Verse. 1232 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَہَاجَرُوْا وَجٰہَدُوْا بِاَمْوَالِہِمْ وَاَنْفُسِہِمْ فِيْ سَبِيْلِ اللہِ وَالَّذِيْنَ اٰوَوْا وَّنَــصَرُوْۗا اُولٰۗىِٕكَ بَعْضُہُمْ اَوْلِيَاۗءُ بَعْضٍ۝۰ۭ وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَلَمْ يُہَاجِرُوْا مَا لَكُمْ مِّنْ وَّلَايَتِہِمْ مِّنْ شَيْءٍ حَتّٰي يُہَاجِرُوْا۝۰ۚ وَاِنِ اسْتَنْصَرُوْكُمْ فِي الدِّيْنِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ اِلَّا عَلٰي قَوْمٍؚ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَہُمْ مِّيْثَاقٌ۝۰ۭ وَاللہُ بِمَا تَعْمَلُوْنَ بَصِيْرٌ۝۷۲
Inna allatheena amanoo wahajaroo wajahadoo biamwalihim waanfusihim fee sabeeli Allahi waallatheena awaw wanasaroo olaika baAAduhum awliyao baAAdin waallatheena amanoo walam yuhajiroo ma lakum min walayatihim min shayin hatta yuhajiroo waini istansarookum fee alddeeni faAAalaykumu alnnasru illa AAala qawmin baynakum wabaynahum meethaqun waAllahu bima taAAmaloona baseerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله» وهم المهاجرون «والذين آوَوْا» النبي صلى الله عليه وسلم «ونصروا» وهم الأنصار «أولئك بعضهم أولياء بعض» في النصرة والإرث «والذين آمنوا ولم يُهاجروا مالكم من ولايَتِهِمْ» بكسر الواو وفتحها «من شيء» فلا إرث بينكم وبينهم ولا نصيب لهم في الغنيمة «حتى يهاجروا» وهذا منسوخ بآخر السورة «وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر» لهم على الكفار «إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق» عهد فلا تنصروهم عليهم وتنقضوا عهدهم «والله بما تعملون بصير».

72

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أربعة أقسام، وذكر حكم كل واحد منهم، وتقرير هذه القسمة أنه عليه السلام ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس هناك إلى الدين، ثم انتقل من مكة إلى المدينة، فحين هاجر من مكة إلى المدينة صار المؤمنون على قسمين منهم من وافقه في تلك الهجرة، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي هناك. أما القسم الأول: فهم المهاجرون الأولون، وقد وصفهم بقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وإنما قلنا إن المراد منهم المهاجرون الأولون لأنه تعالى قال في آخر الآية: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ } وإذا ثبت هذا ظهر أن هؤلاء موصوفون بهذه الصفات الأربعة: أولها: أنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وقبلوا جميع التكاليف التي بلغها محمد صلى الله عليه وسلم ولم يتمردوا، فقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ } يفيد هذا المعنى. والصفة الثانية: قوله: {وَهَاجَرُواْ } يعني: فارقوا الأوطان، وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله، ومعلوم أن هذه الحالة حالة شديدة، قال تعالى: {أية : أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ } تفسير : [النساء: 66] جعل مفارقة الأوطان معادلة لقتل النفس، فهؤلاء في المرتبة الأولى تركوا الأديان القديمة لطلب مرضاة الله تعالى، وفي المرتبة الثانية تركوا الأقارب والخلان والأوطان والجيران لمرضاة الله تعالى. والصفة الثالثة: قوله: {وَجَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أما المجاهدة بالمال فلأنهم لما فارقوا الأوطان فقد ضاعت دورهم ومساكنهم وضياعهم ومزارعهم، وبقيت في أيدي الأعداء، وأيضاً فقد احتاجوا إلى الإنفاق الكثير بسبب تلك العزيمة، وأيضاً كانوا ينفقون أموالهم على تلك الغزوات، وأما المجاهدة بالنفس فلأنهم كانوا أقدموا على محاربة بدر من غير آلة ولا أهبة ولا عدة مع الأعداء الموصوفين بالكثرة والشدة، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أنفسهم في سبيل الله. وأما الصفة الرابعة: فهي أنهم كانوا أول الناس إقداماً على هذه الأفعال والتزاماً لهذه الأحوال، ولهذه السابقة أثر عظيم في تقوية الدين. قال تعالى:{أية : لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الحديد: 10] وقال: {أية : وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلاْوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلانْصَـٰرِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } تفسير : [التوبة: 100] وإنما كان السبق موجباً للفضيلة، لأن إقدامهم على هذه الأفعال يوجب اقتداء غيرهم بهم، فيصير ذلك سبباً للقوة أو الكمال، ولهذا المعنى قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَحْيَـٰهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } تفسير : [المائدة: 32] وقال عليه السلام: «حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» تفسير : ومن عادة الناس أن دواعيهم تقوى بما يرون من أمثالهم في أحوال الدين والدنيا، كما أن المحن تخف على قلوبهم بالمشاركة فيها، فثبت أن حصول هذه الصفات الأربعة للمهاجرين الأولين يدل على غاية الفضيلة ونهاية المنقبة، وأن ذلك يوجب الاعتراف بكونهم رؤساء المسلمين وسادة لهم. وأما القسم الثاني: من المؤمنين الموجودين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم فهم الأنصار، وذلك لأنه عليه السلام لما هاجر إليهم مع طائفة من أصحابه، فلولا أنهم آووا ونصروا وبذلوا النفس والمال في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإصلاح مهمات أصحابه لما تم المقصود البتة، ويجب أن يكون حال المهاجرين أعلى في الفضيلة من حال الأنصار لوجوه: أولها: أنهم هم السابقون في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل وعنوان المناقب: وثانيها: أنهم تحملوا العناء والمشقة دهراً دهيراً، وزماناً مديداً من كفار قريش وصبروا عليه، وهذه الحال ما حصلت للأنصار. وثالثها: أنهم تحملوا المضار الناشئة من مفارقة الأوطان والأهل والجيران، ولم يحصل ذلك للأنصار. ورابعها: أن فتح الباب في قبول الدين والشريعة من الرسول عليه السلام إنما حصل من المهاجرين، والأنصار اقتدوا بهم وتشبهوا بهم، وقد ذكرنا أنه عليه السلام قال: «حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» تفسير : فوجب أن يكون المقتدى أقل مرتبة من المقتدى به، فجملة هذه الأحوال توجب تقديم المهاجرين الأولين على الأنصار في الفضل والدرجة والمنقبة، فلهذا السبب أينما ذكر الله هذين الفريقين قدم المهاجرين على الأنصار وعلى هذا الترتيب ورد ذكرهما في هذه الآية. واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذين القسمين في هذه الآية قال: {أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } واختلفوا في المراد بهذه الولاية، فنقل الواحدي عن ابن عباس والمفسرين كلهم، أن المراد هو الولاية في الميراث. وقالوا جعل الله تعالى سبب الإرث الهجرة والنصرة دون القرابة. وكان القريب الذي آمن ولم يهاجر لم يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر، واعلم أن لفظ الولاية غير مشعر بهذا المعنى، لأن هذا اللفظ مشع بالقرب على ما قررناه في مواضع من هذا الكتاب. ويقال: «السلطان ولي من لا ولي له» ولا يفيد الإرث وقال تعالى: {أية : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [يونس: 62] ولا يفيد الإرث بل الولاية تفيد القرب فيمكن حمله على غير الإرث، وهو كون بعضهم معظماً للبعض مهتماً بشأنه مخصوصاً بمعاونته ومناصرته، والمقصود أن يكونوا يداً واحدة على الأعداء، وأن يكون حب كل واحد لغيره جارياً مجرى حبسه لنفسه، وإذا كان اللفظ محتملاً لهذا المعنى كان حمله على الإرث بعيداً عن دلالة اللفظ، لا سيما وهم يقولون إن ذلك الحكم صار منسوخاً بقوله تعالى في آخر الآية: {وَأُوْلُواْ ٱلارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } وأي حاجة تحملنا على حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به، ثم الحكم بأنه صار منسوخاً بآية أخرى مذكورة معه، هذا في غاية البعد، اللهم إلا إذا حصل إجماع المفسرين على أن المراد ذلك، فحينئذ يجب المصير إليه إلا أن دعوى الإجماع بعيد. القسم الثالث: من أقسام مؤمني زمان الرسول عليه السلام وهم المؤمنون الذين ما وافقوا الرسول في الهجرة وبقوا في مكة وهم المعنيون بقول: {وَٱلَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ } فبين تعالى حكمهم من وجهين: الأول: قوله: {مَالَكُمْ مّن وَلـٰيَتِهِم مّن شَىْء حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الولاية المنفية في هذه الصورة، هي الولاية المثبتة في القسم الذي تقدم، فمن حمل تلك الولاية على الإرث، زعم أن الولاية المنفية ههنا هي الإرث، ومن حمل تلك الولاية على سائر الاعتبارات المذكورة، فكذا ههنا. واحتج الذاهبون، إلى أن المراد من هذه الولاية الإرث، بأن قالوا: لا يجوز أن يكون المراد منها الولاية بمعنى النصرة والدليل عليه أنه تعالى عطف عليه قوله: {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ } ولا شك أن ذلك عبارة عن الموالاة في الدين والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمراً مغايراً لمعنى النصرة وهذا الاستدلال ضعيف، لأنا حملنا تلك الولاية على التعظيم والإكرام وهو أمر مغاير للنصرة، ألا ترى أن الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض المهمات وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الإعانة مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم والإجلال فسقط هذا الدليل. المسألة الثانية: قوله تعالى: {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ }. واعلم أن قوله تعالى: {مَالَكُمْ مّن وَلـٰيَتِهِم مّن شَىْء } يوهم أنهم لما لم يهاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطت ولايتهم مطلقاً، فأزال الله تعالى هذا الوهم بقوله: {مَالَكُم مّن وَلـٰيَتِهِم مّن شَىْء حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ } يعني أنهم لو هاجروا لعادت تلك الولاية وحصلت، والمقصود منه الحمل على المهاجرة والترغيب فيها، لأن المسلم متى سمع أن الله تعالى يقول: إن قطع المهاجرة انقطعت الولاية بينه وبين المسلمين ولو هاجر حصلت تلك الولاية وعادت على أكمل الوجوه، فلا شك أن هذا يصير مرغباً له في الهجرة، والمقصود من المهاجرة كثرة المسلمين واجتماعهم وإعانة بعضهم لبعض، وحصول الألفة الشوكة وعدم التفرقة. المسألة الثالثة: قرأ حمزة {مّن وَلـٰيَتِهِم } بكسر الواو، والباقون بالفتح. قال الزجاج: من فتح جعلها من النصرة والنسب. وقال: والولاية التي بمنزلة الإمارة مكسورة للفصل بين المعنيين وقد يجوز كسر الولاية لأن في تولي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة كالقصارة والخياطة فهي مكسورة. وقال أبو علي الفارسي: الفتح أجود، لأن الولاية ههنا من الدين والكسر في السلطان. والحكم الثاني: من أحكام هذا القسم الثالث، قوله تعالى: {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ }. واعلم أنه تعالى لما بين الحكم في قطع الولاية بين تلك الطائفة من المؤمنين، بين أنه ليس المراد منه المقاطعة التامة كما في حق الكفار بل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا لم استنصروكم فانصروهم ولا تخذلوهم. روي أنه لما نزل قوله تعالى: {مَالَكُمْ مّن وَلـٰيَتِهِم مّن شَىْء حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ } قام الزبير وقال: فهل نعينهم على أمر إن استعانوا بنا؟ فنزل {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ } ثم قال تعالى: {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ } والمعنى أنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك. ثم قال تعالى: {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا الترتيب الذي اعتبره الله في هذه الآية في غاية الحسن لأنه ذكر ههنا أقساماً ثلاثة: فالأول: المؤمنون من المهاجرين والأنصار وهم أفضل الناس وبين أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضاً. والقسم الثاني: المؤمنون الذين لم يهاجروا فهؤلاء بسبب إيمانهم لهم فضل وكرامة وبسبب ترك الهجرة لهم حالة نازلة فوجب أن يكون حكمهم حكماً متوسطاً بين الإجلال والإذلال وذلك هو أن الولاية المثبتة للقسم الأول، تكون منفية عن هذا القسم، إلا أنهم يكونون بحيث لو استنصروا المؤمنين واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم. فهذا الحكم متوسط بين الإجلال والإذلال. وأما الكفار فليس لهم البتة ما يوجب شيئاً من أسباب الفضيلة. فوجب كون المسلمين منقطعين عنهم من كل الوجوه فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصلة بوجه من الوجوه، فظهر أن هذا التريب في غاية الحسن. المسألة الثانية: قال بعض العلماء: قوله: {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } يدل على أن الكفار في الموارثة مع اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة، فالمجوسي يرث الوثني، والنصراني يرث المجوسي، لأن الله تعالى قال: {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ }. واعلم أن هذا الكلام إنما يستقيم إذا حملنا الولاية على الإرث وقد سبق القول فيه، بل الحق أن يقال: إن كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود فلما ظهرت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم تناصروا وتعاونوا على إيذائه ومحاربته، فكان المراد من الآية ذلك. وتمام التحقيق فيه أن الجنسية علة الضم وشبيه الشيء منجذب إليه، والمشركون واليهود والنصارى لما اشتركوا في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم صارت هذه الجهة موجبة لانضمام بعضهم إلى بعض وقرب بعضهم من بعض وذلك يدل على أنهم ما أقدموا على تلك العداوة لأجل الدين، لأن كل واحد منهم كان في نهاية الإنكار لدين صاحبه، بل كان ذلك من أدل الدلائل على أن تلك العداوة لمحض الحسد والبغي والعناد. ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحكام قال: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى ٱلاْرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } والمعنى: إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التفاصيل المذكورة المتقدمة تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة، وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه: الأول: أن المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم، فربما صارت تلك المخالطة سبباً لالتحاق المسلم بالكفار. الثاني: أن المسلمين لو كانوا متفرقين لم يظهر منهم جمع عظيم، فيصير ذلك سبباً لجراءة الكفار عليهم. الثالث: أنه إذا كان جمع المسلمين كل يوم في الزيادة في العدة والعدة، صار ذلك سبباً لمزيد رغبتهم فيما هم فيه ورغبة المخالف في الالتحاق بهم. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا القسم الثالث، عاد إلى ذكر القسم الأول والثاني مرة أخرى فقال: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }. واعلم أن هذا ليس بتكرار وذلك لأنه تعالى ذكرهم أولاً ليبين حكمهم وهو ولاية بعضهم بعضاً، ثم إنه تعالى ذكرهم ههنا لبيان تعظيم شأنهم وعلو درجتهم، وبيانه من وجهين: الأول: أن الإعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم وذلك يدل على الشرف التعظيم. والثاني: وهو أنه تعالى أثنى عليهم ههنا من ثلاثة أوجه: أولها: قوله: {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } فقوله: {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } يفيد الحصر وقوله: {حَقّاً } يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين محققين في طريق الدين، والأمر في الحقيقة كذلك، لأن من لم يكن محقاً في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن ولم يبذل النفس والمال ولم يكن في هذه الأحوال من المتسارعين المتسابقين. وثانيها: قوله: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } وتنكير لفظ المغفرة يدل على الكمال كما أن التنكير في قوله: {أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ } تفسير : [البقرة: 96] يدل على كمال تلك الحياة، والمعنى: لهم مغفرة تامة كاملة عن جميع الذنوب والتبعات. وثالثها: قوله: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } والمراد منه الثواب الرفيع الشريف. والحاصل: أنه تعالى شرح حالهم في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فقد وصفهم بقوله: {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } وأما في الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب، وإما جلب الثواب، أما دفع العقاب فهو المراد بقوله: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } وهذه السعادات العالية إنما حصلت لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية، فتركوا الأهل والوطن وبذلوا النفس والمال، وذلك تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا بالإعراض عن هذه الجسمانيات. القسم الرابع: من مؤمني زمان محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة إلا أنهم بعد ذلك هاجروا إليه، وهو المراد من قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المراد من قوله تعالى: {مِن بَعْدِ } نقل الواحدي عن ابن عباس: بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية، وقيل بعد نزول هذه الآية، وقيل: بعد يوم بدر، والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى، وهؤلاء هم التابعون بإحسان كما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ }تفسير : [التوبة: 100]. المسألة الثانية: الأصح أن الهجرة انقطعت بفتح مكة لأن عنده صارت مكة بلد الإسلام وقال الحسن: الهجرة غير منقطعة أبداً، وأما قوله عليه السلام: «حديث : لا هجرة بعد الفتح»تفسير : فالمراد الهجرة المخصوصة، فإنها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام. أما لو اتفق في بعض الأزمان كون المؤمنين في بلد وفى عددهم قلة، ويحصل للكفار بسبب كونهم معهم شوكة وإن هاجر المسلمون من تلك البلدة وانتقلوا إلى بلدة أخرى ضعفت شوكة الكفار، فههنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن، لأنه قد حصل فيهم مثل العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة. المسألة الثالثة: قوله: {فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ } يدل على أن مرتبة هؤلاء دون مرتبة المهاجرين السابقين لأنه ألحق هؤلاء بهم وجعلهم منهم في معرض التشريف، ولولا كون القسم الأول أشرف وإلا لما صح هذا المعنى. فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية. ثم قال تعالى: {وَأُوْلُواْ ٱلارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الذين قالوا المراد من قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } ولاية الميراث قالوا هذه الآية ناسخة له، فإنه تعالى بين أن الإرث كان بسبب النصرة والهجرة، والآن قد صار ذلك منسوخاً فلا يحصل الإرث إلا بسبب القرابة وقوله: {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } المراد منه السهام المذكورة في سورة النساء، وأما الذين فسروا تلك الآية بالنصرة والمحبة والتعظيم قالوا: إن تلك الولاية لما كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة، إلا ما خصه الدليل، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة هذا الوهم، وهذا أولى، لأن تكثير النسخ من غير ضرورة ولا حاجة لا يجوز. المسألة الثانية: تمسك محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم في كتابه إلى أبي جعفر المنصور بهذه الآية في أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب فقال: قوله تعالى: {وَأُوْلُواْ ٱلارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } يدل على ثبوت الولاية وليس في الآية شيء معين في ثبوت هذه الأولوية، فوجب حمله على الكل إلا ما خصه الدليل، وحينئذ يندرج فيه الإمامة، ولا يجوز أن يقال: إن أبا بكر كان من أولي الأرحام لما نقل أنه عليه السلام أعطاه سورة براءة ليبلغها إلى القوم، ثم بعث علياً خلفه وأمر بأن يكون المبلغ هو علي، وقال: «حديث : لا يؤديها إلا رجل مني»تفسير : وذلك يدل على أن أبا بكر ما كان منه، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية. والجواب: إن صحت هذه الدلالة كان العباس أولى بالإمامة، لأنه كان أقرب إلى رسول الله من علي. وبهذا الوجه أجاب أبو جعفر المنصور عنه. المسألة الثالثة: تمسك أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية، في توريث ذوي الأرحام، وأجاب أصحابنا عنه بأن قوله: {وَأُوْلُواْ ٱلارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } مجمل في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية، فلما قال: {فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } كان معناه في الحكم الذي بينه الله في كتابه، فصارت هذه الأولوية مقيدة بالأحكام التي بينها الله في كتابه، وتلك الأحكام ليست إلا ميراث العصبات. فوجب أن يكون المراد من هذا المجمل هو ذلك فقط فلا يتعدى إلى توريث ذوي الأرحام. ثم قال في ختم السورة: {أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } والمراد أن هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب وصلاح، وليس فيها شيء من العبث والباطل، لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب. ونظيره أن الملائكة لما قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء } قال مجيباً لهم: {أية : إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }تفسير : [البقرة: 30] يعني لما علمتم كوني عالماً بكل المعلومات، فاعلموا أن حكمي يكون منزهاً عن الغلط كذا ههنا. والله أعلم. تم تفسير هذه السورة ولله الحمد والشكر، كما هو أهله ومستحقه. يوم الأحد في رمضان سنة إحدى وستمائة في قرية يقال لها بغدان. ونسأل الله الخلاص من الأهوال وشدة الزمان، وكيد أهل البغي والخذلان، إنه الملك الديان. وصلاته وسلامه على حبيب الرحمن، محمد المصطفى صاحب المعجزات والبرهان.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ختم السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق ولِيَّه الذي يستعين به. وقد تقدّم معنى الهجرة والجهاد لغةً ومعنًى. {وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ} معطوف عليه. وهم الأنصار الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم، وَٱنْضَوَى إليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم والمهاجرون. {أُوْلَـٰئِكَ} رفع بالابتداء. {بَعْضُهُمْ} ابتداء ثان {أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} خبره، والجميع خبر «إنّ». قال ٱبن عباس: «أولياء بعض» في الميراث؛ فكانوا يتوارثون بالهجرة، وكان لا يرث من آمن ولم يهاجر من هاجر فنسخ الله ذلك بقوله «وَأُولُوا الأَرْحَامِ» الآية. أخرجه أبو داود. وصار الميراث لذوي الأرحام من المؤمنين. ولا يتوارث أهل ملّتين شيئاً. ثم جاء قوله عليه السلام: «حديث : ألحِقوا الفرائض بأهلها» تفسير : على ما تقدّم بيانه في آية المواريث. وقيل: ليس هنا نسخ، وإنما معناه في النصرة والمعونة؛ كما تقدّم في «النساء». {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ابتداء والخبر {مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ} وقرأ يحيى بن وثَّاب والأعمش وحمزة «من وِلايتهم» بكسر الواو. وقيل هي لغة. وقيل: هي من وليت الشيء؛ يقال: ولِيٌّ بيّن الوَلاية. ووالٍ بيّن الوِلاية. والفتح في هذا أبيَن وأحسن؛ لأنه بمعنى النصرة والنسب. وقد تطلق الوِلاية والوَلاية بمعنى الإمارة. الثانية ـ قوله تعالى: {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ} يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم. إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم، ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدّته. ٱبن العربي: إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة؛ حتى لا تبقى منا عين تطرِف حتى تخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في ٱستخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم. كذلك قال مالك وجميع العلماء؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، على ما حلّ بالخلق في تركهم إخوانَهم في أسر العدوّ وبأيديهم خزائن الأموال، وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوّة والجَلَد. الزجاج: ويجوز «فعليكم النصر» بالنصب على الإغراء. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} قطع الله الولاية بين الكفار والمؤمنين؛ فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء بعض، يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم. قال علماؤنا في الكافرة يكون لها الأخ المسلم: لا يزوّجها، إذ لا ولاية بينهما، ويزوّجها أهل ملّتها. فكما لا يزوّج المسلمةَ إلا مسلم فكذلك الكافرة لا يزوّجها إلا كافر قريب لها، أو أسْقُف، ولو من مسلم؛ إلا أن تكون معتقة؛ فإن عُقد على غير المعتقة فُسخ إن كان لمسلم، ولا يعرض للنّصرانيّ. وقال أَصْبَغ: لا يفسخ، عقدُ المسلم أولى وأفضل. الرابعة ـ قوله تعالى: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ} الضمير عائد على الموارثة والتزامها. المعنى: إلا تتركوهم يتوارثون كما كانوا يتوارثون؛ قاله ٱبن زيد. وقيل: هي عائدة على التناصر والمؤازرة والمعاونة وٱتصال الأيدي. ٱبن جُريج وغيره: وهذا إن لم يفعل تقع الفتنة عنه عن قريب؛ فهو آكد من الأوّل. وذكر الترمذِيّ عن عبد الله بن مسلم بن هُرْمز عن محمد وسعد ٱبني عبيد عن أبي حاتم المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه»تفسير : ثلاث مرات. قال: حديث غريب. وقيل: يعود على حفظ العهد والميثاق الذي تضمنه قوله: {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ}. وهذا وإن لم يفعل فهو الفتنة نفسها. وقيل: يعود على النصر للمسلمين في الدين. وهو معنى القول الثاني. قال ٱبن إسحاق؛ جعل الله المهاجرين والأنصار أهل ولايته في الدِّين دون من سواهم، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض. ثم قال: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ} وهو أن يتوَلّى المؤمنُ الكافرَ دون المؤمنين. {تَكُنْ فِتْنَةٌ} أي محنة بالحرب، وما ٱنجرّ معها من الغارات والجلاء والأسر. والفسادُ الكبير: ظهور الشرك. قال الكسائِيّ: ويجوز النصب في قوله: {تَكُنْ فِتْنَةٌ} على معنى تكن فعلتكم فتنة وفساداً كبيراً. {حَقّاً} مصدر، أي حَقّقوا إيمانهم بالهجرة والنُّصرة. وحقق الله إيمانهم بالبشارة في قوله: {لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي ثواب عظيم في الجنة. الخامسة ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ} يريد من بعد الحُدَيْبِية وبيعة الرضوان. وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقلّ رتبة من الهجرة الأُولى. والهجرة الثانية هي التي وقع فيها الصلح، ووضعت الحرب أوزارها نحو عامين ثم كان فتح مكة. ولهذا قال عليه السلام: «حديث : لا هجرة بعد الفتح»تفسير : . فبيّن أن من آمن وهاجر من بعدُ يلتحق بهم. ومعنى «منكم» أي مثلكم في النّصر والموالاة. السادسة ـ قوله تعالى: {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ} ابتداء. والواحد ذو، والرّحِم مؤنثة، والجمع أرحام. والمراد بها هٰهنا العصبات دون المولود بالرحم. ومما يبيّن أن المراد بالرحِم العصبات قول العرب: وَصَلَتْك رَحِم. لا يريدون قرابة الأُمّ. قالت قُتيلة بنت الحارث ـ أُخت النضر بن الحارث ـ كذا قال ٱبن هشام. قال السهيليّ: الصحيح أنها بنت النضر لا أُخته، كذا وقع في كتاب الدلائل ـ ترثي أباها حين قتله النبيّ صلى الله عليه وسلم صَبْراً ـ بالصفراء:شعر : يا راكباً إن الأُثيل مِظنّةٌ من صُبح خامسةٍ وأنت مُوَفَّقُ أبلِغ بها مَيْتاً بأن تحيّة ما إن تزال بها النجائب تخفِقُ منّي إليك وعبرةٌ مسفوحةٌ جادت بواكفِها وأُخرى تخنقُ هل يسمَعني النّضُر إن ناديتُه أم كيف يسمع ميّت لا ينطق أمحمدٌ يا خيرَ ضِنْءِ كريمةٍ في قومها والفحلُ فحلٌ مُعرِق ما كان ضرّك لو مننْتَ وربّما مَنّ الفتى وهو المَغِيظ المُحْنَق لو كنتَ قابلَ فدية لفديتُه بأعزَّ ما يُفْدى به ما يُنْفِق فالنّضرُ أقربُ مَن أسَرْتَ قرابةً وأحقُّهم إن كان عِتق يُعتَق ظلّت سيوفُ بني أبيه تَنوشُه للَّه أرحام هناك تُشقَّق صَبْراً يُقاد إلى المنّية مُتْعَباً رَسْفَ المُقَيَّد وهو عانٍ مُوثَق تفسير : السابعة ـ واختلف السلف ومَن بعدهم في توريث ذوي الأرحام ـ وهو من لا سهم له في الكتاب ـ من قرابة الميت وليس بعصبة؛ كأولاد البنات، وأولاد الأخوات، وبنات الأخ، والعمة والخالة، والعمِّ أخ الأب للأُم، والجدِّ أبي الأُم، والجدَّة أُمّ الأُم، ومن أدْلَى بهم. فقال قوم: لا يرث من لا فرض له من ذوي الأرحام. ورُوي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وٱبن عمر، ورواية عن عليّ، وهو قول أهل المدينة، ورُوي عن مكحول والأُوزاعي، وبه قال الشافعيّ رضي الله عنه. وقال بتوريثهم: عمر بن الخطاب وٱبن مسعود ومعاذ وأبو الدَّرْدَاء وعائشة وعليّ في رواية عنه، وهو قول الكوفيين وأحمد وإسحاق. واحتجّوا بالآية، وقالوا: وقد ٱجتمع في ذوي الأرحام سببان القرابة والإسلام؛ فهم أوْلى ممن له سبب واحد وهو الإسلام. أجاب الأوّلون فقالوا: هذه آية مجملة جامعة، والظاهر بكل رحم قَرُب أو بَعُد، وآيات المواريث مفسِّرة والمفسّر قاضٍ على المجمل ومبيّن. قالوا: وقد جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم الوَلاء سبباً ثابتاً، أقام المَوْلَى فيه مُقام العصبة فقال: «حديث : الولاء لمن أعتق»تفسير : . ونهى عن بيع الولاء وعن هبته. ٱحتج الآخرون بما روى أبو داود والدَّارَقُطْنِيّ عن المِقدام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ترك كَلاًّ فإليّ ـ وربما قال فإلى الله وإلى رسوله ـ ومن ترك مالاً فلورثته فأنا وارث من لا وارث له أعقِل عنه وأرثه والخال وارث من لا وارث له يَعقِل عنه ويرثه»تفسير : . وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن طاوس قال قالت عائشة رضي الله عنها: «الله مَوْلَى من لا مَوْلَى له، والخال وارث من لا وارث له». موقوفٌ. ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الخال وارث»تفسير : . ورُوي عن أبي هريرة قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميراث العمة والخالة فقال «لا أدري حتى يأتيني جبريل» ثم قال: «أين السائل عن ميراث العمة والخالة»؟ قال: فأتى الرجل فقال: «سارّني جبريل أنه لا شيء لهما»تفسير : . قال الدّارَقطنيّ: لم يسنده غير مَسعدة عن محمد بن عمرو وهو ضعيف، والصواب مرسل. ورُوي عن الشّعبي قال قال زياد بن أبي سفيان لجليسه: هل تدري كيف قضى عمر في العمة والخالة؟ قال لا. قال: إني لأعلم خلقِ الله كيف قضى فيهما عمر، جعل الخالة بمنزلة الأُم، والعمة بمنزلة الأب.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ} هم المهاجرون هجروا أوطانهم حباً لله ولرسوله. {وَجَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ} فصرفوها في الكراع والسلاح وأنفقوها على المحاويج. {وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} بمباشرة القتال. {وَٱلَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ} هم الأنصار آووا المهاجرين إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم. {أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} في الميراث، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب حتى نسخ بقوله: {أية : وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ }تفسير : [الأنفال: 75] أو بالنصرة والمظاهرة. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مّن وَلـٰيَتِهِم مّن شَىْء حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} أي من توليهم في الميراث، وقرأ حمزة {وَلـٰيَتِهِم } بالكسر تشبيهاً لها بالعمل والصناعة كالكتابة والإمارة كأنه بتوليه صاحبه يزاول عملاً. {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين. {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ} عهد فإنه لا ينقض عهدهم لنصرهم عليهم. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

