Verse. 1245 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

لَا يَرْقُبُوْنَ فِيْ مُؤْمِنٍ اِلًّا وَّلَا ذِمَّۃً۝۰ۭ وَاُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الْمُعْتَدُوْنَ۝۱۰
La yarquboona fee muminin illan wala thimmatan waolaika humu almuAAtadoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا يرقُبون في مؤمن إلاّ ولا ذمَّة وأولئك هم المعتدون».

10

Tafseer

القرطبي

تفسير : قال النحاس: ليس هذا تكريراً، ولكن الأوّل لجميع المشركين والثاني لليهود خاصّة. والدليل على هذا {ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} يعني اليهود؛ باعُوا حجج الله عز وجل وبيانه بطلب الرياسة وطمَعٍ في شيء. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ} أي المجاوزون الحلال إلى الحرام بنقض العهد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ} قرابة { وَلاَ ذِمَّةً} عهداً { وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ }.

البقاعي

تفسير : ولما أخبر تعالى بعراقتهم في الفسق، دل عليه بأن خيانتهم ليست خاصة بالمخاطبين، بل عامة لكل من اتصف بصفتهم من الإيمان،فمدار خيانتهم على الوصف، فقال: {لا يرقبون في مؤمن إِلاًّ} أي قرابة وأصلاً جيداً ثابتاً {ولا ذمة} أي عهداً أكيداً {وأولئك} أي البعداء من كل خير {هم} أي خاصة لتناهي عدوانهم {المعتدون*} أي عادتهم المبالغة في حمل أنفسهم على أن يعدوا الحدود لعدم ما يردهم عن ذلك من وازع إلهي ورادع شرعي كما فعل عامر بن الطفيل بأهل بئر معونة مع أنهم في جوار عمه وكان من خبرهم أن عمه أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أخشى عليهم أهل نجد، قال أبو براء: أنا لهم جار. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم: المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في سبعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين، فما نزلوا بئر معونه بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل فلم ينظر في كتابه وعدا عليه فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا وقالوا: لن نخفر أبا براء، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم: عصية ورعلاً وذكوان فقتلوهم فلم يفلت منهم إلا ثلاثة نفر عمرو بن أمية الضمري أحدهم، فعظم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ودعا على قتلتهم شهراً؛ قال البغوي: وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أهل الطائف أمدوهم - يعني قريشاً - بالأموال ليقووهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الذي أحكمه تعالى من نبذ العهد نظر للدين، لأنه نظر لجميع أهله الذين لا يوجد إلا بهم. ولما بين ما أوجب بعدهم منهم ومعاداتهم لهم، بين ما يصيرون به أهلاً فقال {فإن تابوا} أي بالإيمان بسبب ما أبديتم لهم من الغلظة {وأقاموا} أي أيدوا ذلك بأن أقاموا {الصلاة} أي بجميع حدودها {وآتوا الزكاة} أي كما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم {فإخوانكم} أي هم، وبين أنها ليست أخوة النسب فقال: {في الدين} لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، فلا تعرضوا لهم بما يكرهونه. ولما كان كأنه قيل بعثاً وتحريضاً على تأمل ما فصل: قد فصلنا لكم أمرهم في هذه الآيات تفصيلاً، عطف عليه قوله: {ونفصل} أي في كل أمر يحتاجون جميع {الآيات} وعظم هذه الآيات وحثم على تدبرها بقوله: {لقوم يعلمون*} أي صار العلم لهم صفة فلهم ملكة يتصرفون بها في أصوله وفروعه، لا يغترون بمجرد كلام من شأنه الرداءة والمخالفة بين القول والعمل، والاعتراض بهذا بين هذه الجمل المتلاحمة إشارة إلى عظم الأمر الذي نبه عليه وتحريض على إنعام النظر فيه ليعلم أن مدخوله جليل الأمر عظيم القدر