Verse. 1249 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

قَاتِلُوْہُمْ يُعَذِّبْہُمُ اللہُ بِاَيْدِيْكُمْ وَيُخْزِہِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْہِمْ وَيَشْفِ صُدُوْرَ قَوْمٍ ￁مِنِيْنَ۝۱۴ۙ
Qatiloohum yuAAaththibhumu Allahu biaydeekum wayukhzihim wayansurkum AAalayhim wayashfi sudoora qawmin mumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قاتلوهم يعذبهم الله» يقتلهم «بأيديكم ويخزهم» يذلهم بالأسر والقهر «وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين» بما فُعل بهم هم بنو خزاعة.

14

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: { أية : أَلاَ تُقَـٰتِلُونَ قَوْماً } تفسير : ذكر عقيبه سبعة أشياء كل واحد منها يوجب إقدامهم على القتال. ثم إنه تعالى في هذه الآية أعاد الأمر بالقتال وذكر في ذلك القتال خمسة أنواع من الفوائد، كل واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد فكيف بها إذا اجتمعت؟ فأولها: قوله: {يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ } وفيه مباحث: البحث الأول: أنه تعالى سمى ذلك عذاباً وهو حق فإنه تعالى يعذب الكافرين فإن شاء عجله في الدنيا وإن شاء أخره إلى الآخرة. البحث الثاني: أن المراد من هذا التعذيب القتل تارة والأسر أخرى واغتنام الأموال ثالثاً، فيدخل فيه كل ما ذكرناه. فإن قالوا: أليس أنه تعالى قال: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } تفسير : [الأنفال: 33] فكيف قال ههنا: {يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ }. قلنا: المراد من قوله: { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } عذاب الاستئصال، والمراد من قوله: {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ } عذاب القتل والحرب، والفرق بين البابين أن عذاب الاستئصال قد يتعدى إلى غير المذنب وإن كان في حقه سبباً لمزيد الثواب، أما عذاب القتل فالظاهر أنه يبقى مقصوراً على المذنب. البحث الثالث: احتج أصحابنا على قولهم بأن فعل العبد مخلوق لله تعالى بقوله: {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ } فإن المراد من هذا التعذيب القتل والأسر وظاهر النص يدل على أن ذلك القتل والأسر فعل الله تعالى، إلا أنه تعالى يدخله في الوجود على أيدي العباد، وهو صريح قولنا ومذهبنا أجاب الجبائي عنه فقال: لو جاز أن يقال إنه تعالى يعذب الكفار بأيدي المؤمنين لجاز أن يقال: إنه يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين، ولجاز أن يقال إنه يكذب أنبياءه على ألسنة الكفار ويلعن المؤمنين على ألسنتهم، لأنه تعالى خالق لذلك، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة، علم أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد وإنما نسب ما ذكرناه إلى نفسه على سبيل التوسع من حيث إنه حصل بأمره وألطافه، كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير، وأجاب أصحابنا عنه فقالوا: أما الذي ألزمتموه علينا فالأمر كذلك إلا أنا لا نقوله باللسان، كما أنا نعلم أنه تعالى هو الخالق لجميع الأجسام ثم إنا لا نقول يا خالق الأبوال والعذرات، ويا مكون الخنافس والديدان، فكذا ههنا وأيضاً أنا توافقنا على أن الزنا واللواط وسائر القبائح إنما حصلت بأقدار الله تعالى وتيسيره، ثم لا يجوز أن يقال: يا مسهل الزنا واللواط، ويا دافع الموانع عنها، فكذا هنا، أما قوله إن المراد إذن الأقدار فنقول هذا صرف للكلام عن ظاهره، وذلك لا يجوز إلا لدليل قاهر، والدليل القاهر من جانبنا ههنا، فإن الفعل لا يصدر إلا عند الداعية الحاصلة، وحصول تلك الداعية ليس إلا من الله تعالى. وثانيها: قوله تعالى: {وَيُخْزِهِمْ } معناه: ما ينزل بهم من الذل والهوان حيث شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين ذليلين مهينين. قال الواحدي: قوله: {وَيُخْزِهِمْ } أي بعد قتلكم إياهم، وهذا يدل على أن هذا الإخزاء إنما وقع بهم في الآخرة، وهذا ضعيف لما بينا أن الإخزاء واقع في الدنيا. وثالثها: قوله تعالى: {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ } والمعنى أنه لما حصل الخزي لهم، بسبب كونهم مقهورين فقد حصل النصر للمسلمين بسبب كونهم قاهرين. فإن قالوا: لما كان حصول ذلك الخزي مستلزماً لحصول هذا النصر، كان إفراده بالذكر عبثاً فنقول: ليس الأمل كذلك، لأنه من المحتمل أن يحصل الخزي لهم من جهة المؤمنين، إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة بسبب آخر فلما قال: {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ } دل على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر. ورابعها: قوله: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } وقد ذكرنا أن خزاعة أسلموا، فأعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكلوا بهم، فشفى الله صدورهم من بني بكر، ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه، ثم مكنه الله منه على أحسن الوجوه فإنه يعظم سروره به، ويصير ذلك سبباً لقوة النفس، وثبات العزيمة. وخامسها: قوله: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ }. ولقائل أن يقول: قوله: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } معناه أنه يشفي من ألم الغيظ وهذا هو عين إذهاب الغيظ، فكان قوله: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } تكرار. والجواب: أنه تعالى وعدهم بحصول هذا الفتح فكانوا في زحمة الانتظار، كما قيل الانتظار الموت الأحمر، فشفى صدورهم من زحمة الانتظار، وعلى هذا الوجه يظهر الفرق بين قوله: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } وبين قوله: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } فهذه هي المنافع الخمسة التي ذكرها الله تعالى في هذا القتال، وكلها ترجع إلى تسكين الدواعي الناشئة من القوة الغضبية، وهي التشفي ودرك الثأر وإزالة الغيظ، ولم يذكر تعالى فيها وجدان الأموال والفوز بالمطاعم والمشارب وذلك لأن العرب قوم جبلوا على الحمية والأنفة، فرغبهم في هذه المعاني لكونها لائقة بطباعهم، بقي ههنا مباحث: البحث الأول: أن هذه الأوصاف مناسبة لفتح مكة، لأن ذلك جرى في تلك الواقعة مشاكل لهذه الأحوال، ولهذا المعنى جاز أن يقال: الآية واردة فيه. البحث الثاني: الآية دالة على المعجزة لأنه تعالى أخبر عن حصول هذه الأحوال، وقد وقعت موافقة لهذه الأخبار فيكون ذلك إخباراً