٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الآيات المتقدمة كانت مرغبة في الجهاد، والمقصود من هذه الآية مزيد بيان في الترغيب، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء: قوله: {أَمْ } من الاستفهام الذي يتوسط الكلام، ولو أريد به الابتداء لكان بالألف أو بها. المسألة الثانية: قال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة وأصله من الولوج فالداخل الذي يكون في القوم وليس منهم وليجة، فالوليجة فعيلة من ولج كالدخيلة من دخل قال الواحدي: يقال هو وليجتي وهم وليجتي للواحد والجمع. المسألة الثالثة: المقصود من الآية بيان أن المكلف في هذه الواقعة لا يتخلص عن العقاب إلا عند حصول أمرين: الأول: أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم، وذكر العلم والمراد منه المعلوم، والمراد أن يصدر الجهاد عنهم إلا أنه إنما كان وجود الشيء يلزمه معلوم الوجود عند الله، لا جرم جعل علم الله بوجوده كناية عن وجوده، واحتج هشام بن الحكم بهذه الآية على أنه تعالى لا يعلم الشيء إلا حال وجوده. واعلم أن ظاهر الآية وإن كان يوهم ما ذكره إلا أن المقصود ما بيناه. والثاني: قوله: {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً } والمقصود من ذكر هذا الشرط أن المجاهد قد يجاهد ولا يكون مخلصاً بل يكون منافقاً، باطنه خلاف ظاهره، وهو الذي يتخذ الوليجة من دون الله ورسوله والمؤمنين، فبين تعالى أنه لا يتركهم إلا إذا أتوا بالجهاد مع الإخلاص خالياً عن النفاق والرياء والتودد إلى الكفار وإبطال ما يخالف طريقة الدين والمقصود بيان أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال فقط، بل الغرض أن يؤتى به انقياداً لأمر الله عز وجل ولحكمه وتكليفه، ليظهر به بذل النفس والمال في طلب رضوان الله تعالى فحينئذ يحصل به الانتفاع، وأما الإقدام على القتال لسائر الأغراض فذاك مما لا يفيد أصلاً. ثم قال: {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي عالم بنياتهم وأغراضهم مطلع عليها لا يخفى عليه منها شيء، فيجب على الإنسان أن يبالغ في أمر النية ورعاية القلب. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله لا يرضى أن يكون الباطن خلاف الظاهر، وإنما يريد الله من خلقه الاستقامة كما قال: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } تفسير : [فصلت: 30 الأحقاف: 13] قال: ولما فرض القتال تبين المنافق من غيره وتميز من يوالي المؤمنين ممن يعاديهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {أَمْ حَسِبْتُمْ} خروجٌ من شيء إلى شيء. {أَن تُتْرَكُواْ} في موضع المفعولين على قول سيبويه. وعند المبرّد أنه قد حذف الثاني. ومعنى الكلام: أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تُبْتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب. وقد تقدّم هذا المعنى في غير موضع. {وَلَمَّا يَعْلَمِ} جزم بلمّا وإن كانت ما زائدة؛ فإنها تكون عند سيبويه جواباً لقولك: قد فعل؛ كما تقدّم. وكسرت الميم لالتقاء الساكنين. {وَلِيجَةً} بِطانة ومداخلة؛ من الولوج وهو الدخول، ومنه سُمِّيَ الكِنَاسُ الذي تلج فيه الوحوش تَوْلَجاً. وَلَجَ يَلِج وُلُوجاً إذا دخل. والمعنى: دخيلَة مودّةٍ من دون الله ورسوله. وقال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وَلِيجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم وَلِيجة. وقال ابن زيد: الولِيجة الدخيلة، والوُلَجاء الدُّخلاء؛ فَولِيجة الرجل من يختص بِدُخْلَة أمره دون الناس. تقول: هو وليجتي وهم وليجتي؛ الواحد والجمع فيه سواء. قال أبَان بن تَغْلِب رحمه الله:شعر : فبئس الوليجة للهاربين والمعتدين وأهل الرِّيَب تفسير : وقيل: وليجة بطانة؛ والمعنى واحد؛ نظيره {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} تفسير : [آل عمران: 118]. وقال الفرّاء: وليجة بطانة من المشركين يتخذونهم ويُفشون إليهم أسرارهم ويعلمونهم أمورهم.