لئلا يظن أنه تكرار. ولما بين السبب الموجب لمجازاتهم بجنس عملهم، وهو البراءة منهم وما يتبع ذلك إلى أن ختم بتقدير توبتهم، رجع إلى قسيم قوله {فما استقاموا لكم} فقال: {وإن نكثوا أيمانهم} أي التي حلفوها لكم؛ ولما كان النقض ضاراً وإن قصر زمنه، أتى بالجار فقال: {من بعد عهدهم} أي الذي عقدوه {وطعنوا} أي أوقعوا الطعن {في دينكم} أي بقول أو فعل. ولما كان هذا الفعل لا يستقل به في الأغلب إلا الرؤساء، أشار إلى ذلك بقوله: {فقاتلوا} ووضع موضع ضميرهم تحريضاً على قتالهم وإشارة إلى أنهم ما نكثوا وأقدموا على هجنة الكذب ولم يستهجنوا الخروج عن عادات الكرام إلا وقد رسخوا في الكفر فقال: {أئمة الكفر} ثم أشار - بقوله معللاً لجواز المقاتله: {إنهم لا أيمان لهم} إلى أن ذلك ولو فعله الأتباع ولم يكفهم الرؤساء فهو عن تمال منهم فابدؤوا بالرؤوس فاقطعوها تنقطع الأذناب، وقراءة ابن عامر بالكسر معناها: لا أمان لهم لأنهم قد نقضوا العهد الموجب له بما وقع منهم، ومن طعن من أهل الذمة في الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله، فإن العهد مأخوذ عليه أن لا يطعن، ثم علل المقاتله بقوله: {لعلهم ينتهون*} أي اجعلوا قصدكم لقتالهم أن يكون حالهم حال من ينتهي عن غيه بما يرى منكم من صادق الجد بماضي الحد، روى البخاري في التفسير عن حذيفة رضي الله عنه قال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة ولا من المنافقين إلا أربعة احدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده. ولما نفى أيمانهم بنفي إيمانهم، شرع يقيم الدليل على ذلك بأمور ارتكبوها، كل منها بسبب باعث على الإقدام عليهم، ويحث على قتالهم في صورة تعجيب ممن يتواني فيه فقال: {ألا} وهو حرف عرض، ومعناه هنا الحض لدخول همزة الإنكار على النافي فنفته فصار مدخولها مثبتاً على سبيل الحث عليه فهو ابلغ مما لو أثبت بغير هذا الأسلوب {تقاتلون قوماً} أي وإن كانوا ذوي منعة عظيمة {نكثوا أيمانهم} أي في قصة عاصم وأصحابه والمنذر وأصحابه والإعانة على خزاعة وغير ذلك، فكان النكث لهم عادة وخلقاً، وهذا يدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم ليكون ذلك زاجراً عن النقض، وكانت قصة خزاعة أنه كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة قتل في الجاهلية، وكانت خزاعة قد دخلت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية لما كان لهم فيه من المحبة من مسلمهم وكافرهم لما بينهم من الحلف - كما تقدم آخر الأنفال، ودخلت بنو بكر في عهد قريش فمرت على ذلك مدة، ثم إن أنس بن زنيم الديلي هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه غلام من خزاعة فوقع به فشجه فخرج إلى قومه فأراهم شجته فثار الشر مع ما كان بينهم، وما تطلب بنو بكر من خزاعة من دمائها، فكلمت بنو نفاثة من بني بكر أشراف قريش فوجدوا القوم إلى ذلك سراعاً فأعانوهم بالسلاح والكراع والرجال، فخرج نوفل بن معاوية الديلي وهو يومئذ قائدهم؛ قال ابن إسحاق: وليس كل بني بكر بايعه - وقال الواقدي: واعتزلت بنو مدلج فلم ينقضوا العهد - حتى بيت خزاعة وهم على الوتير ماء لهم، فأصابوا منهم رجلاً وتجاوزوا واقتتلوا وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفياً متنكرين منتقبين: صفوان بن أمية ومكرز بن حفص بن الأخيف وحويطب بن عبد العزى وعكرمة بن أبي جهل وأجلبوا معهم أرقاءهم، وكانت خزاعة آمنة لمكان العهد والموادعة. ولما ذكرهم بمطلق نكثهم في حقهم عامة، وذكرهم بما خصوا به سيدهم بل سيد الخلق كلهم فقال: {وهموا بإخراج الرسول} أي من مكة في عمرة القضاء، بل أمروه بالخروج عند انقضاء الثلاثة الأيام وألحو في ذلك وهو وإن كان قاضاهم على ذلك، لكن قد نقل ابن إسحاق وغيره في قصة النداء بسورة براءة أنه كان في القضية والعهد الذي كان بينه وبينهم أن لا