٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: {أية : قَاتَلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ } تفسير : [التوبة: 12] أتبعه بذكر السبب الذي يبعثهم على مقاتلتهم فقال: {أَلاَ تُقَـٰتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ }. واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أسباب كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد، فكيف بها حال الاجتماع: أحدها: نكثهم العهد، وكل المفسرين حمله على نقض العهد. قال ابن عباس والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية، وأعانوا بني بكر على خزاعة وهذه الآية تدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجراً لغيرهم، وثانيها: قوله: {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ } فإن هذا من أوكد ما يجب القتال لأجله. واختلفوا فيه فقال بعضهم: المراد إخراجه من مكة حين هاجر. وقال بعضهم: بل المراد من المدينة لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على قصده بالقتل. وقال آخرون: بل هموا بإخراجه من حيث أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج وهو نقض العهد، وإعانة أعدائه، فأضيف الإخراج إليهم توسعاً لما وقع منهم من الأمور الداعية إليه. وقوله: {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ } إما بالفعل وإما بالعزم عليه، وإن لم يوجد ذلك الفعل بتمامه، وثالثها: قوله: {وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } يعني بالقتال يوم بدر، لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه. والقول الثاني: أراد أنهم قاتلوا حلفاء خزاعة فبدؤا بنقض العهد، وهذا قول الأكثرين، وإنما قال: {بدؤكم} تنبيهاً على أن البادىء أظلم، ولما شرح تعالى هذه الموجبات الثلاثة زاد فيها، فقال: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ } وهذا الكلام يقوي داعية القتال من وجوه: الأول: أن تعديد الموجبات القوية وتفصيلها مما يقوي هذه الداعية، والثاني: أنك إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك كان ذلك تحريكاً منه لأن يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفاً من خصمه، والثالث: أن قوله: {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ } يفيد ذلك كأنه قيل: إن كنت تخشى أحداً فالله أحق أن تخشاه لكونه في غاية القدرة والكبرياء والجلالة، والضرر المتوقع منهم غايته القتل. أما المتوقع من الله فالعقاب الشديد في القيامة، والذم اللازم في الدنيا، والرابع: أن قوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } معناه: أنكم إن كنتم مؤمنين بالإيمان وجب عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة، ومعناه أنكم إن لم تقدموا عليها وجب أن لا تكونوا مؤمنين فثبت أن هذا كلام مشتمل على سبعة أنواع من الأمور التي تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد. بقي في الآية أبحاث: البحث الأول: حكى الواحدي عن أهل المعاني أنهم قالوا: إذا قلت لا تفعل كذا، فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده، وإذا قلت ألست تفعل فإنما تقول ذلك في فعل تحقق وجوده، والفرق بينهما أن لا ينفي بها المستقبل، فإذا دخلت عليها الألف صار تحضيضاً على فعل ما يستقبل، وليس إنما تستعمل لنفي الحال. فإذا دخلت عليها الألف صار لتحقيق الحال. البحث الثاني: نقل عن ابن عباس أنه قال: قوله تعالى: {أَلاَ تُقَـٰتِلُونَ قَوْماً } ترغيب في فتح مكة وقوله: {قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ } أي عهدهم، يعني قريشاً حين أعانوا بني الديل بن بكر على خزاعة خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام، فأمر الله رسوله أن يسير إليهم فينصر خزاعة، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وأمر الناس أن يتجهزوا إلى مكة وأبو سفيان عند هرقل بالروم، فرجع وقدم المدينة ودخل على فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم يستجير بها فأبت، وقالت ذلك لابنيها الحسن والحسين فأبيا، فخاطب أبا بكر فأبى، ثم خاطب عمر فتشدد، ثم خاطب علياً فلم يجبه، فاستجار بالعباس وكان مصافياً له فأجاره، وأجاره الرسول لإجارته وخلى سبيله. فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان فيه أبهة فاجعل له شيئاً، فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فعاد إلى مكة ونادى من دخل داري فهو آمن فقاموا إليه وضربوه ضرباً شديداً وحصل الفتح عند ذلك، فهذا ما قاله ابن عباس. وقال الحسن: لا يجوز أن يكون المراد منه ذلك، لأن سورة براءة نزلت بعد فتح مكة بسنة، وتمييز حق هذا الباب من باطله لا يعرف إلا بالأخبار. البحث الثالث: قال أبو بكر الأصم: دلت هذه الآية على أنهم كرهوا هذا القتال لقوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 216] فآمنهم الله تعالى بهذه الآيات. قال القاضي: إنه تعالى قد يحث على فعل الواجب من لا يكون كارهاً له ولا مقصراً فيه، فإن أراد أن مثل هذا التحريض علي الجهاد لا ينفع إلا وهناك كره للقتال لم يصح أيضاً، لأنه يجوز أن يحث الله تعالى بهذا الجنس على الجهاد لكي لا يحصل الكره الذي لولا هذا التحريض كان يقع. البحث الرابع: دلت هذه الآية على أن المؤمن ينبغي أن يخشى ربه، وأن لا يخشى أحداً سواه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} توبيخ وفيه معنى التحضيض. نزلت في كفار مكة كما ذكرنا آنفاً. {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} أي كان منهم سبب الخروج، فأضيف الإخراج إليهم. وقيل: أخرجوا الرسول عليه السَّلام من المدينة لقتال أهل مكة للنّكث الذي كان منهم؛ عن الحسن. {وَهُم بَدَءُوكُمْ} بالقتال. {أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي نقضوا العهد وأعانوا بنو بَكْر على خُزاعة. وقيل: بدءوكم بالقتال يوم بدر؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج للعِير ولما أحرزوا عِيرهم كان يمكنهم الإنصراف، فأبَوْا إلاَّ الوصول إلى بدر وشُربَ الخمر بها؛ كما تقدّم. {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} أي تخافوا عقابه في ترك قتالهم، من أن تخافوا أن ينالكم في قتالهم مكروه. وقيل: إخراجهم الرسول منعُهم إياه من الحج والعُمْرة والطّواف، وهو ابتداؤهم. والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : وهذا أيضاً تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين بأيمانهم الذين هموا بإخراج الرسول من مكة، كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30] وقال تعالى: {أية : يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّـٰكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ} تفسير : [الممتحنة: 1]، وقال تعالى: {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا} تفسير : [الإسراء: 76] الآية، وقوله: {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} قيل: المراد بذلك: يوم بدر، حين خرجوا لنصر عيرهم، فلما نجت، وعلموا بذلك. استمروا على وجوههم؛ طلباً للقتال بغياً وتكبراً؛ كما تقدم بسط ذلك، وقيل: المراد: نقضهم العهد، وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، وكان ما كان، ولله الحمد والمنة. وقوله: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ} يقول تعالى: لا تخشوهم، واخشون، فأنا أهل أن يخشى العباد من سطوتي وعقوبتي، فبيدي الأمر، وما شئت كان، ومالم أشأ لم يكن، ثم قال تعالى عزيمة على المؤمنين، وبياناً لحكمته فيما شرع لهم من الجهاد، مع قدرته على إهلاك الأعداء بأمر من عنده: { قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}: وهذا عام في المؤمنين كلهم، وقال مجاهد وعكرمة والسدي في هذه الآية: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} يعني: خزاعة، وأعاد الضمير في قوله: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} عليهم أيضاً. وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة مؤذن لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: عن مسلم بن يسار عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غضبت، أخذ بأنفها، وقال: «حديث : يا عويش قولي: اللهم رب النبي محمد اغفر ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن» تفسير : ساقه من طريق أبي أحمد الحاكم، عن الباغندي، عن هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الجون، عنه {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} أي: من عباده {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} أي: بما يصلح عباده {حَكِيمٌ} في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية، فيفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو العادل الحاكم الذي لا يجور أبداً، ولا يضيع مثقال ذرة من خير وشر، بل يجازي عليه في الدنيا والآخرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلا } للتحضيض {تُقَٰتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ } نقضوا {أَيْمَٰنِهِمْ } عهودهم {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ } من مكة لما تشاوروا فيه بدار الندوة {وَهُمْ بَدَءُوكُمْ } بالقتال { أَوَّلَ مَرَّةٍ } حيث قاتلوا (خزاعة) حلفاءكم مع (بني بكر) فما يمنعكم أن تقاتلوهم؟ {أَتَخْشَوْنَهُمْ } أتخافونهم؟ {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ } في ترك قتالهم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الخيانة، قاله قتادة. والثاني: أنهم البطانة، قاله قطرب ومقاتل، ومنه قول الشاعر: شعر : وجعلت قومك دون ذاك وليجة ساقوا إليك الخير غير مشوب تفسير : والثالث: أنه الدخول في ولاية المشركين، من قولهم ولج فلان في كذا إذا دخل فيه قال طرفة بن العبد: شعر : رأيت القوافي يتلجن موالجاً تضايق عنها أن تولجها الإبر
ابن عطية
تفسير : قوله {ألا تقاتلون } عرض وتحضيض، وقوله { وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة }، قال الحسن بن أبي الحسن: المراد من المدينة، وهذا مستقيم كغزوة أحد والأحزاب وغيرهما، وقال السدي: المراد من مكة فهذا على أن يكون المعنى هموا وفعلوا، أو على أن يقال هموا بإخراجه بأيديهم فلم يصلوا إلى ذلك بل خرج بأمر الله عز وجل، وهذا يجري مع إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان بن الحارث قوله: [الطويل] شعر : وردني إلـى الله مـن طـــردتــه كـــل مطرد تفسير : ولا ينسب الإخراج إليهم إلا إذا كان الكلام في طريق تذنيبهم كما قال تعالى {أية : وإخراج أهله منه أكبر عند الله} تفسير : [البقرة:127] وقوله: {أية : من قريتك التي أخرجتك} تفسير : [محمد:13] والأول هو على أن ما فعلوا به من أسباب الإخراج هو الإخراج، وقوله {أول مرة} قيل يراد أفعالهم بمكة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، وقال مجاهد: يراد به ما بدأت به قريش من معونة بني بكر حلفائهم على خزاعة حلفاء رسول الله عليه وسلم، فكان هذا بدء النقض، وقال الطبري: يعني فعلهم يوم بدر، وقوله {أتخشونهم} استفهام على معنة التقرير والتوبيخ، وقوله {فالله} مرتفع بالابتداء و {أحق} خبره، {أن تخشوه} بدل من اسم الله بدل اشتمال أو في موضع نصب على إسقاط خافض تقديره بأن تخشوه، ويجوز أن يكون {الله } ابتداء و {أحق } ابتداء ثان و {أن تخشوه} خبر الثاني والجملة خبر الأول، وقوله {إن كنتم مؤمنين} كما تقول افعل كذا إن كنت رجلاً أي رجلاً كاملاً، فهذا معناه إن كنتم مؤمنين كاملي الإيمان، لأن إيمانهم قد كان استقر، وقوله {قاتلوهم يعذبهم الله} الآية، قررت الآيات قبلها أفعال الكفرة ثم حضض على القتال مقترناً بذنوبهم لتنبعث الحمية مع ذلك، ثم جزم الأمر بقتالهم في هذه الآية مقترناً بوعد وكيد يتضمن النصرة عليهم والظفر بهم، وقوله {يعذبهم} معناه بالقتل والأسر وذلك كله عذاب، {ويخزهم} معناه يذلهم على ذنوبهم يقال خزي الرجل خزياً إذا ذل من حيث وقع في عار وأخزاه غيره وخزي خزاية إذا استحيا، وأما قوله {ويشف صدور قوم مؤمنين} فإن الكلام يحتمل أن يريد جماعة المؤمنين لأن كل ما يهد من الكفر هو شفاء من هم صدور المؤمنين، ويحتمل أن يريد تخصيص قوم من المؤمنين، وروي أنهم خزاعة قاله مجاهد والسدي ووجه تخصيصهم أنهم الذين نقض فيهم العهد ونالتهم الحرب وكان يومئذ في خزاعة مؤمنون كثير، ويقتضي ذلك قول الخزاعي عن المستنصر بالنبي صى الله علي وسلم: [الرجز] شعر : ثُمّتَ أسلمنا فلم تنزع يدا تفسير : وفي آخر الرجز: شعر : وقتلونا ركّعاً وسجّداً تفسير : وقرأ جمهور الناس "ويُذهب غيظ قلوبهم" على إسناد الفعل إلى الله عز وجل، وقرأت فرقة "ويَذهب غيظ قلوبهم "على إسناد الفعل إلى الغيظ، وقرأ جمهور الناس "يتوبُ" بالرفع على القطع مما قبله، والمعنى أن الآية استأنفت الخبر بأنه قد يتوب على بعض هؤلاء الكفرة الذين أمر بقتالهم، قال أبو الفتح: وهذا أمر موجود سواء قوتلوا أو لم يقاتلوا، فلا وجه لإدخال التوبة في جواب الشرط الذي في {قاتلوهم } على قراءة النصب، وإنما الوجه الرفع على الاستئناف والقطع، وقرأ الأعرج وابن أبي إسحاق وعيسى الثقفي وعمرو بن عبيد وأبو عمرو فيما روي عنه "ويتوبَ" بالنصب على تقدير وأن يتوب، ويتوجه ذلك عندي إذا ذهبت إلى أن التوبة إنما يراد بها هنا أن قتل الكافرين والجهاد في سبيل الله هو توبة لكم أيها المؤمنون وكمال لإيمانكم، فتدخل التوبة على هذا في شرط القتال، و {عليم حكيم} صفتان نسبتهما إلى الآية واضحة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم} قال: قتال قريش حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وهمهم باخراج الرسول، زعموا أن ذلك عام عمرة النبي صلى الله عليه وسلم في العام السابع للحديبية، وجعلوا في أنفسهم إذا دخلوا مكة أن يخرجوه منها فذلك همهم باخراجه، فلم تتابعهم خزاعة على ذلك، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قالت قريش لخزاعة: عميتمونا عن اخراجه؟ فقاتلوهم فقتلوا منهم رجالاً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه قال: نزلت في خزاعة {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} من خزاعة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ويشف صدور قوم مؤمنين} قال: خزاعة حلفاء رسول صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله {ويشف صدور قوم مؤمنين} قال: هم خزاعة يشفي صدورهم من بني بكر {ويذهب غيظ قلوبهم} قال: هذا حين قتلهم بنو بكر وأعانهم قريش. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {ويذهب غيظ قلوبهم} قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في خزاعة حين جعلوا يقتلون بني بكر بمكة. وأخرج ابن اسحق والبيهقي في الدلائل عن مروان بن الحكم والمسور بن خرمة قالا "حديث : كان في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بينه وبين قريش: إن من شاء أن يدخل في عقد النبي صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن شاء أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: ندخل في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة عشر أو الثمانية عشر شهراً، ثم إن بني بكر الذي كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ليلاً بماء لهم يقال له الوتير قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا الليل وما يرانا أحد، فاعانوهم عليهم بالكراع والسلاح فقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركب عمرو بن سالم عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيات أنشده اياها: شعر : اللهمَّ إني ناشد محمداً حلف أبينا وأبيه إلا تلدا كنا والداً وكنت ولداً ثَمَّتَ أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر رسول الله نصراً عندا وادعُ عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا إن شئتم حسنا فوجهه بدر بدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا ان قريشاً اخلفوك موعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن ليس تدعو احدا فهم أذل وأقل عددا قد جعلوا لي بكداء رصدا هم بيَّتونا بالهجير هجدا وقتلونا ركَّعا وسجَّدا حديث : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت يا عمرو بن سالم، فما برح حتى مرت غمامة في السماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه السحابة لتشهد بنصر بني كعب، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاد وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم ".
