Verse. 1231 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

وَاِنْ يُّرِيْدُوْا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللہَ مِنْ قَبْلُ فَاَمْكَنَ مِنْہُمْ۝۰ۭ وَاللہُ عَلِيْمٌ حَكِيْمٌ۝۷۱
Wain yureedoo khiyanataka faqad khanoo Allaha min qablu faamkana minhum waAllahu AAaleemun hakeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن يريدوا» أي الأسرى «خيانتك» بما أظهروا من القول «فقد خانوا الله من قبل» قبل بدر بالكفر «فأمكن منهم» ببدر قتلا وأسرا فليتوقعوا مثل ذلك إن عادوا «والله عليم» بخلقه «حكيم» في صنعه.

71

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَإِن يُرِيدُواْ} يعني الأسرى. {خِيَانَتَكَ} نقض ما عاهدوك. {فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ} بالكفر ونقض ميثاقه المأخوذ بالعقل. {مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} أي فأمكنك منهم كما فعل يوم بدر فإن أعادوا الخيانة فسيمكنك منهم. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن يُرِيدُواْ } أي الأسرى {خِيَانَتَكَ } بما أظهروا من القول {فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ } قبل بدر بالكفر {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } ببدر قتلاً وأسراً فليتوقعوا مثل ذلك إن عادوا {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بخلقه {حَكِيمٌ } في صنعه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏وإن يريدوا خيانتك‏} ‏ إن كان قولهم كذباً ‏ {‏فقد خانوا الله من قبل‏}‏ فقد كفروا وقاتلوك فأمنك منهم‏.

ابو السعود

تفسير : {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ} أي نكثَ ما بايعوك عليه من الإسلام وهذا كلامٌ مسوقٌ من جهته تعالى لتسليته عليه الصلاة والسلام بطريق الوعدِ له والوعيد لهم {فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} بكفرهم ونقضِ ما أخذ على كل عاقلٍ من ميثاقه {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} أي أقدرَك عليهم حسبما رأيتَ يومَ بدر فإن أعادوا الخيانةَ فاعلم أنه سيُمكنك منهم أيضاً، وقيل: المرادُ بالخيانة منعُ ما ضمِنوا من الفداء وهو بعيد {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} فيعلم ما في نياتهم وما يستحقونه من العقاب {حَكِيمٌ} يفعل كلَّ ما يفعله حسبما تقتضيه حكمتُه البالغة {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ} هم المهاجرون هاجروا أوطانَهم حباً لله تعالى ولرسوله {وَجَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ} بأن صرفوها إلى الكُراع والسلاح وأنفقوها على المحاويج {وَأَنفُسِهِمْ} بمباشرة القتال واقتحامِ المعارك والخوضِ في المهالك {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} متعلقٌ بجاهدوا، قيدٌ لنوعي الجهادِ، ولعل تقديمَ الأموال على الأنفس لما أن المجاهدةَ بالأموال أكثرُ وقوعاً وأتمُّ دفعاً للحاجة حيث لا يُتصور المجاهدةُ بالنفس بلا مجاهدة بالمال {وَٱلَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ} هم الأنصارُ آوَوا المهاجرين وأنزلوهم منازلَهم وبذلوا إليهم أموالَهم وآثروهم على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة ونصروهم على أعدائهم {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الموصوفين بما ذكر من النعوت الفاضلةِ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلو طبقتِهم وبُعدِ منزلِتهم في الفضيلة وهو مبتدأ وقوله تعالى: {بَعْضُهُمْ} إما بدلٌ منه وقوله تعالى: {أَوْلِيَاء بَعْضٍ} خبرُه وإما مبتدأٌ ثانٍ وأولياءُ بعضٍ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأول أي بعضُهم أولياءُ بعضٍ في الميراث، وقد كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنُصرة دون الأقاربِ حتى نُسخ بقوله تعالى: {أية : وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ }تفسير : [الأنفال: 75, الأحزاب:6] الآية، وقيل: في النُصرة والمظاهرة، ويردُه قوله تعالى: {فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} بعد نفي موالاتِهم {وَٱلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا} كسائر المؤمنين {مَا لَكُم مّن وَلـٰيَتِهِم مّن شَىْء} أي من تولّيهم في الميراث وإن كانوا من أقرب أقاربِكم {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} وقرىء بكسر الواو تشبـيهاً بالعمل والصناعة كالكتابة والإمارة {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} فواجبٌ عليكم أن تنصُروهم على المشركين {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ} منهم {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَـٰقٌ} معاهدةٌ فإنه لا يجوز نقضُ عهدِهم بنصرهم عليهم {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فلا تخالفوا أمرَه كيلا يحِلَّ بكم عقابُه.

