٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَإِن نَّكَثُوۤاْ} النّكث النقض؛ وأصله في كل ما فُتِل ثم حُلّ. فهي في الأيمان والعهود مستعارة. قال:شعر : وإن حَلَفَتْ لا ينقض النّأيُ عهدها فليس لمخضُوب البَنَان يَمِينُ تفسير : أي عهد. وقوله: {وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ} أي بالإستنقاض والحرب وغير ذلك مما يفعله المشرك. يُقال طعَنه بالرمح وطعن بالقول السيء فيه يطعُن، بضم العين فيهما. وقيل: يَطْعُن بالرمح (بالضم) وَيَطْعَن بالقول (بالفتح). وهي هنا ٱستعارة؛ ومنه حديث : قوله صلى الله عليه وسلم حين أمّر أُسامة: «إن تَطْعنوا في إمارته فقد طَعنتم في إمارة أبيه من قبلْ وٱيْمُ الله إن كان لخلِيقاً للإمارة»تفسير : . خرّجه الصحيح. الثانية ـ ٱستدلّ بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كلّ من طعن في الدِّين؛ إذ هو كافر. والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين؛ لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أُصوله وٱستقامة فروعه. وقال ٱبن المنذر: أجمع عامّة أهل العلم على أن من سبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم عليه القتل. وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعيّ. وقد حُكي عن النعمان أنه قال: لا يُقتل مَن سبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم من أهل الذِّمة؛ على ما يأتي. ورُوي أن رجلاً قال في مجلس علي: ما قُتل كعب بن الأشرف إلاَّ غدراً؛ فأمر عليّ بضرب عنقه. وقاله آخر في مجلس معاوية فقام محمد بن مسلمة فقال: أيُقال هذا في مجلسك وتسكت! والله لا أُساكنك تحت سقف أبداً، ولئن خلوتُ به لأقتلنّه. قال علماؤنا: هذا يقتل ولا يستتاب إن نسب الغدر للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وهو الذي فهمه عليّ ومحمد بن مسلمة رضوان الله عليهما مِن قائل ذلك، لأن ذلك زَنْدَقَةٌ. فأمّا إن نسبه للمباشرين لقتله بحيث يقول: إنهم أمّنوه ثم غدروه لكانت هذه النسبة كذباً محضاً؛ فإنه ليس في كلامهم معه ما يدل على أنهم أمّنوه ولا صرّحوا له بذلك، ولو فعلوا ذلك لما كان أمَاناً؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما وجّههم لقتله لا لتأمينه، وأذن لمحمد بن مسلمة في أن يقول. وعلى هذا فيكون في قتل من نسب ذلك لهم نظر وتردّد. وسببه هل يلزم من نسبة الغدر لهم نسبتُه للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد صوّب فعلهم ورضي به فيلزم منه أنه قد رضي بالغدر ومن صرّح بذلك قتل، أو لا يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبيّ صلى الله عليه وسلم فلا يُقتل. وإذا قلنا لا يقتل، فلا بُدّ من تنكيل ذلك القائل وعقوبته بالسجن، والضرب الشديد والإهانة العظيمة. الثالثة ـ فأما الذِّميّ إذا طعن في الدين ٱنتقض عهده في المشهور من مذهب مالك؛ لقوله: {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم} الآية. فأمر بقتلهم وقتالهم. وهو مذهب الشافعيّ رحمه الله. وقال أبو حنيفة في هذا: إنه يستتاب، وإنّ مجرّد الطعن لا ينقض به العهد إلاَّ مع وجود النَّكْث؛ لأن الله عزّ وجل إنما أمر بقتلهم بشرطين: أحدهما نقضهم العهد، والثاني طعنهم في الدين. قلنا: إنَ عملوا بما يخالف العهد انتقض عهدهم، وذِكر الأمرين لا يقتضي توقّف قتاله على وجودهما؛ فإن النكث يبيح لهم ذلك بانفراده عقلاً وشرعاً. وتقدير الآية عندنا: فإن نكثوا عهدهم حلّ قتالهم، وإن لم ينكثوا بل طعنوا في الدِّين مع الوفاء بالعهد حلّ قتالهم. وقد رُوي أن عمر رُفع إليه: ذِمّي نخس دابة عليها ٱمرأة مسلمة فَرَمَحت فأسقطتها فانكشف بعض عورتها؛ فأمر بصلبه في الموضع. الرابعة ـ إذا حارب الذمّي نُقض عهده وكان مالُه وولده فَيْئاً معه. وقال محمد بن مسلمة: لا يؤاخذ ولده به؛ لأنه نقض وحده. وقال: أمّا مالُه فيؤخذ. وهذا تعارض لا يشبه منصِب محمد بن مسلمة؛ لأن عهده هو الذي حمى ماله وولده؛ فإذا ذهب عنه ماله ذهب عنه ولده. وقال أشهب: إذا نقض الذّمي العهد فهو على عهده ولا يعود في الرق أبداً. وهذا من العجب؛ وكأنه رأى العهد معنًى محسوساً. وإنما العهد حكم اقتضاه النظر، والتزمه المسلمون له، فإذا نقضه انتقض كسائر العقود. الخامسة ـ أكثر العلماء على أن مَن سبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة، أو عَرّض أو استخفّ بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به فإنه يقتل؛ فإنا لم نعطه الذِّمة أو العهد على هذا. إلاَّ أبا حنيفة والثّوريّ وأتباعَهما من أهل الكوفة فإنهم قالوا: لا يقتل، ما هو عليه من الشرك أعظم. ولكن يؤدَّب ويُعَزّر. والحجة عليه قوله تعالىٰ: {وَإِن نَّكَثُوۤاْ} الآية. واستدلّ عليه بعضهم بأمره صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف وكان معاهَداً. وتغيّظ أبو بكر على رجل من أصحابه فقال أبو بَرزة: ألاَ أضرب عنقه!. فقال؛ ما كانت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عباس: حديث : أن رجلاً أعمى كانت له أمّ ولد، له منها ٱبنان مثل اللؤلؤتين، فكانت تشتُم النبيّ صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فينهاها فلم تنته، ويزجرها فلم تنزجر، فلما كان ذات ليلة ذكرت النبيّ صلى الله عليه وسلم فما صبَرَ سيّدها أن قام إلى مِعْول فوضعه في بطنها، ثم ٱتّكأ عليها حتى أنفذه. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ألاَ ٱشهدوا إن دمها هَدَر»تفسير : . وفي رواية عن ابن عباس: حديث : فقتلها، فلما أصبح قيل ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقام الأعمى فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلتْ تشتمك وتقع فيك فقتلتها؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ألاَ أشهدوا إن دمها هَدَرَ».تفسير : السادسة ـ واختلفوا إذا سَبّه ثم أسلم تَقِيّة من القتل؛ فقيل: يُسقط إسلامُه قتلَه؛ وهو المشهور من المذهب؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله. بخلاف المسلم إذا سَبّه ثم تاب؛ قال الله عزّ وجل: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [الأنفال: 38]. وقيل: لا يُسقط الإسلامُ قتلَه؛ قاله في العُتْبِية؛ لأنه حقٌّ للنبيّ صلى الله عليه وسلم وجب لانتهاكه حرمته وقصدِه إلحاق النّقِيصة والمعرّة به، فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي يسقطه، ولا يكون أحسنَ حالاً من المسلم. السابعة ـ قوله تعالىٰ: {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} «أئمّة» جمع إمام، والمراد صناديد قريش ـ في قول بعض العلماء ـ كأبي جهل وعتبة وشيبة وأُمية بن خلف. وهذا بعيد؛ فإن الآية في سورة «براءة» وحين نزلت وقُرئت على الناس كان الله قد استأصل شَأْفة قريش فلم يبق إلاَّ مسلم أو مسالم؛ فيحتمل أن يكون المراد {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ}. أي من أقدم على نكث العهد والطعنِ في الدين يكون أصلاً ورأساً في الكفر؛ فهو من أئمة الكفر على هذا. ويحتمل أن يعني به المتقدِمون والرؤساء منهم، وأن قتالهم قتالٌ لأتباعهم وأنهم لا حُرْمة لهم. والأصل أَأْمِمَة كمثال وأمثلة، ثم أدغمت الميم في الميم وقُلبت الحركة على الهمزة فٱجتمعت همزتان، فأبدلت من الثانية ياء. وزعم الأخفش أنك تقول: هذا أيمّ من هذا؛ بالياء. وقال المازنيّ: أَوَمّ من هذا، بالواو. وقرأ حمزة «أئمة». وأكثر النحويين يذهب إلى أن هذا لحن؛ لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة. {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} أي لا عهود لهم؛ أي ليست عهودهم صادقةً يُوفون بها. وقرأ ابن عامر «لا إيمان لهم» بكسر الهمزة من الإيمان؛ أي لا إسلام لهم. ويحتمل أن يكون مصدر آمنته إيماناً، من الأمن الذي ضدّه الخوف، أي لا يؤمنون؛ من آمنته إيماناً أي أجرته؛ فلهذا قال: {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ}. {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} أي عن الشرك. قال الكَلْبِيّ: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم وادع أهل مكة سنةً وهو بالحُدَيْبِيَة فحبسوه عن البيت، ثم صالحوه على أن يرجع فمكثوا ما شاء الله، ثم قاتل حلفاءُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خُزاعة حلفاءَ بني أُميّة من كِنَانة، فأمدّت بنو أُمية حلفاءهم بالسلاح والطعام. فٱستعانت خُزاعة برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعين حلفاءه كما سبق. وفي البخاريّ عن زيد ابن وهب قال: كنا عند حُذيفة فقال ما بقي من أصحاب هذه الآية ـ يعني {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} ـ إلاَّ ثلاثة، ولا بقي من المنافقين إلاَّ أربعة. فقال أعرابيّ: إنكم أصحابَ محمد تخبرون أخباراً لا ندري ما هي! تزعمون ألاّ منافق إلاَّ أربعة، فما بال هؤلاء الذين يبْقُرُون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا. قال: أُولئك الفسّاق. أجل لم يبق منهم إلاَّ أربعة؛ أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده. قوله تعالىٰ: {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} أي عن كفرهم وباطلهم وأذيتهم للمسلمين. وذلك يقتضي أن يكون الغرض من قتالهم دفْع ضررهم لينتهوا عن مقاتلتنا ويدخلوا في ديننا.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: وإن نكث المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة أيمانهم، أي: عهودهم ومواثيقهم {وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ} أي: عابوه وانتقصوه، ومن ههنا أخذ قتل من سب الرسول صلوات الله وسلامه عليه، أو من طعن في دين الإسلام، أو ذكره بنقص، ولهذا قال: {فَقَـٰتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَـٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} أي: يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال. وقد قال قتادة وغيره: أئمة الكفر: كأبي جهل، وعتبة، وشيبة، وأمية بن خلف، وعدد رجالاً، وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: مر سعد بن أبي وقاص برجل من الخوارج، فقال الخارجي: هذا من أئمة الكفر، فقال سعد: كذبت، بل أنا قاتلت أئمة الكفر. رواه ابن مردويه، وقال الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة أنه قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثله، والصحيح أن الآية عامة، وإن كان سبب نزولها مشركي قريش فهي عامة لهم ولغيرهم، والله أعلم. وقال الوليد بن مسلم: حدثنا صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: أنه كان في عهد أبي بكر رضي الله عنه إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال: إنكم ستجدون قوماً محوّقة رؤوسهم، فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلاً منهم، أحب إليّ من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله يقول: {فَقَـٰتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} رواه ابن أبي حاتم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن نَّكَثُواْ } نقضوا {أَيْمَٰنَهُمْ } مواثيقهم {مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ } عابوه {فَقَٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ } رؤساءه، فيه وضع الظاهر موضع المضمر {إِنَّهُمْ لا أَيْمَٰنَ } عهود {لَهُمْ } وفي قراءة بالكسر {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ } عن الكفر.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَإِن نَّكَثُواْ } معطوف على {فإن تابوا} والنكث: النقض، وأصله نقض الخيط بعد إبرامه، ثم استعمل في كل نقض، ومنه نقض الإيمان والعهود على طريق الاستعارة. ومعنى: {مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ } أي: من بعد أن عاهدوكم. والمعنى: أن الكفار إن نكثوا العهود التي عاهدوا بها المسلمين، ووثقوا بها وضموا إلى ذلك الطعن في دين الإسلام، والقدح فيه، فقد وجب على المسلمين قتالهم. وأئمة الكفر: جمع إمام، والمراد صناديد المشركين، وأهل الرئاسة فيهم على العموم. وقرأ حمزة "أإمة"، وأكثر النحويين يذهب إلى أن هذا لحن، لأن فيه الجمع بين همزين في كلمة واحدة. وقرأ الجمهور بجعل الهمزة الثانية بين بين، أي بين مخرج الهمزة والياء. وقرىء بإخلاص الياء وهو لحن، كما قال الزمخشري. قوله: {إِنَّهُمْ لا أَيْمَـٰنَ لَهُمْ } هذه الجملة تعليل لما قبلها، والإيمان: جمع يمين في قراءة الجمهور. وقرأ ابن عامر «لا إيمان لهم» بكسر الهمزة. والمعنى على قراءة الجمهور: أن إيمان الكافرين وإن كانت في الصورة يميناً، فهي في الحقيقة ليست بيمين. وعلى القراءة الثانية: أن هؤلاء الناكثين للإيمان الطاعنين في الدين، ليسوا من أهل الإيمان بالله حتى يستحقوا العصمة لدمائهم وأموالهم، فقتالهم واجب على المسلمين. قوله: {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ } أي: عن كفرهم ونكثهم وطعنهم في دين الإسلام. والمعنى: أن قتالهم يكون إلى الغاية هي الانتهاء عن ذلك. وقد استدلّ بهذه الآية على أن الذمي إذا طعن في الدين لا يقتل حتى ينكث العهد، كما قال أبو حنيفة، لأن الله إنما أمر بقتلهم بشرطين: أحدهما: نقض العهد، والثاني: الطعن في الدين. وذهب مالك والشافعي وغيرهما، إلى أنه إذا طعن في الدين قتل، لأنه ينتقض عهده بذلك، قالوا: وكذلك إذا حصل من الذميّ مجرد النكث فقط من دون طعن في الدين، فإنه يقتل. قوله: {أَلاَ تُقَـٰتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ } الهمزة الداخلة على حرف النفي للاستفهام التوبيخي، مع ما يستفاد منها من التحضيض على القتال والمبالغة في تحققه، والمعنى: أن من كان حاله كحال هؤلاء من نقض العهد وإخراج الرسول من مكة والبداءة بالقتال، فهو حقيق بأن لا يترك قتاله، وأن يوبخ من فرط في ذلك، ثم زاد في التوبيخ فقال: {أَتَخْشَوْنَهُمْ } فإن هذا الاستفهام للتوبيخ والتقريع: أي تخشون أن ينالهم منهم مكروه فتتركون قتالهم لهذه الخشية، ثم بين ما يجب أن يكون الأمر عليه، فقال: {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ } أي: هو أحق بالخشية منكم، فإنه الضارّ النافع بالحقيقة، ومن خشيتكم له أن تقاتلوا من أمركم بقتاله، فإن قضية الإيمان توجب ذلك عليكم، ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال: {قَـٰتِلُوهُمْ } ورتب على هذا الأمر فوائد: الأولى: تعذيب الله للكفار بأيدي المؤمنين بالقتل والأسر. والثانية: إخزاؤهم، قيل: بالأسر. وقيل: بما نزل بهم من الذلّ والهوان. والثالثة: نصر المسلمين عليهم وغلبتهم لهم. والرابعة: أن الله يشفي بالقتال صدور قوم مؤمنين ممن لم يشهد القتال ولا حضره. والخامسة: أنه سبحانه يذهب بالقتال غيظ قلوب المؤمنين الذي نالهم بسبب ما وقع من الكفار من الأمور الجالبة للغيظ وحرج الصدر. فإن قيل: شفاء الصدور وإذهاب غيظ القلوب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً. قيل في الجواب: إن القلب أخص من الصدر. وقيل: إن شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار لنجاز الوعد مع الثقة به فيهما شفاء للصدر، وأن إذهاب غيظ القلوب إشارة إلى وقوع الفتح، وقد وقعت للمؤمنين ولله الحمد هذه الأمور كلها، ثم قال: {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاء } وهو ابتداء كلام يتضمن الإخبار بما سيكون، وهو أن بعض الكافرين يتوب عن كفره، كما وقع من بعض أهل مكة يوم الفتح، فإنهم أسلموا وحسن إسلامهم، وهذا على قراءة الرفع في {يتوب}، وهي قراءة الجمهور. وقرىء بنصب {يتوب} بإضمار أن، ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى. قرأ بذلك ابن أبي إسحاق، وعيسى الثقفي، والأعرج. فإن قيل: كيف تقع التوبة جزاء للمقاتلة؟ وأجيب بأن القتال قد يكون سبباً لها إذا كانت من جهة الكفار، وأما إذا كانت من جهة المسلمين فوجهه: أن النصر والظفر من جهة الله يكون سبباً لخلوص النية والتوبة عن الذنوب. قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ } أم هذه هي المنقطعة التي بمعنى بل، والهمزة والاستفهام للتوبيخ، وحرف الإضراب للدلالة على الانتقال من كلام إلى آخر، والمعنى: كيف يقع الحسبان منكم بأن تتركوا على ما أنتم عليه، وقوله: {أَن تُتْرَكُواْ } في موضع مفعولي الحسبان عند سيبويه. وقال المبرد: إنه حذف الثاني، والتقدير: أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق، الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب. وجملة {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ } في محل نصب على الحال، والمراد من نفي العلم نفي المعلوم، والمعنى كيف تحسبون أنكم تتركوا، ولما يتبين المخلص منكم في جهاده من غير المخلص، وجملة: {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ } معطوفة على جاهدوا داخلة معه في حكم النفي واقعة في حيز الصلة، والوليجة: من الولوج: وهو الدخول، ولج يلج ولوجاً: إذا دخل، فالوليجة: الدخيلة. قال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه، فهو وليجة. قال أبان بن تغلب:شعر : فبئس الوليجة للهاربيـ ـن والمعتدين وأهل الريب تفسير : وقال الفراء: الوليجة: البطانة من المشركين، والمعنى واحد، أي كيف تتخذون دخيلة أو بطانة من المشركين تفشون إليهم بأسراركم، وتعلمونهم أموركم من دون الله {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي: بجميع أعمالكم. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد، في قوله: {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُم } قال: عهدهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال: يقول الله لنبيه وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم، فقاتلهم إنهم أئمة الكفر. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {أئمة الكفر} قال: أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هاشم، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله وهموا بإخراج الرسول من مكة. وأخرج ابن عساكر، عن مالك بن أنس مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس {فَقَـٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ } قال: رؤوس قريش. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عمر قال: أبو سفيان بن حرب منهم. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أنهم الديلم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن حذيفة أنهم ذكروا عنده هذه الآية فقال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد، وأخرج ابن مردويه، عن عليّ نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، وابن مردويه، عن حذيفة قال: ما بقي من أهل هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة، فقال أعرابيّ: إنكم أصحاب محمد تخبروننا لا ندري فما بال هؤلاء الذين ينقرون بيوتنا ويسترقون أعلاقنا، قال: أولئك الفساق، أجل لم يبق منهم إلا أربعة. أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده. والأولى: أن الآية عامة في كل رؤساء الكفار من غير تقييد بزمن معين أو بطائفة معينة اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومما يفيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه كان في عهد أبي بكر الصديق إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال: إنكم ستجدون قوماً مجوفة رؤوسهم، فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلاً منهم أحبّ إليّ من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله يقول: {فَقَـٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ }. وأخرج أبو الشيخ عن حذيفة {لا أيمان لهم} قال: لا عهود لهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عمار مثله. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {أَلاَ تُقَـٰتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ } قال: قتال قريش حلفاء النبيّ صلى الله عليه وسلم وهمهم بإخراج الرسول. زعموا أن ذلك عام عمرة النبي صلى الله عليه وسلم في العام التابع للحديبية، نكثت قريش العهد عهد الحديبية، وجعلوا في أنفسهم إذا دخلوا مكة أن يخرجوا منها؛ فذلك همهم بإخراجه، فلم تتابعهم خزاعة على ذلك فلما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة، قالت قريش لخزاعة: عميتمونا عن إخراجه، فقاتلوهم، فقتلوا منهم رجالاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة قال: نزلت في خزاعة: {قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ } الآية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، نحوه أيضاً، وقد ساق القصة ابن إسحاق في سيرته، وأورد فيها النظم الذي أرسلته خزاعة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأوّله:شعر : يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا تفسير : وأخرج القصة البيهقي في الدلائل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: الوليجة: البطانة من غير دينهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، قال: {وليجة} أي: خيانة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ} أي نقضوا عهدهم الذي عقدوه بأيمانهم. {وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: إظهار الذم له. والثاني: إظهار الفساد فيه. {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم رؤساء المشركين. والثاني: أنهم زعماء قريش، قاله ابن عباس. والثالث: أنهم الذين كانوا قد هموا بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة. {إِنَّهُم لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} قراءة الجمهور بفتح الألف، من اليمين لنقضهم إياها. وقرأ ابن عامر: {إِنَّهُم لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} بكسر الألف، وهي قراءة الحسن. وفيها إذا كسرت وجهان: أحدهما: أنهم كفرة لا إيمان لهم. والثاني: أنهم لا يعطون أماناً.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم} نقضوا العهد الذي عقدوه بأيمانهم. {أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} رؤساء المشركين، أو زعماء قريش "ع" أو الذين هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم. {لآ أَيْمَانَ لَهُمْ} بارة و {لا إيمان} من الأمان، أو التصديق.
الخازن
تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {وإن نكثوا أيمانهم} يعني وإن نقضوا عهودهم {من بعد عهدهم} يعني من بعد ما عاهدوكم عليه أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحداً من أعدائكم {وطعنوا في دينكم} يعني وعابوا دينكم الذي أنتم عليه وقدحوا فيه وثلبوه. وفي هذا دليل على ان الذمي إذا طعن في دين الإسلام وعابه ظاهراً لا يبقى له عهد والمراد بهؤلاء الذين نقضوا العهد كفار قريش وهو قوله تعالى: {فقاتلوا أئمة الكفر} يعني رؤوس المشركين وقادتهم. قال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو وأبي جهل وابنه عكرمة وسائر رؤساء قريش وهم الذين نقضوا عهدهم وهموا بإخراج الرسول وقيل أراد جميع الكفار وإنما ذكر الأئمة لأنهم الرؤساء والقادة ففي قتالهم قتال الأتباع، وقال مجاهد: هم فارس والروم وقال حذيفة بن اليمان: ما قوتل أهل هذه الآية بعد ولم يأت أهلها ولعل حذيفة أراد بذلك الذين يظهرون مع الدجال من اليهود فإنهم أئمة الكفر في ذلك الزمان والله أعلم بمراده. وقوله سبحانه وتعالى: {إنهم لا أيمان لهم} جمع يمين أي لا عهد لهم وقيل معناه إنهم لا وفاء لهم بالعهود وقرئ لا إيمان لهم بكسر الهمزة ومعناه لا دين لهم ولا تصديق وقيل هو من الأمان أي اقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تؤمنوهم {لعلهم ينتهون} أي لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم ويرجعوا عن الكفر إلى الإيمان ثم حض المؤمنين على جهاد الكفار وبين السبب في ذلك فقال تعالى: {ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم} يعني نقضوا عهودهم وهم الذين نقضوا عهد الصلح بالحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة{وهموا بإخراج الرسول} يعني من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة {وهم بدؤوكم} يعني بالقتال {أول مرة} يعني يوم بدر وذلك أنهم قالوا لا ننصرف حتى نستأصل محمداً وأصحابه وقيل أراد به أنهم بدءوا بقتال خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم {أتخشونهم} يعني أتخافوهم أيها المؤمنون فتتركون قتالهم {فالله أحق أن تخشوه} يعني في ترك القتال {إن كنتم مؤمنين} يعني إن كنتم مصدقين بوعد الله ووعيده.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ...} الآية، ويليق هنا ذكْرُ شيء مِنْ حُكْمٍ طعن الذميِّ في الدِّين، والمشهورُ من مذْهَب مالِكٍ: أنه إِذا فعل شيئاً من ذلك؛ مِثْلُ تكذيبِ الشريعة، وسبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قُتِلَ. وقوله سبحانه: {فَقَـٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ }، أي: رؤوسهم وأعيانهم الذين يقودُونَ الناس إِليه، وأصوبُ ما يقال في هذه الآية: أنه لا يُعْنَى بها معيَّنٌ وإِنما وَقَعَ الأمر بقتال أئمة الناكثين للعهود من الكَفَرةِ إِلَى يوم القيامة، وٱقتَضَتْ حالُ كفَّار العرب ومحارِبي النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَن تكون الإِشارة إِليهم أَولاً، ثم كُلُّ مَنْ دَفَعَ في صدر الشريعة إِلى يوم القيامة فهو بمنزلتهم. وقرأ الجمهور: «لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ » (جَمْع يمين)، أي: لا أيمان لهم يُوفَى بها وتُبَرُّ، وهذا المعنَى يشبه الآيةَ، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة: « لا إِيمَانَ لَهُمْ»، وهذا يحتملُ وجهين: أحدهما: لا تصديقَ لهم، قال أبو عَليٍّ: وهذا غَيْرُ قويٍّ؛ لأنه تكريرٌ، وذلك أنه وَصَفَ أَئمَّة الكُفْرِ بأنهم لا إِيمان لهم، والوجْه في كَسْر الألفِ أَنَّه مصْدَرٌ من آمَنْتُهُ إِيماناً؛ ومنه قوله تعالى: { أية : وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ } تفسير : [قريش:4] فالمعنى: أنهم لاَ يُؤَمَّنُونَ كما يُؤَمَّنُ أَهْلُ الذمَّة الكتابيُّون؛ إِذ المشركون ليس لهم إِلا الإِسلام أو السَّيْفَ، قال أبو حاتمْ: فَسَّر الحَسَنُ قراءته: لا إِسلام لهم. قال * ع *: والتكريرُ الذي فَرَّ أبو عَلِيٍّ منه متَّجِهٌ، لأنه بيانُ المهمِّ الذي يوجبُ قَتْلهم. وقوله عز وجل: {أَلاَ تُقَـٰتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ...} الآية: «ألا»: عَرْضٌ وتحضيضٌ، قال الحسن: والمراد بـــ {إِخْرَاجٍ ٱلرَّسُولِ }: إخراجُه من المدينة، وهذا مستقيمٌ؛ كغزوة أُحُدٍ والأحزاب. وقال السديُّ: المرادُ مِنْ مَكَّة. وقوله سبحانه: {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، قيل: يراد أفعالهم بمكَّة بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبالمؤمنين. وقال مجاهدٌ: يراد به ما بَدَأَتْ به قريشٌ مِنْ معونة بني بَكْر حلفائِهِمْ، على خُزَاعَةَ حلفاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكان هذا بَدْءَ النقْض. وقال الطبريُّ: يعني فعْلَهم يَوْمَ بدر. قال الفَخْر: قال ابن إِسحاق والسُّدِّيُّ والكَلَبِيُّ: نزلَتْ هذه الآية في كفَّار مَكَّة؛ نكثوا أيمانهم بعد عَهْدِ الحديبية، وأعانوا بني بَكْر عَلَى خُزَاعة. انتهى. وقوله سبحانه: {أَتَخْشَوْنَهُمْ }: ٱستفهامٌ على معنى التقرير والتوبيخ، {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ}، أي: كَامِلِي الإِيمان.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وإن نكثوا أيمانهم} قال: عهدهم. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم} يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم فقاتلوهم انهم أئمة الكفر. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {أئمة الكفر} قال: أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله تعالى وهمّوا باخراج الرسول من مكة. وأخرج ابن عساكر عن مالك بن أنس رضي الله عنه. مثله. وأخرج ابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فقاتلوا أئمة الكفر} قال: أبو سفيان. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما {فقاتلوا أئمة الكفر} قال: رؤوس قريش. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله {فقاتلوا أئمة الكفر} قال: أبو سفيان بن حرب منهم. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه {فقاتلوا أئمة الكفر} قال: الديلم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن حذيفة رضي الله عنه أنهم ذكروا عنده هذه الآية فقال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه عن زيد بن وهب رضي الله عنه في قوله {فقاتلوا أئمة الكفر} قال: كنا عند حذيفة رضي الله عنه فقال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة ولا من المنافقين إلا أربعة. فقال اعرابي: إنكم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تخبروننا بأمور لا ندري ما هي، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون اعلاقنا؟! قال: أولئك الفساق، أجل لم يبق منهم إلا أربعة، أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه. أنه كان في عهد أبي بكر رضي الله عنه في الناس حين وجههم إلى الشام، فقال: إنكم ستجدون قوماً محلوقة رؤوسهم فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لئن أقتل رجلاً منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله تعالى يقول {قاتلوا أئمة الكفر} . وأخرج أبو الشيخ عن حذيفة رضي الله عنه {لا أيمان لهم} قال: لا عهود لهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عمَّار رضي الله عنه {لا أيمان لهم} لا عهود لهم. وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: والله ما قوتل أهل هذه الآية منذ أنزلت {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم...} الآية. وأخرج ابن مردويه عن مصعب بن سعد قال: مرَّ سعد رضي الله عنه برجل من الخوارج فقال الخارجي لسعد: هذا من أئمة الكفر. فقال سعد رضي الله عنه: كذبت، أنا قاتلت أئمته.