ابو السعود
تفسير : {أَلاَ تُقَـٰتِلُونَ} الهمزةُ الداخلةُ على انتفاء مقاتَلتِهم للإنكار والتوبـيخِ تدل على تخصيصهم على المقاتلة بطريق حملِهم على الإقرار بانتفائها كأنه أمرٌ لا يمكن أن يُعترف به طائعاً لكمال شناعتِه فيلجأون إلى ذلك ولا يقدرون على الإقرار به فيختارون المقاتلة {قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ} التي حلَفوها عند المعاهدة على أن لا يعاوِنوا عليهم فعاوَنوا بني بكرٍ على خُزاعة {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} من مكةَ حين تشاوروا في أمره بدار الندوة حسبما ذكر في قوله تعالى {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الأنفال: 30] فيكون نعياً عليهم جنايتُهم القديمةُ وقيل: هم اليهودُ نكثوا عهدَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم وهموا بإخراجه من المدينة {وَهُم بَدَءوكُمْ} بالمعاداة والمقاتلة {أَوَّلَ مَرَّةٍ} لأن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جاءهم أولاً بالكتاب المبـين وتحداهم به فعدلوا عن المُحاجّة لعجزهم عنها إلى المقاتلة أو بدءوا بقتال خزاعةَ حلفاءِ النبـي صلى الله عليه وسلم لأن إعانة بني بكر عليهم قتالٌ معهم {أَتَخْشَوْنَهُمْ} أي أتخشون أن ينالَكم منهم مكروهٌ حتى تتركوا قتالَهم، وبّخهم أولاً بترك مقاتلتِهم وحضَّهم عليها ثم وصفهم بما يوجب الرغبةَ فيها ويحقق أن مَنْ كان على تلك الصفاتِ السيئةِ حقيقٌ بأن لا تترك مصادمتُه ويوبَّخَ من فرّط فيها {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} بمخالفة أمرِه وترك قتالِ أعدائهِ {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فإن قضيةَ الإيمانِ تخصيصُ الخشيةِ به تعالى وعدمُ المبالاة بمن سواه وفيه من التشديد ما لا يخفى.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} [الآية: 13]. قال بعضهم: الخشية للذات والخوف للصفات. قال الله: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ}، وقال: {أية : وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} تفسير : [الرعد: 21]. قال أبو على الجوزجانى: الخشية: التمسك بالالتجاء على الدوام.
القشيري
تفسير : حَرَّضَهم على القتال - على ملاحظة أمرِ الله بذلك - لا على مقتضى الانطواء على الحقد لأحد، فإِنَّ مَنْ غَضِبَ لنَفْسِه فمذمومُ الوصف، ومَنْ غَضِبَ لله فإنَّ نصرَ اللهِ قريبٌ. وقال: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ}: فالخشية من الله بشير الوَصْلة، والخشية من غير الله نذير الفُرقة. وحقيقة الخشية نَفْضُ السِّرِّ عن ارتكاب الزَّجر ومخالفة الأمر.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ} بين الله تعالى ان من يخشى غير الله فلا وزن له فى المعرفة صفر الاعداء فى عيون الاولياء لئلا تفرغوا منهم فى امر المعروف والنهى عن المنكر وملأ قلوبهم ن انوار هيبته واجلاله وحذرهم على المداهنة فى الدين وعرفهم عجز الخلق بعد تعريفهم بأنه وجلاله اى تخشونهم وهم هباء فى بطش فهر ربوبيتى فأنا اهل ان تخسوا منى فانى بوصف الجبروت قهارا قهر كل يبارزنى فى محاربة اوليائى واضاف خشيتهم الى نفسه بلفظ الجمع على معنى الذات والصفات الا ترى الى قوله فالله احق ان تخشوه اسما لله اسم عين الجمع وهو عين الذات والصفات قال بعضهم الخشية للذات والخوف للصفات قال الله اتخشونهم فالله احق ان تخشوه وقال تخشونه ويخافون سوء الحسنات.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألا تقاتلون قوما} [آياكارزار نميكنيدبا كروهى كه] {نكثوا} [بشكنند] {ايمانهم} التى حلفوها مع الرسول والمؤمنين على ان لا يعاونوا عليهم فعاونوا بنى بكر على خزاعة. قال الكاشفى [ديكر از عهدها ميان بيغمبر وقريش آن بودكه حلفا يكديكررا نرنجانند وبرقتال ايشان بايكديكر مظاهره نكنند قريش ببنى بكررا كه حلفاء ايشان بودند بسلاح ومردمدد دادند بابنى خزاعه كه حلفاى رسول بودند جنك كردند] {وهموا} [قصد كردند مشركان] (باخراج الرسول) حين تشاورا فى امره بدار الندوة فكون نعيا عليهم جنايتهم القديمة وقيل هم اليهود نكثوا عهد الرسول وهموا باخراجه من المدينة {وهم بدأوكم} اى بدأوا نقض العهد بالمعاداة والمقاتلة {اول مرة} لان رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم اولا بالكتاب المبين وتحداهم به فعدلوا عن المحاجة لعجزهم عنها الى المقاتلة فما يمنعكم ان تعارضوهم وتصادموهم {أتخشونهم} أتتركون قتالهم خشية ان ينالكم مكروه منهم {فالله احق ان تخشوه} فقاتلوا اعداءه ولا تتركوا امره. قوله فالله مبتدأ خبره احق وان تخشوه بدل من الله اى أى خشية احق من خشيتهم فان تخشوه فى موضع رفع ويجوز ان يكون فى موضع نصب او جر على الخلاف اذا حذف حرف الجر وتقديره بان تخشوه اى احق من غيره بان تخشوه {إن كنتم مؤمنين} فان قضية الايمان ان لا يخشى الا منه. قال فى التأويلات النجمية أتخشون فوات حظوظ النفس فى اجتهادها وخشية فوات حقوق الله والوصول اليه اولى وان كنتم مؤمنين بالوصول اليه
الطوسي