ابن كثير

تفسير : ذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم، وجاؤوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك، وإلى أنصار، وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك، آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي: كل منهم أحق بالآخر من كل أحد، ولهذا آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار؛ كل اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثاً مقدماً على القرابة، حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث، ثبت ذلك في صحيح البخاري عن ابن عباس، ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عنه، وقاله مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن جرير هو ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة» تفسير : تفرد به أحمد. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سفيان حدثنا عكرمة، يعني: ابن إبراهيم الأزدي، حدثنا عاصم عن شقيق عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : المهاجرون والأنصار، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة» تفسير : هكذا رواه في مسند عبد الله بن مسعود. وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار، في غير ما آية في كتابه، فقال: {أية : وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنْصَـٰرِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} تفسير : [التوبة: 100]، وقال: {أية : لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنصَـٰرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} تفسير : [التوبة: 117]، وقال تعالى:{أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَـٰجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰناً وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُون عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} تفسير : [الحشر: 8-9] وأحسن ما قيل في قوله: {أية : وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ} تفسير : [الحشر: 9] أي: لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم، فإن ظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، لا يختلفون في ذلك، ولهذا قال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن حذيفة، قال: خيرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الهجرة والنصرة، فاخترت الهجرة، ثم قال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلـٰيَتِهِم} قرأ حمزة: ولايتهم، بالكسر، والباقون بالفتح، وهما واحد كالدلالة والدلالة {مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين، وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا في بواديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب، ولا في خمسها، إلا ما حضروا فيه القتال. كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على سرية أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً، وقال: «حديث : اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم. ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية. فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» تفسير : انفرد به مسلم، وعنده زيادات أخر، وقوله: {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} الآية، يقول تعالى: وإن استنصركم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم، فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم، لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار، بينكم وبينهم ميثاق، أي: مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وهم المهاجرون {وَٱلَّذِينَ ءاوَواْ } النبي صلى الله عليه وسلم {وَّنَصَرُواْ } وهم الأنصار {أُوْلَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيآءُ بَعْضٍ } في النصرة والإِرث {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ ما لَكُمْ مِّن وَلَٰيَتِهِم } بكسر الواو وفتحها {مِن شَىْءٍ } فلا إرث بينكم وبينهم ولا نصيب لهم في الغنيمة {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ } وهذا منسوخ بآخر السورة {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ } لهم على الكفار {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ } عهد فلا تنصروهم عليهم وتنقضوا عهدهم {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }.

الشوكاني

.تفسير : ختم الله سبحانه هذه السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به، وسمى سبحانه المهاجرين إلى المدينة بهذا الاسم، لأنهم هجروا أوطانهم وفارقوها طلباً لما عند الله، وإجابة لداعيه {وَٱلَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ } هم الأنصار، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الموصول الأوّل والآخر، وهو مبتدأ وخبره الجملة المذكورة بعده، ويجوز أن يكون {بَعْضُهُمْ } بدلاً من اسم الإشارة، والخبر {أَوْلِيَاء بَعْضٍ } أي: بعضهم أولياء بعض في النصرة والمعونة، وقيل المعنى: إن بعضهم أولياء بعض في الميراث. وقد كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة، ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه: {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ }. قوله: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } مبتدأ، وخبره {مَا لَكُم مّن وَلـٰيَتِهِم مّن شَىْء }. قرأ يحيـى بن وثاب والأعمش، وحمزة {من ولايتهم} بكسر الواو. وقرأ الباقون بفتحها، أي ما لكم من نصرتهم وإعانتهم، أو من ميراثهم، ولو كانوا من قراباتكم لعدم وقوع الهجرة منهم {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ } فيكون لهم ما كان للطائفة الأولى الجامعين بين الإيمان والهجرة {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ } أي: هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا، إذا طلبوا منكم النصرة لهم على المشركين {فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ } أي: فواجب عليكم النصر {إِلا } أن يستنصروكم {عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ } فلا تنصروهم ولا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين أولئك القوم، حتى تنقضي مدته. قال الزجاج: ويجوز فعليكم النصر بالنصب على الإغراء. قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } مبتدأ خبره {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } أي: بعضهم ينصر بعضاً ويتولاه في أموره، أو يرثه إذا مات، وفيه تعريض للمسلمين بأنهم لا يناصرون الكفار ولا يتولونهم، قوله: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ } الضمير يرجع إلى ما أمروا به قبل هذا من موالاة المؤمنين ومناصرتهم على التفصيل المذكور، وترك موالاة الكافرين {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى ٱلأَرْضِ } أي: تقع فتنة إن لم تفعلوا ذلك {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } أي: مفسدة كبيرة في الدين والدنيا، ثم بيّن سبحانه حكماً آخر يتعلق بالمؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله والمؤمنين الذين آووا من هاجر إليهم ونصروهم وهم الأنصار، فقال: {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } أي: الكاملون في الإيمان، وليس في هذا تكرير لما قبله فإنه وارد في الثناء على هؤلاء، والأوّل وارد في إيجاب الموالاة والنصرة، ثم أخبر سبحانه أن {لَهُمْ } منه {مَغْفِرَةٍ } لذنوبهم في الآخرة و لهم في الدنيا {رّزْقٌ كَرِيمٌ } خالص عن الكدر طيب مستلذ. ثم أخبر سبحانه بأن من هاجر بعد هجرتهم وجاهد مع المهاجرين الأوّلين والأنصار فهو من جملتهم، أي من جملة المهاجرين الأوّلين والأنصار في استحقاق ما استحقوه من الموالاة والمناصرة، وكمال الإيمان والمغفرة والرزق الكريم، ثم بيّن سبحانه بأن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض من غيرهم ممن لم يكن بينه وبينهم رحم في الميراث، والمراد بهم القرابات فيتناول كل قرابة. وقيل المراد بهم هنا: العصبات، قالوا: ومنه قول العرب: وصلتك رحم، فإنهم لا يريدون قرابة الأم. قالوا: ومنه قول قتيلة:شعر : ظلت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحـام هناك تشقق تفسير : ولا يخفاك أنه ليس في هذا ما يمنع من إطلاقه على غير العصبات، وقد استدل بهذه الآية من أثبت ميراث ذوي الأرحام، وهم من ليس بعصبة ولا ذي سهم على حسب اصطلاح أهل علم المواريث، والخلاف في ذلك معروف مقرر في مواطنه. وقد قيل: إن هذه الآية ناسخة للميراث بالموالاة والنصرة عند من فسر ما تقدّم من قوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } وما بعده بالتوارث، وأما من فسرها بالنصرة والمعونة فيجعل هذه الآية إخباراً منه سبحانه وتعالى بأن القرابات {بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } أي: في حكمه، أو في اللوح المحفوظ، أو في القرآن، ويدخل في هذه الأولوية الميراث دخولاً أوّلياً لوجود سببه، أعني القرابة {أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } لا يخفى عليه شيء من الأشياء كائناً ما كان، ومن جملة ذلك ما تضمنته هذه الآيات. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ } الآية قال: إن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاث منازل، منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه، وفي قوله: {وَٱلَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ } قال: آووا ونصروا وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة، وشهروا السيوف على من كذب وجحد، فهذان مؤمنان جعل الله بعضهم أولياء بعض، وفي قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُوا} قال: كانوا يتوارثون بينهم إذا توفى المؤمن المهاجر بالولاية في الدين، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر، فبرّأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي الولاية التي قال: {مَا لَكُم مّن وَلـٰيَتِهِم مّن شَىْء حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثاق} كان حقاً على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قوتلوا إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق، فلا نصر لهم عليهم إلا على العدوّ الذي لا ميثاق لهم، ثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين آمنوا {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُوا} فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيباً مفروضاً، لقوله: {وَأُوْلُواْ ٱلأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } الآية، وفي رواية لابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } قال: يعني في الميراث جعل الله الميراث للمهاجرين والأنصار دون الأرحام {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ} ما لكم من ميراثهم من شيء {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدّينِ } يعني: إن استنصر الأعراب المسلمون المهاجرين والأنصار على عدوّ لهم، فعليهم أن ينصروهم إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، فكانوا يعملون على ذلك حتى أنزل الله هذه الآية: {وَأُوْلُواْ ٱلأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } فنسخت الآية التي قبلها، وصارت المواريث لذوي الأرحام. وأخرج أبو عبيد، وأبو داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً في هذه الآيات قال: كان المهاجر لا يتولى الأعرابي ولا يرثه وهو مؤمن، ولا يرث الأعرابي المهاجر، فنسختها هذه الآية {وَأُوْلُواْ ٱلأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عنه، أيضاً قال: قال رجل من المسلمين: لنورثنّ ذوي القربى منا من المشركين، فنزلت: {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ }. وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المهاجرون بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة»تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أسامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً، ثم قرأ {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } الآية»تفسير : وأخرج ابن سعد، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن الزبير بن العوام قال: أنزل الله فينا خاصة معشر قريش {وَأُوْلُواْ ٱلأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان. فواخيناهم ووارثناهم فآخونا، فآخى أبو بكر خارجة بن زيد، وآخى عمر فلاناً، وآخى عثمان بن عفان رجلاً من بني زريق بن أسعد الزرقي، قال الزبير: وآخيت أنا كعب بن مالك، ووارثونا ووارثناهم، فلما كان يوم أحد قيل لي: قد قتل أخوك كعب بن مالك، فجئته فانتقلته فوجدت السلاح قد ثقلته فيما يرى، فوالله يا بنيّ لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار، فرجعنا إلى مواريثنا. وأخرج أبو داود الطيالسي، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وورّث بعضهم من بعض، حتى نزلت هذه الآية: {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} يعني بالله. {وَهَاجَرُواْ} يعني هاجروا وتركوا ديارهم في طاعة الله. {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِم وَأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} والمجاهدة بالمال: النفقة، والمجاهدة بالنفس القتال، وهؤلاء هم المهاجرون مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. ثم قال {وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ} يعني الأنصار الذين آووا المهاجرين في منازلهم ونصروا النبي صلى الله عليه وسلم ونصروهم. {أَوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} فيه تأويلان: أحدهما: أولئك بعضهم أعوان بعض، قاله الجمهور. والثاني: أولئك بعضهم أولى بميراث بعض. قال ابن عباس: جعل الله تعالى الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام. ثم قال تعالى {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ} يعني ما لكم من ميراثهم من شيء حتى يهاجروا فكانوا يعلمون ذلك حتى أنزل الله تعالى {وَأُولُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كَتَابِ اللَّهِ} يعني في الميراث فنسخت التي قبلها وصار التوارث لذوي الأرحام، قاله مجاهد وعكرمة والحسن والسدي.