القشيري
تفسير : إذا جنحوا إلى الغَدْرِ، ونكثوا ما قدَّموه من ضمان الوفاء بالعهد، وبسطوا ألسنتَهم فيكم باللوم فاقصدوا مَنْ رحى الفتنةِ عليه تدور، وغُصْنُ الشَّرِّ مِنْ أَصْلِه يَتَشَعَّبُ، وهم سادةُ الكفار وقادتهم. وحقُّ القتالِ إعدادُ القوةِ جهراً، والتبرِّي عن الحول والقوة سِرَّاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {وإن نكثوا} عطف على قوله تعالى {أية : فان تابوا} تفسير : [التوبة: 11] اى وان لم يفعلوا ذلك بل نقضوا {أيمانهم من بعد عهدهم} الموثق بها واظهروا ما فى ضمائرهم من الشر واخرجوه من القوة الى الفعل {وطعنوا فى دينكم} عابوه وقدحوا فيه بتصريح التكذيب وتقبيح الاحكام {فقاتلوا} [بس بكشيد] {ائمة الكفر} اى فقاتلوهم فوضع الظاهر موظع الضمير للاشارة الى علة وجوب مقاتلتهم اى للايذان بانهم صاروا بذلك ذوى رياسة وتقدم فى الكفر احقاء بالقتل وقيل المراد بائمتهم رؤساؤهم كابى سفيان والحرث ابن هشام وابى جهل بن هشام وسهل بن عمرو وعكرمة بن ابى جهل واشاههم وتخصيصهم بالذكر ليس لنفى الحكم عما عداهم بل لان قتلهم اهم من حيث انهم هم المعتدون فى الشرارة ويدعون اتباعهم الى الافعال الباطلة كأنه قيل فقاتلوا من نكث الوفاء بالعهود لا سيما ائمتهم والرؤساء منهم. واصل ائمة أاممة جمع امام نحو مثال وامثلة {انهم لا أيمان لهم} اى على الحقيقة حيث لا يراعونها ولا يعدون نقضها محذورا وان اجروها على ألسنتهم فالمراد بالايمان المثبتة لهم بقوله تعالى {وان نكثوا ايمانهم} ما اظهروه من الايمان وبالمنفية ما هو ايمان على الحقيقة فانهم اذا لم يراعوها فلا وجود لها فى الحقيقة ولا اعتبار بها لان ما لم يترتب عليه احكامه ولوازمه فهو فى حكم المعدوم وهو تعليل لاستمرار القتال المأمور به المستفاد من سياق الكلام كأنه قيل فقاتلوهم الى ان يؤمنوا لانهم لا ايمان لهم حتى تعقدوا معهم عقداً آخر {لعلهم ينتهون} متعلق بقوله فقاتلوا اى قاتلوهم ارادة ان ينتهوا اى ليكن غرضكم من القتال انتهاءهم عماهم عليه من الكفر وسائر العظائم التى يرتكبونها لا ايصال الاذية كما هو ديدن المؤذين والاذية هو المكروه اليسير. اقول فيه اشارة الى ان الفاعل ينبغى ان يكون له غرض صحيح شرعى فى فعله كدفع المضرة فى قتل القملة والنملة واشباههما لا ارادة التشفى والانتقام وايصال الاذى والآلام للقرص او لغيره وليكن هذا على ذكر من الصوفية المحتاطين فى كل الامور والساعين فى طريق الفناء الى يوم ينفخ فى الصور. قال الحدادى فى الاية بيان ان اهل العهد متى خالفوا شيأ مما عاهدوهم عليه فقد نقضوا العهد واما اذا طعن واحد منهم فى الاسلام فان كان شرط فى عهودهم ان لا يذكروا كتاب الله ولا يذكروا محمدا صلى الله عليه وسلم بما لا يجوز ولا يفتنوا مسلما عن دينه ولا يقطعوا عليه طريقا ولا يعينوا اهل الحرب بدلالة على المسلمين فانهم اذا فعلوا ذلك فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسول الله فان فعلوا شيئاً من هذه الاشياء حل دمهم وان كان لم يشرط ذلك عليهم فى عهودهم وطعنوا فى القرآن وشتموا النبى عليه الصلاة والسلام ففيه خلاف من الفقهاء قال اصحابنا يعزرون ولا يقتلون واستدلوا بما حديث : روى انس بن مالك ان امرأة يهودية أتت النبى عليه السلام بشاة مسمومة ليأكل منها فجيئ بها وقيل له أنقتلها فقال تفسير : لا ولحديث عائشة رضى الله عنهاحديث : "فان الله عز وجل يحب الرفق فى امره كله" فقالت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا فقال "بلى قد قلت عليكم" تفسير : ولم يقتلهم النبى عليه السلام بذلك وذهب مالك الى ان من شتم النبى عليه السلام من اليهود والنصارى قتل الا ان يسلم انتهى ما فى تفسير الحدادى. قال ابن الشيخ فى الآية دليل على ان الذمى اذا طعن فى الاسلام اى عابه وازدراه جاز قتله لانه عوهد على ان لا يطعن فى الدين فاذا طعن فقد خرج عن الذمة وعند ابى حنيفة يستتاب الذمى بطعنه فى الدين ولا ينقض عهده بمجرد طعنه ما لم يصرح بالنكث انتهى. قال المولى اخى جلبى فى هدية المهديين الذمى اذا صرح بسبه عليه السلام او عرض او استخف بقدره او وصفه بغير الوجه الذى كفر به فلا خلاف عند الشافعى فى قتله ان لم يسلم لانه لم يعط له الذمة او العهد على هذا وهو قول عامة العلماء الا ان ابا حنيفة والثورى واتباعهما من اهل الكوفة قالوا لا يقتل لان ما هو عليه من الشرك اعظم لكن يعزر ويؤدب. وقيل لا يسقط اسلام الذمى الساب قتله لانه حق النبى عليه السلام وجب عليه لهتكه حرمته وقصده لحاق النقيصة والمعرة به عليه السلام فلم يكن رجوعه الى الاسلام مسقطا له كما لم يسقط سائر حقوق المسلمين قبل اسلامه من قتل او قذف واذا كنا لا نقبل توبة المسلم فلان لا نقبل توبة الكافر اولى كما فى الاسرار والحاوى فالمختار ان من صدر منه ما يدل على تخفيفه عليه السلام بعمد وقصد من عامة المسلمين يجب قتله ولا تقبل توبته بمعنى الخلاص من القتل وان اتى بكلمتى الشهادة والرجوع والتوبة لكن لو مات بعد التوبة او قتل حدّا مات ميتة الاسلام فى غسله وصلاته ودفنه ولو اصر على السب وتمادى عليه وابى التوبة منه فقتل على ذلك كان كافرا وميراثه للمسلمين ولا يغسل ولا يصلى عليه ولا يكفن بل تستر عورته ويوارى كما يفعل بالكفار. والفرق بين من سب الرسول وبين من سب الله على مشهور القول باستتابته ان النبى عليه السلام بشر والبشر من جنس تلحقهم المعرة الا من اكرمه الله تعالى بنبوته والبارى منزه عن جميع المعائب قطعا وليس من جنس تلحقهم المعرة بجنسه. واعلم انه قد اجتمعت الامة على ان الاستخفاف بنبينا وبأى نبى كان من الانبياء كفر سواء فعله فاعل ذلك استحلالا ام فعله معتقدا بحرمته ليس من بين العلماء خلاف فى ذلك والقصد للسب وعدم القصد سواء اذ لا يعذر احد فى الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلل اللسان اذا كان عقله فى فطرته سليما. فمن قال ان النبى صلى الله عليه وسلم كان اسود او يتيم ابى طالب او زعم ان زهده لم يكن قصدا بل لكمال فقره ولو قدر على الطيبات اكلها ونحو ذلك يكفر وكذا من عيره برعاية الغنم او السهو او النسيان او السحر او بالميل الى نسائه او قال لشعره شعير بطريق الاهانة وان اراد بالتصغير التعظيم لا يكفر ومن قال جن النبى ساعة يكفر ومن قال اغمى عليه لا يكفر -وحكى- عن ابى يوسف انه كان جالسا مع هارون الرشيد على المائدة فروى عن النبى عليه السلام انه كان يحب القرع فقال حاجب من حجابه انا لا احبه فقال لهارون انه كفر فان تاب واسلم فبها والا فاضرب عنقه فتاب واستغفر حتى امن من القتل ذكره فى الظهيرية قالوا هذا اذا قال ذلك على وجه الاهانة اما بدونها فلا فى كما فى الخاقانية ولو قال رجل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا اكل يلحس اصابعه الثلاث فقال الآخر [اين بى ادبيست] فهذا كفر والحاصل انه اذا استخف سنة او حديثا من احاديثه عليه السلام يكفر ولو قال لو كانت الصلاة زائدة على الاوقات الخمسة او الزكاة على خمسة دراهم والصوم على شهر لا افعل منها شيأ يكفر ولو قال لآخر صل فقال الآخر ان الصلاة عمل شديد الثقل يكفر ولو صلى رجل فى رمضان لا فى غيره فقال [اين خود بسارست] يكفر ولو ترك الصلاة متعمدا ولم ينو القضاء ولم يخف عقاب الله فانه يكفر ولو قال عند مجيئ شهر رمضان [آمد آن ماه كران] او جاء الضيف الثقيل يكفر. ومن اشارات الآيات ان الطعن في الدين هو الانكار على مذهب السلوك والطلب وائمة الكفر هم النفوس كما ان ائمة الايمان هم القلوب والارواح والنفوس لا وفاء لهم بالعهد على طلب الحق تعالى وترك ما سواه فلا بد من جهادهم حق جهادهم كى ينتهوا عن طبيعتهم وعما جبلوا عليه من الامارية بالسوء
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وإن نكثُوا أَيمانَهم} أي: نقضوها {من بعدِ عهدهم} أي: من بعد ما أعطوكم من العهود على الوفاء بها، {وطعنوا في دينكم} بصريح التكذيب وتقبيح الأحكام، {فقاتِلُوا أئمّةَ الكفر} أي: فقاتلوهم لأنهم أئمة الكفر، فوضع أئمة الكفر موضع الضمير؛ للدلالة على أنهم صاروا بذلك ذوي الرئاسة والتقدم في الكفر، فهم أحِقاء بالقتل، وقيل: المراد رؤساء المشركين، والتخصيص: إما لأن قتلهم أهم وهم أحق به، أو للمنع من مراقبتهم، {إنهم لا أَيمان لهم} على الحقيقة، وإلاًَّ لم يقدروا أن ينكثوها، واستشهد به الحنفية على أن يمين الكافر لا تلزم، وهو ضعيف؛ لأن المراد، نفي الوثوق عليها، لا أنها ليست بأيمان. قاله البيضاوي. قلت: وما قالته الحَنَفِيِّةُ هو مذهب المالكية، إذا حنث في حال الكفر، ثم أسلم، فلا يلزمه شيء. وقرأ ابن عامر بكسر الهمزة، أي: لا أيمان لهم صحيحاً يعصم دماءهم. {لعلهم ينتهون} أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم أن ينتهوا عما هم عليه، كما هي طريقة أهل الإخلاص لا إيصال الإذاية لهم، أو مقابلة عداوة. ثم حضَّ على قتالهم فقال: {أَلاَ تُقاتِلُون قوماً نَكَثُوا أَيمانهم} التي حلفوها للرسول صلىالله عليه وسلم وللمؤمنين على ألا يعاونوا عليهم، فعاونوا بني بكر على خزاعة، {وهمّوا بإخراج الرسول} حين تشاوروا في أمره بدار الندوة على ما مرّ، {وهم بدؤوكم أول مرة} بالمعاداة والمقاتلة؛ لأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بدأهم بالدعوة، وإلزام الحجة بالكتاب والتحدي به، فعدلوا عن معارضته إلى المعاداة والمقاتلة، فما يمنعكم أن تعارضوهم وتصادموهم، {أتخشونهم} أي: أتهابون قتالهم حتى تتركوا أمري، {فالله أحقُّ أن تخشَوه إن كنتم مؤمنين}؛ فإن قضية الإيمان ألا يُخاف إلا منه. ثم وعدهم بالنصر فقال: {قاتلوهم يُعذِّبْهُم الله بأيديكم ويُخْزِهِمْ}؛ يُهنهم بالقتل والأسر، {وينصركُمْ عليهم}، فيمكنكم من رقابهم، ويملككم أموالهم ونساءهم، {وَيشْفِ صدورَ قومٍ مؤمنين}، يعني: بني خزاعة شفوا صدورهم من بني بكر؛ لأنهم كانوا أغاروا عليهم وقتلوا فيهم. وقيل: بطوناً من اليمن قدموا مكة وأسلموا، فلقوا من أهلها أذى شديداً، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : أبشروا، فإن الفرج قريب".تفسير : {ويُذْهِبْ غيظَ قلوبهم}؛ بما لقوا منهم حين أغاروا عليهم، وقد أوفى الله بما وعدهم؛ بفتح مكة وهوازن. والآية من المعجزات. قاله البيضاوي. وهذا يقتضي أن هذا التخصيص كان قبل الفتح، فيلتئم مع ما بعده، ويبعد اتسامه مع ما قبله من البراءة، ونبذ العهد والإعلام بذلك؛ لكونه بعد الفتح، والله أعلم. قاله المحشي. ويمكن الجواب بأن يكون صدر السورة بعد الفتح، وبعضها؛ من قوله: (وإن أحد من المشركين...) إلخ نزل قبل الفتح، فإن الآيات كانت تنزل متفرقة فيقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : اجعلوا هذه الآية في محل كذا".