البيضاوي
تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ} خطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال. وقيل للمنافقين و {أَمْ} منقطعة ومعنى الهمزة فيها التوبيخ على الحسبان. {أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ} ولم يتبين الخلص منكم وهم الذين جاهدوا من غيرهم، نفى العلم وأراد نفي المعلوم للمبالغة فإنه كالبرهان عليه من حيث إن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه. {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ} عطف على {جَـٰهَدُواْ} داخل في الصلة. {مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} بطانة يوالونهم ويَفشون إليهم أسرارهم. وما في {لَّمّاً} من معنى التوقع منبه على أن تبين ذلك متوقع. {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} يعلم غرضكم منه وهو كالمزيج لما يتوهم من ظاهر قوله: {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ} أيها المؤمنون أن نترككم مهملين، لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب؟ ولهذا قال: {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} أي: بطانة ودخيلة، بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله، فاكتفى بأحد القسمين عن الآخر؛ كما قال الشاعر:شعر : وما أَدْري إذا يَمَّمْتُ أرضاً أُريدُ الخَيْرَ أَيّهما يَلِيني تفسير : وقد قال تعالى في الآية الآخرى: {أية : الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ}تفسير : [العنكبوت:1-3] وقال تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [آل عمران: 142]، وقال تعالى: {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} تفسير : [آل عمران: 179]، والحاصل أنه تعالى لما شرع لعباده الجهاد، بين أن له فيه حكمة، وهو اختبار عبيده؛ من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فيعلم الشيء قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، ولا راد لما قدّره وأمضاه. قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَـهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَىٰ ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ }. يقول تعالى: ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، ومن قرأ: مسجد الله، فأراد به المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن، هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، أي: بحالهم وبقالهم. قال السدي: لو سألت النصراني: ما دينك؟ لقال: نصراني، ولو سألت اليهودي ما دينك؟ لقال: يهودي، والصابىء لقال: صابىء، والمشرك لقال: مشرك {أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ} أي: بشركهم {وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ} وقال تعالى: {أية : وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الأنفال: 34] ولهذا قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} فشهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا شريح، حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث، أن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «حديث : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان»تفسير : . قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} ورواه الترمذي وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب به. وقال عبد الرحمن بن حميد في مسنده: حدثنا يونس بن محمَّد، حدثنا صالح المري عن ثابت البناني عن ميمون بن سياه، وجعفر بن زيد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما عمار المساجد هم أهل الله» تفسير : ورواه الحافظ أبو بكر البزار: عن عبد الواحد بن غياث عن صالح بن بشير المري عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما عمار المساجد هم أهل الله» تفسير : ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير صالح، وقد روى الدار قطني في الأفراد من طريق حكامة بنت عثمان بن دينار عن أبيها عن أخيه مالك بن دينار عن أنس مرفوعاً: «حديث : إذا أراد الله بقوم عاهة، نظر إلى أهل المساجد، فصرف عنهم» تفسير : ثم قال: غريب، وروى الحافظ البهائي في المستقصى عن أبيه بسنده إلى أبي أمية الطرسوسي، حدثنا منصور بن صقير، حدثنا صالح المري عن ثابت عن أنس مرفوعاً: «حديث : يقول الله: وعزتي وجلالي إني لأهم بأهل الأرض عذاباً، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتحابين في، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفت ذلك عنهم» تفسير : ثم قال ابن عساكر: حديث غريب. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا سعيد عن قتادة، حدثنا العلاء بن زياد عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد» تفسير : وقال عبد الرزاق: عن معمر عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي قال: أدركت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها. وقال المسعودي: عن حبيب بن أبي ثابت وعدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من سمع النداء بالصلاة، ثم لم يجب، ولم يأت المسجد ويصلي، فلا صلاة له، وقد عصى الله ورسوله. قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} الآية، رواه ابن مردويه. وقد روي مرفوعاً من وجه آخر، وله شواهد من وجوه أخر ليس هذا موضع بسطها. وقوله: {وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ} أي: التي هي أكبر عبادات البدن {وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ} أي: التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر الخلائق، وقوله: {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي: ولم يخف إلا من الله تعالى، ولم يخش سواه {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاَْخِرِ} يقول: من وحد الله وآمن باليوم الآخر، يقول: من آمن بما أنزل الله {وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ} يعني: الصلوات الخمس {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} يقول: لم يعبد إلا الله، ثم قال: {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} يقول تعالى: إن أولئك هم المفلحون؛ كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} تفسير : [الإسراء: 79] وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة، وقال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله: وعسى من الله حق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ } بمعنى همزة الإِنكار {حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا } لم {يَعْلَمِ ٱللَّهُ } علم ظهورٍ {ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمْ } بإِخلاص {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً } بطانة وأولياء، المعنى: ولم يظهر المخلصون- وهم الموصوفون بما ذكر- من غيرهم {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.
