٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
70
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الرسول لما أخذ الفداء من الأسارى وشق عليهم أخذ أموالهم منهم، ذكر الله هذه الآية استمالة لهم فقال: {رَّحِيمٌ يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ ٱلاْسْرَىٰ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في العباس، وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحرث، كان العباس أسيراً يوم بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر فلم تبلغه التوبة حتى أسر، فقال العباس: كنت مسلماً إلا أنهم أكرهوني، فقال عليه السلام: «حديث : إن يكن ما تذكره حقاً فالله يجزيك»تفسير : فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا. قال العباس: فكلمت رسول الله أن يرد ذلك الذهب علي، فقال: «أما شيء خرجت لتستعين به علينا فلا» قال: وكلفني الرسول فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية، وفداء نوفل بن الحرث، فقال العباس: تركتني يا محمد أتكفف قريشاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: لا أدري ما يصيبني، فإن حدث بي حادث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل» فقال العباس: وما يدريك؟ قال: «أخبرني به ربي» قال العباس: فأنا أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتاباً في أمرك، فأما إذ أخبرتني بذلك فلا ريب. قال العباس: فأبدلني الله خيراً من ذلك، لي الآن عشرون عبداً، وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي. وروي أنه قدم على رسول الله مال البحرين ثمانون ألفاً، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه، وأمر العباس أن يأخذ منه، فأخذ ما قدر على حمله، وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني، وأنا أرجو المغفرة. واختلف المفسرون في أن الآية نازلة في العباس خاصة، أو في جملة الأسارى. قال قوم: إنها في العباس خاصة، وقال آخرون: إنها نزلت في الكل، وهذا أولى، لأن ظاهر الآية يقتضي العموم من ستة أوجه: أحدها: قوله: {قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم } وثانيها: قوله: {مّنَ ٱلاْسْرَىٰ } وثالثها: قوله: {فِي قُلُوبِكُمْ} ورابعها: قوله: {يُؤْتِكُمْ خَيْراً } وخامسها: قوله: {مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ} وسادسها: قوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } فلما دلت هذه الألفاظ الستة على العموم، فما الموجب للتخصيص؟ أقصى ما في الباب أن يقال: سبب نزول الآية هو العباس، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أما قوله: {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: يجب أن يكون المراد من هذا الخير: الإيمان والعزم على طاعة الله وطاعة رسوله في جميع التكاليف، والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي، ويدخل فيه العزم على نصرة الرسول، والتوبة عن محاربته. المسألة الثانية: احتج هشام بن الحكم على قوله: إنه تعالى لا يعلم الشيء إلا عند حدوثه بهذه الآية، لأن قوله: {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً } فعل كذا وكذا شرط وجزاء، والشرط هو حصول هذا العلم، والشرط والجزاء لا يصح وجودهما إلا في المستقبل، وذلك يوجب حدوث علم الله تعالى. والجواب: أن ظاهر اللفظ وإن كان يقتضي ما ذكره هشام، إلا أنه لما دل الدليل على أن علم الله يمتنع أن يكون محدثاً وجب أن يقال: ذكر العلم وأراد به المعلوم من حيث إنه يدل حصول العلم على حصول المعلوم. أما قوله: {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: قرأ الحسن {مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ } على البناء للفاعل. المسألة الثانية: للمفسرين في هذا الخير أقوال: القول الأول: المراد: الخلف مما أخذ منهم في الدنيا. قال القاضي: لأنه تعالى عطف عليه أمر الآخرة بقوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } فما تقدم يجب أن يكون المراد منه منافع الدنيا. ولقائل أن يقول: إن قوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } المراد منه إزالة العقاب، وعلى هذا التقدير: لم يبعد أن يكون المراد من هذا الخير المذكور أيضاً الثواب والتفضل في الآخرة. والقول الثاني: المراد من هذا الخير ثواب الآخرة، فإن قوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } المراد منه في الآخرة، فالخير الذي تقدمه يجب أيضاً أن يكون في الدنيا. والقول الثالث: أنه محمول على الكل. فإن قيل: إذا حملتم الخير على خيرات الدنيا، فهل تقولون إن كل من أخلص من الأسارى قد آتاه الله خيراً مما أخذ منه؟ قلنا: هكذا يجب أن يكون بحكم الآية، إلا أنا لا نعلم من المخلص بقلبه. حتى يتوجه علينا فيه السؤال، ولا نعلم أيضاً من الذي آتاه الله علماً، وقد علمنا أن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر. ثم قال: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وهو تأكيد لما مضى ذكره من قوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } والمعنى: كيف لا يفي بوعده المغفرة وأنه غفور رحيم؟ أما قوله: {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذه الخيانة وجوه: الأول: أن المراد منه الخيانة في الدين وهو الكفر، يعني إن كفروا بك فقد خانوا الله من قبل. الثاني: أن المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء. الثالث: روي أنه عليه السلام لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا إلى محاربته وإلى معاهدة المشركين، وهذا هو العادة فيمن يطلق من الحبس والأسر، فقال تعالى: {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ } أي نكث هذا العهد فقد خانوا الله من قبل، والمراد أنهم كانوا يقولون {أية : لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ }تفسير : [يونس: 22] {أية : وَلَئِنِ صَـٰلِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 189] ثم إذا وصلوا إلى النعمة وتخلصوا من البلية نكثوا العهد ونقضوا الميثاق، ولا يمنع دخول الكل فيه، وإن كان الأظهر هو هذا الأخير. ثم قال تعالى: {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } قال الأزهري: يقال أمكنني الأمر يمكنني فهو ممكن ومفعول الإمكان محذوف، والمعنى: فأمكن المؤمنين منهم، والمعنى أنهم خانوا الله بما أقدموا عليه من محاربة الرسول يوم بدر فأمكن الله منهم قتلاً وأسراً، وذلك نهاية الإمكان والطفر. فنبه الله بذلك على أنهم قد ذاقوا وبال ما فعلوه ثم، فإن عادوا كان التمكين منهم ثابتاً حاصلاً، وفيه بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يتمكن من كل من يخونه وينقض عهده. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } أي ببواطنهم وضمائرهم {حَكِيمٌ } يجازيهم بأعمالهم.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ} قيل: الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقيل: له وحده. وقال ٱبن عباس رضي الله عنه: الأسرىٰ في هذه الآية عباس وأصحابه. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسولُ الله، لننصحنّ لك على قومك؛ فنزلت هذه الاْية. وقد تقدّم بطلان هذا من قول مالك. وفي مصنَّف أبي داود عن ٱبن عباس رضي الله عنه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة. وعن ٱبن إسحاق: «حديث : بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم؛ فَفَدىٰ كلّ قوم أسيرهم بما رضوا. وقال العباس: يا رسول الله، إني قد كنت مسلماً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول فالله يجزيك بذلك فأمّا ظاهر أمرك فكان علينا فٱفد نفسك وٱبني أخويك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وحليفك عتبة بن عمرو أخا بني الحارث بن فهر». وقال: ما ذاك عندي يا رسول الله. قال: «فأين المال الذي دفنته أنت وأمّ الفضل فقلتَ لها إن أصبتُ في سفري هذا فهذا المال لبني الفضل وعبد الله وقُثم»؟ فقال: يا رسول الله، إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشيء ما علمه غيري وغير أمِّ الفضل، فٱحْسُب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا. ذاك شيء أعطانا الله منك». ففدىٰ نفسه وٱبني أخويه وحليفه، وأنزل الله فيه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ} الآيةتفسير : . قال ٱبن إسحاق: وكان أكثر الأسارىٰ فداءً العباس بن عبد المطلب؛ لأنه كان رجلاً موسراً، فٱفتدىٰ نفسه بمائة أوقيّة من ذهب وفي البخاري: وقال موسىٰ بن عقبة قال ٱبن شهاب: حديث : حدّثني أنس بن مالك: أن رجالاً من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله؛ ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه. فقال: «لا والله لا تذرون درهماً»تفسير : . وذكر النقاش وغيره: أن فداء كل واحد من الأسارىٰ كان أربعين أوقية، إلا العباس فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «أضعفوا الفداء على العباس» وكلّفه أن يفدي ٱبني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث فأدّىٰ عنهما ثمانين أوقية، وعن نفسه ثمانين أوقية وأخذ منه عشرون أوقية وقت الحرب. وذلك أنه كان أحد العشرة الذين ضَمِنوا الإطعام لأهل بدر، فبلغت النَّوبة إليه يوم بَدْر فاقتتلوا قبل أن يُطعم، وبقيت العشرون معه فأخذت منه وقت الحرب؛ فأخذ منه يومئذ مائة أوقيّة وثمانون أوقية. فقال العباس للنبيّ صلى الله عليه وسلم: لقد تركتني ما حييتُ أسأل قريشاً بكَفِّي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أين الذهب الذي تركته عند امرأتك أمّ الفضل»؟ فقال العباس أيّ ذهب؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك قلتُ لها لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهو لك ولولدك» فقال: يا ٱبن أخي، من أخبرك بهذا؟ قال: «الله أخبرني»تفسير : . قال العباس: أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول الله قطّ إلا اليوم، وقد علمت أنه لم يطلعك عليه إلا عالم السرائر، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، وكفَرتُ بما سواه. وأمر ٱبني أخويه فأسلما؛ ففيهما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ}. حديث : وكان الذي أسر العباسَ أبا اليَسَر كعب بن عمرو أخا بني سلمة، وكان رجلاً قصيراً، وكان العباس ضخماً طويلاً، فلما جاء به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: «لقد أعانك عليه مَلَك».تفسير : الثانية ـ قوله تعالىٰ: {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} أي إسلاماً. {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ} أي من الفِدية. قيل في الدنيا. وقيل في الآخرة. وفي صحيح مسلم:حديث : أنه لما قدم على النبيّ صلى الله عليه وسلم مال من البحرين قال له العباس: إني فاديت نفسي وفاديت عقيلاً. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذ» فبسط ثوبه وأخذ ما ٱستطاع أن يحملهتفسير : . مختصر. في غير الصحيح: فقال له العباس هذا خير مما أخذ مني، وأنا بعدُ أرجو أن يغفر الله لي. قال العباس: وأعطاني زمزم، وما أحِبُّ أن لي بها جميع أموال أهل مكة. وأسند الطبريّ إلى العباس أنه قال: حديث : فيّ نزلت حين أعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقيّة التي أخذت منّي قبل المفاداة فأبىٰ وقال: «ذلك فَيْءٌ» فأبدلني الله من ذلك عشرين عبداً كلهم تاجر بماليتفسير : . وفي مصنف أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: حديث : لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بِقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص. قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رَقّ لها رِقةً شديدة وقال: «إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها الذي لها»؟ فقالوا: نعم. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم أخذ عليه أوْ وعده أن يُخلِّي سبيل زينب إليه. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار فقال: «كونا ببطن يأجج حتى تمرّ بكما زينب فتصحباها حتىٰ تأتيا بها»تفسير : . قال ٱبن إسحاق: وذلك بعد بَدْر بشهر. قال عبد الله بن أبي بكر: حدّثت عن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت: لما قدم أبو العاص مكة قال لي: تجهزّي، فٱلحقي بأبيك. قالت: فخرجت أتجهز فلقيتني هند بنت عتبة فقالت: يا بنت محمد؛ ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك؟ فقلت لها: ما أردت ذلك. فقالت: أيْ بنت عمّ، لا تفعلي، إني امرأة مُوسرة وعندي سِلَع من حاجتك، فإن أردْتَ سلْعة بعتُكَهَا، أو قَرْضاً من نفقة أقرضتك؛ فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال. قالت: فوالله ما أُراها قالت ذلك إلا لتفعل؛ فخفتها فكتمتها وقلت: ما أريد ذلك. فلما فرغت زينب من جهازها ٱرتحلت وخرج بها حَمُوها يقود بها نهاراً كنانةُ بن الربيع. وتسامع بذلك أهل مكة، وخرج في طلبها هَبّار بن الأسود ونافع بن عبد القيس الفِهري؛ وكان أوّل من سبق إليها هبّار فروعها بالرمح وهي في هَودْجها. وبرك كنانة ونثر نَبله، ثم أخذ قوسه وقال: والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهماً. وأقبل أبو سفيان في أشراف قريش فقال: يا هذا، أُمسك عنّا نَبْلك حتى نكلمك؛ فوقف عليه أبو سفيان وقال: إنك لم تصنع شيئاً، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس، وقد عرفتَ مصيبتنا التي أصابتنا ببَدْر فتظن العرب وتتحدث أن هذا وَهْن منا وضعف خروجك إليه بٱبنته على رؤوس الناس من بين أظهرنا. ٱرجع بالمرأة فأقم بها أياماً، ثم سُلَّها سَلاّ رفيقاً في الليل فألحقها بأبيها؛ فلعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا في ذلك الآن من ثُؤْرة فيما أصاب منا؛ ففعل. فلما مرّ به يومان أو ثلاثة سلَّها؛ فانطلقت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكروا أنها قد كانت ألقت ـ للرّوعة التي أصابتها حين روّعها هَبَّار ابن أم درهم ـ ما في بطنها. الثالثة ـ قال ٱبن العربيّ: «لما أسِر مَن أسر من المشركين تكلم قوم منهم بالإسلام ولم يمضوا فيه عزيمة ولا اعترفوا به اعترافاً جازما. ويشبه أنهم أرادوا أن يَقربوا من المسلمين ولا يبعدوا من المشركين. قال علماؤنا: إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عزيمة لم يكن مؤمناً. وإذا وُجد مثل ذلك من المؤمن كان كافراً؛ إلا ما كان من الوسوسة التي لا يقدر على دفعها فإن الله قد عفا عنها وأسقطها. وقد بيّن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم الحقيقة فقال: {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ} أي إن كان هذا القول منهم خيانة ومكراً «فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ» بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك. وإن كان هذا القول منهم خيراً ويعلمه الله فيقبل منهم ذلك ويعوّضهم خيراً مما خرج عنهم ويغفر لهم ما تقدّم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم». وجمع خيانة خيائن، وكان يجب أن يقال: خوائن لأنه من ذوات الواو، إلا أنهم فرقوا بينه وبين جمع خائنة. ويقال: خائن وخُوّان وخَوَنَة وخانة.
ابن كثير
تفسير : قال محمد بن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل عن بعض أهله عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «حديث : إني قد عرفت أن أناساً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحداً منهم - أي من بني هاشم - فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرهاً» تفسير : فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا، ونترك العباس؟ والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف، فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب: «حديث : يا أبا حفص - قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا حفص - أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف؟» تفسير : فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، فوالله لقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول بعد ذلك: والله ما آمن من تلك الكلمة التي قلت، ولا أزال منها خائفاً، إلا أن يكفرها الله تعالى عني بشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيداً رضي الله عنه. وبه عن ابن عباس قال: لما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، والأسارى محبوسون بالوثاق، بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ساهراً أول الليل، فقال له أصحابه: يا رسول الله ما لك لا تنام؟ - وقد أسر العباس رجل من الأنصار - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سمعت أنين عمي العباس في وثاقه» تفسير : فأطلَقُوه فسكت، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال محمد بن إسحاق: وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداءً العباسُ بن عبد المطلب، وذلك أنه كان رجلاً موسراً، فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهباً، وفي صحيح البخاري من حديث موسى بن عقبة قال ابن شهاب: حدثنا أنس بن مالك: أن رجالاً من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه. قال: «حديث : لا والله لا تذرون منه درهماً»تفسير : . وقال يونس بن بكير: عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة عن الزهري عن جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله قد كنت مسلماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول، فإن الله يجزيك، وأما ظاهرك، فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن فهر»تفسير : : قال: ما ذاك عندي يا رسول الله قال: «حديث : فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل؟ فقلت لها: إن أصبت في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبنيَّ: الفضل، وعبد الله، وقثم» تفسير : قال: والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : لا، ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك» تفسير : ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه، فأنزل الله عز وجل: { يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىۤ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبداً، كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله عز وجل. وقد روى ابن إسحاق أيضاً عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس في هذه الآية بنحو مما تقدم. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن وكيع حدثنا ابن إدريس عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال العباس: فيّ نزلت: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت مني، فأبى، فأبدلني الله بها عشرين عبداً، كلهم تاجر مالي في يده، وقال ابن إسحاق أيضاً: حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما عن جابر بن عبد الله بن رئاب قال: كان العباس بن عبد المطلب يقول: في نزلت والله حين ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إسلامي، ثم ذكر نحو الحديث كالذي قبله. وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىۤ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ} عباس وأصحابه، قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومنا، فأنزل الله: {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ} إيماناً وتصديقاً يخلف لكم خيراً مما أخذ منكم {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} الشرك الذي كنتم عليه. قال: فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا، وأن لي الدنيا، لقد قال: {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ} فقد أعطاني خيراً مما أخذ مني مائة ضعف، وقال: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} وأرجو أن يكون قد غفر لي. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: كان العباس أسر يوم بدر، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب، فقال العباس حين قرئت هذه الآية: لقد أعطاني الله عز وجل خصلتين ما أحب أن لي بهما الدنيا: إني أسرت يوم بدر، ففديت نفسي بأربعين أوقية، فآتاني أربعين عبداً، وإني لأرجو المغفرة التي وعدنا الله عز وجل، فقال قتادة في تفسير هذه الآية: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفاً، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى يومئذ شاكياً، ولا حرم سائلاً، وما صلى يومئذ حتى فرقه، فأمر العباس أن يأخذ منه ويحتثي، فكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا، وأرجو المغفرة. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: بعث ابن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البحرين ثمانين ألفاً، ما أتاه مال أكثر منه، لا قبل ولا بعد. قال: فنثرت على حصير، ونودي بالصلاة. قال: وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمثل قائماً على المال، وجاء أهل المسجد، فما كان يومئذ عدد ولا وزن، ما كان إلا فيضاً، وجاء العباس بن عبد المطلب، فحثا في خميصة عليه، وذهب يقوم، فلم يستطع، قال: فرفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ارفع علي، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج ضاحكه أو نابه، وقال له: «حديث : أعد من المال طائفة، وقم بما تطيق» تفسير : قال: ففعل، وجعل العباس يقول وهو منطلق: أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزنا، وما ندري ما يصنع الله في الأخرى {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} الآية، ثم قال: هذا خير مما أخذ منا، وما أدري ما يصنع الله في الأخرى، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم ماثلاً على ذلك المال حتى ما بقي منه درهم، وما بعث إلى أهله بدرهم، ثم أتى الصلاة فصلى. (حديث آخر في ذلك) - قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الطيب محمد بن محمد بن عبد الله السعيدي، حدثنا محمد بن عصام، حدثنا حفص بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين، فقال: «حديث : انثروه في مسجدي» تفسير : قال: وكان أكثر مال أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الصلاة، ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة، جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحداً إلا أعطاه، إذ جاءه العباس، فقال: يا رسول الله أعطني؛ فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خذ» تفسير : فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه إلي، قال: «حديث : لا» تفسير : قال: فارفعه أنت عليّ، قال، «حديث : لا» تفسير : فنثر منه، ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفي عنه؛ عجباً من حرصه، فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثَمَّ منها درهم، وقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه تعليقاً بصيغة الجزم يقول: وقال إبراهيم بن طهمان، ويسوقه، وفي بعض السياقات أتم من هذا. وقوله: {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} أي: {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ} فيما أظهروا لك من الأقوال {فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} أي: من قبل بدر بالكفر به {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} أي: بالأسارى يوم بدر {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بفعله، حكيم فيه. قال قتادة: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح الكاتب حين ارتد ولحق بالمشركين، وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: نزلت في عباس وأصحابه حين قالوا: لننصحن لك على قومنا، وفسرها السدي على العموم، وهو أشمل وأظهر، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَىٰ} وفي قراءة (الأسارى) { إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً } إيماناً وإِخلاصاً {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمّآ أُخِذَ مِنكُمْ } من الفداء بأن يضعِّفه لكم في الدنيا ويثيبكم في الآخرة {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ذنوبكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
الشوكاني
.تفسير : اختلاف القراء في أسرى والأسارى هو هنا كما سبق في الآية قبل هذه. خاطب الله النبيّ صلى الله عليه وسلم بهذا، أي قل لهؤلاء الأسرى الذين هم في أيديكم أسرتموهم يوم بدر وأخذتم منهم الفداء، {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً } من حسن إيمان، وصلاح نية، وخلوص طوية {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ } من الفداء: أي يعوّضكم في هذه الدنيا رزقاً خيراً منه، وأنفع لكم، أو في الآخرة بما يكتبه لكم من المثوبة بالأعمال الصالحة {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ذنوبكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } شأنه المغفرة لعباده والرحمة لهم. ولما ذكر ما ذكره من العوض لمن علم في قلبه خيراً ذكر من هو على ضدّ ذلك منهم فقال: {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ } بما قالوه لك بألسنتهم من أنهم قد آمنوا بك وصدّقوك، ولم يكن ذلك منهم عن عزيمة صحيحة ونية خالصة، بل هو مماكرة ومخادعة، فليس ذلك بمستبعد منهم، فإنهم قد فعلوا ما هو أعظم منه، وهو أنهم خانوا الله من قبل أن تظفر بهم، فكفروا به وقاتلوا رسوله {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } بأن نصرك عليهم في يوم بدر، فقتلت منهم من قتلت وأسرت من أسرت {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بما في ضمائرهم {حَكِيمٌ } في أفعاله بهم. وقد أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص، وبعثت فيه بقلادة، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رقّ رقة شديدة وقال: "حديث : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها"تفسير : ، وقال العباس: إني كنت مسلماً يا رسول الله، قال:"حديث : الله أعلم بإسلامك، فإن تكن كما تقول فالله يجزيك، فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب، وحليفك عتبة بن عمرو"تفسير : ، قال: ما ذاك عندي يا رسول الله، قال: "حديث : فأين المال الذي دفنت أنت وأمّ الفضل؟ فقلت لها: إن أصبت فهذا المال لبنيّ؟" تفسير : فقال: والله يا رسول الله إن هذا لشيء ما علمه غيري وغيرها، فاحسب لي ما أصبتم مني عشرون أوقية من مال كان معي، قال: "حديث : لا أفعل"تفسير : ، ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه، ونزلت: {قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ ٱلأَسْرَىٰ } الآية، فأعطاني مكان العشرين الأوقية في الإسلام، عشرين عبداً كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله. وأخرج ابن سعد، والحاكم وصححه، عن أبي موسى أن العلاء ابن الحضرمي بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين ثمانين ألفاً، فما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مال أكثر منه، فنشره على حصير، وجاء الناس، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم، وما كان يومئذ عدد ولا وزن، فجاء العباس فقال: يا رسول الله إني أعطيت فدائي، وفداء عقيل يوم بدر، أعطني من هذا المال، فقال: "حديث : خذ"تفسير : ، فحثا في خميصته، ثم ذهب ينصرف فلم يستطع، فرفع رأسه وقال: يا رسول الله ارفع عليّ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب وهو يقول: أما أحد اللذين وعد الله فقد أنجزنا، وما ندري ما يصنع في الأخرى {قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ } فهذا خير مما أخذ مني ولا أدري ما يصنع في المغفرة. والروايات في هذا الباب كثيرة. وأخرج ابن سعد، وابن عساكر، عن ابن عباس، في الآية قال: نزلت في الأسارى يوم بدر، منهم العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عنه، في قوله: {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ } إن كان قولهم كذباً {فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ } فقد كفروا وقاتلوك {فَأَمْكَنَك} الله مِنْهُمْ.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّمَن فِي أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مَِّمَّآ أُخِذَ مِنْكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: أحل مما أخذ منكم. الثاني: أكثر مما أخذ منكم. قيل إن هذه الآية نزلت لما أسر العباس بن عبد المطلب مع أسرى بدر وأخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء نفسه وابني أخويه عقيل ونوفل فقال: يا رسول الله كنت مسلماً وأخرجت مكرهاً ولقد تركتني فقيراً أتكفف الناس. قال: "حديث : فَأَيْنَ الأَمْوَالُ الَّتِي دَفَعْتَهَا إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ عِنْدَ خُرُوجِكَ" تفسير : فقال: إن الله لزيدنا ثقة بنبوتك. قال العباس. فصدق الله وعده فيما آتاني وإن لي لعشرين مملوكاً كل مملوك يضرب بعشرين الفاً في التجارة فقد أعطاني الله عز وجل خيراً مما أخذ مني يوم بدر.
ابن عطية
تفسير : روي أن الأسرى ببدر أعلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لهم ميل إلى الإسلام وأنهم يؤملونه وأنهم إن فدوا ورجعوا إلى قومهم التزموا جلبهم إلى الإسلام وسعوا في ذلك ونحو هذا الغرض، ففي ذلك نزلت هذه الآية، وقال ابن عباس {الأسرى} في هذه الآية عباس وأصحابه، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم آمنا بما جئت به ونشهد إنك لرسول الله لننصحن لك على قومنا فنزلت هذه الآية، وقرأ جمهور الناس: "من الأسرى" وقرأ أبو عمرو وحده من السبعة "من الأسارى" وهي قراءة أبي جعفر وقتادة ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق، واختلف عن الحسن بن أبي الحسن وعن الجحدري وقرأ ابن محيصن "من لسرى" بالإدغام، ومعنى الكلام إن كان هذا عن جد منكم وعلم الله من نفوسكم الخير والإسلام سيجبر عليكم أفضل مما أعطيتم فدية وسيغفر لكم جميع ما اجترحتموه، وقرأ الأعمش "يثيبكم خيراً" وقرأ جمهور الناس "أُخِذ" بضم الهمزة وكسر الخاء, وقرأ شيبة بن نصاح وأبو حيوة "أَخذ" بفتحها، وروي أن أسرى بدر افتدوا بأربعين أوقية أربعين أوقية إلا العباس فإنه افتدي بمائة أوقية. قال القاضي أبو محمد: والأوقية أربعون درهماً، وقال قتادة فادوهم بأربعة آلاف أربعة الآف، وقال عبيدة السلماني كان فداء أسرى بدر مائة أوقية، والأوقية، والأوقية أربعون درهماً، ومن الدنانير ستة دنانير، وروي أن العباس بن عبد المطلب قال "فيَّ وفي أصحابي نزلت هذه الآية، وقال حين أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال البحرين ما قدر أن يقل، هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجوا أن يغفر الله لي وأسند الطبري أيضاً إلى العباس أنه قال فيّ نزلت حين أعلمت رسول الله صلى الله عيله وسلم بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت مني قبل المفادة فأبى وقال ذلك فيء فأبدلني الله من ذلك عشرين عبداً كلهم تاجر بمالي، وروي عن العباس أنه قال: ما أود أن هذه الآية لم تنزل ولي الدنيا بأجمعها، وذلك أن الله قد آتاني مما أخذ مني وأنا أرجو أن يغفر لي، وقوله تعالى: {وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله} الآية، قول أمر أن يقوله للأسرى ويورد معناه عليهم، والمعنى إن أخلصوا فعل بهم كذا وإن أبطنوا خيانة ما رغبوا أن يؤتمنوا عليه من العهد فلا يسرهم ذلك ولا يسكنوا إليه، فإن الله بالمرصاد لهم الذي خانوا قبل بكفرهم وتركهم النظر في آياته وهو قد بينها لهم إدراكاً يحصلونها به فصار كعهد متقرر، فجعل جزاؤهم على خيانتهم إياه أن مكن منهم المؤمنين وجعلهم أسرى في أيديهم، وقوله {عليم حكيم} صفتان مناسبتان، أي عليم بما يبطنونه من إخلاص أو خيانة حكيم فيما يجازيهم به. قال القاضي أبو محمد: وأما تفسير هذه الآية بقصة عبد الله بن أبي سرح فينبغي أن يحرر، فإن جلبت قصة عبد الله بن أبي سرح على أنها مثال كما يمكن أن تجلب أمثلة في عصرنا من ذلك فحسن، وإن جلبت على أن الآية نزلت في ذلك فخطأ، لأن ابن أبي سرح إنما تبين أمره في يوم فتح مكة، وهذه الآية نزلت عقيب بدر.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذّ مِنكُمْ} حديث : لما أُسر العباس يوم بدر أخذ منه الرسول صلى الله عليه وسلم فداء نفسه وابني أخيه عقيل ونوفل، قال: يا رسول الله كنت مسلماً وأخرجت مكرهاً ولقد تركتني فقيراً أتكفف الناس، فقال: "فأين الأواقي التي دفعتها سراً لأم الفضل عند خروجك؟" فقال: إن الله ـ تعالى ـ ليزيدنا ثقة بنبوتك، قال العباس: فصدق الله ـ تعالى ـ وعده فيما أتاني، وإن لي لعشرين مملوكاً يضرب كل مملوك منهم بعشرين ألفاً في التجارة، فقد أعطاني الله ـ تعالى ـ خيراً مم أخذ من يوم بدر .