تفسير : والله تعالى أعلم. ثم أخبر تعالى بأن بعض المشركين يتوب من كفره بقوله: {ويتوبُ اللَّهُ على من يشاءُ} هدايته، فيهديه للإيمان، ثم يتوب عليه، وقد كان ذلك في كثير منهم. {والله عليمٌ} بما كان يكون، {حكيم} لا يفعل ولا يحكم إلا على وفق حكمته. الإشارة: من رجع عن طريق القوم، ونقض عهد الأشياخ، ثم طعن في طريقهم، لا يرجى فلاحه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، أعني في طريق الخصوص؛ لأنه جمع بين نقض العهد والطعن على الأولياء، وقد قال تعالى: "حديث : من آذى لي ولياً فقد آذنني بالحرب"تفسير : . ومن رجع عنها؛ لضعف ووهن، مع بقاء الاعتقاد والتسليم، فربما تقع الشفاعة منهم فيلحق بهم، بخلاف الأول، فقد تقدم عن القشيري، في سورة آل عمران، أنهم يريدون الشفاعة فيه، فيخلق الله صورة على مثله، فإذا رأوها تركوا الشفاعة فيه، فيبقى مع عوام أهل اليمين. فانظره. وبالله التوفيق. ثم عاتبهم على تأخر بعضهم عن الجهاد، فقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ أهل الكوفة وابن عامر {أئمة} بهمزتين، إلا هشاماً عن ابن عامر فانه فصل بين الهمزتين بالف. الباقون بهمزة واحدة وياء بعدها. وفصل بينهما بالف ابو جعفر والمرى عن المسيبي والسوسنجرذي عن يزيد بن اسماعيل. وقرأ ابن عامر والحسن {لا إيمان لهم} بكسر الألف. الباقون بفتحها. والكسر يحتمل وجهين: احدهما - انهم ارتدوا، ولا إسلام لهم، ذكره الزجاج قال: ويجوز {لا إيمان لهم} على المصدر، وتقديره لا تأمنوهم بعد نكثهم العهد. والآخر - لانهم كفروا {لا إيمان لهم} ويحتمل أن يكون المراد أنهم آمنوا إيماناً لا يفون به فلا إيمان لهم. ومن فتح الهمزة فلقوله: {وإن نكثوا أيمانهم} ولقوله {عهدهم} وأثبت لهم الايمان. فان قيل كيف نفى فقال {إنهم لا أيمان لهم} وقد اثبتها في الأول من الآية بقوله {وإن نكثوا أيمانهم}؟! قلنا: اليمين التي اثبتها هي ما حلفوا بها وعقدوا عليها، ولم يفوا، وانما المراد به انهم لا أيمان لهم يفون بها، ويتمسكون بموجبها. وقال ابو علي النحوي {أئمة} على وزن "افعلة" جمع إمام نحو مثال وامثلة فصار أئمة، واجتمع همزتان الف أفعلة، والهمزة التي هي فاء الفعل، والتي هي فاء الفعل ساكنة فنقل اليها حركة التي بعدها ليمكن النطق بها. فمن خففها اتى بالهمزتين الاولى مفتوحة والثانية مكسورة. ومن كره ذلك قلب الثانية ياء ولم يجعلها بين بين، لأن همزة بين بين في تقدير التحقيق وذلك مكروه عندهم. وقال الرماني: انما جاز اجتماع الهمزتين في كلمة، لئلا يجتمع على الكلمة تغيير الادغام والانقلاب مع خفة التحقيق لأجل ما بعده من السكون، وهو مذهب ابن ابي اسحاق من البصريين. والباقون لا يجيزونه، ذكره الزجاج، قال: لانه يلزم عليه ان يقرأ "أأم" بهمزتين وذلك باطل بالاتفاق. وعلى هذا القول هذا أأم بهمزتين، قال: وانما قلبت الهمزة في أئمة على حركتها دون حركة ما قبلها، لان الحركة إنما نقلها إلى الهمزة لبيان زنة الكلمة، فلو ذهبت تقلبها على ما قبلها لكان مناقضاً للغرض فيها واذا بنيت من الامامة هذا افعل من هذا قلت هذا أوم من هذا - في قول المازني - لأن اصله كان أأم فلم يمكنه ان يبدل منها الفاء لاجتماع الساكنين، فجعلها واواً كما قالوا في جمع آدم أوادم. قال الزجاج: وهو القياس وهذا ايم من هذا في قول الأخفش، قال: لانها صارت الياء في أيمة بدلا لازماً. وقوله {وإن نكثوا أيمانهم} فالنكث نقض العهد الذي جعل لتوثيق الامر وذلك بالخلاف لما تقدم من العزم. و "الأيمان" جمع يمين، وهو القسم والقسم هو قول عقد بالمعنى لتأكيده، وتغليظ الأمر فيه نحو والله ليكونن وتالله ما كان، فيجوز أن يكون من اعطى صفقة بيمينه، ويجوز أن يكون من يمن التيسير في فعله. وقوله {وطعنوا في دينكم} فالطعن هو الاعتماد بالعيب. واصله الطعن بالرمح، ونحوه في الشيء لنقض بنيته. وقوله {فقاتلوا أئمة الكفر} امر من الله تعالى بقتال أئمة الكفر، وهم رؤساء الضلال والكفار، والامام هو المتقدم الاتباع، فأئمة الكفر رؤساء الكفر والامام في الخير مهتد هاد، وفي الشر ضال مضل، كما قال تعالى {أية : وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار }تفسير : والمعني بائمة الكفر رؤساء قريش، في قول ابن عباس ومجاهد. وقال قتادة: هم ابو جهل بن هشام، وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وابو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وهم الذين هموا باخراجه، وكان حذيفة يقول: لم يأت أهل هذه الآية. وروي عن ابي جعفر عليه السلام انها نزلت في اهل الجمل وروي ذلك عن علي عليه السلام وعمار، وغيرهما. ويقول حذيفة قال يزيد بن وهب: قوله {إنهم لا أيمان لهم} معناه لا تأمنوهم. ومن كسر معناه، لانهم كفروا لا إيمان لهم. وقوله: {لعلهم ينتهون} معناه لكي ينتهوا. وفي الاية دلالة على ان الذمي إذا اظهر الطعن في الاسلام فانه يجب قتله، لان عهده معقود على أن لا يطعن في الاسلام، فاذا طعن فقد نكث عهده.
الأعقم
تفسير : {ألا تقاتلون قوماً نكثوا ايمانهم} الآية نزلت في مشركي قريش وقيل: في اليهود نكثوا عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكفروا، يعني نكثوا ايمانهم التي حلفوها في المعاهدة {وهمُّوا بإخراج الرسول} من مكة حين تشاوروا في أمره بدار الندوة حتى أذن الله له بالهجرة {وهم بدأوكم أول مرة} أي وهم الذين كان منهم البدأة بالمقاتلة لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جاءهم بالكتاب المبين وتحداهم به فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال، فهم المبتدؤن بالقتال فما يمنعكم من أن تقاتلوهم وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم؟ {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} قتلاً {ويخزهم} أسراً {وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} نزلت في خزاعة، وقال ابن عباس: بطون من اليمن قدموا مكة فأسلموا، فلقوا من أهلها أذى شديداً، فبعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يشكون إليه فقال: "أبشروا فإن الفرج قريب" {ويتوب الله على من يشاءُ}، قال جار الله: ابتداء كلام وإخبار بأن من أهل مكة من يتوب عن كفره، فكان ذلك فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم {أم حسبتم أن تتركوا} والمعنى أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين المخلص منكم، وهم الذين جاهدوا في سبيل الله والخطاب للمؤمنين لما شق على بعضهم القتال فأنزل الله تعالى: {أم حسبتم} الآية يعني ظننتم أنكم تتركون عن الجهاد فلا يعرض عليكم القتال {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} والمخلصين الذين {لم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة}، قال جار الله: الوليجة فعيلة من ولج كالدخيلة من دخل يعني بطانة من الذين يضادّون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين {ما كان للمشركين} أي ما صحَّ لهم وما استقام {أن يعمروا مساجد الله} يعني المسجد الحرام لقوله: {وعمارة المسجد الحرام} وأما قراءته بالجمع ففيها وجهان: احدهما أن يريد المسجد الحرام، وقيل: مساجد لأنه قبلة المساجد كلها فعامره كعامر جميع المساجد، والثاني أن يريد حسن المساجد {شاهدين على أنفسهم بالكفر} وظهور كفرهم أنهم نصبوا أصنامهم حول البيت وكانوا يطوفون عراة، ويقولون: لا نطوف عليها بثياب قد أصبنا فيها المعاصي، وكلما طافوا شوطاً سجدوا، والآية نزلت في العباس بن عبد المطلب، وقيل: في العباس وفي طلحة بن شيبة صاحب الكعبة أسرى يوم بدر، وعيّر بالشرك وقطيعة الرحم فقال العباس: لعلكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا، فقالوا: وهل لكم محاسن؟ فقالوا: نعم، إنَّا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {أولئك حبطت أعمالهم} التي هي الحجابة والعمارة والسقاية.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفْرِ} قال بعضهم: من أئمة الكفر أبو سفيان وأمية بن خلف وأبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا العهد بينهم وبين نبي الله وهمّوا بإخراجه من مكة. قال: { إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} أي لا عهد لهم { لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} أي لعل من لم يقتل منهم أن ينتهي عن كفرة مخافة القتل. وفي تفسير الكلبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وادع أهل مكة سنين، وهو يومئذٍ بالحديبية، فحبسوه عن البيت، وصالحوه على أنك ترجع عامك هذا، ولا تطأ بلدنا، ولا تنحر البدن بأرضنا، وأن نخليها لك عاماً قابلاً ثلاثة أيام، ولا تأتينا بالسلاح. إلا سلاحاً يجعل في قرابه، وأنه من صبا إليك منا إلينا ردّ. فصالحهم رسول الله على ذلك، فمكثوا ما شاء أن يمكثوا. ثم إن حلفاء رسول الله من خزاعة قاتلوا بني أمية من كنانة، فأمدت بنو أمية حلفاءهم بالسلاح والطعام. فركب ثلاثون رجلاً من حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة، فيهم بديل بن ورقاء؛ فناشدوه الله والحلف. فأُمِر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعِين حلفاءه، فأنزل الله على نبيه: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ}، أي لا عهد لهم {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وإنْ نكثُوا} نقضوا، وأصله نقض ما قتل، واستعير لإبطال العهد {أيْمانَهمْ} حلفانهم على أن لا يقاتلوكم، ولا يظاهروا أحد على قتالكم {مِنْ بَعْد عَهْدهم} بعدم القتال والمظاهرة، وذكر هذا التكرير ليزدادوا به قبحا عند السامع، فإن عهدهم هو حلفهم على ذلك، ويجوز أن يراد بالعهد الإقرار بأن لا يقاتلوا، ولا يظاهروا بالأيمان الحلف على ذلك، فلا تكرار، وهذا الوجه أولى {وطَعَنُوا} نقصوا، وأصل الطعن الضرب فى الشىء، واستعير لما ينقص فى الإسلام مثل تكذيبه والحرب {فى دِينكُم} بتكذيبه وتقبيح الأحكام، ولا يخلوا النكث عن الطعن، وقد يقال: قوله: {وطعنوا فى دينكم} تفسيرا للنكث وإعلاما بأن الطعن فيه نكث، فيكف القتال والمظاهرة. {فقاتِلُوا أئمَّة الكُفْر} الأصل فقاتلوهم، فوضع الظاهر موضع المضمر، للدلالة على أنهم صاروا بالنكث والطعن رؤساء فى الكفر، وبالغوا فيه، فهم أحقاء بالقتل، والضمائر للمشركين الذين عاهدوا. وعن الكلبى: المراد المصالحون عام الحديبية، وكانوا ردوا رسول الله عليه الصلاة والسلام ومن معه عن البيت، وعن نحر البدن، على أن يخلوا مكة له فى العام القابل ثلاثة أيام، وأن لا يأتيهم بسلاح إلا سلاح فى قراب، ومن صبأ إليه يرده إليهم، فنقضوا حين أعانوا على خزاعة، وهم فى ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فركب ثلاثون رجلا من خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم بديل بن ورقاء، فأخبروه بالغدر، وطلبوا منه النصر ويأتى ذلك فى