Verse. 1242 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

كَيْفَ يَكُوْنُ لِلْمُشْرِكِيْنَ عَہْدٌ عِنْدَ اللہِ وَعِنْدَ رَسُوْلِہٖۗ اِلَّا الَّذِيْنَ عٰہَدْتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ۝۰ۚ فَمَا اسْتَقَامُوْا لَكُمْ فَاسْتَقِيْمُوْا لَہُمْ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ يُحِبُّ الْمُتَّقِيْنَ۝۷
Kayfa yakoonu lilmushrikeena AAahdun AAinda Allahi waAAinda rasoolihi illa allatheena AAahadtum AAinda almasjidi alharami fama istaqamoo lakum faistaqeemoo lahum inna Allaha yuhibbu almuttaqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كيف» أي لا «يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله» وهم كافرون بالله ورسوله غادرون «إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام» يوم الحديبية وهم قريش المستثنون من قبل «فما استقاموا لكم» أقاموا على العهد ولم ينقضوه «فاستقيموا لهم» على الوفاء به وما شرطية «إن الله يحب المتقين» وقد استقام النبي صلى الله عليه وسلم على عهدهم حتى نقضوا بإعانة بني بكر على خزاعة.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله: {كَيْفَ } استفهام بمعنى الإنكار كما تقول: كيف يسبقني مثلك، أي لا ينبغي أن يسبقني وفي الآية محذوف وتقديره: كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر فيما وقع من العهد إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، لأجل أنهم ما نكثوا وما نقضوا قيل: إنهم بنو كنانة وبنو ضمرة فتربصوا أمرهم ولا تقتلوهم فما استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } يعني من اتقى الله يوفي بعهده لمن عاهد، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} كيف هنا للتعجب؛ كما تقول: كيف يسبقني فلان؛ أي لا ينبغي أن يسبقني. و «عهد» اسم يكون. وفي الآية إضمار، أي كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر؛ كما قال:شعر : وخبّرتماني إنما الموت بالقُرَى فكيف وهَاتَا هَضْبةٌ وكَثِيبُ تفسير : التقدير؛ فكيف مات؛ عن الزجاج. وقيل: المعنى كيف يكون للمشركين عهد عند الله يأمنون به عذابه غداً، وكيف يكون لهم عند رسوله عهد يأمنون به عذاب الدنيا. ثم استثنى فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. قال محمد بن إسحاق: هم بنو بكر؛ أي ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينقضوا ولم ينكثوا. قوله تعالى: {فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} أي فما أقاموا على الوفاء بعهدكم فأقيموا لهم على مثل ذلك. ابن زيد: فلم يستقيموا فضرب لهم أجلاً أربعة أشهر. فأما من لا عهد له فقاتلوه حيث وجدتموه إلاّ أن يتوب.

البيضاوي

تفسير : {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ} استفهام بمعنى الإِنكار والاستبعاد لأن يكون لهم عهد ولا ينكثوه مع وغرة صدورهم، أو لأن يفي الله ورسوله بالعهد وهم نكثوه، وخبر يكون كيف وقدم للاستفهام أو للمشركين أو عند الله وهو على الأولين صفة للـ {عهد} أو ظرف له أو لـ {يَكُونَ}، و {كَيْفَ} على الأخيرين حال من الـ {عهد} و {لّلْمُشْرِكِينَ} إن لم يكن خبراً فتبيين. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} هم المستثنون قبل ومحله النصب على الاستثناء أو الجر على البدل أو الرفع على أن الاستثناء منقطع أي: ولكن الذين عاهدتم منهم عند المسجد الحرام. {فَمَا ٱسْتَقَـٰمُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} أي فتربصوا أمرهم فإن استقاموا على العهد فاستقيموا على الوفاء وهو كقوله {أية : فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} تفسير : [التوبة: 4] غير أنه مطلق وهذا مقيد وما تحتمل الشرطية والمصدرية {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} سبق بيانه.

ابن كثير

تفسير : يبين تعالى حكمته في البراءة من المشركين، ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا، فقال تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ} أي: أمان، ويتركون فيما هم فيه، وهم مشركون بالله كافرون به وبرسوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} يعني: يوم الحديبية؛ كما قال تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} تفسير : [الفتح: 25]، {فَمَا ٱسْتَقَـٰمُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} أي: مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين {فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك والمسلمون. استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد، ومالؤوا حلفاءهم، وهم بنو بكر، على خزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوهم معهم في الحرم أيضاً، فعند ذلك غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان سنة ثمان، ففتح الله عليه البلد الحرام، ومكنه من نواصيهم، ولله الحمد والمنة، فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم، فسموا الطلقاء، وكانوا قريباً من ألفين، ومن استمر على كفره، وفرّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر يذهب حيث شاء، ومنهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإسلام التام، والله المحمود على جميع ما يقدره ويفعله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَيْفَ } أي لا {يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ} الناقضين للعهد { عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ } وهم الكافرون بهما غادرون {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَٰهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } يوم الحديبية وهم قريش المستثنون من قبل {فَمَا ٱسْتَقَٰمُواْ لَكُمْ } أقاموا على العهد ولم ينقضوه {فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ } على الوفاء به و «ما» شرطية {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } وقد استقام صلى الله عليه وسلم على عهدهم حتى نقضوا بإِعانة (بني بكر) على (خزاعة).