القشيري

تفسير : يريد إنْ عادوا إلى قتالك بعدما مَنَنْتَ عليهم بالإطلاق وخانوا عَهْدَكَ، فالخيانة لهم دأب وطريقة، ثم إنَّا نُمَكِّنُكَ منهم ثانياً كما أمْكَنَّاكَ من أسْرهم أولاً، وقيل: شعر : إنْ عَادَتْ العَقْربُ عُدنا لها وكانت النَّعْلُ لها حاضرة

اسماعيل حقي

تفسير : {وإن يريدوا} يعنى الاسرى {خيانتك} اى نقض ما عاهدوك عليه من الاسلام بالارتداد على دين آبائهم {فقد خانوا الله من قبل} بكفرهم ونقض ما اخذ عل كل عاقل من ميثاقه فى الازل {فامكن منهم} اى اقدر عليهم كما فعل يوم بدر فان اعادوا الخيانة فيمكنك منهم ايضا يقال مكنه من الشيء وامكنه منه اى اقدره عليه فتمكن منه {والله عليم} فيعلم ما فى نياتهم وما يستحقونه من العقاب شعر : برو علم يك ذره بوشيده نيست كه بيدا وبنهان بنزدش يكسيت تفسير : {حكيم} يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه حكمته البالغة وفى بعض الروايات ان العباس كان قد اسلم قبل وقعة بدر ولكن لم يظهر اسلامه لانه كان له ديون متفرقة فى قريش وكان يخشى ان اظهر اسلامه ضياعها عندهم وانما كلفه النبى عليه السلام الفداء لانه كان عليه ظاهر الاله ولما كان يوم فتح مكة وقهرهم الاسلام اظهر اسلامه حديث : ولم يظهر النبى عليه السلام اسلام العباس رفقا به كيلا يضيع ماله عند قريش وكان قد استأذن النبى عليه السلام فى الهجرة فكتب اليه "يا عم اقم مكانك الذى انت فيه فان الله تعالى يختم بك الهجرة كما ختم بى النبوة"تفسير : فكان كذلك. وفى الآية بيان قدرة الله تعالى وان مريد الخلاص من يد قهره فى الدنيا والآخرة لا يجد اليه سبيلا إلا بالايمان والاخلاص فهو القادر القوى الخالق وما سواه العاجز الضعيف المخلوق. وفى الخبر ان النبى عليه السلام قال "حديث : ان الله تعالى قال قل للقوى لا يعجبنك قوتك فان اعجبتك قوتك ادفع الموت عن نفسك وقل للعالم لا يعجبنك علمك فان اعجبك فاخبرنى متى اجلك وقل للغنى لا يعجبنك غناك فان اعجبك فاطعم خلقى غداء واحدا " .تفسير : وفى الآيه اشارة الى النفوس المأسورة التى اسرت فى الجهاد الاكبر عند استيلاء سلطان الذكر عليها والظفر بها ان اطمأنت الى ذكر الله والعبودية والانقياد تحت احكامه يؤتها الله نعيم الجنة ودرجاتها وهى خير من شهوات الدنيا ويعيمها وزينتها فان الدنيا ونعيمها فانية والجنة ونعيمها باقية وخيانة النفس التجاوز عن حد الشريعة والطريقة. يقال ان متابعة سبعة اصناف اورثت سبعة اشياء. الاول ان متابعة النفس اورثت الندامة كما قال تعالى فى قتل قابيل هابيل {أية : فطوعت له نفسه قتل اخيه فقتله فاصبح من الخاسرين} تفسير : [المائدة: 30] والثانى ان متابعة الهوى اورثت البعد كما قال لبلعام {أية : واتبع هواه فمثله كمثل الكلب} تفسير : [الأعراف: 176]. يعنى فى البعد والخساسة والثالث ان متابعة الشهوات اورثت الكفر كما قال تعالى {أية : واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} تفسير : [مريم: 59] يعنى الكفر. والرابع ان متابعة فرعون اورثت الغرق فى الدنيا والحرق فى الآخرة كما قال تعالى {أية : فاتبعوا أمر فرعون} تفسير : [هود: 97] الى قوله {أية : فأوردهم النار}تفسير : [هود: 98] والخامس ان متابعة القادة الضالة اورثت الحسرة كما قال تعالى {أية : إذ تبرأ الذين اتبعوا} تفسير : [البقرة: 166]. الى قوله {أية : كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} تفسير : [البقرة: 167] والسادس ان محبة النبى عليه السلام اورثت المحبة كما قال الله تعالى {أية : قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله} تفسير : [آل عمران: 31]. والسابع ان متابعة الشيطان اورثت جهنم كما قال تعالى {أية : ان عبادى ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين وان جهنم لموعدهم اجمعين} تفسير : [الحجر: 42-43]