ابن عطية

تفسير : مقصد هذه الآية وما بعدها تبيين منازل المهاجرين والأنصار والمؤمنين الذين لم يهاجروا، والكفار والمهاجرين بعد الحديبية، وذكر نسب بعضهم من بعض، فقدم أولاً ذكر المهاجرين وهم أصل الإسلام، وانظر تقديم عمر لهم في الاستشارة و "هاجر" معناه أهله وقرابته وهجروه، {وجاهدوا} معناه أجهدوا أنفسهم في حرب من أجهد نفسه في حربهم، {والذين آوو ونصروا} هم الأنصار وآوى معناه هيأ مأوى وهوالملجأ والحرز، فحكم الله على هاتين الطائفتين بأن {بعضهم أولياء بعض} ، فقال كثير من المفسرين هذه الموالاة هي المؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي، وعليه فسر الطبري الآية، وهذا الذي قالوا لازم من دلالة اللفظ، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وكثير منهم إن هذه الموالاة هي في الميراث، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانت بين الأنصار أخوة النسب وكانت أيضاً بين بعض المهاجرين فكان المهاجريّ إذا مات ولم يكن له بالمدينة ولي مهاجريّ وورثه أخوه الأنصاري، وإن كان له ولي مسلم لم يهاجر، وكان المسلم الذي لم يهاجر لا ولاية بينه وبين قريبه المهاجري لا يرثه، قال ابن زيد: واستمر أمرهم كذلك إلى فتح مكة، ثم توارثوا بعد ذلك لما لم تكن هجرة. قال القاضي أبو محمد: فذهبت هذه الفرقة إلى أن هذا هو مقصد الآية، ومن ذهب إلى أنها في التآزر والتعاون فإنما يحمل نفي الله تعالى ولايتهم عن المسلمين على أنها صفة الحال لا أن الله حكم بأن لا ولاية بين المهاجرين وبينهم جملة، وذلك أن حالهم إذا كانوا متباعدي الأقطار تقتضي أن بعضهم إن حزبه حازب لا يجد الآخر ولا ينتفع به فعلى هذه الجهة نفي الولاية، وعلى التأولين ففي الآية حض للأعراب على الهجرة، قاله الحسن بن أبي الحسن، ومن رأى الولاية في الموارثة فهو حكم من الله ينفي الولاية في الموارثة، قالوا: ونسخ ذلك قوله تعالى {أية : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} تفسير : [الأنفال:75]، وقرأ جمهور السبعة والناس "وَلايتهم" بفتح الواو والوَلاية أيضاً بالفتح، وقرأ الكسائي "وَلايتهم" بفتح الواو والوِلاية بكسر الواو، وقرأ الأعمش وابن وثاب "وِلايتهم" والوِلاية بكسر الواو وهي قراءة حمزة، قال أبو علي والفتح أجود لأنها في الدين، قال أبو الحسن الأخفش والكسر فيها لغة وليست بذلك ولحن الأصمعي والأعمش وأخطأ عليه لأنها إذا كانت لغة فلم يلحن. قال القاضي أبو محمد: لا سيما ولا يظن به إلا أنه رواها، قال أبو عبيدة: الوِلاية بالكسر هي من وليت الأمر إليه فهي من السلطان، والولاية هي من المولى، يقال مولى بين الوَلاية بفتح الواو، وقوله {وإن استنصروكم} يعني إن استدعى هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا نصركم على قوم من الكفرة فواجب عليكم نصرهم إلا إن استنصروكم على قوم كفار قد عاهدتموهم أنتم وواثقتموهم على ترك الحرب فلا تنصروهم عليهم لأن ذلك عذر ونقض للميثاق وترك لحفظ العهد والوفاء به، والقراءة "فعليكم النصرُ" برفع الراء، ويجوز "فعليكم النصر" على الإغراء، ولا أحفظه قراءة، وقرأ جمهور الناس "والله بما تعملون" على مخاطبة المؤمنين، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والأعرج "بما يعملون" بالياء على ذكر الغائب.

ابن عبد السلام

تفسير : {ءَامَنُواْ} بالله {وَهَاجَرُواْ} من ديارهم في طاعته {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ} بإنفاقها {وَأَنفُسِهِمْ} بالقتال، أراد المهاجرين مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة {وَالَّذِينَ ءَاوَواْ} المهاجرين في منازلهم {وَّنَصَرُوَاْ} النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه، يريد الأنصار. {أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أعوان بعض عند الجمهور [أو] أولى بميراث بعض، جعل الله ـ تعالى ـ الميراث للمهاجرين والأنصار دون الأرحام. {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ} من ميراثهم من شيء {حَتَّى يُهَاجِرُواْ}. فعملوا بذلك حتى نسخت بقوله ـ تعالى ـ {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ}تفسير : [الأنفال: 75] يعني في الميراث، فصار الميراث لذوي الأرحام.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} يعني إن الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بما جاءهم به وهاجروا يعني وهجروا ديارهم وقومهم في ذات الله عز وجل وابتغاء رضوان الله وهم المهاجرون الأولون وجاهدوا يعني وبذلوا أنفسهم في سبيل الله يعني في طاعة الله وابتغاء رضوانه {والذين آووا ونصروا} يعني آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه من المهاجرين وأسكنوهم منازلهم ونصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الأنصار {أولئك} يعني المهاجرين والأنصار {بعضهم أولياء بعض} يعني في العون والنصر دون أقربائهم من الكفار وقال ابن عباس: في الميراث وكانوا يتوارثون بالهجرة وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون أقربائهم وذوي أرحامهم وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة وانقطعت الهجرة فتوارثوا بالأرحام حيثما كانوا فصار ذلك منسوخاً بقوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. وقوله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا} يعني آمنوا وأقاموا بمكة {ما لكم من ولايتهم من شيء} يعني من الميراث {حتى يهاجروا} يعني إلى المدينة {وإن استنصروكم في الدين} يعني استنصركم الذين آمنوا ولم يهاجروا {فعليكم النصر} يعني فعليكم نصرهم وإعانتهم {إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي عهد فلا تنصروهم عليهم {والله بما تعملون بصير والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} يعني في النصر والمعونة وذلك أن كفار قريش كانوا معادين لليهود فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تعاونوا عليه جميعاً قال ابن عباس: يعني في الميراث وهو أن يرث الكفار بعضهم من بعض {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} قال ابن عباس: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به، وقال ابن جريج إلا تتعاونوا وتتناصروا وقال ابن إسحاق: جعل الله المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون من سواهم وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض ثم قال سبحانه وتعالى إلا تفعلوه وهو أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمنين تكن فتنة في الأرض وفساد كبير فالفتنة في الأرض هي قوة الكفار والفساد الكبير هو ضعف المسلمين {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً} يعني لا شك في إيمانهم ولا ريب لأنهم حققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذل النفس والمال في نصر الدين {لهم مغفرة} يعني لذنوبهم {ورزق كريم} يعني في الجنة. فإن قلت ما معنى هذا التكرار؟ قلت ليس فيه تكرار لأنه سبحانه وتعالى ذكر في الآية الأولى حكم ولاية المهاجرين والأنصار بعضهم بعضاً ثم ذكر في هذه الآية ما منَّ به عليهم من المغفرة والرزق الكريم وقيل إن إعادة الشيء مرة بعد أخرى تدل على مزيد الاهتمام به فلما ذكرهم أولاً ثم أعاد ذكرهم ثانياً دل ذلك على تعظيم شأنهم وعلو درجاتهم وهذا هو الشرف العظيم لأنه تعالى ذكر في هذه الآية من وجوه المدح ثلاث أنواع: أحدها: قوله أولئك هم المؤمنون حقاً وهذا يفيد الحصر وقوله سبحانه وتعالى حقاً يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين في طريق الدين وتحقيق هذا القول أن من فارق أهله وداره التي نشأ فيها وبذل النفس والمال كان مؤمناً حقاً. النوع الثاني: قوله سبحانه وتعالى لهم مغفرة وتنكير لفظ المغفرة يدل على أن لهم مغفرة وأي مغفرة لا ينالها غيرهم والمعنى لهم مغفرة تامة كاملة ساترة لجميع ذنوبهم. النوع الثالث: قوله سبحانه وتعالى ورزق كريم فكل شيء شرف وعظم في بابه قيل له كريم والمعنى أن لهم في الجنة رزقاً لا تلحقهم فيه غضاضة ولا تعب. وقيل: إن المهاجرين كانوا على طبقات فمنهم من هاجر أولاً إلى المدينة وهم المهاجرون الأولون ومنهم من هاجر إلى أرض الحبشة ثم هاجر إلى المدينة فهم أصحاب الهجرتين ومنهم من هاجر بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة فذكر الله في الآية الأولى أصحاب الهجرة الأولى وذكر في الثانية أصحاب الهجرة الثانية، والله أعلم بمراده.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، مَقْصِدُ هذه الآية وما بعدها: تبيينُ منازل المهاجرين والأنصار، والمؤمنين الذين لم يُهَاجِرُوا، وذكر المهاجرين بَعْد الحديبية، فقدَّم أوَّلاً ذِكْرَ المهاجرين، وهُمْ أصل الإِسلام، وتأمَّل تقديمَ عُمَرَ لهم في الاستشارةِ، وَهَاجَرَ: معناه: هَجَرَ أهله وقرابته، وهَجَرُوهُ، {وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ }: هم الأنصارُ، فحكَمَ سبحانه على هاتَيْنِ الطائفتين؛ بأن بَعْضَهُم أولياءُ بَعْضٍ، فقال كثيرٌ من المفسِّرين: هذه الموالاةُ: هي المؤازرة، والمعاونة، وٱتصالُ الأيدي، وعليه فَسَّر الطبريُّ الآية، وهذا الذي قالوه لازم من دلالة لفظ الآية، وقال ابن عبَّاسٍ وغيره: هذه الموالاةُ هي في المواريث؛ وذلك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم آخَى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجريُّ إذا ماتَ، ولم يكُنْ له بالمدينةِ وليٌّ مهاجريٌّ، ورثه أخوه الأنْصَارِيُّ، وكان المسلم الذي لم يُهَاجِرْ لا ولايَةَ بينه، وبَيْنَ قريبه المهاجريِّ، ولا يرثه، ثم نُسِخَ ذلك بقوله سبحانه: { أية : وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ... } تفسير : الآية [الأنفال:75]؛ وعلى التأويلين، ففي الآية حضٌّ على الهجرة، قال أبو عُبَيْدَة: الوِلاَيَةُ - بالكسر - من وَليتُ الأَمْرَ إِليه، فهي في السلطان، وبالفَتْحِ هي من المَوْلَى؛ يقال: مَوْلَى بَيِّنَ الوَلاَيَةِ - بفتح الواو -. وقوله سبحانه: {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ }، يعني: إِن ٱستدعَى هؤلاء - المؤمنون الذين لم يُهَاجِروا نَصْرَكُمْ - {فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ}؛ فلا تنصروهم عليهم؛ لأَنَّ ذلك غَدْرٌ ونقْضٌ للميثاق.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ} الآية. اعلم أنَّهُ تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - إلى أربعة أقسام وذكر حكم كل واحد منهم، وتقرير هذه القسمة أنَّهُ - عليه الصلاة والسلام - لما ظهرت نبوته ودعا النَّاس إلى الدِّين، ثم انتقل من مكَّة إلى المدينة، فمنهم من وافقه في تلك الهجرة، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي في مكة. أمَّا القسمُ الأوَّلُ: فهم المهاجرون الأوَّلُون، وقد وصفهم الله بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وإنما قلنا: إن المراد بهم المهاجرون الأولون؛ لأنَّهُ تعالى قال بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ} وقال تعالى: {أية : لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ}تفسير : [الحديد: 10]. وقال: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ}تفسير : [التوبة: 100]. القسم الثاني من الموجودين في زمان محمد - عليه الصلاة والسلام - وهم الأنصار؛ لأنَّهُ عليه الصلاة والسلام لمَّا هاجر إليهم مع طائفة من أصحابه، فلولا أنَّهم آووا، ونصروا، وبذلوا النَّفس والمال في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإصلاح مهمات أصحابه لما تمَّ المقصودُ ألبتَّة فحال المهاجر أعلى في الفضيلة من حال الأنصار؛ لأنَّهم السَّابقون إلى الإيمان، وتحمَّلُوا العناء والمشقة دهراً طويلاً من كفَّار قريش، وصبروا على أذاهم، وهذه الحالةُ ما حصلت للأنصارِ، وفارقوا الأوطان، والأهل، والأموال، والجيران، ولم يحصل ذلك للأنصار، وأيضاً فإنَّ الأنصار اقتدوا بهم في الإسلام، وهم السابقون للإيمان. ولمَّا ذكر الله تعالى هذين القسمين، قال: {أُوْلَٰـئِكَ بَعْضُهُمْ أوْلِيَاءُ بَعْضٍ} قال الواحديُّ عن ابن عباس وغيره من المفسرين "المراد في الميراث" وقالوا: جعل الله تعالى سبب الإرث الهجرة، والنصرة دون القرابة، وكان القريب الذي آمن ولم يهاجر لم يرث؛ لأنَّهُ لم يهاجر ولم ينصر. واعلم أنَّ لفظ الولاية غير مشعرٍ بهذا المعنى؛ لأنَّ اللفظ مشعر بالقربِ على ما تقرَّر في هذا الكتاب. ويقال: السلطانُ ولي من لا ولي له ولا يفيد الإرث. وقال تعالى: {أية : أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}تفسير : [يونس: 62] ولا يفيدُ الإرث بل الولاية تفيد القرب، فيمكن حمله على غير الإرث، وهو كون بعضهم معظماً للبعض، مهتماً بشأنه، مخصوصاً بمعاونته ومناصرته، وأن يكونوا يداً واحدة على الأعداء، فحمله على الإرث بعيد عن دلالة اللفظ، لا سيما وهم يقولون إن ذلك الحكم نسخ بقوله في آخر الآية: {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ}. فأيُّ حاجة إلى حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به، ثمَّ الحكم بأنَّهُ صار منسوخاً بآية أخرى مذكورة معه، هذا في غاية البعد، اللَّهم إلا إذا حصل إجماع المفسرين على ذلك فيجب المصير إليه، إلاَّ أنَّ دعوى الإجماع بعيد. القسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا وبقوا في مكة، وهم المراد بقوله {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ} فقال تعالى: {مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ}، فالولاية المنفية في هذه الصُّورة، هي الولاية المثبتة في القسم المتقدم، فما قيل هناك قيل هنا. واحتج الذَّاهبون إلى أنَّ المراد من هذه الولاية الإرث، بأن قالوا: لا يجوزُ أن يكُون المراد منها ولاية النصرة والدليل عليه أنَّه تعالى عطف عليه قوله: {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} وذلك عبارة عن الموالاة في الدِّين، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمراً مغايراً لمعنى النصرة، وهذا استدلال ضعيف لأنا إذَا حملنا تلك الولاية على التَّعظيم والإكرام، فهو أمرٌ مغاير للنصرة، لأنَّ الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض المهمات، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم، وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الإعانة، مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم، فسقط هذا الاستدلال. قوله: "مِن ولايتهم" قرأ حمزة هنا، وفي الكهف "الولاية لِلَّه" هو، والكسائي بكسر الواو، والباقون بفتحها. فقيل: لغتان. وقيل: بالفتحِ من "المَوْلَى" يقال: مَوْلَى بيِّن الولاية، وبالكسر من ولاية السلطان. قاله أبُو عبيدة. وقيل: بالفتح من النُّصْرَة والنَّسب، وبالكسر من الإمارة. قاله الزَّجَّاجُ قال: "ويجوز الكسرُ؛ لأنَّ في تولِّي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة والعمل، وكلُّ ما كان من جنس الصناعة مكسورٌ كالخياطة والقصارة"، وقد خطَّأ الأصمعيُّ قراءة الكسرِ، وهو المُخْطِىءُ، لتواترها. وقال أبُو عبيدٍ: "والذي عندنا الأخْذُ بالفتح في هذين الحرفين؛ لأنَّ معناهما من الموالاة في الدِّين". وقال الفارسي: "الفتحُ أجودُ؛ لأنَّها في الدِّينِ"، وعكس الفرَّاءُ هذا، فقال "يُريدُ من مواريثهم، فكسر الواو أحبُّ إليَّ من فتحها؛ لأنها إنَّما تفتح إذا كانت نصرة وكان الكسائيُّ يذهبُ بفتحها إلى النصرة، وقد سُمع الفتح والكسر في المعنى جَمِيعاً". قوله: "حتَّى يُهاجِرُوا" يُوهِمُ أنَّهم لمَّا لمْ يهاجروا مع رسُولِ الله سقطت ولايتهم مطلقاً فأزال الله هذا الوهم بقوله: {مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} أي: أنهم لو هاجروا لعادت تلك الولاية. قوله تعالى: {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ}. لمَّا بيَّن قطع الولاية بين تلك الطَّائفة من المؤمنين، بيَّن أنَّ المراد منه ليس هو المقاطعة التَّامة كما في حقِّ الكُفَّارِ، بل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا "لو استنصروكم فانصروهم" ولا تخذلوهم. قوله: "فَعَليْكُم النَّصْرُ" مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل عند الأخفش، ولفظةُ "عَلَى" تُشعرُ بالوُجُوبِ، وكذلك قدَّره الزمخشريُّ، وشَبَّهه بقوله: [الطويل] شعر : 2741 - عَلَى مُكْثِريهِمْ رِزْقُ مَنْ يَعْتَريهم وعِنْدَ المُقلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ تفسير : قوله: {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} أي: لا يجوز لكم نصرتهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك. ثم قال: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قرأ السلمي والأعرج: "يَعْمَلُون" بياء الغيبةِ وكأنه التفات، أو إخبار عنهم. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} الآية. اعلم أنَّ هذا ترتيبٌ في غاية الحسن؛ لأنَّهُ تعالى ذكر للمؤمنين أقساماً ثلاثة: الأول: المؤمنون من المهاجرين. والثاني: الأنصار وهم أفضل النَّاس وبيَّن أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضاً. والقسم الثالث: المؤمنون الذين لم يهاجروا. فهؤلاء لهم بسبب إيمانهم فضل، وبسبب تركِ الهجرة لهم حالة نازلة، فيكون حكمهم متوسطاً بمعنى أنَّ الولاية للقسم الأوَّل منفية عن هذا القسم، إلاَّ أنَّهم يكونون بحيثُ لو استنصروا المؤمنين، واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم، فهذا الحكم متوسط بين الإجلال، والإذلال، وأمَّا الكفار فليس لهم ما يوجب شيئاً من أسباب الفضيلة، فوجب كون المسلمين منقطعين عنهم من كل الوجوه، فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصرة. فصل قال ابن عباس "يرث المشركون بعضهم من بعض" وهذا إنما يستقيم إذا حملنا الولاية على الإرث، بل الحق أن يقال: إنَّ كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود فلمَّا ظهرت دعوة محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - تناصروا وتعاونوا على إيذائه ومحاربته، فالمراد من الآية ذلك. قوله "إلاَّ تَفْعَلُوه" الهاءُ تعودُ إمَّا على النَّصرِ، أو الإرث، أو الميثاق، أي: حِفْظه أو على جميع ما تقدَّم ذكره، وهو معنى قول الزمخشري: "إلاَّ تفعلُوا ما أمرتكُم به". وقرأ العامة "كبير" بالباء الموحدة، وقرأ الكسائيُّ فيما حكى عنه أبو موسى الحجازي "كثير" بالثَّاءِ المثلثة، وهذا قريب ممَّا في البقرة. والمعنى: قال ابن عبَّاسٍ: "إلاَّ تأخُذُوا في الميراثِ بِمَا أمرتُكُم بِهِ" وقال ابنُ جريجٍ: "إلاَّ تتعاونُوا وتتناصَرُوا". وقال غيرهم: إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التَّفاصيل المذكورة تحصل فتنة في الأرض، قوة الكفر، وفساد كبير، وضعف الإسلام. وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه: الأول: أنَّ المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم فربما صارت تلك المخالطة سبباً لالتحاق المسلم بالكافر، وثانيها: أن المسلمين إذا تفرقوا لم يظهر لهم جمع عظيم، فيصير ذلك سبباً لجراءة الكفار عليهم. وثالثها: إذا كان جمع المسلمين يزيد كل يوم في العدة والقوة، صار ذلك سبباً لمزيد رغبتهم في الإسلام ورغبة المخالف في الالتحاق بهم. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ}. زعم بعضهم أنَّ هذه الجملة تكرار للتي قبلها، وليس كذلك، فإنَّ التي قبلها تضمنت ولاية بعضهم لبعض، وتقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام، وبيان حكمهم في ولايتهم، وتناصرهم وهذه تضمَّنت الثناء والتشريف والاختصاص، وما آل إليه حالهم من المغفرة والرزق الكريم والمعنى: {أولئك هم المُؤمنونَ حقّاً} لا مرية ولا ريب في إيمانهم، وقيل: حققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذل المال في الدين، {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} الجنة. فإن قيل: فأي معنى لهذا التكرار. قيل: المهاجرون كانوا على طبقات، وكان بعضهم أهل الهجرة الأولى، وهم الذين هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتح مكَّة، وكان بعضهم ذا هجرتين، هجرة الحبشة، والهجرة إلى المدينة، فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى ومن الثانية الهجرة الثانية. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ}. هؤلاء هم القسم الرابع من مؤمني زمان محمد عليه الصلاة والسلام، الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة، إلاَّ أنهم بعد ذلك هاجروا إليه وجاهدوا معه. واختلفوا في قوله "مِنْ بعْدُ" فقال الواحدي، عن ابن عبَّاسٍ "بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية". وقيل: بعد نزول هذه الآية، وقيل: بعد يوم بدر، والأصحُّ أنَّ المراد: والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى، وهؤلاء هم التابعون، بإحسان، كما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ}تفسير : [التوبة: 100] والصحيح: أنَّ الهجرة انقطعت بفتح مكَّة، لأنَّ مكة صارت بلد الإسلام. وقال الحسن: "الهجرة غير منقطعة أبداً". وأما قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : لا هجْرةَ بعْدَ الفَتْحِ"تفسير : فالمراد الهجرة المخصوصة، فإنَّها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام، أما لو اتفق في بعض الأزمان كون المؤمنين في بلد، وهم قليلون، وللكافرين معهم شوكة، وإن هاجر المسلمون من تلك البلدة إلى بلد آخر ضعفت شوكة الكفار فهاهنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن؛ لأنَّ العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة قد حصلت فيهم. قوله {فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ} أي: معكم، يريد: أنتم منهم وهو منكم. ثم قال: {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ}. قالوا: المراد بالولاية ولاية الميراث، قالوا هذه الآية ناسخة؛ لأنَّهُ تعالى بيَّن أنَّ الإرث كان بسبب الهجرة والنصرة، والآن بعد نسخ ذلك فلا يحصل الإرث إلاَّ بسبب القرابة. وقوله: {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} أي: السهام المذكورة في سورة النِّساء، وأمَّا الذين فسَّرُوا الولاية بالنَّصرة والتَّعظيم قالوا: إنَّ تلك الولاية لمَّا كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في هذه الآية أنَّ ولاية الإرث إنَّما تحصل بسبب القرابة، إلاَّ ما خصَّ الدليل، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة هذا الوهم. فصل تمسَّك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام، وأجيبوا بأن قوله: {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} مجمل في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية. فلما قال: {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} كان معناه في الحكم الذي بيَّنه اللَّهُ في كتابه فصارت هذه الأولوية مقيَّدة بالأحكام التي بيَّنها اللَّهُ في كتابه وتلك الأحكام ليست إلاَّ ميراث العصبات، فيكونُ المرادُ من هذه المجمل هو ذلك فقط، فلا يتعدَّى إلى توريث ذوي الأرحام. فإن قيل تمسكوا بهذه الآية في أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب، لقوله: {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] فدل على ثبوت الأولوية، وليس في الآية شيء معين في ثبوت هذه الأولوية؛ فوجب حمله على الكل، إلاَّ ما خصّه الدَّليل، فيندرج فيه الإمامة، ولا يجوزُ أن يقال: إنَّ أبا بكر من أولي الأرحام، لما نقل أنَّهُ عليه الصلاة والسلام أعطاءه سورة براءة ليبلغها إلى القوم ثم بعت علياً خلفه وأمر أن يكون المبلغ هو علي، وقال: "حديث : لا يُؤدِّيها إلاَّ رجلٌ مِنِّي"تفسير : وذلك يدلُّ على أنَّ أبا بكر ما كان منه. والجوابُ: إن صحَّت هذه الدلالة كان العباس أولى بالإمامةِ؛ لأنَّهُ كان أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ عليٍّ. قول: {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} يجوزُ أن يتعلَّق بنصّ أولها أي: أحق في حكم الله أو في القرآن، أو في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هذا الحكمُ المذكور في كتاب الله. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي: أنَّ هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب، وليس فيها شيء من العبث؛ لأنَّ العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلاَّ بالصَّواب. روى أنس قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورة الأنفال وبراءة فأنَّا شَفِيعٌ لَهُ يوم القيامة، وشاهد أنَّه بريءٌ منَ النِّفاق وأعطي من الأجْرِ بعددِ كُلِّ مُنافقٍ ومُنافِقَةٍ في دارِ الدُّنْيَا عشر حسناتٍ، ومُحِيَ عنه عشرُ سيئاتِ، ورفع لهُ عشرُ درجاتٍ، وكان العَرْش وحملته يُصَلُّون عليه أيَّام حياتِهِ في الدنيا ".

