٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
القرطبي
تفسير : يعني المشركين في نقضهم العهود بأكلة أطعمهم إياها أبو سفيان؛ قاله مجاهد. وقيل: إنهم استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا. {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ} أي أعرضوا؛ من الصدود. أو منعوا عن سبيل الله؛ من الصّدّ.
البيضاوي
تفسير : {ٱشْتَرَوْاْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ} استبدلوا بالقرآن. {ثَمَناً قَلِيلاً} عرضاً يسيراً وهو اتباع الأهواء والشهوات. {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ} دينه الموصل إليه، أو سبيل بيته بحصر الحجاج والعمار، والفاء للدلالة على أن اشتراءهم أداهم إلى الصد. {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} عملهم هذا أو ما دل عليه قوله. {لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} فهو تفسير لا تكرير. وقيل الأول عام في الناقضين وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود، أو الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم. {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ} في الشرارة. {فَإِن تَابُواْ} عن الكفر. {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخوَانُكُمْ فِى ٱلدّينِ} فهم إخوانكم في الدين لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. {وَنُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} اعتراض للحث على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين أو خصال التائبين. {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ} وإن نكثوا ما بايعوا عليه من الإِيمان أو الوفاء بالعهود. {وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ } بصريح التكذيب وتقبيح الأحكام. {فقَاتَلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} أي فقاتلوهم، فوضع أئمة الكفر موضع الضمير للدلالة على أنهم صاروا بذلك ذوي الرئاسة والتقدم في الكفر أحقاء بالقتل. وقيل المراد بالأئمة رؤساء المشركين فالتخصيص إما لأن قتلهم أهم وهم أحق به أو للمنع من مراقبتهم. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي و "رُوحُ" عن يعقوب أئمة بتحقيق الهمزتين على الأصل والتصريح بالياء لحن. {إِنَّهُمْ لا أَيْمَـٰنَ لَهُمْ} أي لا أيمان لهم على الحقيقة وإلا لما طعنوا ولم ينكثوا، وفيه دليل على أن الذمي إذا طعن في الإِسلام فقد نكث عهده، واستشهد به الحنفية على أن يمين الكافر ليست يميناً وهو ضعيف لأن المراد نفي الوثوق عليها لا أنها ليست بأيمان لقوله تعالى؛ {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُم} وقرأ ابن عامر لا أيمان لهم بمعنى لا أمان أو لا إسلام، وتشبث به من لم يقبل توبة المرتد وهو ضعيف لجواز أن يكون بمعنى لا يؤمنون على الإِخبار عن قوم معينين أو ليس لهم إيمان فيراقبوا لأجله. {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} متعلق بـ "فَقَـٰتِلُواْ" أي ليكن غرضكم في المقاتلة أن ينتهوا عما هم عليه لا إيصال الأذية بهم كما هو طريقة المؤذين. {أَلاَ تُقَـٰتِلُونَ قَوْماً} تحريض على القتال لأن الهمزة دخلت على النفي للإنكار فأفادت المبالغة في الفعل. {نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُم} التي حلفوها مع الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين على أن لا يعاونوا عليهم فعاونوا بني بكر على خزاعة. {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} حين تشاوروا في أمره بدار الندوة على ما مر ذكره في قوله: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }تفسير : [الأنفال: 30] وقيل هم اليهود نكثوا عهد الرسول وهموا بإخراجه من المدينة. {وَهُم بَدَءوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} بالمعاداة والمقاتلة لأنه عليه الصلاة والسلام بدأهم بالدعوة وإلزام الحجة بالكتاب والتحدي به، فعدلوا عن معارضته إلى المعاداة والمقاتلة فما يمنعكم أن تعارضوهم وتصادموهم. {أَتَخْشَوْنَهُمْ} أتتركون قتالهم خشية أن ينالكم مكروه منهم. {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} فقاتلوا أعداءكم ولا تتركوا أمره. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فإن قضية الإِيمان أن لا يخشى إلا منه. {قَـٰتِلُوهُمْ} أمر بالقتال بعد بيان موجبه والتوبيخ على تركه والتوعيد عليه. {يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} وعد لهم إن قاتلوهم بالنصر عليهم والتمكن من قتلهم وإذلالهم. {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} يعني بني خزاعة. وقيل بطوناً من اليمن وسبأ قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أبشروا فإن الفرج قريب»تفسير : {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} لما لقوا منهم وقد أوفى الله بما وعدهم والآية من المعجزات. {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاء} ابتداء إخبار بأن بعضهم يتوب عن كفره وقد كان ذلك أيضاً، وقرىء {وَيَتُوبَ} بالنصب على إضمار أن على أنه من جملة ما أجيب به الأمر فإن القتال كما تسبب لتعذيب قوم تسبب لتوبة قوم آخرين. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بما كان وما سيكون. {حَكِيمٌ} لا يفعل ولا يحكم إلا على وفق الحكمة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى ذماً للمشركين وحثاً للمؤمنين على قتالهم: {ٱشْتَرَوْاْ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً} يعني: أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ} أي: منعوا المؤمنين من اتباع الحق {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} تقدم تفسيره وكذا الآية التي بعدها {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ} إلى آخرها تقدمت. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن أبي بكر، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته لا يشرك به، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، فارقها والله عنه راضٍ» تفسير : وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء وتصديق ذلك في كتاب الله: {فَإِن تَابُواْ} يقول: فإن خلعوا الأوثان وعبادتها {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} وقال في آية أخرى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءٰاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} ثم قال البزار: آخر الحديث عندي، والله أعلم: «حديث : فارقها وهو عنه راضٍ» تفسير : وباقيه عندي من كلام الربيع بن أنس.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱشْتَرَوْاْ بِئَايَٰتِ ٱللَّهِ } القرآن {ثَمَناً قَلِيلاً } من الدنيا أي تركوا اتباعها للشهوات والهوى {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ } دينه {إِنَّهُمْ سَآءَ } بئس {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }ـه عملهم هذا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {اشْتَرَواْ بَئَايَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} في آيات الله تعالى ها هنا وجهان: أحدهما: حججه ودلائله. والثاني: آيات الله التوراة التي فيها صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثمن القليل: ما جعلوه من ذلك بدلاً. وفي صفته بالقليل وجهان: أحدهما: لأنه حرام، والحرام قليل. والثاني: لأنها من عروض الدنيا التي بقاؤها قليل. وفيمن أريد بهذه الآية قولان: أحدهما: أنهم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه، وهذا قول مجاهد ومن زعم أن الآيات حجج الله تعالى. والثاني: أنهم قوم من اليهود دخلوا في العهد ثم رجعوا عنه وهذا قول من زعم أنها آيات التوراة. {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: عن دين الله تعالى في المنع منه. والثاني: عن طاعة الله في الوفاء بالعهد. والثالث: عن قصد بيت الله حين أحصر بالحديبيّة.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِآيَاتِ اللَّهِ} دلائله وحججه، أو التوراة التي فيها صفة الرسول صلى الله عليه وسلم {قَلِيلاً}، لأنه حرام، أو لأنه من عرض الدنيا وبقاؤها قليل نزلت في الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه، أو في قوم اليهود عاهدوا ثم نقضوا.