يمنع من البيت أحد جاءه زائراً، ولعلهم هموا بإخراجه قبل الثلاثة الأيام لما داخلهم من الحسد عند ما عاينوا من نشاط أصحابه وكثرتهم وحسن حالهم، وذلك غير بعيد من أفعالهم، وإظهارهم التبرؤ به صلى الله عليه وسلم حتى اجترؤوا - وهو أعلى الخلق مقداراً، وأظهرهم هيئة وأنواراً وأطهرهم رسوماً وآثاراً - على الإلحاح عليه في الخروج من بلد آبائه وأجداده الذين هم أحقهم بها ومسقط رأسه وموضع مرباه، ولكن لم أراه مصرحاً به، وهوعندي على ما فيه أولى مما ذكروه من الهم بإخراجه عند الهجرة على ما لا يخفى، أو يكون المراد ما همّ به ابن أبي المنافق ومن تابعه من أصحابه من إخراج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة حيث قال في غزوة المريسيع: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الذل بعد إعطائهم العهود على الإيواء والنصرة والإسلام، وذلك لتذكير المؤمنين بمسارعتهم إلى النقض بعد أن أثبت أنهم في الالتحام في كيد الإسلام كالجسد الواحد، فكأنه يقول: إذا ترك هؤلاء إيمانهم فاولئك أحرى أن ينقضوا أيمانهم، وهو بعث للمؤمنين على التبرؤ من الكافرين منافقين كانوا أو مجاهرين مقاربين أو مباعدين. ولما ذكرهم بالخيانة عامة وخاصة، أتبعها ما حققها بالقتال فقال: {وهم بدءوكم} أي بتطابق من ضمائرهم وظواهرهم {أول مرة} أي بالقتال والصد في الحديبية بعد إخباركم إياهم بأنكم لم تجيئوا للقتال وأنكم ما جئتم إلا زواراً للبيت الحرام الذي الناس فيه سواء وأنتم أحق به منهم، وذلك أول بالنسبة إلى هذا الثاني مثل قوله {إنكم رضيتم بالقعود أول مرة} وقال بعض المفسرين: المراد بأول مرة قتالهم خزاعة، وهو واضح لأنه بعد عقد الصلح، وقيل: في بدر بعد ما سلمت عيرهم وقالوا: لا نرجع حتى نستأصل محمداً وأصحابه، وقيل:المراد به مطلق القتال لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم بالكتاب المنير ودعاهم بغاية اللين، وتحداهم به عند التكذيب، فعدلوا عن ذلك إلى القتال فهم البادئون البادىء أظلم. ولما أمرهم بالقتال وكان مكرهاً إلى النفوس على كل حال. شرع يبين الأسباب الحاملة على التواني عن قتالهم، وحصرها في في الخشية والعاطفة، وقسم العاطفة إلى ما سببه القرب في محاسن الأفعال وإلى ما سببه القرب في النسب والصهر، ونقض الكل وبين أنه لا شيء منها يصلح للسببية، فقال بادئاً بالخشية لأنها السبب الأعظم في ترك المصادمة منكراً عليهم موبخاً لهم ليكون أبلغ في الحث على قتالهم منبهاً على أن التواني عنهم مصحح للوصف بالجبن ورقة الدين: {أتخشونهم} أي أتخافون أن يظفرون بكم في القتال بأن يكونوا على باطلهم أشد منكم على حقكم {فالله} أي الذي له مجامع العظمة {أحق} أي منهم {أن تخشوة} أي بأن يكون مخشياً لكم لما تعلمون من قدرته في أخذه لمن خالفه ولو بعد طول الأناة {إن كنتم مؤمنين*} أي فإن من صدق بانه الواحد الذي تفرد بصفات العظمة لم ينظر إلى غير هيبته. ولما بكت في التواني عنهم، وعدهم بما يزيل خشيتهم منهم، بل يوجب إقدامهم عليهم ورغبتهم فيهم، فقال مصرحاً فيهم، فقال مصرحاً بما تضمنه الاستفهام الإنكاري في {ألا تقاتلون} من الأمر: {قاتلوهم} أي لله لا لغرض غيره {يعذبهم الله} أي الذي أنتم مؤمنون بأنه المتفرد بصفات الجلال والجمال {بأيديكم} أي بأن تقتلوهم وتأسروهم وتهزموهم {ويخزهم} أي بالذل في الدنيا والفضيحة والعذاب في الأخرى. ولما كان ذلك قولاً لا يقتضي النصر الذي هو علو العاقبة قال: {وينصركم عليهم} أي فترضوا ربكم بذلك لإذلالة من يعاديه بكم؛ ولما كان نكالهم بما ذكر يثمر لبعض المؤمنين سروراً لهم فيه حظ، بين تعالى أنه لا يؤثر في العمل بعد ثباته على أساس الإخلاص فقال: {ويشف} أي بذلك {صدور قوم مؤمنين*} أي راسخين في الإيمان، أسلفوا إليهم مساوىء أوجبت ضغائن وإحناً كخزاعة وغيرهم ممن أعانوا عليه أو أساؤوا إليه.