قصة الفتح إن شاء الله. ورد ذلك، وقيل: المراد بأئمة الكفر الرؤساء من المشركين المعاهدين الماكثين الطاعنين، وخصهم بالقتال، لأن قتلهم أهم وللمنع من مراقبتهم، ولأن قتالهم قتال الأتباع، والآية على العموم والدوام، وقال ابن عباس، وقتادة: أئمة الكفر: أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وأبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبى جهل، وغيرهم من رؤساء قريش الذين هموا بإخراج الرسول من مكة. ورد بأن الآية نزلت بعد بدر بكثير، إلا إن أراد بذكر هؤلاء التمثيل لأعيانهم، وقال مجاهد: أئمة الكفر: فارس والروم، وقال وقال حذيفة بن اليمان رضى الله عنه: لم يجىء هؤلاء بعد، فيحتمل أن يريد أنهم لم يجيئوا كلهم، بل جاء بعض، وبقى من بقى، فهم يجيئوا إلى يوم القيامة، فيوافق ما ذكرت من أن الآية على العموم والدوام، ويحتمل فيما قال بعض: إنه يريد اليهود الذين يجيئون مع الدجال فى آخر الزمان، فإنهم أئمة الكفر فى ذلك الزمان. وقيل: الضمير فى نكثوا وما بعده عائد للذين تابوا، وأقاموا الصلاة، وأتوا الزكاة، فالمراد بالنكث الرجوع إلى الكفر، وتسهيل الهمزة الثانية فى أئمة قراءة نافع، وابن كثير، وأبى عمرو، وروى عنهم إبدالها ياء، وروى عن نافع تخفيفها كالباقين المحققين لها حيث وقع لفظ أئمة، وروى عنه مد الهمزة الأولى بإبدال الثانية ألفا وروى هشام، عن ابن عامر: إدخال ألف بينهما، والمشهور عنه التحقيق، وقال الفراء، وتبعه جار الله، والقاضى: أن إبدالها ياء لحن، وليس كذلك، بل الجمهور من النحاة والقراء على جواز التسهيل، جواز قلب الثانية ياء. بل قال ابن هشام، والشيخ خالد ما نصه بعد كلام: وأما قراءة ابن عامر، والكوفيين، كعاصم، وحمزة، والكسائى، وخلف، والأعمش، أمة جمع إمام بالتحقيق من غير إبدال، فما يوقف عنه ولا يجاوز، والقياس أئمة بقلب الهمزة ياء، فإن قلت: كان القياس قلب الثانية ألفا لسكونها، وانفتاح ما قبلها، كآنية جمع إناء قلت: لما وقع بعدها مثلان، وأرادوا الإدغام نقلوا حركة الميم الأولى وهى الكسرة إلى الهمزة قبلها، وأدغموا الميم فى الميم، فصارا إمة قلبوا الهمزة ياء محضة انتهى، ووزنه أفعلة بهمزة مفتوحة وإسكان الفاء، وكسر العين، وأصله أأممة بفتح الهمزة الأولى واسكان الثانية وكسر الميم الأولى وقع النقل والإدغام. {إنَّهم} تعليل جملى {لا أيْمانَ لَهم} على الحقيقة، ولو نطقوا بها لعدم الوفاء بها، وإن شئت فقل ذلك من حذف النعت، أى لا أيمان وافية لهم، وعلى كل حال فلا منافاة بين هذا وقوله: {وإن نكثوا أيمانهم} واستشهد أبو حنيفة بهذا على أن يمين الكفار لا تنعقد يمينا، ولا يحنث، ولو نقضها بعد الإسلام، وبطلانه يعلم مما مر، من أن نفيها عنهم من حيث عدم الوفاء، فالمراد نفى الوثوق بها، ومذهب الشافعى أنها يمين، وكذا تقول على خلاف فى حنثه. وتدل الآية على أن الذمى إذا طعن فى الإسلام فقد نقض عهده، وصار فى حكم المحاربين، فيفعل الإمام فيه رأيه من قتل أو بيع أو نحو ذلك، إلا إن أسلم قيل أن يفعل به ذلك، كذا نقول نحن والشافعى، والمشهور من مذهب مالك أنه إذا كذب الشريعة أو سب النبى صلى الله عليه وسلم، أو فعل نحو ذلك قتل، وقيل إذا كفروا أعلن بما هو معهود من معتقده وكفره، أدب على الإعلان وترك، وإذا كفر بما ليس من معهود كفره كالسب ونحوه قتل. وقال أبو حنيفة فى هذا: إنه يستتاب، وإن سبّ النبى صلى الله عليه وسلم وأسلم تقية عن القتل ترك، وقال بعض المالكية: يقتل، وقرأ ابن عامر، وعطاء: لا إيمان لهم بكسر الهمزة مصدر آمن بمعنى صدق بالله، أو مصدر آمن بمعنى أزال الخوف، فالمعنى لا إسلام لهم، أولا أمن لهم كما يجعل أهل الذمة فى أمن بل يقتلون حيث وجدوا، وكذلك قرأ الحسن، وفسره بالإسلام. قال أبو على: وتفسيره غير قوى، لأنه تكرير مع لفظ الكفر، ولفظ النكث، وأجيب بأنه تعليل بما يوجب القتل. {لعلَّهم} ترجية للمؤمنين أو تعليل {ينْتَهونَ} عن الكفر والطعن، وفى هذا إيجاب على المؤمنين أن يكون غرضهم فى قتال هؤلاء الدخول فى الإسلام، لا مجرد إيذائهم، وتلك الترجية أو التعليل راجع إلى قوله: {فقاتلوا أئمة الكفر} وفيه رد على من استدل بقراءة ابن عامر ومن معه، على أن توبة المرتد لا تقبل لأنه كالنص فى أن الانتهاء عن الكفر مانع عن القتال، ولجواز أن يكون المعنى ليس لهم أيمان فيراقبوا لأجله، قيل: ولجواز أن يكون إخبار عن قوم معينين.
اطفيش
تفسير : {وَإِن نَّكَثُوا} نقضوا، وهو الجواب معطوفان على قوله إِن تابوا إِلى قوله فإِخوانكم فى الدين، قابل الشرط والجواب بالشرط والجواب {أَيْمَانَهُمْ} جمع يمين بمعنى الحلف {مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ} يتقدم العهد ويعقبه الحلف على أَن يستمر العهد، ونقض اليمين نقض للعهد، فمن متعلقة بنقضوا، أَو بمحذوف حال من أَيمانهم، ويجوز أَن يفسر الأَيمان بالتوثيقات مطلقاً، أَى توثيق ولو غير حلف مما يؤكد به العهد، والكلام على ظاهره، فإِنهم إِنما يسمون ناكثين إِذا نقضوا العهد بالنطق أَو بالقتال، أَو الإِعانة عليه، ولا يعد بقاؤهم على الكفر نكثاً، ولا حاجة إِلى قول بعض، أَخرجوا ما فى ضمائرهم من القوة إِلى الفعل. ولا إِلى قوله استمروا على ما هم عليه من النكث إِلا إِن كانت الاية نزلت بعد النكث، وقيل نكثوا: ارتدوا {وَطَعَنُوا فِى دِينكُمْ} بصريح الكلام، مثل أَن يقولوا محمد كاذب، وبتقبيح الأَحكام، فمن هذا تعلم أَنهم عاهدوا علىأَلا يصرحوا بالطعن بعد ذكر النكث مع أَن النكث كاف فى إِباحة القتل، وإِيجابه تحريضاً للمؤمنين على قتالهم، ويجوز أَن يكون طعنوا تفسيرا لنكثوا، وكذلك يقاتل الخارجون عن الإِمام العادل كما قاتل على معاوية إِلى أَن احتال داهية العرب عمرو بن العاص لمعاوية بأَنه ينادى: كتاب الله بيننا، وتدفع المصاحف على الرماح، فإِما أَن يترك الناس القتال وإِما أَن يفترقوا فنجد الراحة فى افتراقهم، ولم يفارق الإِباضية الوهبية عليا، وما زالوا يحضونه على قتال معاوية حتى أَسقط اسم خلافته فأَيسوا منه، فاعتزلوا عنه، فقال: لا بأس عليكم، لستم لى ولا علىَّ، وما زال به الأَشعت بن قيس حتى قاتلهم، ومن نسب إِلى الإِباضية الوهبية أَنهم قالوا: أَجب إِلى التحاكم بينك وبين معاوية وإِلا كنا معه عليك فقد أَخطأَ فيهم وبهتهم {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} مقتضى الظاهر قاتلوهم، ووضع الظاهر موضع المضمر ليصف كفار قريش بأَنهم أَئمة فى الكفر خاصتهم وعامتهم، لأَنهم ابتدأوا الكفر قبل اليهود وسائر المشركين، وهم أَقبح كفرة، إِلا أَنه صلى الله عليه وسلم فيهم ومنهم، يشاهدون صدقه فى سائر أَحواله قبل النبوة وبعدها ويشاهدون معجزاته، ويجوز أَن يكون أَئمة الكفر رؤساءَ المشركين كأَبى سفيان قبل أَن يسلم والحارث بن هشام، ويبعد ما قيل فارس والروم، فإِن الكلام فى غيرهم لأَنه لا عهد لهم نكثوه قبل الآية، وعن حذيفة: ما قوتل أَهل هذه الآية بعد، لا تؤخروا قتالهم أَو تتركوه طمعاً فى أَن يسلموا فتسلم العامة كما لاين رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساهم بالتقديم طمعاً فى ذلك فنهاه الله عز وجل بقوله "أية : عبس وتولى أَن جاءَه الأَعمى" تفسير : [عبس: 1] ... إِلخ.. وقوله "أية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم.." تفسير : [الأَنعام: 52] الآية، بل هم أَهم فى القتل وأَحق به، وأَيضاً قتلهم قتل لرعيتهم، وأَدعى لها إِلى الإِذعان {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} أَيمانهم محققة لكنها كلا أَيمان لأَنهم يحنثون بالنقض، وما دخلوها إِلا على الغدر بحسب ما يمكنهم، ولا يوفون بها، وكأَنها لم تكن، وإِذا حلف مشرك وحنث بعد إِسلامه لزمته الكفارة لأَن أَيمانهم محققة كما يدل له قوله عز وجل "وإِن نكثوا" فإِنه إِنما ينكث ما عقد أَو أَبرم لا كما قالت الحنفية: ليست يميناً محققة تمسكاً بقوله "لا أَيمان لهم" حتى أنه لا كفارة بالحنث بعد الإِسلام، الجواب أَن المعنى أَنه لا أَيمان معتبرة لهم لأَنهم لا دين لهم صحيح يردهم عن نقضها، وإِن حنثوا قبل الإِسلام فلا كفارة. وقيل: الآية إِخبار عن قوم لا يحلفون لكم لشدة قسوة قلوبهم، وقد قيل محققة ولا حنث على أَن الإِسلام يقطعها، ومعنى لا أَيمان لهم كل واحد لا يمين له {لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} عائد إِلى قوله "قاتلوا أَئمة الكفر" وكأَنه تعليل، أَى قاتلوهم لينتهوا عما هم عليه لا للانتصار لأَنفسكم، أَو لمطلق الإِضرار بهم، والآية دليل على أَن الذمى إِذا طعن فى الإِسلام فقد نقض العهد فيقتل، وإِن شتم النبى صلى الله عليه وسلم قتل على الصحيح، وهو مذهبنا ومذهب مالك والشافعى والليث، وقال الحنفية أَنه يعزر ولا يقتل، وكذا قال النووى من الشافعية وإِن شتمه موحد قتل، وإِن تاب عزر عندنا، وقال الحنفية: يقتل حدا ولو تاب كالزانى يرجم ولو تاب وزاد حصنّا على القتال بقوله: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} حلفاتهم أَو عهودهم وإِلا للتحضيض على قتالهم والتوبيخ على تركه وترك ما قد يكون فيهم أَو فى بعضهم من كسل، كيف لا تقاتلونهم وقد نقضوا العهد وقتلوا الحلفاءَ الآن، وهمهم بإِخراج الرسول من قبل وتضييقهم عليه حتى خرج إِخراج له، وذلك ثلاثة أَفعال كل فعل يستوجب قتالهم وحده فكيف وقد اجتمعن، وضعف القول أَنهم آمنوا ثم نكثوا بالردة، وقيل: الآية ترغيب فى فتح مكة، واعتراض بأَن السورة نزلت بعد الفتح، وأُجيب بأَن أَولها بعد الفتح وهذه قبله {وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ} من مكة لما تشاوروا فى دار الندوة، "أية : وإِذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أَو يقتلوك أَو يخرجوك" تفسير : [الأَنفال: 30] ودار الندوة دار الاجتماع للتحدث بناها قصى وهى مقام الحنفية الآن، ولم يذكر هنا الإِثبات وهو الحبس مثلا ولا القتل، بل ذكر الإِخراج فقط، لأَنه الواقع {وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مرَّةٍ} بالنقض وبقتال حلفائكم، وهم خزاعة، قاتلهم بنو بكر وأَعانهم بالسلاح قريش، والإِعانة على القتال قتال مجازاً، أَو قاتل بعض منهم أَيضاً، وذلك قول الأَكثرين أَنهم بدءوا بقتال خزاعة، أَو بدءوكم يوم بدر ولما بلغهم سلامة العير قالوا: لا نبرح حتى نقتل محمداً وأَصحابه. أَو بدءوكم بإِنكار ما جاءَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالعداوة عليه، وذلك حين كان بمكة وبعد ذلك، والمأْمور بقتالهم الناكثون وقريش، واعترض بأَن ما وقع فى دار الندوة هو الهم بالإِخراج أَو الحبس أَو القتل، والذى استقروا عليه القتل، وأَجيب بأَن الإِخراج مترتب على اهتمامهم من الله تعالى وما عداه لغو، فخص بالذكر لأَنه المقتضى للتحريض ولم يظهر لغيره أَثر، وقيل