النسفي
تفسير : {ٱشْتَرَوُاْ } استبدلوا {بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } بالقرآن {ثَمَناً قَلِيلاً } عرضاً يسيراً وهو إتباع الأهواء والشهوات {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ } فعدلوا عنه وصرفوا غيرهم {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي بئس الصنيع صنيعهم {لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } ولا تكرار، لأن الأول على الخصوص حيث قال {فيكُمْ } والثاني على العموم لأنه قال {فِى مُؤْمِنٍ } {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ } المجاوزون الغاية في الظلم والشرارة {فَإِن تَابُواْ } عن الكفر {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوٰنُكُمْ } فهم إخوانكم على حذف المبتدأ {فِى ٱلدّينِ } لا في النسب {وَنُفَصّلُ ٱلأيَـٰتِ } ونبينها {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يفهمون فيتفكرون فيها وهذا اعتراض، كأنه قيل: وإن من تأمل تفصيلها فهو العالم تحريضاً على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين وعلى المحافظة عليها {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ } أي نقضوا العهود المؤكد بالأيمان {وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ } وعابوه {فَقَـٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ } فقاتلوهم، فوضع أئمة الكفر موضع ضميرهم وهم رؤساء الشرك، أو زعماء قريش الذين هموا بإخراج الرسول وقالوا: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة. {أَئِمَّةَ } بهمزتين: كوفي وشامي، الباقون: بهمزة واحدة غير ممدودة بعدها ياء مكسرورة، أصلها «أأممة» لأنها جمع إمام كعماد وأعمدة، فنقلت حركة الميم الأولى إلى الهمزة الساكنة وأدغمت في الميم الأخرى. فمن حقق الهمزتين أخرجهما على الأصل، ومن قلب الثانية ياء فلكسرتها {إنهم لا أيمان لهم} وإنما أثبت لهم الإيمان في قوله {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُم } لأنه أراد أيمانهم التي أظهروها ثم قال {لا إيْمَـٰنَ لَهُمْ } على الحقيقة وهو دليل لنا على أن يمين الكافر لا تكون يميناً، ومعناه عند الشافعي رحمه الله أنهم لا يوفون بها لأن يمينهم يمين عنده حيث وصفها بالنكث. {لا أَيْمَـٰنَ } شامي أي لا إسلام {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ } متعلق بـ {فَقَـٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ } وما بينها اعتراض أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم انتهاءهم عما هم عليه بعدما وجد منهم من العظائم، وهذا من غاية كرمه على المسيء. ثم حرض على القتال فقال: {أَلاَ تُقَـٰتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ } التي حلفوها في المعاهدة {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ } من مكة {وَهُم بَدَءوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } بالقتال والبادىء أظلم فما يمنعكم من أن تقاتلوهم، وبخهم بترك مقاتلتهم وحضهم عليها، ثم وصفهم بما يوجب الحض عليها من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب {أَتَخْشَوْنَهُمْ } توبيخ على الخشية منهم {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ } بأن تخشوه فقاتلوا أعداءه {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فاخشوه أي إن قضية الإيمان الكامل أن لا يخشى المؤمن إلا ربه ولا يبالي بمن سواه. ولما وبخهم الله على ترك القتال جرد لهم الأمر به بقوله: {قَـٰتِلُوهُمْ } ووعدهم النصر ليثبت قلوبهم ويصحح نياتهم بقوله {يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ } قتلاً {وَيُخْزِهِمْ } أسراً {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ } يغلّبكم عليهم {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } طائفة منهم وهم خزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } لما لقوا منهم من المكروه وقد حصل الله هذه المواعيد كلها فكان دليلاً على صحة نبوته {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاء } ابتداء كلام وإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وكان ذلك أيضاً، فقد أسلم ناس منهم كأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، وهي ترد على المعتزلة قولهم «إن الله تعالى شاء أن يتوب على جميع الكفرة لكنهم لا يتوبون باختيارهم». {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } يعلم ما سيكون كما يعلم ما قد كان {حَكِيمٌ } في قبول التوبة {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ } «أم» منقطعة والهمزة فيها للتوبيخ على وجود الحسبان أي لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين المخلص منكم وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لوجه الله {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً } أي بطانة من الذين يضادون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ولما معناها التوقع، وقد دلت على أن تبين ذلك متوقع كائن، وأن الذين لم يخلصوا دينهم لله يميز بينهم وبين المخلصين. {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ } معطوف على {جَـٰهَدُواْ } داخل في حيز الصلة كأنه قيل: ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كقولك «ما علم الله مني ما قيل فيّ». تريد ما وجد ذلك مني، والمعنى أحسبتم أن تتركوا بلا مجاهدة ولا براءة من المشركين {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من خير أو شر فيجازيكم عليه. {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ } ما صح لهم وما استقام {أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله } {مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ } مكي وبصري يعني المسجد الحرام، وإنما جمع في القراءة بالجمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد، ولأن كل بقعة منه مسجد، أو أريد جنس المساجد وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس، وهو آكد إذ طريقه طريق الكناية كما تقول: «فلان لا يقرأ كتب الله» فإنه أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك {شَـهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } باعترافهم بعبادة الأصنام وهو حال من الواو في {يَعْمُرُواْ } والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متضادين عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله وبعبادته {أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ } دائمون {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ } عمارتها رمُّ ما استرم منها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا، لأنها بنيت للعبادة والذكر ومن الذكر درس العلم {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ } ولم يذكر الإيمان بالرسول عليه السلام لما علم أن الإيمان بالله قرينته الإيمان بالرسول لاقترانهما في الأذان والإقامة وكلمة الشهادة وغيرها، أو دل عليه بقوله {وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَى ٱلزَّكَوٰةَ } وفي قوله {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ } تنبيه على الإخلاص، والمراد الخشية في أبواب الدين بأن لا يختار على رضا الله رضا غيره لتوقع مخوف، إذ المؤمن قد يخشى المحاذير ولا يتمالك أن لا يخشاها. وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها: فأريد نفي تلك الخشية عنهم {فَعَسَىٰ أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ } تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم لأن {عَسَى } كلمة إطماع، والمعنى إنما تستقيم عمارة هؤلاء وتكون معتداً بها عند الله دون من سواهم.
