Verse. 1246 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

فَاِنْ تَابُوْا وَاَقَامُوا الصَّلٰوۃَ وَاٰتَوُا الزَّكٰوۃَ فَاِخْوَانُكُمْ فِي الدِّيْنِ۝۰ۭ وَنُفَصِّلُ الْاٰيٰتِ لِقَوْمٍ يَّعْلَمُوْنَ۝۱۱
Fain taboo waaqamoo alssalata waatawoo alzzakata faikhwanukum fee alddeeni wanufassilu alayati liqawmin yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم» أي فهم إخوانكم «في الدين ونفصِّل» نبين «الآيات لقوم يعلمون» يتدبرون.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين حال من لا يرقب في الله إلا ولا ذمة، وينقض العهد وينطوي على النفاق ويتعدى ما حد له، بين من بعد أنهم إن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة كيف حكمهم، فجمع ذلك الشيء بقوله: {فَإِخوَانُكُمْ فِى ٱلدّينِ } وهو يفيد جملة أحكام الإيمان، ولو شرح لطال. فإن قيل: المعلق على الشيء بكلمة {إن} عدم عند عدم ذلك الشيء، فهذا يقتضي أنه متى لم توجد هذه الثلاثة لا يحصل الأخوة في الدين، وهو مشكل لأنه ربما كان فقيراً، أو إن كان غنياً، لكن قبل انقضاء الحول لا تلزمه الزكاة. قلنا: قد بينا في تفسير قوله تعالى: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } تفسير : [النساء: 31] أن المعلق على الشيء بكلمة {إن} لا يلزم من عدمه عدم ذلك الشيء، فزال هذا السؤال، ومن الناس من قال المعلق على الشيء بكلمة {إن} عدم عند عدم ذلك الشيء، فههنا قال المواخاة بالإسلام بين المسلمين موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعاً، فإن الله تعالى شرطها في إثبات المواخاة، ومن لم يكن أهلاً لوجوب الزكاة عليه، وجب عليه أن يقر بحكمها، فإذا أقر بهذا الحكم دخل في الشرط الذي به تجب الأخوة، وكان ابن مسعود يقول رحم الله أبا بكر ما أفقهه في الدين، أراد به ما ذكره أبو بكر في حق مانعي الزكاة، وهو قوله والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما بقي في قوله: {فَإِخوَانُكُمْ فِى ٱلدّينِ } بحثان: الأول: قوله: {فَإِخوَانُكُمْ } قال الفراء معناه، فهم إخوانكم بإضمار المبتدأ كقوله تعالى: {أية : فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم}تفسير : [الأحزاب: 5] أي فهم إخوانكم. الثاني: قال أبو حاتم قال أهل البصرة أجمعون الأخوة في النسب والأخوان في الصداقة، وهذا غلط يقال للأصدقاء، وغير الأصدقاء أخوة وأخوان. قال الله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } تفسير : [الحجرات: 10] ولم يعن النسب. وقال تعالى: {أية : أَوْ بُيُوتِ إِخْوٰنِكُمْ } تفسير : [النور: 61] وهذا في النسب. قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة. ثم قال: {وَنُفَصّلُ ٱلأَيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } قال صاحب «الكشاف»: وهذا اعتراض وقع بين الكلامين، والمقصود الحث والتحريض على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين، وعلى المحافظة عليها. ثم قال: {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ } يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد أحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه، ومنه قوله تعالى: {أية : مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا }تفسير : [النحل: 92] والأيمان جمع يمين بمعنى الحلف والقسم. وقيل: للحلف يمين، وهو اسم اليد لأنهم كانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا. وقيل: سمي القسم يميناً ليمين البر فيه. فقوله: {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُم} أي نقضوا عهودهم. وفيه قولان: الأول: هو قول الأكثرين إن المراد نكثهم لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني: أن المراد حمل العهد على الإسلام بعد الإيمان، فيكون المراد ردتهم بعد الإيمان، ولذلك قرأ بعضهم {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ } والأول أولى للقراءة المشهورة، ولأن الآية وردت في ناقضي العهد لأنه تعالى صنفهم صنفين، فإذا ميز منهم من تاب لم يبق إلا من أقام على نقض العهد. وقوله: {وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ } يقال طعنه بالرمح يطعنه، وطعن بالقول السيء يطعن. قال الليث: وبعضهم يقول: يطعن بالرمح، ويطعن بالقول: فيفرق بينهما، والمعنى أنهم عابوا دينكم، وقدحوا فيه. ثم قال: {فَقَـٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ } أي متى فعلوا ذلك فافعلوا هذا، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {أَيمَّةَ ٱلْكُفْرِ } بهمزة واحدة غير ممدودة وتليين الثانية والباقون بهمزتين على التحقيق. قال الزجاج: الأصل في الأئمة أأمة، لأنها جمع إمام، مثل مثال وأمثلة، لكن الميمين إذا اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية، وألقيت حركتها على الهمزة، فصارت أأمة، فأبدلت من المكسورة الياء لكراهة اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة. هذا هو الاختيار عند جميع النحويين. إذا عرفت هذا فنقول: قال صاحب «الكشاف»: لفظة «أئمة» همزة بعدها همزة بين بين، والمراد بين مخرج الهمزة والياء. أما بتحقيق الهمزتين فقراءة مشهورة. وإن لم تكن مقبولة عند البصريين. وأما التصريح بالياء فليس بقراءة، ولا يجوز أن يكون قراءة، ومن صرح بها فهو لاحن محرف. المسألة الثانية: قوله: {فَقَـٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ } معناه قاتلوا الكفار بأسرهم، إلا أنه تعالى خص الأئمة والسادة منهم الذكر، لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع على هذه الأعمال الباطلة. المسألة الثالثة: قال الزجاج: هذه الآية توجب قتل الذمي إذا أظهر الطعن في الإسلام، لأن عهده مشروط بأن لا يطعن، فإن طعن فقد نكث ونقض عهدهم. ثم قال تعالى: {إِنَّهُمْ لا أَيْمَـٰنَ لَهُمْ } قرأ ابن عامر {لا أَيْمَـٰنَ لَهُمْ } بكسر الألف ولها وجهان: أحدها: لا أمان لهم، أي لا تؤمنوهم. فيكون مصدراً من الإيمان الذي هو ضد الإخافة، والثاني: أنهم كفرة لا إيمان لهم، أي لا تصديق ولا دين لهم، والباقون بفتح الهمزة وهو جمع يمين، ومعناه لا أيمان لهم على الحقيقة. وأيمانهم ليست بأيمان، وبه تمسك أبو حنيفة رحمه الله في أن يمين الكافر لا يكون يميناً، وعند الشافعي رحمه الله يمينهم يمين، ومعنى هذه الآية عنده: أنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان. والدليل على أن أيمانهم أيمان، أنه تعالى وصفها بالنكث في قوله: {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُم } ولو لم يكن منعقداً لما صح وصفها بالنكث. ثم قال تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ } وهو متعلق بقوله: {فَقَـٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ } أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعدما وجد منهم ما وجد من العظائم أن تكون المقاتلة سبباً في انتهائهم عما هم عليه من الكفر، وهذا من غاية كرم الله وفضله على الإحسان.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {فَإِن تَابُواْ} أي عن الشرك والتزموا أحكام الإسلام. {فَإِخْوَانُكُمْ} أي فهم إخوانكم {فِي ٱلدِّينِ}. قال ٱبن عباس: حرّمت هذه دماءَ أهل القبلة. وقد تقدّم هذا المعنى. وقال ٱبن زيد: ٱفترض الله الصلاة والزكاة وأبَى أن يفرّق بينهما، وأبى أن يقبل الصَّلاة إلاَّ بالزكاة. وقال ٱبن مسعود: أُمِرتم بالصَّلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له. وفي حديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من فرّق بين ثلاث فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة من قال أطيع الله ولا أطيع الرسول والله تعالىٰ يقول: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} ومن قال أُقيم الصَّلاة ولا أُوتي الزكاة والله تعالىٰ يقول: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} ومن فرّق بين شكر الله وشكر والديه والله عزّ وجل يقول: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}».تفسير : قوله تعالىٰ: {وَنُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي نبيّنها. {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} خصّهم لأنهم هم المنتفعون بها. والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوِٰنُكُمْ } أي فهم إخوانكم {فِي ٱلدِّينِ وَنُفَصِّلُ } نبيِّن {ٱلاْيَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يتدبَّرون.