الشوكاني

.تفسير : قوله: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ } الاستفهام هنا للتعجب المتضمن للإنكار، وعهد اسم يكون، وفي خبره ثلاثة أوجه: الأوّل: أنه كيف، وقدم للاستفهام، والثاني: للمشركين، {وعند} على هذين: ظرف للعهد، أو ليكون، أو صفة للعهد؛ والثالث: أن الخبر عند الله، وفي الآية إضمار. والمعنى: كيف يكون للمشركين عهد عند الله يأمنون به من عذابه، وقيل: معنى الآية: محال أن يثبت لهؤلاء عهد، وهم أضداد لكم مضمرون للغدر، فلا يطمعوا في ذلك ولا يحدّثوا به أنفسهم، ثم استدرك، فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } أي: لكن الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، ولم ينقضوا ولم ينكثوا فلا تقاتلوهم، فما داموا مستقيمين لكم على العهد الذي بينكم وبينهم {فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ } قيل: هم بنو بكر، وقيل: بنو كنانة وبنو ضمرة، وفي «ما» وجهان: أحدهما: أنها مصدرية زمانية، والثاني: أنها شرطية، وفي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين، فيكون تعليلاً للأمر بالاستقامة. قوله: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } أعاد الاستفهام التعجيبي للتأكيد والتقرير، والتقدير: كيف يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله؟ والحال أنهم إن يظهروا عليكم بالغلبة لكم {لاَ يَرْقُبُواْ } أي: لا يراعوا فيكم {إِلا }: أي عهداً {وَلاَ ذِمَّةً }. قال في الصحاح: الإلّ العهد والقرابة: ومنه قول حسان:شعر : لعمرك أن إلك من قريش كإلّ السقب من رئل النعام تفسير : قال الزجاج: الإلّ عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدة، ومنه الإلة للحربة، ومنه أذن مؤللة: أي محددة، ومنه قوله طرفة بن العبد يصف ناقته بالحدة والانتصاب:شعر : مؤللتان يعرف العنق منهما كسامعتي شاة بحومل مفرد تفسير : قال أبو عبيدة: الإلّ العهد، والذمة والنديم. وقال الأزهري: هو اسم لله بالعبرانية، وأصله من الأليل، وهو البريق، يقال ألّ لونه يوّلّ إلا: أي صفا ولمع، والذمة العهد، وجمعها ذمم، فمن فسر الإلّ بالعهد كان التكرير للتأكيد مع اختلاف اللفظين. وقال أبو عبيدة: الذمة: التذمم. وقال أبو عبيد: الذمة: الأمان، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ويسعى بذمتهم أدناهم»تفسير : وروي عن أبي عبيدة أيضاً أن الذمة ما يتذمم به: أي ما يجتنب فيه الذمّ. قوله: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوٰهِهِمْ } أي: يقولون بألسنتهم ما فيه مجاملة ومحاسنة لكم، طلباً لمرضاتهم وتطييب قلوبكم، وقلوبهم تأبى ذلك وتخالفه، وتودّ ما فيه مساءتكم ومضرتكم، كما يفعله أهل النفاق وذو الوجهين، ثم حكم عليهم بالفسق، وهو التمرّد والتجري، والخروج عن الحق لنقضهم العهود، وعدم مراعلتهم للعقود، ثم وصفهم بقوله: {ٱشْتَرَوْاْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً } أي: استبدلوا بآيات القرآن التي من جملتها ما فيه الأمر بالوفاء بالعهود ثمناً قليلاً حقيراً، وهو ما آثروه من حطام الدنيا {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ } أي: فعدلوا وأعرضوا عن سبيل الحق، أو صرفوا غيرهم عنه. قوله: {لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } قال النحاس: ليس هذا تكريراً، ولكن الأوّل: لجميع المشركين، والثاني: لليهود خاصة، والدليل على هذا {ٱشْتَرَوْاْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً } يعني: اليهود، وقيل: هذا فيه مراعاة لحقوق المؤمنين على الإطلاق، وفي الأوّل: المراعاة لحقوق طائفة من المؤمنين خاصة {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ } أي: المجاوزون للحلال إلى الحرام بنقض العهد، أو البالغون في الشرّ والتمرد إلى الغاية القصوى {فَإِن تَابُواْ } عن الشرك والتزموا أحكام الإسلام، {فَإِخوَانُكُمْ } أي: فهم إخوانكم {فِى ٱلدّينِ } أي في دين الإسلام {وَنُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } أي: نبينها ونوضحها {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } بما فيها من الأحكام ويفهمونه، وخص أهل العلم لأنهم المنتفعون بها، والمراد بالآيات ما مرّ من الآيات المتعلقة بأحوال المشركين على اختلاف أنواعهم. وقد أخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } قال: قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مقاتل قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عاهد أناساً من بني ضمرة بن بكر وكنانة خاصة، عاهدهم عند المسجد الحرام، وجعل مدتهم أربعة أشهر، وهم الذين ذكر الله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَـٰمُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ } يقول: ما وفوا لكم بالعهد ففوا لهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ قال: هم بنو جذيمة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } قال: هو يوم الحديبية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } قال: الإلّ: القرابة، والذمة: العهد. وأخرج الفريابي، وأبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال: الإلّ الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عكرمة مثله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله {ٱشْتَرَوْاْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً } قال: أبو سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {فإن تابوا} الآية يقول: إن تركوا اللات والعزّى، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإخوانكم في الدين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: حرّمت هذه الآية قتال أو دماء أهل الصلاة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِيْنَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ...} الآية. يحتمل وجهين: أحدهما: إذا لم يعطوا أماناً. الثاني: إذا غدروا وقاتلوا. وفي قوله {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أربعة أقاويل: أحدها: أنهم قوم من بني بكر بن كنانة، قاله ابن إٍسحاق. والثاني: أنهم قريش، وهو قول ابن عباس. والثالث: خزاعة، قاله مجاهد. والرابع: بنو ضمرة، قاله الكلبي. {فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} يعني فما أقاموا على الوفاء بالعهد فأقيموا عليه، فدل على أنهم إذا نقضوا العهد سقط أمانهم وحلّت دماؤهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ} خزاعة، أو بنو ضمرة، أو قريش"ع"، أو قوم من بكر بن كنانة. {فَمَا اسْتَقَامُواْ} دُوموا على عهدهم ما داموا عليه.

القشيري

تفسير : كيف يكون المُفْلِسُ من عرفانه كالمخلص في إيمانه؟ وكيف يكون المحجوبُ عن شهوده كالمستهلَكِ في وجوده؟ كيف يكون مَنْ يقول "أنا" كمن يقول "أنت"؟ وأنشدوا: شعر : وأحبابُنا شتَّان: وافٍ وناقِصٌ ولا يستوي قطٌّ مُحِبٌّ وباغِضُ تفسير : قوله: {فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ}، إنْ تَمَسْكُوا بحبل وفائنا أحللناهم ولاءنا، وإِنْ زاغوا عن عهدنا أبليناهم بصدِّنا، ثم لم يَرْبَحُوا في بُعْدِنا. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ}: المُتَّقي الذي يستحق محبةَ مَنْ يُتَّقَى؛ وذلك حين يتقي محبَّةَ نَفْسِه، وذلك بِتَرْكِ حظِّه والقيام بِحقِّ ربِّه.