البقاعي

تفسير : ولما بين للأسرى أن الخير الذي لم يطلع عليه من قلوبهم غير الله لا ينفعهم في إسقاط الفداء عنهم لأنه لا دليل عليه، وكل ما لا دليل عليه فحكمه حكم العدم، لأن مبنى الشرع على ما يمكن المكلف معرفته وهو الظواهر، وختم بصفتي العلم والحكمة، شرع يبين الخبر الذي يفيد القرب الذي تنبني عليه المناصرة وكل خير، فقال مقسماً أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أقسام: قسم جمع الإيمان والهجرة أولاً والجهاد، وقسم آوى، وقسم آمن ولم يهاجر، وقسم هاجر من بعد: {إن الذين آمنوا} أي بالله ورسوله {وهاجروا} أي واقعوا الهجرة من بلاد الشرك، وهم المهاجرون الأولون، هجروا أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم حباً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم {وجاهدوا} أي واقعوا الجهاد، وهو بذل الجهد في توهين الكفر وأهله. ولما كانت الآيات المتقدمه في آلات الجهاد من النفس والمال تارة بالحث على إنفاقه وأخرى بالنهي عن حبه وتارة بالتسلية للأسرى عند فقده، كان الأنسب تقديم قوله: {بأموالهم} أي بإنفاقهم لها في الجهاد وتضييع بعضها بالهجرة من الديار والنخيل وغيرها {وأنفسهم} بإقدامهم على القتال مع شدة الأعداء وكثرتهم؛ وقدم المال لأنه سبب قيام النفس، وكان في غاية العزة في أول الأمر، وأخر قوله: {في سبيل الله} أي الملك الأعظم لذلك، "وفي" سببية أي جاهدوا بسببه حتى لا يصد عنه صاد فتظهر محاسنه ويسهل المرور فيه من غير قاطع، ولعله عبر بـ"في" إعلاماً بأنه ينبغي أن يكون متمكناً من السبيل تمكن المظروف من ظرفه حتى يكون الدين غالباً عليه لا يخرج عنه بوجه من الوجوه، وأما في سورة براءة فلما كان السياق في بعض الأماكن بها للسبيل قدم - كما سيأتي، وأيضاً فإن هذه السورة نزلت في أوائل الأمر بعد وقعه بدر في السنة الثانية من الهجرة، وكان الحال إذ ذاك شديداً جداً، والأموال في غاية القلة، والأعداء لا يحصون، فناسب الاهتمام بشأن المال والنفس فقدما ترغيباً في بذلهما، وأما براءة فنزلت في غزوة تبوك في أواخر سنة تسع، فكان المال قد اتسع، والدين قد عز وضخم وقوي وعظم، وأسلم غالب الناس، فبعدت مواضع الجهاد فعظمت المشقة، وتواكل الناس بعضهم على بعض ورغبوا في الإقبال على إصلاح الأموال، فناسب البداءة هناك بالسبيل. ولما ذكر أهل الهجرة الأولى، أتبعهم أهل النصرة، وهم القسم الثاني من المؤمنين الذين كانوا على زمنه صلى الله عليه وسلم فقال: {والذين آووا} أي من هاجر إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فأسكنوهم في ديارهم، وقسموا لهم من أموالهم، وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم عن بعض نسائهم ليتزوجوهن، وأنما قصر الفعل إشارة إلى تعظيم فعلهم بحيث كأنه لا إيواء في الوجود غير ما فعلوا، وكذا قوله: {ونصروا} أي الله ورسوله والمؤمنين، وهم الأنصار رضي الله عنهم، حازوا هذين الوصفين الشريفين فكانوا في الذروة من كلتي الحسنيين، ولولا إيواؤهم ونصرهم لما تم المقصود، والمهاجرون الأولون أعلى منهم لسبقهم في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل ولحملهم الأذى من الكفار زماناً طويلاً وصبرهم على فرقة الأوطان والعشائر. وأشار إلى القسمين بأداة البعد لعلو مقامهم وعز مرامهم فقال: {أولئك} أي العالو الرتبة {بعضهم أولياء بعض} أي في الميراث دون القرب العاري عن ذلك، فبين أن الإيمان إن لم يقترن بشهيدين هما الهجرة والجهاد من الغرب عن المدينة وشهيدين هما الإيواء والنصرة من أهل المدينة، كان عائقاً عن مطلق القرب بل مانعاً من نفوذ لحمه النسب كل النفوذ، فكأن من آمن ولم يهاجر لم يرث ممن هاجر قاله ابن عباس رضي الله عنهما، ومادة ولي بجميع تصاريفها ترجع إلى الميل، ويلزم منه القرب والبعد، وربما نشأ عن كل منهما الشدة، وترتيب ولي بخصوصه يدور على القرب، ومن لوازمه النصرة، فالمعنى بعضهم أقرباء بعض، يلزم كلاً منهم في حق الآخر من المناصرة وغيره ما يلزم القريب لقريبه، فمتى جمعهم وصف جعلهم شركاء فيما يثمره، فوصف الحضور في غزوة يشرك بينهم في الغنائم، لأن أنواع الجهاد كثيرة، وكل واحد منهم باشر بعضها، فعن حضور الكل نشأت النصرة، والمهاجر في الأصل من فارق الكفار بقلبه ولاواهم، ورافق المؤمنين بحبه ولبه ووالاهم، لكن لما كان هذا قد يخفى، نيط الأمر بالمظنة وهي الدار، لأنها أمر ظاهر، فصار المهاجر من باعد دار المشركين فراراً بدينه، ثم صار شرط ذلك بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون النقلة إلى دار هجرته: المدينة الشريفة هذا حكم كل مهاجر إلا ما كان من خزاعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علم من مؤمنهم وكافرهم حبه ونصحه وبغض عدوه فلم يلزم مؤمنهم النقلة؛ قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في كتاب المدخل إلى الاستيعاب؛ ويقال لخزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم حلفاء بني هاشم وقد أدخلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب القضية عام الحديبية - إلى أن قال: وأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم منزلة لم يعطها أحداً من الناس أن جعلهم مهاجرين بأرضهم وكتب لهم بذلك كتاباً - انتهى. وقال شاعرهم نجيد بن عمران الخزاعي يفخر بذلك وغيره مما خصهم الله به على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : وقد أنشأ الله السحاب بنصرنا ركام سحاب الهيدب المتراكب وهجرتنا في أرضنا عندنا بها كتاب أتى من خير ممل وكاتب ومن أجلنا حلت بمكة حرمة لندرك ثأراً بالسيوف القواضب تفسير : ذكر ذلك الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في غزوة الفتح من سيرته، والذي تولى حلفهم أولاً هو عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، قال الواقدي في أول غزوة الفتح: وكانت خزاعة حلفاء لعبد المطلب، وكان رسول صلى الله عليه وسلم بذلك عارفاً، لقد جاءته يومئذ - يعني يوم الحديبية - خزاعة بكتاب عبد المطلب فقرأه وهو " باسمك اللهم هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة إذ قدم عليه وسراتهم وأهل الرأي، غائبهم مقر بما قضى عليه شاهدهم، إن بيننا وبينكم عهد الله وعقوده، ما لا ينسى أبداً، اليد واحدة والنصر واحد، ما أشرف ثبير وثبت حراء، وما بل بحر صوفة، لا يزداد فيما بيننا وبينكم إلا تجدداً أبداً أبداً، الدهر سرمداً" فقرأة عليه أبيّ بن كعب رضي الله عنه فقال: " ما أعرفني بحلفكم وأنتم على ما أسلمتم عليه من الحلف، وكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في الإسلام"؛ قال الواقدي: "وجاءته أسلم هو بغدير الأشطاط " جاء بهم بريده بن الحصيب فقال: يارسول الله هذه أسلم وهذه محالّها وقد هاجر إليك من هاجر منها وبقي قوم منهم في مواشيهم ومعاشهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم مهاجرون حيث كنتم، ودعاء العلاء بن الحضرمي فأمره أن يكتب لهم كتاباً فكتب "هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم لمن آمن منهم بالله وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فإنه آمن بأمان الله، وله ذمة الله وذمة رسوله، وإن أمرنا وأمركم واحد على من دهمنا من الناس بظلم، اليد واحدة والنصر واحد، ولأهل باديتهم مثل ما لأهل قرارهم وهم مهاجرون حيث كانوا" وكتب العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله! نعم الرجل بريدة بن الحصيب لقومه عظيم البركة عليهم، مررنا به ليلة مررنا ونحن مهاجرون إلى المدينة، فأسلم وأسلم معه من قومه من أسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل بريدة لقومه وغير قومه يا أبا بكر إن خير القوم من كان مدافعاً عن قومه ما لم يأثم، فإنة الإثم لا خير فيه" انتهى. وأسلم شعب من أربعة شعوب من خزاعة. ولما فتحت مكة، انقطعت الهجرة لظهور الدين وضعف المشركين، وقام مقام الهجرة النية الخالصة المدلول عليها بالجهاد كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم:" حديث : المهاجر من هجر ما نهى الله عنه"تفسير : فإن كان المؤمن لا يتمكن من إظهار دينه وجبت عليه النقلة. ولما بين سبحانه تعالى أمر من جمع الشروط، شرع يبين حكم من قعد عن بعضها وهو القسم الثالث فقال؛ {والذين آمنوا} أي اشتهر إيمانهم {ولم يهاجروا} أي قبل الفتح بل استمروا في بلادهم {ما لكم من ولايتهم} وأغرق في النفي فقال: {من شيء} أي في التوارث ولا في غيره؛ ورغبهم في الهجرة بقوله: {حتى يهاجروا} أي يواقعوا الهجرة لدار الشرك ومن فيها {وإن استنصروكم} أي طلبوا نصركم {في الدين} أي بسبب أمر من أموره وهم متمكنون من الدين تمكن المظروف من الظرف {فعليكم النصر} أي واجب عليكم أن تنصروهم على المشركين، فالمعنى أنه ليس لهم عليكم حق القريب إلا في الاستنصار في الدين، فإن ترك نصرهم يجر إلى مفسدة كما أن موالاتهم تجر إلى مفاسد؛ ثم استثنى من الوجوب فقال: {إلا على قوم} وقع وكان {بينكم وبينهم ميثاق} أي لأن استنصارهم يوقع بين مفسدتين: ترك نصرة المؤمن ونقض العهد وهو أعظمهما فقدمت مراعاته وتركت نصرتهم، فإن نصرهم الله على الكفار فهو المراد من غير أن تدنسوا بنقض، وإن نصر الكفار حصل لمن قتل من إخوانكم الشهادة ولمن بقي الضمان بالكفاية، وكان ذلك داعياً لهم إلى الهجرة، ومن ارتد منهم أبعده الله ولن يضر إلا نفسه والله غنى حميد، فقد وقع - كما ترى - تقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام: أعلاها المهاجر، ويليه الناصر، وأدناها القاعد القاصر، وبقي قسم رابع ياتي؛ قال أبو حيان: فبدأ بالمهاجرين - أي الأولين - لأنهم أصل الإسلام وأول من استجاب لله تعالى، فهاجر قوم إلى المدنية، وقوم إلى الحبشة، وقوم إلى ابن ذي يزن، ثم هاجروا إلى المدينة وكانوا قدوة لغيرهم في الإيمان وسبب تقوية الدين"حديث : من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامه" تفسير : وثنى بالأنصار لأنهم ساووهم في الإيمان وفي الجهاد بالنفس والمال، لكنه عادل بالهجرة الإيواء والنصرة، وانفرد المهاجرون بالسبق، وذكر ثالثاً من آمن ولم ينصر، ففاتهم هاتان الفضيلتان وحرموا الولاية حتى يهاجروا، ثم قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجري يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري، ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري، قال ابن زيد: واستمر أمرهم كذلك إلى فتح مكة - انتهى. لكن ما ذكر ابن عبد البر - كما سيأتي - من أن حكم ذلك زال بوقعه بدر أولى للآية الآتية آخر السورة مع ما يؤيد ذلك من آية الأحزاب. ولما كان التقدير: فالله بمصالحكم خبير، وكان للنفوس دواع إلى مناصرة الأقارب والأحباب ومعاداة غيرهم خفية، ولها دسائس تدرك، حذر من ذلك بقوله عاطفاً على هذا المقدر: {والله} أي المحيط علماً وقدرة، ولما كان السياق لبيان المصالح التي تنظم الدين وتهدم ما عداه، وكان للنفوس - كما تقدم - أحوال، اقتضى تأكيد العلم بالخفايا فقدم الجار الدال على الاختصاص الذي هو هنا كناية عن إحاطة العلم فقط مرهباً: {بما تعملون بصير*} وفي ذلك أيضاً ترغيب في العمل بما حث عليه من الإيمان والهجرة والنصرة والإنفاق والتحري في جميع من ذلك وترهيب من العمل بأضدادها، وفي "البصير" إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصاً أو مشوباً، ففيه مزيد حث على الإخلاص. ولما بين شرط موالاة المسلم، بين مولاة الكافر وما يجب من مناظرتهم ومباراتهم فيها، وأنه لا شرط لها غير مطلق الكفر فإنه وإن اختلفت أنواعه وتباعدت أنحاؤه - يجمعه عداوة الله و ولاية الشيطان فقال: {والذين كفروا} أي أوجدوا هذا الوصف على أي حال كانوا فيه {بعضهم أولياء بعض} أي في الميراث والنصرة وغيرهما، وهو خبر محض مشير إلى نهي المسلم عن موالاتهم، وأما الذي مضى في حق المؤمنين فهو أمر في صورة الخبر وصيغته، يعني أن في كل من الكفار قوة الموالاة للآخر عليكم والميل العظيم الحاث لهم على المسارعة في ذلك وإن اشتدت عداوة بعضهم لبعض لأنكم حزب وهم حزب، يجمعهم داعي الشيطان بوصف الكفران كما يجمعكم داعي الرحمن بوصف الإيمان، قال أبو حيان: كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يعادي أهل الكتاب منهم قريشاً ويتربصون بهم الدوائر،فصاروا بعد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يوالي بعضاً وإلباً واحداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. وما ذكره مذكور في السير مشهور عند أهل الأثر {إلا تفعلوه} أي مثله من تولي المؤمنين ومعاداة الكافرين كما يفعل الكفار بالتعاضد والتعاون بالنفس والمال كما أرصدوا مال العير الذي فاتكم حتى استعانوا به على قتالكم في أحد، فاللائق بكم أن تكونوا أعظم منهم في ذلك، لأنهم يريدون بذلك رم واهي دنياهم الفانية وأنتم تبنون آخرتكم الباقية، وداعيكم ولي غنى وداعيهم عدو دنى فضلاً عن أن تنزلوا إلى حضيض التنازع في الغنائم {تكن فتنة} أي عظيمة {في الأرض} اي خلطة مميلة للمقاصد عن وجوهها {وفساد كبير*} أي ينشأ عن تلك الفتنة، والكبير ناظر إلى العظم، وقرىء شاذاً بالمثلثة فيكون عظمة حينئذ مخصوصاً بالأنواع، وبيان الفساد أنه إذا قارب المؤمن الكافر والكافر المؤمن وتناصروا أو ترك المؤمنون التناصر فيما بينهم انخّل النظام فاختل كل من النقض والإبرام، فاختلف الكلام فتباعدت القلوب، فتزايدت الكروب، فالواجب عليكم أن تكونوا إلباً واحداً ويداً واحدة في الموالاة وتقاطعوا الكفار بكل اعتبار ليقوم أمركم وتطيب حياتكم، وتصلح غاية الصلاح دنياكم وآخرتكم، والآية شاملة لكل ما يسمى تولياً حتى في الإرث وقتال الكفار ومدافعة المسلمين بالأمر والإنكار، ولما ترك بعض العلماء إعانة بعض فئة حصل ما خوف الله تعالى منه من الفتنة والفساد حتى صار الأمر إلى ما ترى من علو المفسدين وضعف أهل الدين، فالأمر بالمعروف فيهم في غاية الذل والغربة، يرد عليه أدنى الناس فلا يجد له ناصراً، ويجد ذلك الآخر له على الرد أعواناً كثيرة، وصار أحسن الناس حالاً مع الأمراء وأعظمهم له محبة من يقنع بلومه على فعله ظناً منه أن ذلك شفقة عليه - والله المستعان.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله‏} ‏ قال‏:‏ إن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاث منازل‏.‏ منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه في الهجرة، خرج إلى قوم مؤمنين في ديارهم وعقارهم وأموالهم، وفي قوله ‏ {‏والذين آووا ونصروا‏}‏ وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة وشهروا السيوف على من كذب وجحد، فهذان مؤمنان جعل الله بعضهم أولياء بعض، وفي قوله ‏ {‏والذين آمنوا ولم يهاجروا‏} ‏ قال‏:‏ كانوا يتوارثون بينهم إذا توفي المؤمن المهاجر بالولاية في الدين، وكان الذي آمن لم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر، فبوأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي الولاية التي قال الله ‏ {‏ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق‏} ‏ وكان حقاً على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قوتلوا، إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق، ولا نصر لهم عليهم إلا على العدو الذي لا ميثاق لهم، ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك‏:‏ أن ألحق كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين آمنوا ولم يهاجروا، فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيباً مفروضاً لقوله ‏{أية : ‏وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم‏}‏ ‏تفسير : [‏الأنفال : 75‏]‏‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، فآخى بين حمزة بن عبد المطلب وبين زيد بن حارثة وبين عمر بن الخطاب ومعاذ بن عفراء، وبين الزبير بن العوّام وعبد الله بن مسعود وبين أبي بكر الصديق وطلحة بن عبيد الله، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع‏.‏ وقال لسائر أصحابه‏:‏ تآخوا وهذا أخي - يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه - قال‏:‏ فأقام المسلمون على ذلك حتى نزلت سورة الأنفال، وكان مما شدد الله به عقد نبيه صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى ‏ {‏إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏لهم مغفرة ورزق كريم‏} ‏ فأحكم الله تعالى بهذه الآيات العقد الذي عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، يتوارث الذين تآخوا دون من كان مقيماً بمكة من ذوي الأرحام والقرابات، فمكث الناس على ذلك العقد ما شاء الله، ثم أنزل الله الآية الأخرى فنسخت ما كان قبلها فقال ‏ {‏والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام‏}‏ والقرابات ورجع كل رجل إلى نسبه ورحمه، وانقطعت تلك الوراثة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض‏}‏ يعني في الميراث، جعل الله الميراث للمهاجرين والأنصار دون الأرحام ‏ {‏والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء‏}‏ ما لكم من ميراثهم شيء ‏ {‏حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين‏}‏ يعني إن استنصر الأعراب المسلمون المهاجرين والأنصار على عدولهم فعليهم أن ينصروهم ‏ {‏إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق‏} ‏ فكانوا يعلمون على ذلك حتى أنزل الله تعالى هذه الآية ‏ {‏وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله‏} ‏ فنسخت التي قبلها وصارت المواريث لذوي الأرحام‏. وأخرج أبو عبيدة وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا‏}‏ قال‏:‏ كان المهاجر لا يتولى الأعرابي ولا يرثه وهو مؤمن ولا يرث الأعرابي المهاجر، فنسختها هذه الآية ‏ {‏وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله‏}‏‏ . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏والذين آمنوا ولم يهاجروا‏} ‏ قال‏:‏ كان الأعرابي لا يرث المهاجر ولا المهاجر يرث الأعرابي حتى فتحت مكة ودخل الناس في الدين أفواجاً، فأنزل الله ‏ {‏وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله‏}‏‏ . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا‏}‏ قال‏:‏ نزلت هذه الآية فتوارثت المسلمون بالهجرة، فكان لا يرث الأعرابي المسلم من المهاجر المسلم شيئاً حتى نسخ ذلك بعد في سورة [الأحزاب: 6] ‏{أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين‏} تفسير : فخلط الله بعضهم ببعض وصارت المواريث بالملل‏. وأخرج أحمد ومسلم عن بريدة رضي الله عنه قال ‏"‏حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً على سرية أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً، وقال‏:‏ اغزوا في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم‏.‏ ادعهم إلى الإِسلام فإن أجابوك فأقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين واعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم فاعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن آتوا فأقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابو داود والنسائي والحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه قال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق‏}‏ قال‏:‏ نهى المسلمون عن أهل ميثاقهم فوالله لأخوك المسلم أعظم عليك حرمة وحقاً والله أعلم‏.‏