ابن عطية

تفسير : {تابوا} رجعوا عن حالهم، والتوبة منهم تتضمن الإيمان، ثم قرن تعالى بإيمانهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة، وقال ابن زيد: قرن الله الصلاة بالزكاة ولم يرض بإحداهما دون الأخرى. قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا مر أبو بكر رضي الله عنه وقت الردة، و"الأخوة في الدين" هي أخوة الإسلام وجمع الأخ منها إخوان وجمعه من النسب إخوة قاله بعض اللغويين، وقد قيل إن الأخ من النسب يجمع على إخوان أيضاً وذلك ظاهر من قوله تعالى {أية : ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم} تفسير : [النور:61] ويبين ذلك قوله تعالى في آخر الآية {أية : أو صديقكم } تفسير : [النور:61] وكذلك قوله في هذه السورة {أية : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم} تفسير : [ التوبة:24]، فأما الأخ من التوادّ ففي كتاب الله {أية : إنما المؤمنون أخوة } تفسير : [الحجرات:10]، وقال أبو هريرة في البخاري كان إخوتي من المهاجرين يشغلهم صفق بالأسواق فيصح من هذا كله أن الأخ يجمع إخوة وإخواناً سواء كان من نسب أو مودة، وتفصيل الآية بيانها وإيضاحها، وقوله تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم } الآية؛ النكث النقض وأصله في كل ما قبل ثم حل، فهي في الأيمان والعهود مستعارة، وقوله {وطعنوا في دينكم} أي بالإستنقاص والحرب وغير ذلك مما يفعله المشرك، وهذه استعارة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر أسامة: حديث : إن تطعنوا فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، الحديث . تفسير : قال القاضي أبو محمد: ويليق هنا ذكر شيء من طعن الذمي في الدين فالمشهور من مذهب مالك رحمه أنه: إذا فعل شيئاً من ذلك مثل تكذيب الشريعة وسب النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه قتل، وقيل إذا كفر وأعلن بما هو معهود من معتقده وكفره أدِّب على الإعلان وترك، وإذا كفر بما ليس من معهود كفره كالسب ونحوه قتل، وقال أبو حنيفة في هذا: إنه يستتاب،واختلف إذا سب الذمي النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم تقية القتل فالمشهور من المذهب أن يترك، وقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الإسلام يجب ما قبله " تفسير : وفي العتبية أنه يقتل ولا يكون أحسن حالأ من المسلم، وقوله تعالى {فقاتلوا أئمة الكفر } أي رؤوسهم وأعيانهم الذين يقودون الناس إليه، وقال قتادة: المراد بهذا أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وغيرهما. قال القاضي أبو محمد : وهذا إن لم يتأول أنه ذكرهم على جهة المثال ضعيف لأن الآية نزلت بعد بدر بكثير، وروي عن حذيفة أنه قال: لم يجىء هؤلاء بعد. قال القاضي أبو محمد : يريد أن ينقرضوا فهم يحيون أبداً ويقتلون، وأصوب ما في هذا أن يقال إنه لا يعنى بها معين، وإنما وقع الأمر بقتال أئمة الناكثين بالعهود من الكفرة إلى يوم القيامة دون تعيين، واقتضت حال الكفار العرب ومحاربي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون الإشارة إليهم أولاً بقوله {أئمة الكفر } وهم حصلوا حينئذ تحت اللفظة إذ الذي يتولى قتال النبي والدفع في صدر شريعته هو إمام كل من يكفر بذلك الشرع إلى يوم القيامة، ثم تأتي في كل جيل من الكفار أئمة خاصة بجيل جيل، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو"أيمة" بهمزة واحدة وبعدها ياء مكسورة، وقد روي عن نافع مد الهمزة، وروى عنه ابن أبي أويس "أأمة" بهمزتين وأصلها "أأمة" وزنها أفعلة جمع إمام كعماد وأعمدة، نقلت حركة الميم إلى الهمزة التي هي فاء الفعل وأدغمت الميم الأخرى وقلبت الهمزة ياء لانكسارها ولاجتماع همزتين من كلمة واحدة، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "أأمة" والتعليل واحد، إلا أنهم لم يقلبوا الهمزة ياء، وقرأ المسيبي عن نافع "آيمة" بهمزة ممدودة، وقرأ هشام عن أبي عامر بمدة بين الهمزتين، وقرأ الناس الجم الغفير لا "أيمان لهم " على جمع يمين، وليس المراد نفي الأيمان جملة، وإنما المعنى لا أيمان لهم يوفى بها ويبر، وهذا المعنى يشبه الآية، وقرأ الحسن وعطاء وابن عامر وحده من السبعة " لا إيمان لهم "، وهذا يحتمل وجهين أحدهما لا تصديق، قال أبو علي وهذا غير قوي لأنه تكرير وذلك أنه وصف أئمة الكفر بأنهم "لا إيمان لهم " فالوجه في كسر الألف أنه مصدر من آمنه إيماناً، ومنه قوله تعالى: {أية : آمنهم من خوف} تفسير : [قريش:4] فالمعنى أنهم لا يؤمنون كما يؤمن أهل الذمة الكتابيون، إذ المشركون لم يكن لهم إلا الإسلام أو السيف، قال أبو حاتم فسر الحسن قراءته لا إسلام لهم. قال القاضي أبو محمد: والتكرير الذي فر أبو علي منه متجه لأنه بيان المهم الذي يوجب قتلهم لا إسلام لهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ}. لمَّا بيَّن تعالى حال من لا يرقبُ في الله إلاًّ ولا ذمَّةً، وينقض العَهْدَ، ويتعدَّى ما حُدّ له. بيَّن بعده أنهم إن تابوا، وأقاموا الصَّلاة، وآتوا الزكاة، فهم: {فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ}. فإن قيل: المعلق على الشيء بكلمة "إنْ" عدم عند عدم ذلك الشيء، فهذا يقتضي أنَّهُ متى لم توجد هذه الثلاثة، ولا تحصل الأخوة في الدِّين، وهو مُشْكلٌ؛ لأنَّه ربَّما كان فقيراً، أو كان غنيّاً، لكن قبل انقضاءِ الحول، لا تلزمه الزكاة. فالجوابُ: أنَّه قد تقدَّم في تفسير قوله تعالى: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}تفسير : [النساء:31] أن المعلق على الشَّيء بكلمة "إن" لا يلزم منه عدم ذلك الشَّيء، كذلك ههنا، ومن النَّاس من قال: إنَّ المعلق على الشَّيء بكلمة "إنْ" عدم عند عدم ذلك الشيء، فهاهنا قال: المؤاخاة بين المسلمين موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعاً، فإنَّ الله شرطها في إثبات المؤاخاة، ومنْ لمْ يكن أهلاً لوجوب الزكاة عليه؛ وجب عليه أن يقرَّ بحكمها فإذا أقرَّ بهذا الحكم دخل في الشَّرط الذي به تجبُ الأخوة. قوله: فإِخوَانُكُم خبرُ مبتدأ محذوف، أي: فهم إخوانكم، والجملةُ الاسمية في محلِّ جزمٍ على جواب الشرط، وفِي الدِّينِ متعلِّقٌ بـ "إخْوانُكُمْ" لِمَا فيه من معنى الفعل. فصل قال أبو حاتم "قال أهل البصرة أجمعون: الإخوة في النَّسبِ، والإخوان في الصَّداقة". وهذا غلطٌ، يقال للأصدقاء وغير الأصدقاء إخوة، وإخوان، قال الله تعالى {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}تفسير : [الحجرات:10] ولم يَعْنِ النَّسبَ، وقال تعالى: {أية : أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ}تفسير : [النور:61] وهذا في النسب. قال ابن عبَّاسٍ: "حرمت هذه الآية دماء أهل القبلةِ" ومعنى قوله: "فَإِخْوَانُكُمْ" أي: فهم إخوانكم "فِي ٱلدِّينِ" لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، قال ابنُ مسعودٍ "أمرتم بالصَّلاةِ والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له". وروى أبو هريرة قال: لمَّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب فقال عمرُ: كيف تقاتل النَّاس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاس حتَّى يقُولُوا لا إلهَ إلاَّ اللهُ، فمَنْ قَالهَا فقد عَصَمَ منِّي مالهُ ونَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّها وحِسابُهُ على اللهِ"تفسير : . فقال: والله لأقاتلنَّ مَنْ فرَّق بين الصلاةِ والزكاةِ، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، قال عمر: "فوالله ما هو إلاَّ أن شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحقّ". قوله {وَنُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} قال الزمخشريُّ: وهذا اعتراض واقع بين الكلامين، والمقصود: الحث والتحريض على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين وعلى المحافظة عليها. قوله {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم} نقضوا عهودهم، "الأيمان" جمع "يمين" بمعنى: الحلف. "مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ" عقدهم. يعني: مشركي قريش. قال الأكثرون: المرادُ: نكثهم لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: المرادُ: حمل العهد على الإسلام، ويؤيدهُ قراءة من قرأ "وإن نكثُوا إيمانَهُم" بكسر الهمزة والأول أولى، للقراءة المشهورة؛ ولأنَّ الآية وردت في ناقضي العهد، وقوله: {وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ} أي: عابوه، وهذا دليلٌ على أنَّ الذِّمِّي إذا طعن في دين الإسلام ظاهراً لا يَبْقَى له عهد. قوله: {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} أي: متى فعلوا ذلك فافعلوا هذا. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو "أئِمَّة" بهمزتين ثانيتهما مُسهَّلة بَيْنَ بَيْنَ، ولا ألف بينهما. والكوفيون وابن ذكوان عن ابن عامر بتحقيقهما، من غير إدخال ألف بينهما، وهشام كذلك، إلاَّ أنَّه أدخل بينهما ألفاً، هذا هو المشهور بين القراء السبعة، وفي بعضها كلامٌ يأتي إن شاء الله تعالى، ونقل أبو حيان عن نافع ومن معه، أنَّهم يبدلون الثانية ياء صريحة، وأنَّهُ قد نُقِلَ عن نافعٍ المدُّ بينهما، أي: بين الهمزة والياء. فأمَّا قراءةُ التحقيق، وبينَ بينَ، فقد ضعَّفها جماعةٌ من النحويين، كأبي علي الفارسي، وتابعيه، ومن القرَّاء أيضاً من ضعَّف التَّحقيق مع روايته له وقراءتِهِ به لأصحابه، ومنهم من أنكر التسهيل بينَ بينَ، فلم يقرأ به لأصحاب التخفيف، وقرءوا بياء خفيفة الكسر، نَصُّوا على ذلك في كتبهم، وأمَّا القراءةُ بالياء فهي التي ارتضاها الفارسيُّ، وهؤلاء الجماعة؛ لأنَّ النُّطقَ بالهمزتين في كلمة واحدة ثقيل، وهمزة بينَ بينَ بزنة المخففة. والزمخشري جعل القراءة بصريح الياء لَحْناً، وتحقيق الهمزتين غير مقبولٍ عند البصريين، قال: "فإن قلت: كيف لفظ "أئمة"؟ قلت: بهمزة بعدها همزةُ بين بين، أي: بين مخرج الهمزة والياء وتحقيق الهمزتين قراءة مشهورة، وإن لم تكنْ مقبولةً عند البصريين، وأمَّا التصريحُ بالياء فلا يجوزُ أن تكون، ومن قرأ بها فهو لاحن مُحرِّفٌ". قال أبُو حيَّان: "وذلك دَأبه في تلحين المقرئين، وكيف يكون لحناً، وقد قرأ بها رَأسُ النُّحاة البصريين أبو عمرو بن العلاءِ، وقارىءُ أهْلِ مكة ابنُ كثير، وقارىءُ أهل المدينة نافعٌ"؟ قال شهابُ الدِّين: "لايُنقَمُ على الزمخشريِّ شيءٌ، فإنه إنَّما قال: إنَّها غيرُ مقبولة عند البصريين، ولا يلزم من ذلك أنه لا يقبلها، غاية ما في الباب أنَّه نقل عن غيره، وأمَّا التصريحُ بالياء فإنَّه معذورٌ فيه، لما تقدَّم من أنه اشتُهِر بين القراء التسهيل بين بين، لا الإبدال المحض، حتَّى إنَّ الشَّاطبي جعل ذلك مذهباً للنحويين، لا للقراء، فالزمخشري إنما اختار مذهب القراء لا مذهب النُّحاة في هذه اللَّفظة". وقد رَدَّ أبو البقاء قراءة التَّسهيل بينَ بينَ، فقال: "ولا يجوزُ هنا أن تجعل بين بين، كما جعلت همزةُ "أئذا"؛ لأنَّ الكسرة هنا منقولة، وهناك أصليةٌ، ولو خُفِّفت الهمزةُ الثانية على القياس لقُلبت ألفاً، لانفتاح ما قبلها، ولكن تُرِكَ ذلك لتتحرك بحركةِ الميم في الأصل". قال شهابُ الدِّين "قوله "منقولةٌ" لا يُفيد؛ لأنَّ النقل هنا لازم، فهو كالأصل، وقوله "ولوْ خُفِّفَتْ على القياس" إلى آخره، لا يُفيد أيضاً؛ لأنَّ الاعتناء بالإدغام سابقٌ على الاعتناء بتخفيف الهمزة". ووزن "أئِمَّة" "أفْعِلة"، لأنَّها جمع "إمام" كـ "حمار وأحْمِرة" والأصل: "أأمِمَة" فالتقى ميمان، فأريد إدغامهما فنُقلت حركةُ الميم الأولى للسَّاكن قبلها، وهو الهمزة الثانية، فأدَّى ذلك إلى اجتماع همزتين ثانيتهما مكسورة، فالنحويون البصريون يوجبون إبدال الثانية ياء، وغيرهم يحقق، أو يسهِّل بين بين، ومنْ أدخلَ الألف فللخفَّة حتى يُفَرِّق بين الهمزتين، والأحسنُ أن يكون ذلك في التحقيق، كما قرأ هشام، وأمَّا ما رواه أبو حيان عن نافع من المدِّ مع نقله عنه أنَّه يصرِّح بالياء فللمبالغة في الخفة. قوله: "لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ" قرأ ابنُ عامر "لا أيمان" بكسر الهمزة، وهو مصدرُ آمَن يُؤمن إيمانً. هل هو من الأمان؟ وفي معناه حينئذٍ وجهان: أحدهما: أنهم لا يؤمنون في أنفسهم، أي: لا يُعطون أماناً بعد نُكثهم وطعنهم، ولا سبيل إلى ذلك. والثاني: الإخبار بأنهم لا يُوفُون لأحدٍ بعهدٍ يعقدُونَه له، أو من التصديق أي: إنَّهم لا إسلام لهم، واختار مكيٌّ التأويل الأوَّل، لما فيه من تجديد فائدة لمْ يتقدَّم لها ذكرٌ؛ لأنَّ وصفهم بالكفر وعدم الإيمان قد سَبَقَ وعُرِف. وقرأ الباقون بالفتح، وهو جمعُ يمين وهذا مناسب للنكث، وقد أُجمع على فتح الثَّانية، ويعني نفي الأيمان عن الكُفَّارِ، أنَّهم لا يُوفُون بها وإن صدرتْ منهم وثَبتَتْ؛ وهذا كقول الآخر: [الطويل] شعر : 2769- وإِنْ حَلَفْتَ لا يَنْقُضُ النَّأيُ عَهْدَهَا فَليْسَ لِمخْضُوبِ البَنَانِ يَمِينُ تفسير : وبذلك قال الشَّافعي، وحمله أبو حنيفةَ على حقيقته أنَّ يمين الكافرِ لا تكونُ يميناً شرعيةً، وعند الشافعي يمينٌ شرعيةٌ. فصل في المراد من الآية معنى الآية: قاتلوا الكفار بأسرهم، وإنَّما خصَّ الأئمة، والسَّادة بالذِّكر، لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع على الأفعال الباطلة. قال ابنُ عبَّاسٍ: "نزلت في أبي سفيان بن حربٍ، والحارث بن هشام، وسهل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش يومئذٍ، والذين نقضُوا العهد، وهم الذين همُّوا بإخراج الرسول"، وقال مجاهدٌ "هم أهل فارس والروم" وقال حذيفة بن اليمان "ما قُوتل أهل هذه الآية، ولم يأت أهلها بعد". {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} أي: لا عهود لهم. ثم قال: {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} وهو متعلق بقوله: {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعد ما وجد منهم من العظائم أن تكون المقاتلة سبباً في انتهائهم عن الكفر. قوله تعالى: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} لما قال {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} أتبعه بذكر السبب الباعث على مقاتلتهم، فقال {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} نقضُوا عهودهم، وهم الذين نقضوا عهد الصُّلح بالحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة، {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} من مكة حين اجتمعُوا في دار النَّدوة. وقيل: المراد من المدينة، لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على قصده بالقتل، وقيل: بل همُّوا على إخراجه من حيثُ أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج، وهو نقيضُ العهدِ، وإعانة أعدائه، فأضيف الإخراج إليهم توسعاً لما وقع منهم من الأمور الدَّاعية إليه. وقوله: {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} إمَّا بالفعل، وإمَّا بالعزم عليه، وإن لمْ يُوجَدْ ذلك الفعل بتمامه، واعلم أنَّه ذكر ثلاثة أشياء، كل واحد منها يوجب مقاتلتهم إذا انفرد، فكيف إذا اجتمعت؟ أحدها: نكثهم العهد. والثاني: أنهم همُّوا بإخراج الرسول، وهذا من أوكد موجبات القتال. والثالث: قوله {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} يعني: بالقتال يوم بدر؛ لأنَّهم حين سلم العير، قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه. وقال ناسٌ من المفسِّرين: أراد أنَّهُم بدأوا بقتال خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الحسنُ: لا يجوز أن يكون المراد منه ذلك؛ لأنَّ سورة براءة نزلت بعد فتح مكَّة. وقوله: "أَوَّلَ مرَّةٍ" نصبٌ على ظرف الزَّمانِ، وأصلها المصدر من "مَرَّ يَمُرُّ، كما تقدم [الأنعام:94]. قوله: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} الجلالةُ مبتدأ، وفي الخبر أوجهٌ: أحدها: أنَّهُ "أحَقُّ"، و "أن تخْشَوْهُ" على هذا بدل من الجلالة بدل اشتمال، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، والتقدير: فخشية اللهِ أحَقُّ مِنْ خَشيتهم. الثاني: أَنَّ "أَحَقُّ" خبر مقدم، و "أَن تَخْشَوهُ" مبتدأ مؤخر، والجملةُ خبرُ الجلالة. الثالث: أنَّ "أَحَقُّ" مبتدأ، و "أن تَخْشَوهُ" خبره، والجملة أيضاً خبر الجلالة، قاله ابن عطية، وحسن الابتداء بالنكرة، لأنها أفعل تفضيل، وقد أجاز سيبويه أن تكون المعرفةُ خبراً للنكرة في نحو: اقصد رجلاً خيرٌ منه أبوه. الرابع: أنَّ "أن تخشوه" في محلِّ نصبٍ، أو جرٍّ، بعد إسقاطِ الخافضِ، إذ التقدير: أحقُّ بأن تخشوه، وقوله: {إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ} شرطٌ حذف جوابه، أو قُدِّم على حسب الخلاف [الأنفال:1]. فصل هذا الكلامُ يقوي داعية القتال من وجوه: الأول: أنَّ تقرير الموجبات القويَّة، وتفصيلها ممَّا يُقَوِّي هذه الداعية. الثاني: أنَّك إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك؛ فكأنك تحرضه على القتال، أي: لا تخف منه. والثالث: قوله {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} أي: إن كنت تَخْشَى أحَداً فالله أحقُّ أن تخشاه، لكونه في غاية القدرة، فالضَّررُ المتوقع منهم غايته القتل، وأمَّا المتوقع من اللهِ فالعقابُ الشديد في القيامة، والذم اللازم في الدُّنيا. والرابع: قوله: {إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ} أي: إن كنتم موقنين بالإيمان، وجب عليكم القتال، أي: إنكم إن لم تقدموا على القتال، وجب أن لا تكونوا مؤمنين. فصل حكى الواحديُّ عن أهل المعاني أنهم قالوا: "إذا قلت: ألا تفعل كذا، فإنَّما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده، وإذا قلت: ألست تفعل، فإنَّما تقول ذلك في فعل تحقَّق وجوده، والفرقُ بينهما أنَّ "لا" ينفى بها المستقبل، فإذا أدخلت عليها الألف كان تحضيضاً على فعل ما يستقبل، و "ليس" إنما تستعمل لنفي الحال، فإذا أدخلت عليها الألف صار لتحقيق الحال". فصل نقل عن ابن عباس أنه قال قوله: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً} ترغيب في فتح مكَّة وقوله: {قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} أي: عهدهم، يعني قريشاً حين أعانوا بني الديل بن بكر على خزاعة، كما تقدم. وقال الحسنُ "لا يجوزُ أن يكون المرادُ منه ذلك؛ لأنَّ سورة براءة نزلت بعد فتح مكَّة". فصل قال الأصم "دلَّت الآية على أنَّهم كرهوا هذا القتال، لقوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}تفسير : [البقرة:216] فأمنهم الله تعالى بهذه الآيات". قال القاضي "إنه تعالى قد يحث على فعل الواجب من لا يكون كارهاً له، ولا مُقصراً فيه، فإن أراد أن مثل هذا التحريض على الجهاد لا يقع إلاَّ وهناك كره للقتال، لا يصح أيضاً، لأنَّهُ يجوز أن يحث تعالى بهذا الجنس على الجهاد، لكي لا يحصل الكره الذي لولا هذا التحريض كان يقع". فصل قال القرطبيُّ "استدلُّوا بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدِّين، إذ هو كافر، والطعنُ هو أن ينسب إليه ما لا يليقُ به، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدِّين، لما ثبت بالدليل القطعي على صحَّة أصوله، واستقامة فروعه" قال ابنُ المنذر: "أجمع عامَّةُ أهل العلم على أنَّ من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقتل". قال القرطبيُّ: "وأمَّا الذِّمي إذا طعن في الدِّين انتقض عهده في المشهور من مذهب مالك، لقوله تعالى: {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ} [التوبة:13] الآية، فأمر بقتلهم وقتالهم، وهو مذهب الشَّافعي وقال أبو حنيفة: يستتابُ، وإنَّ مجرَّد الطَّعن لا ينقض به العهد إلاَّ مع وجود النَّكث". فصل [إذا حارب الذميُّ انتقض عهده، وكان ماله وولده فيئاً معه]. فصل قال القرطبيُّ: "أكثر العلماء على أنَّ من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذِّمة، أو عرَّض، أو استخفَّ بقدره، أو وصفه بغير الوجه الذي نعت به فإنه يقتل؛ لأنَّا لَمْ نُعْطِه الذِّمة أو العهد على هذا، لقوله تعالى: {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم} الآية، وقال أبو حنيفة والثوريُّ وأتباعهما من أهل الكوفة: لا يقتلُ، لأنَّ ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدَّب". فصل قال القرطبي: "اختلفوا فيما إذا سبَّه ثم اسلم تقية من القتل، فقيل: يسقطُ القتل بإسلامه، وهو المشهور من المذاهب؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله. بخلاف المسلم إذا سبَّه ثم تاب، قال تعالى: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [الأنفال:38]. وقيل: لا يسقط الإسلام قتله، قاله في العتبية". قوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} الآية. اعلم أنَّه تعالى لمَّا قال في الآية الأولى: "ألاَ تُقاتِلُونَ" وذكر الأشياء التي توجبُ إقدامهم على القتالِ، ذكر في هذه الآية خمسة أنواع من الفوائد، كلُّ واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد فكيف إذا اجتمعت؟. أولها: قوله: {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} وسمى ذلك عذاباً؛ لأنَّ اللهَ تعالى يعذب الكافرين، إن شاءَ في الدُّنيا، وإن شاء في الآخرة، والمراد من هذا العذاب القتل تارةً، والأسر أخرى، واغتنام الأموال ثالثاً. فإن قيل: أليس قد قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال:33] فكيف قال ههنا: {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}؟. فالجواب: المراد من قوله {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال:33] عذاب الاستئصال والمراد من قوله: {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} عذاب القتل والحرب، والفرق بين البابين: أنَّ عذابَ الاستئصال قد يتعدَّى إلى غير المذنب، وإن كان في حقه سبباً لمزيد الثواب، أمَّا عذابُ القتل، فالظَّاهر أنه مقصورٌ على المُذْنب. فصل احتج أهل السنة على أنَّ فعل العبد مخلوقٌ لله تعالى بقوله: {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} فإنَّ المراد من هذا العذاب، القتل والأسر، وظاهر هذا النص يدلُّ على أنَّ ذلك القتل والأسر فعل الله تعالى، يدخله في الوجود على أيدي العبادِ. وأجاب الجبائيُّ عنه فقال: لو جاز أن يقال إنَّهُ يعذب الكُفَّار بأيدي المؤمنين لجاز أن يقال: إنه يعذب المؤمنين بأيدي الكُفار، ولجاز أن يقال: إنَّهُ يكذب الأنبياء على ألسنة الكُفَّار، ويلعن المؤمنين على ألسنتهم، لأنَّه تعالى خالق لذلك، فلمَّا لم يَجُزْ ذلك عند المجبرة، علم أنَّه تعالى لم يخلق أعمال العباد، وإنَّما نسب ما ذكر إلى نفسه على سبيل التوسع من حيثُ إنَّهُ حصل بأمره وألطافه، كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير. وأجيب: بأنَّ الذي ألزمتموه علينا فالأمر كذلك، إلاَّ أنا لا نقوله باللِّسانِ، كما نعلم أنه تعالى هو الخالقُ لجميع الأجسام، ثم إنا لا نقول: يا خالق الأبوال والعذرات، ويا مكون الخنافس، والديدان، فكذا ههنا، وأيضاً: أنا توافقنا على أن الزِّنا واللِّواط وسائر القبائح، إنما حصلت بتقدير الله وتيسيره، ثمَّ لا يجوز أن يقال: يا مسهل الزنا واللواط، ويا دافع الموانع عنها. وأما قوله: المراد إذن الإقدارُ، فهذا صرف للكلام عن ظاهره، وذلك لا يجوزُ إلاَّ لدليل قاهر، والدَّليل القاهر من جانبنا، فإنَّ الفعل لا يصدر إلاَّ عند الدَّاعية الحاصلة، وحصول تلك الدَّاعية ليس إلاَّ من الله تعالى. وثانيها: قوله: "ويُخْزِهِمْ" أي: يذلهم بالأسر والقهر، قال الواحديُّ "إنهم بعد قتلكم إيَّاهم" وهذا يدلُّ على أنَّ الإخزاء وقع بهم في الآخرة، وهذا ضعيف لما تقدَّم من أنَّ الإخزاء حاصلٌ في الدنيا. وثالثها: قوله: "وينصُرْكُم عليْهِمْ" أي: لمَّا حصل لهم الخزي، بسبب كونهم مقهورين فقد حصل النصر للمسلمين [بسبب] كونهم قاهرين. فإن قيل: لمَّا كان حصُولُ الخزي مستلزماً لحصول النصر، كان إفراده بالذِّكرِ عبثاً. فالجوابُ: ليس الأمر كذلك؛ لأنه يحتمل أن يحصل الخزي لهم من جهة المؤمنين، إلاَّ أنَّ المؤمنين يحصل لهم آفة بسبب آخر، فلمَّا قال: "وينصُرْكم عليْهِمْ" دلَّ على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر. ورابعها: قوله {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}. قرأ الجمهور بياء الغيبة، رَدّاً على اسم الله تعالى، وقرأ زيد بن علي "نشف" بالنُّون، وهو التفات حسن، وقال: "قَوْمٍ مُؤمنينَ" شهادة للمخاطبين بالإيمان، فهو من باب الالتفات، وإقامة الظَّاهر مقام المضمر، حيث لم يقل "صدوركم". والمعنى: ويبرىء داء قلوب قَوْمٍ مُؤمنين مِمَّا كانُوا ينالُونه من الأذى منهم. ومعلوم أنَّ من طال تأذِّيه من خصمه، ثم مكَّنه الله منه على أحسنِ الوجوه، فإنَّهُ يعظم سروره به، ويصير ذلك سبباً لقوة النفس، وثبات العزيمة. وقال مجاهدٌ والسديُّ "أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله، حيث أعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكّلوا بهم، فشفى الله صدورهم من بني بكر بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم". وخامسها: قوله: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} كرْبَهَا ووَجْدهَا بمعونة قريش بني بكر عليهم. فإن قيل: قوله {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} معناه أنه يشفي من ألم الغَيْظِ، وهذا هو عين إذهاب الغيظ، فكان قوله: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} تكراراً. فالجوابُ: أنَّه تعالى وعدهم بحصول هذا الفتح، فكانوا في زحمة الانتظار، كما قيل: الانتظار الموت الأحمرُ، فشفى صدورهم من زحمة الانتظار، فظهر الفرق بين قوله: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} وبين قوله: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} فهذه المنافع الخمسة ترجع إلى تسكين الدَّواعي الناشئة من القوَّة الغضبيَّة، وهي التَّشفي، ودرك الثَّأر وإزالة الغيظ، ولم يذكر فيها وجدان المال، والفوز بالمطاعم والمشارب؛ لأنَّ العرب جبلوا على الحميّة والأنفة، فرغبهُم في هذه المعاني لكونها لائقة بطباعهم. وقرأ الجمهور: "ويُذْهب" بضمِّ الياء وكسرِ الهاء مِنْ: "أذْهَبَ"، و "غَيْظَ" مفعول به وقرىء "ويَذْهَب" بفتح الياء والهاء، جعله مضارعاً لـ "ذَهَبَ"، و "غيظُ" فاعل به وقرأ زيد بن علي كذلك، إلاَّ أنَّه رفع الفعل مستأنفاً، ولم ينسقْه على المجزم قبله، كما قَرَءُوا "ويتوبُ" بالرفع عند الجمهور. قوله: {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} قرأ الجمهور بالرَّفع، وقرأ زيدُ بنُ علي، والأعرج، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن عبيد، وعمرو بن فائد، وعيسى الثقفي، وأبو عمرو في رواية ويعقوب "ويتُوبَ" بالنَّصب، فأمَّا قراءةُ الجمهور فإنَّهَا استئنافُ إخبارٍ، وكذلك وقع، فإنه قد أسلم ناسٌ كثيرون، كأبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو وغيرهم. قال الزجاج: وأبُو الفتح: وهذا أمرٌ موجودٌ، سواءٌ قوتلوا، أمْ لمْ يقاتلوا، ولا وجه لإدخال التوبة في جواب الشرط الذي في: "قَاتِلُوهم". يعنيان بالشَّرط: ما فُهِمَ من الجملة الأمرية. قالوا: ونظيره: {أية : فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ}تفسير : [الشورى:24] وتمَّ الكلامُ ههنا، ثم استأنف فقال: {أية : وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ}تفسير : [الشورى:24] وأمَّا قراءةُ زيد ومنْ ذُكر معه فإنَّ التوبةَ تكونُ داخلة في جواب الأمر من طريقِ المعنى، وفي توجيه ذلك غموضٌ، فقال بعضهم: إنَّه لمَّا أمرهُمْ بالمقاتلة شقَّ ذلك على بعضهم، فإذا أقدموا على المقاتلةِ صار ذلك العملُ جارياً مجرى التوبة من تلك الكراهة، قاله الأصمُّ. فيصير المعنى: إن تقاتلوهم يُعذِّبهمُ الله، ويتُبْ عليكم من تلك الكراهة لقتالهم، وقال آخرون - في توجيه ذلك -: إنَّ حصول الظَّفَر وكثرة الأموال لذَّةٌ تطلبُ بطريقٍ حرام، فلمَّا حصلتْ لهُم بطريقٍ حلالٍ، كان ذلك داعياً لهم إلى التَّوبة ممَّا تقدم، فصارت التوبةُ معلقةً على المقاتلة. وقال ابنُ عطية - في توجيه ذلك -: "يتوجه عندي إذا ذهب إلى أنَّ التوبة يراد بها هنا قتل الكافرين والجهاد في سبيل الله، هو توبةٌ لكم أيها المؤمنون، وكمالٌ لإيمانكم، فتدخلُ التسوية على هذا في شرطِ القتال". قال أبُو حيان "وهذا الذي قرروه من كون التَّوبة تدخلُ تحت جواب الأمر بالنسبة للمؤمنين الذين أمِرُوا بقتال الكُفَّارِ، والذي يظهر أنَّ ذلك بالنسبة إلى الكُفَّار، والمعنى: على من يشاء من الكفار، لأنَّ قتال الكفارِ، وغلبة المسلمين إياهم قد يكونُ سبباً لإسلام كثير، ألا ترى إلى فتح مكَّة، كيف أسلم لأجله ناسٌ كثيرون، وحسنُ إسلامُ بعضهم جدّاً، كـ: ابن أبي سرح، ومن تقدم ذكره، وغيرهم" فيصير المعنى: إن تقاتلوهم يتب الله على من يشاء من الكُفَّار، أي: يُسْلمُ من يشاء منهم، والمرادُ بالتَّوبة هنا: الهداية إلى الإسلام كما ذكره جمهور المفسرين، ثمَّ قال {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} عليم بكل ما يفعل في ملكه "حَكِيمٌ" مصيب في أحكامه وأفعاله. قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ} الآية. قال الفراء: "أمْ" من الاستفهام الذي يتوسط الكلام، ولو أريد به الابتداء لكان بـ "الألف" أو بـ "هل". فصل هذا ترغيبٌ في الجهاد قيل: هذا خطابٌ للمنافقين، وقيل: للمؤمنين الذي شق عليهم القتال، فقال: أحسبتم أن تتركوا فلا تأمروا بالجهاد، ولا تمتحنوا، ليظهر الصادق من الكاذب، "ولمَّا يعلم اللهُ" أي يرى اللهُ الذين جاهدوا منكم، وذكر العلم والمراد منه: المعلوم، فالمراد أن يصدر الجهاد عنهم، إلاَّ أنه لما كان وجود الشيء يلزمه أن يكون معلوم الوجود عند الله، لا جرم جعل علم الله بوجوده كناية عن وجوده. قوله {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ} يجوزُ في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنَّها داخلةٌ في حيِّز الصلة، لعطفها عليها، أي: الذين جَاهَدُوا ولم يتَّخذُوا. الثاني: أنَّها في محلِّ نصب على الحالِ من فاعل: "جَاهدُوا" أي: جَاهَدُوا حال كونهم غير متخذين وليجَةً. و: "وَليجَةً" مفعول، و "مِن دُونِ اللهِ" إمَّا مفعول ثان، إن كان الاتخاذُ بمعنى التَّصْيير، وإمَّا متعلقٌ بالاتخاذ، إن كان على بابه، والوليجة: فَعِيلة، مِن الوُلُوج، وهُو الدُّخُولُ، و "الوَليجَةُ" من يداخلك في باطن أمورك، وقال أبو عبيدة: "كُلُّ شيءٍ أدخلته في شيءٍ وليس منهُ، والرجل في القوم وليس منهم، يقال له وليجة" ويستعملُ بلفظٍ واحدٍ، للمفردِ، والمثنى، والمجموع، وقد يجمعُ على "ولاَئِج" ووُلُج، كـ: صحيفة، وصحائف، وصحف وأنشدوا لعبادة بن صفوان الغنوي: [الطويل] شعر : 2770- ولائجُهُمْ في كُلِّ مَبْدَى ومَحْضَرٍ إلى كُلِّ مَنْ يُرْجَى ومَنْ يَتخوَّفُ تفسير : فصل معنى الآية: {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} بطانة، وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم. وقال قتادةُ: "وَليجةً" خيانة. وقال الضَّحَّاك. "خديعة". والمقصودُ من ذكر هذا الشَّرط: أنَّ المجاهد قد يجاهد ولا يكون مُخْلصاً، بل يكون منافقاً باطنه خلاف ظاهره، فبيَّن أنَّهُ لا بد وأن يأتُوا بالجهاد مع الإخلاص خالياً عن الرياءِ، والنفاقِ، والتَّودُّدِ إلى الكفار. والمقصودُ: بيان أنَّه ليس الغرضُ منه إيجاب القتالِ فقط، بل الغرض أن يُؤتَى به انقياداً لأمر اللهِ، ولحكمه وتكليفه، ليظهر به بذل النفس والمال في طلب رضوان الله فحينئذٍ يحصل به الانتفاع. قوله: {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} قرأ الحسنُ "بِمَا يَعْملُون" بالغيبةِ على الالتفات؛ وبها قرأ يقعوبُ في رواية سلاَّم، أي: عالم بنياتهم، وأغراضهم، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ. قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ الله لا يَرْضَى أن يكون الباطنُ خلاف الظَّاهِرِ، ولا الظَّاهر خلاف الباطن، وإنَّما يريدُ من خلقه الاستقامة، كما قال {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ}تفسير : [فصلت:30]، قال: ولمَّا فرض القتالُ، تميَّز المنافقُ من غيره، وتميَّز من يوالي المؤمنين ممَّن يعادِيهمْ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين‏} ‏ يقول‏:‏ إن تركوا اللات والعزى، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فاخوانكم في الدين‏.