عن الغيب، والإخبار عن الغيب معجز. البحث الثالث: هذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين في علم الله تعالى إيماناً حقيقياً. لأنها تدل على أن قلوبهم كانت مملوءة من الغضب، ومن الحمية لأجل الدين، ومن الرغبة الشديدة في علو دين الإسلام، وهذه الأحوال لا تحصل إلا في قلوب المؤمنين. واعلم أن وصف الله لهم بذلك لا ينفي كونهم موصوفين بالرحمة والرأفة، فإنه تعالى قال في صفتهم { أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [المائدة: 54] وقال أيضاً: { أية : أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } تفسير : [الفتح: 29]. ثم قال: {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ } قال الفراء والزجاج: هذا مذكور على سبيل الاستئناف ولا يمكن أن يكون جواباً لقوله: {قَـٰتِلُوهُمْ } لأن قوله: {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ } لا يمكن جعله جزاء لمقاتلتهم مع الكفار. قالوا ونظيره: { أية : فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشورى: 24] وتم الكلام ههنا، ثم استأنف فقال: { أية : وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ } تفسير : [الشورى: 24] ومن الناس من قال يمكن جعل هذه التوبة جزاء لتلك المقاتلة، وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى لما أمرهم بالمقاتلة، فربما شق ذلك على بعضهم على ما ذهب إليه الأصم، فإذا أقدموا على المقاتلة صار ذلك العمل جارياً مجرى التوبة عن تلك الكراهية. الثاني: أن حصول النصرة والظفر إنعام عظيم، والعبد إذا شاهد توالي نعم الله لم يبعد أن يصير ذلك داعياً له إلى التوبة من جميع الذنوب، الثالث: أنه إذا حصل النصر والظفر والفتح وكثرت الأموال والنعم وكانت لذاته تطلب بالطريق الحرام، فإن عند حصول المال والجاه يمكن تحصيلها بطريق حلال، فيصير كثرة المال والجاه داعياً إلى التوبة من هذه الوجوه. الرابع: قال بعضهم إن النفس شديدة الميل إلى الدنيا ولذاتها، فإذا انفتحت أبواب الدنيا على الإنسان وأراد الله به خيراً، عرف أن لذاتها حقيرة يسيرة، فحينئذ تصير الدنيا حقيرة في عينه، فيصير ذلك سبباً لانقباض النفس عن الدنيا، وهذا هو أحد الوجوه المذكورة في تفسير قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام: { أية : هَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى } تفسير : [ص:35]. يعني أن بعد حصول هذا الملك لا يبقى للنفس اشتغال بطلب الدنيا، ثم يعرف أن عند حصول هذا الملك الذي هو أعظم الممالك لا حاصل للدنيا ولا فائدة في لذاتها وشهواتها، فحينئذ يعرض القلب عن الدنيا ولا يقيم لها وزناً، فثبت أن حصول المقاتلة يفضي إلى المنافع الخمسة المذكورة وتلك المنافع حصولها يوجب التوبة، فكانت التوبة متعلقة بتلك المقاتلة، وإنما قال: {عَلَىٰ مَن يَشَاءُ } لأن وجدان الدنيا وانفتاح أبوابها على الإنسان قد يصير سبباً لانقباض القلب عن الدنيا وذلك في حق من أراد به الخير، وقد يصير سبباً لاستغراق الإنسان فيها وتهالكه عليها وانقطاعه بسببها عن سبيل الله، فلما اختلف الأمر على الوجه الذي ذكرناه قال: {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاء }. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } أي بكل ما يعمل ويفعل في ملكه وملكوته {حَكِيمٌ } مصيب في أحكامه وأفعاله.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {قَاتِلُوهُمْ} أمر. {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ} جوابه. وهو جزم بمعنى المجازاة. والتقدير: إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويَشْفِ صدور قوم مؤمنين. {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} دليل على أن غيظهم كان قد ٱشتدّ. وقال مجاهد: يعني خُزاعة حلفاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكلّه عطف، ويجوز فيه كله الرفع على القطع من الأوّل. ويجوز النصب على إضمار (أن) وهو الصرف عند الكوفيين؛ كما قال:شعر : فإن يَهْلِك أبو قابوس يَهِلكْ ربيعُ الناس والشهرُ الحرامُ ونأخذَ بعده بِذِناب عيش أَجَبّ الظَّهر ليس له سَنام تفسير : وإن شئت رفعت «ونأخذ» وإن شئت نصبته. والمراد بقوله: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} بنو خُزاعة؛ على ما ذكرنا عن مجاهد. فإن قريشاً أعانت بني بكر عليهم، وكانت خزاعة حلفاء النبيّ صلى الله عليه وسلم. فأنشد رجل من بني بكر هجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له بعض خزاعة: لئن أعدته لأكسرنّ فَمَك؛ فأعاده فكسر فاه وثار بينهم قتال؛ فقتلوا من الخزاعيّين أقواماً، فخرج عمرو بن سالم الخزاعيّ في نفر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأخبره به، فدخل منزل ميمونة وقال؛ «حديث : اسكبوا إليّ ماء»تفسير : فجعل يغتسل وهو يقول: «حديث : لانُصِرتُ إن لم أَنْصر بني كعب»تفسير : . ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتجهّز والخروج إلى مكة فكان الفتح. قوله تعالىٰ: {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} القراءة بالرفع على الاستئناف؛ لأنه ليس من جنس الأوّل. ولهذا لم يقل «ويتُبْ» بالجزم؛ لأن القتال غير موجب لهم التوبة من الله جلّ وعزّ. وهو موجب لهم العذاب والخزي، وشفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظ قلوبهم ونظيره: «فَإنْ يَشَإ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ» تَم الكلام. ثم قال: {أية : وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ} تفسير : [الشورى: 24]. والذين تاب الله عليهم مثل أبي سفيان وعِكرمة بن أبي جهل وسليم بن أبي عمرو؛ فإنهم أسلموا. وقرأ ابن أبي إسحاق «وَيَتُوبَ» بالنصب. وكذا رُوي عن عيسى الثّقفي والأعرج، وعليه فتكون التوبة داخلة في جواب الشرط؛ لأن المعنى: إن تقاتلوهم يعذبهم الله. وكذلك ما عطف عليه. ثم قال: {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ} أي إن تقاتلوهم. فجمع بين تعذيبهم بأيديكم وشفاء صدوركم وإذهاب غيظ قلوبكم والتوبة عليكم. والرفع أحسن؛ لأن التوبة لا يكون سببها القتال؛ إذْ قد تُوجد بغير قتال لمن شاء الله أن يتوب عليه في كل حال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ } يقتلهم {بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ } ويذلّهم بالأسر والقهر {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } بما فُعل بهم: هم (بنو خزاعة).