اسماعيل حقي

تفسير : {كيف} فى محل النصب على التشبيه بالحال والظرف والاستفهام انكارى لا بمعنى انكار الواقع كما فى قوله تعالى {كيف تكفرون بالله} بل بمعنى انكار الوقوع {يكون} من الكون التام {للمشركين} هم الناكثون. والمعنى على اى حال يوجد لهم {عهد} معتدبه {عند الله وعند رسوله} يستحق ان يراعى حقوقه ويحافظ عليه الى تمام المدة ولا يتعرض لهم بحبسه قتلا واخذا اى مستنكر مستبعد ان يكون لهم عهد يجب الوفاء به {الا الذين} استدراك من النفى المفهوم من الاستفهام المتبادر شموله لجميع المعاهدين اى لكن الذين {عاهدتم} يعنى بنى ضمرة وبنى كنانة {عند المسجد الحرام} [نزديك مسجد حرام يعنى درحدييه كه قريبست بمكة معظمه] والتعرض لكون المعاهدة عند المسجد الحرام لزيادة بيان اصحابها والاشعار بسبب وكادتها ومحل الموصول الرفع على الابتداء خبره قوله تعالى {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} والفاء لتضمنه معنى الشرط وما اما مصدرية منصوبة المحل على الظرفية بتقدير المضاف اة فاستقيموا لهم بوفاء اجلهم مدة استقامتهم لكم فى وفاء العهد فلم ينقضوه كما نقض غيرهم واما شرطية منصوبة المحل على الظرفية الزمانية اى أى زمان استقاموا لكم فى عهدهم فاستقيموا لهم بالوفاء او مرفوعة على الابتداء والعائد محذوف اى أى زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم فيه {ان الله يحب المتقين} لنقض العهد تعليل للامر بالاستقامة واشعار بان المحافظة على العهد من لوازم التقوى وفى الحديث "حديث : لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف بقدر غدره" تفسير : قال فى شرح الشهاب المراد باللواء التشهير يعنى يفتضح الغدّار يوم القيامة بقدر غدره: وفى المثنوى شعر : سوى لطف بيوفايان هين مرو كان بل ويران بود نيكوشنو نقض ميثاق وعهود از احمقيست حفظ ايمان ووفار كار تقيست

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (إلا الذين): محله النصب على الاستثناء، أو جر على البدل من المشركين، أو رفع على الانقطاع، أي: لكن الذين عاهدتم فما استقاموا لكم، و (الإل): القرابة والحِلف، وحذف الفعل في قوله: (كيف وإن يظهروا عليكم)؛ للعلم به بما تقدم، أي: كيف يكون لهم عهد والحال أنهم إن يظهروا عليكم... الخ. يقول الحق جل جلاله: في استبعاد العهد من المشركين والوفاء به: {كيف يكونُ للمشركين عهدٌ عند الله وعندَ رسوله}؟ مع شدة حقدهم وعداوتهم للرسول وللمسلمين، مع ما تقدم لهم من النقض والخيانة فيه، {إلا الذين عاهدتُّم عند المسجد الحرام} قيل: هم المستثنون قبلُ. وقال ابن اسحاق: هي قبائل بني بكر، كانوا دخلوا وقت الحديبية، في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فلم يكن نقض إلا قريش وبنو الديل من بني بكر، فأُمر المسلمون بإتمام العهد لمن لم يكن نقض. وقال ابن عباس: هم قريش، وقال مجاهد: خزاعة، وفي القولين نظر؛ لأن قريشاً وخزاعة كانوا أسلموا وقت الأذان؛ لأنهم أسلموا في الفتح، والأذان بعده بسنة. قال تعالى في شأن من استثنى: {فما استقاموا لكم} على العهد ولم يغدروا، {فاستقيمُوا لهم} على الوفاء، أي: تربصوا بهم وانتظروا أمرهم، فإن استقاموا لكم فاستقيموا لهم، {إِن الله يحب المتقين} الذين إذا عاهدوا وفوا، وإذا قالوا صدقوا. ثم كرر استبعاد وفائهم فقال: {كيف} يصح منهم الوفاء بعهدكم {و} هم {إن يظهرُوا عليكم} ويظفروا بكم في وقعة {لا يرقُبوا} أي: لا يراعوا {فيكم إلاَّ}؛ قرابة أو حلفاً، وقيل: ربوبية، أي: لا يراعون فيكم عظمة الربوبية ولا يخافون عقابه، {ولا ذمَّةً} أي: عهداً، أو حقاً يعاب على إغفاله، {يُرضونكم بأفواههم}؛ بأن يعدوكم بالإيمان والطاعة، والوفاء بالعهد، في الحال، مع استبطان الكفر والغدْر، {وتأبى} أي: تمنع {قلوبهم} ما تفوه به أفواههم، {وأكثرهم فاسقون} متمردون، لا عقيدة تزجرهم، ولا مروءة تردعهم، وتخصيص الأكثر؛ لما في بعض الكفرة من التمادي على العهد، والتعفف عما يجر إلى احدوثة السوء. قاله البيضاوي. {اشْتَروا بآيات الله} أي: استبدلوا بها {ثمناً قليلاً} أي: عرضاً يسيراً، وهو اتباع الأهواء والشهوات، {فصدُّوا عن سبيله}؛ دينه المُوصل إليه، أو بيته بصد الحجاج عنه. {إنهم ساء ما كانوا يعملون} أيْ: قبح عملهم هذا، أو ساء ما كانوا يعملون من كونهم {لا يرقبون في مؤمن إلاَّ ولا ذمة}؛ فيكون تفسيراً لعملهم السوء، لا تكريراً. وقيل: الأول في الناقضين العهد، وهذا خاص بالذين اشتروا، وهم اليهود، أو الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطمعهم. وقوله تعالى؛ {في مؤمن}: فيه إشارة إلى أن عداوتهم إنما هي لأجل الإيمان فقط، وقوله أولاً: {فيكم}، كان يحتمل أن يظن ظان أن ذلك للإحن التي وقعت بينهم، فزال هذا الاحتمال بقوله: {في مؤمن}. قاله ابن عطية: {وأولئك هم المعتدون} في الشرارة والقبح. {فإن تابوا} عن الكفر، {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين}؛ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، {ونفصّلُ الآيات لقوم يعلمون}، حث على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين وخصال التائبين. قاله البيضاوي. الإشارة: لا ينبغي للخواص أن يثقوا بمحبة العوام، ولا يغتروا بما يسمعون من عهودهم، فإن محبتهم على الحروف، مهما رأوا خلاف ما أملوا من حروفهم، وأطماعهم، نكثوا وأدبروا، فللعارف غِنّى بالله عنهم. وفي ذلك يقول سيدنا علي ـ كرم الله وجهه ـ: شعر : مَا الفَخْرُ إِلاَّ لأَهْلِ العِلْمِ، إِنَّهُمُ عَلَى الهُدَى لمن اسْتَهْدَى أدلاَّءُ وَقَدْرُ كل امرئ مَا كَانَ يُحسنهُ والجَاهِلُون لأَهْلِ العلْمٍ أَعْدَاءُ تفسير : ثم ذكر حكم من نقض العهد، فقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}.