القشيري

تفسير : معناه: وإن قبلناهم وصَلُحُوا لولائنا فَلُحْمَةُ النّسَبِ في الدِّين بينكم وبينهم وشيجة، وإلا فليكن الأجانبُ مِنا على جانبٍ منكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فان تابوا} عن الكفر وسائر العظائم {وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة} اى التزموا اقامتها واعتقدوا فرضيتها {فإخوانكم} اى فهم اخوانكم {فى الدين} متعلق باخوانكم لما فيه من معنى الفعل اى لهم ما لكم وعليهم ما عليكم فعاملوهم معاملة الاخوان ومتى لم توجد هذه الثلاثة لا تحصل الاخوة فى الدين ولا عصمة الدماء والاموال {ونفصل الآيات} اى نبين الآيات المتعلقة باحوال المشركين الناكثين وغيرهم واحكامهم حالتى الكفر والايمان {لقوم يعلمون} اى ما فيها من الاحكام ويتفكرونها ويحافظون عليها

الطوسي

تفسير : شرط الله لهؤلاء المشركين بأنهم إن تابوا ورجعوا عما هم عليه من الشرك إلى طاعة الله والاعتراف بوحدانيته، والاقرار بالنبي صلى الله عليه وآله، وأقاموا الصلاة المفروضة على ما شرعها الله واعطوا الزكاة الواجبة عليهم، فانهم يكونون اخوان المؤمنين في الدين، والايمان وتقديره فهم اخوانكم. والتوبة هي الندم على القبيح لقبحه مع العزم على ترك العود إلى مثله في القبح، وفي الناس من قال إلى مثله في صفته فمن قال ذلك قال توبة المجبوب من الزنا هي الندم على الزنا مع العزم على ترك المعاودة إلى مثله على ما يصح ويجوز من الامكان، وهو انه لو رد الله عز وجل عضوه ما زنى، فاما من نسي الذنب فان توبته صحيحة لا يؤاخذ بالذنب، لانه مكلف قد ادى جميع ما عليه في الحال، فقد تخلص بذلك من العقاب. فان قيل لم شرط مع التوبة من الشرك وحصول الايمان ايتاء الزكاة؟ مع انه ليس كل مسلم عليه الزكاة! قلنا: انما يجب عليه بشرط الامكان فاذا اقر بحكم الزكاة مع التعذر عليه دخل في حكم الصفة التي يجب بها. وقوله {ونفصل الآيات} معناه نبينها ونميزها بخاصة لكل واحد منها بما يتميز به من غيرها حتى يظهر مدلولها على اتم ما يكون من الظهور فيها {لقوم يعلمون} ذلك ويثبتونه دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله.