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} يريد بالتعذيب القتل يعني يقتلهم الله بأيديكم. فإن قلت: كيف الجمع بين قوله يعذبهم الله بأيديكم وبين قوله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم؟ قلت: المراد بقوله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم عذاب الاستئصال يعني وما كان ليستأصلهم بالعذاب جميعاً وأنت فيهم والمراد بقوله: قاتلوهم، يعني الذين نقضوا العهد وبدءوا بالقتال فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بقتال من قاتلهم أو نقض عهدهم. والفرق بين العذابين، أن عذاب الاستئصال يتعدى إلى المذنب وغير المذنب وإلى المخالف والموافق، وعذاب القتل لا يتعدى إلا إلى المذنب المخالف وقوله تعالى: {ويخزهم} يعني ويذلهم بالقهر والأسر وينزل بهم الذل والهوان {وينصركم عليهم} يعني بأن يظفركم بهم {ويشف صدور قوم مؤمنين} يعني ويبرئ داء قلوبهم مما كانوا ينالونه من الأذى منهم ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه ثم مكنه الله منه فإنه يفرح بذلك ويعظم سروره ويصير ذلك سبباً لقوة اليقين وثبات العزيمة. قال مجاهد والسدي: أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أعانت قريش بني بكر على خزاعة حتى قتلوا منهم ثم شفى الله صدور خزاعة من بني بكر حتى أخذوا ثأرهم منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه {ويذهب غيظ قلوبهم} يعني ويذهب وجد قلوبهم بما نالوه من بني بكر. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: "حديث : ارفعوا السيف إلا خزاعة من بني بكر إلى العصر"تفسير : ذكره البغوي بغير سند. ثم قال تعالى: {ويتوب الله على من يشاء} هذا كلام مستأنف ليس له تعلق بالأول والمعنى ويهدي الله من يشاء إلى الإسلام فيمن عليه بالتوبة من الشرك والكفر ويهديه إلى الإسلام كما فعل بأبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو فهؤلاء كانوا من أئمة الكفر ورؤساء المشركين ثم منَّ الله عليهم بالإسلام يوم فتح مكة فأسلموا {والله عليم} يعني بسرائر عباده ومن سبقت له العناية الأزلية بالسعادة فيتوب عليه ويهديه إلى الإسلام {حكيم} يعني في جميع أفعاله قوله عز وجل: {أم حسبتم أن تتركوا} هذا من الاستفهام المعترض في وسط الكلام ولذلك أدخلت فيه أم لتفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ والمعنى أظننتم أيها المؤمنون أن تتركوا فلا تؤمروا بالجهاد ولا تمتحنوا ليظهر الصادق من الكاذب {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} أراد بالعلم: المعلوم، لأن وجود الشيء يلزمه معلوم الوجود عند الله لا جرم جعل علم الله بوجوده كناية عن وجوده. قاله الإمام فخر الدين الرازي: ونقل الواحدي عن الزجاج أي العلم الذي يجازي عليه لأنه إنما يجازي على ما عملوا {ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} قال الفراء: الوليجة: البطانة من المشركين يتخذونهم يفشون إليهم أسرارهم. وقال قتادة: وليجة، يعني خيانة. وقال الضحاك: خديعة. وقال عطاء: أولياء. يعني لا تتخذوا المشركين أولياء من دون الله ورسوله والمؤمنين. وقال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة من الولوج فوليجة الرجل من يختصه بدخيلة أمره دون الناس. وقال الراغب: الوليجة كل ما يتخذه الإنسان معتمداً عليه وليس من قولهم فلان وليجة في القوم إذا دخل فيهم وليس منهم والمقصود من هذا نهي المؤمنين عن موالاة المشركين وإن يفشوا إليهم أسرارهم {والله خبير بما تعملون} يعني من موالات المشركين وإخلاص العمل لله وحده. قوله سبحانه وتعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} يعني به المسجد الحرام وقرئ مساجد الله على الجمع والمراد به المسجد الحرام أيضاً وإنما ذكر بلفظ الجمع لأنه قبلة المساجد كلها وسبب نزول هذه الآية أن جماعة من رؤساء كفار قريش أسروا يوم بدر ومنهم العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيرونهم بالشرك وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بسبب قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم. فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محساننا؟ فقيل له: وهل لكم من محاسن؟ قال: نعم. نحن أفضل منكم نحن نعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني يعني الأسير فنزلت هذه الآية: ما كان للمشركين أي ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله أوجب الله على المسلمين منعهم من ذلك المساجد إنما تعمر لعبادة الله تعالى وحده فمن كان كافراً بالله فليس له أن يعمر مساجد الله واختلفوا في المراد بالعمارة على قولين أحدهما أن المراد بالعمارة العمارة المعروفة من بناء المساجد وتشييدها ومرمتها عند خرابها فيمنع منه الكافر حتى لو أوصى ببناء مسجد لم تقبل وصيته والقول الثاني إن المراد بالعمارة دخول المسجد والقعود فيه فيمتنع الكافر من دخول المسجد بغير إذن مسلم حتى لو دخل بغير إذن مسلم عزر وإن دخل بإذن لم يعزر ويدل على جواز دخول الكافر المسجد بالإذن أن النبي صلى الله عليه وسلم شد ثمامة بن أثال إلى سارية من سواري المسجد وهو كافر والأولى تعظيم المساجد ومنعهم من دخولها. وقوله تعالى: {شاهدين على أنفسهم بالكفر} يعني: لا يدخلون المساجد في حال كونهم شاهدين. وقيل: تقديره وهم شاهدون فلما حذفت وهم نصب. وقال ابن عباس: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام وذلك أن كفار قريش كانوا قد نصبوا أصنامهم خارج البيت الحرام عند القواعد وكانوا يطوفون بالبيت عراة كلما طافوا طوفة سجدوا للأصنام فلم يزدادوا بذلك من الله إلا بعداً. وقال الحسن: إنهم لم يقولوا نحن كفار ولكن كلامهم بالكفر شهادة عليهم بالكفر. وقال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يسأل من أنت فيقول نصراني واليهودي يقول يهودي والمشرك يقول مشرك. وقال ابن عباس: في رواية عنه شاهدين على رسولهم بالكفر لأنه من أنفسهم {أولئك حبطت أعمالهم} يعني الأعمال التي عملوها في حال الكفر من أعمال البر مثل قرى الضيف وسقي الحاج وفك العاني لأنها لم تكن لله فلم يكن لها تأثير مع الكفر {وفي النار هم خالدون} يعني من مات منهم على كفره.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ }، قرّرت الآياتُ قبلها أفعالَ الكَفَرة، ثم حضَّ على القتال مقترناً بذنوبهم؛ لتنبعث الحميَّة مع ذلك، ثم جزم الأمْرَ بقتالِهِمْ في هذه الآيةَ مقترناً بوَعْدٍ وكِيدٍ يتضمَّن النصْرَ عَلَيْهِم، والظَّفَرَ بهم. وقوله سبحانه: {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}، معناه: بالقتل والأسر، و{وَيُخْزِهِمْ }، معناه: يذلَّهم علَى ذنوبهم، يقال: خَزِيَ الرجُلُ يَخْزَى خَزْياً، إِذا ذَلَّ من حيثُ وَقَعَ في عَارٍ، وأَخْزَاهُ غيره، وخزي يخزي خزاية إذا ٱسْتَحَى، وأما قوله تعالى: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ }، فيحتمل أنْ يريد جماعةَ المؤمنين، لأن كلَّ ما يهدُّ من الكُفْرِ هو شفاءٌ مِنْ هَمِّ صدور المؤمنين، ويحتمل أنْ يريد تخصيصَ قومٍ من المؤمنين، وروي أنهم خُزَاعَةْ؛ قاله مجاهدٌ والسُّدِّيُّ، ووجْه تخصيصهم أنهم الذين نُقِضَ فيهم العهدُ، ونالتهم الحربُ، وكان يومئذٍ في خُزَاعَةَ مؤمنون كثير؛ ويقتضي ذلك قولُ الخزاعيِّ المستَنْصِرِ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم: [الرجز] شعر : ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا تفسير : وفي آخر الرجز: شعر : وَقَتَّلُونَا رُكَّعاً وَسُجَّدَا تفسير : وقرأ جمهور الناس: و«يَتُوبُ» - بالرفع -، على القطْع مما قبله، والمعنَى أن الآية ٱستأنفت الخبر بأنه قد يَتُوبُ على بعض هؤلاء الكَفَرة الذين أَمَرَ بقتالهم. وعبارةُ * ص *: و«يَتُوب»، الجمهورُ بالرّفْعِ على ٱلاستئناف، وليس بداخلٍ في جوابِ الأمر؛ لأن توبته سبحانه على مَنْ يشاء لَيْسَتْ جزاءً على قتال الكُفَّار. انتهى.