ابو السعود

تفسير : وقوله عز وعلا: {لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} ناعٍ عليهم عدمَ مراعاةِ حقوقِ عهدِ المؤمنين على الإطلاق فلا تكرارَ، وقيل: هذا في اليهود أو في الأعراب المذكورين ومَنْ يحذو حذوهم، وأما ما قيل من أنه تفسير لقوله تعالى: {يَعْمَلُونَ} أو دليلٌ على ما هو مخصوصٌ بالذم فمُشعِرٌ باختصاص الذمِّ والسوء بعملهم هذا دون غيره {وَأُوْلـئِكَ} الموصوفون بما عُدّد من الصفات السيئةِ {هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ} المجاوزون الغايةَ القُصوى من الظلم والشرارة {فَإِن تَابُواْ} أي عما هم عليه من الكفر وسائرِ العظائمِ، والفاءُ للإيذان بأن تقريعَهم بما نُعيَ عليهم من مساوىء أعمالِهم مزجرةٌ عنه ومِظنةٌ للتوبة {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وآتَوْا الزَّكَاةَ} أي التزموهما وعزموا على إقامتهما {فَإِخوَانُكُمْ} أي فهم إخوانُكم وقوله تعالى: {فِى ٱلدّينِ} متعلقٌ بإخوانُكم لما فيه من معنى الفعلِ أي لهم ما لكم وعليهم ما عليكم فعاملوهم معاملةَ الإخوان، وفيه من استمالتهم واستجلابِ قلوبِهم ما لا مزيدَ عليه، والاختلافُ بـين جوابِ هذه الشرطيةِ وجوابِ التي مرت من قبلُ مع اتحاد الشرطِ فيهما لما أن الأولى سيقت إثرَ الأمرِ بالقتل ونظائرِه فوجب أن يكون جوابُها أمراً بخلافِ ذلك وهذه سيقت بعد الحُكم عليهم بالاعتداء وأشباهِه فلا بد من كون جوابِها حُكماً بخلافه البتة {وَنُفَصّلُ ٱلأَيَـٰتِ} أي نبـيّنها، والمرادُ بها إما ما مر من الآيات المتعلقةِ بأحوال المشركين من الناكثين وغيرِهم وأحكامِهم حالتي الكفرِ والإيمان وإما جميعُ الآياتِ فيندرج فيها تلك الآياتُ اندراجاً أولياً {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي ما فيها من الأحكام أو لقوم عالمين وهو اعتراضٌ للحث على التأمل في الأحكام المندرجةِ في تضاعيفها والمحافظةِ عليها. {وَإِن نَّكَثُواْ} عطفٌ على قوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ} أي وإن لم يفعلوا ذلك بل نقضوا {أَيْمَـٰنَهُم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ} الموثقِ بها وأظهروا ما في ضمائرهم من الشر وأخرجوه من القوة إلى الفعل حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: {وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ} الآية، أو ثبتوا على ما هم عليه من النَّكْث لا أنهم ارتدوا بعد الإيمان كما قيل {وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ} قدَحوا فيه بصريح التكذيبِ وتقبـيحِ الأحكام {فَقَـٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} أي فقاتلوهم، وإنما أوثر ما عليه النظمُ الكريم للإيذان بأنهم صاروا بذلك ذوي رياسةٍ وتقدم في الكفر أحقّاءَ بالقتل والقتال، وقيل: المرادُ بأئمتهم رؤساؤُهم وصناديدُهم، وتخصيصُهم بالذكر إما لأهمية قتلِهم أو للمنع من مراقبتهم لكونهم مظِنةً لها أو للدِلالة على استئصالهم، فإن قتلَهم غالباً يكون بعد قتلِ مَنْ دونهم، وقرىء (أئمة) بتحقيق الهمزتين على الأصل والأفصحُ إخراج الثانية بـينَ بـينَ وأما التصريحُ بالياء فلحنٌ ظاهرٌ عند الفراء {إِنَّهُمْ لا أَيْمَـٰنَ لَهُمْ} أي على الحقيقة حيث لا يراعونها ولا يعدّون نقضَها محذوراً وإن أجْرَوها على ألسنتهم، وإنما علّق النفيُ بها كالنَكْث فيما سلف لا بالعهد المؤكدِ بها لأنها العُمدةُ في المواثيق، وجعلُ الجملة تعليلاً للأمر بالقتال لا يساعده تعليقُه بالنكث والطعنِ لأن حالَهم في أن لا أيمانَ لهم حقيقةً بعد النكثِ والطعن كحالهم قبل ذلك وحملُه على معنى عدمِ بقاءِ أيمانِهم بعد النَّكثِ والطعن مع أنه لا حاجةَ إلى بـيانه خلافُ الظاهرِ، ولعل الأولى جعلُها تعليلاً لمضمون الشرطِ كأنه قيل: وإن نكثوا وطعَنوا كما هو المتوقَّعُ منهم إذ لا أيمانَ لهم حقيقةً حتى لا ينكُثوها أو لاستمرار القتالِ المأمورِ به المستفادِ من سياق الكلامِ، كأنه قيل: فقاتلوهم إلى أن يؤمنوا إنهم لا أَيمانَ لهم حتى يُعقدَ معهم عهدٌ آخر، وقرىء بكسر الهمزة على أنه مصدر بمعنى إعطاءِ الأمانِ أي لا سبـيلَ إلى أن تُعطوهم أماناً بعد ذلك أبداً وأما العكسُ كما قيل فلا وجه له لإشعاره بأن معاهدتَهم معنا على طريقة أن يكون إعطاءُ الأمانِ من قِبَلهم وذلك بـيِّنُ البُطلان أو بمعنى الإسلام ففي كونه تعليلاً للأمر بالقتال إشكالٌ بل استحالةٌ لأنه إن حُمل على انتفاء الإسلامِ مطلقاً فهو بمعزل عن العِلّية للقتال أو للأمر به كما قبل النكثِ والطعن، وإن حُمل على انتفائه فيما سيأتي فلا يلائم جعلَ الانتهاءِ غايةً للقتال فيما سيجيء فالوجهُ أن يُجعل تعليلاً لما ذُكر من مضمون الشرطِ كأنه قيل: إن نكثوا وطعَنوا وهو الظاهرُ من حالهم لأنه لا إسلامَ لهم حتى يرتدعوا عن نقض جنسِ أَيمانهم وعن الطعن في دينكم {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} متعلقٌ بقوله تعالى: {فقاتلوا} أي قاتلوهم إرادةَ أن ينتهوا أي ليكن غرضُكم من القتال انتهاءَهم عما هم عليه من الكفر وسائرِ العظائمِ التي يرتكبونها لا إيصالَ الأذية بهم كما هو ديدنُ المؤذِين.