تفسير : قوله {ألا} كلمة موضوعة للتحضيض على الفعل، وأصلها "لا" دخلت عليها الف الاستفهام، فصارت تحضيضاً كما انها إذا دخلت على "ليس" صارت تقريراً و "ألا" موافقة للتحضيض بالاستقبال و "أليس" إنما هي للحال، فهي موافقة للحال بهذا المعنى. وإذا قال: {ألا تقاتلون} كان معناه التحضيض على قتالهم وإذا قال: "الا قاتلتم" كان ذلك تأنيباً، لأن ما يلزم اذا ترك ذم على تركه ويحض على فعله قبل وقته. حض الله تعالى المؤمنين على قتال الكفار الذين {نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول} من مكة اي قصدوه. والهم مقاربه الفعل بالعزم من غير اتباع له، وقد ذموا بهذا الهم ففيه دليل على العزم وقد يستعمل الهم على مقاربة العزم. وقوله {وهم بدؤكم أول مرة} فالبدوء فعل ما لم يتكرر والمرة الفعلة من المر، والمرة والكرة والدفعة نظائر. ومعنى {بدؤكم أول مرة} بدؤا حلفاء النبي صلى الله عليه وآله بالقتال من خزاعة، في قول الزجاج، وقال ابن اسحاق والجبائي: بدؤوا بنقض العهد. وقال الطبري: بدؤهم بخروجهم إلى بدر، لقتالهم. وقوله {أتخشونهم} معناه اتخافونهم. ثم قال: {والله أحق أن تخشوه} أي تخافوه {إن كنتم مؤمنين} وفي ذلك غاية الفصاحة لانه جمع بين التقريع والتشجيع. والمعنى أتخشون ان ينالكم من قتالهم مكروه، فالله احق ان تخشوا عقابه في ارتكاب معاصيه إن كنتم مصدقين بعقابه وثوابه.
الجنابذي
تفسير : {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} تحريص على القتال وتكرير للحكم بلفظ آخر لاقتضاء مقام الغضب له {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} قبل الايمان فانّ مشركى مكّة قبل المعاهدة والحلف مع الرّسول (ص) همّوا باخراجه عام الهجرة فانّ المشاورة والهمّة باخراجه كانت عام الهجرة قبل الهجرة كما مضى حكاية مشاورتهم فى دار النّدوة والمعاهدة والايمان كانت عام الحديبية وعام فتح مكّة {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} بالمعاداة ومقابلة البادى بالمقاتلة كان جزاء عمله لا تعدّى فيها {أَتَخْشَوْنَهُمْ} لا ينبغى لكم ان تخشوهم مع كونكم مؤمنين بالله مستظهرين به تجرئة لهم {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ} شرط تهييج فانّ ايمانهم العامّ محقّق وهو يقتضى الاستظهار به وعدم الخوف من غيره والخوف من سخطه.
الهواري
تفسير : قوله: { أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ} قال الحسن: من المدينة {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فاستحلّوا قتال حلفائكم { أَتَخْشَوْنَهُمْ} على الاستفهام، فلا تقاتلوهم { فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إذ كنتم مؤمنين، فالله أحق أن تخشوه، وليس أحد أشدَّ خشية لله من المؤمنين. {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ} يعني القتل في الدنيا { وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبَ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ}. والقوم المؤمنون الذين شفى الله صدورَهم حلفاءُ رسول الله من مؤمني خزاعة؛ فأصابوا يومئذٍ، وهو يوم فتح مكة، مقيس بن صبابة في خمسين رجلاً من قومه. وقال مجاهد: وهم بدأوكم أول مرة، أي قاتلوا حلفاء محمد عليه السلام. قال: { وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} أي: خزاعة، حلفاء محمد، من آمن منهم. ذكر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة، حديث : كُفّوا السلاح إلا خزاعة من بني بكر تفسير : ذكر بعضهم قال: كان يقال: ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإِسلام لا يزيده إلا شدة، ولا حلف في الإِسلام. قوله: {وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يشَاءُ} أي من أهل مكة { وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
اطفيش
تفسير : {ألاَ} تحضيض، أو الهمزة للإنكار لا للنفى، فيكون الكلام إنكارا لأن يكون عدم قتالهم جائزا، وعلى كل فلا يخفى ما فى ذلك من مبالغة {تُقاتِلونَ قَوما نَكثُوا أيْمانُهم} حِلْفانهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المؤمنين، على أن لا يعاونوا، فعاونوا على خزاعة، وهؤلاء الناكثون بعض من شمله العموم فى: {أية : وإن نكثوا أيمانهم} تفسير : وقد فسره الكلبى بهم كما مر. {وَهمُّوا بإخْراجِ الرَّسُولِ} من مكة إذ اجتمعوا عليه فى دار الندوة كما مر، قاله السدى، ولا يرد عليه أنهم لم يهموا فقط، بل هموا وفعلوا، لأن الاقتصار على ذكرهم به لا يوجب أنهم لم يفعلوا، فالمراد هموا وفعلوا، بأن فعلوا ما خرج به، ولكن ذكر لهم فقط إيذانا بأن همهم بالإخراج موجب لقتالهم، فكيف وقد أخرجوا ولجواز أن يكون المراد هموا بالإخراج ولم يصلوا إليه، بل خرج بأمر الله، أو أوحى الله إليه أن يهاجر، وقال الحسن: قوم من اليهود نكثوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهموا بإخراجه من المدينة. {وهُم بَدءُوكُم أوَّل مَرةٍ} بالمقاتلة والمعاداة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بدأهم بالدعاء إلى الحق، وبالبرهان والإعجاز، والمراد أفعالهم بمكة بالنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقال مجاهد: المراد ما بدأت به قريش من معونة بنى بكر على خزاعة، وقال الطبرى: المراد فعلهم يوم بدر، وقد مرت قصته، وقيل: المراد فعل اليهود، وإذ نقضوا فى المدينة فما يمنعكم أيها المؤمنون أن تقاتلوهم بعد هذه البداية. {أتخْشَونَهم} وتتركون قتالهم، وهذا تقرير على الخشية وتوبيخ عليها إن خشيتموهم {فَالله أحقُّ أنْ تَخشَوهْ} فى أمره ونهيه، فقاتلوهم ولا تتركوا قتالهم، وأحق خبر المبتدأ وأن تخشوه على تقدير الباء متعلق بأحق، أى بأن تخشوا وأن تخشوه بدل اشتمال من اسم الجلالة، أو مبتدأ ثان، وأحق خبره، والجملة خبر الأول، وأجاز بعض أن يكون أحق مبتدأ، وأن تخشوه خبره. {إنْ كُنتُم مؤْمِنينَ} كأن قضية الإيمان أن لا تخشوا إلا الله، والمعنى إن كنتم مؤمنين إيمانا كاملا، وذلك إيذان بأنهم إن لم يقصروا خشيتهم على الله ولم يقاتلوهم فهم كغير المؤمنين.