ابو السعود

تفسير : {قَـٰتِلُوهُمْ} تجريدٌ للأمر بالقتال بعد التوبـيخِ على تركه ووعدٌ بنصرهم وبتعذيب أعدائِهم وإخزائِهم وتشجيعٌ لهم {يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ} قتلاً وأسراً {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} أي يجعلُكم جميعاً غالبـين عليهم أجمعين ولذلك أُخّر عن التعذيب والإخزاء {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} ممن لم يشهد القتالَ وهم خُزاعةُ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم بطونٌ من اليمن وسبأ قدِموا مكةَ فأسلموا فلقُوا من أهلها أذىً كثيراً فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه فقال عليه والسلام: «حديث : أبشِروا فإن الفرجَ قريب»تفسير : {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} بما كابدوا من المكاره والمكايدِ ولقد أنجز الله سبحانه جميع ما وعدهم به على أجمل ما يكون فكان إخبارُه عليه الصلاة والسلام بذلك قبل وقوعِه معجزةً عظيمة {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاء} كلامٌ مستأنفٌ ينبىء عما سيكون من بعض أهلِ مكةَ من التوبة المقبولةِ بحسب مشيئتِه تعالى المبنيةِ على الحِكَم البالغةِ فكان كذلك حيث أسلم ناسٌ منهم وحسُن إسلامُهم. وقرىء بالنصب بإضمار أن ودخولُ التوبةِ في جملة ما أجيب به الأمرُ بحسب المعنى فإن القتالَ كما هو سببٌ لفشل شوكتِهم وإلانةِ شَكيمتِهم فهو سبب للتدبر في أمرهم وتوبتِهم من الكفر والمعاصي وللاختلاف في وجه السببـية غُيِّر السبكُ والله تعالى أعلم {وَٱللَّهُ} إيثارُ إظهارِ الجلالة على الإضمار لتربـية المهابةِ وإدخالِ الروعة {عَلِيمٌ} لا يخفى عليه خافية {حَكِيمٌ} لا يفعل ولا يأمر إلا بما فيه حكمةٌ ومصلحةٌ {أَمْ حَسِبْتُمْ} أم منقطةٌ جيء بها للدِلالة على الانتقال من التوبـيخ السابقِ إلى آخَرَ وما فيها من همزة الاستفهامِ الإنكاريِّ توبـيخٌ لهم على الحُسبان المذكورِ أي بل أحسِبتم {أَن تُتْرَكُواْ} على ما أنتم عليه ولا تُؤمروا بالجهاد ولا تُبْتلوا بما يُمحِّصكم والخطابُ إما لمن شق عليهم القتالُ من المؤمنين أو للمنافقين {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ} الواو حالية ولمّا للنفي مع التوقع، والمرادُ من نفي العلم نفيُ المعلومِ بالطريق البرهاني إذ لو شُمَّ رائحةُ الوجود لعُلم قطعاً فلما لم يُعلم لزِم عدمُه قطعاً أي أم حسبتم أن تتركوا والحالُ أنه لم يتبـين الخُلّصُ من المجاهدين منكم من غيرهم، وما في لما من التوقع منبِّهٌ على أن ذلك سيكون، وفائدةُ التعبـير عما ذكر من عدم التبـينِ بعدم علم الله تعالى أن المقصودَ هو التبـينُ من حيث كونُه متعلقاً للعلم ومداراً للثواب، وعدمُ التعرّضِ لحال المقصّرين لما أن ذلك بمعزل من الاندراج تحت إرادةِ أكرم الأكرمين. {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ} عطف على جاهدوا داخلٌ في حيز الصلةِ أو حال من فاعله أي جاهدوا حالَ كونِهم غيرَ متّخذين {مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} أي بِطانةً وصاحب سِرّ، وهو الذي تُطلعه على ما في ضميرك من الأسرار الخفيةِ، من الولوج وهو الدخولُ ومن دون الله متعلقٌ بالاتخاذ إن أُبقيَ على حاله أو مفعولٌ ثانٍ إن جُعل بمعنى التصيـير {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي بجميع أعمالِكم وقرىء على الغَيبة وهو تذيـيلٌ يُزيح ما يُتوَهّم من ظاهر قوله تعالى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ} الخ، أو حال متداخلةٌ من فاعله أو من مفعوله، والمعنى ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم والحالُ أنه يعلم جميعَ أعمالِكم لا يخفى عليه شيءٌ منها.

القشيري

تفسير : هوَّن عليهم كلفةَ المخاطرة بالمهجة بما وَعَدَهُم مِن الظّفَرِ والنصرة، فإنَّ شهودَ خِزْيِ العدوِّ مما يُهَوِّنُ عليهم مقاساة السوء. والظَّفَرُ بالأَرَب يُذْهِبُ تَعَبَ الطَّلَب. وشفاءُ صدور المؤمنين على حسب مراتبهم في المقام والدرجات؛ فمنهم مَنْ شفاءُ صدره في قَهْرِ عدوِّه، ومنهم مَنْ شفاءُ صدره في نَيْلِ مَرْجُوِّه. ومنهم مَنْ شفاء صدره في الظَّفَر بمطلوبه، ومنهم مَنْ شفاءُ صدرِه في لقاء محبوبه. ومنهم من شفاء صدره في درك مقصوده، ومنهم من شفاء صدره في البقاء بمعبوده. وكذلك ذهابُ غيظِ قلوبهم تختلف أسبابه، وتتنوَّعُ أبوابُه، وفيما ذَكَرْنَا تلويحٌ لِمَا تركنا. {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} حتى يكون استقلاله بمحوِّل الأحوال.

اسماعيل حقي

تفسير : {قاتلوهم} [كارزار كنيد بامشركان] {يعذبهم الله بايديكم} يعنى [بشمشير هاى شما مقتول شوند] {ويخزهم} [ورسوا سازد شان بمقهوريت ومغلوبيت] {وينصركم عليهم} اى يجعلكم جميعا غالبين عليهم اجمعين ولذلك اخر عن التعذيب {ويشف} [شفا بخشد] {صدور قوم مؤمنين} ممن لم يشهد القتال وهم خزاعة. حديث : قال ابن عباس رضى الله عنهما هم بطن من اليمن وسبأ قدموا مكة فاسلموا فلقوا من اهلها اذى كثيرا فبعثوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون اليه فقال عليه السلام "ابشروا فان الفرج قريب":تفسير : : قال الحافظ شعر : آنكه بيرانه سرم صحبت يوسف بنواخت اجر صبريست كه در كلبه احزان كردم