الطوسي

تفسير : قال الفراء: هذا على التعجب كما تقول: كيف تستبقي مثلك؟! اي لا ينبغي ان يستبقى، وفي قراءة عبد الله: كيف يكون لهم عهد عند الله، ولا ذمة، فادخل الكلام "لا" مع الواو، ولان معنى الاول جحد. وقال غيره: في الكلام حذف لان الكلام خرج مخرج الانكار عليهم. وتقديره كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله مع اضمار الغدر في عهدهم، فجاء الانكار ان يكون لهم عهد مع ما ينبذ من العهد على ذلك، وذلك يقتضي اضمار الغدر فيما وقع من العهد. ثم استثنى من ذلك {الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} فكان ذلك ايجاباً فيهم لان ما قبله في معنى النفي، والتقدير ليس للمشركين عهد الا الذين. وموضع {الذين} يحتمل الجر والنصب. وحكى الكسائي: اين كنت لتنجو مني اي ما كنت. و {المسجد} الموضع المهيأ لصلاة الجماعة، والمراد ها هنا مسجد مكة خاصة واصله موضع السجود كالمجلس موضع الجلوس و {الحرام} المحظور بعض احواله فالخمر حرام لحظر شربها وسائر انواع التصرف فيها. والام حرام بحظر نكاحها والمسجد الحرام لحظر صيده وسفك الدم فيه وابتذاله ما يبتذل به غيره. وقوله {فما استقاموا لكم} معناه ما استمروا لكم على العهد. والاستقامة الاستمرار على جهة الصواب. ومتى كان الاستمرار على وجه الخطأ لا يسمى استقامة. ومعنى {فاستقيموا لهم} استمروا لهم على العهد مثلهم والمراد بالذين عوهدوا عند المسجد الحرام، قيل فيهم ثلاثة اقوال: قال مجاهد: هم خزاعة. وقال ابن اسحاق: هم قوم من بني كنانة. وقال ابن عباس: هم قريش. وقوله {إن الله يحب المتقين} اخبار منه تعالى انه يحب من يتقي معاصيه ويعمل بطاعاته وانه يريد ثوابه ومنافعه. وفي الآية دليل على ان تمكين الحربي من المقام في دار الاسلام بعد قضاء حاجته ليس بجائز.

الجنابذي

تفسير : {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ} استفهام انكارىّ فى معنى النّفى وفيه معنى التّعجّب اى لا يكون للمشركين عهد عند الله وهو جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: كيف يصحّ الغدر ونقض العهد؟- فقال ليس لهم عهدٌ {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} عن نقص العهد {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} تكرار كيف لمناسبة مقام الّذمّ والسّخط {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ} قرابة او حلفاً وعهداً {وَلاَ ذِمَّةً} عهداً على التّفسير الاوّل لألاًّ او حقاً فى ذمّتهم على التّفسير الثّانى {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ} عمّا يقولون بافواههم {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} خارجون عن حكومة العقل وحكومة خليفة الله وذكر الاكثر لانّ بعض الكفّار لهم حالة انقياد لطاعة العقل ان نبّههم منبّهٌ.

اطفيش

تفسير : {كَيفَ} إنكارا يتضمن تعجيبا، وهو حال من عهد {يَكونُ للمشْركينَ} خبر يكون، والخبر كيف وللمشركين متعلق بيكون، أو حال من عهد {عَهدٌ عنْد اللهِ وعِنْد رَسُوله} متعلق بيكون، أو نعت لعهد قيل، أو متعلق به، ويجوز كونه الخبر، وكيف حال، وللمشركين متعلق بيكون، أو حال من عهد، والمعنى كيف يكون لهم عهد تمسكوا به مع توقد قلوبهم غيظا، أو كيف يكون لهم عهد يثبته الله ورسوله بالوفاء به لهم، وقد نقضوه. {إلاَّ الَّذينَ عَاهدْتُم عنْدَ المسْجِد الحَرامِ} هم بنو ضمرة، وبنو كنانة، وبنو مدلج، عاهدهم فى المسجد الحرام، وقيل: فى جهة قريبة منه عام الفتح. وعن ابن عباس: قريش، ورد بأن الآية نزلت بعد نقض قريش للعهد، وذلك قبل الفتح، وقال السدى، وابن عباد، وابن إسحاق: بنو جذيمة، وقال ابن إسحاق: قبائل بنى بكر، دخلوا وقت الحديبية فى المدة التى كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين قريش، فلم يكن نقض إلا من قريش، وبنى الدئل، فأمر الله بإتمام العهد لمن لم ينقضه وهو الصحيح. وقال مجاهد: خزاعة، ورد بإسلامها عام الفتح، وعن ابن زيد فيما قال الطبرى: قريش، نزلت الآية فلم يستقيموا، بل نقضوا فنزل تأجيلهم أربعة الأشهر، ورد بأنهم وقت الأذان قد أسلموا، وكذا خزاعة، والذين بدل من المشركين فى قوله: {كيف يكون للمشركين} لأن الاستفهام فى ذلك للإنكار، نفى أو منصوب المحل على الاستثناء المتصل، قيل: أو مبتدأ خبره قوله: {فَمَا اسْتَقامُوا لكُم فاسْتَقيمُوا لَهم} فيكُون الاستثناء منقطعا، والاستقامة البقاء على العهد، والتعبير بها إشارة إلى أن نقضه قبيح كالعرج فى جسم، وما شرطية واقعة على الاستقامة مفعول مطلق للفعل بعدها، أى استقامة استقاموا لكم، فاستقيموا لهم، أو ظرفية مصدرية، فالفاء بعد ذلك زائدة، أى استقامتهم لكم استقيموا لهم، فاستقامة مصدر نائب عن ظرف الزمان، متعلق باستقيموا، كأنه قيل: استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم. {إنَّ اللهَ يُحبُّ المتَّقينَ} ومن التقوى مقامكم أيها المسلمون على العهد ما قام عليه أهل الشرك، ولا تقوى مع الشرك، فليس بقاء أهله على العهد تقوى.