التستري

تفسير : وقوله تعالى: {إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}[10] قال: الإلّ هو القرابة، والذمة العهد.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} [الآية: 10]. قال محمد بن الفضل: حرمة المؤمن أفضل الحرمات وتعظيمه أجل الطاعات، قال الله تعالى: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}.

القشيري

تفسير : كيف يراعي حقَّ المؤمنين مَنْ لا يراعي حقَّ الله في الله؟ أخلاقُهم تَشَابهت في تَرْكِ الحُرْمة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} وصف الله سبحانه المخالفين بان ليس لهم رعاية اهل الجنة ولا يحترمون اهل المعرفة لقلة معرفتهم بحرمات اهل الحضرة وما من الله عليهم من الكرامات السنية قال محمد بن الفضل حرمة المؤمن فضل الحرمات وتعظيمه اجل الطاعات قال الله تعالى {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا يرقبون} اى لا يراعون ولا يحفظون {فى مؤمن} او فى شأنه وحقه {إلا} اى حلفاً او حق قرابة {ولا ذمة} اى عهدا هذا ناعى عليهم عدم مراعاة حقوق عهد المؤمنين على الاطلاق فلا تكرار {واولئك} الموصوفون بما عد من الصفات السيئة {هم المعتدون} المجاوزون الغاية القصوى من الظلم والشرارة