الطوسي

تفسير : هذا امر من الله تعالى للمؤمنين بأن يقاتلوا هؤلاء الناقضين للعهد البادئين بقتال حلفاء النبي صلى الله عليه وآله من خزاعة، فانهم اذا قاتلوهم يعذب الله الكفار بأيديهم يعني بأيدي المؤمنين الذين يقاتلونهم، وينصركم ايها المؤمنون ينصركم الله {عليهم ويشف} بذلك {صدور قوم مؤمنين} وفي ذلك دليل على انه اشتد غضب جماعة المؤمنين لله، فوعدهم الله النصر، في قول قتادة والزجاج. وفيها دلالة على نبوة النبي صلى الله عليه وآله لأنه وعده النصر فكان الأمر على ما قال. وقوله {ويذهب غيظ قلوبهم} قيل المراد بهم خزاعة الذين قاتلوهم، في قول السدي وغيره، لانهم كانوا حلفاء النبي صلى الله عليه وآله. والتعذيب ايقاع العذاب لصاحبه والعذاب الم يستمر به، قال عبيد ابن الابرص: شعر : والمرء ما عاش في تكذيب طول الحياة له تعذيب تفسير : ومعنى {يعذبهم الله بأيديكم} اي انكم اذا تناولتموهم بالسلاح من السيوف والنبل والرماح انزل الله بهم العذاب. وقال ابو علي: ذلك مجاز والمعنى انه لما كان ذلك بأمر الله اضافه إلى نفسه، وهو احسن من الاول. وقوله {ويخزهم} معناه يذلهم والاخزاء الاذلال بما فيه الفضيحة على صاحبه خزي خزياً واخزاه الله إخزاء. ويجوز في {ويخزهم} ثلاثة أوجه من الاعراب: الجزم باللفظ وعليه القراء. والنصب على الظرف، والرفع على الاستئناف ولم يقرأ بهما. وقوله {ويشف صدور قوم مؤمنين} فالشفاء سلامة النفس بما يزيل عنها الأذى، فكلما وافق النفس وأزال عنها الهم فهو شفاء وقيل {ويشف صدور قوم مؤمنين} يعني خزاعة، لأنهم نقضوا العهد بقتالهم - في قول مجاهد والسدي - والصدور جمع الصدر وهو الموضع الاجل الذي يصدر عنه الأمر، ومنه الايراد والاصدار. وقوله {ويذهب غيظ قلوبهم} معناه يبطل غيظهم ويعدمه. والاذهاب جعل الشيء يذهب والذهاب الانتقال عن الشيء، والمجيء الانتقال إلى الشيء، والغيظ نقض الطبع بانزعاج النفس. تقول: غاظه يغيظه غيظاً واغتاظ اغتياظاً وغايظه مغايظة. وقوله {ويتوب الله على من يشاء} معناه يقبل الله توبة من يشاء من عباده. ووجه اتصال قوله {ويتوب الله على من يشاء} بما قبله من وجهين: احدهما - بشارتهم بأن فيهم من يتوب ويرجع عن الكفر إلى الايمان. والآخر - انه ليس في قتالهم اقتطاع لأحد منهم عن التوبة. ورفع {ويتوب} بخروجه عن موجب القتال فاستأنفه. وقوله {والله عليم حكيم} معناه عليم بتوبتهم إذا تابوا حكيم في أمركم بقتالهم إذا نكثوا قبل أن يتوبوا ويرجعوا، لان أفعاله كلها صواب وحكمة.

الجنابذي

تفسير : {قَاتِلُوهُمْ} تكرار باعتبار اقتضاء السّخط ولبيان العلل المختلفة والغايات المترتّبة فانّ قوله: فقاتلوا ائمّة الكفر؛ معلّل بأنّهم لا ايمان لهم وقوله: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ}؛ الّذى هو فى معنى قاتلوا معلّل بنكث الايمان وهمّة اخراج الرّسول والبدأة فى القتال، وقوله قاتلوهم مغيّىً بتعذيبهم على ايدى المؤمنين والعمدة مطلوبيّة التّكرار لاقتضاء مقام الّسخط له {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} ذكر غايات خمس: الاوّل - تعذيبهم بالنّسبة الى من يقتل ويجرح، ونسب التّعذيب الى ايدى المؤمنين للاشارة الى انّ ايديهم كما انّها اجزاء لهم ومنسوبة اليهم كذلك هى آلات لفعله تعالى وواسطة اثره، والثّانى - اخزاؤهم بالاذلال واتلاف المال بالنّسبة الى من سلم من القتل والجرح وهما راجعان الى الكفّار، والثّالث - ظهور نصرته وغلبة المؤمنين عليهم فانّه لولا المقاتلة لم يظهر النّصرة، والرّابع - شفاء صدور المؤمنين واستعمال الشّفاء والتّشفّى منتسبين الى الصّدور وباعتبار الالم الّذى يصل اليها من اعتداء المعتدى، والخامس - اذهاب غيظ قلوبهم وغيظ القلوب عبارة عمّا يحمل الانسان على ارادة الانتقام وهو ناشٍ من الم القلوب، وهذه الثّلاثة بالنّسبة الى المؤمنين ونسبة الشّفاء واذهاب غيظ القلوب الى قومٍ من المؤمنين للاشارة الى انّ بعض المؤمنين لا يتألّمون من اعتداء المشركين بل يرون اعتداءهم سائقاً لهم الى ربّهم، كما انّ مرافقه مولاهم قائدة لهم وقوله بالفارسيّة "دربلاهم ميجشم لذّات او" اشارة الى هذا {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} ادّاه مرفوعاً بصورة الاستيناف للاشارة الى عدم لزومه للمقاتلة كسوابقه لكن اتى باداة العطف مشعراً بانّه ايضاً قد يترتّب على المقاتلة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بالغايات المترتّبة على المقاتلة ولذا يأمركم بها {حَكِيمٌ} لا يأمركم الاّ بما فيه صلاحكم وصلاح اعداءكم.

اطفيش

تفسير : {قاتِلُوهُم يعذِّبهم اللهُ بأيْديكُم} قتلا وأسرا، هذا أمر أيضا بقتالهم مقرون بالوعد بالظفر، والمراد بالعذاب فى: {أية : وما كان الله ليعذبهم} تفسير : الخ استئصالهم بنحو صيحة أو خسف أو حجارة، وقد يعم فى الدنيا غير المذنب كما مر، فلا منافاة بين الآيتين، وإسناد التعذيب إلى الله لأنه مخلوق له، وتعليقه بالأيدى لأنه كسب لها، وكذا إذا وقع تعذيب المؤمنين بأيدى الكفرة، فإن الله قد عذبهم بأيدى الكفرة، ولكن منعوا التعبير به لشفاعته، كما لا يقال: يا خالق الخنزير والغائط أو نحو ذلك مع أنه الخالق لها لا غيره. {ويُخْزِهم} يذلهم بذنوبهم {وينْصُرْكم عَليهِم} بالاستيلاء عليهم {ويَشْفِ صُدورَ قَومٍ مُؤمِنينَ} شبه إزالة ما حصل فى قلوب المؤمنين من فعل الكفرة بإزالة المرض، والمراد بقوم مؤمنين المؤمنون كلهم، ولو من لم يصبه الأذى من جهة الكفار، لأن المؤمنين كجسد واحد، يتضررون بما أصاب أدناهم فالتنكير للتعظيم، أو المراد قوم مخصوصون. قال مجاهد، والسدى: هم مؤمنو خزاعة، وذلك أن قريشا نقضوا العهد، ونالت الحرب خزاعة منهم ومن بنى بكر، ثم شفى الله قلوبهم من بنى بكر يوم فتح مكة، قتلوا منهم معسم بن ضبابة فى خمسين رجلا، "حديث : وذكر عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "كفوا السلاح إلا خزاعة من بنى بكر"" تفسير : وذكره البغوى، هكذا: "حديث : ارفعوا السيف إلا خزاعة من بنى بكر إلى العصر" تفسير : أى فإن لخزاعة أن لا يرفعوا سيوفهم من بنى بكر إلى العصر، وقال ابن عباس: "حديث : هم بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا، فلقوا من أهلها أذى شديدا، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه، فقال: "أبشروا فإن الفرج قريب"".