الالوسي
تفسير : {أَلاَ تُقَـٰتِلُونَ} تحريض على القتال لأن الاستفهام فيه للإنكار والاستفهام الإنكاري في معنى النفي وقد دخل النفي ونفي النفي إثبات، وحيث كان الترك مستقبحاً منكراً أفاد بطريق برهاني أن إيجاده أمر مطلوب مرغوب فيه فيفيد الحث والتحريض عليه، وقد يقال: وجه التحريض على القتال أنهم حملوا على الإقرار بانتفائه كأنه أمر لا يمكن أن يعترف به طائعاً لكمال شناعته فليجئون إلى ذلك ولا يقدرون على الإقرار به فيختارون القتال فيقاتلون {قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ} التي حلفوها عند المعاهدة لكم / على أن لا يعاونوا عليكم فعاونوا حلفاءهم بني بكر على خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خزاعة، والمراد قريش {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} من مكة مسقط رأسه عليه الصلاة والسلام حين تشاوروا بدار الندوة حسبما ذكر في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الأنفال: 30] وقال الجبائي: هم اليهود الذين نقضوا العهد وخرجوا مع الأحزاب وهموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة، ولا يخفى أنه يأباه السياق وعدم القرينة عليه، والأول هو المروي عن مجاهد والسدي وغيرهما، واعترض بأن ما وقع في دار الندوة هو الهم بالإخراج أو الحبس أو القتل والذي استقر رأيهم عليه هو القتل لا الإخراج فما وجه التخصيص، وأجيب بأن التخصيص لأنه الذي وقع في الخارج ما يضاهيه مما ترتب على همهم وإن لم يكن بفعل منهم بل من الله تعالى لحكمة وما عداه لغو فخص بالذكر لأنه المقتضى للتحريض لا غيره مما لم يظهر له أثر. وقيل: إنه سبحانه اقتصر على الأدنى ليعلم غيره بطريق أولى، ولا يرد عليه أنه ليس بأدنى من الحبس كما توهم لأن بقاءه عليه الصلاة والسلام في يد عدوه المقتضى للتبريح بالتهديد ونحوه أشد منه بلا شبهة {وَهُم بَدَءُوكُمْ} بالمقاتلة {أَوَّلَ مَرَّةٍ} وذلك يوم بدر وقد قالوا بعد أن بلغهم سلامة العير: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً صلى الله عليه وسلم ومن معه، وقال الزجاج: بدأوا بقتال خزاعة حلفاء النبـي صلى الله عليه وسلم وإليه ذهب الأكثرون، واختار جمع الأول لسلامته من التكرار. وقد ذكر سبحانه ثلاثة أمور كل منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد فكيف بها حال الاجتماع ففي ذلك من الحث على القتال ما فيه ثم زاد ذلك بقوله سبحانه: {أَتَخْشَوْنَهُمْ} وقد أقيم فيه السبب والعلة مقام المسبب والمعلول، والمراد أتتركون قتالهم خشية أن ينالكم مكروه منهم {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} بمخالفة أمره وترك قتال عدوه، والاسم الجليل مبتدأ و {أَحَقُّ} خبره و {أَن تَخْشَوْهُ} بدل من الجلالة بدل اشتمال أو بتقدير حرف جر أي بأن تخشوه فمحله النصب أو الجر بعد الحذف على الخلاف، وقيل: إن {أَن تَخْشَوْهُ} مبتدأ خبره {أَحَقُّ} والجملة خبر الاسم الجليل، أي خشية الله تعالى أحق أو الله أحق من غيره بالخشية أو الله خشيته أحق، وخير الأمور عندي أوسطها {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فإن مقتضى إيمان المؤمن الذي يتحقق أنه لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى ولا يقدر أحد على مضرة ونفع إلا بمشيئته أن لا يخاف إلا من الله تعالى، ومن خاف الله تعالى خاف منه كل شيء، وفي هذا من التشديد ما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : تحذير من التواني في قتالهم عدا ما استثني منهم بعد الأمر بقتلهم، وأسرهم، وحصارهم، وسدّ مسالك النجدة في وجوههم، بقوله: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5] إلى قوله {أية : كل مرصد}تفسير : [التوبة: 5]. وبعد أن أثبتت لهم ثمانية خلال تغري بعدم الهوادة في قتالهم، وهي قوله: {أية : كيف يكون للمشركين عهد}تفسير : [التوبة: 7] وقوله: {أية : كيف وإن يظهروا عليكم}تفسير : [التوبة: 8] وقولُه {أية : يُرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم}تفسير : [التوبة: 8] وقولُه: {أية : وأكثرهم فاسقون}تفسير : [التوبة: 8] وقولُه: {أية : اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً}تفسير : [التوبة: 9] وقولُه: {أية : لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة}تفسير : [التوبة: 10] وقولُه: {أية : وأولئك هم المعتدون}تفسير : [التوبة: 10] وقولُه: {أية : إنهم لا أيمان لهم}تفسير : [التوبة: 12]. فكانت جملة {ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم} تحذيراً من التراخي في مبادرتهم بالقتال. ولفظ {ألا} يحتمل أن يكون مجموع حرفين: هما همزة الاستفهام، و(لا) النافيةُ، ويحتمل أن يكون حرفاً واحداً للتحْضيض، مثل قوله تعالى: {أية : ألا تحبون أن يغفر الله لكم}تفسير : [النور: 22]. فعلى الاحتمال الأول يجوز أن يكون الاستفهام إنكارياً، على انتفاء مقاتلة المشركين في المستقبل، وهو ما ذهب إليه البيضاوي، فيكون دفعاً لأن يَتوهَّم المسلمون حُرمة لتلك العهود. ويجوز أن يكون الاستفهام تقريرياً، وهو ظاهر ما حمله عليه صاحب «الكشّاف»، تقريراً على النفي تنزيلاً لهم منزلة من ترك القتال فاستوجب طلب إقراره بتركه، قال في «الكشاف»: ومعناه الحضّ على القتال على سبيل المبالغة، وفي «مغني اللبيب» أن {ألا} التي للاستفهام عن النفي تختصّ بالدخول على الجملة الاسمية، وسلّمه شارحاه، ولا يخفى أنّ كلام الكشاف ينادي على خلافه. وعلى الاحتمال الثاني أن يكون {ألا} حرفاً واحداً للتحْضيض فهو تحْضيض على القتال. وجَعَل في «المغني» هذه الآية مثالاً لهذا الاستعمال على طريقة المبالغة في التحذير ولعلّ موجب هذا التفنّن في التحذير من التهاون بقتالهم مع بيان استحقاقهم