اطفيش

تفسير : {كَيْفَ يَكُونُ للمُشْرِكِينَ} الناكثين {عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ} والاستفهام إِنكارى بمعنى النفى، ولو كان حقيقيا لم تكن لفظة إِلا بعده، ولا يكون الاستفهام الحقيقى إِلا ممن جهل والله بكل شئٍ عليم، والمعنى: لا يثبت لهم عهد عند الله ورسوله دون أَن ينقضوه، بل لا بد من أَن ينقضوه لوغر صدورهم، فالعهد فعل لهم أَو لاى يثبت الله لهم عهده وقد نقضوه فالعهد فعل الله ورسوله {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الحرَامِ} الاستثناء إِما منقطع أَى لكن الذين عاهدتم حكمهم ليس كذلك، وقد علمت أَنه لا يلزم فى المستثنى المنقطع أَن يكون مبتدأ أَو منصوبا على الاشتغال، وجاز أَن يكون مبتدأ خبره ما استقاموا لكم إِلخ.. أَو منصوب على الاشتغال استقيموا مع أَنه كجواب شرط، أَو أَنه جوابه، وما لا يعمل فيما قبله لا يفسر عاملا فيه، والتحقيق الجواز لأَنه مجرد حذف لدليل لمنقطع هو منصوب، وإِما متصل بدل من المشركين مجرور ويجوز النصب والمراد بالمسجد الحرام قربه، أَو سمى الحرم مسجدا لأَن المعاهدة فى الحديبية وهى قريبة من الحرم ومن المسجد والمعاهدون عند المسجد الحرام قبائل بنى بكر وهم خزيمة وبنو مدلج من ضميرة، وبنو دؤل وهو بنو ضميرة، والآية نزلت بعد نقض قريش العهد، وذلك قبل فتح مكة لا قبل النقض، لقوله تعالى {فَمَا اسْتَقَامُوا لكُمْ} أَى أَقاموا على العهد لكم {فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} إِذ لا يقال لاستقامة مضت فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، فإِنما المعاهدون عند المسجد الحرام هم المذكورون فى قوله تعالى "أية : إِلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً" تفسير : [التوبة: 4] وذلك أَن هذه الآيات نزلت فى شوال سنة تسع، وقريش نقضت فى السابعة، والفتح فى الثامنة، وما شرطية واقعة على الزمان، قيل: هى مبتدأ، ويقدر فما استقاموا فيه فاستقيموا لهم فيه، لأَن ما لا تضاف ولو كانت بمعنى زمان أَو زمانية شرطية، والمعنى استقيموا لهم فى زمان استقاموا لكم فيه، ويجوز أَن تكون مصدرية ظرفية وزيدت الفاء بعدها لشبهها بالشرط فى التعليق والمصدر معلق باستقيموا لهم استقامتهم لكم، أَى مدة استقامتهم لكم، أَو المصدر مفعول مطلق، أَى استقيموا لهم استقامتهم لكم، أَى مثل استقامتهم، وأَجاز ابن مالك الجزم بما المصدرية الظرفية، وقوله "إِلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام" إِلخ.. مثل قوله "أية : إِلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً" تفسير : [التوبة: 4] إِلخ.. قيد الأَول بقوله "ثم لم ينقصوكم" إِلخ"، والثانى بقوله "فما استقاموا" فكلاهما فيه تقييد، وكذا قيد الأَول بوجوب إِتمام العهد مرتباً على عدم النقض ومظاهرة عليهم، وقيد الثانى بوجوب الاستقامة مرتباً على استقامتهم بإِتمام العهد {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} ومن الاتقاء الاستقامة لهم ما داموا مستقيمين. وقد استقام صلى الله عليه وسلم والمؤمنون لقريش حتى نقضوا العهد بإِعانة بنى بكر الذين فى عهدهم على خزاعة الذين فى عهده صلى الله عليه وسلم.