الطوسي

تفسير : معنى الاية ان هؤلاء الاسارى ان علم الله في قلوبهم خيراً اخلف عليهم خيراً مما اخذ منهم. وان عزموا على الخيانة، ونقض العهد وفعلوا خلاف ما وقع عليه العقد من تأدية فرض الله، فقد خانوا الله من قبل هذا. والمعنى فقد خانوا أولياء الله، لأن الله لا يمكن ان يخان، لأنه عالم بالأشياء كلها لا يخفى عليه خافية. والخيانة ها هنا نقض عقد الطاعة لله ورسوله التى شهدت بها الدلالة. وقوله {فأمكن منهم} المعنى لما خانوا بأن خرجوا إلى بدر وقاتلوا مع المشركين، فقد امكن الله منهم بان غلبوا واسروا. فان خانوا ثانياً فيمكن الله منهم مثل ذلك. والامكان هو القدرة على الشيء مع ارتفاع المانع، وما لو حرص عليه صاحبه اتم الحرص لم يصح ان يقع منه لا يكون امكاناً، فالامكان ينافي المنع والالجاء كما ينافي العجز القدرة. وقوله {والله عليم حكيم} معناه عالم بما تقولونه وما في نفوسكم وبجميع الاشياء {حكيم} فيما يفعله. والحكيم هو العالم بوجوه الحكمة في الفعل مما يصرف عن خلافها والاصل في الحكمة المنع فهي تمنع الفعل من الخلل والفساد.

الجنابذي

تفسير : {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ} عطف من الله على مقول الرّسول باعتبار المعنى وملاحظة نفس المحكىّ مع قطع النّظر عن كونه حكاية ومثله كثير كأنّه قال: ان يعلم الله فى قلوبهم خيراً يؤتهم خيراً ممّا اخذ منهم وان يريدوا خيانتك فلا غرو فيه {فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} اى من قبل ارادة خيانتك بمخالفة حكم العقل الّذى هو رسولهم الباطنىّ فأمكن المؤمنين منهم فليحذروا من امكان المؤمنين ثانياً منهم وقد فسّر هكذا وان يريدوا خيانتك فى علىّ (ع) فلا غرو فيه فقد خانوا الله فيك من قبل {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} فلا تحزن لذلك فانّه يمكّن عليّاً (ع) واصحابه منهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بارادة كلّ مريدٍ {حَكِيمٌ} يدبّر امرك وامر الخائنين على وفق حكمته.

اطفيش

تفسير : {وإنْ يُريدُوا} أى الأسرى {خِيانَتكَ} أى نقض العهد، أو المكر بك، أو منع الفداء {فَقدْ خانُوا اللهَ مِن قَبلُ} ذلك بالكفر، ونقض الميثاق المأخوذ عنه بإيضاح الآية حتى أدركوا بعقولهم إدراكا صار كعهد مقرر {فأمْكَن منْهُم} ببدر المؤمنين، فإن أعادوا الخيانة فسيمسكنك منهم، وقوله: {فقد خانوا الله} الخ نائب عن الجواب، وتقدير الجواب: وإن يريدوا خيانتك فلا تبالى بهم أو نحو ذلك. {واللهُ عليمٌ} بما ظهر وما بطن {حَكيمٌ} فى كل شئ، ومن حكمته الثواب والعقاب، و الإمكان من الكفار إظهارا للدين، وجعلهم أسى فى أيديكم. وتفسير الآية بقصة عبد الله بن أبى سرح كما فعل قتادة، لا يصح إن أراد أنها نزلت فى شأنه، لأنه قبل الفتح وقصته بعده إلا إن أراد التمثيل به، حديث : وذلك أنه كان يكتب للنبى صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد ولحق بالمشركين بمكة، فقال: والله ما كان محمد يكتب إلا ما شئت، والآية نزلت كما تلفظ به، وسمع بذلك رجل من الأنصار، فنذر لئن أمكنه الله منه ليضربنه بالسيف، فلما كان يوم الفتح، جاء به رجل من عامة المسلمين كانت بينهما رضاعة، فقال: با نبى الله هذا فلان أقبل تائبا نادما، فأعرض عنه، فلما سمع به الأنصارى أقبل متقلدا سيفه، فطاف به ساعة، ثم إن نبى الله قدم يده فبايعه، قال: "أما والله لقد انتظرتك لتوفى نذرك" فقال: يا رسول الله هيبتك والله منعتنى، فلولا أومضت إلىَّ، قال: "إنه لا ينبغى لنبى أن يومض إنما بعثت بأمر علانية ".