إياه: أن كثيراً من المسلمين كانوا قد فرحوا بالنصر يوم فتح مكة ومالوا إلى اجتناء ثمرة السلم، بالإقبال على إصلاح أحوالهم وأموالهم، فلذلك لمّا أمروا بقتال هؤلاء المشركين كانوا مظنّة التثاقل عنه خشية الهزيمة، بعد أن فازوا بسُمعة النصر، وفي قوله عقبه {أتخشونهم} ما يزيد هذا وضوحاً. أمّا نكثهم أيمانهم فظاهر مما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : إلا الذين عاهدتم من المشركين}تفسير : [التوبة: 4] ــــ وقوله ــــ {أية : إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم}تفسير : [التوبة: 4] الآية. وذلك نكثهم عهد الحديبية إذ أعانوا بني بكر على خزاعة وكانت خزاعة من جانب عهد المسلمين كما تقدّم. وأمّا همّهم بإخراج الرسول فظاهره أنّه همٌّ حصل مع نكث أيمانهم وأن المراد إخراج الرسول من المدينة، أي نفيه عنها لأن إخراجه من مكّة أمر قد مضى منذ سنين، ولأنّ إلجاءه إلى القتال لا يعرف إطلاق الإخراج عليه فالظاهر أنّ همّهم هذا أضمروه في أنفسهم وعلمه الله تعالى ونبّه المسلمين إليه. وهو أنّهم لمّا نكثوا العهد طمعوا في إعادة القتال وتوهّموا أنفسهم منصورين وأنّهم إن انتصروا أخرجوا الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ من المدينة. و(الهم) هو العزم على فعل شيء، سواء فعله أم انصرف عنه. ومؤاخذتهم في هذه الآية على مجرّد الهمّ بإخراج الرسول تدلّ على أنّهم لم يخرجوه، وإلاّ لكان الأجدر أن ينعى عليهم الإخراج لا الهمّ به، كما في قوله: {أية : إذ أخرجه الذين كفروا}تفسير : [التوبة: 40] وتدلّ على أنّهم لم يرجعوا عمّا همّوا به إلاّ لِمَا حيل بينهم وبين تنفيذه، فعن الحسن: همّوا بإخراج الرسول من المدينة حين غزوْه في أحد وحين غزوا غزوة الأحزاب، أي فكفاه الله سوء ما همّوا به، ولا يجوز أن يكون المراد إخراجه من مكة للهجرة لأنّ ذلك قد حدث قبل انعقاد العهد بينهم وبين المسلمين في الحديبية، فالوجه عندي: أنّ المعنيَّ بالذين هَمّوا بإخراج الرسول قبائل كانوا معاهدين للمسلمين، فنكثوا العهد سنة ثمان، يوم فتح مكة، وهمّوا بنجدة أهل مكة يوم الفتح، والغدر بالنَّبي ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ والمسلمين، وأن يأتوهم وهم غارون، فيكونوا هم وقريش ألباً واحداً على المسلمين، فيُخرجون الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين من مكة، ولكنّ الله صرفهم عن ذلك بعد أن همّوا، وفضح دخيلتهم للنبيء صلى الله عليه وسلم وأمره بقتالهم ونبذِ عهدهم في سنة تسع، ولا ندري أقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية أم كان إعلان الأمر بقتالهم (وهم يعلمون أنهم المراد بهذا الأمر) سبباً في إسلامهم وتوبة الله عليهم، تحقيقاً للرجاء الذي في قوله: {أية : لعلهم ينتهون}تفسير : [التوبة: 12] ولعل بعض هؤلاء كانوا قد أعلنوا الحرب على المسلمين يوم الفتح ناكثين العهد، وأمدّوا قريشاً بالعدد، فلمّا لم تنشب حرب بين المسلمين والمشركين يومئذٍ أيسوا من نصرتهم فرجعوا إلى ديارهم، وأغضى النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، فلم يؤاخذهم بغدْرهم، وبقي على مراعاة ذلك العهد، فاستمرّ إلى وقت نزول هذه الآية، وذلك قوله: {وهم بدءوكم أول مرة} أي كانوا البادئين بالنكث، وذلك أنّ قريشاً انتصروا لأحلافهم من كنانة، فقاتلوا خزاعة أحلاف المسلمين. و{أول مرة} نَصْب على المصدرية. وإضافة {أول} إلى {مرة} من إضافة الصفة إلى الموصوف. والتقدير: مرة أولى والمرّة الوَحدة من حدث يحدث، فمعنى {بدءوكم أول مرة} بدأوكم أوّل بدء بالنكث، أي بَدْءا أولَ؛ فالمَرّة اسم مبهم للوحدة من فعل ما، والأغلب أن يفسر إبهامه بالمقام، كما هنا، وقد يفسّره اللفظ. و{أوّل} اسم تفضيل جاء بصيغة التذكير، وإن كان موصوفه مؤنّثاً لفظاً، لأن اسم التفضيل إذا أضيف إلى نكرة يلازم الإفراد والتذكير بدلالة المضاف إليه ويقال: ثاني مرة وثالث مرّة. والمقصود من هذا الكلام تهديدهم على النكث الذي أضمروه، وأنّه لا تسامح فيه. وعلى كلّ فالمقصود من إخراج الرسول عليه الصلاة والسلام: إمّا إخراجه من مكة منهزماً بعدَ أن دخلها ظافراً، وإمّا إخراجه من المدينة بعد أن رجع إليها عقب الفتح، بأن يكونوا قد همّوا بغزو المدينة وإخراج الرسول والمسلمين منها وتشتيت جامعة الإسلام. وجملة {أتخشونهم} بدل اشتمال من جملة {ألا تقاتلون} فالاستفهام فيها إنكار أو تقرير على سبب التردّد في قتالهم، فالتقدير: أينتفي قتالكم إيّاهم لَخشيكم إياهم، وهذا زيادة في التحريض على قتالهم. وفُرّع على هذا التقرير جملة {فالله أحق أن تخشوه} أي فالله الذي أمركم بقتالهم أحقّ أن تخشوه إذا خطر في نفوسكم خاطر عدم الامتثال لأمره، إن كنتم مؤمنين، لأنّ الإيمان يقتضي الخشية من الله وعدم التردّد في نجاح الامتثال له. وجيء بالشرط المتعلّق بالمستقبل، مع أنّه لا شكّ فيه، لقصد إثارة همّتهم الدينية فيبرهنوا على أنّهم مؤمنون حقّا يقدمون خشية الله على خشية الناس.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن كفار مكة هموا بإخراجه صلى الله عليه وسلم من مكة، وصرح في مواضع أخر بأنهم أخرجوه بالفعل، كقوله {أية : يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُم} تفسير : [الممتحنة: 1] الآية، وقوله: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} تفسير : [محمد: 13] وقوله: {أية : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [التوبة: 40] الآية، وذكر في مواضع أخر: محاولتهم لإخراجه قبل أن يخرجوه، كقوله: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} تفسير : [الأنفال: 30]، وقوله: {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا} تفسير : [الإسراء: 76] الآية.