الالوسي

تفسير : {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عندَ الله وعندَ رسُولِه} تبيين للحكمة الداعية لما سبق من البراءة ولواحقها والمراد من المشركين الناكثون لأن البراءة إنما هي في شأنهم، والاستفهام لإنكار الوقوع، و{يَكُونُ} تامة و{كَيْفَ} في محل النصب على التشبيه بالحال أو الظرف. وقال غير واحد: ناقصة و {كَيْفَ} خبرها وهو واجب التقديم لأن الاستفهام له صدر الكلام و {لِلْمُشْرِكِينَ} متعلق بيكون عند من يجوز عمل الأفعال الناقصة بالظروف أو صفة لعهد قدمت فصارت حالاً و {عِندَ} أما متعلق بيكون على ما مر أو بعهد لأنه مصدر أو بمحذوف وقع صفة له، وجوز أن يكون الخبر {لِلْمُشْرِكِينَ} و {عِندَ} فيها الأوجه المتقدمة، ويجوز أيضاً تعلقها بالاستقرار الذي تعلق به {لِلْمُشْرِكِينَ} أو الخبر {عَندَ ٱللَّهِ} وللمشركين إما تبيين كما في ـ سقيا لك ـ فيتعلق بمقدر مثل أقول هذا الإنكار لهم أو متعلق بيكون وأما حال من {عَهْدٌ} أو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، ويغتفر تقدم معمول الخبر لكونه جاراً ومجروراً، و {كَيْفَ} على الوجهين الأخيرين شبيهة بالظرف أو بالحال كما في احتمال كون الفعل تاماً وهو على ما قاله شيخ الإسلام الأولى لأن في إنكار ثبوت العهد في نفسه من المبالغة ما ليس في إنكار ثبوته للمشركين لأن ثبوته الرابطي فرع ثبوته العيني فانتفاء الأصل يوجب انتفاء الفرع رأساً وتعقب بأنه غير صحيح لما تقرر أن انتفاء مبدأ المحمول في الخارج لا يوجب انتفاء الحمل الخارجي لاتصاف الأعيان بالاعتباريات والعدميات حتى صرحوا بأن زيداً عمي قضية خارجية مع أنه لا ثبوت عيناً للعمى وصرحوا بأن ثبوت الشيء للشيء وإن لم يقتض ثبوت الشيء الثابت في ظرف الاتصاف لكنه يقتضي ثبوته في نفسه ولو في محل انتزاعه، وتحقيق ذلك في محله نعم في توجيه الإنكار إلى كيفية ثبوت العهد من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى ثبوته لأنه إذا انتفى جميع أحوال وجود الشيء وكل موجود يجب أن يكون وجوده على حال فقد انتفى وجوده على الطريق البرهاني أي في أي حال يوجد لهم عهد معتد به عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلم يستحق أن يراعى حقوقه ويحافظ عليه إلى تمام المدة ولا يتعرض لهم بحسبه قتلاً وأخذاً. / وتكرير كلمة عند للإيذان بعدم الاعتداد عند كل من الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام على حدة. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ} وهم المستثنون فيما سلف والخلاف هو الخلاف والمعتمد هو المعتمد، والتعرض لكون المعاهدة {عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} لزيادة بيان أصحابها والإشعار بسبب وكادتها، والاستثناء منقطع وهو بمعنى الاستدراك من النفي المفهوم من الاستفهام الإنكاري المتبادر شموله بجميع المعاهدين ومحل الموصول الرفع على الابتداء وخبره مقدر أو هو {فَمَا ٱسْتَقَـٰمُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} والفاء لتضمنه معنى الشرط على ما مر و {مَا} كما قال غير واحد إما مصدرية منصوبة المحل على الظرفية بتقدير مضاف أي فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم وإما شرطية منصوبة المحل على الظرفية الزمانية أي أي زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم وهو أسلم من القيل صناعة من الاحتمال الأول على التقدير الثاني، ويحتمل أن تكون مرفوعة المحل على الابتداء وفي خبرها الخلاف المشهور واستقيموا جواب الشرط والفاء واقعة في الجواب، وعلى احتمال المصدرية مزيدة للتأكيد. وجوز أن يكون الاستثناء متصلاً ومحل الموصول النصب أو الجر على أنه بدل من المشركين لأن الاستفهام بمعنى النفي، والمراد بهم الجنس لا المعهودون، وأيا ما كان فحكم الأمر بالاستقامة ينتهي بانتهاء مدة العهد فيرجع هذا إلى الأمر بالإتمام المار خلا أنه قد صرح هٰهنا بما لم يصرح به هناك مع كونه معتبراً فيه قطعاً وهو تقييد الإتمام المأمور به ببقائهم على ما كانوا عليه من الوفاء، وعلل سبحانه بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} على طرز ما تقدم حذو القذة بالقذة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني، نشأ عن قوله: {أية : براءة من الله ورسوله}تفسير : [التوبة: 1] ثم عن قوله: {أية : أن الله بريء من المشركين}تفسير : [التوبة: 3] ــــ وعن قوله ــــ {أية : فاقتلوا المشركين}تفسير : [التوبة: 5] التي كانت تدرجاً في إبطال ما بينهم وبين المسلمين من عهود سابقة، لأنّ ذلك يثير سؤالاً في نفوس السامعين من المسلمين الذين لم يطلعوا على دخيلة الأمر، فلعلّ بعض قبائل العرب من المشركين يتعجّب من هذه البراءة، ويسأل عن سببها، وكيف أنهيت العهود وأعلنت الحرب، فكان المقام مقام بيان سبب ذلك، وأنّه أمران: بُعد ما بين العقائد، وسبق الغدر. والاستفهام بــــ {كيف}: إنكاري إنكاراً لحالة كيان العهد بين المشركين وأهل الإسلام، أي دوام العهد في المستقبل مع الذين عاهدوهم يوم الحديبية وما بعده ففعل {يكون} مستعمل في معنى الدوام مثل قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله}تفسير : [النساء: 136] كما دلّ عليه قوله بعده {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم}. وليس ذلك إنكاراً على وقوع العهد، فإن العهد قد انعقد بإذن من الله، وسمّاه الله فتحاً في قوله: {أية : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً}تفسير : [الفتح: 1] وسمّي رضى المؤمنين به يومئذ سكينة في قوله: {أية : هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين}تفسير : [الفتح: 4]. والمعنى: أنّ الشأن أن لا يكون لكم عهد مع أهل الشرك، للبون العظيم بين دين التوحيد ودين الشرك، فكيف يمكن اتّفاق أهليهما، أي