الجنابذي

تفسير : {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} التّكرار هنا ايضاً من التّكرار المطلوب {وَنُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} التّكوينيّة بالآيات التّدوينيّة {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم} جمع اليمين بمعنى العهد لانّ العهد ينعقد باليمين او لانّ العهد شبيه باليمين بمعنى الحلف {مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} وضع المظهر موضع المضمر اشعاراً بوصف ذمٍّ لهم {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} فانّ الايمان اذا لم تقترن بالوفاء كان وجودها كالعدم {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} عن الكفر والغدر فى الايمان، اعلم، انّ تنزيل الآيات فى المشركين بالله وتأويلها فى المشركين بالولاية فانّ كلّ من بايع محمّداً (ص) اخذ عليه ان لا يخالف قوله فكلّ من خالف قوله فى علىّ (ع) نكث عهده ويمينه كاصحاب السّامرىّ وعجله وكاصحاب الصّفين وكلّ من بايع عليّاً (ع) ثمّ خالفه كاصحاب الجمل والنّهروان فقد نكث عهده ويمينه لكنّ القتال ما وقع الاّ مع اصحاب الجمل والصّفّين والنّهروان وفى الاخبار ورد تفسيرها بحسب التّأويل بالمشركين بالولاية.

اطفيش

تفسير : {فإنْ تابُوا} عن الكفر وسائر المعاصى {وأقامُوا الصَّلٰوة وآتوُا الزّكٰوةَ فإخْوانكُم} أى فهم إخوانكم {فى الدِّينِ} لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة، ومن ترك الصلاة أو الزكاة استتيب، فإن لم يتب قتله الإمام، ولو ترك من الزكاة قليلا، كما شرح الله لذلك صدر أبى بكر رضى الله عنه حين منعت العرب الزكاة، وجازاه عن الاسلام خيرا، ولو أتى بكلمة الشهادة لأنها قرنت بالصلاة والزكاة فى الآية ولو لم تقرن بهما فى بعض الأحاديث، اعتمادا على قربها بهما فى الآية. وفى بعض الأحاديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد حقنوا عنى دماءهم وأموالهم إلا بحقها" تفسير : فإن ترك الصلاة أو الزكاة داخل فى حقها بمعونة الآية، وقد صرح بهما فى حديث ذكره الحسن هكذا: "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" تفسير : بل لو لم تقرن بهما فى شىء من الأحاديث لوجب حملها على الآية، فإنما يقتصر على كلمة الشهادة، لأنها الأصل لا ينفع شىء مع عدمها، فإذا أتوها علموا ما يجب عليهم، ولا صلاة لمن لا يزكى. {ونُفصِّلُ الآياتِ} نوضحها {لِقَومٍ يعْلمُون} يفهمونها، وإنما فصل بين الكلامين المتناسبين بذكر تفصيل الآيات لمن يعلمها تحريضا على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين، وخصال التائبين مع المحافظة عليها.

اطفيش

تفسير : {فإِنْ تَابُوا} عن الشرك والنقض {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ} فهم إِخوانكم {فِى الدِّينِ} لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وهو متعلق بإِخوان لأَن المعنى حصول الأخوة فى الدين، عاملوهم معاملة الإِخوان، ولا تعدوا عليهم ما مضى قبل الإِسلام، وإِن تابوا عن الشرك وقالوا: لا نقيم الصلاة ولا نؤتى الزكاة فهم باقون على الشرك بخلاف من هو موحد على الإِطلاق وترك الصلاة أَو الزكاة تشهيا لا إِنكارا فإِنه غير مشرك إِلا إِنه فى النار إِن لم يتب {وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ} نبينها، أَى نجئ بها من أَول الأَمر مبينة فى شأن المشركين الناكثين وأَحكامهم، أَو الآيات مطلقاً، فيدخل فيها آيات ذلك الشأن {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يتدبرون فيعلمون، فعبر عن السبب بلفظ المسبب، وعن الملزوم باللازم، وقوله ونفصل الآيات لقوم يعلمون معترض بين كلامين متناسبين للحث على تفهم أَحكام المعاهدين وخصال الثابتين.

الالوسي

تفسير : {فَإِن تَابُواْ} عما هم عليه من الكفر وسائر العظائم كنقض العهد وغيره، والفاء للإيذان بأن تقريعهم بما نعى عليهم من فظائع الأعمال مزجرة عنها ومظنة للتوبة {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاةَ} على الوجه المأمور به {فَإِخْوٰنُكُمْ} أي فهم إخوانكم {فِى ٱلدِّينِ} لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، والجار والمجرور متعلق بإخوانكم ـ كما قال أبو البقاء ـ لما فيه من معنى الفعل، قيل: والاختلاف بين جواب هذه الشرطية وجواب الشرطية السابقة مع اتحاد الشرط فيهما لما أن الأولى سيقت إثر الأمر بالقتل ونظائره فوجب أن يكون جوابها أمراً بخلاف هذه، وهذه سيقت بعد الحكم عليهم بالاعتداء وأشباهه فلا بد من كون جوابها حكماً [بخلافه] البتة، وهذه الآية أجلب لقلوبهم من تلك الآية إذ فرق ظاهر بين تخلية سبيلهم وبين إثبات الأخوة الدينية لهم، وبها استدل على تحريم دماء أهل القبلة، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وجاء في رواية ابن جرير وأبـي الشيخ عنه أنها حرمت قتال أو دماء أهل الصلاة والمآل واحد، واستدل بها بعضهم على كفر تارك الصلاة إذ مفهومها نفي الأخوة الدينية عنه، وما بعد الحق إلا الضلال، ويلزمه القول بكفر مانع الزكاة أيضاً بعين ما ذكره، وبعض من لا يقول بإكفارهما التزم تفسير إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالتزامهما والعزم على إقامتهما ولا شك في كفر من لم يلتزمهما بالاتفاق. وذكر بعض جلة الأفاضل أنه تعالى علق حصول الأخوة في الدين على مجموع الأمور الثلاثة التوبة وإقام الصلاة / وإيتاء الزكاة والمعلق على الشيء بكلمة {إِن} ينعدم عند عدم ذلك الشيء فيلزم أنه متى لم توجد هذه الثلاثة لا تحصل الأخوة في الدين وهو مشكل، لأن المكلف المسلم لو كان فقيراً أو كان غنياً لكن لم ينقض عليه الحول لا يلزمه إيتاء الزكاة فإذا لم يؤتها فقد انعدم عنه ما توقف عليه حصول أخوة الدين فيلزم أن لا يكون مؤمناً، إلا أن يقال: التعليق بكلمة {إِن} إنما يدل على مجرد كون المعلق عليه مستلزماً ما علق عليه ولا يدل على انعدام المعلق عليه بانعدامه بل يستفاد ذلك من دليل خارجي لجواز أن يكون المعلق لازماً أعم فيتحقق بدون تحقق ما جعل ملزوماً له، ولو سلم أن نفس التعليق يدل على انعدام المعلق عند انعدام المعلق عليه، لكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك أن لا يكون المسلم الفقير مؤمناً بعدم إيتاء الزكاة وإنما يلزم ذلك أن لو كان المعلق عليه ايتاؤها على جميع التقادير وليس كذلك، بل المعلق عليه هو الإيتاء عند تحقق شرائط مخصوصة مبينة بدلائل شرعية انتهى. وأنت تعلم ما في القول بمفهوم الشرط من الخلاف والحنفية يقولون به، والظاهر أن هذا البحث كما يجري في إيتاء الزكاة يجري في إقامة الصلاة. واستدل ابن زيد باقترانهما على أنه لا تقبل الصلاة إلا بالزكاة. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أمر تم بالصلاة والزكاة فمن لم يزل فلا صلاة له. {وَنُفَصِّلُ ٱلأَيَـٰتِ} أي نبينها، والمراد بها إما ما مر من الآيات المتعلقة بأحوال المشركين من الناكثين وغيرهم وأحكامهم حالتي الكفر والإيمان واما جميع الآيات فيندرج فيها تلك الآيات اندراجاً أولياً {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ما فصلنا أو من ذوي العلم على أن الفعل متعد ومفعوله مقدر أو منزل منزلة اللازم، والعلم كما قيل كناية عن التأمل والتفكر أو مجاز مرسل عن ذلك بعلاقة السببية، والجملة معترضة للحث على التأمل في الآيات وتدبرها.