تنبيه بالأَدنى على الأَعلى، ولا يقال إِن الحبس أَدنى منه لأَن بقاءَه فى يد عدوه أَشد، وقيل: الآية فى اليهود إِذ هموا بإِخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة. وقيل: خرجوا مع الأَحزاب ونقضوا العهد، وهما ضعيفان {أَتَخْشَوْنَهُمْ} أَتخافون أَن ينالوكم بسوء فتتركون قتالهم وهو إِنكار للياقة ذلك، وتوبيخ على ما كان منه إِن كان، والحاصل انتفاء صحة ذلك شرعاً وهو أَيضاً متضمن للنهى عن الخشية ولذلك صح تعليله بقوله {فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ} كأَنه قيل: لا تجوز خشيتهم لأَن الله أَحق أَن تخشوه، أَى الله أَحق بالخشية فاقتصروا على ما هو الأَحق ولو ظهر لكم أَنهم حقيقون بأَن تحشوهم والمقام للاختصاص فهو حصر، وقد يقال: الحصر من حذف المتعلق للعموم وكأَنه قيل: أَحق من كل شئ، فيختص به لأَنه بلا خشية لسواه، وهذا ضعيف لأَن المقام للتفضيل على المشركين المتكلم فيهم، ولكن معنى الحصر لا بد معتبراً، والمعنى: فالله وحده حقيق بالخشية، وذلك بابتغاء إِعلاء دينه وعبادته وقتال أَعدائه، وبالخوف من بأْسه، وعن ابن عباس: الآية ترغيب فى فتح مكة، وهو مشكل لأَن براءَة بعد فتحها، والجواب بأَن أَولها نزل قبل الفتح تكلف يحتاج إِلى حجة، ومصدر تخشوه بدل اشتمال من لفظ الجلالة، أَو مبتدأ ثان، وأَحق خبره، والجملة خبر الأَول، أَو فاعل لأَحق بناء على جواز رفع اسم التفضيل الظاهر ولو فى غير مسأَلة الكحل إِذا خرج عن التفضيل وعلى لغة جوازه بلا شرط، أَو يقدر بالباء أَى أَحق بالخشية، وتقدير الباء أَولى لظهور المعنى، وحذف الجار قبل أَن وإِن كثير شائع إِذا أَمن اللبس، وفى غير هذا الوجه ضعف، والحق أَن أَحق وأَن تخشوه على تقدير الباء متعلقة به، أَى أَحق بالخشية كما مر أَولا {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} به فإِنه لا ضار ولا نافع سواه، ومن خاف الله عز وجل خاف منه كل شئ، ومن خاف غيره خاف كل شئ. وسلط عليه، وإِن لم تقاتلوهم فلستم بمؤمنين فإِن الإِيمان يقتضى قتالهم.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن نَّكَثُواْ} عطف على قوله سبحانه:{أية : فَإِن تَابُواْ } تفسير : [التوبة: 11] أي وإن لم يفعلوا ذلك بل نقضوا {أَيْمَـٰنَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ} الموثق بها وأظهروا ما في ضمائرهم من الشر وأخرجوه من القوة إلى الفعل، وجوز أن يكون المراد وإن ثبتوا واستمروا على ما هم عليه من النكث، وفسر بعضهم النكث بالارتداد بقرينة ذكره في مقابلة {فَإِن تَابُواْ} والأول أولى بالمقام {وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ} قدحوا فيه بأن أعابوه وقبحوا أحكامه علانية. وجعل ابن المنير طعن الذمي في ديننا بين أهل دينه إذا بلغنا كذلك، وعد هذا كثير ومنهم الفاضل المذكور نقضاً للعهد، فالعطف من عطف الخاص على العام وبه ينحل ما يقال: كان الظاهر أو طعنوا لأن كلا من الطعن وما قبله كاف في استحقاق القتل والقتال، وكون الواو بمعنى أو بعيد، وقيل: العطف للتفسير كما في قولك: استخف فلان بـي وفعل معي كذا، على معنى وإن نكثوا إيمانهم بطعنهم في دينكم والأول أولى، ولا فرق بين توجيه الطعن إلى الدين نفسه إجمالاً وبين توجيهه إلى بعض تفاصيله كالصلاة والحج مثلا، ومن ذلك الطعن بالقرآن وذكر النبـي صلى الله عليه وسلم وحاشاه بسوء فيقتل الذمى به عند جمع مستدلين بالآية سواء شرط انتقاض العهد به أم لا. وممن قال بقتله إذا أظهر الشتم والعياذ بالله مالك والشافعي وهو قول الليث وأفتى به ابن الهمام، والقول بأن أهل الذمة يقرون على كفرهم الأصلي بالجزية وذا ليس بأعظم منه فيقرون عليه بذلك أيضاً وليس هو من الطعن المذكور في شيء ليس من الانصاف في شيء، ويلزم عليه أن لا يعزروا أيضاً كما لا يعزرون بعد الجزية على الكفر الأصلي، وفه لعمري بيع يتيمة الوجود صلى الله عليه وسلم / بثمن بخس والدنيا بحذافيرها بل والآخرة بأسرها في جنب جنابه الرفيع جناح بعوضة أو أدنى، وقال بعضهم: إن الآية لا تدل على ما ادعاه الجمع بفرد من الدلالات وإنها صريحة في أن اجتماع النكث والطعن يترتب عليه ما يترتب فكيف تدل على القتل بمجرد الطعن وفيه ما فيه. ولا يخفى حسن موقع الطعن من القتال المدلول عليه بقوله تعالى: {فَقَـٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} أي فقاتلوهم، ووضع فيه الظاهر موضع الضمير وسموا أئمة لأنهم صاروا بذلك رؤساء متقدمين على غيرهم بزعمهم فهم أحقاء بالقتال والقتل وروي ذلك عن الحسن، وقيل: المراد بأئمتهم رؤساؤهم وصناديدهم مثل أبـي سفيان والحرث بن هشام، وتخصيصهم بالذكر لأن قتلهم أهم لا لأنه لا يقتل غيرهم، وقيل: للمنع من مراقبتهم لكونهم مظنة لها أو للدلالة على استئصالهم فإن قتلهم غالباً يكون بعد قتل من دونهم، وعن مجاهد أنهم فارس والروم وفيه بعد. وأخرج ابن أبـي شيبة وغيره عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد وما أدري ما مراده والله تعالى أعلم بمراده. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {أَئِمَّةَ} بهمزتين ثانيتهما بين بين أي بين مخرج الهمزة والياء والألف بينهما، والكوفيون وابن ذكوان عن ابن عامر بتحقيقهما من غير ادخال ألف، وهشام كذلك إلا أنه أدخل بينهما الألف هذا هو المشهور عن القراء السبعة. ونقل أبو حيان عن نافع المد بين الهمزتين والياء. وضعف كما قال بعض المحققين قراءة التحقيق وبين بين جماعة من النحويين كالفارسي، ومنهم من أنكر التسهيل بين بين وقرأ بياء خفيفة الكسرة، وأما القراءة بالياء فارتضاها أبو علي وجماعة، والزمخشري جعلها لحناً، وخطأه أبو حيان في ذلك لأنها قراءة رأس القراء والنحاة أبو عمرو، وقراءة ابن كثير ونافع وهي صحيحة رواية، وعدم ثبوتها من طريق التيسير يوجب التضييق؛ وكذا دراية فقد ذكر هو في «المفصل» وسائر الأئمة في كتبهم أنه إذا اجتمعت همزتان في كلمة فالوجه قلب الثانية حرف لين كما في آدم وأئمة فما اعتذر به عنه غير مقبول. والحاصل أن القراآت هنا تحقيق الهمزتين وجعل الثانية بين بين بلا إدخال ألف وبه والخامسة بياء صريحة وكلها صحيحة لا وجه لإنكارها، ووزن أئمة أفعلة كحمار وأحمرة، وأصله أئمة فنقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت ولما ثقل اجتماع الهمزتين فروا منه ففعلوا ما فعلوا. {إِنَّهُمْ لا أَيْمَـٰنَ لَهُمْ} أي على الحقيقة حيث لا يراعونها ولا يفون بها ولا يرون نقضها نقصاً وإن أجروها على ألسنتهم، وإنما علق النفي بها كالنكث فيما سلف لا بالعهد المؤكد بها لأنها العمدة في المواثيق، والجملة في موضع التعليل إما لمضمون الشرط كأنه قيل: وإن نكثوا وطعنوا كما هو المتوقع منهم إذ لا أيمان لهم حقيقة حتى ينكثوها فقاتلوا أو لاستمرار القتال المأمور به المستفاد من السياق فكأنه قيل: فقاتلوهم إلى أن يؤمنوا إنهم لا أيمان لهم حتى يعقد معهم عقد آخر، وجعلها تعليلاً للأمر بالقتال لا يساعده تعليقه بالنكث والطعن لأن حالهم في أن لا أيمان لهم حقيقة بعد ذلك كحالهم قبله، والحمل على معنى عدم بقاء أيمانهم بعد النكث والطعن مع أنه لا حاجة إلى بيانه خلاف الظاهر، وقيل: هو تعليل لما يستفاد من الكلام من الحكم عليهم بأنهم أئمة الكفر أي إنهم رؤساء الكفرة وأعظمهم شراً حيث ضموا إلى كفرهم عدم مراعاة الأيمان وهو كما ترى، والنفي في الآية عند الإمام أبـي جنيفة عليه الرحمة على ما هو المتبادر، فيمين الكافر ليست يميناً عنده معتداً بها شرعاً، وعند الشافعي عليه الرحمة هي يمين لأن الله تعالى وصفها بالنكث في صدر الآية وهو لا يكون حيث لا يمين / ولا أيمان لهم بما علمت. وأجيب بأن ذلك باعتبار اعتقادهم أنه يمين، ويبعد أن الإخبار من الله تعالى والخطاب للمؤمنين، وقال آخرون: إن الاستدلال بالنكث على اليمين إشارة أو اقتضاء ولا أيمان لهم عبارة فتترجح، والقول بأنها تؤول جمعا بين الأدلة فيه نظر لأنه إذا كان لا بد من التأويل في أحد الجانبين فتأويل غير الصريح أولى، ولعله لا يعتبر في ذلك التقدم والتأخر، وثمرة الخلاف أنه لو أسلم الكافر بعد يمين انعقدت في كفره ثم حنث هل تلزمه الكفارة فعند أبـي حنيفة عليه الرحمة لا وعند الشافعي رحمه الله تعالى نعم. وقرأ ابن عامر {إيمان} بكسر الهمزة على أنه مصدر آمنه إيماناً بمعنى أعطاه الأمان، ويستعمل بمعنى الحاصل بالمصدر وهو الأمان، والمراد أنه لا سبيل إلى أن تعطوهم أماناً بعد ذلك أبداً، قيل: وهذا النفي بناء على أن الآية في مشركي العرب وليس لهم إلا الإسلام أو السيف؛ ومن الناس من زعم أن المراد لا سبيل إلى أن يعطوكم الأمان بعد، وفيه أنه مشعر بأن معاهدتهم معنا على طريقة أن يكون إعطاء الأمان من قبلهم وهو بين البطلان، أو على أن الإيمان بمعنى الإسلام، والجملة على هذا تعليل لمضمون الشرط لا غير على ما بينه شيخ الإسلام كأنه قيل، إن نكثوا وطعنوا كما هو الظاهر من حالهم لأنه [لا] إسلام لهم حتى يرتدعوا عن نقض جنس إيمانهم وعن الطعن في دينكم. وتشبث بهذه الآية على هذه القراءة من قال: إن المرتد لا تقبل توبته بناء على أن الناكث هو المرتد وقد نفى الإيمان عنه، ونفيه مع أنه قد يقع منه نفي لصحته والاعتداد به ولا يخفى ضعفه لما علمت من معنى الآية، وقد قالوا: الاحتمال يسقط الاستدلال، وقال القاضي [البيضاوي]: بيض الله تعالى غرة أحواله في بيان ضعفه: أنه يجوز أن يكون المراد نفي الإيمان عن قوم معينين والإخبار عنهم بأنه طبع على قلوبهم فلا يصدر منهم إيمان أصلا، أو يكون المراد أن المشركين لا إيمان لهم حتى يراقبوا ويمهلوا لأجله، ويفهم من هذا أنه لم يجعل الجملة تعليلاً لمضمون الشرط كما ذكرنا والظاهر أنه جعلها تعليلاً لقوله سبحانه: {فَقَـاتِلُواْ} يعني أن المانع من قتلهم أحد أمرين إما العهد وقد نقضوه أو الإيمان وقد حرموه، وربما يؤول ذلك إلى جعلها علة لما يفهم من الكلام كأنه قيل: إن نكثوا وطعنوا فقاتلوهم ولا تتوقفوا لأنه لا مانع أصلا بعد ذلك لأنهم لا إيمان لهم ليكون مانعاً ولا يخفى ما فيه. وإن قيل: إنه سقط به ما قيل: إن وصف أئمة الكفر بأنهم لا إسلام لهم تكرار مستغنى عنه، وجعل الجملة تعليلاً لما يستفاد من الكلام من الحكم عليهم بأنهم أئمة الكفر أي رؤساؤه على احتمال أن يراد الإخبار عن قوم مخصوصين بالطبع أظهر من جعلها تعليلاً لها على القراءة السابقة. نعم يأبـى حديث الإخبار بالطبع قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} إذ مع الطبع لا يتصور الانتهاء وهو متعلق بقوله سبحانه: {فَقَـاتِلُواْ} أي قاتلوهم إرادة أن ينتهوا، أي ليكن غرضكم من القتال انتهاؤهم عما هم عليه من الكفر وسائر العظائم لا مجرد إيصال الأذية بهم كما هو شنشنة المؤذين، ومما قرر يعلم أن الترجي من المخاطبين لا من الله عز شأنه.