الواحدي
تفسير : {ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم} يعني: كفَّار مكَّة نقضوا العهد، أعانوا بني بكر على خزاعة {وهموا بإخراج الرسول} من مكَّة {وهم بدؤوكم} بالقتال {أول مرة} حين قاتلوا حلفاءكم خزاعة، فبدؤوا بنقض العهد {أتخشونهم} أن ينالكم من قتالهم مكروه فتتركون قتالهم {فالله أحق أن تخشوه} فمكروهُ عذابِ الله أحقُّ أن يُخشى في ترك قتالهم {إن كنتم مؤمنين} مصدِّقين بعقاب الله وثوابه. {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} يقتلهم بسيوفكم ورماحكم {ويخزهم} يُذلُّهم بالقهر والأسر {ويشف صدور قوم مؤمنين} يعني: بني خزاعة. أعانت قريشٌ بني بكر عليهم حتى نكثوا فيها، فشفى الله صدورهم من بني بكر بالنبيِّ والمؤمنين. {ويذهب غيظ قلوبهم} كَرْبَها ووَجْدَها بمعونة قريش بكراً عليهم {ويتوب الله على من يشاء} من المشركين، كأبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو. هداهم الله للإسلام. {أم حسبتم} أيُّها المنافقون {أن تتركوا} على ما أنتم عليه من التَّلبيس، وكتمان النفاق {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} بنيَّةٍ صادقةٍ. يعني: العلم الذين يتعلَّق بهم بعد الجهاد، وذلك أنَّه لما فُرض القتال تبيَّن المنافق من غيره، ومَنْ يوالي المؤمنين ممَّن يوالي أعداءهم {ولم يتخذوا} أَيْ: ولمَّا يعلم الله الذين لم يتَّخذوا {من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} أولياء ودُخُلاً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألا: أداة تحضيض. نكثوا أيمانهم: نقضوها وحلوها فلم يلتزموا بها. هموا بإخراج الرسول: من دار الندوة إذ عزموا على واحدة من ثلاث الحبس أو النفي أو القتل. أول مرة: أي في بدر أو في ماء الهجير حيث أعانت قريش بني بكر على خزاعة. ويخزهم: أي يذلهم ويهينهم. ويشف صدور: أي يذهب الغيظ الذي كان بها على المشركين الظالمين. أن تتركوا: أي بدون امتحان، بالتكاليف كالجهاد. وليجه: أي دخيله وهي الرجل يدخل في القوم وهو ليس منهم ويطلعونه على أسرارهم وبواطن أمورهم. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن المشركين وما يلزم إزاءهم من إجراءات فإنه بعد أن أعطاهم المدة المذكورة وأمنهم فيها وهي أربعة أشهر، وقد انسلخت فلم يبق إلا قتالهم وأخذهم وإنهاء عصبة المشركين وآثارها في ديار الله فقال تعالى حاضاً المؤمنين مهيجاً لهم {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} وهذه خطيئة كافية في وجوب قتالهم، وثانية همهم بإخراج الرسول من بين أظهرهم من مكة وثالثة بدؤهم إياكم بالقتال في بدر، إذ عيرهم نجت وأبوا إلا أن يقاتلوكم، إذاً فلم لا تقاتلونهم؟ أتتركون قتالهم خشية منهم وخوفاً إن كان هذا {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ}، لأن ما لدى الله تعالى من العذاب ليس لدى المشركين فالله أحق أن يخشى، هذا ما تضمنته الآية الأولى [13] وهي قوله تعالى {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ} وفي الآية الثانية [14] يقول تعالى: {قَاتِلُوهُمْ} وهو أمر صريح بالقتال، وبذكر الجزاء المترتب على قتالهم فيقول {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} وهم خزاعة تشفى صدورهم من الغيظ على بني بكر الذين قاتلوهم وأعانتهم قريش عليهم بعد صلح الحديبية، وقوله تعالى: {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} هذه وإن لم تكن جزاء للأمر بالقتال كالأربعة التي قبلها. ولكن سنة الله تعالى أن الناس إذا رأوا انتصار أعدائهم عليهم في كل معركة يميلون إليهم ويقبلون دينهم وما هم عليه من صفات فقتال المؤمنين للكافرين وانتصارهم عليهم يتيح الفرصة لكثير من الكافرين فيسلمون وهو معنى قوله تعالى {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} وقوله {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} تقرير للأمر بالقتال والنتائج الطيبة المترتبة عليه آخرها أن يتوب الله على من يشاء. وقوله تعالى في الآية [16] الأخيرة {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ} أي بدون امتحان. وأنتم خليط منكم المؤمن الصادق ومنكم المنافق الكاذب، من جملة ما كان يوحى به المنافقون التثبيط عن القتال بحجة أن مكة فتحت وأن الإِسلام عز فما هناك حاجة إلى مطاردة فلول المشركين، وهم يعلمون أن تكتلات يقودها الساخطون على الإِسلام حتى من رجالات قريش يريدون الانقضاض على المسلمين وإهدار كل نصر تحقق لهم، وهذا المعنى ظاهر من سياق الآية {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} إذ هناك من اتخذوا من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة يطلعونها على أمور المسلمين، ويسترون عليهم وهي بينهم دخلية، ويقرر هذه الجملة التي ختمت بها الآية وهي قوله تعالى {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشروعية استعمال أسلوب التهييج والإِثارة للجهاد. 2- وجوب خشية الله تعالى بطاعته وترك معصيته. 3- لازم الإِيمان الشجاعة فمن ضعفت شجاعته ضعف إيمانه. 4- من ثمرات القتال دخول الناس في دين الله تعالى. 5- الجهاد عملية تصفية وتطهير لصفوف المؤمنين وقلوبهم أيضاً.