اطفيش

تفسير : {قَاتِلُوهُمْ} تأْكيد فى القتال بعد بيان موجبه من النكث والطعن والهم بإِخراج الرسول، وبعد التوبيخ على تركه والإِيعاد على الترك والخشية من الله فقط، وجزم فى جواب هذا الأَمر أَربعة أَفعال يتضمن معانيهن الترتب على القتال تعذيبهم بأَيديكم وخزيهم وشفاء صدور قوم مؤمنين وإِذهاب غيظ قلوبهم. وأَما التوبة على من يشاء فليست مرتبة على قتالهم، فرفع يتوب لذلك، إِذ ليس المعنى أَن قاتلوهم يتب الله على من يشاء، بل عطف قصة على أُخرى والإِخبار على الأَمر {يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ} جزاء لضرهم إِياكم تعذبوهم بالقتل كما ضروكم، فاشكروا الله على هذه النعمة ولا تراعو حظ النفوس فى تعذيبهم بأَيديكم زيادة إِيلام لهم لأَنه أَشد عليهم، كما قالت الزباء "بيدي لا بيد عمرو". وإِسناد التعذيب إِلى الله المؤذن بالشدة مجاز عقلى لأَن الكاسب المخلوق والله خالق للكسب {وَيُخْزِهِمْ} يجعلهم أَذلاءَ فى قلوبهم بالأَسر والقهر ويظهر أَثر ذلك على أَبدانهم ووجوههم أَو يعذبهم بالقتل والأَسر ويخزهم بهما، أَى يذلهم بها {وَيَنْصُرْكُمْ} كلكم {عَلَيْهِمْ} كلهم للأَبد، أَو بالقتل، على أن التعذيب ليس بالقتل {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} أَى ويشف صدوركم، فوضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بالإِيمان وبطيب قلوبهم، أَو القوم المؤمنون خزاعة على أَنهم أَسلموا، أَو المراد قوم منهم أَسلموا وجزاهم الله بالنصر على بنى بكر الذين غدروهم، أَو بطون من سبأ واليمن قدموا مكة وأَسلموا، فلقوا من أَهل مكة أَذى شديداً فشكوا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : أَبشروا... إِن الفرج قريبتفسير : ، أَو هؤلاء وخزاعة..

الالوسي

تفسير : {قَـٰتِلُوهُمْ} تجريد للأمر بالقتال بعد بيان موجبه على أتم وجه والتوبيخ على تركه ووعد بنصرهم وبتعذيب أعدائهم وإخزائهم وتشجيع لهم {يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} بالقتل {وَيُخْزِهِمْ} ويذلهم بالأسر، وقد يقال: يعذبهم قتلا وأسراً ويذلهم بذلك {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} أي يعجلكم جميعا غالبين عليهم أجمعين ولذلك أخر ـ كما قال بعض المحققين ـ عن التعذيب والإخزاء {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} قد تألموا من جهتهم، والمراد بهم أناس من خزاعة حلفائه عليه الصلاة والسلام كما قال عكرمة وغيره، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة وأسلموا فلقوا من أهلها أذى كثيراً فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أبشروا فإن الفرج قريب»تفسير : . / وروي عنه رضي الله تعالى عنه أن قوله سبحانه: {أية : أَلاَ تُقَاتِلُونَ } تفسير : [التوبة: 13] الخ ترغيب في فتح مكة وأورد عليه أن هذه السورة نزلت بعد الفتح فكيف يتأتى ما ذكر. وأجيب بأن أولها نزل بعد الفتح وهذا قبله، وفائدة عرض البراءة من عهدهم مع أنه معلوم من قتال الفتح وما وقع فيه من الدلالة على عمومه لكل المشركين ومنعهم من البيت فتذكر ولا تغفل، قيل: ولا يبعد حمل المؤمنين على العموم لأن كل مؤمن يسر بتقل الكفار وهوانهم.

ابن عاشور

تفسير : {قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ}. استئناف ابتدائي للعود من غرض التحذير، إلى صريح الأمر بقتالهم الذي في قوله: {أية : فقاتلوا أئمة الكفر}تفسير : [التوبة: 12] وشأن مثل هذا العود في الكلام أن يكون باستئناف كما وقع هنا. وجُزم {يعذبهم} وما عطف عليه في جواب الأمر. وفي جعله جواباً وجزاءً أنّ الله ضمن للمسلمين من تلك المقاتلة خمس فوائد تنحلّ إلى اثنتي عشرة إذ تشتمل كل فائدة منها على كرامة للمؤمنين وإهانة لهؤلاء المشركين وروعي في كلّ فائدة منها الغرض الأهمّ فصرح به وجعل ما عداه حاصلاً بطريق الكناية. الفائدة الأولى تعذيب المشركين بأيدي المسلمين وهذه إهانة للمشركين وكرامة للمسلمين. الثانية: خزي المشركين وهو يستلزم عِزّة المسلمين. الثالثة: نصر المسلمين، وهذه كرامة صريحة لهم وتستلزم هزيمة المشركين وهي إهانة لهم. الرابعة: شفاء صدور فريق من المؤمنين، وهذه صريحة في شفاء صدور طائفة من المؤمنين وهم خزاعة، وتستلزم شفاء صدور المؤمنين كلّهم، وتستلزم حرج صدور أعدائهم فهذه ثلاث فوائد في فائدة. الخامسة: إذهاب غيظ قلوب فريق من المؤمنين أو المؤمنين كلّهم، وهذه تستلزم ذهاب غيظ بقية المؤمنين الذي تحملوه من إغاظة أحلامهم وتستلزم غيظ قلوب أعدائهم، فهذه ثلاث فوائد في فائدة. والتعذيب تعذيب القتل والجراحة. وأسند التعذيب إلى الله وجعلت أيدي المسلمين آلة له تشريفاً للمسلمين. والإخزاء: الإذلال، وتقدّم في البقرة. وهو هنا الإذلال بالأسر. والنصرُ حصول عاقبة القتال المرجوّة. وتقدّم في أول البقرة. والشفاء: زوال المرض ومعالجة زواله. أطلق هنا استعارة لإزالة ما في النفوس من تعب الغيظ والحقد، كما استعير ضدّه وهو المرض لما في النفوس من الخواطر الفاسدة في قوله تعالى: {أية : في قلوبهم مرض}تفسير : [البقرة: 10] قال قيس بن زهير:شعر : شَفيت النفسَ من حَمَل بنِ يَدّر وسيفي من حُذيفة قد شَفاني تفسير : وإضافة الـــ {صدور} إلى {قوم مؤمنين} دون ضمير المخاطبين يدلّ على أنّ الذين يشفي الله صدورهم بنصر المؤمنين طائفةٌ من المؤمنين المخاطبين بالقتال، وهم أقوام كانت في قلوبهم إحن على بعض المشركين الذين آذوهم وأعانوا عليهم، ولكنّهم كانوا محافظين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلا يستطيعون مجازاتهم على سوء صنيعهم، وكانوا يودّون أن يؤذَن لهم بقتالهم، فلمّا أمر الله بنقض عهود المشركين سُرّوا بذلك وفرحوا، فهؤلاء فريق تغاير حالته حالة الفريق المخاطبين بالتحريض على القتال والتحذيرِ من التهاون فيه. فعن مجاهد، والسدّي أنّ القوم المؤمنين هم خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وكانت نفوس خزاعة إحن على بني بكر بن كنانة، الذين اعتدوا عليهم بالقتال، وفي ذكر هذا الفريق زيادة تحريض على القتال بزيادة ذكر فوائده، وبمقارنة حال الراغبين فيه بحال المحرضين عليه، الملحوح عليهم الأمر بالقتال. وعَطْفُ فعل {ويذهب غيظ قلوبهم} على فعل {ويشف صدور قوم مؤمنين}، يؤذن باختلاف المعطوف والمعطوف عليه، ويكفي في الاختلاف بينهما اختلاف المفهومين والحالين، فيكون ذهاب غيظ القلوب مساوياً لشفاء الصدور، فيحصل تأكيد الجملة الأولى بالجملة الثانية، مع بيان متعلّق الشفاء ويجوز أن يكون الاختلاف بِالمَاصْدق مع اختلاف المفهوم، فيكون المراد بشفاء الصدور ما يحصل من المسرّة والانشراح بالنصر، والمراد بذهاب الغيظ استراحتهم من تعب الغيظ، وتحرّق الحقد. وضمير قلوبهم عائد إلى قوم مؤمنين فهم موعودون بالأمرين: شفاء صدورهم من عدوهم، وذهاب غيظ قلوبهم على نكث الذين نكثوا عهدهم. والغيظ: الغضب المشوب بإرادة الانتقام، وتقدّم في قوله تعالى: {أية : عضوا عليكم الأنامل من الغيظ }تفسير : في سورة آل عمران (119). {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. جملة ابتدائية مستأنفة، لأنّه ابتداء كلام ليس ممّا يترتب على الأمر بالقتال، بل لذكر من لم يُقتَلوا، ولذلك جاء الفعل فيها مرفوعاً، فدلّ هذا النظم على أنّها راجعة إلى قوم آخرين، وهم المشركون الذين خانوا وغدروا، ولم يُقتلوا، بل أسلموا من قبل هذا الأمر أو بعده. وتوبة الله عليهم: هي قبول إسلامهم أو دخولهم فيه، وفي هذا إعذار وإمهال لمن تأخّر. وإنّما لم تفصل الجملة: للإشارة إلى أنّ مضمونها من بقية أحوال المشركين، فناسب انتظامها مع ما قبلها. فقد تاب الله على أبي سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وسليم بن أبي عمرو (ذكر هذا الثالث القرطبي ولم أقف على اسمه في الصحابة). والتذييل بجُملة {والله عليم حكيم} لإفادة أنّ الله يعامل الناس بما يعلم من نياتهم، وأنّه حكيم لا يأمر إلا بما فيه تحقيق الحكمة، فوجب على الناس امتثال أوامره، وأنّه يقبل توبة من تاب إليه تكثيراً للصلاح.