اطفيش

تفسير : {وَإِنْ يُرِيدوا} أَى الأَسرى {خِيَانتَك} نقض العهد بقتالك وقتال المؤمنين، وبإِعانة أَعدائك، والجواب محذوف تقديره قتلوا وأَسروا، أَو فليتوقعوا القتل والأَسر لأَنهم خانوا قبل ذلك فقتلوا وأَسروا كما قال: {فَقَدْ خَانُوا} لأَنهم تحقق خيانتهم {اللهَ مِنْ قبْلُ} قبل بدر بقتالك وإِعانة العدو {فَأَمْكَن} أَمكنك والمؤمنين {مِنْهُمْ} فى بدر بالقتل والأَسر فهو يمكنك منهم بعد {وَاللهُ عَلِيمٌ} بخلقه وأَحوالهم وجزائهم {حَكِيمٌ} فيما يصنع بهم.

الالوسي

تفسير : {وَإِن يُرِيدُواْ} أي الأسرى {خِيَانَتَكَ} أي نقض ما عاهدوك عليه من إعطاء الفدية أو أن لا يعودوا لمحاربتك ولا إلى معاضدة المشركين، ويجوز أن يكون المراد وإن يريدوا نكث ما بايعوك عليه من الإسلام والردة واستحباب دين آبائهم {فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} بالكفر ونقض ميثاقه المأخوذ على كل عاقل بل ادعى بعضهم أنه الأقرب {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} أي أقدرك عليهم حسبما رأيت في بدر فإن أعادوا الخيانة فاعلم أنه سيمكنك الله تعالى منهم أيضاً فالمفعول محذوف، وقوله سبحانه: {فَقَدْ خَانُواْ} قائم مقام الجواب، والجملة كلام مسوق من جهته تعالى لتسليته عليه الصلاة والسلام بطريق الوعد له صلى الله عليه وسلم والوعيد لهم، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} فيعلم ما في نياتهم وما يستحقونه من العقاب {حَكِيمٌ} يفعل كل ما يفعله حسبما تقتضيه حكمته البالغة.

ابن عاشور

تفسير : الضمير في {يريدوا} عائِد إلى من في أيديكم من الأسرى. وهذا كلام خاطب به اللَّهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم اطمئناناً لنفسه، وليبلغ مضمونَه إلى الأسرى، ليعلموا أنّهم لا يغلِبون الله ورسوله. وفيه تقرير للمنّة على المسلمين التي أفادها قوله: {أية : فكلوا مما غنمتم حلالا طيباً}تفسير : [الأنفال: 69]، فكمل ذلك الإذنُ والتطييب بالتهنئة والطمأنة بأن ضمن لهم، إنْ خانهم الأسرى بعدَ رجوعهم إلى قومهم ونكثوا عهدهم وعادوا إلى القتال، بأنّ الله يمكّن المسلمين منهم مرةً أخرى، كما أمكنهم منهم في هذه المرة، أي: أن يَنووا من العهد بعدم العود إلى الغزو خيانتَك، وإنّما وعدوا بذلك لينجَوا من القتل والرقّ، فلا يضرّكم ذلك، لأنّ الله ينصركم عليهم ثانيَ مرة. والخيانة نقض العهد وما في معنى العهد كالأمانة. فالعَهد، الذي أعطَوْه، هو العهد بأن لا يعودوا إلى قتال المسلمين. وهذه عادة معروفة في أسرى الحرب إذا أطلقوهم فمن الأسرى من يخون العهد ويرجع إلى قتال من أطلقوه. وخيانتهم الله، التي ذُكرت في الآية، يجوز أن يراد بها الشرك فإنّه خيانة للعهد الفطري الذي أخذه الله على بني آدم فيما حكاه بقوله: {أية : وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم}تفسير : [الأعراف: 172] الآية فإنّ ذلك استقرّ في الفطرة، وما من نفس إلاّ وهي تشعر به، ولكنّها تغالبها ضلالات العادات واتّباع الكبراء من أهل الشرك كما تقدّم. وأن يراد بها العهد المجمل المحكي في قوله: {أية : دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما}تفسير : [الأعراف: 189، 190]. ويجوز أن يراد بالعهد ما نكثوا من التزامهم للنبي صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الإسلام من تصديقه إذا جاءهم ببيّنة، فلمّا تحدّاهم بالقرآن كفروا به وكابروا. وجواب الشرط محذوف دلّ عليه قوله: {فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم}. وتقديره: فلا تضرّك خيانتهم، أو لا تهتمّ بها، فإنّهم إن فعلوا أعادهم الله إلى يدك كما أمكنك منهم من قبل. قوله: {فأمكن منهم} سكت معظم التفاسير وكتب اللغة عن تبيين حقيقة هذا التركيب، وبيان اشتقاقه، وألَمَّ به بعضهم إلماماً خفيفاً؛ بأن فسروا (أمكنَ) بأقدَرَ، فهل هو مشتقّ من المكان أو من الإمكان بمعنى الاستطاعة أو من المكانة بمعنى الظفر. ووقع في «الأساس» «أمكنني الأمرُ معناه أمكنني من نفسه» وفي «المصباح» «مكنته من الشيء تمكينا وأمكنته جعلت له عليه قدرة». والذي أفهَمه من تصاريف كلامهم أن هذا الفعل مشتقّ من المكان وأنّ الهمزة فيه للجعل، وأن معنى أمكنه من كذا جعل له منه مكاناً أي مقراً، وأنّ المكان مجاز أو كناية عن كونه في تصرفه كما يكون المكان مَجالاً للكائن فيه. و«من» التي يتعدّى بها فعل أمكن اتّصالية مثل التي في قولهم: لستُ منك ولستَ منّي. فقوله تعالى: {فأمكن منهم} حذف مفعوله لدلالة السياق عليه، أي أمكنك منهم يوم بدر، أي لم ينفلتوا منك. والمعنى: أنّه أتاكم بهم إلى بدر على غير ترقّب منكم فسلّطكم عليهم. {والله عليم حكيم} تذييل، أي عليم بما في قلوبهم حكيم في معاملتهم على حسب ما يعلم منهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (71) - وَقَالَ بَعْضَ أُسْرَى بَدْرٍ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: آمَنَّا بِمَا جِئْتَ بِهِ وَنَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَلَنَنْصَحَنَّ لَكَ عَلَى قَوْمِنَا. فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إنْ كَانُوا يُرِيدُونَ خِيَانَتَكَ فِيمَا أَظْهَرُوهُ لَكَ مِنَ الأَقْوَالِ، فَقَدْ خَانُوا اللهَ قَبْلَ بَدْرٍ بِكُفْرِهِمْ بِهِ، فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ، وَأَظْفَرَكُمْ بِهِمْ، وَجَعَلَهُمْ فِي جُمْلَةِ الأَسْرَى، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُ، حَكِيمٌ فِيهِ. فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ - فَأَقْدَرَكُمْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويوضح الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: لا توافقهم على ما يريدون، فهم إن أضمروا لك الخيانة فقد خانوا الله من قبل فمكنك منهم فلا تأمن لهم، وسبحانه يعلم ما في صدورهم. وبعد أن تكلم سبحانه عن قصة بدر وأسرى بدر، والمواقف التي وقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته في هذه القصة، أراد سبحانه وتعالى أن يصنف الأمة الإسلامية المعاصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عناصرها، ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاح بالدعوة الإسلامية في مكة، ومكة هي مركز سيادة العرب، وكانت قبيلة قريش هي سيدة جميع قبائل العرب وسيدة الجزيرة كلها، لأن قريشاً سيدة مكة، ومكة فيها بيت الله الحرام، وكانت كل قبيلة من قبائل العرب يكون بعض من أبنائها في بطن سيادة قريش خلال الحج، وما دامت كل قبيلة تذهب إلى مكة فهي تطلب حماية قريش، ولم توجد قبيلة تعادي قريشاً أو تجرؤ على مهاجمتها؛ لأنها تعلم أنه سيجيء يوم تكون فيه تحت حماية قريش وتحت رحمتها حين الحج إلى بيت الله الحرام. إذن فسيادة قريش نشأت من وجود البيت. ولو أن هذا البيت لم يكن موجوداً لكان مركز قريش كمركز أي قبيلة من العرب، ولو أن البيت قد هدم من أبرهة، لكانت سيادة قريش قد انتهت. ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في سورة الفيل: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}تفسير : [الفيل: 1-5]. ثم تأتي بعدها مباشرة السورة الكريمة التي توضح لنا أن الله سبحانه وتعالى حين حفظ بيته وفتك بجيوش المعتدين فجعلهم كعصف مأكول، قد أكد هذه السيادة لقريش فيقول تبارك وتعالى في السورة التي سميت باسمها: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 1-4]. إذن فالذي أعطى السيادة لقريش هو بيت الله الحرام. ولذلك تذهب قوافلهم بالتجارة لليمن والشام ولا يجرؤ أحد من القبائل أن يتعرض لها. ولو لم يكن بيت الله الحرام في مكة وقريش سادة مكة؛ لما كان لهم هذا الوضع المتميز والمكانة العالية، إذن فعز قريش في بيت الله الحرام، وأمنهم وسيادتهم في أنهم جالسون في راحة وتنتقل قوافلهم إلى الشام وإلى اليمن. ثم تعود محملة بالخير والربح وهم آمنون مطمئنون. وحين أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته كان ذلك الإعلان في مكة، وقد أعلنها صلى الله عليه وسلم في وجه الجبابرة وأقوياء الجزيرة العربية كلها. ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بدأ دعوته في قبيلة ضعيفة خارج مكة لقالوا: استضعفهم وغرر بهم، أو لقالوا يريدون به السيادة، أي أنهم كقبيلة مستضعفة لم يأخذوا رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إيمانا، ولكنهم أخذوها سلماً ليسودوا بها الجزيرة العربية. ولكن شاء الحق تبارك وتعالى أن يكون ميلاد الرسالة في مكة وأول من سمعها هم سادة قريش؛ لتأتي في مركز السيادة ويكون المراد بها هو الحق، وإعلاءه في وجه سادة الجزيرة العربية. ثم كانت المعركة بين سادة قريش والإسلام وآذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه وحاولوا إيقاف الدعوة بكل الطرق وشتى الحيل. لكن هل انتصروا؟ ثم هل امتد الإسلام وانتشر من مكة؟. لا، بل كانت الهجرة إلى المدينة، ومن هناك امتد الإسلام. إذن فقد بدأ الإسلام من مكان السيادة في الجزيرة العربية، ولكنه انتشر من مكان لا سيادة فيه، لماذا؟ لأن الإسلام لو انتشر من مكة لقالوا: قوم ألفوا السيادة على الناس، وتعصبوا لواحد منهم؛ ليمدوا سيادتهم من الجزيرة العربية إلى أماكن أخرى في العالم. ولكن النصر جاء من المدينة لتعلم الدنيا كلها: أن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، وهو الذي حقق النصر لمحمد، ولم يخلق العصبية لرسول الله أنه من قريش، أو أنه من قبيلة اعتادت سيادة الجزيرة العربية. ويصنف الحق سبحانه وتعالى لنا المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهؤلاء منهم المهاجرون. ومنهم الأنصار، ومنهم جماعة مؤمنة لم يهاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم هاجروا بعد ذلك. ومنهم جماعة آمنوا ولم يهاجروا من مكة وبقوا فيها حتى الفتح. إذن: هناك أربع طوائف: الذين هاجروا مع الرسول إلى المدينة، والأنصار الذين استقبلوهم وآووهم. وطائفة لم يهاجروا مع رسول الله ولكنهم هاجروا بعد ذلك، وطائفة بقيت في مكة حتى الفتح. ويقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ...}