ابن عاشور
تفسير : لمّا استوفى البيان لأصناف المشركين الذين أمر الله بالبراءة من عهدهم بقوله: {أية : أن الله بريء من المشركين} تفسير : [التوبة: 3] إلى قوله {أية : وبشر الذين كفروا بعذاب أليم}تفسير : [التوبة: 3] وإنّما كان ذلك لإبطانهم الغدر، والذين أمر بإتمام عهدهم إلى مدّتهم ما استقاموا على العهد بقوله: {أية : إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم}تفسير : [التوبة: 4] الآيات، والذين يستجيبون عَطَف على أولئك بيان الذين يعلنون بنكث العهد، ويعلنون بما يسخطُ المسلمين من قولهم، وهذا حال مضادّ لحال قوله: {أية : وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم}تفسير : [التوبة: 8]. والنكث تقدّم عند قوله تعالى: {أية : فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون} تفسير : في الأعراف (135). وعبَر عن نقض العهد بنكث الأيمان تشنيعاً للنكث، لأنّ العهد كان يقارنه اليمين على الوفاء ولذلك سمّي العهد حلفا. وزيد قوله: {من بعد عهدهم} زيادة في تسجيل شناعة نكثهم: بتذكير أنّه غدْر لعهد، وحنث باليمين. والطعن حقيقته خرق الجسم بشيء محددٍ كالرمح، ويستعمل مجازاً بمعنى الثلب. والنسبة إلى النقص، بتشبيه عِرض المرء، الذي كان ملتئما غير منقوص، بالجسد السليم. فإذا أظهرت نقائصه بالثلب والشتم شُبّه بالجِلد الذي أفسِد التحامُه. والأمر، هنا: للوجوب، وهي حالة من أحوال الإذن المتقدّم في قوله تعالى: {أية : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين}تفسير : [التوبة: 5] ففي هذه الحالة يجب قتالهم ذبّاً عن حرمة الدين، وقمعا لشرّهم من قبل أن يتمرّدوا عليه. و{أئِمّة} جمع إمام، وهو ما يجعل قدوة في عمل يُعمل على مثاله، أو على مثال عمله، قال تعالى: {أية : ونجعلهم أئمة}تفسير : [القصص: 5] أي مقتدى بهم، وقال لبيد:شعر : ولكلّ قوم سنة وإمامها تفسير : والإمام المثال الذي يصنع على شكله، أو قدره، مصنوع، فأئمّة الكفر، هنا: الذين بلغوا الغاية فيه، بحيث صاروا قدوة لأهل الكفر. والمراد بأئِمّة الكفر: المشركون الذين نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، فوضع هذا الاسم موضع الضمير حين لم يُقل: فقاتلوهم، لزيادة التشنيع عليهم ببلوغهم هذه المنزلة من الكفر، وهي أنّهم قدوة لغيرهم، لأنّ الذين أضمروا النكث يبقون متردّدين بإظهاره، فإذا ابتدأ بعضهم بإظهار النقض اقتدى بهم الباقون، فكان الناقضون أئِمّة للباقين. وجملة: {إنهم لا أيمان لهم} تعليل لقتالهم بأنّهم استحقّوه لأجل استخفافهم بالأيمان التي حلفوها على السلم، فغدروا، وفيه بيان للمسلمين كيلا يشرعوا في قتالهم غير مطّلعين على حكمة الأمر به، فيكون قتالهم لمجرّد الامتثال لأمر الله، فلا يكونُ لهم من الغيظ على المشركين ما يشحّذ شدّتهم عليهم. ونفي الأيمان لَهم: نفي للماهية الحقّ لليمين، وهي قصد تعظيمه والوفاء به، فلمّا لم يوفوا بأيمانهم، نزلت أيمانهم منزلة العدم لفقدان أخصّ أخواصّها وهو العمل بما اقتضته. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ورويس عن يعقوب. {أيّمة} بتسهيل الهمزة الثانية بين الهمزة والياء. وقرأ البقية: بتحقيق الهمزتين. وقرأ هشام عن عامر، وأبو جعفر: بمَدّ بين الهمزتين. وقرأ الجمهور {لا أيمان لهم} بفتح همزة {أيمان} على أنّه جمع يمين. وقرأه ابن عامر ــــ بكسر الهمزة ــــ، أي ليسوا بمؤمنين، ومن لا إيمان له لا عهد له لانتفاء الوازع. وعطف {وطعنوا في دينكم} عطف قسيم على قسيمه، فالواو فيه بمعنى (أو). فإنّه إذا حصل أحد هذين الفعلين: الذين هما نكث الأيمان، والطعن في الدين، كان حصول أحدهما موجباً لقتالهم، أي دون مصالحة، ولا عهد، ولا هُدنة بعد ذلك. وذكر طعنهم في دين المسلمين ينبىء بأنّ ذلك الطعن كان من دأبهم في مدّة المعاهدة، فأريد صدّهم عن العَود إليه. ولم أقف على أنّه كان مشروطاً على المشركين في عقود المصالحة والمعاهدة مع المسلمين أن لا يطعنوا في الإسلام، في غير هذه الآية، فكانَ هذا شرطاً عليهم من بعد، لأنّ المسلمين أصبحوا في قوة. وقوله: {فقاتلوا أئمة الكفر} أمر للوجوب. وجملة {لعلهم ينتهون} يجوز أن تكون تعليلاً للجملة {فقاتلوا أئمة الكفر} أي قتالهم لرجاء أن ينتهوا، وظاهر أنّ القتال يُفني كثيراً منهم، فالانتهاء المرجو انتهاء الباقين أحياء بعد أن تضع الحرب أوزارها. ولم يذكر متعلِّق فعل {ينتهون} ولا يحتمل أن يكون الانتهاء عن نكث العهد، لأنّ عهدهم لا يقبل بعدَ أن نكثوا لقول الله تعالى: {إنهم لا أيمان لهم}، ولا أن يكون الانتهاء عن الطعن في الدين، لأنّه إن كان طعنهم في ديننا حاصلاً في مدّة قتالهم فلا جدوى لرجاء انتهائهم عنه، وإن كان بعدَ أن تضع الحرب أوزارها فإنّه لا يستقيم إذ لا غاية لتنهية القتل بين المسلمين وبينهم، فتعيّن أنّ المراد: لعلهم ينتهون عن الكفر. ويجوز أن تكون الجملة استئنافاً ابتدائياً لا اتّصال لها بجملة {وإن نكثوا أيمانهم} الآية، بل ناشئة عن قوله: {أية : فإن تابوا وأقاموا الصلاة} تفسير : [التوبة: 5] إلى قوله {أئمة الكفر} [التوبة: 12]. والمعنى: المرجو أنّهم ينتهون عن الشرك ويسلمون، وقد تحقّق ذلك فإنّ هذه الآية نزلت بعد فتح مكة، وبعدَ يوم حُنين، ولم يقع نكث بعد ذلك، ودخل المشركون في الإسلام أفواجاً في سنة الوفود.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 12- وإن نقضوا عهودهم من بعد توكيدها، واستمروا على الطعن فى دينكم، فقاتلوا رؤساء الضلال ومَن معهم، لأنهم لا عهد لهم ولا ذمة، لينتهوا عن كفرهم. 13- هلا تسارعون - أيها المؤمنون - إلى قتال جماعة من المشركين، نقضوا عهودكم مراراً، وقد سبق أن همُّوا بإخراج الرسول من مكة وبقتله، وهم الذين بدأوكم بالإيذاء والعدوان من أول الأمر، أتخافونهم؟ لا تخافوهم، فالله - وحده - أحق بأن تخافوه، إن كنتم صادقين فى إيمانكم. 14- قاتلوهم - أيها المؤمنون - يذقهم الله العذاب على أيديكم، ويذلهم وينصركم عليهم، ويشف - بهزيمتهم وإعلاء عزة الإسلام - ما كان من ألم كامن وظاهر بصدور قوم مؤمنين طالما لحقهم أذى الكفار. 15- ويملأ الله قلوب المؤمنين فرحاً بالنصر بعد الهم والخوف، ويذهب عنهم الغيظ، ويقبل الله توبة من يشاء توبته منهم، والله واسع العلم بشئون عباده، عظيم الحكمة فيما يشرع لهم. 16- لا تظنوا - أيها المؤمنون - أن يترككم الله تعالى دون اختبار لكم بالجهاد ونحوه. إن من سنته تعالى الاختبار، ليظهَر علمه بالذين جاهدوا منكم مخلصين، ولم يتخذوا سوى الله ورسوله والمؤمنين بطانة وأولياء، والله عليم بجميع أعمالكم، ومجازيكم عليها. 17- ليس المشركون أهلاً لأن يعمروا مساجد الله، وهم مستمرون على كفرهم، معلنون له، أولئك المشركون لا اعتداد بأعمالهم ولا ثواب لهم عليها، وهم خالدون فى النار يوم القيامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَيْمَانَهُم} {فَقَاتِلُوۤاْ} {أَئِمَّةَ} {أَيْمَانَ} (12) - وَإِنْ نَكَثَ هَؤُلاَءُ المُشْرِكُونَ، الذِينَ عَاهَدْتُمُوهُمْ، عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهَمْ (أيْمَانَهُمْ)، وَعَابُوا دِينَكُمْ وَانْتَقَصُوهُ (طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ)، فَقَاتِلُوا زُعَمَاءَ الكُفْرِ وَأَئِمَّتَهُ، لأنَّهُمْ لاَ عُهُودَ لَهُمْ وَلاَ مَوَاثِيقَ، لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ عَنِ الكُفْرِ إنْ قَاتَلتُمُوهُمْ. (وَمِنْ هَذِهِ الآيَةِ شُرِعَ قَتْلُ مَنْ سَبَّ النَّبِيَ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ طَعَنَ في دِينِ الإِسْلاَمِ). نَكَثَ الغَزْلَ وَالحَبْلَ - حَلَّ خُيُوطَهُ التِي تَألَّفَ مِنْهَا وَأرْجَعَهَا إلَى أصْلِهَا. نَكَثُوا أيْمَانَهُمْ - نَقَضُوا عُهُودَهُمْ المُؤَكَّدَةَ بِالأيْمَانِ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِن نَّكَثُوۤاْ} نقضوا يقال منه: نكث فلان قويَّ حبله إذا نقضه {أَيْمَانَهُم} عهودهم {مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ} عقدهم {وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ} ثلبوه وعابوه وذلك انهم قالوا: ليس دين محمد بشيء {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} قرأ أهل الكوفة أأُمّة الكفر بهمزتين على التحقيق لأن أصلها أمّمة مثل: مثال وأمثله وعماد وأعمدة، ثم أُدغمت الميم التي هي عن أفعلة في الميم الثانية ونُقلت حركتها إلى الهمزة الساكنة التي هي فاء الفعل فصار أئمة، فإنّما كتبت الهمزة الثانية ياءً لما فيها من الكسرة وهي لغة تميم، وقرأ الباقون: أيمة (بهمزة واحدة) من دون الثانية طلباً للخفّة، أئمّة الكفر: رؤوس المشركين وقادتهم من أهل مكة. قال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش يومئذ الذين نقضوا العهد، وهم الذين همّوا بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم وقال مجاهد: هم أهل فارس الروم، وقال حذيفة بن اليمان: ما قُوتل أهل هذه الآية ولم يأت أهلها بعد {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} عهودهم، جمع يمين أي وفاء باليمين. قال قطرب: لا وفاء لهم بالعهد وأنشد: شعر : وإن حَلَفَتْ لاينقض النّأيّ عهدَها فليس لمخضوب البنان يمين تفسير : الحسين وعطاء وابن عامر: لا إيمان لهم بكسر الهمزة، ولها وجهان: أحدهما لاتصديق لهم، يدل عليه تأويل عطية العوفي قال: لا دين لهم ولا ذمّة، فلا تؤمنوا بهم فاقتلوهم، حيث وجدتموهم فيكون مصدراً من الإيمان الذي هو ضد الاخافة قال الله عز وجل: {أية : وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}تفسير : [قريش: 4] {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم، وقيل: عن الكفر. ثم قال حاضّاً المسلمين على جهاد المشركين {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} نقضوا عهودهم {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} محمد صلى الله عليه وسلم من مكة {وَهُم بَدَءُوكُمْ} بالقتال {أَوَّلَ مَرَّةٍ} يعني يوم بدر، وقال أكثر المفسرين: أراد بدؤوكم بقتال خزاعة حلفاء رسول الله {أَتَخْشَوْنَهُمْ} أتخافونهم فتتركون قتالهم {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} تخافوه في ترككم قتالهم {إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ} يقتلْهم الله {بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ} يذلّهم بالأسر والقهر {وَيَنْصُرْكُمْ} ويظهركم {عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ} ويبرئ قلوب {قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} بما كانوا ينالونه من الأذى والمكروه منهم. قال مجاهد والسدي: أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} كربها ووجدها بمعونة قريش نكداً عليهم. ثم قال مستأنفاً {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} يهديه للاسلام كما فعل بأبي سفيان، وعكرمة ابن أبي جهل وسهيل بن عمرو {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وقرأ الاعرج وعيسى وابن أبي إسحاق: ويتوب على النصب على الصرف. قوله {أَمْ حَسِبْتُمْ} أظننتم، وإنما دخل الميم لأنه من الاستفهام المعترض بين الكلام فأُدخلت فيه أم ليفرّق بينه وبين الاستفهام والمبتدأ، واختلفوا في المخاطبين بهذه الآية: قال الضحاك عن ابن عباس قال: يعني بها قوماً من المنافقين كانوا يتوسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج معه للجهاد دفاعاً وتعذيرا والنفاق في قلوبهم. وقال سائر المفسرين: الخطاب للمؤمنين حين شقّ على بعضهم القتال وكرهوه فأنزل الله تعالى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ} ولا تُؤمروا بالجهاد ولا تُمتحنوا ليظهر الصادق من الكاذب، والمطيع من العاصي {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ} في تقدير الله، والألف صلة {جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} بطانة وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم، وقال قتادة وليجة: خيانة وقال الضحّاك: خديعة، وقال ابن الأنباري: الوليجة قال: خيانة، والولجاء الدخلاء، وقال الليثي: خليطاً ورِدأً. وقال عطاء: أولياء، وقال الحسن: هي الكفر والنفاق، وقال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة، وأصله من الولوج ومنه سمي (الكناس) الذي يلج فيه الوحش تولجاً. قال الشاعر: شعر : من زامنها الكناس تولّجاً تفسير : فوليجة الرجل من يختصه بدخلة منها دون الناس يقال: هو وليجتي وهم وليجتي للواحد وللجميع. وأنشد أبان بن تغلب: شعر : فبئس الوليجة للهاربين والمعتدين وأهل الريب تفسير : {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} قراءة العامة بالتاء متعلق بالله بقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ} وروى الحسن عن أبي عمرو بالياء ومثله روى عن يعقوب أيضاً. {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} قال ابن عباس: لمّا أُسر أبي يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيّروه بكفره بالله عز وجل وقطيعة الرحم وأغلظ عليٌّ له القول، فقال العباس: إنكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا، قال له علي: ألكم محاسن؟ قال: نعم، إنا لنعمر المسجد ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك: العاني، فأنزل الله تعالى رادّاً على العباس {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ} يقول: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا، قرأت العامة بفتح الياء وضم الميم من عمر يعمر، وقرأ ابن السميقع يُعمر بضم الياء وكسر الميم أي يعينوا على العمارة، أو يجعلوه عامراً، ويريد: إن المساجد إنما تعمر بعبادة الله وحده، فمن كان بالله كافراً فليس من شأنه أن يعمرها،وقال الحسن: ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام. واختلف القراء في قوله: (مساجد الله) قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وابن أبي رباح وحميد بن كثير وأبو عمرو: مسجد الله بغير ألف أرادوا المسجد الحرام، واختاره أبو حاتم لقوله تعالى: {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ}، وقرأ الباقون (مساجد) بالألف على الجمع، واختاره أبو عبيد لأنّه أعم القراءتين. قال الحسن: فإنّما قال (مساجد الله) لأنّه قبلة المساجد كلها وأمامها، وقال أبو حاتم أنّ عمران بن جدير قال لعكرمة: إنما يُقرأ: مساجد الله وإنّما هو مسجد واحد؟ فقال عكرمة: إن الصفا والمروة من شعائر الله، وقال الضحاك ومجاهد: حدّث العرب بالواحد إلى الجمع والجمع إلى الواحد، ألاترى الرجل على البرذون يقول ركبت البراذين؟ ويقال للرجل: إنّه لكثير الدر والذمار، وتقول العرب: عليه أخلاق نعل واسمال ثوب. وأنشدني أبو الجراح العقيلي: شعر : جاء الشتاء وقميصي أخلاق وشرذم يضحك مني التواق تفسير : يعني: خَلِق. وقوله: {شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} أراد وهم شاهدون، فلمّا طرحت (وهم) نصبت، وقال الحسن: يقولون: نحن كفار (نشهد) عليهم بكفرهم، وقال السدّي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هي أن النصراني يُسأل: ما أنت فيقول: نصراني، واليهودي فيقول: يهودي والصابئي، فيقول: صابئي ويقال للمشرك: ما دينك؟ فيقول: مشرك. وقال حمزة عن الضحاك عن ابن عباس: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم وإقرارهم بأنّها مخلوقة، وذلك أنّ كبار قريش نصبوا أصنامهم خارجاً من بيت الله الحرام عند القواعد، وكانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف وعلينا ثياب قد عملنا فيها بالمعاصي، وكانوا يصفقون ويصفرون ويقولون: إن تغفر اللهم تغفره جمّا، وأي عبد لك لا ألمّا (...) سجدوا لأصنامهم فلم يزيدوا بذلك من الله إلاّ بعداً، فأنزل الله عز وجل هذه الآية {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}. ثم قال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ} قرأ العامة بالألف، وقرأ الجحدري: مسجد الله أراد المسجد الحرام {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} (لأنّ عسى) من الله واجب {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان فإن الله عز وجل يقول {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} .