فما كان العهد المنعقد مَعهم إلاّ أمراً موقّتاً بمصلحة. ففي وصفهم بالمشركين إيماء إلى علّة الإنكار على دوام العهد معهم. وهذا يؤيّد ما فسّرنا به وجه إضافة البراءة إلى الله ورسوله، وإسنادِ العهد إلى ضمير المسلمين، في قوله تعالى: {أية : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم}تفسير : [التوبة: 1]. ومعنى {عند} الاستقرار المجازي، بمعنى الدوام أي إنّما هو عهد موقّت، وقد كانت قريش نكثوا عهدهم الذي عاهدوه يوم الحديبية، إذْ أعانوا بني بكر بالسلاح والرجال على خزاعة، وكانت خزاعة داخلة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك سبب التجهيز لغزوة فتح مكة. واستثناء {إلا الذين عاهدتم}، من معنى النفي الذي استعمل فيه الاستفهام بــــ {كيف يكون للمشركين عهد}، أي لا يكون عهد المشركين إلا المشركين الذين عاهدتم عند المسجد الحرام. والذين عاهدوهم عند المسجد الحرام: هم بنو ضمرة، وبنو جذيمة بن الدّيل، من كنانة؛ وبنو بكر من كنانة. فالموصول هنا للعهد، وهم أخصّ من الذين مضى فيهم قوله: {أية : إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً}تفسير : [التوبة: 4]. والمقصود من تخصيصهم بالذكر: التنويه بخصلة وفائهم بما عاهدوا عليه ويتعّين أن يكون هؤلاء عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء عند المسجد الحرام، ودخلوا في الصلح الذي عقده مع قريش بخصوصهم، زيادة على دخولهم في الصلح الأعمّ، ولم ينقضوا عهدهم، ولا ظاهروا عدوّا على المسلمين، إلى وقت نزول براءة. على أنّ معاهدتهم عند المسجد الحرام أبعد عن مظنّة النكث لأنّ المعاهدة عنده أوقع في نفوس المشركين من الحلف المجرّد، كما قال تعالى: {أية : إنّهم لا أيمان لهم}تفسير : [التوبة: 12]. وليس المراد كُلَّ من عاهد عند المسجد الحرام كما قد يتوهّمه المتوهّم، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مأذوناً بأن يعاهد فريقاً آخر منهم. وقوله: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} تفريع على الاستثناء. فالتقدير: إلاّ الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فاستقيموا لهم ما استقاموا لكم، أي ما داموا مستقيمين لكم. والظاهر أنّ استثناء هؤلاء؛ لأنّ لعهدهم حرمة زائِدة لوقوعه عند المسجد الحرام حول الكعبة. و{مَا} ظرفية مضمّنة معنى الشرط، والفاء الداخلة على فاء التفريع. والفاء الواقعة في قوله: {فاستقيموا لهم} فاء جواب الشرط، وأصل ذلك أنّ الظرف والمجرور إذا قدّم على متعلّقه قد يُشرب معنى الشرط فتدخل الفاء في جوابه، ومنه قوله تعالى: {أية : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}تفسير : [المطففين: 26] لوجوب جعل الفاء غير تفريعية، لأنّه قد سبقها العطف بالواو، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : كمَا تكونوا يولّ عليكم»تفسير : بجزم الفعلين، وقوله لمن سأله أن يجاهد وسأله الرسول «ألك أبوان» قال: نعم قال: «ففيهما فجاهد» في روايته بفاءَيْن. والاستقامة: حقيقتها عدم الاعوجاج، والسين والتاء للمبالغة مثل استجاب واستحبّ، وإذا قام الشيء انطلقت قامته ولم يكن فيه اعوجاج، وهي هنا مستعارة لحسن المعاملة وترك القتال، لأنّ سوء المعاملة يطلق عليه الالتواء والاعوجاج، فكذلك يطلق على ضدّه الاستقامة. وجملة: {إن الله يحب المتقين} تعليل للأمر بالاستقامة. وموقع {إنّ} أولها، للاهتمام وهو مؤذن بالتعليل لأن {إنّ} في مثل هذا تغني غناء فاء، وقد أنبأ ذلك، التعليل، أنّ الاستقامة لهم من التقوى وإلاّ لم تكن مناسبة للإخبار بأنّ الله يحبّ المتّقين. عقب الأمر بالاستقامة لهم، وهذا من الإيجاز. ولأنّ في الاستقامة لهم حفظاً للعهد الذي هو من قبيل اليمين.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَاهَدْتُمْ} {ٱسْتَقَامُواْ} (7) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى الحِكْمَةَ مِنَ البَرَاءَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ وَعُهُودِهِمْ، وَمِنْ نَظِرَتِهِمْ أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فَيَقُولُ تَعَالَى: كَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلاَءُ المُشْرِكُونَ، وَيَتْرُكُونَ فِيمَا هُمْ فِيِهِ مِنَ الشِّرْكِ، وَالكُفْرِ بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ، وَهُمْ إذا تَمَكَّنُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، وَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ، لاَ يَرْعَوْنَ فِيهِم قَرَابَةً وَلاَ عَهْداً؟ أَمَّا الذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ (يَوْمَ الحُدَيبِيَةِ)، فَمَا اسْتَمْسَكُوا بِالعَهْدِ، وَاسْتَقَامُوا عَلَيْهِ، فَتَمَسَّكُوا أنْتُمْ بِهِ، وَأَوْفُوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، لأنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ، الذِينَ يُحَافِظُونَ عَلَى عُهُودِهِمْ. وَقَدِ اسْتَمَرَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُحَافِظاً عَلَى عَهْدِهِ مَعَ قُرَيْشٍ حَتَّى نَقَضَتْهُ هِيَ، وَسَاعَدَتْ بَنِي بَكْرٍ أحْلاَفَهَا، عَلَى خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ الرَّسُولِ، فَسَارَ النَّبِيُّ إلَى قُرَيْشٍ وَفَتَحَ مَكَّةَ. فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ - فَمَا أَقَامُوا عَلَى العَهْدِ مَعَكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي لقد جربتم العهود مع المشركين، وفي كل مرة يعاهدونكم ينقضون عهدهم، وقد نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاهدة الحديبية، إذن فالله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أننا يجب ألا نأمن لعهود المشركين