ابن عطية
تفسير : {أم } في هذه الأية ليست المعادلة، وإنما هي المتوسطة في الكلام، وهي عند سيبويه التي تتضمن إضراباً عن اللفظ لا عن معناه، واستفهاماً فهي تسد مسد بل وألف الاستفهام، وهي التي في قولهم: "إنها لإبل أم شاء" التقدير بل أهي شاء، وقوله { أن تتركوا } يسد عند سيبويه مسد مفعولي " حسب "، وقال المبرد:"أن" وما بعدها مفعول أول والثاني محذوف. قال القاضي أبو محمد : كان تقديره مهملين أو سدى ونحو ذلك، وقوله {ولما} هي دخلت على لم وفيها مبالغة، ومعنى الآية أظننتم أن تتركوا دون اختبار وامتحان؟ فـ {لما } في هذه الآية بمنزلة قول الشاعر [الفرزدق]: [الطويل] شعر : بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بها حين سُلَّتِ تفسير : قال القاضي أبو محمد: والمراد بقوله {ولما يعلم } لما يعلم ذلك موجوداً كما علمه أزلاً بشرط الوجود ولما يظهر فعلكم واكتسابكم الذي يقع عليه الثواب والعقاب ففي العبارة تجوز وإلا فحتم أنه قد علم الله في الأزل الذين وصفهم بهذه الصفة مشروطاً وجودهم، وليس يحدث له علم تبارك وتعالى عن ذلك، و { وليجة} معناه بطانة ودخيلة، وقال عبادة بن صفوان الغنوي: [الطويل] شعر : ولائجهم في كل مبدىً ومحضر إلى كل من يرجى ومن يتخوفُ تفسير : وهو مأخوذ من الولوج، فالمعنى أمراً باطناً مما ينكره الحق، وهذه الآية مخاطبة للمؤمنين معناها أنه لا بد من اختبارهم فهي كقوله {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم } تفسير : [البقرة:214] وكقوله {أية : ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} تفسير : [العنكبوت:1-2] وفي هذه الآية طعن على المنافقين الذين اتخذوا الولائج لا سيما عندما فرض القتال،وقرأ جمهور الناس " والله خبير بما تعملون "بالتاء على المخاطبة، وقرأ الحسن ويعقوب في رواية رويس وسلام بالياء على الحكاية عن الغائب، وقوله تعالى {ما كان للمشركين } الآية، معناه ما كان للمشركين بحق الواجب أن يعمروا، وهذا هو الذي نفى الله عز وجل وإلا فقد عمروا مساجده قديماً وحديثاً وتغلباً وظلماً، وقرأ حماد بن أبي سلمة عن ابن كثير والجحدري "مسجد الله" بالإفراد في الموضعين، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والأعرج وشيبة وأبو جعفر ومجاهد وقتادة وغيرهم " مساجد " بالجمع في الموضعين، وقرأ ابن كثير أيضاً وأبو عمرو " مسجد" بالإفراد في هذا الموضع الأول و"مساجد" بالجمع في الثاني، كأنه ذكر أولاً فيه النازلة ذلك الوقت، ثم عمت المساجد ثانياً في الحكم الثابت ما بقيت الدنيا، ولفظ الجمع يقتضي عموم المساجد كلها، ويحتمل أن يراد به المسجد الحرام في الموضعين وحده على أن يقدر كل موضع سجود فيه مسجداً ثم يجمع، ولفظ الإفراد في الموضعين يقتضي خصوص المسجد الحرام وحده، ويحتمل أن يراد به الجنس فيعم المساجد كلها ولا يمنع من ذلك إضافته كما ذهب إليه من لا بصر له، وقال أبو علي الثاني في هذه القراءة يراد به الأول وسائر المساجد كلها حكمها حكم المسجد الحرام، وقوله {شاهدين على أنفسهم بالكفر } إشارة إلى حالهم إذ أقوالهم وأفعالهم تقتضي الإقرار بالكفر والتحلي به، وقيل الإشارة إلى قولهم في التلبية إلا شريك هو لك ونحو ذلك، وحكى الطبري عن السدي أنه قال: الإشارة إلى أن النصراني كان يقول أنا نصراني واليهودي كذلك والوثني يقول أنا مشرك. قال القاضي أبو محمد: وهذا لم يحفظ، ثم حكم الله تعالى عليهم بأن أعمالهم { حبطت} أي بطلت ولا أحفظها تستعمل إلا في السعي والعمل، ويشبه أن يكون من الحبط وهو داء قاتل يأخذ السائمة إذا رعت وبيلاً وهو الذي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم"تفسير : الحديث.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلِيجَةً} خيانة، أو بطانة، أو دخولاً في ولاية المشركين، ولج في كذا: دخل فيه.