الخازن
تفسير : وقوله تعالى: {اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً} يعني استبدلوا بآيات القرآن والإيمان بها عرضا قليلاً من متاع الدنيا وذلك أنهم نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب أكلة أطعمهم إياها أبو سفيان بن حرب فذمهم الله بذلك. قال مجاهد: أطعم أبو سفيان حلفاءه وترك حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم {فصدوا عن سبيله} يعني منعوا الناس عن الدخول في دين الله قال ابن عباس: وذلك أن أهل الطائف أمدوهم بالأموال ليقووهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنهم ساء ما كانوا يعلمون} يعني من الشرك ونقضهم العهد ومنعهم الناس عن الدخول في دين الإسلام {لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة} يعني أن هؤلاء المشركين لا يراعون في مؤمن عهداً ولا ذمة إذا قدروا عليه قتلوه فلا تبقوا أنتم عليهم كما لم يبقوا عليكم إذا ظهروا عليكم {وأولئك هم المعتدون} يعني في نقض العهد. قوله عز وجل: {فإن تابوا} يعني فإن رجعوا عن الشرك إلى الإيمان وعن نقض العهد إلى الوفاء به {وأقاموا الصلاة} يعني المفروضة عليهم بجميع حدودها وأركانها {وآتوا الزكاة} يعني وبذلوا الزكاة المفروضة عليهم طيبة بها أنفسهم {فإخوانكم في الدين} يعني إذا فعلوا ذلك فهم إخوانكم في الدين لهم مالكم وعليهم ما عليكم {ونفصل الآيات لقوم يعلمون} يعني ونبين حجج أدلتنا ونوضح بيان آياتنا لمن يعلم ذلك ويفهمه. قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة وقال ابن مسعود: أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزكِّ فلا صلاة له. وقال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعاً لم يفرق بينهما وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة. وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه يعني بذلك ما ذكره أبو بكر في حق منع الزكاة وهو قوله. والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما يعني الصلاة والزكاة (ق) يعني أبي هريرة قال لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل"تفسير : فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها. وفي رواية، عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. عن أنس قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً} قال: أبو سفيان بن حرب، اطعم حلفاءه وترك حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم.
ابو السعود
تفسير : {ٱشْتَرَوْاْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ} بآياته الآمرةِ بالإيفاء بالعهود والاستقامةِ في كل أمرٍ أو بجميع آياتهِ فيدخُل فيها ما ذكر دخولاً أولياً أي تركوها وأخذوا بدلها {ثَمَناً قَلِيلاً} أي شيئاً حقيراً من حُطام الدنيا وهو أهواؤُهم وشهواتُهم التي اتبعوها، أو ما أنفقه أبو سفيانَ من الطعام وصَرَفه إلى الأعراب {فَصَدُّواْ} أي عدَلوا ونكبوا، من صدّ صدوداً أو صرَفوا غيرَهم من صدّ صداً والفاء للِدلالة على سببـية الاشتراءِ لذلك {عَن سَبِيلِهِ} أي الدينِ الحق الذي لا محيدَ عنه، والإضافةُ للتشريف أو سبـيل بـيته الحرام حيث كانوا يصُدّون الحجّاجَ والعُمّارَ عنه {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بئس ما كانوا يعملونه أو عملُهم المستمرّ، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ وقد جُوِّز أن تكون كلمةُ ساء على أصلها من التصرف لازمةً بمعنى قبُح، أو متعديةً والمفعولُ محذوفٌ أي ساءهم الذي يعملونه أو عملُهم.
القشيري
تفسير : مَنْ رَضِيَ مِنَ الله بغير الله أرخص في صفقته ثم إنه خسر في تجارته؛ فَلاَ لَهُ - وهو عن الله - أثر استمتاع، ولا له - في دونه سبحانه - اقتناع؛ بَقِيَ عن الله، ولم يستمتع عن الله. وهذا هو الخسران المبين.
اسماعيل حقي
تفسير : {اشتروا بآيات الله} يعنى المشركين الناقضين تركوا الآيات الآمرة بالايفا بالعهود والاستقامة فى كل امر واخذوا بدلها {ثمنا قليلا} اى شيئا حقيرا من حطام الدنيا وهو اهواؤهم وشهواتهم التى اتبعوها {فصدوا} اى عدلوا واعرضوا من صد صدودا فيكون لازما او منعوا وصرفوا غيرهم من صده عن الامر صدا فيكون متعديا {عن سبيله} اى دينه الموصل اليه او سبيل بيته الحرام حيث كانوا يصدون الحجاج والعمار عنه ويحصرونهم {انهم ساء ما كانوا} اى بئس العمل عملهم المستمر فما المصدرية مع ما فى حيزها فى محل الرفع على انها فاعل ساء والمخصوص بالذم محذوف. وقيل ان ابا سفيان بن حرب جمع الاعراب واطعمهم ليصدهم بذلك عن متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليحملهم على نقض العهد الذى كان بينهم وبين رسول الله فنقضوه بسبب تلك الاكلة ففاعل اشتروا الاعراب والثمن القليل هو ما اطمعهم ابو سفيان. يقول الفقير هذا جار الى الآن فان بعض اهل الهوى والظلم يضيف بعض اهل الطمع والمداهنة ممن يعد من اعيان القوم ليشهدوا له عند السلطان او القاضى بالحق والعدل فيشترون بآيات الله ثمنا قليلا هو الضيافة لهم
الطوسي
تفسير : قيل في من نزلت هذه الآية بسببه قولان: قال مجاهد: نزلت في ابي سفيان لما جمعهم على طعامه فاطعم حلفاءه وترك حلفاء النبي صلى الله عليه وآله. وقال ابو علي الجبائي: نزلت في قوم من اليهود دخلوا في العهد فيما دلت عليه هذه الصفة. ومعنى {اشتروا بآيات الله} استبدلوا بحجج الله وبيناته العظيمة الشأن {ثمناً قليلاً} اي عرضاً قليلا. واصل الاشتراء استبدال ما كان من المتاع بالثمن، ونقيضه البيع، وهو العقد على تسليم المتاع بالثمن. والثمن ما كان من العين والورق - في الأصل - ثم قيل لما اخذوه بدل آيات الله ثمن، لأنه بمنزلته في أنه يستبدل به. وقوله {فصدوا عن سبيله} اي صدوا عن الاسلام، ومعنى هذه الفاء كمعنى جواب الجزاء، لان اشتراءهم هذا اداهم إلى الصد عن سبيل الله. والصد هو المنع. ثم اخبر تعالى عنهم انهم بئس ما كانوا يعملونه من هذا الاستبدال.