لأنهم لا يحفظون العهد ولكنهم ينقضونه، وعلى ذلك فعلة نقض العهد أنهم لم يستقيموا للعهد من قبل. ويكون بقاء العهد هو الأمر العجيب. و"كيف" هنا للاستفهام عن الحالة، كيف حالك؟. تقول: بخير والحمد لله. إذن فـ"كيف" يُسأل بها عن الحال، والحال قد يكون عاما، أي كيف حالك وحال أسرتك وأولادك ومعيشتك إلى آخره، وقد يكون خاصا أن تسأل عن مريض فتقول: كيف حال فلان؟. فيقال: شُِفي والحمد لله. أو تسأل عن معسر فتقول كيف حاله؟. فيقال: فرّج الله ضائقته. أو تسأل عن ابن ترك البيت هارباً فيقال: عاد والحمد لله. إذن فـ"كيف" إن أطلقت تكون عامة، وإن خصصت تكون خاصة، ولكنها تُطلق مرة ولا يراد بها الاستفهام، بل يراد بها التعجب؛ إما تعجب من القبح، وإما تعجب من الحسن. كأن يقال لك: كيف سب فلان أباه؟. هنا تعجب من القبح لأن ما حدث شيء قبيح ما كان يصح أن يحدث. وتأتي لإنسان اخترع اختراعاً هاماً وتقول: كيف وصلت إلى هذا الاختراع؟. وهذا تعجب من الحسن. والتعجب من القبح يكون تعجب إنكار والتعجب من الحسن تعجب استحسان كأن نقول: كيف بنيت هذا المسجد؟ وفي هذه الآية الكريمة يقول سبحانه وتعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ} [التوبة: 7]. وهذا تعجب من أن يكون للمشركين شيء اسمه عهد؛ لأنهم لا يعرفون إلاَّ نقض العهد، ولا يتمسكون بالعهود ولا يحترمونها، إذن يحق التعجب من أن يكون لهم عهد بينما في الحقيقة لا عهد لهم. وهذا التعجب للاستهزاء والإنكار، فأنت مثلا إذا جاء أحد يهددك، فقلت له: من أنت حتى تهددني؟. يكون هذا استهزاء واستنكارا لأنك تعرفه، وأيضا تستهزىء أن يملك القدرة على أن ينفذ تهديده لك. ومرة تكون استفهاما حقيقيا، كأن تسأل إنسانا لا تعرفه: من أنت؟. فيقول لك: أنا فلان بن فلان. وأحيانا تكون الإجابة عن الكيفية بالكلام، وأحيانا لا ينفع الكلام فلا بد أن يجاب بالفعل. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:{أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [البقرة: 260]. كيف هذه تحمل معنى التعجب الاستحساني؛ لأنك إذا بعثت الحياة في ما لا حياة فيه؛ فهذه مسألة عجيبة تستوجب الاستحسان. ولم يجب سبحانه وتعالى على سيدنا إبراهيم باللفظ، بل أجاب بتجربة عملية، ودار حوار بين الحق سبحانه وتعالى وخليله إبراهيم عليه السلام فسأله المولى سبحانه:{أية : أَوَلَمْ تُؤْمِن} تفسير : [البقرة: 260]. رد إبراهيم عليه السلام: {أية : قَالَ بَلَىٰ}تفسير : [البقرة: 260]. أي أنني يا رب آمنت، وأضاف القرآن الكريم على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام {أية : وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} تفسير : [البقرة: 260]. والإيمان هو اطمئنان القلب، فكيف يقول إبراهيم آمنت؟ أليس في ذلك تناقض؟. وأقول: إن إبراهيم واثق من أنَّ الله سبحانه خلق الكون كله ولكنه يريد أن يعرف كيفية الإحياء وكيف يحدث، حينئذ لم يجبه الحق سبحانه وتعالى بالكلام، بل أراه تجربة عملية، فقال له: {أية : فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} تفسير : [البقرة: 260]. أي عليك أن تختار أربعة طيور وتضمها إليك وتتأكد من شكلها حتى إذا ماتت وأحييت تكون متأكدا من أنها هي نفس الطير. {أية : ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تفسير : [البقرة: 260]. أي قطّع هذه الطيور بنفسك، وضع على كل جبل قطعة، وبعد ذلك ادْعُها أنت تأتك سعياً أي مشياً، حتى لا يقال إنها طيور قد جاءت من مكان آخر، بل تجيئك نفس الطيور سيراً، فإذا كان الله سبحانه وتعالى يعطي القدرة لمخلوق عندما يستدعي الميت أن يأتيه حيا، فما بالك بقدرة الله عز وجل؟ إذن فقول الحق: سبحانه وتعالى {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ} [التوبة: 7]. وهذا استفهام للإنكار والتعجب من أن المشركين ليس لهم عهد، بل تمردوا وتعودوا دائما على نقض العهود ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7]. أي أن الله عز وجل وهو يخبر المؤمنين بأن هؤلاء الكفار لا عهد لهم، لا يطالب المؤمنين أن يواجهوا المشركين بالمثل، بل يأمر سبحانه وتعالى المؤمنين أن يحافظوا على العهد ما دام الكافرون يحافظون عليه، إلى أن يبدأ الكافرون في نقض العهد وهنا يلزم سبحانه المؤمنين أن يقابلوا ذلك بنقض مماثل وهذا ما يفسره قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7]. والمتقي هو الطائع لله فيما أمر وفيما نهى ويجعل بينه وبين صفات الجلال من الله وقاية، إذن فأساس التقوى هو ألا ينقض المؤمن عهداً سواء مع مؤمن أم مع كافر، وإنما الذي يبدأ بالنقض هو الكافر، وعلى المؤمن أن يحترم العهد والوعد. ويقول الحق تبارك وتعالى من بعد ذلك: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا بيان للحكمة الموجبة لأن يتبرأ اللّه ورسوله من المشركين، فقال: { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ } هل قاموا بواجب الإيمان، أم تركوا رسول اللّه والمؤمنين من أذيتهم؟ أما حاربوا الحق ونصروا الباطل؟ أما سعوا في الأرض فسادا؟ فيحق عليهم أن يتبرأ اللّه منهم، وأن لا يكون لهم عهد عنده ولا عند رسوله. { إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ } من المشركين { عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } فإن لهم في العهد وخصوصا في هذا المكان الفاضل حرمة، أوجب أن يراعوا فيها. { فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } ولهذا قال: { كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 1055- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ}: [الآية: 7]، قال: هو يوم الحديبية. قال: فلم يستقيموا فنقضوا عهدهم: أعانوا بني بكر حلفاء قريش، على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم.