Verse. 1243 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

كَيْفَ وَاِنْ يَّظْہَرُوْا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوْا فِيْكُمْ اِلًّا وَّلَا ذِمَّۃً۝۰ۭ يُرْضُوْنَكُمْ بِاَفْوَاہِہِمْ وَتَاْبٰي قُلُوْبُہُمْ۝۰ۚ وَاَكْثَرُہُمْ فٰسِقُوْنَ۝۸ۚ
Kayfa wain yathharoo AAalaykum la yarquboo feekum illan wala thimmatan yurdoonakum biafwahihim wataba quloobuhum waaktharuhum fasiqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كيف» يكون لهم عهد «وإن يظهروا عليكم» يظفروا بكم «لا يرقبوا» يراعوا «فيكم إلاّ» قرابة «ولا ذمة» عهدا بل يؤذوكم ما استطاعوا وجملة الشرط حال «يرضونكم بأفواههم» بكلامهم الحسن «وتأبى قلوبهم» الوفاء به «وأكثرهم فاسقون» ناقضون للعهد.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {كَيْفَ } تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحذف الفعل كونه معلوماً أي كيف يكون عهدهم وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق لم ينظروا إلى حلف ولا عهد (ولم يبقوا عليكم) هذا هو المعنى، ولا بد من تفسير الألفاظ المذكورة في الآية يقال: ظهرت على فلان إذا علوته، وظهرت على السطح إذا صرت فوقه. قال الليث: الظهور الظفر بالشيء. وأظهر الله المسلمين على المشركين أي أعلاهم عليهم ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَصْبَحُواْ ظَـٰهِرِينَ } تفسير : [الصف: 14] وقوله: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } تفسير : [التوبة: 33] أي ليعليه، وتحقيق القول فيه أن من غلب غيره حصلت له صفة كمال، ومن كان كذلك أظهر نفسه ومن صار مغلوباً صار كالناقص، والناقص لا يظهر نفسه ويخفي نقصانه فصار الظهور كناية للغلبة لكونه من لوازمها فقوله: {إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ } يريد أن يقدروا عليكم وقوله: {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ } قال الليث: رقب الإنسان يرقبه رقبة ورقوباً وهو أن ينتظره ورقيب القوم حارسهم وقوله: {أية : وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى } تفسير : [طه: 94] أي لم تحفظه، أما الأول ففيه أقوال: الأول: أنه العهد قال الشاعر:شعر : وجدناهم كاذباً إلهم وذو الإل والعهد لا يكذب تفسير : يعني العهد الثاني: قال الفراء: الإل القرابة. قال حسان:شعر : لعمرك أن إلك من قريش كإل السقب من رأل النعام تفسير : يعني القرابة والثالث الإل الحلف. قال أوس بن حجر:شعر : لولا بنو مالك والإل مرقبه ومالك فيهم الآلاء والشرف تفسير : يعني الحلف. والرابع: الإل هو الله عز وجل، وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لما سمع هذيان مسيلمة قال: إن هذا الكلام لم يخرج من إل، وطعن الزجاج في هذا القول وقال: أسماء الله معلومة من الأخبار والقرآن ولم يسمع أحد يقول: يا إل. الخامس: قال الزجاج: حقيقة الإل عندي على ما توجبه اللغة تحديد الشيء، فمن ذلك الألة الحربة. وأذن مؤللة، فالإل يخرج في جميع ما فسر من العهد والقرابة. السادس: قال الأزهري: أيل من أسماء الله عز وجل بالعبرانية، فجائز أن يكون عرب. فقيل إل. السابع: قال بعضهم: الإل مأخوذ من قولهم إل يؤل ألا، إذا صفا ولمع ومنه الآل للمعانه، وأذن مؤللة شبيهة بالحربة في تحديدها وله أليل أي أنين يرفه به صوته، ورفعت المرأة أليلها إذا ولولت، فالعهد سمي إلا، لظهوره وصفائه من شوائب الغدر، أو لأن القوم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه. أما قوله: {وَلاَ ذِمَّةً } فالذمة العهد، وجمعها ذمم وذمام، كل أمر لزمك، وكان بحيث لو ضيعته لزمتك مذمة، وقال أبو عبد الله الذمة ما يتذمم منه، يعني ما يجتنب فيه الذم يقال: تذمم فلان، أي ألقى على نفسه الذم، ونظيره تحوب، وتأثم وتحرج. أما قوله: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ } أي يقولون بألسنتهم كلاماً حلواً طيباً، والذي في قلوبهم بخلاف ذلك، فإنهم لا يضمرون إلا الشر والإيذاء إن قدروا عليه {وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ } وفيه سؤالان: السؤال الأول: الموصوفون بهذه الصفة كفار. والكفر أقبح وأخبث من الفسق، فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم. السؤال الثاني: أن الكفار كلهم فاسقون، فلا يبقى لقوله: {وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ } فائدة. والجواب عن الأول: أن الكافر قد يكون عدلاً في دينه، وقد يكون فاسقاً خبيث النفس في دينه، فالمراد ههنا أن هؤلاء الكفار الذين من عادتهم نقض العهود {أَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ } في دينهم وعند أقوامهم، وذلك يوجب المبالغة في الذم. والجواب عن الثاني: عين ما تقدم، لأن الكافر قد يكون محترزاً عن الكذب، ونقض العهد والمكر والخديعة، وقد يكون موصوفاً بذلك، ومثل هذا الشخص يكون مذموماً عند جميع الناس وفي جميع الأديان، فالمراد بقوله: {وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ } أن أكثرهم موصوفون بهذه الصفات المذمومة، وأيضاً قال ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض أولئك الكفار قد أسلم وتاب، فلهذا السبب قال: {وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ } حتى يخرج عن هذا الحكم أولئك الذين دخلوا في الإسلام. أما قوله: {ٱشْتَرَوْاْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ } ففيه قولان: الأول: المراد منه المشركون. قال مجاهد: أطعم أبو سفيان بن حرب حلفاءه، وترك حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم فنقضوا العهد الذي كان بينهم بسبب تلك الأكلة. الثاني: لا يبعد أن تكون طائفة من اليهود أعانوا المشركين على نقض تلك العهود، فكان المراد من هذه الآية ذم أولئك اليهود، وهذا اللفظ في القرآن كالأمر المختص باليهود ويقوى هذا الوجه بما أن الله تعالى أعاد قوله: {أية : لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } تفسير : [التوبة: 10] ولو كان المراد منه المشركين لكان هذا تكراراً محضاً، ولو كان المراد منه اليهود لم يكن هذا تكراراً، فكان ذلك أولى. ثم قال: {أية : وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ }تفسير : [التوبة: 10] يعني يعتدون ما حده الله في دينه وما يوجبه العقد والعهد، وفي ذلك نهاية الذم، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} أعاد التعجب من أن يكون لهم عهد مع خُبث أعمالهم؛ أي كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاَّ ولا ذمة. يقال: ظهرتُ على فلان أي غلبته، وظهرت البيت علوته ومنه «فَمَا ٱسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوه» أي يعلو عليه. قوله تعالى: {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} «يرقبوا» يحافظوا. والرقيب الحافظ. وقد تقدم. «إلاًّ» عهداً؛ عن مجاهد وابن زيد. وعن مجاهد أيضاً: هو اسم من أسماء الله عز وجل. ابن عباس والضحاك: قرابة. الحسن: جِواراً. قتادة: حِلْفاً، و «ذِمَّةً» عهداً. أبو عبيدة: يميناً. وعنه أيضاً: إلاَّ العهد، والذمة التذمم. الأزهري: ٱسم الله بالعبرانية؛ وأصله من الألِيل وهو البريق؛ يقال ألّ لونه يَؤُلُّ أَلاًّ، أي صَفَا ولَمَع. وقيل: أصله من الحدّة؛ ومنه الأَلّة للحربة؛ ومنه أُذُن مُؤَلَّلة أي محدّدة. ومنه قول طَرفَة بن العبد يصف أذني ناقته بالحدّة والانتصاب:شعر : مُؤَلَّلتان تعرف العِتْق فيهما كسامِعَتَيْ شاةٍ بحَوْمَل مُفْرَدِ تفسير : فإذا قيل للعهد والجِوار والقرابة «إلّ» فمعناه أن الأُذُن تُصرف إلى تلك الجهة؛ أي تحدّد لها. والعهد يسمّى «إلاًّ» لصفائه وظهوره. ويجمع في القلة آلال. وفي الكثرة إلاَلٌ. وقال الجوهري وغيره: الإلّ بالكسر هو الله عز وجل، والإلّ أيضاً العهد والقرابة. قال حسان:شعر : لعمرُكِ إنّ إلَّكِ من قريش كإلّ السَّقْب من رَأَل النَّعام تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ ذِمَّةً} أي عهداً. وهي كل حُرمة يلزمك إذا ضيّعتها ذنب. قال ٱبن عباس والضحاك وابن زيد: الذِّمة العهد. ومن جعل الإلّ العهد فالتكرير لاختلاف اللفظين. وقال أبو عبيدة مَعْمَر: الذمة التذمم. وقال أبو عبيد: الذمة الأمان في قوله عليه السلام: «حديث : ويسعى بذمتهم أدناهم»تفسير : . وجمع ذِمّة ذِمم. وبئر ذَمّة (بفتح الذال) قليلة الماء؛ وجمعها ذِمام. قال ذو الرُّمّة:شعر : على حِمْيَرِيَّات كأنَّ عُيونَها ذِمامُ الرّكايا أنْكَزَتْها المَوَاتحُ تفسير : أنكزتها أذهبت ماءها. وأهل الذمة أهل العقد. قوله تعالى: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ} أي يقولون بألسنتهم ما يُرضي ظاهره. {وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} أي ناقضون العهد. وكل كافر فاسق، ولكنه أراد هٰهنا المجاهرين بالقبائح ونقض العهد.

