بعضهم لبعض. وأوضح أن هؤلاء لا بد أن يكونوا أولياء، وهذا هو الحكم المطلوب منهم، ولكنه سبحانه في هذه الآية الكريمة: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} [الأنفال: 74]. فلم يتكلم الحق سبحانه وتعالى هنا عن الولاية ولم يعط حكماً بها، وإنما قال سبحانه وتعالى: {هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} وهذا حصر يسمونه قصراً، أي أن غيرهم لا يكون مؤمنا حقا، مثلما تقول: فلان هو الرجل، يعني أن غيره لا تعد رجولته كاملة من كل نواحيها. وهذه مبالغة إيمانية. ثم يذيل الحق سبحانه وتعالى الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله الكريم: {لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74]. وهنا يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن الجزاء. والجزاء إما أن يكون في الدنيا، ولذلك حكم الله لهم بأنهم هم المؤمنون حقا، وإما أن يكون الجزاء في الآخرة. وجزاء الآخرة يمحو السيئات ويرفع الدرجات فقوله: {لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ} أي تمحي سيئاتهم. وقوله تعالى: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي تضاعف لهم الحسنات في الجنة. فكأن الآية الأولى كان مقصوداً بها حكم الولاية. وهو حكم مطلوب منهم. والآية الثانية تكلمت عن الجزاء وبينت جزاءهم في الدنيا والآخرة. والجزاء في الدنيا أنهم هم المؤمنون حقا، أمَّا الجزاء في الآخرة فهو محو الذنوب حتى لا يعاقبوا. ورفع درجاتهم بإعطائهم الثواب؛ وهو رزق كريم. والمغفرة لهم على قليل الذنوب؛ لأنه لا يوجد أحد بلا كبوة في شيء من الأشياء ولا أحد معصوم مثل الرسل فهم وحدهم الذين عصمهم الله من الوقوع في المعاصي، ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يغفر لمن ذكرهم في هذه الآية النزوات الصغيرة، ولهم رزق كريم أيضاً. والرزق هو ما انتفع به الإنسان، وإن كان الناس ينظرون إلى الرزق على أنه المادة فقط؛ من مال وأرض وعقار وطعام ولباس، ولكنَّ الحقيقة أن الرزق مجموع أشياء متعددة؛ منها ما هو مادي وما هو معنوي. فالاستقامة رزق، والفضيلة رزق، والعلم رزق، والتقوى رزق، وكلما امتد نفع الرزق يوصف بأنه حسن وجميل. وهنا وصف الحق الرزق بأنه كريم. والكرم هو مجموع الأشياء التي فيها محاسن. وإذا جاء الرزق بلا تعب يكون كريماً، فالهواء رزق لا عمل لك فيه؛ يمر عليك فتتنفس، والماء رزق لا عمل لك فيه لأنه يهبط عليك من السماء، والطعام رزق لك فيه عمل قليل، فأنت بذرت ورويت وانتظرت حتى جاء الثمر. إذن فهناك رزق لا عمل لك فيه مطلقاً وهو رزق في قمة الكرم، وهناك رزق لك فيه عمل ضئيل وهو رزق كريم لأنه أكبر من العمل. وأنت حين تعطي إنساناً أجره ليس هذا مناّ أو كرما منك لأنه مقابل عمل، ولكن الكرم أن تعطيه بلا مقابل. ورزق الجنة بلا مقابل لأنه بمجرد أن يخطر الشيء على بالك وتشتهيه تجده أمامك. إذن فهو رزق في قمة الكرم، والحق سبحانه وتعالى قد جعل الكرم من صفات الرزق، فالرزق يعرف عنوانك ومكانك وأنت لا تعرف عنوانه ولا مكانه لأنك قد تبذل جهداً كبيراً في زراعة أرضك ثم تأتي آفة وتصيب الزرع فلا يعطيك رزقاً. وقد تذهب إلى مكان وأنت خالي الذهن فتأتيك صفقة فيها رزق وفير. إذن فالرزق يعرف مكانك ويأتي إليك ولكنك لا تعرف أين هو. وقد حدد الله سبحانه وتعالى الرزق وقسمه على عباده، وكل رزق مقسوم لك سيصل إليك ولن يذهب إلى غيرك، وأنت قد تأكل طعاماً تلتذ به ثم يهيج معدتك فتفرغ معدتك منه، ويأتي طائر ليلتقط بعضه؛ هذا رزق الطائر تعافه أنت. وقد تأكل الطعام ويتحول إلى مكونات في دمك ثم تذهب تتبرع بهذا الدم إلى غيرك. إذن فهذا الطعام الذي أكلته وتحول إلى دم في جسدك ليس رزقك ولكنه رزق من نقل إليه الدم. ولذلك إذا قرأت القرآن تجد أن الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ} تفسير : [النحل: 112]. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : الآيات السابقات في ذكر عقد الموالاة بين المؤمنين من المهاجرين والأنصار. وهذه الآيات في بيان مدحهم وثوابهم، فقال: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ } أي: المؤمنون من المهاجرين والأنصار { هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } لأنهم صدقوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة والنصرة والموالاة بعضهم لبعض، وجهادهم لأعدائهم من الكفار والمنافقين. { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } من اللّه تمحى بها سيئاتهم، وتضمحل بها زلاتهم، { و } لهم { رِزْقٌ كَرِيمٌ } أي: خير كثير من الرب الكريم في جنات النعيم. وربما حصل لهم من الثواب المعجل ما تقر به أعينهم، وتطمئن به قلوبهم ، وكذلك من جاء بعد هؤلاء المهاجرين والأنصار، ممن اتبعهم بإحسان فآمن وهاجر وجاهد في سبيل اللّه. { فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ } لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. فهذه الموالاة الإيمانية - وقد كانت في أول الإسلام - لها وقع كبير وشأن عظيم، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار أخوة خاصة، غير الأخوة الإيمانية العامة، وحتى كانوا يتوارثون بها، فأنزل اللّه { وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } فلا يرثه إلا أقاربه من العصبات وأصحاب الفروض،فإن لم يكونوا، فأقرب قراباته من ذوي الأرحام، كما دل عليه عموم هذه الآية الكريمة،وقوله: { فِي كِتَابِ اللَّهِ } أي: في حكمه وشرعه. { إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ومنه ما يعلمه من أحوالكم التي يجري من شرائعه الدينية عليكم ما يناسبها. تم تفسير سورة الأنفال وللّه الحمد.