Verse. 1233 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

وَالَّذِيْنَ كَفَرُوْا بَعْضُہُمْ اَوْلِيَاۗءُ بَعْضٍ۝۰ۭ اِلَّا تَفْعَلُوْہُ تَكُنْ فِتْنَۃٌ فِي الْاَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيْرٌ۝۷۳ۭ
Waallatheena kafaroo baAAduhum awliyao baAAdin illa tafAAaloohu takun fitnatun fee alardi wafasadun kabeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين كفروا بعضهم أولياء بعض» في النصرة والإرث فلا إرث بينكم وبينهم «إلا تفعلوه» أي تولي المسلمين وقمع الكفار «تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» بقوة الكفر وضعف الإسلام.

73

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} في الميراث أو المؤازرة، وهو بمفهومه يدل على منع التوارث أو المؤازرة بينهم وبين المسلمين. {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ } إلا تفعلوا ما أمرتم به من التواصل بينكم وتولى بعضكم لبعض حتى في التوارث وقطع العلائق بينكم وبين الكفار. {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى ٱلأَرْضِ} تحصل فتنة فيها عظيمة، وهي ضعف الإيمان وظهور الكفر. {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} في الدين وقرىء كثير.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، قطع الموالاة بينهم وبين الكفار؛ كما قال الحاكم في مستدركه: حدثنا محمد بن صالح بن هانىء، حدثنا أبو سعيد يحيى بن منصور الهروي، حدثنا محمد بن أبان، حدثنا محمد بن يزيد وسفيان بن حسين، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً» تفسير : ثم قرأ: { وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قلت: الحديث في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» تفسير : وفي المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يتوارث أهل ملتين شتى» تفسير : وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد، عن معمر، عن الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ على رجل دخل في الإسلام، فقال: «حديث : تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وإنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب» تفسير : وهذا مرسل من هذا الوجه، وقد روي متصلاً من وجه آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين» تفسير : ثم قال: «حديث : لا يتراءى ناراهما»تفسير : وقال أبو داود في آخر كتاب الجهاد: حدثنا محمد بن داود بن سفيان، أخبرني يحيى بن حسان، أنبأنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن سمرة بن جندب: أما بعد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : من جامع المشرك، وسكن معه، فإنه مثله» تفسير : وذكر الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن هرمز، عن محمد وسعيد ابني عبيد، عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوه، تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» تفسير : قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: «حديث : إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه»تفسير : ثلاث مرات، وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث حاتم بن إسماعيل به بنحوه، ثم روي من حديث عبد الحميد بن سليمان: عن ابن عجلان عن ابن وثيمة النصري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه، تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» تفسير : ومعنى قوله: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلا وقعت فتنة في الناس، وهو التباس الأمر، واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } في النصرة والإِرث، فلا إرث بينكم وبينهم {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ } أي تولي المسلمين وقمع الكفار {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } بقوة الكفر وضعف الإِسلام.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} فيه وجهان: أحدهما: بعضهم أنصار بعض، قاله قتادة وابن إسحاق. والثاني: بعضهم وارث بعض، قاله ابن عباس وأبو مالك. {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ...} فيه تأويلان: أحدهما: إلاَّ تناصروا أيها المؤمنون {تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ} يعني بغلبة الكفار. {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} بضعف الإيمان، قاله ابن اسحاق وابن جرير. والثاني: إلاّ تتوارثوا بالإسلام والهجرة {تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ} باختلاف الكلمة. {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} بتقوية الخارج على الجماعة، قاله ابن عباس وابن زيد والله أعلم. {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(74) والَّذِينَ ءَامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ(75)}

ابن عطية

تفسير : هذا حكم بأن الكفار ولايتهم واحدة، وذلك بجمع الموارثة والمعاونة والنصرة، وهذه العبارة ترغيب وإقامة للنفوس، كما تقول لمن تريد أن يستطلع: عدوك مجتهد، أي فاجتهد أنت، وحكى الطبري في تفسير هذه الآية عن قتادة أنه قال: أبى الله أن يقبل إيمان من آمن ولم يهاجر، وذلك في صدر الإسلام، وذلك أيضاً مذكور مستوعب في تفسير قوله عز وجل: {أية : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً} تفسير : [النساء:97]. والذي يظهر من الشرع أن حكم المؤمن التارك للهجرة مع علمه بوجوبها حكم العاصي لا حكم الكافر، وقوله تعالى: {أية : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} تفسير : [النساء:97] إنما هي فيمن قتل مع الكفار، وفيهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أنا بريء من مسلم أقام بين المشركين لا تراءى ناراهما تفسير : الحديث على اختلاف ألفاظه وقول قتادة إنما هو فيمن كان يقوم متربصاً يقول من غلب كنت معه، وكذلك ذكر في كتاب الطبري والكشي، والضمير في قوله {إلا تفعلوه} قيل هو عائد على الموارثة والتزامها. قال القاضي أبو محمد: وهذا لا تقع الفتنة عنه إلا عن بعد وبوساطة كثيرة، وقيل هو عائد على المؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي، وهذا تقع الفتنة عنه عن قرب فهو آكد من الأول، ويظهر أيضاً عوده على حفظ العهد والميثاق الذي يتضمنه {أية : إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} تفسير : [الأنفال:72] وهذا إن لم يفعل فهي الفتنة نفسها، ويظهر أن يعود الضمير على النصر للمسلمين المستنصرين في الدين، ويجوز أن يعود الضمير مجملاً على جميع ما ذكر، والفتنة المحنة بالحرب وما أنجز معها من الغارات والجلاء والأسر، و "الفساد الكبير" ظهور الشرك، وقرأ جمهور الناس "كبير" بالباء المنقوطة واحدة، وقرأ أبو موسى الحجازي عن الكسائي بالثاء منقوطة مثلثة وروى أبو حاتم المدني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ "وفساد عريض"، وقرأت فرقة "والذين كفروا بعضهم أولى ببعض" وقوله تعالى: {والذين آمنوا وهاجروا} الآية، آية تضمنت تخصيص المهاجرين والأنصار وتشريفهم بهذا الوصف العظيم، و {حقاً} نصب على المصدر المؤكد لما قبله، ووصف الرزق بالكريم معناه أنه لا يستحيل نحواً، والمراد به طعام الجنة، كما ذكر الطبري وغيره ولازم اللفظ نفي المذمات عنه، وما ذكروه فهو في ضمن ذلك، وقوله {من بعد} يريد به من بعد الحديبية وبيعة الرضوان, وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة قبل ذلك، وكان يقال لها الهجرة الثانية، لأن الحرب وضعت أوزارها نحو عامين، ثم كان فتح مكة وبه قال صلى الله عليه وسلم حديث : لا هجرة بعد الفتح تفسير : ، وقال الطبري: المعنى من بعد ما بينت لكم حكم الولاية. قال القاضي أبو محمد: فكان الحاجز بين الهجرتين نزول الآية، فأخبر الله تعالى في هذه الآية بأنهم من الأولين في المؤازرة وسائر وأحكام الإسلام، وقوله تعالى: {وجاهدوا معكم} لفظ يقتضي أنهم تبع لا صدر، قوله {فأولئك منكم} كذلك، ونحوه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مولى القوم منهم وابن أخت القوم منهم"تفسير : ، وقوله {وأولو الأرحام} إلى آخر السورة، قال من تقدم ذكره هي في المواريث وهي ناسخة للحكم المتقدم ذكره من أن يرث المهاجري الأنصاري، ووجب بهذه الآية الأخيرة أن يرث الرجل قريبه وإن لم يكن مهاجراً معه، وقالت فرقة منها مالك بن أنس رحمه الله: إن الآية ليست في المواريث، وهذا فرار عن توريث الخال والعمة ونحو ذلك، وقالت فرقة: هي في المواريث إلا أنها نسخت بآية المواريث المبينة، وقوله {في كتاب الله} ، معناه القرآن أي ذلك مثبت في كتاب الله، وقيل المعنى في كتاب الله السابق في اللوح المحفوظ، و {عليم} صفة مناسبة لنفوذ هذه الأحكام، كمل تفسير سورة الأنفال.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ} أنصار بعض، أو بعضهم وارث بعض "ع" {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ} إلا تتناصروا ـ أيها المؤمنون ـ {تَكُن فِتْنَةٌ فِى الأَرْضِ} بغلبة الكفرة {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} بضعف الإيمان، أو إلا تتوارثوا بالإسلام والهجرة {تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ} باختلاف الكلمة {وَفسَادٌ كَبِيرٌ} بتقوية الخارج عن الجماعة "ع"