الجنابذي
تفسير : {ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} استيناف فى موضع التّعليل لفسقهم والآيات اعمّ من الآيات التّكوينيّة النّفسانيّة والآفاقيّة والتّدوينيّة {ثَمَناً قَلِيلاً} من الاعراض الدّنيويّة والاغراض الفاسدة والتّمتّعات الفانية {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ} اعرضوا او منعوا عن سبيله التّكوينىّ وهو سبيل العقل فى العالم الصّغير او عن سبيله التّكليفىّ وهو النّبوّة او الولاية {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من اشتراء الآيات والصّدّ عن السّبيل فانّ وباله لا يرجى غفرانه.
الهواري
تفسير : { اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي: عرضاً من الدنيا يسيراً. { فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ} أي: فصدّوا الناس عن دينه { إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: بئس ما كانوا يعملون. وقال مجاهد: هو أبو سفيان أطعم حلفاءه وترك حلفاء محمد عليه السلام. قوله: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}. وقد فسّرنا ذلك واختلافهم فيه. {وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ} وهو من باب الإِعتداء. اعتدوا على الله وعلى رسوله وأهل دينه. { فَإِن تَابُوا} أي: من الشرك { وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة تفسير : ذكر أبو هريرة وغيره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تفسير : . وقد فسرنا "إلا بحقها" في غير هذا الموضع. وقد زعم الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة تفسير : . وفي ذلك دليل على أن الإِيمان قول وعمل، كقوله تعالى: (أية : وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ) تفسير : [البينة:5]. ومن قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فهو يقول: هو أول ما يدعون إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم يدعون بعد ذلك إلى الصلاة وإلى الزكاة، فإن أبوا لم يقبل منهم.
اطفيش
تفسير : {اشْتَروا بآياتِ الله ثمناً قَليلاً} استبدلوا بالقرآن عرضا يسيرا، وهو اتباع الأهواء والشهوات، شبه تركهم القرآن مع تمكنهم من اتباعه ببيعه. {فَصدُّوا} أى أعرضوا، فهو لازم، أو منعوا الناس فهو متعد، والفاء للسببية تفيد أن الاشتراء سبب للصد {عَنْ سَبِيلهِ} دينه وهو شامل للطواف بالبيت والحج، قيل: أو سبيله سبيل بيته، فحذف المضاف، وذلك أنهم منعوا الناس عن المسجد الحرام والحج، والصحيح الأول لأنه الظاهر بلا حذف، ولأنه عام فيشمل كل إعراض أو منع عن دين الله، مثل إمداد أهل الطائف قريشا بالأموال ليقووا على حرب رسول الله صلى الله وسلم وغير ذلك، وقد ذكر عن ابن عباس: أن هذا فى إمداد أهل الطائف. {إنَّهم سَاءَ} بئس، ولو قدر له مفعول، أى ساء المؤمنين لم يكن من باب بئس، لكنه ضعيف {ما كانُوا يعْمَلون} هذا العمل من الشراء والصد والنقض، وعدم رقبهم الإل والذمة، أو غير ذلك، وقد قيل: إن المخصوص بالذم هو عدم رقبهم الإل والذمة، وأن قوله: {لا يرْقُبونَ فى مُؤمنٍ إلاًّ ولا ذِمَّةً} تفسير له لا تكرير، والواضح أن المخصوص بالذم عام كما رأيت، وهذا تكرير لعدم مراقبتهم الإل والذمة تهييجا على قتالهم، وإشعارا بأن عداوتهم بحسب الإيمان، إذ قال: {فى مؤمن} وقد يقال بهذا إنه لا تكرير، إذ ليس فى لفظ الأول ما يدل على أنها بحسب الإيمان إلا ما يعلم من المقام، وقال الحسن: يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم، وأكثرهم فاسقون، ذلك فى المنافقين و{اشتروا بآيات الله} إلى قوله: {ذمة} فى الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعام، وندبهم على وجه من وجوه النقض، فأجابوا، وقالوا هذا مجاهد، وقيل: فى اليهود. قال عياض: هذا وإن كانت ألفاظ الآية تقتضيه فما قبلها وما بعدها يردانه، والصحيح حمل ذلك كله على العموم، ولا وجه لرد بعض الضمائر إلى شىء، وبعضها إلى آخر، فإنه ضعيف ولا سيما أنه لم يتقدم ذكر هؤلاء المنافقين على الخصوص، ثم ذكر الأعراب أو اليهود، بل تقدم ما هو عام وهو لفظ المشركين، فإن أراد أصحاب هذه الأقوال أن الضمائر راجعة إلى المشركين عموما، وأن خصلة كذا صادقة فى المنافقين، وخصلة كذا فى الأعراب، أو خصلة كذا فى اليهود صح، كما تقول: جاء الناس وأكلوا وشربوا وناموا، مع أن الأكل صدر من بعضهم مثلا، والشرب من بعض، والنوم من بعض، ولا يقال: إن المشركين لا يشتمل المنافقين، لأن النفاق قد يكون بإسرار الشرك {وأولئِكَ هُم المعْتَدونَ} المجاورون الحد بالعداوة والنقض.