د. أسعد حومد
تفسير : {تُقَاتِلُونَ} {أَيْمَانَهُمْ} (13) - يَحُضُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَلَى قِتَالِ المُشْرِكينَ، الذِينَ يَنْكُثُونَ عَهْدَهُمْ، وَقَدْ سَبَقَ لَهُمْ أنْ هَمُّوا بِإخْرَاجِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ، وَهُمُ الذِينَ بَدُؤُوكُمْ بِالقِتَالِ أوَّلَ مَرَّةٍ، إذْ خَرَجُوا إلَى بَدْرٍ لِنُصْرَةِ عِيرِهِمْ وَإِنْقَاذِهَا، ثُمَّ يَطْلُبُ اللهُ تَعَالَى إلَى المُؤْمِنينَ أنْ لاَ يَخْشَوا الكُفْرَ وَأهْلَهُ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إنْ الذِي يَسْتَحِقُّ الخَشْيَةَ وَالخَوْفَ مِنْهُ هُوَ اللهُ ذُو السَطْوَةِ وَالعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ. فَالمُؤْمِنُونَ لاَ يَخْشَوْنَ أحَداً غَيْرَ اللهِ، وَلاَ يَخَافُونَ سِوَاهُ إنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي إِيمَانِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : في هذه الآية الكريمة يحض المولى سبحانه وتعالى على جهاد، وقتال أئمة الكفر، وعدم تركهم يستشرون في حربهم للدين، ومنع الناس عن الإيمان، وصدهم عن سبيل الله. و"أَلاَ" تسمى أداة تحضيض، مثل قولنا: ألا تذهب إلى فلان، وهي حث على الفعل؛ لأن التحضيض نوع من أنواع الطلب. وقوله تعالى: {نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} أي نقضوا عهودهم، وقوله تعالى: {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ} أي: هم الذين بدأوا بالعداوة ومحاولة إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة، وَ{هَمُّواْ}، أي عقدوا النية على العمل، وقوله تعالى: {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: أنهم هم الذين بدأوا بعداوة المسلمين والصد عن الإسلام من أول أن بدأ يدعو إليه سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم. والبدء هو: العمل الأول، و"المرة" هو فعل لا يتكرر؛ لأنه إن تكرر نقول: {مَرَّتَيْنِ}، مثل قول الحق سبحانه: {أية : ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}تفسير : [البقرة: 229]. هم إذن الذين بدأوا الفعل الأول بالعداوة. والإسلام - كما نعلم - قد واجه قوتين في مرحلتين مختلفتين من مراحل الدعوة للإسلام: قوة المشركين من قريش، وقوة اليهود، وأما قريش فقد هموا بأن يخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة، وقد يقول قائل: لكن المؤمنين هم الذين بدأوا القتال في بدر. وأقول: لم يذهب المسلمون إلى بدر للقتال، بل ذهبوا من أجل العير تعويضا عن مالهم الذي تركوه في مكة، ولكن الكفار قالوا: لن نرجع حتى نستأصل محمداً ومن معه، وجاءوا بالنفير ليقاتلوا في بدر. إذن فعلى الرغم من سلامة العير بحيلة من أبي سفيان إلا أن قريشا هي التي أرادت القتال فجمعوا الجند والفرسان؛ ليقاتلوا المسلمين. وكذلك فعل اليهود، فقد نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول من المدينة. كما حاول المشركون إخراجه من مكة، وكان بينه صلى الله عليه وسلم، وبين اليهود معاهدة، وهذه المعاهدة كانت من أوائل أعمال رسول الله في المدينة، فهل حافظ اليهود على هذه العهود؟. لا، فقد تعهدوا ألا يعينوا عدوا عليه، ونكثوا أيمانهم ونقضوا العهد فأعانوا قريشا على المسلمين. وكذلك فعل بنو النضير، فقد أرادوا اغتياله صلى الله عليه وسلم، وذلك بإلقاء صخرة عليه، بل وتمادى اليهود في غزوة الأحزاب وأعانوا قريشا ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفقوا معهم على أن يدخلوهم من أرضهم بالمدينة ليفاجئوا رسول الله وجيش المسلمين من الخلف. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} لها أكثر من حيثية، ونقضهم العهود وبدْؤُهم القتال يجعلكم تقاتلونهم؛ لتأمنوا شرهم. {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [التوبة: 13]. وقوله تعالى: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ} حث على القتال، أي: ما الذي يمنعكم من قتالهم إلا أن تكونوا خائفين منهم، ولذلك يقول تبارك وتعالى: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ} [التوبة: 13]. وهنا يلفت الحق سبحانه نظر المؤمنين إلى أنهم إن كانوا أمام حالين، خشية من البشر وإيذائهم، وخشية من الله، فالأحق بالخشية هو الأشد والأعظم والأدوم عقاباً. ولأنكم إذا ما قارنتم قوة هؤلاء بقوة الله، فالله أحق بالخشية قطعاً. وإذا كنت بين اختيارين فأنت تقدم على أخف الضررين، فكيف يخاف المؤمنون ما يمكن أن يصيبهم على أيدي الكفار؟ ولا يخشون ما يصيبهم من الله. وأوضح الله سبحانه وتعالى أنه لا خشية من الكفار في آية أخرى من ذات السورة، هي قوله سبحانه: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ}تفسير : [التوبة: 52]. وهكذا أزال الحق سبحانه وتعالى الخوف من نفوس المؤمنين، فماذا سيحدث لكم من جنود الكفر؟ إما أن تستشهدوا فتدخلوا الجنة وإما أن تنتصروا. وقوله تعالى: {أَتَخْشَوْنَهُمْ} استفهام استنكاري معناه: ما كان يصح أبدا أن تخشوهم وتخافوهم؛ لأنهم لو كانوا أقوى منكم وتغلبوا عليكم فزتم بالشهادة، ولو كانوا أضعف منكم وتغلبتم عليهم فزتم بالنصر. وكلاهما أمر جميل مُحبَّب لنفوس المؤمنين بالله يحدث تثبيتا لقلوبهم وأقدامهم في مواقف القتال والنزال. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بالحكم النهائي فيقول: {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ} [التوبة: 13]. أي: راجعوا إيمانكم، فإن كنتم مؤمنين بالله فأنتم راغبون في الشهادة. وإن كنتم مؤمنين بالله القادر القوي القهار فأنتم تعرفون الله وقدرته وقوته، وهي لا تقارن بالقوة البشرية. فإما أن تنتصروا عليهم فتكون لكم فرحة النصر، وإما الاستشهاد وبلوغ الجنة، وكلتا النتيجتين خير، أما ما يصيب الكفار فهو ينحصر في أمرين: إما أن يصيبهم الله بعذاب بأيدكم، وإما أن يصيبهم بعذاب من عنده. إذن ففي أي معركة يدخلها الإيمان مع الكفر، نجد أن الجانب الفائز هم المؤمنون، سواء استشهدوا أم انتصروا. والخاسر في أي حال هم الكفار؛ لأنهم إما أن يعذبوا بأيدي المؤمنين، وإما أن يأتيهم عذاب من الله تعالى في الدنيا أو في الآخرة. وهكذا وضع الله المقاييس التي تنزع الخشية من نفوس المؤمنين في قتالهم مع الكفار، فلا تولوهم الأدبار أبدا في أي معركة؛ لأنه مهما كبرت قوة الكفار المادية، فقوة الحق تبارك وتعالى أكبر. ويقول المولى سبحانه: {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 249]. وهكذا لا يحسب حساب للفارق في القوة المادية، فهذه خشية لا محل لها في قلوب المؤمنين في جانب الإيمان؛ لأن الله مع الذين آمنوا. ثم يؤكد الحق سبحانه وتعالى حثه للمؤمنين على القتال فيقول: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ} معناهُ نَقَضوهَا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):