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ }؛ وذلك يجمع الموارثَةَ والمعاوَنَةَ والنُّصْرة، وهذه العبارةُ تحريضٌ وإِقامةٌ لنفوس المؤمنين؛ كما تقولُ لمن تريدُ تحريضَهُ: عَدُوُّكَ مُجْتَهِدٌ أي: فٱجتهدْ أَنْتَ، وحكى الطبريُّ في تفسير هذه الآية، عن قتادة؛ أنه قال: أبَى اللَّهُ أَن يقبل إِيمانَ مَنْ آمن ولم يُهَاجرْ، وذلك في صَدْر الإِسلام، وفيهم قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم « حديث : أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَقَامَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ لاَ تَتَرَاءَى نَارُهُمَا » تفسير : الحديثَ على اختلاف ألفاظه، وقول قتادة، إِنما هو فيمن كان يُقيمُ متربِّصاً يقول: مَنْ غَلَبَ، كُنْتُ معه؛ وكذلِكَ ذُكِرَ في كتاب «الطَّبريِّ»، وغيره، والضميرُ في قوله: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ }، قيل: هو عائدٌ على المُؤازرة والمعاونة، ويحتملُ على الميثاق المذكور، ويحتملُ على النَّصْر للمسلمين المستَنْصِرِينَ، ويحتمل على الموارثَة وٱلتزامَها، ويجوز أَن يعود مجملاً على جميعِ ما ذُكِرَ، والفتْنَةُ: المِحْنَة بالحَرْب وما ٱنْجَرَّ معها؛ من الغارَاتِ، والجلاءِ، والأسر، والفسادُ الكَبيرُ: ظُهُورُ الشِّرْك. وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَٰـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}، تضمَّنت الآيةُ تخصيصَ المهاجرين والأنصار، وتشريفَهم بهذا الوَصْف العظيمِ. * ت *: وهي مع ذلك عند التأمُّل يلوح منها تأويل قتادَةَ المتقدِّم، فتأمَّله، والرزْقُ الكريمُ: هو طعام الجنَّة؛ كذا ذكر الطبريُّ وغيره. قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»: وإِذا كان الإِيمان في القَلْب حقًّا، ظهر ذلك في ٱستقامة الأعمال؛ بٱمتثال الأمر وٱجتنابِ المَنْهِيِّ عنه، وإِذا كان مجازاً، قَصَّرت الجوارحُ في الأعمال؛ إذ لم تبلغ قوَّتُهُ إليها. انتهى. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ مَعَكُمْ}: قوله: «من بعد»، يريدُ به مِنْ بَعْدِ الحُدَيْبِيَةِ؛ وذلك أن الهجرة مِنْ بعدِ ذلك كانَتْ أقلَّ رتبةً من الهجرة قبل ذلك، وكان يقال لها الهِجْرَةُ الثانية، {وَجَـٰهَدُواْ مَعَكُمْ }: لفظٌ يقتضي أنهم تَبَعٌ لا صَدْرٌ. وقوله سبحانه: {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ }، قالَ مَنْ تقدَّم ذكره: هذه في المواريثِ، وهي ناسخةٌ للحُكْم المتقدِّم ذكْرُهُ. وقالتْ فرقة، منها مالك: إن الآية لَيْسَتْ في المواريث، وهذا فَرارٌ من توريثِ الخَالِ والعَمَّة ونحو ذلك. وقالَتْ فرقة: هي في المواريث، إِلا أنها نُسِخَتْ بآية المواريث المبيّنة، وقوله: {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ }: معناه: القرآن، أي: ذلك مُثْبَتٌ في كتاب اللَّه. وقيل: في اللَّوْحِ المحفوظِ. كَمَلَ تفسيرُ السُّورة، والحَمْدُ للَّهِ، وصلَّى اللَّه علَى سيِّدنا محمَّد وآله وَصَحْبِهِ وسَلَّم تسليماً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق أبي مالك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رجل من المسلمين لنورثن ذوي القربى منا من المشركين، فنزلت ‏ {‏والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير‏} ‏‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏والذين كفروا بعضهم أولياء بعض‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في مواريث مشركي أهل العرب‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏والذين كفروا بعضهم أولياء بعض‏} ‏ يعني في المواريث ‏ {‏إلا تفعلوه‏}‏ يقول‏:‏ أن لا تأخذوا في المواريث بما أمرتكم به‏. وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏المهاجرون بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً، ثم قرأ ‏ {‏والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير‏}‏‏ ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إذا جاءكم من ترضون أمانته وخلقه فانكحوه كائناً ما كان، فإن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير‏ "‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} آخرَ منهم أي في الميراث أو في المؤازرة وهذا بمفهومة مُفيدٌ لنفي الموارثةِ والمؤازرةِ بـينهم وبـين المسلمين وإيجابِ المباعدةِ والمصارمة وإن كانوا أقارب. {إِلا تَفْعَلُوه} أي ما أُمرتم به من التواصل بـينكم وتولِّي بعضِكم بعضاً حتى التوارثُ ومن قطع العلائق بـينكم وبـين الكفار {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى ٱلأَرْضِ} أن تحصُل فتنةٌ عظيمة فيها وهي ضعفُ الإيمان وظهورُ الكفر {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} في الدارين وقرىء كثير {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} كلامٌ مسوقٌ للثناء عليهم والشهادة لهم بفوزهم بالقدح المعلَّى من الإيمان مع الوعد الكريم بقوله تعالى: {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} لا تبعةَ له ولا منة فيه فلا تكرارَ لما أن مساقَ الأولِ لإيجاب التواصلِ بـينهم {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ} بعد هجرتِكم {وَجَـٰهَدُواْ مَعَكُمْ} في بعض مغازيكم {فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ} أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصارُ وهم الذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ألحقهم الله تعالى بالسابقين وجعلهم منهم تفضلاً منه وترغيباً في الإيمان والهجرة وفي توجيه الخطاب إليهم بطريق الالتفات من تشريفهم ورفعِ محلِّهم ما لا يخفى {وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} آخرَ منهم في التوارث من الأجانب {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} أي في حُكمه أو في اللوح أو في القرآن واستُدِل به على توريث ذوي الأرحام {إنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} ومن جملته ما في تعليق التوارثِ بالقرابة الدينيةِ أولاً وبالقرابة النسبـيةِ آخِراً من الحِكَم البالغة. عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ سورةَ الأنفالِ وبراءةٌ فأنا شفيعٌ له يوم القيامة وشاهدٌ أنه بريءٌ من النفاق، وأُعطِيَ عشرَ حسناتٍ بعدد كلِّ منافقٍ ومنافقةٍ وكان العرشُ وحملتُه يستغفرون له أيامَ حياتِه»تفسير : والله تعالى أعلم.

القشيري

تفسير : قَطَعَ العصمةَ بينهم وبين المؤمنين، فالمؤمنِ للأجانبِ مُجَانِبٌ، وللأقارب مقارِبٌ. والكفَّارُ بعضهم لبعضهم، كما قيل: "طيرُ السماءِ على أُلاَّفِها تقعُ".

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} آخر فى الميثاق منطوق الآية اثبات الموالاة بين الكفار والكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الايمان فالمراد منه بطريق المفهوم المخالف نهى المسلمين عن موالاتهم وموارثتهم وايجاب المباعدة بينهم ان وجد بينهم قرابة نسبية لان الموالاة بين الكفار مبنية على التناسب فى الكفر كما انها بين المؤمنين مبنية على التناسب فى الايمان فكما لا مناسبة بين الكفر والايمان من حيث ان الاول ظلمة والثانى نور فكذا لا مناسبة بين أهلها فان الكافر عدو الله والمؤمن ولى الله فوجب التقاطع وازالة الوصلة من غير الجنس: قال الحافظ شعر : نخست موعظه بير صحبت اين بندست كه از مصاحب ناجنس احتراز كنيد تفسير : {إلا} اى ان لا {تفعلوه} اى ما امرتم به من التواصل بينكم وتولى بعضكم عضا حتى فى التوارث ومن قطع العلائق بينكم وبين الكفار {تكن} تامة {فتنة فى الارض} اى تحصل فتنة عظيمة فيها وهي ضعف الايمان وظهور الكفر {وفساد كبير} فى الدارين وفيه اشارة الى مساعدة طالب النصرة بأى وجه كان فان تركها يؤدى الى الخسران وارتفاع الامان وفى الحديث "حديث : انصر اخاك ظالما او مظلوما" تفسير : ونصرة الظالم بنهيه عن الظلم وفى فتاوى ضيخان اذا وقع النفير من قبل الروم فعلى كل من يقدر على القتال ان يخرج الى الغزو اذا ملك الزاد والراحلة ولا يجوز له التخلف الا بعذر بين انتهى. وكما ان لا كلام فى فضيلة الاعانة والامداد كذلك لا كلام فى الهجرة الى ما يقوم به دين المرء من البلاد حديث : -روى- ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما نزل بالمسلمين من توالى الاذى عليهم من كفار قريش مع عدم قدرته على انقاذهم مما هم فيه قال لهم "تفرقوا فى الارض فان الله سيجمعكم" قالوا الى اين نذهب قال "ههنا" واشار بيده الى جهة الحبشةتفسير : وفى رواية حديث : قال لهم "اخرجوا الى ارض الحبشة فان بها ملكا عظيما لا يظلم عنده احد وهى ارض صدق حتى يجعل الله لكم فرحا مما انتم فيه" .تفسير : يقول الفقير اصلحه الله القدير سمعت من حضرة شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة انه قال لو كان لى مال لهاجرت من قسطنطينية الى ارض الهند لانه لا فائدة فى الاقامة مع سلطان لا غيرة له اصلا من جهة الدين ثم ذكر تورع سلطان الهند وهذا الكلام مطابق للشريعة والطريقة. وقال بعض الكبار ان الاولياء لا يقيمون فى بلاد الظلم وجاء فى الحديث "حديث : من فر بدينه من ارض الى ارض وان كان شبرا من الارض استوجب الجنة وكان رفيق ابيه خليل الله ابراهيم ونبه محمد عليهما الصلاة والسلام " .تفسير : فهاجر الى الحبشة ناس من مخافة الفتنة وفرارا الى الله تعالى بدينهم منهم من هاجر الى الله باهله ومنهم من هاجر بنفسه وهى الهجرة الاولى فمن آمن بان طلب الله تعالى حق واجب هاجر من غير الله فهاجر من افعاله القبيحة الطبيعية الى الافعال الحسنة الشرعية ومن الاوصاف الذميمة الى الاخلاق الحميدة ومن الوجود المجازى الى الوجود الحقيقى وبذل ماله ونفسه فى طلب الحق وترك كل باطل هو غير الحق: قال السيد البخارى قدس سره شعر : هست تاج عارفان اندر جهان ازجار ترك ترك دنيا ترك عقبا ترك هستى ترك ترك تفسير : وفى الحديث "حديث : كان فيما كان قبلكم رجل قتل تسعا وتسعين نفسا فسال عن اعلم اهل الارض فدل على راهب فاتاه فقال انه قتل تسعا وتسعين نفسا فهل له من توبة فقال لا فقتله فكمل به المائة ثم سأل عن اعلم اهل الارض فدل على رجل عالم فقال انه قتل مائة نفس فهل له من توبة فقال نعم ومن يحول بينك وبين التوبة انطلق الى ارض كذا وكذا فان بها اناسا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ولا ترجع الى ارضك فانها ارض سوء فانطلق حتى اذا بلغ نصف الطريق اتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائباً مقبلاً بقلبه الى الله وقالت ملائكة العذاب انه لم يعمل خيرا قط فاتاهم ملك فى صورة آدمى فجعلوه بينهم حكما فقال قيسوا ما بين الارضين فالى ايتهما كان ادنى فهو لها فقاسوه فوجدوه ادنى الى الارض التى اراد فقبضته ملائكة الرحمة" تفسير : وفى رواية "حديث : فاوحى الله الى هذه ان تباعدى والى هذه ان تقربى " تفسير : فان قلب الظاهر من الحديث انه قبلت توبة ذلك الرجل وهذا مخالف لما ثبت فى الشرع من ان حقوق العباد لا تسقط بالتوبة. قلنا اذا تاب ظالم لغيره وقبل الله توبته يغفر له ذنب مخالفة امر الله وما بقى عليه من حق العبد فهو فى مشيئة الله ان شاء ارضى خصمه وان شاء اخذ حقه منه والحديث من القسم الاول وعلى تقدير الارضاء لا يكون ساقطا ايضا لاخذه عوضه من الله وفى الحديث استحباب ان يفارق التائب موضع الذنب والمساعدين ويستبدل منهم صحبة اهل الصلاح اللهم احعلنا من المهاجرين والحقنا بعبادك الصالحين