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ...} الآية: خطابٌ للمؤمنين؛ كقوله: { أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ... } تفسير : الآية [آل عمران:142] ومعنى الآية: أظننتم أن تتركوا دون اختبار وامتحانٍ، والمراد بقوله: {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ}، أي: لم يعلم اللَّه ذلك موْجُوداً؛ كما عَلِمَهُ أَزلاً بشرط الوجود، وليس يَحْدُثُ له علْم تبارك وتعالى عن ذلك، و{وَلِيجَةً }: معناه: بِطَانَة ودَخِيلة، وهو مأخوذ من الوُلُوج، فالمعنى: أَمْراً باطناً مما يُنْكَر، وفي الآيةِ طَعْنٌ على المنافقين الذين ٱتخذوا الوَلاَئِجَ، قال الفَخْر: قال أبو عُبَيْدَة: كلّ شيءٍ أدخلْتَه في شيءٍ ليس منه، فهو وَلِيجةٌ، وأصله من الوُلُوج، قال الواحديُّ يقال: هو وَلِيجَةٌ، للواحدِ والجمع. انتهى. وقوله سبحانه: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ}، إِلى قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ...} الآية، لفظ هذه الآية الخَبَرُ، وفي ضمنها أمر المُؤمنين بِعَمارة المساجد، وروي أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ؛ أَن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « حديث : إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسَاجِدَ، فٱشْهَدُوا لَهُ بالإِيمان ». تفسير : * ت *: زاد ابن الخَطِيبِ في روايته: « فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ }. انتهى من ترجمة محمَّد بنِ عبدِ اللَّهِ، وفي الحديثِ عَنْه صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قَالَ: « حديث : إِنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لِمَنْ كَانَتْ المَسَاجِدُ بَيْتَهُ الأَمْنَ، والأَمَانَ، وَالجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ القِيَامَةِ » تفسير : خَرَّجه عليُّ بن عبد العزيز البَغَوِّيُّ في «المُسْنَد المُنْتَخَب» له، وروى البغويُّ أيضاً في هذا «المسند»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قَالَ: « حديث : إِذَا أَوْطَنَ الرَّجُلُ المَسَاجِدَ بِالصَّلاَةِ، وَالذِّكْرِ، تَبَشْبَش اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الغَائِبِ لِغَائِبِهمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ ) تفسير : . انتهى من «الكَوْكَب الدُّرِّيِّ»، قيل: ومعنى «يَتَبَشْبَشُ»: أي يفرح به. وقوله سبحانه: {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ}، يريد: خشيةَ التعظيمِ والعبادةِ، وهذه مرتبةُ العَدْل من الناس، ولا محالة أَنَّ الإِنسان يخشَى غيره، ويخشَى المحاذيرَ الدنيويَّة، وينبغي أن يخشَى في ذلك كلِّه قضاءَ اللَّهِ وتصريفَهُ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {أم حسبتم أن تتركوا ولمَّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم} قال: أبى أن يدعهم دون التمحيص. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الوليجة: البطانة من غير دينهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وليجة} أي حنانة.