التستري

تفسير : وقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ}[72] قال: جميع الطاعات لله جهاد النفس، وليس جهاد أسهل من جهاد السيف، ولا جهاد أشد من مخالفة النفس.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ} [الآية: 72]. قال أبو يزيد: جهاد النفس فى هجرانها نزعها عن المألوفات، وإجراؤها فى سبيل الله بإسقاط العلائق من المال والأهل، وذلك قوله: {هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ}. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ} إلى قوله: {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} [الآية: 74]. قال شقيق: الجهاد ثلاثة. جهاد فى سرك مع الشيطان. وجهاد فى ظاهرك على أداء الفرائض. وجهاد بنفسك مع أعداء الله. قال بعضهم: {هَاجَرُواْ} أى فارقوا قرناء السوء والأعمال القبيحة والدعاوى الباطلة. قال بعضهم: {آمَنُواْ}: صدقوا تصديق القلوب، وهاجروا وتركوا الشبهات من الأموال والأصحاب والإخوان والأخدان وجاهدوا الأنفس على ملازمة الحق واتباع الرشد، أولئك الذين جرت لهم السعادة فى الأزل بتحقيق الإيمان. قال أبو بكر الفارسى: فضل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم على الخلق بشيئين: بصحبتهم للنبى صلى الله عليه وسلم والمجاهدة معه، وهجرتهم إلى الله بالسرائر وغربتهم مع أنفسهم، ألا ترى الله يقول: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قال: آمنوا من طوارق الخذلان وهاجروا بقلوبهم فى ملكوت الغيوب وجاهدوا أنفسهم على طاعة رسوله: {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} حقيقة إيمانهم لما قدَّم من الثناء عليهم.