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن الكافرين أن بعضهم اولياء بعض بمعنى النصرة، لأنه ينصر بعضهم بعضاً. وقوله {الا تفعلوه} الهاء عائدة إلى معنى ما أمروا به في الآية الاولى والثانية، ومخرجه مخرج الخبر والمراد به الأمر، وتقديره الا تفعلوا ما امرتم به من التناصر والتعاون والبراءة من الكفار {تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} على المؤمنين الذين لم يهاجروا. فالفتنة ها هنا المحنة بالميل إلى الضلال لأنه إذا لم يتوال المؤمن المؤمن على ظاهر حاله من الايمان والفضل، ولم يدعه إلى التبري من الضلال ادى ذلك إلى الضلال. والفساد ضد الصلاح وهو الانقلاب إلى الضرر القبيح. والصلاح جريان الشيء على استقامة. والولي هو المختص بالعقد على النصرة في وقت الحاجة، وقد يعقد بالعزم، وقد يعقد بالحكم. وقيل في معنى قوله {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} قولان: احدهما - في الميراث، في قول ابن عباس، وابي مالك. والثاني - قال قتادة وابن اسحاق في النصرة.

اطفيش

تفسير : {والَّذينَ كفَرُوا بعْضُهم أولياءُ بعْضٍ} فى النصر والإرث قاله ابن عباس، فلا مدخل لكم فيهم، جانبوهم وصارموهم، ولو كانوا أقارب لا توارثوهم ولا تعاونوهم ولا توادوهم، وإنما ذلك فيما بينهم من بعض لبعض، قرئ أولى ببعض، أما الكافر فلا يرث المسلم إجماعا ولو أسلم الكافر ولو بالولاء خلافا له أيضا فى الولاء، هذا ما عليه الجمهور، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وعليه مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعى، وما ذكره عبد الوهاب المالكى عنه أن المسلم يرث عبده الكافر لم يصح عنه، وفى الحديث: "حديث : لا يرث المسلم، أى الموحد، الكافر أى المشرك " تفسير : وقال معاذ بن جبل، ومعاوية، وأبو المسيب ومسروق، والأوزاعى: يرث المسلم الكافر لخبر: "حديث : الإسلام يزيد ولا ينقص" تفسير : أو "حديث : الإسلام يعلو ولا يعلى عليه"تفسير : وقياساً على النكاح، والاغتنام، والقصاص فى الدماء التى لا تتكافأ، وأجيب عن الخبر إن صح بأنه يزيد ويعلق بفتح البلاد، ولا ينقص ولا يعلى عليه بالارتداد ونحوه. وعن العباس: بأنه مردود لأن العبد ينكح الحرة ولا يرثها، والمسلم يغنم مال الحربى ولا يرثه، ولأن النكاح مبناه على الوالد وقضاء الوطر، والإرث على المولاة والمناصرة، لكن لما كان اتصالنا بهم بالتزوج فيه تشريف لهم، اختص بأهل الكتاب، وإن مات كافر عن زوجة حامل وأسلمت ثم ولدت، ورثه الولد على قول من قال: إسلام الأم إسلام لولدها، والمشهور خلافه إلا إن كان ابن أمة، وقال بعض: إن تلك المسألة مستثناة من قولهم: لا يرث المسلم الكافر، وأجاب بعضهم: بأنه إنما ورث حال الحكم عليه بحكم إليه وهو حاله فى بطن أمه وأبوه حى، والولادة إنما هى شرط لتحقق الإرث. والكفر بأنواعه ملة واحدة فيتوارثون عند الشافعى وأبى حنيفة، لأن أعظم الأمور يجمعهم وهو الشرك، فاختلافهم كاختلاف المذاهب فى الإسلام، وهم كالنفس الواحدة فى البطلان، والاجتماع على المسلمين، ولقوله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} وقوله: {أية : لكم دينكم ولى دين} تفسير : وقوله: {أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} تفسير : وقوله: {أية : فماذا بعد الحق إلا الضلال} تفسير : وفى الاستدلال بالآية الثالثة نظر، فإن المراد لن ترضى عنك اليهود حتى تتبع ملتها، ولا النصارى حتى تتبع ملتها، وصحح بعضهم وذلك القول. وقال مالك، وأحمد: اليهود ملة، والنصارى ملة، ومن عداهم ملة، والأولى أن يقول والصابئون ملة، و المجوس ملة، والوثنية ملة، ولا يتوارث أهل ملتين كما فى الحديث، وقال الله تعالى: {أية : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} تفسير : وأجيب بأن المراد ملة الكفر، وملة التوحيد، كما جاء فى بعض الطرق، لا يرث المسلم الكافر، وأن المعنى لكل من دخل فى دين محمد جعلنا القرآن له شرعة ومنهاجا، وقيل: الذين كفروا بعضهم أولياء بعض فى النصر. {إلاَّ تفْعلوهُ} إن لا تفعلوا ما ذكر من موالاة بعضكم بعضا، حتى فى الميراث، تفضيلا لنسب الدين على نسب القرابة، ومن قطع العلائق بينكم وبين الكفار، حتى أن قرابتهم كلا قرابة، ولا يخفى أن إلا هى إن الشرطية ولا النافية، أو دغمت النون فى اللام قال ابن هشام: ولقد بلغنى أن بعض من يدعى الفضل سأل فى {إلا تفعلوه} فقال: ما هذا الاستثناء؟ أمتصل أم منقطع؟ انتهى. قال الدمامينى: ينبغى أن يجاب بأنه متصل بالجهل، منقطع عن الفضل، ومن قال الآية فى التناصر دون الميراث رد الضمير إلى ما ذكر من الموالاة وهى التناصر، وتذكيره بتأويل المذكور والتناصر، ووجود الفتنة إنما يكون قريبا مع عدم التناصر، وأما بعدم الإرث فبعيد، ويجوز عود الضمير على حفظ الميثاق، أو على نصر المستنصرين فى الدين أو على ذلك كله. {تكُن فتنةٌ} حرب {فى الأرضِ} عظيمة، وقيل: فتنة عظيمة وهى ضعف الإيمان، وقوة الشرك، وذكر الأرض، أو شعار بالانتشار والكون تام {وفَسادٌ كبيرٌ} فى الدين، وعن بعضهم: الفتنة قوة الكفار، والفساد هو ضعف المسلمين، وقيل: الفتنة الحرب وما ينجر معها من الغازات والجلاء والأسر، والفساد ظهور الشرك، وقيل: الفتنة الشرك، وإذا كان فهو فساد كبير، ولا شئ أسرع من ذلك وقوعا إذا لم يكن المسلمون يدا واحدة، وقرأ الجحدرى، عن الكسائى: وفساد كثير بالثاء المثلثة، وذكر أبو حاتم وهو مدنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: وفساد عريض، وقال قتادة: نزل ذلك فى من يتربص يقول: من غلب كنت معه، وقيل فى قوم يلتجئون إلى المؤمنين وإلى المشركين تارة كما يأتى.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} آخر منهم أي في الميراث كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال قتادة وابن إسحاق: في المؤازرة، وهذا بمفهومه مفيد لنفي الموارثة والمؤازرة بينهم وبين المسلمين وإيجاب ضد ذلك وإن كانوا أقارب، ومن هنا ذهب الجمهور إلى أنه لا يرث مسلم كافراً ولا كافر مسلماً، وأخرج ذلك ابن مردويه والحاكم وصححه عن أسامة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك وقرأ الآية، ومن الناس من قال: إن المسلم يرث الكافر دون العكس وليس مما يعول عليه والفتوى على الأول كما تحقق في محله {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ} أي إلا تفعلوا ما أمرتم به في الآيتين، وقيل: الضمير المنصوب للميثاق أو حفظه أو الإرض أو النصر أو الاستنصار المفهوم من الفعل والأولى ما ذكرنا، وفي الأخير ما لا يخفى من التكلف. {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى ٱلأَرْضِ} أي تحصل فتنة عظيمة فيها، وهي اختلاف الكلمة وضعف الإيمان وظهور / الكفر {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} وهو سفك الدماء على ما روي عن الحسن فالمراد فساد كبير فيها، وقيل: المراد في الدارين وهو خلاف الظاهر، وعن الكسائي أنه قرأ {كثير} بالمثلثة.

ابن عاشور

تفسير : هذا بيان لحكم القسم المقابل لقوله: {أية : إن الذين آمنوا وهاجروا}تفسير : [الأنفال: 72] وما عطف عليه. والواو للتقسيم والإخبار عنهم بأنّ بعضهم أولياء بعض خبر مستعمل في مدلوله الكنائي: وهو أنّهم ليسوا بأولياء للمسلمين، لأنّ الإخبار عن ولاية بعضهم بعضاً ليس صريحة ممّا يهمّ المسلمين لولا أنّ القصد النهي عن موالاة المسلمين إيّاهم، وبقرينة قوله: {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} أي: إنْ لا تفعلوا قطع الولاية معهم، فضمير تفعلوه عائِد إلى ما في قوله: {بعضهم أولياء بعض} بتأويل: المذكور، لظهور أنْ ليس المراد تكليف المسلمين بأن ينفذوا ولاية الذين كفروا بعضهم بعضاً، لولا أنّ المقصود لازم ذلك وهو عدم موالاة المسلمين إيّاهم. والفتنة اختلال أحوال الناس، وقد مضى القول فيها عند قوله: {أية : حتى يقولا إنّما نحن فتنة فلا تكفر}تفسير : [البقرة: 102] ـ وقوله ـ {أية : والفتنة أشدّ من القتل}تفسير : في سورة [البقرة: 191]، وقد تقدّم القول فيها آنفاً في هذه السورة. والفتنة تحصل من مخالطَة المسلمين مع المشركين، لأنّ الناس كانوا قريبي عهد بالإسلام، وكانت لهم مع المشركين أواصر قرابة وولاء ومودّة ومصاهرة ومخالطة، وقد كان إسلام من أسلم مثيراً لحنق المشركين عليه، فإذا لم ينقطع المسلمون عن موالاة المشركين يخشى على ضعفاء النفوس من المسلمين أن تجذبهم تلك الأواصر وتفتنهم قوة المشركين وعزّتهم، ويقذف بها الشيطان في نفوسهم، فيحِنّوا إلى المشركين ويعودوا إلى الكفر. فكان إيجاب مقاطعتهم؛ لقصد قطع نفوسهم عن تذكّر تلك الصلات، وإنسائهم تلك الأحوال، بحيث لا يشاهدون إلاّ حال جماعة المسلمين، ولا يشتغلوا إلاّ بما يقوّيها، وليكونوا في مزاولتهم أمور الإسلام عن تفرّغ بال من تحسّر أو تعطّف على المشركين، فإنّ الوسائل قد يسري بعضها إلى بعض، فتفضي وسائل الرأفة والقرابة إلى وسائل الموافقة في الرأي، فلذا كان هذا حسماً لوسائل الفتنة. والتعريف في {الأرض} للعهد والمراد أرض المسلمين. و«الفساد» ضدّ الصلاح، وقد مضى عند قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : في سورة [البقرة: 30]. والكبير حقيقته العظيم الجسم. وهو هنا مستعار للشديد القوي من نوعه مثل قوله تعالى: {أية : كبرت كلمة تخرج من أفواههم}تفسير : [الكهف: 5]. والمراد بالفساد هنا: ضد صلاح اجتماع الكلمة، فإنّ المسلمين إذا لم يظهروا يدا واحدة على أهل الكفر لم تظهر شوكتهم، ولأنّه قد يحدث بينهم الاختلاف من جرّاء اختلافهم في مقدار مواصلتهم للمشركين، ويرمي بعضهم بعضاً بالكفر أو النفاق، وذلك يفضي إلى تفرّق جماعتهم، وهذا فساد كبير، ولأنّ المقصود إيجاد الجامعة الإسلامية، وإنّما يظهر كمالها بالتفاف أهلها التفافاً واحداً، وتجنّب ما يضادها، فإذا لم يقع ذلك ضعف شأن جامعتهم في المرأى وفي القوة. وذلك فساد كبير.

د. أسعد حومد

تفسير : (73) - المُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَبِذَلِكَ قَطَعَ اللهُ المُوَالاَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الكُفَّارِ، وَمَنَعَ بَيْنَهُمُ المِيرَاثَ (لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلَ مِلَّتَيْنِ). وَالذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ فَهُمْ يَتَنَاصَرُونَ عَلَى البَاطِلِ، وَيَتَعَاوَنُونَ عَلَى عَدَاوَةِ المُسْلِمِينَ، فَلا تُوَالُوهُمْ يَا أَيُّها المُسْلِمُونَ وَإذَا لَمْ تَجْتَنِبُوا المُشْرِكِينَ، وَتُوَالُوا المُؤْمِنينَ كَانَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَالتِبَاسٌ لِلأَمْرِ عَلَى النَّاسِ، وَاخْتِلاَطُ المُؤْمِنينَ بِالكَافِرِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فالكفار - كما نعلم - وكما تحدثنا الآية الكريمة بعضهم أولياء بعض. فإن لم يتجمع المؤمنون ليترابطوا ويكونوا على قلب رجل واحد، فالكفار يتجمعون بطبيعة كفرهم ومعاداتهم للإسلام. وإن لم يتجمع المسلمون بالترابط نجد قول الحق تحذيراً لهم من هذا: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73]. فسبحانه يريد لنا أن نعلم أننا إن لم نعش كمسلمين متحدين ننحاز لبعضنا البعض في جماعة متضامنة، وتآلف وإيمان، إن لم نفعل ذلك فسوف تكون هناك فتنة شديدة وفساد كبير. لماذا؟. لأن المؤمنين إن لم يتجمعوا ذابوا مع الكافرين، وستوجد ذبذبة واختلال في التوازن الإيماني جيلاً بعد جيل. ولو حدث مثل هذا الذوبان، سيتربى الأولاد والأطفال في مجتمع يختلط فيه الكفر بالإيمان، فيأخذوا من هذا، ويأخذوا من ذاك، فلا يتعرفون على قيم دينهم الأصيلة، وقد يضعف المسلمون أمام إغراء الدنيا فيتبعون الكافرين. ولكن إن عاش المسلمون متضامنين متعاونين تكون هناك وقاية من أمراض الكفر، وكذلك لا يجتريءعليهم خصومهم. أما إذا لم يتجمعوا ولم يتحدوا فقد يتجرأ عليهم الخصوم ويصبحون قلة هنا، وقلة هناك وتضيع هيبتهم، ولكن إذا اتحدوا كانوا أقوياء، ليس فقط بإيمانهم، ولكن بقدرتهم الإيمانية التي تجذب غير المسلمين لأهذا الدين. وينشأ الفساد الكبير حين لا يتضامن المسلمون مع بعضهم البعض فيجتريء عليهم غير المسلمين ويصبحون أذلةً وهم أغلبيةٌ، ولا يهابهم أحد مع كثرة عددهم، ولا يكونون أسوة سلوكية. بل يكونون أسوة سيئة للإسلام. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 73]. فهل هذا توجيه من الله جل جلاله لهم، أو إخبار بواقع حالهم؟ لقد طلب الحق سبحانه وتعالى من المؤمنين أن يكونوا أولياء بعض، ولكن هل قوله تعالى: {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} هو طلب للكافرين، كما هو طلب من الله للمؤمنين؟ نقول: لا، لأن الذين كفروا لا يقرأون كلام الله عز وجل، وإذا قرأوه لا يعملون به. إذن فهذا إخبار بواقع كوني للكافرين. فعندما يطلب الله سبحانه وتعالى من المؤمنين أن يكونوا أولياء بعض، فهذا تشريع يطلب الله لأن يحرص عليه المؤمنون، أما إذا قال إن الكفار بعضهم أولياء بعض. فهذا إخبار بواقع كوني لهم. إن الإسلام جاء على أهل أصنام من قريش، ويهود في المدينة هم أهل كتاب، وكذلك كان الأوس والخزرج كفاراً مثل قريش؛ ولكن الإسلام جمعهم وجعل بعضهم أولياء بعض، وكان بين الأوس والخزرج وبين اليهود قبل الإسلام عداء، وإن لم يصل إلى الحرب؛ لأنهم كانوا يحتاجون لمال اليهود وعلمهم وأشياء أخرى، وكان اليهود يستفتحون على الأوس والخزرج بمجيء النبي محمد المذكور عندهم في التوراة ويقولون لهم: أطل زمان نبي سنتبعه ونقتلكم قتل عاد وإرم. إذن كان اليهود يتوعدون الكفار، لما بينهم من عداء عقدي وديني، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر اليهود برسالته والتحموا مع كفار قريش وقالوا: {أية : هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 51]. أي أن كفار قريش أهدى من الذين آمنوا بمحمد، فالولاء بين الكافرين واليهود جاء لهم بعد أن كانوا أعداء، لكنهم اتحدوا بعد ذلك ضد المؤمنين، فإذا كان هذا حدث بين الكفار واليهود؛ فيجب على المؤمنين أن يكون بعضهم أولياء بعض؛ لأنهم اجتمعوا على شيء يعاديه الجميع. وهذا ينفي مسألة الإرث التي قال بها بعض العلماء من أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض أي يرث بعضهم بعضا؛ لأنه لو كان هذا صحيحاً فكأن الله شرع للكافرين - أيضا - أن يرث بعضهم بعضاً؛ لأنه استخدم كلمة أولياء بالنسبة لهم أيضاً. والحق سبحانه وتعالى لم يشرع للكافرين. وبعد أن بينا أقسام المؤمنين الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفنا أنهم أربعة، ذكرنا ثلاثة منهم هم المهاجرون والأنصار والذين آمنوا ولم يهاجروا، وبقي من هذه الأقسام الذين آمنوا وهاجروا بعد ذلك، ويقول الحق تبارك وتعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ...}

الأندلسي

تفسير : {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} الآية، لما ذكر أقسام المؤمنين الثلاثة وأنهم أولياء ينصر بعضهم بعضاً ويرث بعضهم بعضاً، بين أن فريق الكفار كذلك إذ كانوا قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعادي أهل الكتاب منهم قريشاً ويتربصون بهم الدوائر فصاروا بعد بعثته عليه السلام يوالي بعضهم بعضاً البا واحداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفاً على رياستهم وتحزباً على المؤمنين. {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ} الضمير عائد على الاستنصار وهو المصدر المفهوم من قوله: {أية : وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ} تفسير : [الأنفال: 72] وتكن تامة وفتنة فاعل بها والفتنة إهمال المسلمين المستنصرين بنا حتى يتسلط عليهم عدوهم من الكفار. وقرأ أبو موسى الحجازي عن الكسائي كثير بالثاء المثلثة. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ} هذه الآية فيها تعظيم المهاجرين والأنصار وهي مختصرة إذ حذف منها بأموالهم وأنفسهم وليست تكراراً لأن السابقة تضمنت ولاية بعضهم بعضاً وتقسيم المؤمنين إلى الأقسام الثلاثة وبيان حكمهم في ولايتهم ونصرهم، وهذه تضمنت الثناء والتشريف والاختصاص وما آل إليه حالهم من المغفرة والرزق الكريم. وتقدم تفسير نظير أواخر هذه الآية في أول السورة فأغنى عن إعادته. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ} يعني الذين لحقوا بالهجرة من سبق إليها فحكم تعالى بأنهم من المؤمنين السابقين في الثواب والأجر وإن كان للسابقين شغوف السبق، وتقدم الإِيمان والهجرة والجهاد ومعنى من بعد أي من بعد الهجرة الأولى وذلك بعد الحديبية، قاله ابن عباس. {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} الآية، قيل: هي في المواريث، واستدل بها أبو حنيفة على توريث ذوي الأرحام، وقيل: ليست في المواريث والله أعلم.

الجيلاني

تفسير : {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ} بالله، ولم يتفطنو سر سريان وحدته الذاتية السارية في جميع الأكوان، ولم يتنبهوا للفناء في ذاته، ومع ذلك كذبوا لرسل المنبهين، المبشرين المنذرين إصلاحاً لهم وإرشاداً، أولئك الأشقياء المردودون {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} يتعاونون ويتعاضدون في كفرهم وجهلهم {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ} أي: ألا تفعلوا ما أمرتم به من الموالاة والمواصلة، والنصر والمعاونة {تَكُنْ فِتْنَةٌ} سارية {فِي ٱلأَرْضِ} أي: طبيعة العدم {وَ} حدث فيها {فَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] هو غفلة الأظلال عن الذات، والظل والصور عن ذي الصورة، والعكوس عما انعكس فيها. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ} أي: سلكوا وسافروا، وبعدما تحققوا باليقين العلمي {وَجَٰهَدُواْ} أي: ارتضاوا؛ أي: انخلعوا عن جلباب التعين {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الذي هو الفناء فيه؛ ليتحققوا باليقين العيني {وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ} ووالوا ألوياء الإرادة {وَّنَصَرُوۤاْ} أرباب الطلب {أُولَـٰئِكَ} الواصلون المبرزون {هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} المتحققون، المبثتون في مرتبة اليقين الحقي {حَقّاً} ثابتاً بلا دغدغة استكمال وانتظار، متقرراً في مقر التوحيد ومقعد المصدق عند مليك مقتدر {لَّهُمْ} بعد وصولهم إلى مقرهم {مَّغْفِرَةٌ} ستر لأنانيتهم التي كانوا عليها على مقتضى تعيناتهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74] من الكشف والشهود، نزلاً ن عند العزيز العليم. ثمَّ بشَّر سبحانه بما بشَّر به من اقتفى أثركم أيها المكاشفون الواصلون، وسلك سبيلكم من أصحاب الإرادة والطلب، فقال: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ} كما هاجرتم أيها الفائزون الواصلون {وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ} في سبيل الله وترويج دينه وسنته بأنفسهم وأموالهم كما جاهدتم أنتم {فَأُوْلَـٰئِكَ} المجاهدون الباذلون {مِنكُمْ} أي: من جملتكم وعدادكم، وأجرهم عند الله مثل أجركم، وهم إخوانكم وأرحامكم في الدين {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ} وذووا المناسبات والقرابات في الدين والعرفان {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} في الولاية والنصر، والمصاحبة والمؤاخاة {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} أي: في حضرة علمه ولوح قضائه {إِنَّ ٱللَّهَ} المتجلي على ذرائر الآفاق {بِكُلِّ شَيْءٍ} من رقائق المناسبات ودقائقها {عَلِيمٌ} [الأنفال: 75] بعلمه الحضوري، لا يعرب عن حضوره شيء. خاتمة السورة عليك أيها المتوجه نحو الفناء، المهاجر عن ورطة الغفلة والغرور، أن تقتفي في سلوكك هذا أثر أهل الهجرة والنصرة المرابطين قلوبهم لتوحيد الجق، الباذلين مهجهم في تقوية من ظهر عليه صلى الله عليه وسلم وترويج دينه سنته، المتخلقين بأخلاقه، المتعطشين بزلال مشربه المستظلين بظل روائه، المستمسكين بعروة ولايته، ولا يحصل لك هذا إلا بالركون والإعراض التام عن متقضيات القوى البشرية ولوازم الطبيعة مطلقاً، كهؤلاء الكرام المنخلعين عن جميع ما يشوشهم من لوازم هوياتهم في معاشهم حتى عن الأهل والأوطان. لذلك انكشف لهم من الحقائق والمعارف والمكاشفات والمشاهدات إلى حيث اضمحلت عن عيون بصائرهم ما سوى الحق مطلقاً، وصاروا فانين في الله، متحققين بمقام "حديث : وبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش..."تفسير : ، ولك في عزيمتك هذا التشبث بكتاب الله الذي هو المرشد الحقيقي، وبأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وبكلمات المشايخ العظام - قدس الله أرواحهم - ولا سيما ذلك الاستمداد من قلوب البدلاء والوالهين، الحائرين بمطالعة وجه الله الكريم؛ إذ هم لاستغراقهم في بحر الشهود انخعلوا عن لوازم هوياتهم، وما لنا من حالاتهم إلا الحسرة والعبرة إن كنا من أهل الاعتبار والاستبصار. ربنا اهدنا إليك بأي طريق شئت، إنك بفضلك وجودك تهدي من تشاء من عبادك وإنك على ما تشاء قدير.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ} [الأنفال: 73] أي: ستروا الحق وأنكروا على أرباب القلب وركنوا إلى البطالة، {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 73] في الضلالة والإضلال، {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ} [الأنفال: 73] أي: لا تتركوا اطلاعهم على مصالحتكم النفوس وعلى بعض أحوالكم، ولاتحترزوا عن موالاة أهل البطالة، ولا تكونوا أولياء مرافقيكم وموافقتكم، {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ} [الأنفال: 73] أي: في أرض قلوب الطالبين فيغتروا عن جهاد النفوس، {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] في موالاتكم أهل البطالة لكم ونفركم بالإنكار عليكم فيها، وفي ترك المولاة مع مرافقيكم وموافقتكم، {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} [الأنفال: 74] بأن طلب الله واجب، {وَهَاجَرُواْ} [الأنفال: 74] عمَّا سواه، {وَجَٰهَدُواْ} [الأنفال: 74] أنفسهم، {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الأنفال: 74] أي: في طلب الله، {وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ} [الأنفال: 74] محبة الله في قلوبهم، {وَّنَصَرُوۤاْ} [الأنفال: 74] أي: أمدوا المحبة بملازمة الذكر حتى يصير المحب محبوباً والذاكر مذكوراً لقوله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، وقوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152]. {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} [الأنفال: 74] يعني: هم المؤمنون مستكملين الأيمان الذين وجدوا الحق تعالى في فقد وجودهم، {لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ} [الأنفال: 74] أي: صفة من صفات الحق سترتهم عنها بها، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74] أي: رزقوا من كرم الكريم فتخلقوا بأخلاق الكريمة، {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ} [الأنفال: 75] يشير إلى أن كل سالك صادق يسلك طريق الحق لقي من المتأخرين على قدر الإيمان والهجرة والجهاد الحقيقي - كما مر ذكره - فهو من المتقدمين؛ لأنه ليس عند الله صباح ولا مساء، فالواصلون كلهم كنفس واحدة وهم متبرئون عن الزمان والمكان، استوى عندهم الأمس واليوم والغد، والقرب والبعد، والعلو والسفل ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمتي كالمطر لا تدري أولهم خير أم آخرهم"تفسير : وقد ألمت آخرين من إخوانه، وقال: "حديث : واشوقاه إلى لقاء إخواني"،تفسير : {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} [الأنفال: 75] هم أولوا رحم الوصول في كتاب علم الله السابق كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الأنبياء: 101] إن الله بكل شيء في الأزل، {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75] من المقبولين والمردودين، ومن الواصلين والمنقطعين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما عقد الولاية بين المؤمنين، أخبر أن الكفار حيث جمعهم الكفر فبعضهم أولياء لبعض فلا يواليهم إلا كافر مثلهم. وقوله: { إِلا تَفْعَلُوهُ } أي: موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، بأن واليتموهم كلهم أو عاديتموهم كلهم، أو واليتم الكافرين وعاديتم المؤمنين. { تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } فإنه يحصل بذلك من الشر ما لا ينحصر من اختلاط الحق بالباطل، والمؤمن بالكافر، وعدم كثير من العبادات الكبار، كالجهاد والهجرة، وغير ذلك من مقاصد الشرع والدين التي تفوت إذا لم يتخذ المؤمنون وحدهم أولياء بعضهم لبعض.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 326 : 32 : 23 - سفين عن السدي عن أبي مالك قال، قال رجل: "لنورثن أرحامنا من المشركين". فنزلت {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} فيكم. [الآية 73].

همام الصنعاني

تفسير : 1033- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}: [الآية: 73]، قال: كان ناس من المشركين يأتونَ فيقولون: لا تكون مع المسلمين ولا مع الكفار، فأمرهم الله تعالى إما أن يدخلوا مع المسلمينَ، وإما أن يحلقوا بالكفَّار. 1034- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أَخَذَ على رجل دخل في الإِسلام فقال: نقيم الصَّلاة، ونؤتي الزكاة، ونحج البيت، ونصوم رمضان، وإنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب. 1035- عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا جاءكم من تَرْضَوْنَ خُلُقه ودينه فأنْكِحُوهُ، إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرْض وفَسادٌ عَريضٌ".تفسير : كان يقرأها عريض.