البيضاوي

تفسير : {كَيْفَ} تكرار لاستبعاد ثباتهم على العهد أو بقاء حكمه مع التنبيه على العلة وحذف الفعل للعلم به كما في قوله:شعر : وَخَبَّرتماني أَنَّما الموْتُ بِالقُرَى فَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبَةٌ وَقَلِيبُ تفسير : أي فكيف مات. {وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } أي وحالهم أنهم إن يظفروا بكم. {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ } لا يراعوا فيكم. {إِلا} حلفاً وقيل قرابة قال حسان:شعر : لَعَمْرُكَ إِنَّ إِلَّكَ مِنْ قُرَيْش كَإِلَّ السَّقْبِ مِنْ رَأَلِ النَّعَامِ تفسير : وقيل ربوبية ولعله اشتق للحلف من الإِل وهو الجؤار لأنهم كانوا إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه، ثم استعير للقرابة لأنها تعقد بين الأقارب ما لا يعقده الحلف، ثم للربوبية والتربية. وقيل اشتقاقه من ألل الشيء إذا حدده أو من آل البرق إذا لمع. وقيل إنه عبري بمعنى الإِله لأنه قرىء إيلا كجبرئل وجبرئيل. {وَلاَ ذِمَّةً} عهداً أو حقاً يعاب على إغفاله. {يُرْضُونَكُم بِأَفْوٰهِهِمْ} استئناف لبيان حالهم المنافية لثباتهم على العهد المؤدية إلى عدم مراقبتهم عند الظفر، ولا يجوز جعله حالاً من فاعل لا يرقبوا فإنهم بعد ظهورهم لا يرضون ولأن المراد إثبات إرضائهم المؤمنين بوعد الإِيمان والطاعة والوفاء بالعهد في الحال، واستبطان الكفر والمعاداة بحيث إن ظفروا لم يبقوا عليهم والحالية تنافيه {وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ} ما تتفوه به أفواههم. {وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ} متمردون لا عقيدة تزعهم ولا مروءة تردعهم، وتخصيص الأكثر لما في بعض الكفرة من التفادي عن الغدر والتعفف عما يجر إلى أحدوثة السوء.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى محرضاً للمؤمنين على معاداتهم والتبري منهم، ومبيناً أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد؛ لشركهم بالله تعالى، وكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنهم لو ظهروا على المسلمين، وأديلوا عليهم، لم يبقوا ولم يذروا ولا راقبوا فيهم إلاً ولا ذمة. قال علي بن أبي طلحة وعكرمة والعوفي عن ابن عباس: الإلّ: القرابة، والذمة: العهد. وكذا قال الضحاك والسدي؛ كما قال تميم بن مقبل:شعر : أَفْسَدَ الناسَ خُلوفٌ خَلَفُوا قَطَّعُوا الإلَّ وأعراقَ الرَّحِمْ تفسير : وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:شعر : وَجَدْناهُم كاذِباً إِلُّهُم وذو الإِلِّ والعَهْدِ لا يكذبُ تفسير : وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: لا يرقبون في مؤمن إلا، قال: الإل: الله، وفي رواية: لا يرقبون الله ولا غيره. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن سليمان عن أبي مجلز في قوله تعالى: {لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} مثل قوله: جبريل ميكائيل إسرافيل، كأنه يقول: يضيف "جبر" و "ميكا" و "إسراف" إلى "إيل"، يقول: عبد الله - (لا يرقبون في مؤمن إلاًّ) كأنه يقول لا يرقبون الله، والقول الأول أظهر وأشهر، وعليه الأكثر. وعن مجاهد أيضاً: الإل: العهد. وقال قتادة: الإل: الحلف.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَيْفَ } يكون لهم عهد {وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } يظفروا بكم {لاَ يَرْقُبُواْ } يراعوا {فِيكُمْ إِلاًّ } قرابة {وَلاَ ذِمَّةً } عهداً بل يؤذوكم ما استطاعوا، وجملة الشرط حال {يُرْضُونَكُم بِأَفْوٰهِهِمْ } بكلامهم الحسن {وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ } الوفاء به {وَأَكْثَرُهُمْ فَٰسِقُونَ } ناقضون للعهد.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} يعني يقووا حتى يقدروا على الظفر بكم. وفي الكلام محذوف وتقديره: كيف يكون لهم عهد وإن يظهروا عليكم. {لاَ يرْقُبُوْ فِيكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: لا يخافوا: قاله السدي. الثاني: لا يراعوا. {إِلأَ وَلاَ ذِمَّةً} وفي الإلّ سبعة تأويلات. أحدها: أنه العهد، وهوقول ابن زيد. والثاني: أنه اسم الله تعالى، قاله مجاهد، ويكون معناه لا يرقبون الله فيكم. والثالث: أنه الحلف، وهو قول قتادة. والرابع: أن الإل اليمين، والذمة العهد، قاله أبو عبيدة، ومنه قول ابن مقبل: شعر : أفسد الناس خلوف خلفوا قطعوا الإلَّ وأعراق الرَّحِم تفسير : والخامس: أنه الجوار، قاله الحسن. والسادس: أنه القرابة، قاله ابن عباس والسدي، ومنه قول حسان: شعر : وأُقسم إن إلَّك من قريش كإل السّقْبِ من رَأل النعام تفسير : والسابع: أن الإل العهد والعقد والميثاق واليمين، وأن الذمة في هذا الموضع التذمم ممن لا عهد له، قاله بعض البصريين. {وَلاَ ذِمَّةً} فيها ثلاثة أوجه: أحدها: الجوار، قاله ابن بحر. الثاني: أنه التذمم ممن لا عهد له، قاله بعض البصريين. والثالث: أنه العهد وهو قول أبي عبيدة. {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: يرضونك بأفواههم في الوفاء وتأبى قلوبهم إلا الغدر. والثاني: يرضونكم بأفواههم في الطاعة وتأبى قلوبهم إلا المعصية. والثالث: يرضونكم بأفواهم في الوعد بالإيمان وتأبى قلوبهم إلا الشرك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرضيه من المشركين إلا بالإيمان. {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} فيه وجهان: أحدهما: في نقض العهد وإن كان جميعهم بالشرك فاسقاً. والثاني: وأكثرهم فاسق في دينه وإن كان كل دينهم فسقاً.

ابن عطية

تفسير : بعد {كيف } في هذه الآية فعل مقدر ولا بد، يدل عليه ما تقدم، فيحسن أن يقدر كيف يكون لهم عهد ونحوه قول الشاعر: [الطويل] شعر : وخيرتماني إنما الموت في القرى فكيف وهاتا هضبة وكثيب تفسير : وفي {كيف} هنا تأكيد للاستبعاد الذي في الأولى، و{لا يرقبوا} معناه لا يراعوا ولا يحافظوا وأصل الارتقاب بالبصر، ومنه الرقيب في الميسر وغيره، ثم قيل لكل من حافظ على شيء وراعاه راقبه وارتقبه، وقرأ جمهور الناس "إلاً" وقرأ عكرمة مولى ابن عباس بياء بعد الهمزة خفيفة اللام "إيلاً" وقرأت فرقة "ألاً" بفتح الهمزة، فأما من قرأ "إلاً" فيجوز أن يراد به الله عز وجل قاله مجاهد وأبو مجلز، وهو اسمه بالسريانية، ومن ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع كلام مسيلمة فقال هذا كلام لم يخرج من إل، ويجوز أن يراد به العهد والعرب تقول للعهد والخلق والجوار ونحو هذه المعاني إلاً، ومنه قول أبي جهل: [الطويل] شعر : لإل علينا واجب لا نضيعه متين فواه غير منتكث الحبل تفسير : ويجوز أن يراد به القرابة، فإن القرابة في لغة العرب يقال له إل، ومنه قول ابن مقبل: [الرمل] شعر : أفسد الناس خلوفٌ خلّفوا قــطعوا الإل وأعراق الرحم تفسير : أنشده أبو عبيدة على القرابة، وظاهره أنه في العهود، ومنه قول حسان [الوافر] شعر : لعمرك أن إلَّك في قريش كإل السقب من رال النعام تفسير : وأما من قرأ "ألاً" بفتح الهمزة فهو مصدر من فعل للإل الذي هو العهد، ومن قرأ "إيلاً" فيجوز أن يراد به الله عز وجل، فإنه يقال أل وأيل، وفي البخاري قال جبر، وميك، وسراف: عبد بالسريانية، وأيل الله عز وجل، ويجوز أن يريد {إلاً} المتقدم فأبدل من أحد المثلين ياء كما فعلوا ذلك في قولهم أما وأيما، ومنه قول سعد بن قرط يهجو أمه: [البسيط] شعر : يا ليت أمنا شالت نعامتها أيما إلى جنة أيما إلى نار تفسير : ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] شعر : رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت فيضحي وأما بالعشي فيخصر تفسير : وقال آخر:[ الرجز] شعر : لا تفســدوا آبــا لكــم أيــمــا لنــا أيمــا لـــكم تفسير : قال أبو الفتح ويجوز أن يكون مأخوذاً من آل يؤول إذا ساس. قال القاضي أبو محمد: كما قال عمر بن الخطاب: قد ألنا وإيل علينا فكان المعنى على هذا لا يرقبون فيكم سياسة ولا مداراة ولا ذمة، وقلبت الواو ياء لسكونها والكسرة قبلها، والذمة "أيضاً بمعنى المتات والحلف والجوار، ونحوه قول الأصمعي الذمة كل ما يجب أن يحفظ ويحمى، ومن رأى الإل أنه العهد جعلها لفظتين مختلفتين لمعنى واحد أو متقارب، ومن رأى الإل لغير ذلك فهما لفظان لمعنيين، {وتأبى قلوبهم} معناه تأبى أن تذعن لما يقولونه بالألسنة، وأبى يأبى شاذ لا يحفظ فعل يفعل بفتح العين في الماضي والمستقبل، وقد حكي ركن يركن، وقوله {وأكثرهم } يريد به الكل أو يريد استثناء من قضى له بالإيمان كل ذلك محتمل، وقوله تعالى: {اشتروا بآيات الله} الآية اللازم من ألفاظ هذه الآية أن هذه الطائفة الكافرة الموصوفة بما تقدم لما تركت آيات الله ودينه وآثرت الكفر وحالها في بلادها كل ذلك كالشراء والبيع، لما كان ترك قد مكنوا منه وأخذ لما يمكن نبذه، وهذه نزعة مالك رحمه الله في منع اختيار المشتري فيما تختلف آحاد جنسه ولا يجوز التفاضل فيه، وقد تقدم ذكر ذلك في سورة البقرة وقوله {فصدوا عن سبيله } يريد صدوا أنفسهم وغيرهم، ثم حكم عليهم بأن عملهم سيء، و {ساء} في هذه الآية إذ لم يذكر مفعولها يحتمل أن تكون مضمنة كبئس، فأما إذا قلت ساءني فعل زيد فليس تضمين بوجه، وإن قدرت في هذه الآية مفعولاً زال التضمين،وروي أن أبا سفيان بن حرب جمع بعض العرب على طعام وندبهم إلى وجه من وجوه النقض فأجابوا إلى ذلك فنزلت الآية، وقال بعض الناس: هذه في اليهود. قال القاضي أبو محمد: وهذا القول وإن كانت ألفاظ هذه الآية تقتضيه فما قبلها وما بعدها يرده ويتبرأ منه، ويختل أسلوب القول به، وقوله تعالى: {لا يرقبون} الآية، وصف لهذه الطائفة المشترية يضعف ما ذهب إليه من قال إن قوله {اشتروا بآيات الله } هو في اليهود، وقوله تعالى: {في مؤمن } إعلام بأن عداوتهم إنما هي بحسب الإيمان فقط، وقوله أولاً {فيكم } كان يحتمل أن يظن ظان أن ذلك للإحن التي وقعت فزال هذا الاحتمال بقوله {في مؤمن }، ثم وصفهم تعالى بالاعتداء والبداءة بالنقض للعهود والتعمق في الباطل.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَظْهَرُواْ} يقووا عليكم بالظفر. {لا يَرْقُبُواْ} لا يخافوا، أو لا يراعوا {إِلاَّ} عهداً، أو قرابة، قال: فأقسم إنَّ إلَّكَ من قريش. أو جواراً، أو يميناً، أو هم اسم لله عز وجل. {ذِمَّةً} عهداً، أو جواراً، أو التذمم ممن لا عهد له. {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} بنقض العهد، أو فاسق في دينه وإن كان دينهم فسقاً.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ...} الآية: في الكلام حذْفٌ، تقديره: كيف يكون لهم عهد ونحوه، وفي «كيف» هنا تأكيدٌ لِلاستبعادِ الذي في الأُولَى، و{لاَ يَرْقُبُواْ } معناه: لا يُرَاعُوا، ولا يَحْفَظُوا، وقرأ الجمهور: «إِلاًّ»، وهو اللَّه عزَّ وجلَّ؛ قاله مجاهد، وأبو مِجْلِزٍ، وهو ٱسمه بالسُّرْيانية، وعُرِّب، ويجوز أن يراد به العَهْدُ، والعَرَبُ تقول للعهد والحِلْف والجِوَارِ ونحوِ هذه المعاني: «إِلاًّ»، والذِّمةُ أيضاً: بمعنى الحِلْفِ والجوارِ ونحوه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} الآية. المستفهمُ عند محذوفٌ، لدلالة المعنى عليه، فقدَّره أبو البقاءِ "كيف تَطْمئنون، أو كيف يكونُ لهم عهدٌ"؟ وقدَّره غيره: كيف لا تقاتلونهم؟. والتقدير الثاني مِنْ تقديري أبي البقاء أحسنُ؛ لأنَّه من جنس ما تقدَّم، فالدلالةُ عليه أقْوى. وقد جاء الحذفُ في هذا التركيب كثيراً، وتقدَّم منه قوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ}تفسير : [آل عمران:25]،{أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا}تفسير : [النساء:41]؛ وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 2752- وخَبَّرْتُمَاني أنَّما الموتُ في القُرَى فكيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وكَثِيبُ تفسير : أي: كيف مات؟ وقال الحطيئةُ: [الطويل] شعر : 2753- فَكيْفَ ولمْ أعلمْهُم خَذلُوكُمُ علَى مُعظمٍ ولا أديمَكُمُ قدُّوا تفسير : أي: كيف تلومونني في مدحهم؟ قال أبُو حيَّان: "وقدَّر أبو البقاءِ الفعل بعد "كيف" بقوله: "كيف تطمئنون"، وقدَّره غيره بـ "كيف لا تقاتلونهم"؟. قال شهابُ الدِّين: "ولم يقدره أبُو البقاء بهذا وحده، بل به، وبالوجه المختار كما تقدَّم منه". قوله "كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا" "كيف" تكرار، لاستبعاد ثبات المشركينَ على العهد، وحذف الفعل، لكونه معلوماً، أي: كيف يكون لهم عهد وحالهم أنَّهُمْ إن يظهروا عليكم بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق، لم ينظروا في حلف ولا عهد ولا يبقوا عليكم. والجملة الشرطية من قوله: "إِن يَظْهَرُوا" في محلِّ نصبٍ على الحالِ، أي: كيف يكونُ لهم عهدٌ، وهم على حالةٍ تنافي ذلك؟ وقد تقدَّم تحقيق هذا عند قوله: {أية : وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ}تفسير : [الأعراف:169]، و "لا يرْقُبوا" جوابُ الشرط، وقرأ زيد بن علي: "وإن يُظهَرُوا" ببنائه للمفعول، من أظهره عليه، أي: جعله غالباً له، يقال: ظهرت على فلان: إذا علوته، وظهرت على السطح: إذا صرت فوقه. قال اللَّيْثُ: "الظُّهور: الظَّفر بالشَّيء، وأظهر اللهُ المسلمين على المشركين، أي: أعلاهُم عليهم". قال تعالى: {أية : فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ}تفسير : [الصف:14] وقوله: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ}تفسير : [التوبة:33] أي: ليعليه. قوله: "لاَ يَرْقُبُواْ" قال الليثُ "رقبَ الإنسانَ يرقبُ رقْبةً ورِقْبَاناً، هو أن ينتظره". والمعنى: لا ينتظروا، قاله الضحاكُ، ورقيب القوم: حارسهم، وقوله: {أية : وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}تفسير : [طه:94] أي: لم تحفظه. وقال قطربٌ: "لا يراعوا فيكم إلاَّ". قوله: "إلاًّ" مفعولُ به بـ "يَرْقُبُوا". وفي "الإِلِّ" أقوالٌ. أحدها: أنَّ المراد به العهد، قاله أبو عبيدة، وابن زيد، والسديُّ وكذلك الذمة، إلاَّ أنه كرر، لاختلاف اللفظين؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : 2754- لَوْلاَ بنُو مالكٍ، والإِلُّ مَرْقبةٌ ومالكٌ فيهمُ الآلاءُ والشَّرَفُ تفسير : أي: الحِلْف؛ وقال آخر: [المتقارب] شعر : 2755- وجَدْناهُمُ كَاذِباً إلُّهُمْ وذُو الإِلِّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ تفسير : وقال آخر: [الرمل] شعر : 2756- أفْسَدَ النَّاسَ خُلُوفٌ خَلَفُوا قَطَعُوا الإِلَّ وأعْرَاقَ الرَّحِمْ تفسير : وفي حديث أمِّ زرع بنت أبي زرع: "وفيُّ الإلِّ، كريمُ الخِلِّ، بَرُودُ الظِّلِّ" أي؛ وفَيُّ العهد. الثاني: أنه القرابةُ، قاله ابنُ عبَّاسٍ والضحاك، وبه قال الفراء وأنشدوا لحسان: [الوافر] شعر : 2757- لَعَمْرُكَ إِنَّ إِلَّكَ مِنْ قُريشٍ كإِلِّ السَّقْبِ من رَألِ النَّعَامِ تفسير : وأنشد أبو عبيدة على ذلك قوله: [الرمل] شعر : 2758-......................... قَطَعُوا الإِلَّ وأعراقَ الرَّحِمْ تفسير : والظَّاهر أنَّ المراد به العهد - كما تقدَّم - لئلاَّ يلزم التكرار. الثالث: أنَّ المراد به الله - تعالى - أي: هو اسم من أسمائه، واستدلُّوا على ذلك بحديث أبي بكر لمَّا عرض عليه كلام مُسَيْلمة - لعنه الله - "إنَّ هذا الكلام لم يخرج من إلّ"، أي: الله - عز وجل - قاله أبو مجْلزٍ، ومجاهد وقال عبيد بن عمير: يُقرأ جِبْرَئلّ بالتشديد، يعني عبد الله ولم يرتض هذا الزجاج، قال: "لأنَّ أسماءه - تعالى - معروفة في الكتابِ والسُّنَّةِ - ولم يُسمَعْ أحدٌ يقول: يا إلُّ، افعلْ لي كذا". الرابع: أنَّ: "الإلَّ" الجُؤار، وهو رفعُ الصَّوت عند التحالُف، وذلك أنهم كانوا إذا تماسحوا، وتحالفوا، جأرُوا بذلك جُؤاراً. ومنه قول أبي جهل: [الطويل] شعر : 2759- لإلِّ عَليْنَا واجب لا نُضيعُهُ مَتِينٍ قُوَاهُ غَيْرِ مُنْتكِثِ الحَبْلِ تفسير : الخامس: أنه من: ألَّ البرقُ، أي: لَمَعَ. قال الأزهريُّ: "الأليل: البريق، يقال: ألَّ يؤلُّ، أي: صَفَا ولَمَعَ"، ومنه الألَّة، للمعانها. وقيل: الإلّ من التحديد، ومنه "الألَّةٌ" الحَرْبة، وذلك لحدَّتها، وقد جعل بعضهم بين هذه المعاني قدراً مشتركاً، يرجعُ إليه جميعُ ما تقدَّم، فقال الزَّجَّاجُ: "حقيقةُ الإلِّ عندي على ما تُوحيه اللغة: التحديد للشيء، فمن ذلك الألَّةُ: الحَرْبَةُ، وأذنٌ مُؤلَّلَة، فالإلُّ يخرج في جميع ما فُسِّر من العهد، والقرابةِ، والجُؤارعلى هذا، فإذا قلت في العهد: بينهما إلٌّ، فتأويلُه أنَّهُمَا قد حَدَّدَا في أخْذ العهود، وكذلك في الجُؤار والقرابة". وقال الرَّاغبُ: "الإِلُّ" كلُّ حالةٍ ظاهرة من عَهْدٍ، وحِلْفٍ، وقرابة تَئِلُّ، أي: تَلْمَعُ، وألَّ الفرسُ: أسرع. والألَّةُ: الحرْبَةُ اللاَّمعة" وأنشد غيرُهُ على ذلك قول حماس بن قيسٍ يوم فتح "مكَّة": [الرجز] شعر : 2760- إنْ تَقْتلُوا اليوْمَ فَمَا لِي عِلَّه سِوَى سِلاحٍ كاملٍ وألَّه وذِي غِرَارَيْنِ سَريعِ السَّلَّه تفسير : قال: وقيل: الإلُّ والإيلُ: اسمان لله - تعالى -، وليس ذلك بصحيحٍ. قال الأزهريُّ ""إيل" من أسماء الله بالعبرانية؛ فجاز أن يكون عُرِّب، فقيل: "إلّ" والأللان: صفحتا السكّين". انتهى، ويجمع الإلُّ في القلَّة على آلٍّ، والأصل: "أألُل" بزنة "أفْلُس"، فأبدلت الهمزةُ الثانية ألفاً، لسكونها بعد أخرى مفتوحة، وأدغمت اللاَّمُ في اللام، وفي الكثرة على "إلالٍ" كـ "ذِئْب وذِئَاب". و "الألُّ" بالفتح: قيل: شدَّة القنوط. قال الهرويُّ في الحديث: "عجب ربكم من ألِّكُم وقُنوطكم". قال أبو عبيدة: المحدِّثون يقولونه بكسر الهمزة، والمحفوظ عندنا فَتْحُها، وهو أشبَهُ بالمصادرِ، كأنَّه أرادَ: من شدَّة قنوطكم، ويجوزُ أن يكون من رفع الصَّوت، يقال: ألَّ يَؤُلُّ ألاًّ، وأللاً، وألِيلاً، إذا رفع صوته بالبكاء، ومنه يقال له: الويل والألِيل؛ ومنه قول الكميت: [البسيط] شعر : 2761- وأنتَ مَا أنتَ فِي غَبْراءَ مُظْلِمَةٍ إذَا دَعَتْ أَلَلَيْهَا الكَاعِبُ الفُضُلُ تفسير : انتهى. وقرأ فرقة "ألاًّ" بالفتح، وهو على ما ذكر من كونه مصدراً، من "ألَّ يَؤلُّ إذا عاهد. وقرأ عكرمةُ: "إيلاً" بكسر الهمزة، بعدها ياءٌ ساكنة، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه اسمُ الله تعالى، ويُؤيِّده ما تقدم في:{جبرائيل}[البقرة:97]، و {أية : إِسْرَائِيلَ}تفسير : [البقرة:40] أنَّ المعنى: عبدُ اللهِ. الثاني: يجوزُ أن يكون مشتقاً مِن: آل يَؤُولُ: إذا صَارَ إلى آخر الأمر، أو من: آل يؤولُ: إذا سَاسَ، قاله ابنُ جني، أي: لا يرقبون فيكم سياسةً ولا مُداراة، وعلى التقديرين سكنت الواو بعد كسرة فقُلبتء ياءً، كـ: "ريح". الثالث: أنه هو "الإِلُّ" المضعف، وإنَّما اسْتُثقل التَّضعيفُ، فأبدل إحداهما حرف علةٍ، كقولهم: أمْلَيْتُ الكتاب، وأمْلَلْتُه. وقال الشاعر: [البسيط] شعر : 2762- يَا لَيْتَمَا أمَّنَا شالتْ نَعامتُهَا أيْمَا إلى جنَّةٍ أيْمَا إلى نَارِ تفسير : قوله: "وَلاَ ذِمَّةً" الذِّمَّة قيل: العَهْد، فيكون ممَّا كُرِّرَ لاختلافِ لفظه، إذا قلنا: إنَّ الإلَّ العهدُ أيضاً، فهو كقوله تعالى: {أية : صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}تفسير : [البقرة:157]، وقوله: [الوافر] شعر : 2763-.......................... وألْفَى قولَها كَذِباً ومَيْنَا تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 2764-......................... وهندٌ أتَى من دُونهَا النَّأيُ والبُعْدُ تفسير : وقيل: الذِّمَّة: الضَّمان، يقال: هو في ذمَّتي، أي: في ضماني، وبه سُمِّي أهل الذِّمَّة، لدخولهم في ضمانِ المسلمين. ويقال: له عليَّ ذمَّةٌ، وذِمام ومذمَّة، وهي الذمُّ قال ذلك ابن عرفة، وأنشد لأسامة بن الحارث: [الطويل] شعر : 2765- يُصَيِّحُ بالأسْحَارِ في كلِّ صارةٍ كمَا نَاشَدَ الذِّمَّ الكَفيلَ المُعَاهِدُ تفسير : وقال الرَّاغِبُ "الذِّمامُ: ما يُذَمُّ الرجلُ على إضاعته من عهدٍ، وكذلك الذِّمَّة، والمَذمَّة والمِذمة، يعني بالفتح والكسر. وقيل: لي مَذَمَّةٌ فلا تهتكها" وقال غيره: "سُمِّيَتْ ذِمَّة، لأنَّ كُلَّ حُرْمة يلزمك من تضييعها الذَّمُّ، يقال لها: ذِمَّة، وتجمع على "ذِمّ"، كقوله: [الطويل] شعر : 2766-.......................... كَمَا نَاشَدَ الذِّمَّ.................... تفسير : وعلى ذممٍ، وذِمَامٍ". وقال أبو زيد: "مَذِمَّة، بالكسْرِ من الذِّمام، وبالفتح من الذَّمِّ". وقال الأزهري: "الذِّمَّة: الأمان". وفي الحديث: "حديث : ويسعى بذمَّتِهم أدْناهُمْ ". تفسير : قال أبو عبيد: "الذِّمَّة: الأمانُ ههنا، يقول إذا أعطى أدنى الناسُ أماناً لكافر نفذَ عليهم، ولذلك أجاز عمر - رضي الله عنه - أمان عبدٍ على جميع العسكر". وقال الأصمعي "الذِّمَّة: ما لَزِم أن يُحفظَ ويُحْمَى". قوله: "يُرْضُونَكُم" فيه وجهان: أحدهما: أنه مستأنفٌ، وهذا هو الظاهر، أخبر أنَّ حالهم كذلك. والثاني: أنها في محلِّ نصب على الحال من فاعل "لاَ يَرْقُبُواْ". قال أبُو البقاءِ: "وليس بشيءٍ؛ لأنَّهم بعد ظهورهم لا يُرْضُون المؤمنين". ومعنى الآية: يعطونكم بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم. قوله: {وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ} يقالُ: أبَى يَأبَى، أي: اشتد امتناعه، فكلَّ إباءٍ امتناعٌ من غير عكس، قال: [الطويل] شعر : 2767- أبَى اللهُ إلاَّ عَدْلَهُ ووفاءهُ فَلاَ النُّكْر مَعْروفٌ ولا العُرْفُ ضَائِع تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 2768- أَبَى الضَّيْمَ والنُّعمانُ يَحْرِقُ نَابَهُ عَليْهِ فأفْضَى والسُّيوفُ مَعَاقِلُهْ تفسير : فليس مَنْ فسَّره بمطلق الامتناع بمصيبٍ. ومجيءُ المضارعِ منه على "يفعل" بفتح العين شاذٌّ، ومثله "قَلَى يَقْلَى في لغة". فصل المعنى: {وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ} الإيمان {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} وفيه سؤالان: السؤال الأول: أنَّ الموصوفين بهذه الصفة كفار، والكفر أقبح وأخبث من الفسق، فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة؟ السؤال الثاني: أنَّ الكفار كلُّهم فاسقون، فلا يبقى لقوله: {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} فائدة، والجواب عن الأوَّلِ: أنَّ الكافِر قد يكونُ عَدْلاً في دينه، وقد يكون فاسقاً خبيث النفس في دينه، فالمرادُ أن هؤلاء الكفار الذين من عادتهم نقض العهود، "أكثرهُمُ فَاسقُون" في دينهم، وذلك يوجب المبالغة في الذَّم. والجوابُ عن الثَّاني عين الأوَّل؛ لأنَّ الكافر قد يكون محترزاً عن الكذب، ونقض العهد، والمكر، والخديعة وقد يكون موصوفاً بذلك، ومثل هذا الشَّخص يكون مذموماً عند جميع النَّاسِ، وفي جميع الأديان. ومعنى الآية: أنَّ أكثرهم موصوف بهذه الصفات الذميمة. وقال ابنُ عبَّاسٍ "لا يبعدُ أن يكون بعض أولئك الكفار قد أسلم، وتاب، فلهذا السبب قال: "وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ". ليخرج عن هذا الحكم، أولئك الذين أسْلَمُوا". قوله {ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. قال مجاهدٌ "أطعم أبو سفيان حلفاءه، وترك حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقضوا العهد الذي كان بينهم بسبب تلك الأكلة". وقال ابنُ عبَّاسٍ: "إنَّ أهل الطائف أمدوهم بالأموال ليقووهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقيل: لا يبعدُ أن تكون طائفة من اليهود، أعانوا المشركين على نقض العهود، فكان المراد من هذه الآية، ذم أولئك اليهود، وهذا اللفظُ في القرآن، كالأمر المختص باليهود، ويتأكد هذا بأنَّ الله تعالى أعاد قوله: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} ولو كان المراد منه المشركين، لكان هذا تكراراً محضاً، وإذا حمل على اليهود لم يكن تكراراً، فكان أوْلَى. ثم قال: "إِنَّهُمْ سَآءَ" أي: بئس "مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ". قال أبُو حيَّان: يجوزُ أن تكون على بابها من التَّصرُّف والتعدِّي، ومفعولها محذوفٌ، أي: ساءهم الذي كانُوا يعملُونه، أو عملُهم، وأن تكون الجارية مَجْرى "بِئْسَ" فتُحَوَّل إلى "فَعُل" بالضمِّ، ويمتنع تصرُّفها، وتصيرُ للذَّم، ويكون المخصوص بالذم محذوفاً، كما تقرَّر مراراً. قوله: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} أي: لا تبقوا عليهم أيها المؤمنون كما لا يبقُون عليكم لو ظهروا. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ} لنقض العهد، وتعديهم ما حدّ اللهُ في دينه، وما يوجبه العقد والعهد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال ‏ {‏الإِل‏} ‏ الله عز وجل‏. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة قال‏:‏ الإِل‏:‏ الله‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عزَّ وجلَّ ‏{‏إلاًّ ولا ذمة‏}‏ قال‏:‏ الإِل القرابة، والذمة العهد‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول‏: شعر : جزى الله ألا كان بيني وبينهم جزاء ظلوم لا يؤخر عاجلاً تفسير : وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن ميمون بن مهران رضي الله عنه‏.‏ أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أخبرني عن قول الله تعالى ‏{‏لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة‏}‏ قال‏:‏ الرحم، وقال فيه حسان بن ثابت‏:‏ شعر : لعمرك أن الك من قريش كال السقب من رال النعام تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وأكثرهم فاسقون‏} ‏ قال‏:‏ ذم الله تعالى أكثر الناس‏.