الطوسي

تفسير : قد بينا ان المراقبة هي المراعاة لما تقدم من العهد الذي يلزم الديانة، لئلا يقع اخلال بشيء منه. والئل العهد. والذمة عقد الجوار، وهما متقاربان. وفصل بينهما بأن الذمة عقد قوم يذم نقضه. والئل الذي هو العهد عقد يدعو إلى الوفاء والبيان الذي فيه، لأنه يلوح المعنى الذي يدعوا إلى الوفاء إذا ضل كل واحد منهما يقتضي هذا. وانما اعيد ذكر {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} لانه في صفة الذين {اشتروا بآيات الله ثمناً} والأول في صفة جميع الناقضين للعهد. وقال في الثاني {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين}، فلذلك كرر بوصفين مختلفين. وقال الجبائي: لأنه في صفة اليهود خاصة، والأول في صفة الناقضين عامة، وإنما ذموا بترك المراقبة، لأن مع تركها الغالب ان يقع إخلال بما تقدم من العقد، فلزمت المراقبة لهذه العلة. وترك المراقبة في عهد المؤمن أعظم منها في ترك عهد غيره لكثرة الزواجر عن الغدر بالمؤمن، لأنه ليس من شأنه الغدر. اخبر الله تعالى عن هؤلاء المشركين انهم لا يراعون في المؤمن عقد العهد ولا ذمة الجواز، وانهم مع ذلك معتدون. والاعتداء الخروج من الحق واصله المجاوزة، ومنه التعدي وهو تجاوز الحد ومعاداة القوم مجاوزة الحد في البغضة وكذلك العداوة. والاستعداء طلب معاملة العدو في الايقاع به، والعدو مجاوزة حد السعي. والغرض بالآية حث المسلمين على قتالهم، وأن لا يبقوا عليهم كما انهم لو ظهروا على المسلمين لم يبقوا عليهم.

الجنابذي

تفسير : {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ} التّكرار باعتبار مطلوبيّة التّكرار فى مقام الّذمّ والسّخط {إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ} الكاملون فى الاعتداء.

الالوسي

تفسير : {لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} نعى عليهم عدم مراعاة حقوق عهد المؤمنين على الإطلاق بخلاف الأول لمكان {أية : فيكُمْ } تفسير : [التوبة: 8] فيه. و {في مُؤْمِنٍ} في هذا فلا تكرار كما في «المدارك»، وقيل: إنه تفسير لما {أية : يَعْمَلُونَ} تفسير : [التوبة: 9]، وهو مشعر باختصاص الذم والسوء لعملهم هذا دون غيره، وقيل: إن الأول عام في الناقضين وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود والأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم للاستعانة بهم على حرب النبـي صلى الله عليه وسلم، وعليه فالمراد بالآيات ما يشمل القرآن والتوراة، وفي هذا القول تفكيك للضمائر وارتكاب خلاف الظاهر. والجبائي يخص هذا باليهود وفيه ما فيه {أُوْلَـٰئِكَ} أي الموصوفون بما عدد من الصفات السيئة {هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ} المجاوزون الغاية القصوى من الظلم والشرارة.