اطفيش
تفسير : {اشْتَروْا بِآيَاتِ اللهِ} التى فى وجوب الاستقامة والوفاء بالعهد كما يقتضى المقام أَو جميع الآيات، فيدخل ذلك بالأَولى {ثَمَنًا قَلِيلاً} أَو ضمن اشتروا معنى استبدلوا على طريق الاستعارة التبعية لجامع التعاوض، أَو شبه الآيات بما يبتاع، ورمز إِليه بالشراء فهى مكنية واشتروا تخييل أَو عبر بالمقيد وهو الشراء عن المطلق وهو الاستبدال على طريق المجاز المرسل، وعلى كل حال المعنى: تركوا آيات الله ليحصلوا ما يشتهون ومن ذلك أَن أَبا سفيان أَطعمهم طعاماً، ولم يطعم حلفاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونكثوا العهد به للإِطعام {فَصَدُّوا} أَعرضوا أَو منعوا غيرهم {عَنْ سَبِيلِهِ} دينه والحج والعمرة، أَو السبيل حقيقة، وهو الطريق إِلى البيت ومواضع الحج والعمرة والفاء لترتيب الصد على الاشتراء {إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ساءَ عملهم أَو ما يعملونه، والمخصوص محذوف، أَى عملهم هذا أَو ما ينكثونه، هذا أَو انتفاء رقوب الإِل والذمة المذكور فى قوله: {لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} فهذا تفسير للمخصوص بالذم، لا تكرير بخلاف ما إِذا جعلنا المخصوص عملهم، أَو ما عملوه فإِنه تكرير، ولا يخرج عن التكرير بذكر مؤمن هنا دون ما تقدم لأَن قوله فيكم خطاب للمؤمنين، فقد ذكر المؤمنون فى كل، ومؤمن عام لأَنه فى سياق النفى، ولا يقال: المراد هنا تقبيحهم بعدم مراعاة حقوق المؤمنين على الإِطلاق، فلا تكرير لأَنا نقول هذا مخل بانتظام هذا بما قبله، وقيل: الأَول عام فى المنافقين، وهذا خاص باليهود الذين أَعانوا على نقض العهد، والأَعراب الذين أَطعمهم أَبو سفيان يوم أَحد أَو أَطعمهم لنقض العهد، فالآيات القرآن والتوراة، وهو ضعيف لتخصيص الضمائر بلا دلائل، والضمائر قبل هذا للمشركين الناقضين، فينبغى أَن الكلام فيهم أَو ذكرا معاً لأَن الأَول جواب لأَن والثانى تقبيح حالهم {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} فى الشر بنقضهم العهد وتعدى حدود الله.
الالوسي
تفسير : {اشْتَرَوْاْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ} أي المتضمنة للأمر بايفاء العهود والاستقامة في كل أمر أو جميع آياته فيدخل فيها ما ذكر دخولاً أولياً، والمراد بالاشتراء الاستبدال، وفي الكلام استعارة تبعية تصريحية ويتبعها مكنية حيث شبهت الآيات بالشيء المبتاع، وقد يكون هناك مجاز مرسل باستعمال المقيد وهو الاشتراء في المطلق وهو الاستبدال على حد ما قالوا في المرسن أي استبدلوا بذلك {ثَمَناً قَلِيلاً} أي شيئاً حقيراً من حطام الدنيا وهو أهواؤهم وشهواتهم التي اتبعوها / والجملة كما ـ قال العلامة الطيبي ـ مستأنفة كالتعليل لقوله تعالى: {أية : وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ } تفسير : [التوبة: 8] فيه أن من فسق وتمرد كان سببه مجرد اتباع الشهوات والركون إلى اللذات، وفسر بعضهم الثمن القليل بما أنفقه أبو سفيان من الطعام وصرفه إلى الأعراب {فَصَدُّواْ} أي عدلوا وأعرضوا على أنه لازم من صد صدوداً أو صرفوا ومنعوا غيرهم على أنه متعد من صده عن الأمر صدا، والفاء للدلالة على أن اشتراءهم أداهم إلى الصدود أو الصد {عَن سَبِيلِهِ} أي الدين الحق الموصل إليه تعالى، والإضافة للتشريف، أو سبيل بيته الحرام حيث كانوا يصدون الحجاج والعمار عنه، فالسبيل إما مجاز وإما حقيقة، وحينئذ إما أن يقدر في الكلام مضاف أو تجعل النسبة الإضافية متجوزاً فيها {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بئس ما كانوا يعملونه أو عملهم المستمر، والمخصوص بالذم محذوف. وقد جوز أن يكون كلمة ساء على بابها من التصرف لازمة بمعنى قبح أو معتدية والمفعول محذوف أي ساءهم الذي يعملونه أو عملهم، وإذا كان جارية مجرى بئس تحول إلى فعل بالضم ويمتنع تصرفها كما قرر في محله.
ابن عاشور
تفسير : موقع هذه الجملة موقع الاستئناف الابتدائي المشعر استئنافه بعجيب حالهم فيصد استقلاله بالإخبار. وهذه الآية وصفَ القرآن فيها المشركين بمثل ما وصف به أهل الكتاب في سورة البقرة: من الاشتراء بآيات الله ثمناً قليلاً، ثم لم يوصفوا بمثل هذا في آيةٍ أخرى نزلت بعدها لأنّ نزولها كان في آخر عهد المشركين بالشرك إذ لم تطل مدة حتّى دخلوا في دين الله أفواجاً، سنةَ الوفود وما بعدها، وفيها دلالة على هؤلاء الذين بقُوا على الشرك من العرب، بعد فتح مكة وظهور الإسلام على معظم بلاد العرب، ليس لهم افتراء في صحة الإسلام ونهوض حجّته، ولكنه بقُوا على الشرك لمنافع يجتنونها من عوائِد قومهم: من غارات يشنّها بعضهم على بعض، ومحبّة الأحوالِ الجاهلية من خمر وميسر وزنى، وغير ذلك من المَذمات واللذّات الفائدة، وذلك شيء قليل «آثروه على الهدى والنجاة في الآخرة. فلكون آيات صدق القرآن أصبحت ثابتة عندهم جعلت مِثل مال بأيديهم، بذلوه وفرّطوا فيه لأجل اقتناء منافع قليلة، فلذلك مُثّل حالهم بحال من اشترى شيئاً بشيء، وقد مضى الكلام على مثل هذه الآية في سورة البقرة (16). والمراد بــــ «الآيات» الدلائل، وهي دلائل الدعوة إلى الإسلام، وأعظمها القرآن لما اشتمل عليه من البراهين والحجاج والإعجاز والباء في قوله: {بآيات الله} باء التعويض. وشأنها أن تدخل على ما هو عوض يبذله مالكه لأخذ معوّض يملكه غيره، فجعلت آيات الله كالشيء المملوك لهم لأنها تقررت دلالتها عندهم ثم أعرضوا عنها واستبدلوها باتّباع هواهم. والتعبير عن العوض المشترى باسم ثمن الذي شأنه أن يكون مبذولاً لا مقتنى جارٍ على طريق الاستعارة تشبيهاً لمنافع أهوائهم بالثمن المبذول فحصُل من فعل {اشتروا} ومن لفظ {ثمناً} استعارتان باعتبارين. وجملة: {فصدوا عن سبيله} مفرّعة على جملة {اشتروا بآيات الله} لأنّ إيثارهم البقاء على كفرهم يتسبّب عليه أن يصدّوا الناس عن اتّباع الإسلام، فمثّل حالهم بحال من يصدّ الناس عن السير في طريق تبلّغ إلى المقصود. ومفعول {صدّوا} محذوف لقصد العموم، أي: صدّوا كل قاصد. وجملة: {إنهم ساء ما كانوا يعملون} ابتدائية أيضاً، فصلت عن التي قبلها ليظهر استقلالها بالإخبار، وأنّها لا ينبغي أن تعطف في الكلام، إذ العطف يجعل الجملة المعطوفة بمنزلة التكملة للمعطوفة عليها. وافتتحت بحرف التأكيد للاهتمام بهذا الذم لهم. و{ساء} من أفعال الذم، من باب بئس، و{ما كانوا يعملون} مخصوص بالذم. وعبّر عن عملهم بـــ {كَانوا يعملون} للإشارة إلى أنّه دأب لهم ومتكرّر منهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: اشتروا بآيات الله: أي باعوا آيات الله وأخذوا بدلها الكفر. فصدوا عن سبيله: أي أعرضوا عن سبيل الله التي هي الإِسلام كما صدوا غيرهم أيضاً. ساء: أي قبح. لا يرقبون: أي لا يراعون. إلاَّ: الإِل: الله، والقرابة والعهد وكلها صالحة هنا. فإن تابوا: أي من الشرك والمحاربة. نكثوا: أي نقضوا وغدروا. وطعنوا في دينكم: أي انتقدوا الإِسلام في عقائده أو عباداته ومعاملاته. أئمة الكفر: أي رؤساء الكفر المتبعين والمقلدين في الشرك والشر والفساد. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن المشركين، وبيان ما يلزم اتخاذه حيالهم فأخبر تعالى عنهم بقوله في الآية [9] {ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي باعوا الإِيمان بالكفر فصدوا أنفسهم كما صدوا غيرهم من أتباعهم عن الإِسلام الذي هو منهج حياتهم وطريق سعادتهم وكمالهم. فلذا قال تعالى مُقبحاً سلوكهم {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} كما أخبر تعالى عنهم بأنهم لا يراعون في أي مؤمن يتمكنون منه الله عز وجل ولا قرابة بينه وبينهم، ولا معاهدة تربطهم مع قومه، فقال تعالى {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ} ووصفه تعالى إياهم بالاعتداء دال على أنهم لا يحترمون عهوداً ولا يتقون الله تعالى في شيء، وذلك لظلمة نفوسهم من جراء الكفر والعصيان، فلذا على المسلمين قتلهم حيث وجدوهم وأخذهم أسرى وحصارهم وسد الطرق عنهم حتى يلقوا السلاح ويسلموا لله، أو يستسلموا للمؤمنين اللهم إلا أن يتوبوا بالإِيمان والدخول في الإِسلام كما قال تعالى {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} وقوله تعالى {وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي نبين الآيات القرآنية المشتملة على الحجج والبراهين على توحيد الله تعالى وتقرير نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الأحكام الشرعية في الحرب والسلم كما في هذا السياق وقوله {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} لأن الذين لا يعلمون من أهل الجهالات لا ينتفعون بها لظلمة نفوسهم وفساد عقولهم بضلال الشرك والأهواء وقوله تعالى في الآية الرابعة [12] {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ} يريد تعالى أولئك المعاهدين من المشركين إذ هم نكثوا أيمانهم التي أكدوا بها عهودهم فحلوا ما أبرموا ونقضوا ما أحكموا من عهد وميثاق وعابوا الإِسلام وطعنوا فيه فهم إذاً أئمة الكفر ورؤساء الكافرين فقاتلوهم بلا هوادة، ولا تراعوا لهم أيماناً حلفوها لكم فإنهم لا أيمان لهم. قاتلوهم رجاء أن ينتهوا من الكفر والخيانة والغدر فيوحدوا ويسلموا ويصبحوا مثلكم أولياء الله لا أعداءه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- ذم سلوك الكافرين وتصرفاتهم في الحياة وحسبهم أن باعوا الحق بالباطل، واشتروا الضلالة بالهدى. 2- من كان الاعتداء وصفاً له لا يُؤمن على شيء، ولا يوثق فيه في شيء، لفساد ملكته النفسية. 3- أخوة الإِسلام تثبت بثلاثة أمور التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. 4- الطعن في الدين ردة وكفر موجب للقتل والقتال.
القطان
تفسير : يعود الله تعالى في هذه الآيات لاستنكار مبدأ التعاهد بأسبابه التاريخية والواقعية بعد ان استنكر باسبابه العقيدية والايمانية، ويجمع بين هذه وتلك في هذه الآيات. فيقول عنهم انهم استبدلو بآيات اللهِ عَرَضاً قليلا من حُطام الدنيا، وصدّوا بسبب هذا الشِراء الخسيس أنُفسَهم عن الإسلام ومنعوا الناسَ عن الدخول فيه {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ألا لقد قَبُح، عملهم هذا، من اشتراء الكفر بالايمان، والضلالة بالهدى، ونكران ما جاء رسول الله به من البينات. ثم إنهم لا يُضمرون هذا الحقدَ لأشخاصكم فقط، بل يضمرونه لكل مؤمن، ويتّبعون هذا المنكر مع كل مسلم، ولا يراعون فيكم عهداً. {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ}. من اجل هذا الكفر لايحترمون لمؤمن قرابةً ولا عهدا. ذلك ان سمة العدوان أصيلة فيهم، فمن شانهم عدم التقيد بالعهود، بحكم عنادهم وكفرهم وكراهيتهم للايمان. ولا علاج لهؤلاء أبداً الا إجبارهم على الرجوع عن الكفر، والاعتصام بالإيمان. ثم بين الله كيف يقابل المؤمنون هذه الحال الواقعة من المشركين: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَنُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} اذا رجع هؤلاء المشركون الذين أُمرتم بقتالهم عن شِركهم، والتزموا أحكام الاسلام باقامة الصلاة وايتاء الزكاء - فهم إخوانكم في الدين، لهم ما لكم، والله يفصّل هذه الأحكام ويبيّنها لمَن يدركُها ويدركُ حِكمتها من الذين يعلمون، وهم المؤمنون. {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}. وان نكثَ هؤلاء ما أبرمتْه أيمانُهم بالوفاء بالعهد الذي عقدوه معكم، وعابوا دينكم وصدّوا الناس عنه، فقاتِلوهم، انهم أئمة الكفر، لأنهم لا عهدَ لهم ولا ذمة، قاتِلوهم رجاءَ ان ينتهوا عن الكفر ونقضِ الأيمان والعهود. ومع ان هذه النصوص كانت في المشركين، زمن الرسول الكريم، فيه مستمرة مع أئمة الكفر في كل زمان ومكان. خذ اليهود اليوم، إنهم هم المعتدون، تساندهم قوى الغرب المستبدّة الآثمة، وكلهم اعداء الانسانية والاسلام، فعلينا ان نصحو من سابتنا، ونستعدّ، واكبر سلاح لنا هو الايمان بالله وبقضيتنا العادلة واتحادنا. ثم اعاد الله الكرَّة بإقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين للعهد المعتدين: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ؟