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونكثوا الأَيمان: أي لم ينفذوا بنود العهود، والله سبحانه وتعالى يعطينا هنا حيثية قتال الكفار بعد كل المراحل التي حاربوا فيها الإيمان، فهم قد نقضوا العهود، ولم يكتفوا بذلك بل طعنوا في الدين. أي عابوا في الدين عيباً مقذعا. وعندما يقال: إنَّ فلاناً طعن في فلان، فلا بد أنه قد تجاوز مرحلة السب إلى مرحلة أكبر بكثير. وهنا يأمرنا الحق - سبحانه وتعالى - إما بقتالهم، وإما أن يعلنوا الإيمان. وهذا حق للمسلمين لأنهم قدموا من قبل كل سبل المودة، لكن أئمة الكفر رفضوها. وقول الحق سبحانه وتعالى: {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ}، أي: أن القتل يأتي أولاً لزعماء الكفار الذين يحرضون أتباعهم على محاربة دين الله، فالأتباع ليسو هم الأصل، ولكن أئمة الكفر؛ لأنهم هم الذين يخططون وينفذون ويحرضون. وهم - كما يقال في العصر الحديث - مجرمو حرب؛ والعالم كله يعرف أن الحرب تنتهي متى تخلص من مجرمي الحرب؛ لأن هؤلاء هم الذين يضعون الخطط ويديرون المعارك ويقودون الناس إلى ميادين القتال، تماماً كأئمة الكفر، هؤلاء الذين اجترأوا على أساليب القرآن الكريم، ومنعوا القبائل التي تأتي للحج من الاستماع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا الدين بكل السبل من إغراء وتحريض، وتهديد ووعيد. والأمر العجيب أنك ترى من يبرر لك قتل مجرمي الحرب ويستنكر قتل أئمة الكفر، والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ} [التوبة: 12]. ويقول الحق عز وجل في ذات الآية: {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} [التوبة: 12]. وفي هذا يأتي المستشرقون ومن يميلون إليهم بقلوبهم ويُحسَبون علينا بقوالبهم وظواهرهم ليقولوا: إن هناك تناقضاً، فالله يقول: {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم} أي أثبت أن لهم أيماناً، ثم قال: {لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ}. فكيف يثبت لهم الأيمان ثم ينفيها عنهم؟. والنفي والإثبات لا يجتمعان في وصف الشخص الواحد؛ ونقول: إنهما لا يجتمعان عند من يفكر تفكيرا سطحيا، أو يأخذ الأمور بظواهرها. ولكن من يعرف مرامي الألفاظ، يعلم أن نفي الشيء وإثباته في القرآن الكريم يعني: أن الجهة منفكة. فالله سبحانه وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال: 17]. فقوله: {وَمَا رَمَيْتَ} نفي للرمي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، و{إِذْ رَمَيْتَ} إثبات للرمي. ويجيء نفي الشيء وإثباته في آية واحدة، والفاعل والفعل واحد. وهذه تسمى في الأسلوب انفكاك الجهة، أي أن كل جهة تطلب معنى مختلفاً عن الجهة الأخرى، تماماً مثلما يقال: إن فلاناً يسكن أعلى مني. فهذا قول صحيح، ولكنه في ذات الوقت يسكن أسفل بالنسبة لمن فوقه، إذن فهو عالٍ وأسفل في نفس الوقت؛ عالٍ عمن تحته وأسفل ممن فوقه. أو تقول:- كمثال آخر - فلان أب وابن. هنا يبدو تناقض ظاهري، أي أنه أب لا بنه، وابن لأبيه، فهو أب من جهة الابن، وابن من جهة أبيه، ولا يوجد تعارض. وهذا ما نسميه انفكاك الجهة. إذن فلا يوجد أدنى تعارض بين نفي الرمي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإثباته له؛ لأن رسول الله أخذ حفنة من الحصى ورمى بها جيش الكفار، هذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وهو من البشر، لكن قدرة الله سبحانه وتعالى أخذت هذا الحصى وأوصلته إلى كل جندي من جيش الكفار، وفي قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الروم: 6-7]. لقد قالوا: إن الله نفى العلم وأثبته لنفس الأشخاص، ونقول: لا، إنه نفى العلم الحقيقي، وأثبت لهم ظاهر العلم، وهذا مختلف عن ذلك تماماً، وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم} [التوبة: 12]. أثبتت الآية أن لهم أيماناً، وفي آخر الآية ينفي عنهم الأيمان فيقول: {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} [التوبة: 12]. ونقول: فائدة الأيمان أو العهد أن يُحافظ عليه، ومن لا يحافظ على يمينه أو عهده يكون لا أيمان له؛ لأن أيمانه أي عهده لا قيمة له؛ لأنه مجرد من الوفاء. وعندما يحلف الكذاب نقول: هذا لا يمين له. وهؤلاء أيمانهم لم تأخذ قداسة الأيمان، فكأنهم لا أيمان لهم، كأن يكون لك ابن اقترب امتحانه وتجبره على المذاكرة، وتجلس تراقبه فيقلب الكتاب ولكنه لا يفهم شيئاً. وإن حاولت أن تحسب حصيلة المذاكرة لم تجد شيئا، فتقول: ذاكرت وما ذاكرت، وهذا نفي للفعل وإثباته ولا تناقض بينهما: لأن الجهة منفكة. ونفي الأيمان في آخر الآية معناه: أنهم لا وفاء لهم، وما داموا بلا وفاء فلا قيمة لأيمانهم. وقوله تعالى: {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} [التوبة: 12]. هذا أمر بقتالهم لا بقتلهم، فيكون المعنى: قاتلوهم، فإن لم يقتلوا فقد يجعلهم القتال ينتهون عن عدائهم للدين؛ لأنهم حين يرون البعض منهم قد قتل وهم أضعف من المواجهة، هنا ستخف حدة محاربتهم للإسلام، وتنتهي اللجاجة في أمر الدين. ثم يقول الحق من بعد ذلك: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} معناهُ عِظَماؤهُم. منهم: عُتبة بن ربيعة، وأبو سُفيان بن حَرب، وأبو جَهل بن هشام وأمية بن خلف، وسُهيل بن عمر. تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} معناهُ لاَ عَهدَ لَهُم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى بعدما ذكر أن المعاهدين من المشركين إن استقاموا على عهدهم فاستقيموا لهم على الوفاء: { وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ } أي: نقضوها وحلوها، فقاتلوكم أو أعانوا على قتالكم، أو نقصوكم، { وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ } أي: عابوه، وسخروا منه. ويدخل في هذا جميع أنواع الطعن الموجهة إلى الدين، أو إلى القرآن، { فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ } أي: القادة فيه، الرؤساء الطاعنين في دين الرحمن، الناصرين لدين الشيطان، وخصهم بالذكر لعظم جنايتهم، ولأن غيرهم تبع لهم، وليدل على أن من طعن في الدين وتصدى للرد عليه، فإنه من أئمة الكفر. { إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ } أي: لا عهود ولا مواثيق يلازمون على الوفاء بها، بل لا يزالون خائنين، ناكثين للعهد، لا يوثق منهم. { لَعَلَّهُمْ } في قتالكم إياهم { يَنْتَهُونَ } عن الطعن في دينكم، وربما دخلوا فيه، ثم حث على قتالهم، وهيج المؤمنين بذكر الأوصاف، التي صدرت من هؤلاء الأعداء، والتي هم موصوفون بها، المقتضية لقتالهم فقال: { أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ } الذي يجب احترامه وتوقيره وتعظيمه؟ وهم هموا أن يجلوه ويخرجوه من وطنه وسعوا في ذلك ما أمكنهم، { وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } حيث نقضوا العهد وأعانوا عليكم، وذلك حيث عاونت قريش -وهم معاهدون- بني بكر حلفاءهم على خزاعة حلفاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقاتلوا معهم كما هو مذكور مبسوط في السيرة. { أَتَخْشَوْنَهُمْ } في ترك قتالهم { فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فإنه أمركم بقتالهم، وأكد ذلك عليكم غاية التأكيد. فإن كنتم مؤمنين فامتثلوا لأمر اللّه، ولا تخشوهم فتتركوا أمر اللّه، ثم أمر بقتالهم وذكر ما يترتب على قتالهم من الفوائد، وكل هذا حث وإنهاض للمؤمنين على قتالهم، فقال: { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ } بالقتل { وَيُخْزِهِمْ } إذا نصركم اللّه عليهم، وهم الأعداء الذين يطلب خزيهم ويحرص عليه، { وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ } هذا وعد من اللّه وبشارة قد أنجزها. { وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ * غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } فإن في قلوبهم من الحنق والغيظ عليهم ما يكون قتالهم وقتلهم شفاء لما في قلوب المؤمنين من الغم والهم إذ يرون هؤلاء الأعداء محاربين للّه ولرسوله ساعين في إطفاء نور اللّه وزوالا للغيظ الذي في قلوبهم وهذا يدل على محبة اللّه لعباده المؤمنين واعتنائه بأحوالهم حتى إنه جعل -من جملة المقاصد الشرعية- شفاء ما في صدورهم وذهاب غيظهم ثم قال { وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ } من هؤلاء المحاربين بأن يوفقهم للدخول في الإسلام ويزينه في قلوبهم ويُكَرِّهَ إليهم الكفر والفسوق والعصيان. { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } يضع الأشياء مواضعها ويعلم من يصلح للإيمان فيهديه ومن لا يصلح فيبقيه في غيه وطغيانه.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 330 : 4 : 5 - سفين عن أبي اسحاق عن صلة بن زفر عن عمار بن ياسر {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} لا عهد لهم [الآية 12].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ} [12] 235- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا المُعتمر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زيد بن وهب قال: سمعت حُذيفة، وهو يُقلب يده قال: / ما بقى من المنافقين إلا أربعة، إن أحدهم اليوم لَشَيخ كبير، لو شرب الماء البارد لما وجد بَرْده.
همام الصنعاني
تفسير : 1058- أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ}: [الآية: 12]، قال: أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبُو جَهْل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله، وهمُّوا بإخراج الرسول، وليس والله كما يتأوَّل أهْلُ الشبهات والبدع والفرى على الله تعالى وعَلَى كتابه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):