ابن عاشور

تفسير : {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءٰاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ}. تفريع حكم على حكم لتعقيب الشدّة باللين إن هم أقلعوا عن عداوة المسلمين بأن دخلوا في الإسلام لقصد مَحو أثر الحنق عليهم إذا هم أسلموا أعقب به جملة: {أية : إنهم ساء ما كانوا يعملون} تفسير : [التوبة: 9] إلى قوله {أية : المعتدون}تفسير : [التوبة: 10] تنبيهاً لهم على أنّ تداركهم أمرهم هين عليهم، وفرّع على التوبة أنّهم يصيرون إخواناً للمؤمنين. ولمّا كان المقام هنا لذكر عداوتهم مع المؤمنين جعلت توبتهم سبباً للأخوّة مع المؤمنين، بخلاف مقام قوله قبله {أية : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم}تفسير : [التوبة: 5] حيث إنّ المعقّب بالتوبة هنالك هو الأمر بقتالهم والترصّد لهم، فناسب أن يفرّع على توبتهم عدم التعرّض لهم بسوء. وقد حصل من مجموع الآيتين أنّ توبتهم توجب أمنهم وأخُوّتهم. ومن لطائف الآيتين أن جعلت الأخوة مذكورة ثانياً لأنّها أخصّ الفائدتين من توبتهم، فكانت هذه الآية مؤكّدة لأختها في أصل الحكم. وقوله: {فإخوانكم} خبر لمحذوف أي: فَهم إخوانكم. وصيغ هذا الخبر بالجملة الاسمية: للدلالة على أنّ إيمانهم يقتضي ثبات الأخوّة ودوامَها، تنبيهاً على أنّهم يعودون كالمؤمنين السابقين من قبل في أصل الأخوّة الدينية. والإخوان جمع أخ في الحقيقة والمجاز، وأطلقت الأخوّة هنا على المودّة والصداقة. والظرفية في قوله: {في الدين} مجازية: تشبيهاً للملابسة القوية بإحاطة الظرف بالمظروف زيادة في الدلالة على التمكّن من الإسلام وأنّه يَجُبُّ ما قبله. {وَنُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. اعتراض وتذييل، والواو اعتراضية، ومناسبة موقعه عقب قوله: {أية : اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً} تفسير : [التوبة: 9] أنّه تضمّن أنّهم لم يهتدوا بآيات الله ونبذوها على علم بصحّتها كقوله تعالى: {أية : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم}تفسير : [الجاثية: 23]، وباعتبار ما فيه من فرض توبتهم وإيمانهم إذا أقلعوا عن إيثار الفساد على الصلاح، فكان قوله: {ونفصل الآيات لقوم يعلمون} جامعاً للحالين، دالاً على أنّ الآيات المذكورة آنفاً في قوله: {أية : اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا}تفسير : [التوبة: 9] آيات واضحة مفصّلة، وأنّ عدم اهتداء هؤلاء بها ليس لنقص فيها ولكنّها إنّما يهتدي بها قوم يعلمون، فإن آمنوا فقد كانوا من قوم يعلمون. ويفهم منه أنّهم إن اشتروا بها ثمناً قليلاً فليسوا من قوم يعلمون، فنُزّل علمهم حينئذ منزلة عدمه لانعدام أثر العلم، وهو العمل بالعلم، وفيه نداء عليهم بمساواتهم لغير أهل العقول كقوله: {أية : وما يعقلها إلا العالمون}تفسير : [العنكبوت: 43]. وحُذف مفعول {يعلمون} لتنزيل الفعل منزلة اللازم إذ أريد به: لقوم ذوي علم وعقل. وعطف هذا التذييل على جملة: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} لأنّه به أعلق، لأنّهم إن تابوا فقد صاروا إخوانا للمسلمين، فصاروا من قوم يعلمون، إذ ساووا المسلمين في الاهتداء بالآيات المفصّلة. ومعنى التفصيل تقدّم في قوله تعالى: {أية : وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين}تفسير : من سورة الأنعام (55).