}. فاتِلوا هؤلاء المشركين لأسباب ثلاثة. اولا: أنهم نكثوا الأيمان التي حلفوها لتأكيدِ عهدهم الذي عقدوه يوم صُلْح الحديبية. ثانيا: أنهم همُّوا بإخراج الرسول الكريم من مكة، وأرادوا قتْلَه بأيدي عُصْبة من بطون قريش ليتفرق دمه في القبائل فتتعذر المطالبة به. ثالثا: أنهم بدأوا بقتال المؤمنين في بدرٍ حين قالوا بعد العلم بنجاة قافلتهم: لا ننصرف حتى نستأصلَ محمداً وأصحابه، وكذلك قاتَلوكم في أحُد والخندقِ وغيرهما. {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ}. بعد هذا كله، أتتركون قتالهم خوفاً وجبناً منكم! ان الله أحقّ ان تخشوا مخالفة امره وأن تخافوه ان كنتم صادقين في إيمانكم. ثم يحرض الله المؤمنين على القتال بقوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}. قاتِلوهم ايها المؤمنون ولا تخافوا، ان الله سوف يعذّبهم على أيديكم، ويذلّهم بالأسر لكم، وسوف ينصركم عليهم حتى لا تقوم لهم قائمة بعد هذه، ويَشْفي صدرو أناس منكم نالوا من أذاهم قدرا كبيرا لم تكونا تستطيعون دفعه.. انه سوف يشفي تلك النفوس من غيظها المكظوم، بانتصار الحق كاملا، وهزيمة الباطل. {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ}. بانتصاركم عليهم سيملأ الله قلوب المؤمنين فرحا، ويذهب عنهم الغيظ الذي كان قد وَقَر فيها من غدر المشركين وظلُمهم. {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. ويقبل الله توبة من يشاء منهم، وهو العليم بشؤون عباده، الحكيم فيما يشرّع لهم من الاحكام.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِ} (9) - اعْتاضُوا عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِ اللهِ بِمَا التَهَوا بِهِ مِنْ أمُورِ الدُّنْيا الخَسِيسَةِ، فَمَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ عَنِ الإِيمَانِ بِاللهِ، وَعَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ، وَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ فَبِئْسَ العَمَلُ عَمَلُهُمْ، وَسَاءَ مَا عَمِلُوا مِنِ اشْتِرَاءِ الكُفْرِ بِالإِيمَانِ، وَالضَّلاَلَةِ بِالهُدَى. صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ - مَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا يرينا الله عز وجل انقلاب المعايير عندهم، فما الشراء؟. الشراء هو: الحصول على سلعة مقابل ثمن، فإذا قلت: اشتريت ساعة مثلاً، تكون أنت المشتري ما دمت تدفع الثمن، والذي أخذ الثمن هو البائع، وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: {ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [التوبة: 9]. وكان المفروض - إذن - أن يكونوا قد دفعوا الثمن، لأن المشتري هو الذي يدفع الثمن، ولكن هنا عُكست القضية؛ فجعل الحق سبحانه وتعالى الثمن هو ما يشترونه، مع أن الثمن هو الذي يدفع، فتكون القضية مخالفة لواقع البيع والشراء، والذي يجب أن نلاحظه أيضاً هو أن الثمن يساوي السلعة. فأنت تأخذ السلعة وتعطي للبائع ثمناً يساويها، لأن ثمن كل شيء يجب أن يكون مناسباً له، فإذا اشتريت شيئا بسيطاً دفعت له ثمناً بسيطاً، وإذا اشتريت شيئا ثميناً دفعت فيه ثمناً غالياً. هذا كله ملحوظ حتى في الأعمال، وقد تكون ممن يرغبون في مشاكسة الغير، وقد تجد من يشاكس غيره؛ يطلب من أحد أتباعه أن يسب فلاناً ويعطيه عشرة جنيهات، فإذا أراد أن يجعل التابع يضرب خصمه، يقول له: اضرب وأعطيك خمسين، وإن أراد أن يقتل التابع خصمه فهو يعطيه الألوف من الجنيهات، وغالبا ما يقول هؤلاء الذين بلا إيمان: كل ذمة قابلة للانصهار بالذهب، لكن المختلف قيمة هو الكمية التي تصهر أي ذمة، فهناك من تنصهر ذمته بريال، وآخر تنصهر ذمته بعشرين أو ثلاثين، وهناك من تنصهر ذمته بملايين. ويلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى أن هؤلاء الكفار قد حوّلوا الإيمان إلى سلعة تباع وتشترى، فهم قد باعوا إيمانهم، وبدلا من أن يتقاضوا عنه ما يساوي الإيمان والإيمان أغلى من كنوز الدنيا؛ باعوا إيمانهم بثمن قليل، أي أنهم حتى لم يقدروا قيمة الإيمان فباعوه رخيصاً. كيف باعوا الإيمان بثمن رخيص؟. نقول مثلاً: إن الذي يرتشي يفعل ذلك ويريد أن يعوجّ ميزان الحق، والذي يغير ميزان الحق يشكك الناس في العدالة، وإذا شك الناس في العدالة؛ فقدوا سندهم الأمني؛ لأن كل مظلوم أمله أن يرفع الأمر للقضاء فينصفه، أو أن يرفع أمره للمسئول فيعطيه حقه، فإذا أحس الناس بأن الحق قد ضاع نتيجة أنه أصبح هناك ثمن للإيمان. وإن دفع اختلت الموازين، في هذه الحالة يفسد المجتمع كله، فكأنهم باعوا فساد المجتمع كله بثمن قليل جدا. كما أن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى الحساب يوم القيامة؛ وكيف أن المؤمنين سيخلدون في الجنة وينعمون بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وسيدخل هؤلاء الكافرون النار وبذلك يكونون قد باعوا إيمانهم مقابل ثمن رخيص مهما كان المال الذي سيحصلون عليه؛ لأن مال الدنيا كلها لا يساوي يوماً في الجنة؛ لأن الدنيا موقوتة بزمن، ومتاعها محدود وقليل، فكأنهم باعوا الخلود في النعيم بمتعة وقتية قد لا تستمر إلا أياماً أو سنوات. وحينئذ يعرف الكافرون أن الثمن الذي تقاضوه قليل جدا بالنسبة لما خسروه. وليتهم جعلوا الإيمان ثمناً يدفعونه للحصول على متاع قليل في الدنيا، ولكنهم زادوا على ذلك أنهم صدوا عن سبيل الله. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ} [التوبة: 9]. والصد يحدث حين تكون هناك دعوة معروضة بأدلتها فتمنع الناس من أن يستمعوا إليها، لأنك تعرف أنهم لو سمعوها لاعتنقوها واقتنعوا بها، ولذلك نجد الكفار مثلاً حين نزل القرآن والعرب أمة بلاغة وأمة بيان؛ عرفوا أنه لو سمع الناس القرآن لأحسوا بإعجازه وبلاغته وحلاوته ولآمنوا به، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى على ألسنتهم في القرآن: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون} تفسير : [فصلت: 26]. لأن الكفار يعرفون أن الناس لو استمعوا للقرآن لآمنوا به، ولذلك فهم ينهونهم عن السماع، وإن قرأ أحد القرآن يأمرون بعضهم البعض باللغو فيه حتى لا يفهم شيئا، وهذه شهادة من الكفار بأن الآذان لو استقبلت القرآن لآمنت، واللغو هو نوع من الصد عن سبيل الله، وكان هناك نوع آخر من الصد عن سبيل الله أنهم كانوا يمنعون الناس من الاستماع إلى دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم يعرفون أن حلاوة الدعوة ستجعل من يستمع إلى دعوة الرسول يؤمن بها. ولذلك فهم يصدون الناس عن كلام الله تعالى وعن الاستماع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يقولون لأهل الحجيج: لا تصدقوا الرجل الذي يقول إنه نبي، وهذه شهادة منهم أن الآذان لو استقبلت القرآن لسحبت أفئدتهم إلى الإيمان، وهذه شهادة ضدهم وليست لهم؛ لأنهم واثقون أن سماع الحجيج لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستبعدهم عن الكفر؛ لذلك كانوا يخافون من أن يتأثر الناس بهذا الدين الذي هو دين الحق فيؤمنوا به وهذا ما جعلهم يصدونهم عنه. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [التوبة: 9]. وساء أي قبح، وليس هو قبح الآن فقط، ولكنه قبح حاليا وعظمت العقوبة عليه مستقبلاً. وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [التوبة: 9]. يرينا دقة القرآن الكريم في أن السيىء منهم ليس عملاً واحداً ولكنه أعمال متعددة؛ قول وفعل، أي هم يصدون الناس بالكلام ويمنعونهم باستخدام القوة في بعض الأحيان. وباستخدام الحق لكلمة "يعملون"؛ يلفتنا إلى أن أعمالهم ليست قولاً وليست فعلاً فقط، فهناك القول وهناك الفعل وكلاهما عمل؛ القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح. فلو قال الحق: ساء ما كانوا يفعلون، لقلنا فعلوا ولم يقولوا. ولو قال: ساء ما كانوا يقولون، لقلنا: قالوا ولم يفعلوا. وسبحانه أوضح لنا أن القول والفعل كلاهما عمل، وقال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2]. ليبين لنا أن هناك فرقاً بين القول والفعل؛ القول أداته اللسان، والفعل أداته بقية الجوارح، والمعنى في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ساء قولهم وفعلهم. ويتابع المولى سبحانه وتعالى فيقول: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [التوبة: 13] أي: بدلالات توصلهم إلى الله تعالى، {ثَمَناً قَلِيلاً} [التوبة: 9] من متاع الدنيا ومصالحها ومنافعها. {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ} [التوبة: 9] أي: قطعوا طرقه على الأرواح والقلوب، {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [التوبة: 9] حين انقطعوا عن الحق وقطعوا طريقه على طلبه {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} [التوبة: 10] يعني: لا يرعون حقاً من حقوق القلب والروح عند الاستيلاء، فلا ترقبوا فيهم أيضاً حقاً من حقوقهم إذا ظفرتم أيتها القلوب والأرواح بالنفوس، {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ} [التوبة: 10] المجاوزون عن الحق وطلبه، {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} [التوبة: 11] أي: فإن رجعوا عن الاعتداء إلى إقامة العبودية وطلب الحق، {وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ} [التوبة: 11] أي: وتزكَّت عن طبعها وأوصاف جبلتها، {فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} [التوبة: 11] رفقاؤكم في طلب الحق، فارقبوا حقوق إخوانهم كما ترقبون حقوقكم كما لنفسك عليك حق، {وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ} [التوبة: 11] ونبين دلالات طريق الحق والوصول إليه، {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 11] أن السير إلى الله من أهم المهمات وأعظم الكمالات. {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم} [التوبة: 12] أي: إن نقضوا النفوس عهودهم، {مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ} [التوبة: 12] من بعد ما عهدوه على العبودية والمطاوعة، {وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ} [التوبة: 12] أي: أنكروا على مذهب السلوك والقلب، {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} [التوبة: 12] أي: فجاهدوا حق جهادها؛ أي: كما أن القلوب والأرواح أئمة الدين والإيمان، فالنفوس أئمة الكفر ومعدنه، {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} [التوبة: 12] أي: لأنه جاء لهم بالعهد على طلب الحق تعالى وبذل ما سواه، {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} [التوبة: 12] لكي ينتهوا عن طبيعتهم وعمَّا جبلوا عليه من الأمارية بالسوء. ثم أخبر عن قتال الناكثين بقوله تعالى: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} [التوبة: 13] إلى قوله: {أية : وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}تفسير : [التوبة: 15] إلى اتباعه في جهاد النفس التي نقضت عهدها وشدة رياضتها لئلا تتعود نكث العهد وتعود إلى شؤم طبعها وعادتها الأمارية بالسوء بعد اطمئنانها إلى ذكر الله، وطلبه انفتاح روزنة القلب إلى عالم الغيب، {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} [التوبة: 13] يعني: الواردات الغيبية بانسداد وزنة القلب بنتائج الصفات الإنسانية، {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [التوبة: 13] المنازعة والمخالفة والمقاتلة مع القلب والروح في بدء الأمر كان من سمة النفوس وطبعها. {أَتَخْشَوْنَهُمْ} [التوبة: 13] يعني: أتخشون فوت حفوظ النفس في اجتهادها؟ {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} [التوبة: 13] أي: خفية فوات حقوق الله والوصول إليه أولى، {إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ} [التوبة: 13] بالوصول إليه فأقيموهم يعني: النفوس.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):