ابو السعود

تفسير : {كَيْفَ} تكريرٌ لاستنكار ما مر من أن يكون للمشركين عهدٌ حقيقٌ بالمراعاة عند الله سبحانه وعند رسولِه صلى الله عليه وسلم، وأما ما قيل من أنه لاستبعاد ثباتِهم على العهد فكما ترى لأن ما يُذكر بصدد التعليلِ للاستبعاد عينُ عدمِ ثباتِهم على العهد لا أنه شيءٌ يستدعيه، وإنما أعيد الاستنكارُ والاستبعادُ تأكيداً لهما وتمهيداً لتعداد العللِ الموجبةِ لهما لإخلال تخلّلِ ما في البـين من الارتباط والتقريب، وحذفُ الفعل المستنكَر للإيذان بأن النفسَ مستحضِرةٌ له مترقِّبةٌ لورود ما يوجب استنكارَه لا لمجرد كونِه معلوماً كما في قوله: شعر : وخبّرتماني أنما الموتُ بالقُرى فكيف وهاتا هضبةٌ وقليبُ تفسير : فإنه علةٌ مصححةٌ لا مرجِّحةٌ أي كيف يكون لهم عهدٌ متعدٌّ به عند الله تعالى وعند رسولِه صلى الله عليه وسلم {وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} أي وحالُهم أنهم إن يظهروا عليكم أي يظفَروا بكم {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ} أي لا يُراعوا في شأنكم، وأصلُ الرقوبِ النظرُ بطريق الحفظِ والرعايةِ ومنه الرقيبُ ثم استُعمل في مطلق الرعايةِ، والمراقبةُ أبلغُ منه كالمراعاة، وفي نفي الرقوبِ من المبالغة ما ليس في نفيها {إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} أي حِلفاً وقيل: قرابةً ولا عهداً، أو حقاً يُعاب على إغفاله مع ما سبق لهم من تأكيد الأَيمان والمواثيقِ، يعني أن وجوبَ مراعاةِ حقوقِ العهد على كل من المتعاهدين مشروطٌ بمراعاة الآخَر لها فإذا لم يُراعِها المشركون فكيف تراعونها؟ على منوال قولِ من قال: شعر : علامَ تُقبلُ منهم فديةٌ وهم لا فضةً قبِلوا منّا ولا ذهبا تفسير : وقيل: الإلُّ من أسماء الله عز وجل أي لا يُراعوا حقَّ الله تعالى وقيل: الجِوار ومآلهُ الحِلفُ لأنهم إذا تماسحوا وتحالفوا رفعوا به أصواتَهم لتشهيره، ولما كان تعليقُ عدمِ رعايةِ العهدِ بالظفر موهماً للرعاية عند عدمِه كُشف عن حقيقة شؤونِهم الجليةِ والخفية بطريق الاستئنافِ وبـيِّن أنهم في حالة العجزِ أيضاً ليسوا من الوفاء في شيء، وأن ما يُظهرونه مداهنةٌ لا مهادنة فقيل: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوٰهِهِمْ} حيث يُظهرون الوفاءَ والمصافاةَ ويعِدون لكم بالإيمان والطاعةِ ويؤكدون ذلك بالأَيمان الفاجرةِ ويتعللون عند ظهورِ خلافِه بالمعاذير الكاذبة، ونسبةُ الإرضاءِ إلى الأفواه للإيذان بأن كلامَهم مجردُ ألفاظٍ يتفوّهون بها من غير أن يكون لها مِصداقٌ في قلوبهم {وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ} ما يفيد كلامُهم {وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ} خارجون عن الطاعة فإن مراعاةَ حقوقِ العهد من باب الطاعةِ متمرِّدون ليست لهم مروءةٌ رادعةٌ ولا عقيدةٌ وازعةٌ ولا يتسترون كما يتعاطاه بعضُهم ممن يتفادىٰ عن الغدر ويتعفّف عما يجرُّ أُحدوثةَ السوء.

القشيري

تفسير : وَصَفَهم بلؤم الطبع فقال: كيف يكونون محافظين على عهودهم مع ما أضمروه لكم من سوء الرضا؟ فلو ظَفِرُوا بكم واستولوا عليكم لم يُراعوا لكم حُرْمةً، ولم يحفظوا لكم قرابةً أو ذِمِّةً. وفي هذا إشارة إلى أنَّ الكريمَ إذا ظَفِرَ غَفَرَ، وإذا قدر ما غَدَرَ، فيما أَسرَّ وَجَهَرَ. قوله: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ} أي لا عَجَبَ مِنْ طَبْعِهِمْ؛ فإنهم في حقِّنا كذلك يفعلون: يُظْهِرُون لباسَ الإِيمان ويُضْمِرُون الكفر. وإنهم لذلك يعيشون معكم في زِيِّ الوفاق، ويستبطنون عين الشِّقاق وسوءَ النِّفاق.

اسماعيل حقي

تفسير : {كيف} يكون للمشركين عهد حقيق بالمراعاة عند الله سبحانه وعند رسوله عليه السلاة والسلام {وام يظهروا عليكم} اى وحالهم انهم ان يظفروا بكم {لا يرقبوا فيكم} اى لا يرغبوا فى شانكم. واصل الرقوب النظر بطريق الحفظ والرعاية ومنه الرقيب ثم استعمل فى مطلق الرعاية {الا} اى حلفا او قرابة وقبل الال اسم عبرى بمعنى الاله قال الازهرى ايل من اسماء الله تعالى بالعبرانية فجاز ان يكون معرب ال اى لا يراعوا حق الله تعالى {ولا ذمة} اى عهدا حقا يعاقب على اغفاله واضاعته مع ما سبق لهم من تأكيد الايمان والمواثيق يعنى ان وجوب مراعاة حقوق العهد على كل من المتعاهدين مشروطة بمراعاة الآخر لها فاذا لم يراعها المشركون فكيف تراعونها }يرضونكم بافواههم] استئناف بيانى كأنه قيل بأى وجه لا يراعون الحلف او القرابة فكيف يقدمون على عدم المراعاة فاجيب بانهم يرضونكم بافواههم حيث يظهرون الوفاء والمصافاة ويعدون لكم بالايمان والطاعة ويؤكدون ذلك بالايمان الفاجرة ويتعللون عند ظهور خلافه بالمعاذير الكاذبة ونسبة الارضاء للافواه للايذان بان كلامهم مجرد الفاظ يتفوهون بها من غير ان يكون لها مصداق فى قلوبهم [وتأبى قلوبهم} ما تتفوه به افواههم يعنى ان ألسنتهم تخالف قلوبهم وما فى بواطنهم من الضغائن ينافى ما اظهروه بالسنتهم من وعد الايمان والطاعة والوفاء بالعهد فهم انما يقولون كلاما حلوا مكرا وخديعة وفى الحديث "حديث : المكر والخديعة فى النار" تفسير : يعنى اربابها وفى الحديث "حديث : اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع" تفسير : وهى جمع بقلمة وهى الارض الفقر الى لا شئ فيها وامرأة بلقعة اذا كانت خالية من كل خير والمعنى يفتقر الحالف ويذهب ماله وجاهه فينبغى للعاقل ان لا يجعل عادنه ان يحلف فى كل صغير وكبير فانه ربما يحلف كاذبا فيستحق العقوبة - ورد - ان البياع الحلاف اذا كان داذبا فى يمينه يكون ثمن ما باعه اشد حرمة من لحم الخنزير {واكثرهم} اى اكثر المشركين {فاسقون} خارجون عن الطاعة فان مراعاة حقوق العهد من باب الطاعة متمردون فى الكفر ليست لهم عقيدة تمنعم ولا مروءة تردعهم وتخصيص الاكثر لما فى بعض الكفرة من التفادى عن الغدر والتعفف عما يجر احدوثة السوء والاحدوثة ما يتحدث الناس فى حقه من المثالب والمعائب. يقول الفقير ذكر عند حضرة شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة مروءة بعض اهل الذمة فقال انه من آثار السعادة الازلية ويرجى ان ذلك يدعوه الى الايمان والتوحيد ويصير عاقبته الى النجاة والفلاح: وفى المثنوى شعر : من نديدم درجهان جست وجو هيج اهليت به از خوى نكو[1] دربى خوباش وباخوشخو نشين خو بذيرى روغن وكل رابيين[2] بس يقين دان صورت خوب ونكو يا خصال بد نيرزد يك طسو[3] ور بود صورت حقير ونايذير جون بود خلقش نكو درباش مير تفسير : وقد اوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا بوصية جامعة لمحاسن الاخلاق فقال "حديث : يا معاذ اوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والوفاء بالعهد واداء الامانة وترك الخيانة وحفظ الجوار ورحمة اليتيم ولين الكلام وبذل السلام وحسن العمل وقصر الامل ولزوم الايمان والتفقه فى القرآن وحب الآخرة والجزع من الحساب وخفض الجناح واياك ان تسب حكيما او تكذب صادقا او تطيع آثما او تعصى اماما عادلا او تفسد ارضا. اوصيك باتقاء الله عند كل حجر وشجر ومدر وان تحدث لكل ذنب توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية بذلك ادب الله عباده ودعاهم الى مكارم الاخلاق ومحاسن الآداب" تفسير : كذا فى العوارف. اعلم ان النفس خلقت من السفليات وجبلت ميالة الى الدنيا وشهواتها ولذاتها والى الجفاء والغدر والرياء والنفاق وقد عاهدها الله يوم الميثاق على الصدق والاخلاص فهى ما دامت حية باقية على صفاتها الذميمة لا يمكنها العبودية الخالصة من شوب الطمع فى المقاصد الدنيوية والاخروية فاذا تنورت بالانوار المنعكسة من تجلى صفات الجمال والجلال لمراءة القلب تفنى عن اوصافها المخلوقة وتبقى بالانوار الخالقية فيثبتها الله بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة فتسلم من نقض العهد والمسجد الحرام اشارة الى مقام الوصول الذى هو حرام على اهل الدنيا والآخرة وهو مقام اهل الله وخاصته نسأل الله الوصول الى هذا المقام المكين والدخول فى هذا الحرم الامين: قال بعضهم شعر : الزم الصدق والتقى واترك العجب والريا واغلب النفس والهوى ترزق السؤال والمنى تفسير : فعلى العاقل المجاهدة مع النفس ورعاية العهود والحقوق ومجانبة الفسوق والعقوق. قال الشبلى قدس سره عقدت وقتا ان لا آكل الا من الحلال فكنت ادور فى البرارى فرأيت شجرة تين فمددت يدى اليها لآكل فنادتنى الشجرة احفظ عليك عقدك لا تأكل منى فأنى ليهودى. يقول الفقير فى هذه الحكاية شيآن. الاول ظهور الكرامة وهو تكلم الشجرة. والثانى تذكير الله تعالى اياه عند عقده وذلك بسبب صدقه فى ارادته واخلاصه فى طلبه فمن اراد ان يصل الى هذه الرتبة فليحافظ وقته ليراقب فان فى المراقبة حصول المطالب عصمنا الله واياكم من تجاوز الحد والخروج عن الطريق وشرفنا بالوقوف فى حد الحق والثبات فى طريق التحقيق