د. أسعد حومد

تفسير : {قَاتِلُوهُمْ} (14) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِقِتَالِ الكُفَّارِ، وَيَقُولُ لَهُمْ إنَّهُ تَعَالَى سَيُعَذِّبُهُمْ بِأيدِي المُؤْمِنينَ، وَيُمَكِّنُ المُؤْمِنينَ مِنْ رِقَابِهِمْ، وَيُخْزِيهِمْ وَيُذِلُّهُمْ بَالأسْرِ وَالقَهْرِ وَالهَزِيمَةِ، وَيَنْصُرُ المُؤْمِنينَ عَلَيهِمْ، وَيَشْفِي صُدُورَ قَوْمٍ اعْتَدَى الكَافِرُونَ عَلَيْهِم، (مِثْلِ خُزَاعَة، وَالمُسْتَضْعَفِينَ فِي مَكَّةَ الذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا اللِّحَاقَ بِإِخْوَانِهِم المُؤْمِنِينَ إلى دَارِ الهِجْرَةِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله تعالى: {فَقَاتِلُوۤاْ} في الآية السابقة كانت حثا للمؤمنين على القتال، و{قَاتِلُوهُمْ} الثانية التي في هذه الآية؛ للتحريض والترغيب في القتال، وأمر إيماني للمؤمنين بأن يقاتلوا الكفار. ثم يأتي المولى سبحانه وتعالى في هذه الآية بالحكمة من الأمر بالقتال فيقول: {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} ونتساءل: إذا كان الله يريد أن يعذبهم فلماذا لا يأتي بآية من عنده تخضعهم للعذاب؟ نقول: لو انتصر المؤمنون بحدث كوني غير القتال لقال الكفار: حدث كوني هو الذي نصرهم. ويشاء الله سبحانه وتعالى أن ينهزم هؤلاء الكفار بأيدي المؤمنين؛ لأن الكفار ماديون لا يؤمنون إلا بالأمر المادي، ولو أنهم كانوا مؤمنين بالله لانتهت المسألة، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يُرِيَ الكفار بأس المؤمنين لتمتلىء قلوبهم هيبة وخوفاً من المؤمنين، ويحسبوا لهم ألف حساب، فلا تحدثهم أنفسهم بأن يجترئوا على الإيمان وعلى الدين أو أن يستهينوا بالمؤمنين. ولقائل أن يقول: إن الحق هنا يأمر فيقول: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}. وفي آية أخرى يقول: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال: 33]. فكيف يثبت الله العذاب وينفيه؟. ونقول: لقد نزلت الآيتان في الكفار. وسبحانه وتعالى يقول: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} ولو قال: قاتلوهم تعذبوهم بأيديكم لاختلف المعنى، ولكن الآيتين تثبت إحداهما العذاب والأخرى تنفيه، ونقول: إن الجهة منفكة، فقوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} أي: لا ينزل الله تعالى عليهم عذابا من السماء ما دمت فيهم، وقد وضح هذا في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الأنفال: 32-33]. فقد سبق أن طلب الكفار عذابا من السماء ينزل عليهم إن كان القرآن هو الحق؛ فرد الحق سبحانه وتعالى بأنه لا يعذبهم ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم؛ لأنه أرسله رحمة للعالمين. ولكن عدم تدخل السماء بالعذاب بعد بعث رسول الله بالرسالة، لا يعني أن العذاب قد انتهى بالنسبة للكفار. وائتمن سبحانه المؤمنين على نصرة منهجه ودينه وهو معهم. ولكن العذاب يتم بالأسباب الأرضية، ولا يوجد تناقض. لأن العذاب من السماء قد يكون استئصالا لكل الكافرين؛ صغارا وكبارا، كأن يغرقهم الطوفان، أو تأتي الصيحة فتبيدهم عن آخرهم، أو تجيئهم ريح صرصر عاتية تدمرهم، أو تصيبهم الرجفة فتجمدهم، وفي كل هذه الحالات لا يبقى أحد من الكفار، ولكن القتال البشري لا يقضي على الكفار نهائيا، فالإسلام يمنعنا من قتال النساء والصبيان، ومن قتال الذين لم يقاتلونا. إذن فالعذاب بعد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عذاب استئصال وإبادة كما كان في الأمم السابقة. ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد عذَّب الأمم السابقة بتلك الوسائل، فكان على الرسول من السابقين على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الرسالة، وإن لم يؤمن قومه برسالته تتدخل السماء ضدهم بألوان العذاب السابقة. ولكن الحق تبارك وتعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده أن تدعو لدين الله، وتؤدب من يختصم الإيمان، ويدخل في عداوة مع المؤمنين فمنهم من يفر أو يقع في الأسر ويبقى الطفل والمرأة دون تعذيب. {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ} [التوبة: 14]. وما الفرق بين العذاب والخزي؟ نقول: قد نجد واحدا له كِبْرٌ وجَلَدٌ، وإن أصابه العذاب فهو يتحمله ولا يظهر الفزع أو الخوف أو الضعف، ويمنعه كبرياؤه الذاتي من أن يتأوه، ولمثل ذلك هناك عذاب آخر هو الخزي، والخزي أقسى على النفس من العذاب؛ لأن معناه الفضيحة، كأن يكون هناك إنسان له مهابة في الحي الذي يسكن فيه، مثل فتوة الحي، ثم يأتي شاب ويدخل معه في مشاجرة أمام الناس ويلقيه على الأرض، هذا الإلقاء لا يعذبه ولا يؤلمه، وإنما يخزيه ويفضحه أمام الناس، بحيث لا يستطيع أن يرفع رأسه بين الناس مرة أخرى، والخزي هنا أشد إيلاما لنفسه من العذاب. ولا يريد سبحانه أن يعذب الكفار بأيدي المؤمنين فقط، بل يريد لهم الافتضاح أيضا، بحيث لا يستطيعون أن يرفعوا رءوسم. وجاء الحق سبحانه وتعالى بنتيجة ثالثة لهذا القتال فقال: {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 14]. وعلى هذا فعندما يقاتل المؤمنون الكفار يصيب الكفارَ العذاب والخزي والهزيمة. إذن {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} مرحلة، {وَيُخْزِهِمْ}، مرحلة ثانية {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} مرحلة ثالثة، ثم تأتي المرحلة الرابعة: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} [التوبة: 14]. أي: أن النصر الذي سيحققه المؤمنون بعون الله تعالى في قتالهم مع الكفار سيشفي صدور المؤمنين الذين استذلهم الكفار واعتدوا عليهم، فكأن هذا النصر يشفي الداء، الذي ملأ صدور أولئك المؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم، أي: يخرج الغيظ والانفعال المحبوس في الصدور، فكأن قتال المؤمنين للكفار لا يحقق فقط العذاب والخزي للكفار والنصر للمؤمنين عليهم، ولكنه يعالج - أيضا - قلوب المؤمنين التي ملأها الألم والغيظ من سابق اعتداء الكفار عليهم ومحاولتهم إذلالهم وأخذ حقوقهم. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ...}.

الجيلاني

تفسير : وبالجملة: {قَاتِلُوهُمْ} حيث وجدتموهم، فإنكم منصورون عليهم {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} بأنواع العذاب من الأسر والقتل والإجلاء {وَيُخْزِهِمْ} أي: بذلهم ويهينهم ما بقي منهم من ذرياتهم {وَيَنْصُرْكُمْ} دائماً {عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ} بقهرهم وإذلالهم {صُدُورَ قَوْمٍ} غرباء {مُّؤْمِنِينَ} [التوبة: 14] حيث صارت قلوبهم مرضى من وعيدات أولئك الطغاة الغواة، المتجبرين المستكبرين. {وَيُذْهِبْ} بقتل أولئك الكفرة، وقمعهم واستئصالهم {غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} أيما حدث وخدش في قلوب هؤلاء الغرباء المؤمنين الذين تركوا أوطانهم؛ لحب دين الإسلام من استيلاء الكفار وكثرة عددهم وعُددهم، وجاههم ومالهم {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} أي: يصرف ويرجع من الباطل؛ بسبب قلعهم وقمعهم من في قلوبهم مرض من الأقاصي والأداني {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائر عباده {عَلِيمٌ} بمخايلهم وأمراض قلوبهم {حَكِيمٌ} [التوبة: 15] في علاجها ودفعها. ثمَّ قال سبحانه على وجه التشنيع للمؤمنين؛ تحريكاً لحمية الإيمان: {أَمْ حَسِبْتُمْ} وظننتم أيها المؤمنون الكارهون للقتال، المتقاعدون عن امتثال الأوامر الواقعة فيه {أَن تُتْرَكُواْ} على ما أنتم عليه، ولا تؤمروا بالقتال من بعد {وَ} زعمتم زعماً فاسداً {لَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ} ولما يفصل ويميز بعلمه الحضوري {ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} في سبيله مخلصين خالصاً لرضاه. {وَ} مع ذلك {لَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} {وَلاَ} من دون {رَسُولِهِ} المستخلف منه، النائب عنه {وَلاَ} من دون {ٱلْمُؤْمِنِينَ} المرابطين قلوبهم مع الله ورسوله {وَلِيجَةً} أي: بطانةً ومرجعاً يوالونهم ويفشون إليهم سرائرهم، بلى إن الله عليم بجميع ما صدر عنكم من علامات الإخلاص وأمارات النفاق {وَٱللَّهُ} المطلع لجميع أحوالكم {خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16] أي: تتخيلون وتحضرون من التكاسل والتواني والإلجاء إلى الأعداء والرجوع إليهم في خلواتكم وأسراركم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة: 14] أي: القلوب والأرواح باستيلائكم عليها كما عذبتكم عند استيلائها عليكم، {وَيُخْزِهِمْ} [التوبة: 14] ويذلهم بالقهر والقمع، {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 14] بالظفر بها، {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} [التوبة: 14] أي: الأرواح والقلوب المؤمنة بانتقامهم من النفوس الكافرة الناكثة العهود، {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 15] يعني: وحشتها وكدورتها، {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} [التوبة: 15] من النفوس إلى الرجوع إلى الحق قبل التمادي من غير احتياج برياضة شديدة، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} [التوبة: 15] بالنفوس التي ترجع بالشريعة إلى الحق والتي تتمادى في الباطل، {حَكِيمٌ} [التوبة: 15] فيما حكم ودبر في كليتها. ثم أخبر عن لزوم الجهاد مع أهل العناد بقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ} [التوبة: 16] الإشارة فيها أم حسبتهم أيتها النفوس الأمارة بالسوء أن تتركوا بلا رياضة ومجاهدة، {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} [التوبة: 16] بترك الهوى وشهوات الدنيا، {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 16] يعني: الأرواح والقلوب، {وَلِيجَةً} [التوبة: 16] أولياء من الشيطان والدنيا والهوى، {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16] من التوجه إلى الحق بالصدق مخلصاً ومستوياً بالأعراض والعلل. ثم أخبر عن أحوال الأعمال مردودها ومقبولها بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللهِ} [التوبة: 17] إلى قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [التوبة: 19] الإشارة فيها {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ} إشارة إلى النفوس الأمارة بالسوء المشركة التي تعبد الهوى والدنيا وشهواتها يعني: ما كان من شيمة أمارتها عمارة مسجد الله وهي القلوب، وهم {شَٰهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة: 17] يعني: وهم مقرون على ما جبلت عليه النفوس من التمرد وتعبد الهوى، {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ} [التوبة: 17] أي: صدرت عنهم رياءً وسمعة، {وَفِي ٱلنَّارِ} [التوبة: 17] أي: نار البعد والقطيعة، {هُمْ خَٰلِدُونَ} [التوبة: 17] {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ} [التوبة: 18] أي: يعمر مساجد القلوب ويزينها من النفوس {مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [التوبة: 18] أي: صدق بأن المقصود والمعبود هو الله لا الدنيا وشهواتها الفانية وعمل نيل السعادة الأخروية الباقية، {وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَىٰ ٱلزَّكَٰوةَ} [التوبة: 18] أي: أدام المناجاة مع الله بصدق القلب، وأدى حق التزكية عن الأخلاق الذميمة والأوصاف الرديئة، فإن بها عمارة القلوب، {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} [التوبة: 18] أي: لم يخف من فوات الحظوظ الدنياوية في طلب الله، وإنما يخاف فوات الحقوق الإلهية، {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ} [التوبة: 18] يعني: النفوس عقب هذه الأحوال، {أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] من الله إلى الله، {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ} [التوبة: 19] يشير إلى المستخدمين من هذه الطائفة الذين ينصبون نفوسهم لخدمة أرباب الطلب ولهم أغراض فاسدة، يقول: أتجعلون هذه الخدمة المنسوبة بالأغراض. {وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [التوبة: 19] أي: الأعمال الموجبة بعمارة القلوب إذا كانت خالصة عن الرياء والأغراض من الزهد والتصوف والتقيد بالمشوبات بالرياء والهوى، {كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة: 19] أي: مساوياً إيمانه واعتقاده طلب الله تعالى وهو مجاهد في السير إلى الله، {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [التوبة: 19] الذين يضعون الأعمال الصالحة في غير موضعها رياءً وسمعة إلى حضرة جلاله.