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم} حديث : نزلن في العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أحد العشرة الذين ضمنوا أن يطعموا الناس الذين خرجوا من مكة إلى بدر وكان قد خرج ومعه عشرون أوقية من ذهب ليطعم بها إذ جاءت نوبته فكانت نوبته يوم الوقعة ببدر فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا فلم يطعم شيئاً وبقيت العشرون أوقية معه فلما أسر أخذت منه، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحسب العشرين أوقية من فدائه فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أما شيء خرجت به لتستعين به علينا فلا أتركه لك". وكلف فداء ابني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث فقال العباس: يا محمد تتركني أتكفف قريشا ما بقيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة" وقلت لها إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهذا لك ولعبد الله ولعبيد الله وللفضل وقثم يعني بنيه" فقال العباس: وما يدريك يا ابن أخي قال: "أخبرني به ربي" قال العباس: أشهد أنك لصادق وأشهد أن لا إله إلا لله وأنك عبده ورسوله لم يطلع عليه أحد إلا الله وأمر ابني أخيه عقيل ونوفل بن الحارث فأسلماتفسير : فذلك قوله سبحانه وتعالى: يا أيها النبي قل لمن في أيديكم {من الأسرى} يعني الذين أسرتموهم وأخذتم منهم الفداء {إن يعلم الله في قلوبكم خير} يعني إيماناً وتصديقاً {يؤتكم خيراً مما أخذ منكم} يعني من الفداء {ويغفر لكم} يعني ما سلف منكم قبل الإيمان {والله غفور} يعني لمن آمن وتاب من كفره ومعاصيه {رحيم} يعني بأهل طاعته قال العباس: فأبدلني الله خيراً ما أخذ مني عشرين عبداً كلهم تاجر يضرب بمال كثير أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي عز وجل. وقوله تعالى: {وإن يريدوا} يعني الأسارى {خيانتك} يعني أن يكفروا بك {فقد خانوا الله} يعني فقد كفروا بالله {من قبل} وقيل معناه وإن نقضوا العهد ورجعوا إلى الكفر فقد خانوا الله بذلك {فأمكن} يعني فأمكن الله المؤمنين {منهم} ببدر حتى قتلوا منهم وأسروا منهم وهذا نهاية الإمكان وفيه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه يتمكن من كل أحد يخونه أو ينقض عهده {والله عليم} يعني بما في بواطنهم وضمائرهم من إيمان وتصديق أو خيانة ونقض عهد {حكيم} يعني حكم بأنه يجازي كلاً بعمله الخير بالثواب والشر بالعقاب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ}، روي أنَّ الأسرَى بِبَدْرٍ أعلموا رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّ لهم مَيْلاً إِلى الإِسلام، وأنهم إِنْ رجعوا إِلى قومهم، سَعَوْا في جلبهم إِلى الإِسلام، قال ٱبنُ عَبَّاس: الأَسْرَى في هذه الآية: عَبَّاسٌ وأصحابه، قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: آمنا بما جئْتَ به، ونشهد إِنك لَرَسُولُ اللَّه، ولَنَنْصَحَنَّ لك علَى قومنا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، ومعنى الكلام: إِن كان هذا عَنْ جِدٍّ منكم، وَعَلِمَ اللَّهُ مِنْ أَنفسكم الخَيْرَ والإِسلام، فإِنه سيجبر عليكم أَفْضَلَ مما أَعطيتم فديةً، ويغفرْ لكم جميعَ ما ٱجترمتموه، وروي أنَّ العبَّاس بن عبد المطَّلب رضي اللَّه عنه قال: فيَّ وفي أصْحَابِي نَزَلَتْ هذه الآيةُ، وقال حِينَ أعطاه رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مالِ البَحْرَيْنِ ما قَدِّرَ أنْ يقول: هذا خَيْرٌ ممَّا أُخِذَ مِنِّي، وأنا بَعْدُ أَرجُو أنْ يَغْفِرَ اللَّهِ لِي، وروي عنه؛ أنه قال: ما أَوَدُّ أَنَّ هذه الآية لَمْ تَنْزِلْ، ولي الدنيا بأجمعها؛ وذلك أن اللَّه تعالى قد أتاني خَيْراً مما أُخِذَ مني، وأنا أرجو أَنْ يَغْفِرَ لي، وقوله: {فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ } أي: بالكُفْر، {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } أي: بأن جعلهم أسْرَى، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } فيما يبطنونه، {حَكِيمٌ } فيما يجازيهم به.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ} الآية. لمَّا أخذ الفداء من الأسارى، وشق عليهم أخذ أموالهم، ذكر اللَّهُ تعالى هذه الآية استمالة لهم. قوله: "مِنَ الأسْرَى" قرأه أبو عمرو بزنة "فُعَالى" والباقون بزنة "فَعْلَى" وقد عُرِفَ ما فيهما. ووافق أبا عمرو قتادة ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق وأبو جعفر. واختلف عن الجحدري والحسن. وقرأ ابنُ مُحَيْصنٍ "مِنْ أسْرَى" منكَّراً. قوله: "يُؤتِكُمْ" جواب الشَّرط. وقرأ الأعمشُ "يُثِبْكم" من الثَّواب، وقرأ الحسنُ وأبو حيوة وشيبة وحميد "مِمَّا أخَذَ" مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى. فصل وهذه الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب؛ وكان قد أسر يوم بدر. وكان أحد العشرة الذين ضمنوا إطعام أهل بدر، وكان يوم بدر نوبته، وكان خرج بعشرين وقية من ذهب ليطعم بها النَّاسَ، فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا وبقيت العشرون أوقية معه، فأخذت منه في الحرب، فكلَّم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحسب العشرين أوقية من فدائه فأبى وقال: "أما شيء خرجت تستعين به علينا، فلا أتركه" وكلفه فداء ابني أخويه عقيل بن أبي طالبٍ، ونوفل بن الحارث، فقال العبَّاسُ: يا محمَّدُ تركتني أتكَفَّفُ قريشاً ما بقيت؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأيْنَ الذهبُ الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكَّة، فقلت لها: إني لا أدري ما يُصيبني في وجهي هذا فإن حدث لي حدث، فهو لك ولعبد الله ولعبيد الله والفضل وقُثَم" يعني: بنيه. فقال العبَّاس: وما يُدْريك؟ قال: "أخبرني به ربِّي". قال العباسُ: أشهد أنَّك صادق وأن لا إله إلاَّ الله، وأنَّك عبده ورسوله، والله لم يطلعْ عليه أحدٌ إلاَّ الله، ولقد رفعته إليها في سوادِ الليلِ، وقد كنتُ مُرْتَاباً في أمرك، فأمَّا إذْ أخبرتني بذلك، فلا ريب. فذلك قوله عز وجل: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ} الذين أخذتم منهم الفداء {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} أي: إيماناً: {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ} من الفداء: "ويغْفِرْ لَكُمْ" ذنوبكم: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال العباس فأبدلني اللَّهُ عنها عشرين عبداً كلهم تاجر بمالي، وإنَّ أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني زمزم، وما أحب أنَّ لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي. اختلف المفسرون في أنَّ الآية نزلت في العبَّاس خاصة، أو في جملة الأسارى. قال قوم: إنَّها في العباس خاصة، وقال آخرون: إنَّها نزلت في الكلِّ، وهذا أولى لقوله تعالى: {قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ}، ولقوله "مِنَ الأسْرَى"، ولقوله "فِي قُلوبكم" ولقوله: "يُؤتِكُمْ خَيْراً"، ولقوله "مِمَّا أخذَ منكُمْ"، وقوله: "ويَغْفِر لكُمْ"، أقصى ما في الباب أن يقال: سبب نزول الآية هو العباسُ، إلاَّ أنَّ العبرة بعموم اللَّفْظِ لا بخصوص السَّبَبِ. فصل احتج هشام بن الحكم على أنَّهُ تعالى لا يعلم الشَّيء إلاَّ عند حدوثه بهذه الآية، لأن قوله: {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} فعل كذا، وكذا شرط وجزاء، والشَّرط هو حصول هذا العلم، والشرط والجزاء لا يصح حصولهما إلا في المستقبل، وذلك يوجب حدوث علم الله تعالى. والجواب: أنَّ ظاهر اللفظ وإن كان يقتضي ما ذكره، إلاَّ أنه لمَّا دلَّ الدليلُ على أن علم الله يمتنع أن يكون محدثاً، وجب أن يقال: ذكر العلم وأراد به المعلوم من حيث إنَّه يدل حصول العلم على حصول المعلوم. قوله تعالى: {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ} الآية. الضمير في "يريدوا" يعود على "الأسْرَى"، لأنهم أقربُ مذكور. وقيل: على الجانحين. وقيل: على اليهُود. وقيل: على كُفَّار قريش. قال ابن جريج: أراد بالخيانة الكفر أي: إن كفروا بك فقد كفروا باللَّهِ من قبل، فأمكن منهم المؤمنين ببدر حتى قتلوهم. وقيل: أراد بالخيانة منع ما ضمنوا من الفداء. قال الأزهريُّ: يُقالُ أمكنني الأمْرُ يُمْكنُنِي فهُو مُمْكِنٌ، ومفعول الإمكان محذوف، والمعنى: فأمكن المؤمنين منهم يوم بدر حتى قتلوهم وأسروهم. ثم قال: "واللَّهُ عليمٌ" أي: ببواطنهم وضمائرهم: "حَكِيمٌ" يجازيهم بأعمالهم.