الطوسي

تفسير : تقدير الاية كيف لهم عهد وكيف لا تقتلونهم وحذف، لان قوله في الاية الاولى {كيف يكون للمشركين عهد} دل على ذلك ومثله قول الشاعر: شعر : وخبرتماني أنما الموت في القرى فكيف وهاتا هضبة وقليب تفسير : ويروى وهذي اي كيف مات وليس في قرية. وقال الحطيئة في حذف الفعل بعد كيف: شعر : فكيف ولم أعلمهم خذلوكم على معظم ولا اديمكم قدوا تفسير : أي كيف تلومونني على مدح قوم وتذمونهم. والمعنى كيف لهم يعني لهؤلاء المشركين عهد، وهم إن يظهروا عليكم بمعنى يعلوا عليكم بالغلبة، لان الظهور هو العلو بالغلبة. واصله خروج الشيء إلى حيث يصح ان يدرك {لا يرقبوا فيكم} معناه لا يراعون فيكم، والرقوب هو العمل في الامر على ما تقدم به العهد. والمراقبة والمراعاة نظائر في اللغة. وقوله: {إلا ولا ذمة} قيل في معنى الئل ستة اقوال: اولها - قال مجاهد وابن زيد: إن معناه العهد. والثاني - في رواية اخرى عن مجاهد أنه اسم الله. ومنه قول أبي بكر لما سمع كلام مسيلمة: لم يخرج هذا من إل، فأين يذهب بكم. الثالث - قال ابن عباس: هو القرابة. الرابع - قال الحسن: هو الجوار. الخامس - قال قتادة: هو الحلف. السادس - قال ابو عبيدة: هو التميز. والاصل في جميع ذلك العهد وهو مأخوذ من الأليل وهو البريق، يقال: أل يؤل إذا لمع والألة الحربة للمعانها، وأذن مؤللة مشبهة بالحربة في تحديدها وقال الزجاج: اصله التحديد قال الشاعر: شعر : وجدناهم كاذباً إلهم وذو الال والعهد لا يكذب تفسير : أي ذو العهد، وقال ابن مقبل: شعر : أفسد الناس خلوف خلفوا قطعوا الال واعراق الرحم تفسير : يعنى القرابة، وقال حسان: شعر : لعمرك إن إلك في قريش كال السقب من رأل النعام تفسير : وقوله {يرضونكم بأفواههم} معناه يقولون قولا يرضيكم بذلك في الظاهر وتأبى قلوبهم أن يذعنوا لكم بتصديق ما يبدونه لكم. ثم اخبر الله تعالى عن حالهم لان الفاسق هو الخارج من الشيء من قولهم فسقت الرطبة. وإنما كان اكثرهم بهذه الصفة ولم يكن جميعهم وإن كانوا كلهم فاسقين لأن المراد به رؤساءهم.

اطفيش

تفسير : {كَيفَ} يكون لهم عهد تمسكوا به، أو كيف يكون لهم عهد يوفى لهم به، وقد نقضوه، فإعراب كيف كإعراب كيف السابقة، وإنما كررت تأكيدا لاستبعاد كون عهد لهم، ويجوز أن يقدر كيف يثبتون على العهد، أو كيف يبقى حكم العهد لهم مع نقضهم له، فكيف حال أو كيف ثبوتهم على العهد، أو كيف بقاء حكمه لهم، فهى خبر للمبتدأ بعدها {وإنْ يظْهرُوا} الواو للحال، والحال أنهم إن يعلوا {عَليْكم} بالغلبة. {لا يَرقبُوا} لا يراعوا ولا يحافظوا، أو لا ينظروا {فِيكُم إلاًّ} حلفا ووجه تسمية الحلف إلا أنهم إذا تماسحوا بالأيدى عند المخالفة، رفعوا أصواتهم، وشهروا أمرهم، ورفع الصوت يقال له إلّ وإليل، فقيل لكل عهد وميثاق: إلّ، وإلا فالإل فى الآية صحيح اللام مضاعف، والإلية بمعنى الحلف معتلة غير مضاعف، وذلك قول قتادة، فقال ابن عباس: إلا قرابة، وجهه أن القرابة مثل ذلك المذكور من رفع الصوت بالمحالفة فى العقد، بل أشد عقدا، ومثله قول بعضهم: إلا رحما، وذلك كله استعارة، وقيل: حقيقة، وقيل: الإل التحديد، فإن المحالفة على الشىء إغراء عليه، وقيل اللمعان، فإن المحالفة فى شهرتها كشىء ساطع لامع، وقيل: إلا اسم الله تعالى بالعبرانية، فإنما صرف مع وجود العلمية والعجمة، لأنه ثلاثى ساكن الوسط كما يقال له أيضا بالعبرانية: إيل. وقد قالوا معنى جبرا وعزرا وميكا وإسراف فى الأصل عبد، وإيل الله فى جبريل وعزرائيل وميكائيل وإسرافيل، ولكن بدلت همزة هذا شذوذا، أو حذفت همزته، وقد قرىء جبرال براء فهمزة مكسورة مشددة مثل إلاًّ فى الآية، غير أن جبرال منع الصرف لأنه صير اسما واحدا فوق الثلاثى. ولما سمع أبو بكر رضى الله عنه كلام مسيلمة الكذاب قال: هذا كلام لم يخرج من إل، أى لم يكن من الله، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس: لا يراقبوا فيكم إيلا بهمزة مكسورة فياء ساكنة من معناه الله، ويجوز أن يكون الأصل إلا بهمزة، فلام مشددة أبدلت اللام المدغمة ياء، كما أبدلت الميم المدغمة ياء فى إما المكسورة الهمزة، فيحتمل المعانى السابقة، ويجوز أن يكون إل يؤل إذا ساس كما قال عمر رضى الله عنه: قد إلنا وإيل علينا، أى لا يرقبوا فيكم سياسة ولا مداراة، قلبت الواو ياء لسكونها بعد كسر، وقرأت فرقة ألاًّ بفتح الهمزة مصدرا بمعنى العهد. {ولا ذِمَّةً} عهدا أو حقا تركه عيب، قال الأصمعى: الذمة كلما يجب أن يحفظ ويحمى، وقال مجاهد: الإيل والذمة بمعنى العهد، كرر تأكيدا مع اختلاف اللفظ {يُرضُونكُم} مضارع أرضى المتعدى بالهمزة {بأفْواهِهِم} هذا كلام مستأنف فى بيان مخالفة ظاهرهم لباطنهم المنافية للثبات على العهد، المؤدية إلى عدم مراقبتهم فيكم إلا ولا ذمة إن ظفروا بكم، وليس الكلام حالا من الواو فى قوله: {لا يرقبوا} لأنهم بعد ظهورهم على المؤمنين لا يرضونهم بأفواههم، بل يصرحون بالطعن فيهم، ولأن المراد ثبات إرضائهم المؤمنين بألسنتهم بالكلام الجميل، وبوعد الإيمان، والوفاء بالعهد، والطاعة وإخفاء العداوة. {وتَأبَى} تمنع وتكره {قُلُوبهمْ} ما تنطق به أفواههم، أو تمتنع قلوبهم مما تنطق أفواههم، فأبى على الأول متعد، وعلى الثانى لازم {وأكْثَرهُم فاسِقُونَ} خارجون عن المروءة والأمور التى يستحسنها أهل الشرك مما هو حسن، كالصدق والوفاء بالعهد والوعد، والتعفف عما يدنس العرض، وما يثير السوء والفتن، لأنه لا عقيدة لهم تردعهم عن ذلك، وأما القليل منهم فلم يخرج عن ذلك، بل كان عدلا فى دين الشرك وذمهم بذلك الفسق، مع أن الشرك أقبح منه، لأنه هو القبيح عندهم، لا الشرك، ولأنه متعد إلى حق الغير، ولأن جامع الشرك ذلك الفسق أقبح ممن أشرك ولم يفسق ذلك الفسق، أو المراد بالفسق كل فسق، واستثناء القليل مراد به من سوء من يوفى بالدين، أو ليس التعبير بالأكثر استثناء للقليل، بل الأكثر بمعنى الكل.

اطفيش

تفسير : {كَيْفَ} يكون لهم عهد إِلخ.. أَو كيف يثبتون على العهد، أَو يبقيه لهم الله، والحال أَنه إِن يظهروا عليكم، الآية، فذلك تكرير للإِنكار، وتنبيه على أَن فى قلوبهم غيظا عليكم وقصداً لإِهلاككم، فحذف الفعل للعلم به كقول كعب الغنوى من قصيدته التى يرثى بها أَخاه أَبا المغوار التى منها: لعل أَبا المغوار منك قريب، ما نصه: شعر : وخبرتمانى إِنما الموت بالقرى فكيف وهاتا هضبة وقليب تفسير : ويروى: هضبة وكليب. أَى فكيف مات أَخى أَبو المغوار فى البدو، وحيث الجبل المنبسط والبير التى لم تطو، أَو التل من الرمل وأَنتما تقولان إِنما الموت فى القرى بالوباء أَو الطاعون، وقيل الهضبة والقليب جبلان، وعلى كل هما فى البدو والصحيح كثيب بدل قريب لأَن قبل البيت: شعر : لعمر كما إِن البعيد الذى مضى وإِن الذى يأْتى غدا لقريب تفسير : وأَراد بعد مطلق يوم بعد يومك، ولو كان بعد أَيام أَو سنين ويجوز أَن يقدر كيف لا تقتلونهم ولا تأْخذونهم ولا تصحرونهم ولا تقعدوا لهم كل مرصد، والحال ما ذكره الله عز وجل بقوله {وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} يعلوا عليكم بالغلبة والظفر بكم {لاَ يَرْقُبُوا} لا يراعوا {فِيكُمْ إِلاًّ} يميناً بأَنا لا نضركم، وفسر الإِل بالميثاق وما صدق ذلك واحد، والقربة، وهو مروى عن ابن عباس قال حسان ابن ثابت: شعر : لعمرك إِن إِلَّكَ من قريش كإِل السقب من رأَل النعام تفسير : وبالله على أَنه من أَسماء الإِل وبالربوبية وبالتربية وباللمعان، وكل منهما لا يخلو من معنى الظهور، وبرفع الصوت الواقع منهم حين الخلف عهداً، وبالظهور والقوة وبالأَمان على أَنه لفظ عبرى، وبالحدة، وفى اليمين حدة على الوفاء، وكذا القرابة فيها حدة على المحافظة، والأَول أَولى، ويناسب التفسير بالله قراءَة إِيلا كجبرائيل وإِسرافيل وعزرائيل وميكائيل، ولما قرئ على الصديق رضى الله عنه كلام مسيلمة لعنه الله قال: إِنه كلام لم يخرج من إِل، أَى من إِله، وقيل: هو العهد، والعطف تفسير والأَصل التأسيس {وَلاَ ذِمَّةً} عهد إِلا إِنه يذم على إِضاعته وكل ما يذم على إِضاعته فهو ذمة، وفسر أَبو عبدة وابن زيد والسدى إِلاًّ بعهد، فيكون الذمة بمعنى العهد معطوفاً للتأْكيد كما هو وجه فى قوله "أية : صلوات من ربهم ورحمة" تفسير : [البقرة: 157] وفى قوله "أية : بثى وحزنى" تفسير : [يوسف: 86] وقيل: الذمة: الضمان، ومن ذلك فلان فى ذمتى أَى فى ضمانى، وأَهل الذمة لأَنهم فى ضمان المسلمين بالحفظ لهم، ولا يحسن التفسير به، لأَن قريشاً ليسوا فى ذمة المسلمين، ولا المسلمون فى ذمتهم اللهم إِلا بمراعاة العهود، أَو الذمة الأَمان كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المسلمون يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أَدناهم" تفسير : أَى أَمانهم، فإِذا أَعطى العبد أَماناً لكافر ثبت، وكذا إِن أَعطته المرأَة أَو الطفل، وقد أَجاز عمر أَمان العبد الكافر، وقدمه على جميع العسكر، فيكون تأْكيدا لإِلاًّ إِذا فسر إِلاَّ بأَمان، أَو الذمة كل حق يعاب على تركه {يُرْضُونكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} إِذا لم يظهروا عليكم، وما قبل هذا فى ظهورهم وهذا فى عدمه فهم مشركون من قريش ينافقون إِذا خافوا بإِلانة القول وباليمين الفاجرة فيخدعون المؤمنين والمؤمن غر كريم والكافر خب لئيم {وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ} تمتنع قلوبهم من الوفاء أَشد الامتناع، وإِنما يستعمل أَبى فى الامتناع الشديد لا فى الامتناع مطلقا، فكل إِباء امتناع ولا عكس بالمعنى اللغوى، والجملة الأُولى مستأْنفة لا حال من واو يرقبوا لأَنهم فى حالة انتفاء رقوبهم لا يرضون المسلمين، بل يضرونهم غاية ما قدروا، ولأَن المراد إِثبات إِرضائهم المؤمنين بالعهد، أَو بوعد الإِيمان {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} أَى كلهم، والمراد الأَشقياء، وصح الكلام فيهم وإِن أَريد ذم فعلهم من شقى ومن سعد فأَكثر على ظاهره، وذم الفعل إِذا صدر من سعيد ليس براءَة له من الله عز وجل فهو فى ولاية الله إِلا ذم فعله ولا بد، أَو تحرز بأَكثر عن بعض المشركين الذين يبعدون عن نقض العهد لدنس النقض ولمروءَتهم، فالفسق على هذا خصوص الخروج عن العهد، فمن المشركين من لم يفسق بالعهد أَى لم يخرج عنه.

الالوسي

تفسير : {كَيْفَ} تكرير لاستنكار ما مر من أن يكون للمشركين عهد حقيق بالمراعاة عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلم، وقيل: لاستبعاد ثباتهم على العهد وفائدة التكرار التأكيد والتمهيد لتعداد العلل الموجبة لما لا ذكر لإخلال تخلل ما في البين بالارتباط والتقريب؛ وحذف الفعل المستنكر للإيذان بأن النفس مستحضرة له مترقبة لورود ما يوجب استنكاره، وقد كثر حذف الفعل المستفهم عنه مع كيف ويدل عليه بجملة حالية بعده، ومن ذلك قوله كعب الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار:شعر : وخبر تماني أنما الموت في القرى فكيف وهاتا هضبة وقليب تفسير : يريد فكيف مات والحال ما ذكر، والمراد هنا كيف يكون لهم عهد معتد به عند الله وعند رسوله عليه الصلاة والسلام {وَ} حالهم أنهم {إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} أي يظفروا بكم {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} أي لم يراعوا في شأنكم ذلك، وأصل الرقوب النظر بطريق الحفظ والرعاية ومنه الرقيب ثم استعمل في مطلق الرعاية، والمراقبة أبلغ منه كالمراعاة، وفي نفي الرقوب من المبالغة ما ليس في نفيهما، وما ألطف ذكر الرقوب مع الظهور والإل بكسر الهمزة وقد يفتح على ما روي عن ابن عباس الرحم والقرابة وأنشد قول حسان:شعر : لعمرك إن إلك من قريش كال السقب من رأل النعام تفسير : وإلى ذلك ذهب الضحاك، وروي عن السدي أنه الحلف والعهد، قيل: ولعله بهذا المعنى مشتق من الأل وهو الجوار لأنهم كانوا إذا تحالفوا رفعوا أصواتهم ثم استعير للقرابة لأن بين القريبين عقداً أشد من عقد التحالف، وكونه أشد لا ينافي كونه مشبهاً لأن الحلف يصرح به ويلفظ فهو أقوى من وجه آخر وليس التشبيه من المقلوب كما توهم، وقيل: مشتق من ألل الشيء إذا حدده أو من أل البرق إذا لمع وظهر ووجه المناسبة ظاهر. / وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة ومجاهد أن الإل بمعنى الله عز وجل، ومنه ما روي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قرىء عليه كلام مسيلمة فقال لم يخرج هذا من أل فأين تذهب بكم؟ قيل: ومنه اشتق الإل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحيم من الرحمن، والظاهر أنه ليس بعربـي إذ لم يسمع في كلام العرب إل بمعنى إله. ومن هنا قال بعضهم انه عبري ومنه جبرال: وأيده بأنه قرىء إيلا وهو عندهم بمعنى الله أو الإله أي لا يخافون الله ولا يراعونه فيكم. والذمة الحق الذي يعاب ويذم على إغفاله أو العهد، وسمي به لأن نقضه يوجب الذم، وهي في قولهم في ذمتي كذا محل الالتزام ومن الفقهاء من قال: هو معنى يصير به الآدمي على الخصوص أهلاً لوجوب الحقوق عليه، وقد تفسر بالأمان والضمان وهي متقاربة، وزعم بعضهم أن الإل والذمة كلاهما هنا بمعنى العهد والعطف للتفسير، ويأباه إعادة لا ظاهراً فليس هو نظير:شعر : فألفى قولها كذباً ومينا تفسير : فالحق المغايرة بينهما، والمراد من الآية قيل: بيان أنهم أسراء الفرصة فلا عهد لهم، وقيل: الإرشاد إلى أن وجوب مراعاة حقوق العهد على كل من المتعاهدين مشروط بمراعاة الآخر لها فإذا لم يراعها المشركون فكيف تراعونها فهو على منوال قوله:شعر : علام تقبل منهم فدية وهم لا فضة قبلوا منا ولا ذهبا تفسير : ولم أجد لهؤلاء مثلاً من هذه الحيثية المشار إليها بقوله سبحانه: {وَإِن يَظْهَرُوا} الخ إلا أناساً متزينين بزي العلماء وليسوا منهم ولا قلامة ظفر فإنهم معي وحسبـي الله وكفى على هذا الطرز فرفعهم الله تعالى لا قدراً وحطهم ولا حط عنهم وزراً. وقوله سبحانه: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ} استئناف للكشف عن حقيقة شؤونهم الجلية والخفية دافع لما يتوهم من تعليق عدم رعاية العهد بالظفر أنهم يراعونه عند عدم ذلك حيث بين فيه أنهم في حالة العجز أيضاً ليسوا من الوفاء في شيء وإن ما يظهرونه أخفاهم الله تعالى مداهنة لا مهادنة، وكيفية إرضائهم المؤمنين أنهم يبدون لهم الوفاء والمصافاة ويعدونهم بالإيمان والطاعة ويؤكدون ذلك بالأيمان الفاجرة والمؤمن غر كريم إذا قال صدق وإذا قيل له صدق ويتعللون لهم عند ظهور خلاف ذلك بالمعاذير الكاذبة. وتقييد الإرضاء بالأفواه للإيذان بأن كلامهم مجرد ألفاظ يتفوهون بها من غير أن يكون لها مصداق في قلوبهم، وأكد هذا بمضمون الجملة الثانية وزعم بعضهم أن الجملة حالية من فاعل {يَرْقُبُواْ} لا استئنافية، ورد بأن الحال تقتضي المقارنة والإرضاء قبل الظهور الذي هو قبل عدم الرقوب الواقع جزاءً فأين المقارنة، وأيضاً أن بين الحالتين منافاة ظاهرة فإن الإرضاء بالأفواه حالة إخفاء الكفر والبغض مداراة للمؤمنين وحالة عدم المراعاة والوقوف حالة مجاهدة بالعداوة لهم وحيث تنفيا لا معنى لتقييد إحداهما بالأخرى. {وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ} خارجون عن الطاعة متمردون لا عقيدة تزعهم ولا مروءة تردهم وتخصيص الأكثر لما في بعض الكفرة من التحامي عن العذر والتعفف عما يجر أحدوثة السوء، ووصف الكفرة بالفسق في غاية الذم.

ابن عاشور

تفسير : {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}. و{كيف} هذه مؤكدة لــــ{أية : كيف}تفسير : [التوبة: 7] التي في الآية قبلها، فهي معترضة بين الجملتين وجملة: {وإن يظهروا عليكم} إلخ يجوز أن تكون جملة حالية، والواو للحال ويجوز أن يكون معطوفة على جملة {أية : كيف يكون للمشركين عهد}تفسير : [التوبة: 7] إخباراً عن دخائلهم. وفي إعادة الاستفهام إشعار بأنّ جملة الحال لها مزيد تعلّق بتوجّه الإنكار على دوام العهد للمشركين، حتّى كأنّها مستقلّة بالإنكار، لا مجرّدُ قيد للأمر الذي توجّه إليه الإنكار ابتداء، فيؤول المعنى الحاصل من هذا النظم إلى إنكار دوام العهد مع المشركين في ذاته، ابتداء، لأنّهم ليسوا أهلاً لذلك، وإلى إنكار دوامه بالخصوص في هذه الحالة. وهي حالة ما يبطنونه من نية الغدر إن ظهروا على المسلمين، ممّا قامت عليه القرائن والأمارات، كما فعلت هوازن عقب فتح مكة. فجملة: {وإن يظهروا عليكم} معطوفة على جملة {أية : كيف يكون للمشركين عهد}تفسير : [التوبة: 7]. وضمير {يظهروا} عائد إلى المشركين في قوله: {أية : كيف يكون للمشركين عهد عند الله}تفسير : [التوبة: 7] ومعنى {وإن يظهروا} إن ينتصروا. وتقدّم بيان هذا الفعل آنفاً عند قوله تعالى: {أية : ولم يظاهروا عليكم أحدا}تفسير : [التوبة: 4]. والمعنى: لو انتصر المشركون، بعد ضعفهم، وبعد أن جرّبوا من العهد معكم أنّه كان سبباً في قوتكم، لنقضوا العهد. وضمير {عليكم} خطاب للمؤمنين. ومعنى {لا يرقبوا} لا يوفوا ولا يراعوا، يقال: رقَب الشيء، إذا نظر إليه نظر تعهّد ومراعاة، ومنه سمّي الرقيب، وسمّي المرْقَبَ مكان الحراسة، وقد أطلق هنا على المراعاة والوفاء بالعهد، لأنّ من أبطل العمل بشيء فكأنّه لم يَره وصرف نظره عنه. والإلّ: الحلف والعهد؛ ويطلق الإلّ على النسب والقرابة. وقد كانت بين المشركين وبين المسلمين أنساب وقرابات، فيصحّ أن يراد هنا كلا معنييه. والذمّة ما يمتّ به من الأواصر من صحبة وخلة وجوار ممّا يجب في المروءة أن يحفظ ويحمى، يقال: في ذمّتي كذا، أي ألتزم به وأحفظه. {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ}. استئناف ابتدائي، أي هم يقولون لكم ما يرضيكم، كيداً ولو تمكّنوا منكم لم يرقبوا فيكم إلاّ ولا ذمّة. من يسمع كلاماً فيأباه. والإباية: الامتناع من شيء مطلوب وإسناد الإباية إلى القلوب استعارة، فقلوبهم لمّا نوت الغدر شبّهت بمن يطلب منه شيء فيأبى. وجملة: {وأكثرهم فاسقون} في موضع الحال من واو الجماعة في {يرضونكم} مقصود منها الذمّ بأن أكثرهم موصوف، مع ذلك، بالخروج عن مهيع المروءة والرُّجلة، إذ نجد أكثرهم خالعين زمام الحياة، فجمعوا المذمة الدينية والمذمّة العرفية. فالفسق هنا الخروج عن الكمال العرفي بين الناس، وليس المراد الخروج عن مهيع الدين لأنّ ذلك وصف لجميعهم لا لأكثرهم، ولأنّه قد عرف من وصفهم بالكفر.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِأَفْوَاهِهِمْ} {فَاسِقُونَ} (8) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى الأسْبَابَ التِّي تَدْعُو إلَى أنْ لاَ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ، ذَلِكَ لأنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِاللهِ وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ، وَلأنَّهُمْ إذا انْتَصَرُوا عَلَى المُسْلِمِينَ، وَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، اجْتَثُوهُمْ وَلَمْ يُبْقُوا عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَرْقُبُوا فِي المُسْلِمِينَ قَرَابَةً، وَلا عَهْداً، فِي نَقْضِ العَهْدِ وَالمِيثَاقِ، وَهَؤُلاَءِ يَخْدَعُونَ المُؤْمنينَ بِكَلاَمِهِم المَعْسُولِ، وَقُلُوبُهُمْ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى كَرَاهَتِهِمْ، وَأَكْثَرُهُمْ خَارِجُونَ عَنِ الحَقِّ، نَاقِضُونَ لِلْعَهْدِ. يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ - يَظْفُروا بِكُمْ. لا يَرْقُبُوا - لاَ يُراعُوا. إِلاًّ - قَرَابَةً. ذِمَّةً - عَهْداً وَأمَاناً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى لم يقل كيف يكون للمشركين عهد، بل اكتفى بـ"كيف"، لأن غدرهم صار معروفا، وكانت "كيف" الأولى استفهاما عن أمر مضى. والتساؤل هنا يوضح لنا أنهم سيخونون العهد دائما، كما فعلوا في الماضي، فكأن الذي يخبر في الماضي يخبر عن المستقبل ويعلم ما يكون منهم. ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: {وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} [التوبة: 8]. ومعنى "يظهروا"، أي يتمكنوا منكم، وهم إن تمكنوا من المؤمنين لا يرقبون فيهم إلاّ ولا ذمّة، و"يرقب" من الرقيب الذي يراقب الأشياء. إذن فهم لا يراقبون بمعنى لا يراعون، أي أنهم لو تمكنوا من المؤمنين لا يراعون ذمة ولا عهدا ولا ميثاقا، بل يستبيحون كل شيء. وهذا إخبار من الحق سبحانه وتعالى عما في نفوس هؤلاء الكفار من حقد على المؤمنين. ونلاحظ أن كلمة "يرقبون" غير "ينظرون"، وغير "يبصرون"، وهي أيضا غير "يلمحون" وغير "يرمقون"، مع أنها كلها تؤدي معنى الرؤية بالعين، ولكن يرقب تعني يتأمل ويتفحص باهتمام حتى لا تفوته حركة، لذلك إذا قلنا: إن فلانا يراقب فلاناً، أي لا تفوته حركة من حركاته وهو ينظر لكل حركة تصدر منه. أما كلمة "نظر" فتعني رأى بجميع عينيه، وكلمة "لمح" تعني رأى بمؤخر عينيه، "رمق" أي رأى من أعلى. وقوله سبحانه وتعالى {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} يعني لا يراعون فيكم عهداً، ولا يمنع الواحد منهم وازع من أن يفعل أي شيء مهما كان قبيحا؛ والمثال: أن يرفع الرجل القوي يده ليضرب طفلاً صغيراً لا يتحمل ضربته، هنا يمسك أحدهم بيده ويطلب منه أن يراعي أن الطفل صغير لا يتحمل ضربته، وأنه ابن فلان قريبه، وأنهم جيران؛ فلا يراعي هذا كله، وإنما ينهال على الطفل ضرباً. وقوله سبحانه وتعالى: "إلاًّ" هي في الأصل اللمعان أي البريق، و"إلاّ" أيضاً هي الصوت العالي، واللمعان والصوت العالي لافتان لوسائل الإعلام الحسّية، وهي الأذن والعين، والإنسان إذا عاهد عهداً فهذا العهد يصبح أمراً واضحاً أمامه يلفت عيونه كما يلفتها الشيء اللامع، ويلفت أذنه كما يلفتها الصوت العالي، وسُمي العهد والكلام "إلاّ" لأنه معلوم بالعين والأذن. هذا هو المعنى اللغوي، لكن المعنى الاصطلاحي لكلمة "إلاّ" هو الغصب، بأن تشد شيئا كأنك تغصبه على عدم الالتصاق بشيء آخر، ولذلك سُمِّي سلخ جلد الشاة غصباً؛ لأن صاحب المال متمسك بماله تمسك الشاة الحية بجلدها. وإذا أطُلق الغصب في الفقه لا ينصرف إلى المعنى اللغوي وهو اللمعان والصوت العالي، وللعلماء في هذا المعنى أكثر من رؤية، وكل واحد منهم أخذ لقطة من الـ"إل" وأصله اللمعان، أَلَّ.. يؤلّ.. إِلاًّ، بمعنى لمع.. يلمع.. لمعاً. والـ"إل" أيضاً هو الصوت العالي، وقال ابن عباس والضحاك رضي الله عنهما: إن "إلاّ" هي القرابة؛ لأن القرابة سبب للتراحم، فأنت يعز عليك أن تخون قريباً لك؛ لأن القرابة لا تحتاج إلى عهد، وقيل إن "إلاّ" هي العهد. وقال سيدنا الحسن: إن "إلاّ" هي الجوار وما يوجبه من حقوقه. وقال قتادة: إن "إلاّ" هي الحلف والتحالف. وقال أبو عميرة: إن "إلاّ" هو اليمين أو القسم. والمعاني كلها تلفتنا إلى وجود نوع من التراحم، بحيث لا تتملك الإنسان القسوة أو انفلات الانفعال، وليجعل الإنسان لنفسه من يقول له: "اهدأ إنه جارك أو من قوم بينهم وبين من تعاهون صلة قرابة"؛ لأن الذي يجعل الإنسان لا يميل إلى الشر ولا يشتري فيه ساعة يحفزه الأمر؛ هو مراعاة الملابسات كلها، وهكذا يتدخل الحوار، ولكن قد توجد قرابة أو عهد أو قسم أو جوار ليمنع البطش بقسوة، أي إن "إلاّ" هو الأمر الذي يمنع الرد بقسوة على شيء قد يكون وقع خطأ. والمعنى أيضا هو عدم احترام لكل القيم؛ عدم احترام للقرابة أو الجوار أو العهد أو القسم، فإذا تمكن رجل قوي من طفل صغير لم يراع فيه أيا من هذه الأشياء. ويريد الحق أن نعلم أن المشركين إذا تمكنوا من المؤمنين فهم لا يراعون فيهم قرابة ولا عهداً ولا حلفاً ولا جواراً ولا قسماً ولا أي شيء. إذن فكيف يكون للمشركين عهد؟ وهم إن تمكنوا من المؤمنين لا يراعون فيهم شيئا أبداً. ثم يضيف الحق سبحانه وتعالى قوله: {وَلاَ ذِمَّةً} [التوبة: 8]. والذمة هي الوفاء بالأمانة التي ليس عليهما إيصال ولا شهود، فإذا اقترض واحد مبلغاً من شخص آخر إيصالاً عليه بذلك الملبغ، فهذا الإيصال هو الضامن للسداد، وكذلك إن كان هناك شهود فشهادتهم تضمن الحق لصاحبه. ولكن إن لم يكن هناك إيصال ولا شهود، يصبح الأمر موكولاً إلى ذمة المقترض؛ إن شاء هذا المدين اعترف بالقرض، وإن شاء أنكره، وهناك ذمة أخرى هي التي بينك وبين نفسك، والمثال على ذلك قد تعاهد نفسك بأن تعطي فلاناً كل شهر مبلغاً من المال، وهذا أمر ليس فيه عهد مكتوب أو شهود لكنه متروك لذمتك، إن شئت فعلته، وإن شئت لم تفعله. وما في الذمة - إذن - هو شيء إنْ لم تفعله تُفضَح، مثال ذلك: أن تقرر بينك وبين نفسك أن تساعد أسرة ما، وهذا أمر خاضع لإرادتك، فلا عهد يجبرك على ذلك ولا قرابة ولا جوار، لا شيء إلا ذمتك، ولذلك فأنت تراعي الوفاء بما وعدت نفسك به لتحافظ على سمعتك ورؤية الغير لك. وكذلك أيضاً حين تأخذ ديناً بلا إيصال منك أو شهود عليك، ولكنك تحرص على أن ترده لأنه في ذمتك. {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8]. وهكذا نعرف أن "كيف" هنا تعجب من أن يكون للمشركين الآن أو في المستقبل عهد لأنهم يحترفون نقض العهود ولو تمكنوا من المؤمنين فهم ينكلون بهم أبشع تنكيل دون مراعاة لأي اعتبار، وقد يقول قائل: إنهم معنا على أحسن ما يكون؛ بشاشة وجه وحسن استقبال إلى آخره، فكيف إذا تمكنوا منا انقلبوا إلى وحوش لا ترحم؟. ونقول: إن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يظهر وما يخفي، وقد علم ما يدور في خواطر المؤمنين فرد عليهم حتى لا يترك هذه الأشياء معلقة داخل نفوسهم، ولذلك يريد سبحانه وتعالى على هذا الخاطر: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8]. أي أن الله عز وجل ينبه المؤمنين ويحضهم ألا يصدقوا الصورة التي يرونها أمامهم من المشركين؛ لأنها ليست الحقيقة، بل هو خداع ونفاق؛ فهم يقولون القول الحسن، ويقابلونك بوجه بشوش وألفاظ ناعمة، لكن قلوبهم مليئة بالحقد عليكم أيها المسلمون بحيث إذا تمكنوا منكم تظهر مشاعرهم الحقيقية من البغض الشديد والعداوة، ولا يرقبون فيكم إلاّ ولا ذمّة. فإذا قال الله سبحانه وتعالى: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 8]. فعلى المؤمنين أن يصدقوا ما جاء من الحق، ويكتشفوا أن اللسان الحلو وحسن الاستقبال ليس إلا خداع، من هؤلاء الأعداء، وهو سبحانه بهذا الكشف إنما يعطينا مناعة بألاَّ ننخدع بما نراه على وجوههم؛ فهذا مجرد أمر استقبالي، لا يمثل ماضياً أو حاضراً، وحين يبرم سبحانه وتعالى أمراً استقباليا فهو يخبر به عباده المؤمنين، ولذلك نجده سبحانه وتعالى يرد بنفس الأسلوب على هذه الخواطر والمثال: في قوله سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}تفسير : [التوبة: 28]. والبلاغ هنا نهي عن دخول المشركين المسجد الحرام أو اقترابهم منه، ومن الطبعي أن تدور الخواطر هنا في نفوس عدد من المؤمنين الذين يستفيدون من المشركين في مواسم الحج، لأنهم أمة تعيش على اقتصاد الحج، حيث يبيعون السلع لهؤلاء القوم ليكسبوا قوت العام، فإذا ما تم منع المشركين من الحج أو الاقتراب من المسجد الحرام، فمن أين يأتي الرزق الذي يحصلون عليه من البيع لهم؟ ولا بد أن يفكر المؤمنون: من أين سنأكل؟. نحن نحضر بضاعتنا وننتظر طوال الموسم حتى الحج؛ فإذا نقص عدد الحجاج فلمن نبيع؟. فيرد الله سبحانه وتعالى على هذه الخواطر بقوله تعالى: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [التوبة: 28]. أي لا تخافوا الفقر، لأن الله يعلم ما سوف يحدث، والله هو الغني وعنده مفاتيح كل شيء وسوف يغنيكم من فضله ويفتح لكم باب الرزق مما يعوضكم وزيادة. وهكذا يرد الله سبحانه وتعالى على الخواطر التي تدور في نفس المؤمن ساعة نزول القرآن؛ حتى تطمئن قلوب ونفوس المؤمنين فيقول عز وجل: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8]. وفي هذا القول رد على الخواطر التي دارت في نفوس المؤمنين؛ وهم يرون المشركين يستقبلونهم بألفاظ ناعمة ووجوه تملؤها البشاشة، فأوضح لهم الحق سبحانه وتعالى: لا تنخدعوا فما في القلوب عكس ما هو على الوجوه. وقوله تعالى: {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8]. يبين أنهم بعيدون عن المنهج، فالفسق هو الخروج عن الطاعة، وهل الكافر والمنافق له طاعة؟. نقول: إنك إن نظرت لهؤلاء تجدهم خارجين حتى عن المنهج الذي اتخذوه لأنفسهم؛ فهم لا يلتزمون بمنهج الباطل الذي يعتنقونه، إذن فهم فاسقون حتى في المنهج الذي ينتسبون إليه، فإذا كانوا كذلك مع منهج الباطل، فكيف بهم مع منهج الحق؟. وقوله تعالى: {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} يوضح بأنه قد تكون هناك قلة ملتزمة، وهذا احتياط قرآني جميل، كما أنها ردت على السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن أن هؤلاء كافرون - وليس بعد الكفر ذنب - فكيف يقال إنَّهم فاسقون أي عاصون أو خارجون عن الطاعة وهم غير مؤمنين أصلا؟. نقول: إنهم خارجون حتى عن مناهج الكفر التي اختاروها لأنفسهم، ولذلك يبين الله سبحانه وتعالى وضعهم حين يقول: {ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} معناهُ لاَ يَخَافُونَ. والإِلُ هو الله عزَّ. وجلَّ. والإِلُ: القَرابةُ. والإِلُ: المِيثاقُ. والذِّمةُ: العَهدُ.

الأندلسي

تفسير : {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} الآية، الظاهر أن الفعل المحذوف الذي بعدها هو من جنس أقرب مذكور لها وحذف للعلم به في كيف السابقة والتقدير فكيف يكون لهم عهد وحالهم هذه. والواو للحال، ومعنى يظهروا يغلبوا. وجواب الشرط لا يرقبوا. وقال الشاعر في حذف الفعل بعد كيف: شعر : وخبرتماني انما الموت بالقرى وكيف وهاتان هضبة وكثيب تفسير : أي فكيف مات وليس في قرية. الأل: الحلف. والذمة: العهد وقال أبو عبيدة: الأمان. والاباء: مخالفتهُ للقلب لما يجري على اللسان من القول الحسن. {ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} الظاهر عود الضمير على من قبله من المشركين المأمور بقتلهم، ويكون المعنى اشتروا بالقرآن وما تدعو إليه من الإِسلام ثمناً قليلاً، وهو اتباع الشهوات والأهواء لما تركت دين الله وآثرت الكفر كان ذلك كالشراء والبيع. {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} هذا تنبيه على الوصف الموجب للعداوة وهو الإِيمان. ولما كان قوله: لا يرقبوا فيكم، يتوهم أن ذلك مخصوص بالمخاطبين، نبه على علة ذلك وان سبب المنافاة هو الإِيمان. {وَأُوْلَـٰئِكَ} أي الجامعون لتلك الأوصاف الذميمة. {هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ} المتجاوزون الحد في الظلم والشر ونقص العهد. {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} أي فإِن تابوا عن الكفر ونقض العهد والتزموا أحكام الإِسلام. {فَإِخْوَٰنُكُمْ} أي فهم إخوانكم والاخوان والاخوة جمع أخ من نسب أو دين. {وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي نبيّنها ونوضحها، وهذه الجملة اعتراض بين الشرطين من قوله: فإِن تابوا. وقوله: وإن نكثوا، بعثاً وتحريضاً على تأمل ما فصّل تعالى من الأحكام. وقال: لقوم يعلمون، لأنه لا يتأمل تفصيلها إلا من كان من أهل العلم والفهم. {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم} أي وإن نقضوا عهدهم من بعد ما تعاهدوا وتحالفوا على أن لا ينكثوا. {وَطَعَنُواْ} أي عابوه وسلبوه واستنقصوه. والطعن هنا مجاز وأصله الإِصابة بالرمح أو العود وشبهه. والظاهر أن هذا الترديد في الشرطين هو في حق الكفار أصلاً لا في من أسلم ثم ارتد فيكون قوله: {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} أي رؤساء الكفار وزعماءه. والمعنى: فقاتلوا الكفار، وخص الأئمة بالذكر لأنهم هم الذين يحرضون الاتباع على البقاء على الكفر. {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} الا حرف عرض ومعناه الحض على قتالهم ولما أمر تعالى بقتال أهل الكفر اتبع ذلك بالسبب الذي يبعث على مقاتلتهم وهو ثلاثة أشياء جمعوها، وكل واحد منها على انفراده كاف في الحض على مقاتلتهم. ومعنى نكثوا إيمانهم نقض العهد. قال السدي وجماعة: نزلت في كفار مكة نكثوا ايمانهم بعد عهد الحديبية، وأعانوا بني بكر على خزاعة. "انتهى". {وَهَمُّواْ} هو همّ قريش. {بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} عليه السلام من مكة حين تشاوروا بدار الندوة فأذن الله تعالى في الهجرة فخرج بنفسه وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال بهم البادئون والبادىء أظلم. {أَتَخْشَوْنَهُمْ} تقرير للخشية منهم وتوبيخ عليها. {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} فتقتلوا أعداءه. ولفظ الجلالة مبتدأ وخبره أحق وان تخشوه بدل من الله، أي وخشية الله أحق من خشيتهم فإِن تخشوه في موضع رفع، ويجوز أن يكون في موضع نصب أو جر على الخلاف إذا حذف حرف الجر وتقديره بأن تخشوه أي أحق من غيره بأن تخشوه. وجوز أبو البقاء أن يكون أن تخشوه مبتدأ، وأحق خبره قدم عليه. وأجاز ابن عطية أن يكون أحق مبتدأ وخبره ان تخشوه، والجملة خبر عن الأول وحسن الابتداء بالنكرة لأنها أفعل التفضيل. {قَاتِلُوهُمْ} لما تقدم الحض على القتال في قوله: الا تقاتلون، أمر به هنا فقال: قاتلوهم. {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ} أي بالقتل والنهب وسبي الذرية. ونص على قوله: {بِأَيْدِيكُمْ} على أنهم هم الذين يعذبونهم. {وَيُخْزِهِمْ} يهنهم ويذلهم. {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} يعينكم على قتلهم. وجاء التركيب {صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} ليشمل المخاطبين وكل مؤمن، وإذهاب الغيظ بمآل الكفار من المكروه. وهذه الجملة كالتأكيد للتي قبلها. والضمير المجرور في قلوبهم عائد على قوم. وقرأت فرقة: ويذهب فعلاً لازماً. غيظ فاعل به. وقرأ زيد بن علي كذلك إلا أنه رفع الباء. وقرىء: ويتوب الله رفعاً، وهو استئناف اخبار بأن بعض أهل مكة وغيرهم يتوب عن كفره وكان كذلك أسلم عالم كثيرون وحسن إِسلامهم. وقرأ زيد بن عليّ ويعقوب وجماعة: ويتوب، بنصب الباء جعله داخلاً في جواب الأمر من طريق المعنى. قيل: ويمكن أن تكون التوبة داخلة في الجزاء. قال ابن عطية: ويتوجه ذلك عندي إذا ذهب إلى أن التوبة يراد بها هاهنا ان قتل الكافرين والجهاد في سبيل الله هو توبة لكم أيها المؤمنون وكمال لايمانكم فتدخل التوبة على هذا في شرط القتال. "انتهى". وهذا الذي قدره من كون التوبة تدخل تحت جواب الأمر هو بالنسبة إلى المؤمنين الذين أمروا بقتال الكفار، والذي يظهر ان ذلك بالنسبة إلى الكفار فالمعنى على من يشاء من الكفار وذلك أن قتال الكفار وغلبة المسلمين إياهم قد ينشأ عنها إسلام كثير من الناس وإن لم يكن لهم رغبة في الإِسلام ولا داعية قبل القتال ألا ترى إلى قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة كيف كان سبباً لإِسلامهم لأن الداخل في الإِسلام قد يدخل فيه على بصيرة. وقد يدخل على كره واضطرار ثم قد يحسن حاله في الإِسلام.

الجيلاني

تفسير : {كَيْفَ} يكون للمشركين معكم عهد أيها المؤمنون؟ وكيف تعتمدون على ميثاقهم {وَ} هم من غاية بغضهم وشدة شكيمتهم {إِن يَظْهَرُوا} ويظفروا {عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ} أي: لا يحافظوا ولا يراعوا في حقكم {إِلاًّ} أي: عهداً وميثاقاً {وَلاَ ذِمَّةً} حقاً لازماً يلتزمون رعايتها؛ كالحقوق التي جرت بين المتعاهدين، بل حالهم أنهم {يُرْضُونَكُم} ويعاهدون معكم {بِأَفْوَاهِهِمْ} خداعاً ومداهنةً {وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ} عمَّا صدرت على ألسنتهم من المعاهدة، بل {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8] خارجون متمردون عن العهد مطلقاً، لا يتفوهون به أصلاً، فكيف أن يعهدوا؟!. ومن غاية فسهم وتمردهم، ونهاية توغلهم في الضلال {ٱشْتَرَوْاْ} واستبدلوا {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} المنزلة على رسوله، الدالة على توحيده مع وضوحها وسطوعها {ثَمَناً قَلِيلاً} أي: بدلاً حقيراً، متبذلاً مرذولاً، وهو اتباع الأهوية الباطلة والآراء الفاسدة التي ابتدعها المبتدعون بتسويلات شياطينهم {فَصَدُّواْ} أي: أعرضوا وانصرفوا نفوسهم وأتباعهم؛ بسبب تلك الآراء {عَن سَبِيلِهِ} أي: عن دين الله الموصل إلى توحيده {إِنَّهُمْ} من غاية ضلالهم وإضلالهم {سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [التوبة: 9] هذا العمل. ومن سوء عملهم أيضاً وقبح صنيعهم أنهم من غاية بغضهم مع المؤمنين {لاَ يَرْقُبُونَ} ولا يراعون {فِي} حق {مُؤْمِنٍ} أي: واحد من أهل الإيمان وإن بالغ في ودادهم وإخائهم، ومحافظة عهودهم وذممهم {إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} أصلاً؛ لشدة شكيمتهم وقوة بغضهم وضغينتهم {وَ} بالجمة: {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون المطرودون {هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ} [التوبة: 10] المقصرون على التجاوز عن حدود الله ومقتضى المروءة اللازمة للمرتبة الإنسانية؛ لخبث طينتهم ورداءة فطرتهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { كَيْفَ } يكون للمشركين عند اللّه عهد وميثاق { و } الحال أنهم { وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } بالقدرة والسلطة، لا يرحموكم، و { لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً } أي: لا ذمة ولا قرابة، ولا يخافون اللّه فيكم، بل يسومونكم سوء العذاب، فهذه حالكم معهم لو ظهروا. ولا يغرنكم منهم ما يعاملونكم به وقت الخوف منكم، فإنهم { يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ } الميل والمحبة لكم، بل هم الأعداء حقا، المبغضون لكم صدقا، { وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ } لا ديانة لهم ولا مروءة. { اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا } أي: اختاروا الحظ العاجل الخسيس في الدنيا. على الإيمان باللّه ورسوله، والانقياد لآيات اللّه. { فَصَدُّوا } بأنفسهم، وصدوا غيرهم { عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً } أي لأجل عداوتهم للإيمان { إِلا وَلا ذِمَّةً } أي لأجل عداوتهم للإيمان وأهله. فالوصف الذي جعلهم يعادونكم لأجله ويبغضونكم هو الإيمان فذبوا عن دينكم وانصروه واتخذوا من عاداه لكم عدوا ومن نصره لكم وليا واجعلوا الحكم يدور معه وجودا وعدما لا تجعلوا الولاية والعداوة طبيعية تميلون بهما حيثما مال الهوى وتتبعون فيهما النفس الأمارة بالسوء ولهذا { فَإِنْ تَابُوا } عن شركهم ورجعوا إلى الإيمان { وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } وتناسوا تلك العداوة إذ كانوا مشركين لتكونوا عباد اللّه المخلصين وبهذا يكون العبد عبدا حقيقة لما بين من أحكامه العظيمة ما بين ووضح منها ما وضح أحكاما وحِكَمًا وحُكْمًا وحكمة قال { وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ } أي نوضحها ونميزها { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } فإليهم سياق الكلام وبهم تعرف الآيات والأحكام وبهم عرف دين الإسلام وشرائع الدين. اللهم اجعلنا من القوم الذين يعلمون ويعملون بما يعلمون برحمتك وجودك وكرمك [وإحسانك يا رب العالمين].

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 329 : 3 : 15 - سفين قال، قال مجاهد {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} قال، "لا" الله. وقال بعضهم، الرحم [الآية 8].

همام الصنعاني

تفسير : 1056- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}: [الآية: 8]، قال: الإلّ، الحلف، والذِّمةُ الْعَهْدُ. 1057- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: وأخبرني ابن أبي نحجيح، عن مجاهد، قال: {إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}: [الآية: 8] لا يراقبون الله تعالى ولا غيره.