القشيري

تفسير : ذَكَرَ صفةَ المهاجرين مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصفتهم أنهم آمنوا ثم هاجروا مع الرسول صلوات الله عليه وسلامه، ثم {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} هؤلاء هم المهاجرون. أما الذين آووا فهم الأنصار؛ آووا الرسول - عليه السلام - والمؤمنين. فهذان الفريقان بعضهم أولياء بعض في النصرة والدين. وأما الذين آمنوا ولكن لم يهاجروا فليست لهم هذه الموالاة إلى أن يهاجروا، وإنْ استعانوا بكم فعليكم نصرهم. {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ} وهم المُعاهِدون معكم. وكمالُ الهجرةِ مفارقَةُ الأخلاق الذميمة، وهجران النَّفْس في تَرْكِ إجابتها إلى ما تدعو إليه من شهواتها. ومن ذلك هجران إخوان السوء، والتباعد عن الأوطان التي باشر العبدُ فيها الزَّلة، ثم الهجرة من أوطان الحظوظ إلى أوطان رضاء الحق. وأما قوله {وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ} فهم الذين يؤثرون إخوانَهم على أَنْفُسِهم ولو كان بهم خصاصة، عَوَامُّ هؤلاء في الأمور الدنيوية، وخواصُّهم في الكرائم في الآخرة، وخاصُّ الخاصِّ في كل ما يصحُّ به الإثبات من سنِّي الأحوال إلى ما لا يدرك الوهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {إن الذين آمنوا} بالله تعالى وبمحمد عليه الصلاة والسلام وبالقرآن {وهاجروا} اوطانهم وهى مكة حبا لله ولرسوله {وجاهدوا باموالهم} بان صرفوها الى الكراع والسلاح وانفقوها على المحاويج {وانفسهم} بمباشرة القتال واقتحام المعارك والخوض فى المهالك ولعل تقديم الاموال على الانفس لان المجاهدة بالاموال اكثر وقوعا واتم دفعا للحاجة حيث لا تتصور المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال هكذا فى تفسير الارشاد. يقول الفقير اصلحه الله القدير وجه التقديم عندى ان المال من توابع النفس والوجود وتوابعها اقدم منها فى البذل. وفى الآية اسلوب الترقى من الادنى الى الاعلى ولذا قال سادات الصوفية قدس الله اسرارهم بذل المال فى مقابلة توحيد الافعال وبذل الوجود فى مقابلة توحيد ذات المعبود {فى سبيل الله} متعلق بجاهدوا قيد لنوعى الجهاد والمراد بسبيل الله الطريق الموصل الى ثوابه وجناته ودرجاته وقرباته وهو انما يكون موصلا بالاخلاص فبذل المال والنفس بطريق الرياء لا يوصل الى رضى الله ذى العظمة والكبرياء اللهم اجعلنا من الذين جاهدوا فى سبيلك لا فى سبيل غيرك: قال الشيخ المغربى قدس سره شعر : كل توحيد نرويد ززمينى كه درو خار شرك وحسدو وكبروريا وكين است تفسير : {والذين آووا} النبى والمهاجرين معه اى اعطوهم المأوى وانزلوهم ديارهم بالمدينة والايواء الضم {ونصروا} اى نصروهم على اعدائهم واعانوهم بالسيف على الكفار فالاول فى حق المهاجرين والثانى فى حق الانصار والانصار كالعلم للقبيلتين الاوس والخزرج ولهذا جازت النسبة الى لفظ الجمع حيث قالوا الانصارى نسبة الى الانصار وسموا الانصار لانهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وواحد الانصار نصير كشريف واشراف: قال السلطان سليم الاول شعر : شاهنشه آن كدا كه بودخاك راه او آزاد بنده كه كرفتار مطفاست آن سينه شادكزغم اوساخت دل حزين وآن جاه عزيز كزبى ايثار مصطفاست تفسير : {أولئك} الموصوفون بما ذكر من النعوت الفاضلة {بعض اولياء بعض} فى الميراث وكان المهاجرون والانصار يتوارثون ابلهجرة والنصرة دون الاقارب حتى نسخ بقوله {أية : وأولوا الأرحام بعضهم اولى ببعض} تفسير : [الأنفال: 75 والأحزاب: 6] اى اولى بميراث بعض من الاجانب. والحاصل ان التوارث فى الابتداء بالهجرة والنصرة لا بمجرد القرابة فكان المهاجر يرثه اخوه الانصارى اذا لم يكن بالمدينة ولىّ مهاجرى ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجرى واستمر امرهم كذلك الى ان فتحت مكة فسقطت فرضية الهجرة ثم توارثوا بالقرابة. فالاولياء جمع ولى كصديق واصدقاء والولى من الولى بمعنى القرب والدنو فكأنه قيل بعضهم اقرباء بعض لا قرابة بينهم وبين من لم يؤمن ولا بين من آمن ولم يهاجر كما قال تعالى {والذين آمنوا ولم يهاجروا} كسائر المؤمنين {ما لكم من ولايتهم من شيء} اى من توليهم فى الميراث وان كانوا من اقرب اقاربكم {حتى يهاجروا} ولما بين تعالى ان حكم المؤمن الذى لم يهاجر انقطاع الولاية بينه وبين المؤمنين وتوهم انه يجب ان يتحقق بينهم التقاطع التام لتحققه بينه وبين الكفار ازال هذا الوهم بقوله {وان استنصروكم فى الدين} اى ان طلب منكم المؤمنون الذين لم يهاجروا النصرة {فعليكم النصر} اى فوجب عليكم نصرهم على من يعاديهم فى الدين {إلا على قوم} منهم {بينكم وبينهم ميثاق} اى الا اذا كان من يعاديهم ويحاربكم من الكفار بينهم وبينكم عهد موثق فحينئذ يجب عليكم الوفاء بالعهد وترك المحاربة معهم ولا يلزمكم نصر الذين آمنوا ولم يهاجروا عليهم بل الاصلاح بينهم على وجه غير القتال {والله بما تعملون بصير} فلا تخالفوا امره كيلا يحل بكم عقابه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {إن الذين آمنوا وهاجروا} أوطانهم في الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنصرة الدين بالجهاد، {وجاهدوا بأموالهم} فصرفوها في الإعداد للجهاد، كالكراع والسلاح، وأنفقوها على المجاريح، {وأنفسهم في سبيل الله}؛ بمباشرة القتال، {والذين آوَوْا} رسول الله ومن هاجر معه، وواسوهم بأموالهم {ونصرُوا} دين الله ورسوله، {أولئك بعضُهم أولياءُ بعض} في التعاون والتناصر، أو في الميراث. وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب، حتى نسخ بقوله:{أية : وَأُولُوا الأَرحَامِ بَعضُهُم أَولَى بِبعضٍ}تفسير : [الأحزاب: 6]. ثم ذكر من لم يهاجر فقال: {والذين آمنوا ولم يُهاجِروا ما لكم من ولايتهم من شيء}؛ لا في النصرة، ولا في الميراث، {حتى يُهاجِروا} إليكم، {وإنِ استنصروكم} على المشركين {في} إظهار {الدين فعليكم النصرُ} أي: فواجب عليكم نصرهم وإعانتهم، لئلا يستولي الكفر على الإيمان، {إلا على قوم} كان {بينكم وبينهم} عهد {ميثاق}، فلا تنقضوا عهدهم بنصرهم. فإن الخيانة ليست من شأن أهل الإيمان، {والله بما تعملون بصيرٌ} لا يخفى عليه من أوفى ومن نقص. {والذين كفروا بعضُهم أولياءُ بعضِ} في الميراث. ويدل بمفهومه، على منع التوراث والمؤازرة بينهم وبين المسلمين. {إلا تفعلُوه} أي: إلا تفعلوه ما أُمرتم به من موالاة المؤمنين ونصرتهم، أو نصرة من استنصر بكم ممن لم يهاجر، {تكن فتنةٌ في الأرضِ}؛ باستيلاء المشركين على المؤمنين، {وفسادٌ كبير} بإحلال المشركين أموال المؤمنين وفروجهم، أو: إلاّ تفعلوا ما أمرتم به من حفظ الميثاق، تكن فتنة في الأرض، فلا يفي أحد بعهد أبداً، وفساد كبير بنهب الأموال والأنفس. الإشارة: أهل التجريد، ظاهراً وباطناً، هم الذين آمنوا وهاجروا حظوظهم، وجاهدوا نفوسهم بسيوف المخالفة وآوَوا من نزل أو التجأ إليهم من إخوانهم أو غيرهم، أو آووا أشياخهم وقاموا بأمورهم، ونصروا الدين بالتذكير والإرشاد والدلالة على الله، أينما حلوا من البلاد، أولئك بعضهم أولياء بعض في العلوم والأسرار، وكذلك في الأموال. فقد قال بعض الصوفية: (الفقراء: لا رزق مقسوم، ولا سر مكتوم). وهذا في حق أهل الصفاء من المتحابين في الله. والذين آمنوا ولم يهاجروا هم أهل الأسباب من المنتسبين، فقد نهى الله عن موالاتهم في علوم الأسرار وغوامض التوحيد؛ لأنهم لا يطيقون ذلك؛ لشغل فكرتهم الأسباب أو بالعلوم الرسمية، نعم، إن وقعوا في شبهة أو حيرة، وجب نصرهم بما يزيل إشكالهم، لئلا تقع بهم فتنة أو فساد كبير في اعتقادهم. والله تعالى أعلم. ثم أثنى على المهاجرين والأنصار، فقال: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة {ولايتهم} بكسر الواو. الباقون بفتحها. قال الزجاج: إنما جاز الكسر لأنه يشبه الصناعة كالخياطة والقصارة والحياكة، وقال الشاعر في الفتح: شعر : دعيهم فهم ألب علي ولاية وحفرهم ان يعلموا ذاك دائب تفسير : قال ابو عبيدة: بفتح الواو مصدر المولى تقول: مولى بين الولاية وإذا كسرت فهو من وليت الشيء. قال ابو الحسن: يفتح الواو من الولاية إلا الولاية في السلطان بكسر الواو، وكسر الواو في الاخرى لغة. وقرأ الاعمش بكسر الواو من الولاية في الدين هنا. قال ابو علي الفارسي: الولاية ها هنا في الدين والفتح أجود. قال ابو الحسن. وهي قراءة الناس. وعن الأعمش أنه كسر الواو، وهي لغة. وليست بذلك. قال المبرد عن الاصمعي: ان الأعمش لحن في كسره لذلك. قال ابو علي: إذا كان ذلك لغة لا يكون لحناً. قال الفراء: والكسر أحب الي، لأنها ولاية المواريث. وقال الازهري: في النصرة والنسب بفتح الواو. وفي الامارة بكسرها. اخبر الله تعالى في هذه الآية عن احوال المؤمنين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة بقوله {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} وعن احوال الأنصار بقوله {والذين آووا ونصروا} يعني النبي صلى الله عليه وآله. ثم قال {أولئك} يعني المهاجرين والانصار {بعضهم أولياء بعض} والهجرة فراق الوطن إلى غيره من البلاد فراراً من المفتنين في الدين، لأنهم هجروا دار الكفار إلى دار الاسلام. والجهاد تحمل المشاق في قتال اعداء الدين جاهد جهاداً وجهده الأمر جهداً واجتهد اجتهاداً، وجاهد مجاهدة. والايواء ضم الانسان صاحبه اليه بانزاله عنده وتقريبه له، تقول: آواه يؤويه ايواء واوى يأوي اوياً، وأويت معناه رجعت إلى المأوى. والولاية عقد النصرة للموافقة في الديانة. ثم اخبر الله تعالى عن الذين آمنوا ولم يهاجروا من مكة إلى المدينة فقال {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء} وقيل في معناه قولان: احدهما - ولاية القرابة نفاها عنهم لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الرحم - في قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي - وعن ابي جعفر عليه السلام انهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الاولى. الثاني - انه نفي الولاية التي يكونون بها يداً واحدة في الحل والعقد، فنفى عن هؤلاء ما اثبته للأولين حتى يهاجروا. ثم قال {وإن استنصروكم} اي طلبوا نصركم {في الدين} يعني الذين آمنوا ولم يهاجروا {فعليكم النصر} اي نصرهم بسبب الايمان الذي يجب علكيم ان تنصروهم على الكفار {إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق}، يعني موادعة ومهادنة تقتضيه من جهة ان عقدهم بخلاف عقدهم. وقيل انه نسخ ذلك بقوله {أية : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}. تفسير : وقوله {والله بما تعملون بصير} يعني عالم بما يعملونه.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالايمان العامّ بقبول الدّعوة الظّاهرة والبيعة العامّة {وَهَاجَرُواْ} من دار الشّرك الى مدينة الرّسول (ص) {وَجَاهَدُواْ} مع اعداء الرّسول (ص) {بِأَمْوَالِهِمْ} ببذلها على أنفسهم وعلى المجاهدين فى الجهاد {وَأَنْفُسِهِمْ} ببذلها بالقتل فى سبيل الله حالكونهم {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} او فى حفظ سبيل الله وهو النّبوّة او فى تحصيل سبيل الله وهو الولاية، او المعنى انّ الّذين آمنوا بالايمان العامّ من افراد الانسان فى العالم الكبير ومن اولاد آدم الّذين هم القوى الانسانيّة فى العالم الصّغير وهاجروا من اوطان شركهم النّفسانيّة الى مدينة صدورهم الّتى هى مدنية رسولهم الباطنىّ، وجاهدوا فى سبيل الله الّذى هو سبيل القلب بأموالهم الحقيقيّة الّتى هى قواهم ومداركهم بتضعيفها بالرّياضات والمجاهدات، او المعنى انّ الّذين آمنوا بالايمان الخاصّ بالبيعة الخاصّة وهاجروا من اوطان شركهم الى مدن صدورهم وجاهدوا بأموالهم الحقيقيّة وأنفسهم حال كونهم فى سبيل الله وهو طريق الولاية الموصلة لسالكها الى الفناء فى الله او فى حفظ سبيل الله وكلّ المعانى لكونها مترتّبة متصاعدة طوليّةً لا عرضيّة مرادة من غير لزوم استعمال اللّفظ فى اكثر من معنىً كما مرّ مراراً {وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ} هم الانصار الصّوريّة بحسب المعنى الاوّل وبحسب المعانى الاخر من يليق بها {أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} اولياء المحبّة ادّاه بصورة الخبر اشارة الى انّ ولاية المحبّة لازمة لهم او اولياء الميراث كما ورد فى الاخبار وورد انّها منسوخة بآية اولوا الارحكام بعضهم اولى ببعضٍ {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة او بالبيعة الخاصّة {وَلَمْ يُهَاجِرُواْ} من دار الشّرك الصّوريّة او من دار الشّرك النّفسانيّة {مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ} لانّهم لم يقرنوا وصلهم الصّورىّ الحاصل بالبيعة الصّوريّة بالوصل المعنوىّ بالخروج فى طريق الخليفة الصّوريّة او الباطنيّة فلم يتّصلوا معنىً بكم ولا بمن اتّصلتم به فلا ولاية ولا اتّصال بينكم وبينهم فلا توارث ولا موادّة بينكم وبينهم {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ} لافى الامور الدّنيويّة اعتباراً لمفهوم القيد {فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} لانّ وصلتهم الصّوريّة لها حرمة وعليكم بها حقّ لهم {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} فانّ الميثاق وان كان حقّه وحرمته ادون من البيعة والاسلام لكن هو ايضاً وصلة بنحو ولها حرمة ولا قوّة للوصلة الاسلاميّة من دون اقترانها بالوصلة المعنويّة بحيث تفوق تلك الوصلة {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من موالاة من امرتم بموالاته وترك موالاة من امرتم بترك موالاته {بَصِيرٌ وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ} بترك البيعة النّبويّة او الولويّة {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} بحكم السّنخيّة والمجانسة والاّ فهم كالكلاب الضّارية يعضّ بعضها بعضاً، نعم اذا رأت غير جنسها اتّفقت وحملت مجتمعةً عليه: شعر : متّحد جانهاى شيران خداست جان كركان وسكان ازهم جداست تفسير : {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ} يعنى ما ذكرنا من الموالاة وتركها انّما هو لصلاح نظام المعاش مؤدّيا الى نظام المعاد لانّه يورث الاتّحاد فى الآراء، وفى ترك موالاة المؤمنين المهاجرين وموالاة الكفّار وان كانوا ارحاماً يحصل اختلاف الآراء وبه يحصل فساد نظام المعاش وفى فساد للنّاقصين فساد نظام المعاد فالمراد بالفتنة اختلاف الآراء المستتبع للفاسد {فِي ٱلأَرْضِ} ارض العالم الكبير وارض العالم الصّغير {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} لتجرّى الكفّار باختلاف آرائكم عليكم واطّلاعهم بموالاتكم على ما يمكنهم الغلبة به عليكم.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا} أي إلى المدينة {وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ} يعني المهاجرين {وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا} يعني الأنصار آووا المهاجرين لأنهم أهل الدار ونصروا الله ورسوله. { أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} يعني المهاجرين والأنصار. ذكروا أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن بذلاً في كثير، ولا أحسن مواساة في قليل، قد كفونا المؤونة، وأشركونا في المَهْنَإِ؛ قد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: كلاّ ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم. قوله: { وَالَّذِينَءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} هذا في الميراث. قال بعضهم: نزلت هذه الآية فتوارث المسلمون زماناً بالهجرة. وكان الأَعرابي المسلم لا يرث من قريبه المهاجر شيئاً. [ثم نسخ ذلك] في سورة الأحزاب في هذه الآية: (أية : وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُهَاجِرِينَ)تفسير : [الأحزاب:6] فخلط الله المؤمنين بعضهم ببعض وصارت المواريث بالملل. غير واحد من العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا يتوارث أهل ملتين تفسير : ذكر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر، لا يتوارث أهل ملتين شتى تفسير : وقال الحسن: أراد أن يحض الأَعراب على الهجرة، فلم يكن الأَعرابي يرث المهاجر ولا المهاجر الأَعرابي. وهو منسوخ. قوله: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} لهم، يعني الأعراب، لحرمة الإِسلام. {إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} يعني أهل الموادعة وأهل العهد من مشركي العرب، من كان بينه وبين رسول الله عهد، فنِهُي المسلمون عن أهل ميثاقهم { وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. قوله: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي في الألفة والجماعة على معاصي الله. { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}. نزلت هذه الآية حين أُمِر النبي بقتال المشركين كافة، وقد كان قوم من المشركين يكونون بين رسول الله وبين حربه من قريش. فإذا أرادهم رسول الله قالوا له: ما تريد منا ونحن كافّون عنك، وقد نرى ناركم. وكان أهل الجاهلية يعظمون النار لحرمة قرب الجوار، لأنهم إذا رأوا نارهم فهم جيرانهم. وإذا أرادهم المشركون قالوا: ما تريدون منا ونحن على دينكم. فأنزل الله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي: فألحقوا المشركين بعضهم ببعض حتى يكون حكمكم فيهم واحداً. {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ} أي شرك {فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}. وقال بعضهم: كان [ينزل] الرجل بين المشركين والمسلمين فيقول: أيهم ظفر كنت معه، فأنزل الله في ذلك. فلا تراءى ناران: نار مشرك ونار مسلم إلا صاحب جزية مُقِرّ بها. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى أناس من خثعم كان فيهم لهم وليجة ولجوا إليهم. فلما رأوهم استعصموا بالسجود فقتل بعضهم. فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال:حديث : أَعطوهم نصف العقل. ثم قال يومئذٍ عند ذلك:ألا إني بريء من كل مسلم مع مشرك في داره. قيل: لِمَ يا رسول الله؟ قال: ألا لا تراءى ناراهما تفسير : ذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو منهم تفسير : . وهذا مثل الحديث الأول.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذينَ آمنُوا وهَاجرُوا} أوطانهم، وأقاربهم، وأموالهم حبا لله ورسوله، والمفاعلة لأنك إذا هجرت شيئا فقد هجرك {وجاهَدُوا بأمْوالهم} كالإنفاق والسلاح والخيل {وأنفُسهِم فى سبيلِ اللهِ} بمباشرة القتال وهم المهاجرون الأولون {والذين آوَوْا ونَصرُوا} ضموا النبى صلى الله عليه وسلم والمهاجرين إلى منازلهم، وأسكنوهم إياها، وقاموا بهم ونصروهم على أعدائهم المشركين والمنافقين، وهم الأنصار رضى الله عنهم {أولئِكَ بعْضُهم أولياءُ بعضٍ} فى الميراث والنصر. {والَّذينَ آمنُوا ولَم يُهاجِرُوا مَا لكُم مِن وَلايَتهمْ} ميراثهم ونصرهم {مِنْ شئٍ حتَّى يُهاجرُوا} كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة دون أقاربهم من الكفار، حتى فتحت مكة، ونسخت الهجرة نسخ ذلك بقوله سبحانه: {وأولوا الأرحام} الخ فتوارثوا بالأرحام، وكان الرجل قبل ذلك يسلم ولا يهاجر فلا يرثه أخوه، ولا يرث أخاه فى النسب، وآخى النبى صلى الله عليه وسلم بين أبى بكر وخارجة، وبين أبى عبيدة وسعد بن معاذ على المواساة، وأن يتوارثوا بعد الموت دون ذوى الأرحام وقال: "حديث : تواخوا فى الله أخوين" تفسير : واحد من الأنصار وواحد من المهاجرين. وآخى قبل الهجرة أيضا بين المسلمين فى مكة، كما روى أنه آخى بين أبى بكر وعمر، وكان إذا مات المهاجر وترك أخاه الأنصارى، وأخاه النسبى، وإذا مات الأنصارى وترك أخاه النسبى المؤمن، وأخاه المهاجر ورثه النسبى كما ذكره ابن عباس، والحسن، وابن زيد، ومجاهد، وقتادة. وروى أنه آخى بين المهاجرين والأنصار بعد قدومه بخمسة أشهر، وكانوا تسعين رجلا، من كل طائفة خمسة وأربعين، ونسخ ذلك بعد الفتح بقوله: {وأولى الأرحام} الخ فى هذه السورة، وقيل: بالذى فى الأحزاب، وعلى الأول فقوله فى هذه السورة: {وأولى الأرحام} متأخر النزول، وكان ذلك فيما قال الحسن حضاً للأعراب على الهجرة، هل المهاجرون أفضل أو الأنصار؟ قيل: المهاجرون لأنهم مبدأ الإسلام وأصله، ولأن مفارقتهم أقاربهم وديارهم، وأموالهم وأصحابهم، أشد على النفس من إنفاق المال، وإسكان المنازل وهو الصحيح، لأن مفارقتهم منازلهم مقابل بإسكان الأنصار منازلهم للمسلمين المهاجرين، وقد أنفق المهاجرون الأموال فقدرهم، كما أنفق الأنصار وفاقوا بمفارقة ما ذكر، وبما أوذوا فى الله وغير ذلك. وأما نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو سلك الناس مسلكا لسلكت مسلك الأنصار" تفسير : فقاله تطيبا لأنفسهم، وشفقة لهم، وصدق أنه يسلك مسلكهم لا بيان لكونهم أعظم ثوابا، وكانت الخلافة فى المهاجرين، وقيل: الأنصار أفضل وقرأ ابن وثاب، والأعمش، وحمزة: ولايتهم بكسر الواو وتشبيها بما يدل على الحرفة، كأنه بتوليه صاحبه يحاول عملا فهو شبيه بنحو الحراثة والخياطة والزراعة، قاله شيخ الإسلام وغيره، وذلك أن الثلاثى المفتوح والمكسور الدالين على حرفة أو استيلاء قياس مصدرهما الفعالة بالكسر، ولو متعديين، ولا يخفى أن الفتح فى الآية أجود، ولغة الكسر دون ذلك كما قال الأخفش، فخطأ الأصمعى فى تخطئته الأعمش حين قرأ بالكسر بل تقول: ما قرأ به إلا وقد رواه لغة. {وإنِ اسْتنصرُوكم} طلبوا منكم النصر {فى الدِّينِ فَعليْكم النَّصْر} أن تنصروكم على المشركين {إلا عَلى قومٍ} أى إلا النصر على قوم مشركين {بينكُم وبيْنَهم ميثاقٌ} عهد فلا تنقضوا عهدهم بالنصر عليهم {واللهُ بما تعْمَلونَ بصيرٌ} خطاب للمسلمين، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى، والأعرج بالتحتية، وعليه فالضمير للذين آمنوا ولم يهاجروا، أو للقوم الذين لهم ميثاق.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله ودينه {وَهَاجَرُوا} بلاد الشرك مكة وغيرها قبل فتح مكة {وجاهدوا} من كفر بالله {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} الجهاد بالمال إِنفاقه فى شراءِ الخيل والحمولة وعلفها وما يحتاج إِليه.. وفى السلاح وما يناسبه، والإِنفاق على المحتاج فى الجهاد والقيام بأَهل المجاهدين.. والجهاد بالنفس مباشرة القتال {فِى سَبِيلِ اللهِ} تنازعه هاجروا وجاهدوا، لأَن المعنى هاجروا لأَجل الله لا لغرض دنيوى {وَالَّذِينَ آوَوْا} رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين، ضموهم إِلى أَنفسهم فيما لهم من منافع الدنيا والإِيمان، وهم الأَنصار المؤثرون على أَنفسهم، حتى أَنهم لينزلون عن أَزواجهم ومساكنهم لهم {وَنصَرُوا} نصروا النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. قال الله عز وجل "أية : والذين تبوءُوا الدار والإِيمان" تفسير : [الحشر: 9] وهم الأَنصار المؤثرون على أَنفسهم ولو كان بهم خصاصة {أُولَئِكَ} المهاجرون والأَنصار {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بعْضٍ} المهاجر ولى الأَنصارى والأَنصارى ولى المهاجرى، والمهاجرى ولى المهاجرى، والأَنصارى ولى الأَنصارى فى دين الله ونصره والموارثة، ولو كانوا أَجانب فيرث المهاجرى الأَنصارى والعكس بالأُخوة فى الدين مع العقدة التى عقدها صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بينهم، واستمروا على ذلك إِلى فتح مكة فكان الميراث بالنسب، إِذ نسخت الهجرة، وإِن كان للمهاجر قريب بالنسب مهاجر فهما يتوارثان ولا يجعل له أَخ من الأَنصار بالميراث، {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا} بل بقوا فى بلد الشرك بلا إِذن منه صلى الله عليه وسلم فى البدو أَو فى الحضر {مَا لَكمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَىْءٍ} من ميراثهم ونصرتهم ومحبتهم أَيها المؤمنون، ولو كانوا أَقرباءَ وعصبة لكم إِلا إِن قاتلهم مشرك لا عهد له فانصروا {حَتَّى يُهَاجِرُوا} بلاد الشرك، ولاحظ لهم فى الغنيمة ولو جاهدوا معكم وإِن جاهدوا وحدهم فلهم ما غنموا أَو إِن هاجروا فهم مثلكم {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِى الدِّينِ} طلبوا نصركم إِياهم فى شأن دين الله، أَو لأَجل دين الله، بأَن قاتلهم المشركون لإِيمانهم أَو لأَمر آخر ظلما فانصروهم عليهم كما قال {فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} لهم على المشركين المقاتلين لهم {إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ} مشركين {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} عهد، فخلوا بينهم وبين الذين آمنوا ولهم يهاجروا، ولا تنقضوا الميثاق، وسواء كان الميثاق عهد الحديبية أَو غيره، ثم تبع ذلك بقوله تعالى "أية : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ" تفسير : [الأَنفال: 75] فيرث بعد النسخ من آمن ولم يهاجر، ويورث ويأخذ سهمه من الغنيمة إِن جاهد، وتقاتلون من قاتلهم من المشركين وتنصرونهم عليهم، ولو كان للمشركين ميثاق. وقيل لا نسخ، وإِنما المراد الموالاة بالنصر، ويعترض بذكر النصر فى قوله فعليكم النصر {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا تخفى عليه خيانة من خان ولا صدق من صدق ولا الأَصدق من الصادق، والأَخون من الخائن، فهو يعلم الفضل للمهاجرين الأَولين، وهم المراد فى قوله تعالى {إِن الذينَ آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأَموالهم وأَنفسهم فى سبيل الله} قال هاجروا بصيغة المفاعلة للمبالغة إِذ تركوا بلادهم لله ما دام الحكم فيها لأَهل الشرك وقدم الجهاد بالأَموال لأَنه أَقوى سببية فى الجهاد، إِذ لا يمكن الجهاد بدون المال، ويمكن بدون الأَنفس بأَن يكون للمسلم عذر فى عدم الخروج للجهاد ويجهز غازيا بماله أَو يحمله على فرس أَو غير فرس أَو يعطيه السلاح، قيل: ولأَن الجهاد بالمال أَكثر وقوعا، ولأَنه الأَصل، والعمدة والسبب، ثم الهجرة لأَنها الإِيمان فى الواقع ثم المال لأَنه يهيأ للجهاد، ثم يجاهد به. والمهاجرون الآخرون بالغوا فى الهجرة كالأَولين إِلا أَنهم دون الأَولين لتأَخرهم ولهم التوارث بالنسب وينصرون ولهم سهامهم فى الغنائم، ولهم ما لكم وعليهم ما عليكم، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} يتوارثون بالنسب ولا توارث بينكم وبينهم ولا تنصروهم ولا تحبوهم، وتجب مصارمتهم ولو أَقارب، ولا يجاهدون معكم، وإِن وقع جهاد فلاحظ لهم فى الغنيمة، ولا يتركون أَن يجاهدوا مع المسلمين، وقيل: المراد أَنهم بعضهم أَولياء بعض بالنصرة فى الباطل {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ} إِن لا تفعلوا ما ذكر من تولى المسلمين بعضهم بعضا، وتواصلهم وتوارثهم ومصارمة الذين كفروا وحفظ الميثاق والإِرث والنصر {تَكُنْ فِتْنَةٌ} دائمة عامة، ونكر تعظيما {فِى الأَرْضِ} أَرض مكة والمدينة وغيرهما، ومكة ولو كان فيها فتنة إِلا أَنها تدوم إِذا لم تفعلوه وتعم، وكذا غيرها مما فيه شرك، ويجوز أَن يراد أَرض المدينة، والفتنة، ضعف الإِيمان وقوة الكفر {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} بسائر المعاصى كالجور ومخالفة الأَحكام الشرعية.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ} هم المهاجرون الذين هجروا أوطانهم وتركوها لأعدائهم في الله لله عز وجل {وَجَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ} فصرفوها للكراع والسلاح وأنفقوها على المحاويج من المسلمين {وَأَنفُسِهِمْ} بمباشرةِ القتال واقتحام المعارك والخوض في لجج المهالك {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قيل: هو متعلق بجاهدوا قيد لنوعي الجهاد، ويجوز أن يكون من باب التنازع في العمل بين {هَاجَرُواْ} و {جَاهَدُواْ} ولعل تقديم الأموال على الأنفس لما أن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعاً وأتم دفعاً للحاجة حيث لا يتصور المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال، وقيل: ترتيب هذه المتعاطفات في الآية على حسب الوقوع فإن الأول الإيمان ثم الهجرة ثم الجهاد بالمال لنحو التأهب للحرب ثم الجهاد بالنفس. {وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ} هم الأنصار آووا المهاجرين وأنزلوهم منازلهم وآثروهم على أنفسهم ونصروهم على أعدائهم {أُوْلَـٰئِكَ} أي المذكورون الموصوفون بالصفات الفاضلة، وهو مبتدأ وقوله تعالى: {بَعْضُهُمْ} إما بدل منهم، وقوله سبحانه: {أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} خبر وإما مبتدأ ثان و {أَوْلِيَآءُ} خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول أي بعضهم أولياء بعض في الميراث على ما هو المروي عن ابن عباس رضي الله / تعالى عنهما والحسن ومجاهد والسدي وقتادة فإنهم قالوا: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم فكان المهاجري يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري واستمر أمرهم على ذلك إلى فتح مكة ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة، فالولاية على هذا الوراثة المسببة عن القرابة الحكمية. والآية منسوخة، وقال الأصم: هي محكمة، والمراد الولاية بالنصرة والمظاهرة وكأنه لم يسمع قوله تعالى: {فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} بعد نفي موالاتهم في الآية الآتية. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ} كسائر المؤمنين {مَا لَكُم مّن وَلـٰيَتِهِم مّن شَىْءٍ} أي توليهم في الميراث وإن كانوا أقرب ذوي قرابتكم {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} وحينئذٍ يثبت لهم الحكم السابق. وقرأ حمزة والأعمش ويحيـى بن وثاب {ولايتهم} بالكسر، وزعم الأصمعي أنه خطأ وهو المخطىء فقد تواترت القراءة بذلك، وجاء في اللغة الولاية مصدراً بالفتح والكسر وهما لغتان فيه بمعنى واحد وهو القرب الحسي والمعنوي كما قيل، وقيل: بينهما فرق فالفتح ولاية مولى النسب ونحوه والكسر ولاية السلطان ونسب ذلك إلى أبـي عبيدة وأبـي الحسن، وقال الزجاج: هي بالفتح النصرة والنسب وبالكسر للإمارة، ونقل عنه أنه ذهب إلى أن الولاية لاحتياجها إلى تمرن وتدرب شبهت بالصناعات ولذا جاء فيها الكسر كالإمارة، وذلك لما ذهب إليه المحققون من أهل اللغة من أن فعالة بالكسر في الأسماء لما يحيط بشيء ويجعل فيه كاللفافة والعمامة وفي المصادر يكون في الصناعات وما يزاول بالأعمال كالكتابة والخياطة والزراعة والحراثة، وما ذكره من حديث التشبيه بالصناعات يحتمل أن يكون من الواضع بمعنى أن الواضع حين وضعها شبهها بذلك فتكون حقيقة ويحتمل أن يكون من غيره على طرز تشبيه زيد بالأسد فحينئذٍ يكون هناك استعارة، وهي كما قال بعض الجلة: استعارة أصلية لوقوعها في المصدر دون المشتق وإن كان التصرف في الهيئة لا في المادة، ومنه يعلم أن الاستعارة الأصلية قسمان ما يكون التجوز في مادته وما يكون في هيئته {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} أي فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين أعداء الله تعالى وأعدائكم {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ} منهم {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ} فلا تنصروهم عليه لما في ذلك من نقض عهدهم {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فلا تخالفوا أمره ولا تتجاوزوا ما حده لكم كي لا يحل عليكم عقابه.

ابن عاشور

تفسير : هذه الآيات استئناف ابتدائي للإعلام بأحكام موالاة المسلمين للمسلمين الذين هاجروا والذين لم يهاجروا، وعدم موالاتهم للذين كفروا، نشأ عن قول العباس بن عبد المطلب حين أسرّ ببدر أنّه مسلم، وأنّ المشركين أكرهوه على الخروج إلى بدر، ولعلّ بعض الأسرى غيره قد قال ذلك وكانوا صادقين، فلعل بعض المسلمين عطفوا عليهم وظنّوهم أولياء لهم، فأخبر الله المسلمين وغيرهم بحكم من آمن واستمرّ على البقاء بدار الشرك. قال ابن عطية: «مقصد هذه الآية وما بعدها تبيين منازل المهاجرين والأنصار والمؤمنين الذين لم يهاجروا والكفار، والمهاجرين بعد الحديبية وذِكْرُ نِسَب بعضهم عن بعض». وتعرضت الآية إلى مراتب الذين أسلموا فابتدأت ببيان فريقين اتّحدَت أحكامهم في الولاية والمؤاساة حتى صاروا بمنزلة فريق واحد، وهؤلاء هم فريقا المهاجرين والأنصار الذين امتازوا بتأييد الدين. فالمهاجرون امتازوا بالسبق إلى الإسلام وتكبّدوا مفارقة الوطن. والأنصار امتازوا بإيوائهم، وبمجموع العملين حصل إظهار البراءة من الشرك وأهلِه، وقد اشترك الفريقان في أنّهم آمنوا وأنّهم جاهدوا، واختص المهاجرون بأنّهم هاجروا واختص الأنصار بأنّهم آووا ونصروا، وكان فضل المهاجرين أقوى؛ لأنّهم فضلوا الإسلام على وطنهم وأهليهم، وبادر إليه أكثرهم، فكانوا قدوة ومثالاً صالحاً للناس. والمهاجرة هجر البلاد، أي الخروج منها وتركها، قال عَبدة بن الطبيب:شعر : إنّ التي ضَربتْ بيتاً مُهَاجَرةً بكوفةِ الجندِ غَالتْ وُدَّها غُول تفسير : وأصل الهجرة الترك واشتقّ منه صيغة المفاعلة لخصوص ترك الدار والقوم، لأنّ الغالب عندهم كان أنّهم يتركون قومهم، ويتركهم قومهم إذ لا يفارق أحد قومه إلا لسوء معاشرة تنشأ بينه وبينهم. وقد كانت الهجرة من أشهر أحوال المخالفين لقومهم في الدين، فقد هاجر إبراهيم عليه السلام {أية : وقال إنّي ذاهب إلى ربّي سيهدين}تفسير : [الصافات: 99]. وهاجر لوط عليه السلام: {أية : وقال إنّي مهاجر إلى ربّي إنه هو العزيز الحكيم}تفسير : [العنكبوت: 26]، وهاجر موسى عليه السلام بقومه، وهاجر محمد صلى الله عليه وسلم وهاجر المسلمون بإذنه إلى الحبشة، ثم إلى المدينة يثرب، ولما استقرّ المسلمون من أهل مكّة بالمدينة غلب عليهم وصف المهاجرين وأصبحت الهجرة صفة مدح في الدين، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في مقام التفضيل: «حديث : لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار»تفسير : وقال للأعرابي: »حديث : ويحك إنّ شأنها شديد» تفسير : ـ وقال ـ »حديث : لا هجرة بعد الفتح»تفسير : . والإيواء تقدّم عند قوله تعالى: {أية : فآواكم وأيدكم بنصره}تفسير : في هذه السورة [26]. والنصر تقدّم عند قوله تعالى:{أية : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئاً }تفسير : [البقرة: 123] إلى قوله {أية : ولا هم ينصرون}تفسير : في سورة [البقرة: 123]. والمراد بالنصر في قوله: {ونصروا} النصر الحاصل قبل الجهاد وهو نصر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بأنّهم يحمونهم بما يحمون به أهلهم، ولذلك غلب على الأوس والخزرج وصف الأنصار. واسم الإشارة في قوله: {أولئك بعضهم أولياء بعض} لإفادة الاهتمام بتمييزهم للإخبار عنهم، وللتعريض بالتعظيم لشأنهم، ولذلك لم يؤت بمثله في الإخبار عن أحوال الفرق الأخرى. ولمّا أطلَق الله الولاية بينهم احتمل حملَها على أقصى معانيها، وإن كان موردُها في خصوص ولاية النصر، فإنّ ذلك كورُود العامّ على سبب خاص قال ابن عباس: {أولئك بعضهم أولياء بعض} يعني في الميراث جعل بين المهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، حتّى أنزل الله قوله: {أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله}تفسير : [الأنفال: 75] أي في الميراث فنسختها، وسيأتي الكلام على ذلك. فحملها ابن عبّاس على ما يشمل الميراث، فقال: كانوا يتوارثون بالهجرة، وكان لا يرث من آمن ولم يهاجر الذي آمن وهاجر، فنسخ الله ذلك بقوله: {أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض}تفسير : [الأنفال: 75]. وهذا قول مجاهد وعِكرمة وقتادة والحسن. وروي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، وقال كثير من المفسّرين هذه الولاية هي في الموالاة والمؤازرة والمعاونة دون الميراث اعتداداً بأنّها خاصّة بهذا الغرض، وهو قول مالك بن أنس والشافعي. وروي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عمر وأهل المدينة، ولا تشمل هذه الآية المؤمنين غير المهاجرين والأنصار. قال ابن عباس: كان المهاجر لا يتولّى الأعرابي ولا يرثه (وهو مؤمن) ولا يرث الأعرابي المهاجر ـ أي ولو كان عاصباً. وقوله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء} جاء على أسلوب تقسيم الفرق فعطف كما عطفت الجمل بعده، ومع ذلك قد جعل تكملة لحكم الفرقة المذكورة قبله فصار له اعتباران، وقد وقع في المصحف مع الجملة التي قبله، آية واحدة نهايتها قوله تعالى: {والله بما تعملون بصير}. فإن وصف الإيمان أي الإيمان بالله وحده يقابله وصف الشرك، وأنّ وصف الهجرة يقابله وصف المكث بدار الشرك، فلمّا بيّن أول الآية ما لأصحاب الوصفين: الإيمان والهجرة، من الفضل وما بينهم من الولاية انتقلت إلى بيان حال الفريق الذي يقابل أصحاب الوصفين وهو فريق ثالث، فبيّنت حكم المؤمنين الذين لم يهاجروا فأثبتت لهم وصف الإيمان، وأمرت المهاجرين والأنصار بالتبرّئى من ولايتهم حتّى يهاجروا، فلا يثبت بينهم وبين أولئك حكم التوراث ولا النصر إلاّ إذا طلبوا النصر على قوم فتنوهم في دينهم. وفي نفي ولاية المهاجرين والأنصار لهم، مع السكوت عن كونهم أولياء للذين كفروا، دليل على أنّهم معتبرون مسلمين، ولكنّ الله أمر بمقاطعتهم حتّى يهاجروا؛ ليكون ذلك باعثاً لهم على الهجرة. و«الولاية» ـ بفتح الواو ـ في المشهور وكذلك قرأها جمهور القرّاء، وهي اسم لمصدر تولاه، وقرأها حمزة وحده ـ بكسر الواو ـ. قال أبو علي: الفتح أجود هنا، لأنّ الولاية التي بكسر الواو في السلطان يعني في ولايات الحكم والإمارة. وقال الزّجاج: قد يجوز فيها الكسر، لأنّ في تولّى بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة كالقِصارة والخِياطة، وتبعه في «الكشّاف» وأراد إبطال قول أبي علي الفارسي أنّ الفتح هنا أجود. وما قاله أبو علي الفارسي باطل، والفتح والكسر وجهان متساويان مثل الدلالة بفتح الدال وكسرها. والظرفية التي دلت عليها (في) من قوله تعالى: {وإن استنصروكم في الدين} ظرفية مجازية، تؤول إلى معنى التعليل، أي: طلبوا أن تنصروهم لأجل الدين، أي لرد الفتنة عنهم في دينهم إذ حاول المشركون إرجاعهم إلى دين الشرك وجب نصرهم؛ لأنّ نصرهم للدّين ليس من الولاية لهم بل هو من الولاية للدين ونصرِه، وذلك واجب عليهم سواء استنصرهم الناس أم لم يستنصروهم إذا توفّر داعي القتال، فجعل الله استنصار المسلمين الذين لم يهاجروا من جملة دواعي الجهاد. و{عليكم النصر} من صيغ الوجوب، أي: فواجب عليكم نصرهم، وقدم الخبر وهو {عليكم} للاهتمام به. و{أل في النصر} للعهد الذكري لأنّ {استنصروكم} يدلّ على طلب نصر والمعنى: فعليكم نصرهم. والاستثناء في قوله: {إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} استثناء من متعلِّق النصر وهو المنصور عليهم، ووجه ذلك أنّ الميثاق يقتضي عدم قتالهم إلاّ إذا نكثوا عهدهم مع المسلمين، وعهدهم مع المسلمين لا يتعلّق إلاّ بالمسلمين المتميزين بجماعة ووطن واحد، وهم يومئذ المهاجرون والأنصار، فأمّا المسلمون الذين أسلموا ولم يهاجروا من دار الشرك فلا يتحمّل المسلمون تبعاتهم، ولا يدخلون فيما جرُّوه لأنفسهم من عداوات وإحَن، لأنّهم لم يصدروا عن رأي جماعة المسلمين، فما ينشأ بين الكفار المعاهدين للمسلمين، وبين المسلمين الباقين في دار الكفر لا يعدّ نكثاً من الكفار لعهد المسلمين، لأن من عذرهم أن يقولوا: لا نعلم حين عاهدناكم أنّ هؤلاء منكم، لأنّ الإيمان لا يُطلع عليه إلاّ بمعاشرة، وهؤلاء ظاهر حالهم مع المشركين يساكنونهم ويعاملونهم. وقوله: {والله بما تعملون بصير} تحذير للمسلمين لئلاّ يحملهم العطف على المسلمين على أن يقاتلوا قوماً بينهم وبينهم ميثاق. وفي هذا التحذير تنويه بشأن الوفاء بالعهد، وأنّه لا ينفضه إلاّ أمر صريح في مخالفته.

الواحدي

تفسير : {إنَّ الذين آمنوا وهاجروا...} الآية. نزلت في الميراث كانوا في ابتداء الإسلام يتوارثون بالهجرة والنُّصرة، فكان الرَّجل يُسلم ولا يهاجر، فلا يرث أخاه فذلك قوله: {الذين آمنوا وهاجروا} هجروا قومهم وديارهم وأموالهم {والذين آووا ونصروا} يعني: الأنصار، أسكنوا المهاجري ديارهم ونصروهم {أولئك بعضهم أولياء بعض} أيْ: هؤلاء هم الذين يتوارثون بعضهم من بعض. {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء} أَيْ: ليسوا بأولياء، ولا يثبت التَّوارث بينكم وبينهم {حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين} يعني: هؤلاء الذين لم يهاجروا فلا تخذولهم وانصروهم {إلاَّ} أن يستنصروكم {على قوم بينكم وبينهم ميثاق} عهدٌ فلا تغدروا ولا تعاونوهم. {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} أَيْ: لا توارث بينكم وبينهم، ولا ولاية، والكافر وليُّ الكافر دون المسلم {إلاَّ تفعلوه} إلاَّ تعاونوا وتناصروا وتأخذوا في الميراث بما أمرتكم به {تكن فتنة في الأرض} شركٌ {وفساد كبير} وذلك أنَّ المسلم إذا هجر قريبه الكافر كان ذلك أدعى إلى الإسلام، فإن لم يهجره وتوارثه بقي الكافر على كفره، وقوله: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً} أَيْ: هم الذين حققوا إيمانهم بما يقتضيه من الهجرة والنُّصرة خلاف من أقام بدار الشِّرك. {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} يعني: الذين هاجروا بعد الحديبية، وهي الهجرة الثانية {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} نَسخ الله الميراثَ بالهجر والحِلْفِ بعد فتح مكَّة. ردَّ الله المواريث إلى ذوي الأرحام: ابن الأخ والعمِّ وغيرهما {في كتاب الله} في حكم الله {إن الله بكل شيء عليم}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 72- إن الذين صدَقوا بالحق وأذعنوا لحكمه، وهاجروا من مكه، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، والذين آووهم فى غربتهم، ونصروا رسول اللَّه يقاتلون من قاتله، ويعادون من عاداه، بعضهم نصراء بعض فى تأييد الحق وإعلاء كلمة اللَّه على الحق. والذين لم يهاجروا، لا يثبت لهم شئ من ولاية المؤمنين ونصرتهم، إذ لا سبيل إلى ولايتهم حتى يهاجروا، وإن طلبوا منكم النصر على من اضطهدوهم فى الدين، فانصروهم. فإن طلبوا النصر على قوم معاهدين لكم لم ينقضوا الميثاق معكم، فلا تجيبوهم، واللَّه بما تعملون بصير لا يخفى عليه شئ، فقفوا عند حدوده لئلا تقعوا فى عذابه. 73- والذين كفروا بعضهم أولياء بعض فهم متناصرون على الباطل، متعاونون فى عداوتكم، فلا توالوهم، فإن خالفتم وواليتموهم، تقع الفتنة فى صفوفكم والفساد الكبير فى الأرض. 74- والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل اللَّه، والذين آووهم ونصروا الحق وكلمة اللَّه، هم الصادقو الإيمان، واللَّه تعالى يغفر لهم، ولهم رزق كبير فى الدنيا والآخرة. 75- والذين آمنوا بعد الأولين وهاجروا أخيراً وجاهدوا مع السابقين، فأولئك منكم يا جماعة المهاجرين والأنصار، لهم من الولاية والحقوق ما لبعضكم على بعض. وذوو الأرحام من المؤمنين لهم - فضلا عن ولاية الإيمان - ولاية القرابة، فبعضهم أولى ببعض فى المودة والمال والنصرة والتأييد، وقد بين ذلك فى كتابه وهو العليم بكل شئ.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آمنوا: صدقوا الله ورسوله وآمنوا بلقاء الله وصدقوا بوعده ووعيده. وهاجروا: أي تركوا ديارهم والتحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة. في سبيل الله: أي من أجل أن يعبد الله ولا يعبد معه غيره وهو الإِسلام. آووا: أي آووا المهاجرين فضموهم إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم. وإن استنصروكم: أي طلبوا منكم نصرتهم على أعدائهم. ميثاق: عهد أي معاهدة سلم وعدم اعتداء. إلاَّ تفعلوه: أي إن لم توالوا المسلمين، وتقاطعوا الكافرين تكن فتنة. أولوا الأرحام: أي الأقارب من ذوي النسب. بعضهم أولى ببعض: في التوارث أي يرث بعضهم بعضاً. معنى الآيات: بمناسبة انتهاء الحديث عن أحداث غزوة بدر الكبرى ذكر تعالى حال المؤمنين في تلك الفترة من الزمن وأنهم مختلفون في الكمال، فقال وقوله الحق {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} فهذا صنف: جمع أهله بين الإِيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفس، والصنف الثاني في قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ} أي آووا الرسول صلى الله عليه وسلم والمهاجرين في ديارهم ونصروهم. فهذان صنفا المهاجرين والأنصار وهما أكمل المؤمنين وأعلاهم درجة، وسيذكرون في آخر السياق مرة أخرى ليذكر لهم جزاؤهم عند ربهم، وقوله تعالى فيهم {أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي في النصرة والموالاة والتوارث إلا أن التوارث نسخ بقوله تعالى في آخر آية من هذا السياق {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} والصنف الثالث من أصناف المؤمنين المذكور في قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ} أي آمنوا بالله ورسوله والدار الآخرة ثم رضوا بالبقاء بين ظهراني الكافرين فلم يهجروا ديارهم وأموالهم ويلتحقوا بدار الهجرة بالمدينة النبوية، فهؤلاء الناقصون في إيمانهم بتركهم الهجرة، يقول تعالى فيهم لرسوله والمؤمنين {مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ} فلا توارث ولا موالاة تقتضي النصرة والمحبة حتى يهاجروا إليكم ويلتحقوا بكم، ويستثني تعالى حالة خاصة لهم وهي أنهم إذا طلبوا نصرة المؤمنين في دنيهم فإن على المؤمنين أن ينصروهم وبشرط أن لا يكون الذي اعتدى عليهم وآذاهم فطلبوا النصرة لأجله أن لا يكون بينه وبين المؤمنين معاهدة سلم وترك الحرب ففي هذه الحال على المؤمنين أن يوفوا بعهدهم ولا يغدروا فينصروا أولئك القاعدين عن الهجرة هذا ما دل عليه قوله تعالى {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ذيل الكلام بهذه الجملة لإِعلام المؤمنين الكاملين كالناقصين بأن الله مطلع على سلوكهم خبير بأعمالهم وأحوالهم فليراقبوه في ذلك حتى لا يخرجوا عن طاعته وقوله تعالى في الآية [73] {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} يتناصرون ويتوارثون. وبناء على هذا يقول تعالى {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} أي إن لا تفعلوا ما أمرتم به من مولاة المؤمنين محبة ونصرة وولاء، ومن معاداة الكافرين بغضا وخذلاناً لهم وحرباً عليهم تكن فتنة عظيمة لا يقادر قدرها وفساد كبير لا يعرف مداه، والفتنة الشرك والفساد المعاصي وقوله تعالى في الآية [74] {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} هذا هو الصنف الأول أعيد ذكره ليذكر له جزاؤه عند ربه بعد تقرير إيمانهم وتأكيده فقال تعالى فيهم {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ} أي لذنوبهم بسترها وعدم المؤاخذة عليها {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} ألا وهو نعيم الجنة في جوار ربهم سبحانه وتعالى والصنف الرابع من أصناف المؤمنين ذكره تعالى بقوله {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ} فهذا الصنف أكمل من الصنف الثالث ودون الأول والثاني، إذ الأول والثاني فازوا بالسبق، وهؤلاء جاءوا من بعدهم ولكن لإِيمانهم وهجرتهم وجهادهم ألحقهم الله تعالى بالسابقين فقال {فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ} وقوله تعالى {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} أي في الإرث وبها نسخ التوارث بالهجرة والمعاقدة، واستقر الإِرث بالمصاهرة والولاء، والنسب إلى يوم القيامة، وقوله تعالى {فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} أي في حكمه وقضائه المدون في اللوح المحفوظ، وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} هذه الجملة تحملة الوعد والوعيد الوعد لأهل الإِيمان والطاعة، والوعيد لأهل الشرك والمعاصي. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان تفاوت المؤمنين في كمالاتهم وعلو درجاتهم عند ربهم. 2- أكمل المؤمنين الذين جمعوا بين الإِيمان والهجرة والجهاد وسبقوا لذلك وهم المهاجرون الأولون والذين جمعوا بين الإِيمان والإِيواء والنصرة والجهاد وهم الأنصار. 3- دون ذلك من آمنوا وهاجروا وجاهدوا ولكن بعد صلح الحديبية. 4- وأدنى أصناف المؤمنين من آمنوا ولم يهاجروا وهؤلاء على خطر عظيم. 5- وجوب نصرة المؤمنين بموالاتهم ومحبتهم ووجوب معاداة الكافرين وخذلانهم وبغضهم. 6- نسخ التوارث بغير المصاهرة والنسب والولاء.

القطان

تفسير : الهجرة: مفارقة بلدٍ الى غيره، فان كانت قُرْبةً إلى الله فهي الهجرة الشرعية. آواه: اسكنه. قسم الله المؤمنين أربعة أقسام وبيّن حُكم كل منها ومنزلته من بينها: 1- المهاجرون الاولون اصحاب الهجرة الاولى قبل غزوة بدر الى صلح الحديبية. 2- الانصار الذين كانوا بالمدينة وآووا النبي عليه الصلاة والسلام والمهاجرين من اصحابه عند الهجرة. 3- المؤمنون الذين لم يهاجروا. 4- المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحيبية. 1- {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} هؤلاء هم الكَمَلَة المؤمنون الذين هجروا أوطانهم فِراراً بدِينهم من فتنة المشركين، وإرضاء لربهم ونصراً لرسوله، ثم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. 2- {وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ} والأنصار من اهل المدينة الذي آووا الرسول الكريم ومن هاجر من اصحابه ونصروهم، وأمّنوهم من المخاوف، وشاركوهم في أموالهم حتى آثروهم على انفسهم - فحُكمهم حكم المهاجرين الاولين. {أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} بعضهم نصراء بعض في تأييد الحق وإعلاء كلمة الله على الحق. 3- {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} والذين لم يهاجروا من المؤمنين، لا يثبت لهم شيءٌ من ولاية المؤمنين ونصرتهم، اذ لا سبيل إلى وَلايتهم حتى يهاجروا. {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} وان طلبوا منكم النصر على من اضطهدوهم في الدّين، فانصرُوهم، فإن طلبوا النصر على قوم معاهِدين لكم، لم ينقضوا الميثاق معكم فلا تجيبوهم. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا يخفى عليه شيء. قراءات: قرأ حمزة: "ولايتهم" بكسر الواو، والباقون بفتحها. وبهذه المحافظة على العهود والمواثيق سِراً وجهراً امتازت الشريعة الاسلامية على غيرها، فشعارُ أهل الإسلام الوفاءُ بالعهود، والبعد عن الخيانة والغدر. {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} إن الكفار على اختلاف شِيعِهم بعضُهم يوالي بعضاً وينصره ضد الاسلام. قد كان اليهود والمنافقون ومشركو العرب كتلةً واحدة متفقين على محاربة الاسلام والمسلمين. وهذا ما يحصل اليوم.. جاء اليهود الى بلادنا واحتلّوا قسماً منها بمساعدة النصارى في جميع أقطار الارض، وقد اتفق على ذلك جميع الأوربيين والأمريكان، كلُّهم مجتمِعون متفقون على حمايةِ اليهود ومساعدتهم ضد الإسلام والمسلمين. {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} إن لم تفعلوا ما شُرع لكم من ولاية بعضكم لبعض، ومن تناصرُكم وتعاونكم تجاه وَلاية الكفّار بعضُهم لبعض، يقع من الفتنة والفساد ما فيه أعظمُ الضرر عليكم، بتخاذلكم الذي يُفضي الى ظفر الاعداء بكم وسلبكم بلادكم. وهذا ما هو حاصل اليوم من تكتّل الأعداء ضدّنا، ونحن متمزقون في عدة دول وامارات، يحارب بعضنا بعضاً والعدو يسرح ويرتع في بلادنا. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. يبين الله تعالى في هذه الآية ميزةَ المهاجرين والانصار وفضهلم على غيرهم، ويذكر ان هؤلاء المهاجرين والانصار هم المؤمنون حق الايمان وأكمله، فلهم مغفرة تامة من ربهم ورزق كريم في الدنيا والآخرة. 4- {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ}. والذين تأخر إيمانهم وهجرتُهم عن الهجرة الاولى، لكنهم هاجروا وجاهدوا معكم اعداءكم لاحقاً، فاولئك منكم أيها المهاجرون والانصار، لهم من الولاية والحقوق ما لبعضكم على بعض، وفي هذا دليل على فضل السابقين على اللاحقين كما جاء في قوله تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} سورة الحديد. {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ..} وذوو القرابة من المؤمنين أولى من غيرِهم بالبر والنصر والإحسان كما جاء في كتاب الله الكريم، فاتبعوه وتقيدوا به. فهو سبحانه إنما شرع لنا هذه الاحكام في الولاية العامة والخاصة والعهود والمواثيق وصِلة الأرحام وغير ذلك من التشريع، وهو على علم واسع محيط بكل شيء. وقد استدل الشيعة بهذه الآية على ان من كان أقربَ إلى الميّت نَسباً فهو أولى بميراثه من الأبعد، فبِنتُ الميت تحجب أخاه عن الإرث لأنها اقرب منه الى الميت، واختُه تحجب عَمَّهُ لنفس السبب. وهكذا يحجب عندَهم الأقربُ الأبعدَ من جميع المراتب.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {وَجَاهَدُواْ} {بِأَمْوَالِهِمْ} {آوَواْ} {أُوْلَـٰئِكَ} {وَلاَيَتِهِم} {مِّيثَاقٌ} (72) - إِنَّ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ تَرَكُوا دِيَارَهُمْ، وَجَاهَدُوا مَعَ الرَّسُولِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالأَنْصَارِ الذِينَ آوَوُا الرَّسُولَ وَنَصَرُوهُ، هَؤُلاَءِ جَمِيعاً بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ أَحَقُّ بِالآخَرِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ. لِذَلِكَ آخَى الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، كُلَّ اثْنَيْنِ أَخَوَانِ فِي اللهِ، فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ إِرْثاً مُقَدَّماً عَلَى القَرَابَةِ، حَتَّى نَسَخَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِآيَةِ المَوَارِيثِ. أمَّا الذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا، بَلْ أَقَامُوا فِي أَمَاكِنِهِمْ فَهَؤُلاَءِ لاَ يَثْبُتُ لَهُمْ شَيءٌ مِنْ وَلاَيَةِ المُسْلِمينَ وَنُصْرَتِهِمْ، إِذْ لاَ سَبِيلَ إِلَى وَلاَيَتِهِمْ حَتَّى يُهَاجِرُوا، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ المَغَانِمِ نَصِيبٌ وَلاَ فِي خُمْسِهَا إِلاَّ مَا حَضَرُوا فِيهِ القِتَالَ. وَإِذَا اسْتَنْصَرَ هَؤُلاَءِ، الذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا، إِخْوَانَهُمْ المِسْلِمِينَ فِي قِتَالٍ دِيني عَلَى عَدُوٍ لَهُمْ، فَعَلَيْهِمْ نَصْرَهُمْ، لأَنَّهُمْ إِخْوَانٌ فِي الدِّينِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الاسْتِنْصَارُ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ المُسْلِمِينَ مِيثَاقٌ وَمُهَادَنَةٌ إلَى مُدَّةٍ معينةٍ، فَيَجِبُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَلاَّ يَخْفِرُوا ذِمَّتَهُمْ وَلاَ أَنْ يَنْقُضُوا أَيْمَانَهُم مَعَ الذِينَ عَاهَدُوهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الفئة الأولى في هذه الآية هم المهاجرون وقال فيهم الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } [الأنفال: 72]. والفئة الثانية هم الأنصار الذين قال فيهم الحق تبارك وتعالى: {وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ} [الأنفال: 72]. ثم يوحد الله تعالى بين المهاجرين والأنصار فيقول عز وجل: {أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 72]. وبعض من العلماء فسر قول الحق: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} على أنها تشمل الالتحام الكامل، لدرجة أنه كان يرث بعضهم بعضا أولاً - حسب قول العلماء - إلى أن نزلت آيات الإرث فألغت ذلك التوارث الذي كان بينهم. وقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ}تفسير : [الأنفال: 75]. أبعدت هذا المعنى، وبعض العلماء قال: إن الولاية هي النصر، وهي المودة، وهي التمجيد، وهي الإكبار، فقالوا: هذه صفات الولاية، وهناك آية أخرى عن الأنصار يقول فيها الحق تبارك وتعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}تفسير : [الحشر: 9]. وقد عرفنا الكثير عن الإيثار من الأنصار الذي قد بلغ مرتبة لا يتسامى إليها البشر أبداً إلا بصدق الإيمان، ذلك أن الرجل الذي يعيش في نعمة وله صديق أو حبيب يحب أن يتحفه بمشاركته في نعمته، فإذا كان عنده سيارة مثلاً يعطيها له ليستخدمها، وإذا كان له بيت جميل قد يدعوه للإقامة فيه بعض الوقت، وإذا كان عنده ثوب جميل أو فاكهة نادرة قد يعطيه منها، إلا المرأة فهي النعمة التي يأنف الرجل أن يشاركه فيها أحد. ولكن عندما وصل المهاجرون إلى المدينة وتركوا نساءهم في مكة، كان الأنصاري يجيء للمهاجر ويقول له: انظر إلى نسائي والتي تعجبك منهن أطلقها لتتزوجها. هذه مسألة لا يمكن أن يصنعها إلا الإيمان الكامل، وحين يصنعها الإيمان، فهذا الإيمان يجدع أنف الغيرة ويمنعها أن تتحرك، ولا يكون هناك من له أكثر من زوجة ومن هو محروم من المرأة. وقد حدد الحق لنا ميزة كل طائفة من طوائف المؤمنين وبين أحكامهم: فالطائفة الأولى المهاجرون الذين آمنوا وتركوا دينهم الذي ألفوه، ثم هاجروا وتركوا أوطانهم وبيوتهم وأموالهم وزوجاتهم وأولادهم وجمالهم وزروعهم، ثم بعد ذلك عملوا لينفقوا على أنفسهم بمال يكتسبونه وينفقون منه أيضاً على الجهاد؛ مع أنهم تركوا أموالهم وكل ما يملكون في مكة، فكأنهم ضحوا بالمال وضحوا بالنفس. ودخلوا وهم قلة بلغت ما بلغت فلن تزيد عن ثلاثمائة ودخلوا في معركة مع الكثرة المشركة، ولم يكونوا واثقين من النصر ولكنهم كانوا يطلبون الشهادة. إذن فهم آمنوا، هذه واحدة، وهاجروا، وهذه الثانية، وجاهدوا بأموالهم هذه الثالثة، وجاهدوا بأنفسهم هذه الرابعة، وكانوا أسوة لأنهم سبقوا إلى الإيمان والجهاد فشجعوا غيرهم على أن يؤمنوا، ولذلك فلهم أجر من سن سنة حسنة، ولهم أجر من عمل بها، وهؤلاء هم السابقون الأولون ولهم منزلة عالية وعظيمة عند الله عز وجل. والطائفة الثانية الأنصار وهم الذين آووا هذه واحدة، ونصروا هذه الثانية، وأحبوا من هاجر إليهم، هذه الثالثة. وهؤلاء جمعهم الله في الولاية أي النصرة والمودة والتعظيم والإكبار. ثم يأتي القول من الحق تبارك وتعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} [الأنفال: 72]. وهؤلاء هم الطائفة الثالثة الذين آمنوا وتركوا دينهم الذي ألفوه. ولكنهم لم يهاجروا ولم يتركوا أوطانهم ولا أولادهم ولا أزواجهم ولا أموالهم، إذن فيهم خصلة تمدح وخصلة ثانية ليست في صالحهم؛ فموقفهم بين بين، ولكن لأنهم لم يهاجروا لذلك يأتي الحكم من الله: {مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} [الأنفال: 72]. إذن فهذه الطائفة آمنت ولم تهاجر، ولكن عدم هجرتهم لا يجعل لهم عليكم ولاية، إلا أن قوله تبارك وتعالى: {مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} [الأنفال: 72]. وفي هذا تشجيع لهم حتى يهاجروا، كأن تقول لابنك: ليس لك عندي مكافأة حتى تذاكر. وفي هذا تشجيع له على المذاكرة. ولم يقطع الله سبحانه وتعالى أمامهم الطريق إلى الهجرة لأنهم ربما فهموا أن الهجرة لم تكن إلا في الأفواج الأولى لأنه قال: و{ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ} أي أن الباب مفتوح. وكلمة "هاجروا" مأخوذة من الفعل الرباعي "هاجر"، والاسم "هجرة" والفعل "هاجر". وهجر غير هاجر. فقد يترك الإنسان مكاناً يقيم فيه فيكون هذا معناه "هجر" أي ترك وهو عن قلة وضيق تدفع إلى الهرب، إنما هاجر لا بد أن يكون هناك تفاعل بين اثنين ألجأه إلى أن يهاجر، إذن فهناك عمليتان، اضطهاد الكفار للمسلمين؛ لأنهم لو لم يضطهدوهم وعاشوا في أمان يعلنون إيمانهم وإسلامهم، ما حدثت الهجرة. ولكن الاضطهاد الذي لاقاه المسلمون كان تفاعلاً أدى إلى هجرتهم، والمتنبي يقول: شعر : إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون همو تفسير : أي أنك إذا تركت قوماً دون أن يكرهوك على ذلك تكون أنت الذي رحلت عنهم، ولكن المهاجرة التي قام بها المسلمون كانت بسبب أن الكفار ألجأوهم إلى ذلك، إذن هجر تكون من جهة واحدة، واسم الهجرة مأخوذ من هاجر، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول: إن الدار التي اضطهدتم فيها كان يصح أن تهجروها. ويوضح الحق سبحانه وتعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} [الأنفال: 72]. أي لا بد أن يكون هناك التضامن الإيماني دون الولاية الكاملة للمؤمنين الذين لم يهاجروا. فالإيمان له حقه في قوله تعالى: {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} [الأنفال: 72]. ولكن النصر هنا مشروط بشرط آخر هو: {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} [الأنفال: 72]. فاحفظوا هذا الميثاق لأن نقض العهود الميثاقية ليس من تعاليم الدين الإسلامي. ولكن ما دام بينكم وبينهم ميثاق فيجب أن تتم التسوية عن طريق التفاهم. فعليكم احترام ما اتفقتم وتعاهدتم عليه. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} [الأنفال: 72]. أي يعلم ويرى كل ما تصنعون وقد جمعهم الله سبحانه وتعالى كمؤمنين في آية واحدة وكلهم في مراتب الإيمان وهم قسم واحد. ثم يأتي الحديث بعد ذلك عن القسم الثاني المقابل فيقول سبحانه وتعالى: {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ...}

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وأيقنوا بتوحيد الله ووجوب وجوده {وَهَاجَرُواْ} على بقعة الإمكان طالبين الترقي إلى المراتب العلية {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ} منفقين لها؛ ليتجردوا عنها ويتطهروا نفوسهم عن الميل والمحبة إليها {وَأَنْفُسِهِمْ} ممسكين لها عن مقتضياتها ومشتهياتها، باذلين {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ليتحققوا بمرتبة الفناء فيه، ليفوزوا ببقائه. {وَٱلَّذِينَ} تحققوا بمرتبة التوحيد وتمكنوا فيها {ءَاوَواْ} أي: مكنوا ووطنوا من يرجع إليهم، ويسترشد منهم من أهل الطلب والإرادة {وَّ} بعد تمكينهم وتوطينهم {نَصَرُوۤاْ} وأعانوا بالتنبيهات اللائقة إمداداً لهم، وبالواردات الغيبية والإلهامات القلبية والمكاشفات العينية {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله، الوالهون في بيداء ألوهيته {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} يتناصرون ويتعانون إلى أن يرتفع تعددهم وتضمحل كثرتهم، وسقط الافتراق والاجتماع عنهم، وانقطع السلوط والطلب، وفني السالك والسلوك و المسلك، وبقي ما بقيى، لا إله إلا هو لا شيء سواه، وكل شيء هالك إلا وجهه. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله {وَلَمْ يُهَاجِرُواْ} إلى الفناء فيه {مَا لَكُمْ} أيها الواصلون {مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} ويتشمروا السلوك مسلك الفناء {وَ} بعدما دخلوا باب الطلب {إِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ} و استعانوا منكم {فِي ٱلدِّينِ} أي: في سلوك طريق التفويض والانقياد {فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} أي: لزم عليكم أن تنصروهم وتعينوا عليهم؛ ليغلبوا على جنود القوى البهيمية، والشياطين الشهوية والغضبية {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} من جنود النفس اللوامة المطلعة لغوائل الأمارة الخبيثة ووخمسة عاقبتها {وَٱللَّهُ} المطلع لجميع حالاتكم {بِمَا تَعْمَلُونَ} من النصر والإعاة {بَصِيرٌ} [الأنفال: 72] يجازيكم على مقتضى بصارته وخبرته.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا عقد موالاة ومحبة، عقدها اللّه بين المهاجرين الذين آمنوا وهاجروا في سبيل اللّه، وتركوا أوطانهم للّه لأجل الجهاد في سبيل اللّه،وبين الأنصار الذين آووا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأعانوهم في ديارهم وأموالهم وأنفسهم،فهؤلاء بعضهم أولياء بعض، لكمال إيمانهم وتمام اتصال بعضهم ببعض. { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا } فإنهم قطعوا ولايتكم بانفصالهم عنكم في وقت شدة الحاجة إلى الرجال،فلما لم يهاجروا لم يكن لهم من ولاية المؤمنين شيء.لكنهم { وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ } أي: لأجل قتال من قاتلهم لأجل دينهم { فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ } والقتال معهم،وأما من قاتلوهم لغير ذلك من المقاصد فليس عليكم نصرهم. وقوله تعالى: { إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ } أي: عهد بترك القتال، فإنهم إذا أراد المؤمنون المتميزون الذين لم يهاجروا قتالهم، فلا تعينوهم عليهم، لأجل ما بينكم وبينهم من الميثاق. { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يعلم ما أنتم عليه من الأحوال، فيشرع لكم من الأحكام ما يليق بكم.

همام الصنعاني

تفسير : 1032- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر في قوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ} [الآية: 72]. قال: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وآخى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا يتوارثون بالإسلام وبالهجرة، وكان الرجل يسلم ولا يهاجر، فلا يرث أخاه، فنسخ ذلك قوله تعالى: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ}تفسير : : الآية: 75] من المؤمنين والمهاجرين.