ابن عاشور

تفسير : {لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}. يجوز أن تكون هذه الجملة بدلَ اشتمال من جملة: {أية : إنهم ساء ما كانوا يعملون}تفسير : [التوبة: 9] لأنّ انتفاء مراعاة الإلّ والذمّة مع المؤمنين ممّا يشتمل عليه سوء عملهم، ويجوز أن تكون استئنافاً ابتُدىء به للاهتمام بمضمون الجملة. وقد أفادت معنى أعمّ وأوسع ممّا أفاده قوله: {أية : وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة}تفسير : [التوبة: 8] لأنّ إطلاق الحكم عن التقييد بشرط {أية : إن يظهروا عليكم}تفسير : [التوبة: 8] يَفيد أنّ عدم مراعاتهم حقّ الحلف والعهد خُلُق متأصّل فيهم، سواء كانوا أقويّاء أم مستضعفين، وإنّ ذلك لسوء طويتهم للمؤمنين لأجل إيمانهم. والإلّ والذمّة تقدّما قريباً. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ}. عطف على جملة: {لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة} لمناسبة أنّ إثبات الاعتداء العظيم لهم، نشأ عن الحقد، الشيء الذي أضمروه للمؤمنين، لا لشيء إلاّ لأنّهم مؤمنون كقوله تعالى: {أية : وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد}تفسير : [البروج: 8]. والقَصر إمّا أن يكون للمبالغة في اعتدائهم، لأنّه اعتداء عظيم باطني على قوم حالفوهم وعاهدوهم، ولم يُلحقوا بهم ضرّ مع تمكّنهم منه، وإمّا أن يكون قصر قلب، أي: هم المعتدون لا أنتمْ لأنّهم بَدَأوكم بنقض العهد في قضية خزاعة وبني الدِّيل من بكر بن وائِل ممّا كان سبباً في غزوة الفتح.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَأُوْلَـٰئِكَ} (10) - وَيَجْعَلُهُمْ كُفْرُهُمْ لاَ يَرْعَوْنَ فِي مُؤْمِنٍ، يَقْدِرُونَ عَلَى الفَتْكِ بِهِ، قَرَابةً تَقْتَضِي الودَّ، وَلا ذِمَّةً تُوجِبُ الوَفَاءَ بِالعَهْدِ، وَلا رَبّاً يُحَرِّمُ الخِيانَةَ وَالغَدْرَ، وَهَؤُلاَءِ هُمُ المُتَجَاوِزُونَ الحُدُودَ فِي الظُّلْمِ. المُعْتَدُونَ - المُتَجَاوِزُونَ الحُدُودَ فِي الظُّلْمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومن لا يرقب إلاّ ولا ذمة في غيره إنما يظلمه، فإذا كان بيني وبينك قرابة، أو عهد، أو إيمان، فإن لم تراع ذلك تكون قد اعتديت على حقوقي عندك، وليتك قد اقتصرت في الاعتداء على حقوق الغير، لكنك - أيضا - اعتديت على نفسك، لأنك أعطيتها متاعاً قليلاً في الدنيا، وتصلى في الآخرة ناراً، إذن فقد ظلمت نفسك. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ}تفسير : [آل عمران: 135]. ويقول سبحانه وتعالى: {أية : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [النحل: 118]. وأليس الذي فعل فاحشة، يظلم نفسه؟ بلى، ظلمها في الآخرة بعد أن أعطاها شهوة في الدنيا، أي أنه أخذ متعة عاجلة بعذاب آجل. لكن الذي يظلم نفسه ظلما شديدا وبيِّناً هو الذي يرتكب إثما دون أن يأخذ متعة في الدنيا، فلا هو أخذ متعة دنيا ولا أخذ متعة آخرة، مثل الذي يتطوع لشهادة الزور، هو يأخذ عذاباً في الآخرة ولم يأخذ متعة في الدنيا. وقد يقول قائل: إن هذه الآية مكررة لأن الله تعالى قال من قبل: {أية : كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}تفسير : [التوبة: 8]. ونقول: إن الموضوع يختلف، ففي الآية الثامنة من سورة التوبة يبين الحق أنهم إن تمكنوا من المؤمنين فلن يراعوا قرابة ولا جواراً ولا حلفاً، وإن أظهروا عكس ذلك. أما في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها فهم يظلمون أنفسهم ويبيعون إيمانهم بثمن قليل، وهناك فرق بين ظلم الغير وظلم النفس. وهم في صدهم عن سبيل الله تعالى وعدوانهم على المؤمنين، لم يحصلوا على فائدة دنيوية، بل حاربوا الإيمان وحاربوا الدين فأخذوا الإثم ولم يستفيدوا شيئا، فكأنهم لا يرقبون إلاّ ولا ذمة حتى مع أنفسهم. ولذلك وصفهم الحق سبحانه وتعالى بأنهم هم المعتدون، لأنهم دون أن يُعتدى عليهم تطوعوا بالعدوان على دين الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين ثم قاموا بالعدوان على أنفسهم. ومن بعد ذلك تأتي رحمة الله لترينا كيف أن الله تعالى رحيم بعباده وخلقه، فالحق سبحانه وتعالى يخبرنا بأنهم مهما فعلوا فإنهم إن تابوا يقبل الله توبتهم، لذلك يقول الحق جل جلاله: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ...}.