السيوطي
تفسير : أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت "حديث : لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم. بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلادة لها في فداء زوجها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها؟ وقال العباس رضي الله عنه: إني كنت مسلماً يا رسول الله. قال: الله أعلم بإسلامك، فإن تكن كما تقول فالله يجزيك فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، وحليفك عتبة بن عمر، وقال: ما ذاك عندي يا رسول الله. قال: فأين الذي دفنت أنت وأم الفضل؟ فقلت لها: إن أصبت فإن هذا المال لبني. فقال: والله يا رسول الله إن هذا لشيء ما علمه غيري وغيرها، فاحسب لي ما أحببتم مني عشرين أوقية من مال كان معي فقال: افعل. ففدي نفسه وابني أخويه وحليفه، ونزلت {قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم} فأعطاني مكان العشرين أوقية في الإِسلام عشرين عبداً كلهم في يده مال نصرت به مع ما أرجو من مغفرة الله ". تفسير : وأخرج ابن سعد والحاكم وصححه عن أبي موسى "حديث : أن العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مالاً أكثر منه فنثر على حصير، وجاء الناس فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم وما كان يومئذ عدد ولا وزن، فجاء العباس فقال: يا رسول الله، إني أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر، أعطني من هذا المال، فقال: خذ، فحثى في قميصه ثم ذهب ينصرف فلم يستطع، فرفع رأسه وقال: يا رسول الله، أرفع علي. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أما أخذ ما وعد الله فقد نجز ولا أدري الأخرى {قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم} هذا خير مما أخذ مني ولا أدري ما يصنع في المغفرة ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أسر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر سبعين من قريش منهم العباس وعقيل، فجعل عليهم الفداء أربعين أوقية من ذهب، وجعل على العباس مائة أوقية، وعلى عقيل ثمانين أوقية، فقال العباس رضي الله عنه: لقد تركتني فقير قريش ما بقيت؟ فأنزل الله {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} حين ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إسلامي وسألته أن يقاسمني بالعشرين أوقية التي أخذت مني، فعوّضني الله منها عشرين عبداً كلهم تاجر يضرب بمالي مع ما أرجو من رحمة الله ومغفرته. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان العباس رضي الله عنه قد أسر يوم بدر، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب فقال حين نزلت {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} ، لقد أعطاني خصلتين ما أحب أن لي بهما الدنيا، إني أسرت يوم بدر ففديت نفسي بأربعين أوقية فأعطاني الله أربعين عبداً، وإني أرجو المغفرة التي وعدنا الله. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما {قل لمن في أيديكم من الأسرى} قال: عباس وأصحابه قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: آمنا بما جئت به ونشهد أنك رسول الله، فنزل {إن يعلم الله في قلوبكم خيراً} أي إيماناً وتصديقاً يخلف لكم خيراً مما أصبت منكم، ويغفر لكم الشرك الذي كنتم عليه، فكان عباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا وإن لي ما في الدنيا من شيء، فلقد أعطاني الله خيراً مما أخذ مني مائة ضعف، وأرجو أن يكون غفر لي. وأخرج ابن سعد وابن عساكرعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى...} الآية. قال: نزلت في الأسارى يوم بدر، منهم العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحرث، وعقيل بن أبي طالب رضي الله عنهم.
القشيري
تفسير : الذي يعْطَوْنه خيرٌ مما أُخِذَ منهم. ويحتمل أن يكون ما في الآخرة من حسن الثواب، ويحتمل أن يكون ما في الدنيا من جميل العِوَض. ويقال هو ما يوصلهم إليه من توفيق الطاعات، وحلاوة الإيمان، وهو خيرٌ مما أُخِذَ منهم. ويقال ما أعطاهم من الرضاء بما هم فيه من الفقر، بعدما كانوا أغنياءَ في حال الشِّرْك.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها النبى} من الالقاب المشرفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اى ايها المخبر عن الله وعن احكامه {قل لمن فى ايديكم من الاسرى} جمع اسير حديث : -روى- انها نزلت فى العباس ابن عبد المطلب عم النبى عليه السلام وكان اسر يوم بدر وكان احد العشرة الذين ضمنوا اطعام من خرج من مكة لحماية العير وكان يوم بدر قد خرج بعشرين اوقية من ذهب ليطعم بها الكفار فوقع القتال قبل ان يطعم بها وبقيت العشرون اوقية معه فاخذت منه فى الحرب فكلم النبى عليه السلام فى ان يحتسب العشرين اوقية من فدائه فابى وقال "اما شيء خرجت تستعين به علينا فلا اتركه لك". فكلفه ان يفدى نفسه بمائة اوقية زائدا على فداء غيره لقطع الرحم وكلفه ان يفدى ايضا ابنى اخويه عقيل بن ابى طالب ونوفل بن الحارث كل واحد باربعين اوقية فقال يا محمد تركتنى اى صيرتنى اتكفف قريشا ما بقيت والتكفف هوان يمد كفه يسأل الناس يعنى غنم المسلمون مالى وما بقى لى شيء حتى افدى نفسى وابنى اخوى فقال "فاين الذهب الذى دفعته الى ام الفضل" يعنى زوجته "وقت خروجك من مكة وقلت لها انى لا ادرى ما يصيبنى فى وجهى فان حدث بى حدث فهو لك ولعبدالله والفضل وقثم" وهم ابناؤه فقال العباس وما يدريك قال"اخبرنى به ربى" قال اشهد انك صادق وان لا اله الا الله وانك رسول الله والله لم يطلع عليه احد الا الله ولقد دفعته اليها فى سواد الليل ولقد كنت مرتابا فى امرك فاما اذا اخبرتنى بذلك فلا ريبتفسير : . والآية وان نزلت فى حق العباس خاصة الا ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب اى قل للعباس وعقيل وغيرهما من الاسارى {ان يعلم الله فى قلوبكم خيرا} ايمانا واخلاصا هذا الشك بالنسبة الينا كما فى قوله عليه السلام "حديث : ان كنت تعلم" تفسير : فى دعاء الاستخارة فان معناه تعلق علمك وارادتك فلما كان تعلق هذا العلم مشكوكا بالنسبة الى العبد عبر عن هذا المعنى بما ترى هكذا سمعته من حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة {يؤتكم خيرا مما اخذ منكم} من الفداء {ويغفر لكم والله غفور رحيم} قال العباس فابدلنى الله خيرا مما اخذ منى لى الآن عشرون عبدا وان ادناهم ليضرب اى يتجر فى عشرين الف درهم واعطانى سقاية زمزم ما احب ان لى بها جميع اموال اهل مكة انجزنى احد الوعدين وانا ارجو ان ينجز لى الوعد الثانى اى انتظر المغفرة من ربى فانه لا خلاف فى وعد الكريم شعر : خلاف وعده محالست كز كريم آيد لئيم اكر نكند وعده وفاشايد
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (أسْرى): جمع أسير، ويجمع على أسارى. وقرئ بهما، و (خيراً مما): اسم تفضيل، وأصله: أًخْيَر، فاستغنى عنه بخير، وكذلك شر؛ أصله: أشر، قال في الكافية: شعر : وغالباً أغناهم خير وشر عن قولهم: أخيرُ منه وأشر تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} الذين أخذتم منهم الفداء: {إنْ يعلم اللَّهُ في قلوبكم خيراُ} من الفداء. رُوي أنها نزلت في العباس رضي الله عنه؛ كلَّفه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفدي نفسه، وابني أخويه: عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال: يا محمد، تركتني أتكففُ قريشاً ما بقيت، فقال له عليه الصلاة والسلام: وأين الذهب الذي دفعتَهُ لأُمِّ الفضلِ وقتَ خُرُوجك، وقلت لها: لا أدْري ما يصيبني في وَجْهي هذا، فإن حَدَثَ بي حدثٌ فهو لك، ولعبدِ الله، وعُبيد الله، والفضل، وقُثَم، قال له وما يُدْريكَ؟ قال: أخبرني به ربي تعالى، قال: فأشهدُ أنكَ صادِقٌ، وأن لا اله إلا الله، وأنك رسول الله، واللَّهِ لم يطلعْ عليه أحدٌ إلا الله، ولقد دفعته إليها في سَوَادِ اللِّيْلِ. قال العباس: فأبْدَلَني الله خيراً من ذلك، أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال الذي قدم من البحرين ما لم أقدر على حمله، ولي الآن عشرون عبداً، إن أدناهم يضرب ـ أي: يتجرـ في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم، ما أحب أَنَّ لي بها جميعَ أموالِ أهل مكَّة، وأنا أنتظرُ المغفره مِنْ ربكم، يعني: الموعود بقوله تعالى: {وَيَغفِر لَكُم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. {وإنْ يُريدوا}؛ الأسارى {خيانتك}؛ بنقض ما عهدوك به، {فقد خانوا الله من قبلُ}؛ بالكفر والمعاصي {فأمْكَنَ منهم} وأمكنك من ناصيتهم، فقُبِضوا وأُسروا ببدر، {والله عليمٌ} لا يخفى عليه شيء، {حكيمٌ} فيما دبر وأمضى. الإشارة: يقال للفقراء المتوجهين إلى الله، الذين بذلوا أموالهم ومهَجَهم، وقتلوا نفوسهم في طلب محبوبهم: إن يعلم الله في قلوبكم خيراً، كصدق وإخلاص، يؤتكم أفضل مما أخذ منكم، من ذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس. وهو الغناء الأكبر، والسر الأشهر، الذي هو الفناء في الله، والغيببة عما سواه، وثمرته: المشاهدة التي تصحبها المكالمة، وهذا هو الإكسير والغنا الكبير، فكل من باع نفسه في طلب هذا فقد ربحت صفقته، وزكت تجارته، مع غفران الذنوب، وتغطية المساوئ والعيوب. وبالله التوفيق. ثم بيَّن فضائل المهاجرين والانصار، ومنزلة من آمن ولم يهاجر، والذين هاجروا بعد الحديبية، تتميماً للتحريض على الجهاد، فبدأ أولاً بالمهاجرين والأنصار، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابو عمرو وحده من السبعة وابو جعفر {الأسارى} الباقون {الأسرى} وابو عمرو جمع المذهبين في الاول والثاني. وحمله الباقون على النظير في المعنى. وقد فسرنا فيما مضي الاسير من اخذ من دار الحرب من أهلها، ولو اخذ مسلم لكان قد فك اسره. خاطب الله بهذه الآية نبيه صلى الله عليه وآله وامره ان يقول لمن حصل في يده من الاسرى يعني من حصل في وثاقه وسماه في يده لانه بمنزلة ما قبض على يده بالاستيلاء عليه ولذلك يقال في الملك المتنازع فيه لمن اليد؟ وقوله {إن يعلم الله في قلوبكم خيراً} يعني اسلاماً. وقيل معناه إن يعلم منكم خيراً في المستقبل بأن يفعلوه فيعلمه الله موجوداً، لان ما لم يفعل لا يعلمه موجوداً والخير النفع العظيم، وهو ها هنا البصيرة في دين الله وحسن النية في امر الله. وقوله {يؤتكم خيراً} يعني يعطيكم خيراً {مما أخذ منكم} من الفداء. وقال الحسن اطلقهم بالفداء، ولو لم يسلمو لم يتركهم. وقوله {ويغفر لكم} يعني زيادة مما يؤتيهم يغفر لهم معاصيهم ويسترها عليهم لانه غفور رحيم. وروي عن العباس انه قال: كان معي عشرون اوقية فأخذت مني فاعطاني مكانها عشرين عبداً ووعدني بالمغفرة. وقال العباس فيّ نزلت وفي اصحابي هذه الاية، وهو قول ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ} اسرى بدر او العبّاس وعقيل بان ابى طالب ونوفل بن الحارث خاصّة كما ورد فى الخبر انّ الآية نزلت فى العبّاس وعقيل ونوفل وقصّتهم وقصّة غزو بدر مسطورة فى الصّافى مبسوطة {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} رغبةً وميلاً فى الايمان {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ} من الغنيمة فى الغزو ومن الفداء بعد الاسر {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ} فيغفر لكم ما صدر منكم من معاداة الرّسول (ص) {رَّحِيمٌ} فيؤتيكم خيراً ممّا اخذ منكم فحقّ العبارة ان يقول لكم ويؤتكم خيراً فانّ المغفرة وهى ستر المساوى مقدّمة على الرّحمة والانعام لكن لمّا كان المقام مقام الاهتمام باتيان العوض لما فاتهم قدّمه.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها النبىُّ قلْ لمنْ فى أيدِيكُم} فى مملكتكم كأن أيديكم قابضة عليهم {مِنَ الأسْرى} وقرأ ابن محيصن بإدغام النون فى اللام، وقرأ أبو عمر، وأبو جعفر، وقتادة، ونصر بن عاصم، والحسن، والجحدرى فى رواية عنهما: من الأسارى {إنْ يَعْلم اللهُ فى قُلُوبكم خَيراً} أى إن كان فيها خير كان كونه فيها ملزوم لعلم الله، وعلم الله لازم له، والمراد بالخير الإيمان والإخلاص {يؤتكُم خَيراً} أى يؤتكم أفضل دنيا وأخرى، أو أخرى. {مما أخِذَ} وقرأ الأعمش يثبكم خيراً مما أخذ منكم، وقرأ الحسن، وشيبة بن نضاح، وأبو حيوة: يؤتكم خيرا مما أخذ بالبناء للفاعل الذى هو اللهِ، أى أخذ هو أى الله منكم وهو الفداء، وقد مر أنه أربعة ألاف على كل أسير وهو قول قتادة، وقال عبيدة السلمانى: جعل على كل أسير مائة أوقية، و الأوقية أربعون درهما، ويعادلها ستة دنانير، وقيل: إن أسرى بدر افتدوا بأربعين أوقية أربعين أوقية، إلا العباس فبمائة أوقية، وقال موسى بن عقبة: بأربعين أوقية أربعين أوقية، وقال أبو نعيم بإسناد، عن ابن عباس: إنه جعل على العباس مائة أوقية، وعلى عقيل ثمانين، فقال له العباس: أللقرابة صنعت هذا؟ فنزلت الآية. وفى رواية عنه: الأسرى فى هذه الآية عباس وأصحابه قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم: آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومنا، فنزلت الآية، وأخرج ابن إسحاق حديث : عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا عباس افد نفسك وابن أخيك عقيل بن أبى طالب، وابن أخيك نوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو" قال: إنى كنت مسلما، ولكن القوم استكرهونى، قال: "الله أعلم بما تقول إن يك ما تقول حقا فإن الله تعالى يجزيك، ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا " تفسير : وذكر بعضهم أنه من أفضل الأسرى العباس، وعقيل، ونوفل، وكل أسلم، وكان العباس أسلم قديما وكتم إسلامه، وخرج من المشركين يوم بدر، فقال صلى الله عليه وسلم: "من لقى العباس فلا يقتله فإنه خرج مستكرها" ففادى نفسه ورجع إلى مكة، وقيل: أسلم يوم بدر فاستقبل النبى صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بالأبواء، وكان معه حين فتح مكة، وقيل: أسلم يوم فتح خيبر، وقيل: كان يكتم إيمانه وأظهره يوم الفتح، وكان إسلامه قبل بدر، وكان يكتب بأخبار المشركين إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وكان يحب القدوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: "إن مقامك بمكة خير لك". وقيل: حديث : سبب إسلامه أنه خرج لبدر بعشرين أوقية من ذهب ليطعم بها المشركين، وكان من العشرة الذين ضمنوا أن يطمعوا الناس الذين خرجوا إلى بدر، وجاءت نوبته يوم بدر فاقتتلوا، ولم يطعم شيئا، وأخذت منه فى الحرب حين أسر، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحسبها من فدائه، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما شئ خرجت به تستعين علينا به فلا نتركه لك" وكلفه فداء نفسه وفداء بنى أخيه عقيل بن أبى طالب، ونوفل بن الحارث، فقال: تركتنى أتكفف قريشا ما بقيت، فقال صلى الله عليه وسلم: "فأين الذهب الذى دفعته إلى أم الفضل" وكان قد دفع إليها عند إرادة الخروج إلى بدر أربعين أوقية ليلا، وقال لها: لا أدرى ما يكون فى وجهى هذا أى توجهى، فإن مت فهى لك ولعبيد الله، وعبد الله، والفضل، وقثم، فقال: من أعلمك بهذا يا ابن أخى، فإنه ما كان ذلك منى إلا إليها ليلا؟ فقال: "أعلمنى الله" فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، وكنت مرتابا ولا ريب الآن، وأمر عقيلا ونوفلا فأسلما . تفسير : وروى أن الأسرى ببدر أعلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لهم ميل إلى الإسلام، وأنهم يؤملونه، وأنهم إن فودوا ورجعوا إلى قومهم التزموا جلبهم إلى الإسلام، وسعوا فى ذلك، ونزلت الآية فى ذلك. {ويغْفرْ لكُم} ما سلف قبل الإيمان {واللهُ غفورٌ رحيمٌ} قال العباس: أبدلنى الله مما أخذ منى عشرين عبدا أدناهم ليضرب فى عشرين ألف درهم، أى يتجر، وأعطانى زمزما ما أحب أن لى بها جميع أموال أهل مكة، وأن أنتظر المغفرة من ربى، يشير إلى الآية، وفى رواية: أن العشرين عبدا بما معهم مكان العشرين أوقية، وأعطانى زمزما إلى أخر ما مر. وفى البخارى من حديث أنس، أنه صلى الله عليه وسلم أتى بمال من البحرين فقال: "اشروه" يعنى صبوه فى المسجد، وكان أكثر مال أتى به صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى المسجد قبل صلاة الظهر، ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلا أعطاه، إذ جاء العباس فقال: أعطنى فاديت نفسى وفاديت عقيلا، فقال له: "خذ" فحثا فى ثوبه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال يا رسول الله مُر بعضهم يرفعه بالحزم إلىَّ، قال: "لا" قال: فارفعه أنت علىَّ، قال: "لا" فنثر منه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال يا رسول الله مُر بعضهم يرفعه علىَّ، قال "لا" قال: فارفعه أنت، قال: "لا" نثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله، فانطلق فما زال صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفى علينا عجبا من حرصه، فما قام عليه الصلاة والسلام وثم منها درهم، وكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منى حين كان يحثو بنفسه فى ثوب نفسه، وروى عن العباس أنه قال: ما أود أن هذه الآية لم تنزل ولى الدنيا بأجمعها.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ قُلْ لِّمَنْ فِى أَيْدِيكُمْ} فى قبضتكم وحكمكم {مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا} إِيمانا خالصا {يُؤْتِكُمٍ خَيْرًا} أَفضل {مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} نزلت فى العباس إِذ أخذت منه عشرون أُوقية فى بدر، وفدى نفسه بثمانين، وقيل أَعطى عن ابن أَخيه عقيل أَربعين وعن ابن أَخيه نوفل بن الحارث أَربعين فذلك مائة وثمانون أُوقية {وَيغْفِرْ لَكمْ وَاللهُ غَفُور رَّحِيمٌ} قال العباس: لى الآن عشرون عبدا أَدناهم يضرب فى عشرين أَلفا، وأَعطى لى زمزم ما أحب أَن لى بها جميع أَموال مكة، وأَنا أَنتظر المغفرة.. و جاءَه صلى الله عليه وسلم من البحرين ثمانون أَلفا فتوضأَ وما صلى حتى فرقها، وأَمر العباس أَن يأخذ فأخذ ما قدر على حمله، وقال: هذه خير مما أخذ منى، وأَنا أَرجو المغفرة، وإِنما كانت زمزم بيده بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم، لأَنه سأَله فى حياته ولم يعطه إِياها، وكذا تلك الأَموال كانت بعده صلى الله عليه وسلم. وفى أَخذه صلى الله عليه وسلم الفداءَ دلالة على َنه يجتهد، وكذا الأَنبياء يجتهدون، ولكن إِذا لم يصيبوا الحق أَخبرهم الله، قال بعض: أَمره الله بانتظار الوحى ثم العمل بالرأى، ومدة الانتظار ثلاثة أَيام، وقيل تقدر بخوف فوت الغرض.
الالوسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِى أَيْدِيكُم} أي في ملكتكم واستيلائكم كأن أيديكم قابضة عليهم {مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ} الذين أخذتم منهم الفداء، وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر {من الأسارى} {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} إيماناً وتصديقاً كما قال ابن عباس {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ} من الفداء. والآية على ما في رواية ابن سعد وابن عساكر نزلت في جميع أسارى بدر وكان فداء العباس منهم أربعين أوقية وفداء سائرهم عشرين أوقية، وعن محمد بن سيرين أنه كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهماً وستة دنانير. وجاء في رواية أنها نزلت في العباس رضي الله تعالى عنه، وقد روي عنه أنه قال: كنت مسلماً لكن استكرهوني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن يكن ما تذكر حقاً فالله تعالى يجزيك فإما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحرث وعقيل بن أبـي طالب وحليفك عتبة بن عمرو فقلت: ما ذاك عندي يا رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: فأين الذي دفنت أنت وأم الفضل؟ فقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في / وجهي هذا فإن حدث بـي حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله وقثم فقلت: وما يدريك فقال صلى الله عليه وسلم: أخبرني ربـي فعند ذلك قال العباس: أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك رسول الله إنه لم يطلع على ذلك أحد إلا الله تعالى ولقد دفعته إليها في سواد الليل» تفسير : ، وروي عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال بعد حين: أبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربكم بتأويل ما في قوله تعالى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فإنه وعد بالمغفرة مؤكد بالاعتراض التذييلي، وروي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مال البحرين ثمانون ألفاً فتوضأ صلى الله عليه وسلم وما صلى حتى فرقه وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ ما قدر على حمله، وكان رضي الله تعالى عنه يقول: هذا خير مما أخذ مني وأرجو المغفرة، والظاهر أن الآية عامة لسائر الأسارى على ما يقتضيه صيغة الجمع، ولا يأبـى ذلك رواية أنها نزلت في العباس لما قالوا من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقرأ الأعمش {يثبكم خَيْرًا} والحسن وشيبة {مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ} على البناء للفاعل.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي، وهو إقبال على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بشيء يتعلّق بحال سرائر بعض الأسرى، بعد أن كان الخطاب متعلقا بالتحريض على القتال وما يتبعه، وقد كان العباس في جملة الأسرى وكان ظهر منه ميل إلى الإسلام. قبل خروجه إلى بدر، وكذلك كان عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وقد فدى العباسُ نفسه وفدى ابنَي أخَوَيْه: عُقيلاً ونوْفلاً. وقال للنبي صلى الله عليه وسلم تَركتني أتكفّف قريشاً. فنزلت هذه الآية في ذلك، وهي ترغيب لهم في الإسلام في المستقبل، ولذلك قيل لهم هذا القول قبل أن يفارقوهم. فمعنى {من في أيديكم} من في مَلكتكم ووثاقكم، فالأيدي مستعارة للمِلك. وجمعها باعتبار عدد المالكين. وكان الأسرَى مشركين، فإنّهم ما فَادوا أنفسهم إلاّ لقصد الرجوع إلى أهل الشرك. والمراد بالخير محبّة الإيمان والعزم عليه، أي: فإذا آمنتم بعد هذا الفِداء يؤتكم الله خيراً ممّا أخذ منكم. وليس إيتاء الخير على مجرّد محبة الإيمان والميل إليه، كما أخبر العبّاس عن نفسه، بل المراد به ما يترتّب على تلك المحبّة من الإسلام بقرينة قوله: {ويغفر لكم}. وكذلك ليس الخير الذي في قلوبهم هو الجزم بالإيمان: لأنّ ذلك لم يدَّعوه ولا عرِفوا به، قال ابن وهب عن مالك: كان أسرى بدر مشركين ففادوا ورجعوا ولو كانوا مسلمين لأقاموا. و«ما أخذ» هو مال الفداء، والخيرُ منه هو الأوفر من المال بأن ييسِّر لهم أسباب الثروة بالعطاء من أمْوال الغنائم وغيرها. فقد أعطَى رسول الله صلى الله عليه وسلم العباسَ بعد إسلامه مِن فَيْءِ البَحرين. وإنّما حملنا الخير على الأفضل من المال؛ لأنّ ذلك هو الأصل في التفضيل بين شيئين أن يكون تفضيلاً في خصائص النوع، ولأنّه عطف عليه قوله: {ويغفر لكم} وذلك هو خير الآخرة المترتّب على الإيمان، لأنّ المغفرة لا تحصل إلاّ للمؤمن. والتذييلُ بقوله: {والله غفور رحيم} للإيماء إلى عظم مغفرته التي يغفر لهم، لأنّها مغفرة شديدِ الغفران رحيمٍ بعبَاده، فمثال المبالغة وهو غفور المقتضي قوةَ المغفرة وكثرتها، مستعمل فيهما باعتبار كثرة المخاطبين وعِظم المغفرة لكلّ واحد منهم. وقرأ الجمهور {من الأسرى} ـ بفتح الهمزة وراء بعد السين ـ مثل أسرى الأولى، وقرأها أبو عَمرو، وأبو جعفر {من الأسَارى} بضمّ الهمزة وألف بعد السين وراءه فورود هما في هذه الآية تفنُّن.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: من الأسرى: أسرى بدر الذين أخذ منهم الفداء كالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه. إن يعلم الله في قلوبكم خيراً: أي إيماناً صادقاً وإخلاصاً تاماً. مما أخذ منكم: من مال الفداء. وإن يريدوا خيانتك: أي الأسرى. فقد خانوا الله من قبل: أي من قبل وقوعهم في الأسر وذلك بكفرهم في مكة. فأمكن منهم: أي أمكنكم أنتم أيها المؤمنون منهم فقتلتموهم وأسرتموهم. والله عليم حكيم: عليم بخلقه حكيم في صنعه وتدبيره. معنى الآيتين: هذه الآية الكريمة نزلت في العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه إذ كان يقول هذه الآية نزلت في وذلك أنه بعد أن وقع في الأسر أسلم وأظهر إسلامه وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرد عليه ما أخذ منه من فدية فأبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فأنزل الله تعالى قوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} أي إسلاماً حقيقياً {يُؤْتِكُمْ خَيْراً} أي مالاً خيراً {مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ذنوبكم التي كانت كفراً بالله ورسوله، ثم حرباً على الله ورسوله، {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} يغفر ذنوب عباده التائبين {رَّحِيمٌ} بعباده المؤمنين فلا يؤاخذهم بعد التوبة عليها بل يرحمهم برحمته في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ} أي وإن يُرد هؤلاء الأسرى الذين أخذ منهم الفداء ونطقوا بالشهادتين مظهرين إسلامهم خيانتك والغدر بك بإظهار إسلامهم ثم إذا عادوا إلى ديارهم عادوا إلى كفرهم، فلا تبال بهم ولا ترهب جانبهم فإنهم قد خانوا الله من قبل بكفرهم وشركهم {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} المؤمنين وجعلهم في قبضتهم وتحت إِمْرَتِهم، ولو عادوا لعاد الله تعالى فسلطكم عليهم وأمكنكم منهم وقوله تعالى {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليم بنيات القوم وتحركاتهم حكيم فيما يحكم به عليهم ألا فليتقوه عز وجل وليحسنوا إسلامهم ويصدقوا في إيمانهم فذلك خير لهم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- فضل العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنزول الآية في حقه وشأنه. 2- فضل إضمار الخير والنيات الصالحة. 3- إطلاق لفظ الخير على الإِسلام والقرآن وحقاً هما الخير والخير كله. 4- ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوضه خيراً منه. 5- الله جل جلاله: لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب ألا فليتق وليتوكل عليه.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} (70) - وَقَعَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَسِيراً فِي أَيْدِي أُنَاسٍ مِن الأَنْصَارِ، فَتَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ. فَحَزِنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ أَأَذْهَبُ إِلَيْهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَذَهَبَ عُمَرُ إِلَيْهِم، وَلَكِنَّهُمْ رَفَضُوا تَسْلِيمَهُ إِلَيهِ، فَقَالَ لَهُمْ أَوَلَوْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ رضاً فِي ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَضِيَ فَخُذْهُ. فَعَرَضَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ أَنْ يَفْدِي نَفْسَهُ، وَيَفْدِيَ ابْنَيْ أخِيْهِ نَوْفَلاً وَعَقِيلاً، وَحَلِيفاً لَهُ. فَتَعَلَّلَ العبَّاسُ بِأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ مَا يَكْفِي مِنَ المَالِ. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم: أَلَمْ تَتْرُكْ عِنْدَ زَوْجَتِكَ أُمِّ الفَّضْلِ مَالاً دَفَنْتُمَاهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ نَعَمْ. وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. فَدَفَعَ عِشْرِينَ أُوْقِيَّةً مِنَ الذَّهَبِ. وَقَالَ لِلرَّسُولِ كُنْتُ مسلماً. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ: اللهَ أَعْلَمُ بِإِسْلاَمِكَ، فَإِنْ يَكُنْ كَمَا تَقُولُ، فَإِنَّ اللهَ يَجْزِيكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَيَقُولُ العَبَّاسُ: إنَّ اللهَ آتَاهُ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْهُ مِئَةَ ضِعْفٍ، وَإِنَّهُ لَيَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ غَفَرَ لَهُ. وَمَعْنَى الآيةِ: إِنْ يَكُنْ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرٌ يَعْلَمُهُ اللهُ، يُعَوِّضْكُمْ خَيراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ، وَيَغْفِرْ مَا كَانَ مِنْكُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالسَيِّئَاتِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي إن صح كلام العباس في إسلامه وأنه كتم الإسلام؛ فالله يعلم ما في قلبه وسوف يعطيه الله خيراً مما أخذ منه. وبالفعل فاء الله على العباس بالخير. فقد أسند الطبري إلى العباس أنه قال: فيّ نزلت - أي هذه الآية - حين أعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي أخذت مني قبل المفاداة فأبى وقال: "ذلك فَيْءٌ" فأبدلني الله من ذلك عشرين عبداً كلهم تاجر بمالي. وفي الرواية التي ذكرها ابن كثير (قال العباس فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبداً كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجوه من مغفرة الله عز وجل)، وهكذا تحقق قول الله عز وجل {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ..} [الأنفال: 70]. وبعد أن نزلت هذه الآية الكريمة، وكانت موافقة لما اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرارات، وأبلغ صلى الله عليه وسلم الأسرى بالحكم النهائي من الله: لا تفكون إلا بالفداء أو بضرب الرقاب. وهنا قال سيدنا عبد الله بن مسعود: يا رسول الله إلا سَهْل بَن بيضاء فإنني عرفته يذكر الإسلام ويصنع كذا وكذا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عليَّ حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سَهْل بن بيضاء، وقول الحق تبارك وتعالى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنفال: 70]. أي ما دام في قلوبكم الخير وقد آمنتم أو ستدخلون في الإسلام؛ فالله يعلم ما في وسيغفر لكم لأنه غفور رحيم. وعندما استقر الأمر قال بعض من الأسرى: يا رسول الله: إن عندنا مالاً في مكة، اسمح لنا نذهب إلى هناك ونحضر لك الفداء، وخشي صلى الله عليه وسلم أن تكون هذه خدعة واحتيال، فماذا يفعل؟ أيطلق سراحهم ويصدقهم فيحضروا الفدية؟ أم هذه حيلة وقد أضمروا الخيانة والغدر؟. فنزل قول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ...}
الأندلسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ} الآية نزلت عقب بدر في أسرى بدرا علموا أن لهم ميلاً إلى الإِسلام وأنهم يؤملونه ان فدوا ورجعوا إلى قومهم. والظاهر أن الضمير في وان يريدوا خيانتك عائد على الأسرى لأنه أقرب مذكور والخيانة هي كونهم أظهر بعضهم الإِسلام ثم رجعوا إلى دينهم. {فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} بخروجهم مع المشركين. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ} الآية قسم المؤمنين إلى المهاجرين والأنصار والذين لم يهاجروا فبدأ بالمهاجرين لأنهم أصل الإِسلام وأول من استجاب لله فهاجر قوم إلى المدينة وقوم إلى الحبشة وقوم إلى ابن ذي يزن ثم هاجروا إلى المدينة وكانوا قدوة لغيرهم في الإِيمان وسبباً لتقوية الدين من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وثنى بالانصار لأنهم ساوَوْهم في الإِيمان وفي الجهاد بالنفس والمال، لكنه عادل الهِجرة بالإِيواء والنصر، وانفرد المهاجرون بالسبق، وذكر ثالثاً من آمن ولم يهاجر ولم ينصر ففاتتهم هاتان الفضيلتان وحرموا الولاية. {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} ومعنى أولياء بعض في النصرة والتعاون والمؤازرة كما جاء في غير آية: المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار فكان المهاجريّ يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري. قال ابن زيد: واستمر أمرهم كذلك إلى فتح مكة ثم توارثوا بعد لما لم تكن هجرة، فمعنى ما لكم من ولايتهم من شىء نفي الموالاة في التوارث، وكان قوله: {أية : وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} تفسير : [الأنفال: 75] ناسخاً لذلك. {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ} والمعطوف مغاير للمعطوف عليه فوجب أن تكون الولاية المنفية غير النصرة. "انتهى" ولما نزل ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا قال الزبير: هل نعينهم على أمران استعانوا بنا فنزل وان استنصروكم، والاستثناء في قوله: إلا على قوم معناه أن مَن بيننا وبينهم ميثاق لا ننصر المستنصرين الذين لم يهاجروا عليهم بل نتركهم وإياهم.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} المبعوث لتكميل الخلائق {قُل} على وجه العظة والتذكير بمقتضى شفقة النبوة والإرشاد {لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ} المطلع لضمائركم واستعداداتكم {فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} إيماناً وإيقاناً، واطمئناناً وعرفاناً {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ} من حطام الدنيا، وهي اللذات الروحانية والكشوف والمشاهدات التي لا مقدار للذات الجسمانية دونها {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ما صدر عنكم من الكفر والعصيان {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده نحو توحيده {غَفُورٌ} لذنوبهم بعدما وفقهم للإيمان والإطاعة {رَّحِيمٌ} [الأنفال: 70] يرحمهم بعدما رجعوا نحوه وأنابوا. حديث : رُوي أنها نزلت في العباس رضي الله عنه كلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفدي نفسه وابني أخويه: عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، فقال: يا محمد تركتني أتكفف قريشاً ما بقيت فقال: صلى الله عليه وسلم: "فأين الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك فقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث لي حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل وقثم"، وقال العباس: وما يدريك؟ قال صلى الله عليه وسلم: "أخبرني ربي". قال أشهد أنك صادق، وأن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل، فقال العباس رضي الله عنه: فأبدلني الله خيراً من ذلك إلى الآن عشرين عبداً، إن أدناهم ليضرب عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم ما أ؛ب أن لي بها أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربكم، تفسير : يعني: الموعود بقوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنفال: 70]. {وَإِن يُرِيدُواْ} أولئك الأسارى {خِيَانَتَكَ} بعدما عاهدت معهم وتلفطت بهم فلا تتعجب من خيانته ونقضهم {فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ} بالكفر والشرك، ونقض العهد والخروج عن مقتضى المأمور {مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ} أي: أمكنك ومكنك أولاً عليهم حتى انتقمت {مِنْهُمْ} يوم بدر بالقتل والأسر، فإن عادوا ورجعوا بالخيانة أمكنكم ثانياً وثالثاً فلا تبال بهم وبخيانتهم فإن الله معينك وناصرك، يعصمك من مكائدهم {وَٱللَّهُ} المطلع لمخايلهم {عَلِيمٌ} بنياتهم {حَكِيمٌ} [الأنفال: 71] بمجازاتهم يجازيهم على مقتضى علمه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم يخبر عمن حكمة استبقاء الأسارى بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ} [الأنفال: 70] يشير إلى النفس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر عند استيلاء سلطان الذكر عليها والظفر؛ يعني: قل لها: {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} [الأنفال: 70] من الاطمئنان على ذكر الله والعبودية والانقياد تحت أحكامه، {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ} [الأنفال: 70] يعني: إن أخذ منكم شهوات الدنيا ونعيمها وزينتها يبدلكم الله نعيم الجنة ودرجاتها وهي خير منها؛ لأن الدنيا ونعيمها فانية والجنة ونعيمها باقية، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الأنفال: 70] يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته، {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} [الأنفال: 70] ساتر بأنوار صفاته لمن طلب ستره، {رَّحِيمٌ} [الأنفال: 70] بهم بأن رحمهم يستر الوجود من أنوار الشهود، {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ} [الأنفال: 71] يعني: بإن سامحت النفوس المأمورة في إطلاقها عن إشرافها على بعض شهواتها المشروعة فتريد خيانتك؛ أي: التجاوز عن حد الشريعة أوالطريقة، {فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} [الأنفال: 71] بالتجاوز عن الشريعة أو الطريقة، {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} [الأنفال: 71] عند استيلاء الذكر عليها والمجاهدة، فجاهدها بملازمة الذكر ونفي الشهوات عنها، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} [الأنفال: 71] بأحوالها، {حَكِيمٌ} [الأنفال: 71] فيما دبره من أمر جهادها وتزكيتها عن أوصافه الذميمة. ثم أخبر عن أهل الجهاد بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ} [الأنفال: 72] إلى آخر السورة، الإشارة: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بأن طلب الله حق وواجب وهاجروا غير الله، فهاجروا عن أفعالهم القبيحة الطبيعية إلى الأفعال الحسنى الشرعية، وعن أوصافهم الذميمة إلى الأخلاق الحميدة، وعن وجودهم المجازي إلى الوجود الحقيقي، {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 72] ببذلها، {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الأنفال: 72] أي: في طلب الحق وترك كل باطل هو غير الحق، {وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ} [الأنفال: 72] ذكر الله ومحبته وصدق طلبه في القلوب، {وَّنَصَرُوۤاْ} [الأنفال: 72] المحنة بالذكر الدائم والطلب القائم، {أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 72] في المرافقة والموافقة والطلب والسير إلى الله، {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [الأنفال: 72] بأن الطلب حق، {وَلَمْ يُهَاجِرُواْ} [الأنفال: 72] عن أفعالهم وأوصافهم ووجودهم المجازي، {مَا لَكُمْ} [الأنفال: 72] أيها الطالبون الصادقون: {مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ} [الأنفال: 72] من موالاتهم ومخاطبتهم. {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ} [الأنفال: 72] أي: وإن استمردوكم في طلب الدين، {فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} [الأنفال: 72] أي: الهداية ليتحقق عندهم وجوب الطلب؛ يعني: الذين آمنوا بالطلب ولم يهاجروا من أوصافهم بعد، فإن جاءوك واستعانوا بكم في الطلب وتمسكوا بأذيال الوصال منكم فعليكم أن تدلوهم طريق الحق بمعاملتكم وسيركم؛ ليقتدوا بكم بأحوالكم، {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} [الأنفال: 72] يعني: إلا على بعض أحوالكم مما صالحتم نفوسكم بعدما جاهدتموها وأسرتموها سراً فلا تدلوا الطلاب على هذه الأحوال فإنهم بعد في بدء أمر الجهاد لا يصلح لهم الاطلاع على مصالحة الواصلين مع نفوسهم ليميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد والقتال مع النفوس، {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الأنفال: 72] من الصلح والجهاد، {بَصِيرٌ} [الأنفال: 72] يسلم الصلح للواصلين دون المجاهدين الطالبين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذه نزلت في أسارى يوم بدر، وكان في جملتهم العباس عم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم،فلما طلب منه الفداء، ادَّعى أنه مسلم قبل ذلك، فلم يسقطوا عنه الفداء،فأنزل اللّه تعالى جبرا لخاطره ومن كان على مثل حاله. { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ } أي: من المال، بأن ييسر لكم من فضله، خيرا وأكثر مما أخذ منكم. { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ذنوبكم، ويدخلكم الجنة وقد أنجز اللّه وعده للعباس وغيره، فحصل له - بعد ذلك - من المال شيء كثير،حتى إنه مرة لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مال كثير، أتاه العباس فأمره أن يأخذ منه بثوبه ما يطيق حمله، فأخذ منه ما كاد أن يعجز عن حمله. { وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ } في السعي لحربك ومنابذتك، { فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } فليحذروا خيانتك، فإنه تعالى قادر عليهم وهم تحت قبضته، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي: عليم بكل شيء، حكيم يضع الأشياء مواضعها، ومن علمه وحكمته أن شرع لكم هذه الأحكام الجليلة الجميلة، وأن تكفل بكفايتكم شأن الأسرى وشرهم إن أرادوا خيانة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):