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {وَآتَوُاْ} {ٱلزَّكَاةَ} {فَإِخْوَانُكُمْ} {ٱلآيَاتِ} (11) - فَإذا انْتَهُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وَتَابُوا وَدَخَلُوا فِي الإِسْلاَمِ، وَأدّوا الصَّلاَةَ حَقَّ أدَائِها، وَأَدُّوْا زَكَاةَ أمْوالِهِمْ، فَحِينَئذٍ يُصْبِحُونَ إخْوَاناً لَكُمْ فِي الدِّينِ، وَاللهُ يُفَصِّلُ الآيَاتِ، وَيُوَضِّحُهَا لِقَوْمٍ يَِعْلَمُونَ مَا بَيَّنَ اللهُ لَهُمْ مِنَ الحُجَجِ وَالبَرَاهِينِ وَالآيَاتِ، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا. أقَامُوا الصَّلاَةَ - أدَّوْهَا حَقَّ أدَائِهَا، وَأتَمُّوهَا بِخُشُوعِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذه الآية الكريمة تؤكد لنا أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وأن الباب مفتوح دائما لتوبة المشركين والكافرين مهما كانت ذنوبهم، وهكذا تكون رحمة الله تعالى. ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: {فَإِن تَابُواْ} ولم يقل إذا تابوا، لأنه لو قال: إذا تابوا تكون توبتهم مؤكدة، ولكن قوله: {فَإِن تَابُواْ} فيها شك، لأن ما فعلوه ضد الإيمان كثير، والذي نأمله فيهم قليل، ولكن التوبة تفترض أن يباشر التائب بعدها مهمته الإيمانية. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ} [التوبة: 11]. إذن فالمهمة الإيمانية بعد التوبة إنما تكون بشهادة أن "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وبطبيعة الحال لا بد من مباشرة الصلاة لأنها تجمع كل أركان الإسلام، وهي عمل يومي، وليست عملاً مطلوباً من الإنسان مرة واحدة كالحج، وليست كالصوم، فالصوم مدته شهر واحد من السنة. إذن لكي تتأكد التوبة فلا بد أن يؤدي التائب الصلاة في وقتها كل يوم فهي العمل اليومي الذي لا يؤجل ولا يتأخر عن وقته، والصلاة قرنت غالباً بالزكاة في آيات القرآن الكريم؛ لأن الزكاة تضحية بالمال، والمال ناتج العمل، والعمل ناتج الوقت، والصلاة تضحية بالوقت، فكأن الصلاة - كما قلنا - فيها زكاة. والحق سبحانه وتعالى يقول: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَنُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 11]. إنه لا بد أن نلاحظ في التفصيل هنا المراحل الإيمانية التي بينها الله عز وجل لنا؛ المرحلة الأولى وهي تحمل الاضطهاد والصبر، والمرحلة الثانية أنه لا مهادنة بين الإيمان والكفر، وهذه حسمت محاولة الكفار تمييع قضية الإيمان بأن نعبد إلهكم فترة وتعبدون إلهنا فترة، وكانت هذه عملية مرفوضة تماماً الآن وفي المستقبل وحتى قيام الساعة. ثم جاءت مرحلة المعاهدات ثم نقض العهود ثم مهلة الأشهر الأربعة الحرم التي أعطيت للكافرين. وكل هذه مسائل مقننة، ولم تكن الأمة العربية تعرف التقنينات. إذن فكل هذه التقنينات جاءت من السماء، والتقنينات في الأمم تأخذ أدوارا طويلة، ولا يوجد قانون بشري يولد سليماً وكاملا، بل كل قانون يوضع ثم تظهر له عيوب في التطبيق، فيعدّل ويطور ويفسر ويحتاج إلى أساطين القانون الذين يقضون عمرهم كله في التعديلات والتفصيلات، فكيف ترتب هذه الأمة العربية الأمية التي لم يكن لها حظ من علم ولا ثقافة كل هذه التقنينات؟. نقول: إنها لم ترتب، وإنما رتب لها ربها الذي أحاط بكل شيء علماً، فكل هذه المراحل التي مر بها الإيمان نزلت فيها تقنينات من السماء تبين للمؤمنين ما يجب أن يفعلوه. {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} [التوبة: 11]. ونحن عادة نعرف أخوة النسب، فهذا أخي من أبي وأمي، أو هذا أخي من الأب فقط، أو هذا من الأم فقط، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 58]. هذه أخوة النسب، ونحن نعلم أن مادة الأخوة تأتي مرة لتعبر عن أخوة النسب، وتأتي مرة كلمة "إخوان" لتعبر عن الأخوة في المذهب والعقيدة، وشاء الحق سبحانه وتعالى أن يرفع الإيمان إلى مرتبة النسب، فقال عز وجل: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تفسير : [الحجرات: 10]. ليدلنا على أنهم ما داموا قد دخلوا معنا في حظيرة الإيمان فلهم علينا حق أخوة النسب فيما يوجد من تواد وتراحم، وترابط وحماية بعضهم البعض دائما، وحب ووفاق إلى آخر ما نعرفه عن حقوق الأخوة بالنسب. ولكن نلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى قال: {فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} [التوبة: 11]. ولم يقل إخوانكم، لماذا؟. نقول: ليس من المعقول أن يخرجوا من كل ما كانوا فيه من آثام بالتوبة، ثم يصبحوا في نفس التو واللحظة إخوة، لكن ذلك يحدث عندما يتعمق إيمانهم، ويثبت صدق توبتهم حينئذ يصبحون إخوة. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَنُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 11]. كيف يكون التفصيل لمن يعلم؟. وما دام يعلم فلماذا التفصيل؟. ونقول: إن المعنى هنا أن الله سبحانه وتعالى يفصل الآيات لمن يريدون أن يعلموا العلم الحقيقي الذي يأتي من الله، لأن هذا العلم له أثر كبير على مستقبل الإيمان، ولذلك فغير المسلمين الذين يهتمون بدراسة الدين الإسلامي دراسة جادة للبحث عن العلم الحقيقي ينتهون إلى إعلان إسلامهم، لأنهم ما داموا أهل علم وأهل مواهب وأهل طموح في فنونهم، وما دامت شهوة العلم قد غلبتهم، وأرادوا أن يدرسوا منهج الإسلام بموضوعية، لذلك تجدهم يعلنون الإسلام لأنهم ينظرون النظرة الحقيقية للدين الذي يدرسونه، وهم يأخذون الإسلام من منبعه الإيماني وهو القرآن الكريم والسنّة النبوية، ولا يأخذون الإسلام من المنسوبين للإسلام، أي من المسلمين؛ لأن المسلمين قد يكون فيهم عاص، وقد يكون فيهم سارق، وقد يكون فيهم مُرْتشٍ، وقد يكون فيهم كذاب، وقد يكون غيهم منافق، ولو أخذوا الإسلام عن المسلمين لقالوا: ما هذا؟ معصية وسرقة وكذب ورشوة ونفاق؟! إنني أقول دائماً لمن لم يدرس الإسلام من أهل البلاد الأخرى: لا تنظر إلى المنسوبين للإسلام، ولكن انظر إلى الإسلام في جوهره ومنهجه: (القرآن والسنة)؛ هل جرم الرشوة والسرقة والكذب والنفاق وجعل لها عقوبة أو لا؟ نعم جرّمها. إذن فهذه الأفعال كلها التي وجدتها في عدد من المسلمين واستنكرتها ليست من الإسلام في شيء، ولكنك إذا ذهبت إلى الإسلام لتعرفه من منابعه العلمية وهي معزولة عن المنسوبين إليه لانتهيت إلى الإيمان. ولذلك لو عرف المسلمون الذين ينحرفون عن المنهج، ماذا يفعلون بالإسلام وكيف يسيئون إليه؛ لعلموا أنهم يفعلون شيئا خطيراً؛ لأن الإسلام منهج وسلوك، وليس منهجا نظريا فحسب، بل هو منهج عملي يطبق في الحياة، ولذلك فإذا كان القرآن الكريم يمثل قواعد المنهج، فسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل المنهج العملي التطبيقي للإسلام. ويقول الحق سبحانه: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} تفسير : [الأحزاب: 21]. والمسلم حين يطبق منهج الإسلام يلفت نظر غير المسلم إلى هذا الدين ويحببه فيه، وحين يفعل ما لا يرضاه الإسلام يُنَفَرِّ غير المسلم من الدين، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2 - 3]. لأن فعلك حين يختلف مع الدين الذي تدعو إليه وتؤمن به، فهو يتحول إلى حجة ضد الدين، فيقول غير المسلم: لقد رأيت المسلم يغش، ورأيته يسرق، ورأيت يده تمتد إلى الحرمات، إذن فكل منحرف عن الدين إنما يحمل فأساً يهدم بها الدين، ويكون عليه وزر عمله، ووزر من اتخذوه قدوة لهم. ولقد قلنا: إننا حين ننظر إلى التمثيل الدبلوماسي في العالم الإسلامي، نجد اثنتين وسبعين دولة إسلامية لها سفارات في معظم دول العالم، وأتساءل: كم من أفراد هذه السفارات يتمسك بالمظهر الإسلامي؟. أقل القليل. وكم من الجاليات الإسلامية في الدول الأجنبية يتمسكون بتعاليم الدين؟. أقل القليل. ولو أنهم تمسكوا جميعا بتعاليم الإسلام لعرفت دول العالم أن لهذا الدين قوة ومناعة تحميه. وأن هذه المناعة هي التي منعت الحضارة المادية المنحرفة من أن تؤثر في هؤلاء، ولكان لفتة قوية لشعوب العالم لكي تدرس هذا الدين، ولكنك تجدهم يذوبون ويتهافتون على الحضارة المادية للدول التي يقيمون فيها، مما يجعل شعوب هذه الدول تقول: لو كان دينهم قويا لتمسكوا به، ولم يتهافتوا على حضارتنا. وإذا درسنا تاريخ الإسلام نجد أنه لم ينتشر بالقتال أو بالسيف؛ لكنه انتشر بالأسوة الحسنة، وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَنُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 11]. أي نبينها لقوم يبحثون عن العلم الحقيقي، الذي بينه الله عز وجل في منهجه، ولذلك نجد مثلا أنه إذا وصلت أمة من الأمم إلى كشف جديد فأهل العلم في الإسلام يعرفون أنه ليس كشفا جديداً؛ لأن الإسلام ذكره منذ وقت طويل. فمثلا في القانون في ألمانيا وصلوا إلى مادة في القانون سموها: "سوء استغلال الحق" فأنت لك حقوق، ولكنك قد تسيء استغلالها. وبدأت الدولة في ألمانيا تتجه نحو تشريع قوانين تهدف لمنع إساءة استغلال الحقوق ووضع شروح لهذه القوانين وتطبيقها إلى آخره، وذهب محام مسلم من بني سويف ليحصل على الدكتوراه من ألمانيا، فاطلع على هذه المسألة، وقد كان يحضر محاضرة يلقيها صاحب قانون نظرية "سوء استغلال الحق"، فقام المحامي المسلم وقال له: أنت تقول إنَّك واضع هذه النظرية؟. فقال المحاضر الألماني: نعم. فقال المحامي: لقد جاءت هذه النظرية منذ أربعة عشر قرناً في منهج الإسلام. وارتبك المحاضر الألماني ارتباكا شديداً، وجاء بالمستشرقين؛ ليناقشوا هذا المحامي المسلم، وجاءوا بكتب السيرة النبوية، وأخرج المحامي للمستشرقين قصة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: إن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان جالسا فجاءه صحابي يشكو من أن أحد الصحابة له نخلة في بيته، والبيت مملوك للصحابي الشاكي، والنخلة مملوكة لصاحبي آخر، وقد تعوَّد أن يأتي الصحابي صاحب النخلة إليها كثيراً ليشذبها ويلقحها ويطمئن عليها، وكأنه قد جعلها "مسمار جحا" كما يقول المثل الشعبي، فتعرضت عورة أسرة الصحابي صاحب البيت إلى الحرج، فذهب يشكو الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحضر الرسول صاحب النخلة وأوضح له بما معناه: حديث : إما أن تهب النخلة لصاحب البيت، وإما أن تبيعها له بالمال، أو أن تقطعها . تفسير : لقد أوضح له الرسول صلى الله عليه وسلم: أن النخلة حقك ولكنك أسأت استعمال الحق بكثرة ذهابك إلى مكانها بسبب وبغير سبب، مما عرَّض عورة صاحب البيت للمتاعب. وكان هذا الفعل هو المثل الحي لسوء استغلال الحق. وكان من أمانة العلم أن يعدل أستاذ القانون الألماني في محاضرته ويقول: لقد ظننت أنني قد جئت بشيء جديد، ولكن الإسلام سبقني إليه منذ أربعة عشر قرنا. وفعلا تم التعديل. واعترف القانون الألماني بأن الإسلام قد سبقه في نظرية "سوء استغلال الحق" منذ ألف وأربعمائة سنة. ولذلك تجد أن صفة الأمية في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي أمته، كانت شهادة تفوق؛ لأنها لم تأخذ علمها بالقراءة عن حضارات الأمم السابقة، وإنما أخذته عن الله؛ لأن أقصى ما يصل إليه غير الأميين في علمهم أن يجيء إليهم العلم من بعضهم البعض، ولكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم جاء لها العلم من الله، وسادت الدنيا أكثر من ألف عام. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ...}.

الجيلاني

تفسير : {فَإِن تَابُواْ} ورجعوا إلى الإيمان بعدما بالغوا في العناد والاستكبار {وَ} بعد رجوعهم {أَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} المصفية لبواطنهم عن الميل إلى غير الحق {وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ} المطهرة لظواهرهم عمَّا يشغلهم عن الحق {فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} أنتم وهم سواء في سلوك طريق الحق والرجوع إليه {وَ} إنما {نُفَصِّلُ} ونوضح {ٱلأيَـٰتِ} الدالة على توحيدنا {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 11] ويصلون إلى مرتبة اليقين العلمي، ويريدون الترقي منها إلى اليقين العيني والحقي. {وَإِن نَّكَثُوۤاْ} ونقضوا {أَيْمَانَهُم} ونبذوا عهودهم {مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ} وراء ظهورهم {وَ} مع ذلك {طَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ} بتصريح التكذيب والتقبيح في الأحكامن والمعتقدات، والطاعات والعبادات {فَقَاتِلُوۤاْ} أيها الغزاة المرابطون قلوبكم مع الله ورسوله {أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} أي: صناديدهم ورؤساءهم؛ لأنهم ضالون مضلون، وإن تفوهوا بالعهد والميثاق لا تبالوا بهم وبعهودهم {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} أصلاً؛ لتخمير طينتهم على الشرك والشقاق {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} [التوبة: 12] وينتبهون؛ أي: سفلتهم الضالون عمَّا عليه رؤساؤهم المضلون بعد انقراضهم. ثمَّ قال سبحانه تحريضاً للمؤمنين على القتال على وجه المبالغة: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ وَ} بعد نقضهم الأيمان والعهود {هَمُّواْ} أي: قصدوا واهتموا {بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} من مكة {وَ} الحال أنه {هُم} قوم {بَدَءُوكُمْ} بالمعاداة والمخاصمة {أَوَّلَ مَرَّةٍ} في بدء الإسلام حين تحدوا مع رسول الله بالمعارضة فأفحموا، والتجأوا إلى المقارعة والمشاجرة {أَتَخْشَوْنَهُمْ} منهم أيها المؤمنون في مقاتلتهم أن يحلقكم مكروه من جانبهم أم تداهنون معهم وتضعفون عنهم؟! وإن خشيتم عن لحقوق المكروه وعروض المنكر {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} لأنه قادر على وجوه الانتقامات، فعليكم أن تخشوا من الله ومخالفة أمره وحكمه {إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ} [التوبة: 13] بالله وبأوامره ونواهيه.