التستري
تفسير : قوله: {وَلِيجَةً}[16] قال عمر بن واصل العنبري: كل شيء أدخلته شيئاً وليس منه فهو وليجة. وقال سهل: يعني لم يغفلوا عنه بميل القلوب إلى أنفسهم.
القشيري
تفسير : مَنْ ظَنَّ أنه يُقْنَعُ منه بالدعوى - دون التحقق بالمعنى - فهو على غَلَطٍ في حسبانه. والذي طالبهم به من حيث الأمر صِدْقُ المجاهدةِ في الله، وتَرْكُ الركونِ إلى غير الله، والتباعدُ عن مُساكَنَةِ أعداءِ الله.. ثِقةً بالله، واكتفاءً بالله، وتبرِّياً من غير الله. وهذا الذي أمرهم به ألا يتخذوا من دون المؤمنين وليجةً فالمعنى فيه: ألا يُفْشُوا في الكفارِ أسرارَ المؤمنين. وأولُ مَنْ يهجره المسلمُ - لئلا تَطَّلِعَ على الأسرار - نَفْسُه التي هي أعدى عدوِّه، وفي هذا المعنى قال قائلهم: شعر : كتابي إليكم بعد موتي بليلةٍ ولم أدرِ أَنِّي بعد مَوْتِيَ أكتب ُ تفسير : ويقال: إن أبا يزيد - فيما أُخْبِرَ عنه - أنه قال للحقِّ في بعض أوقات مكاشفاته: كيف أطلبك؟ فقال له: فَارِقْ نَفْسَكَ. ويقال إن ذلك لا يتمُّ، بل لا تحصل منه شظيَّة إلا بكَيِّ عُرُوقِ الأطماعِ والمطالباتِ لِمَا في الدنيا ولِمَا في العُقبى ولِمَا في رؤية الحال والمقام - ولو بِذَرَّةٍ. والحريةُ عزيزةٌ... قال قائلهم: شعر : أتمنى على الزمانِ مُحَالاً أَنْ ترى مُقْلَتَايَ طَلْعَةَ حُرِّ
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} خاطب المدعين الذين يظنون ان الحقيقة تحصل بمجرد الدعوى دون التحقق بالمعنى بالتفريع عند حسابهم ومخائيلهم وعرفهم ان من لم يكن باذلا لوجوده لله مخلصا فى معرفته بنعت زوال عوارض البشرية والصدق فى صحبة اهل الولاية فهو على غلط من حسبانه وفى سهو من حسابه وذلك تمام الاية بقوله {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} ثم حذرهم عن دعوى المحال وما فى ضمائرهم من غبار الخيال بقوله {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {أم حسبتم} آيا مى بنداريداى مؤمنان] وام منقطعة. والمعنى بل أحسبتم ومعنى بل الاضطراب عن امرهم بالقتال الى توبيخهم على الحسبان {ان تتركوا} مهملين غير مأمورين بالجهاد {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} اى والحال انه لم يتبين الخلص وهم الذين جاهدوا من غيرهم وفائدة التعبير عن عدم التبين بعدم علم الله تعالى ان المقصود هو التبين من حيث كونه متعلقا للعلم ومدارا للثواب. قال الحدادى وكان الله تعالى قد علم قبل امرهم بالقتال من لا يقاتل ممن يقاتل ولكنه يعلم ذلك غيبا واراد العلم الذى يجازى عليه وهو علم المشاهدة لانه يجازيهم على علمهم لا على علمه فيهم انتهى وعدم التعرض لحال المقصرين لما ان ذلك بمعزل من الاندراج تحت ارادة اكرم الاكرمين {ولم يتخذوا} عطف على جاهدوا داخل فى حيز الصلة اى ولما يعلم الله الذين لم يتخذوا {من دون الله} متعلق بالاتخاذ ان ابقى على حاله او مفعول ثان له ان جعل بمعنى التصيير {ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} اى بطانة وصاحب سر وهو الذى تطلعه على ما فى ضميرك من الاسرار الخفية من الولوج وهو الدخول. قال ابو عبيدة كل شيء ادخلته فى شيء وليس منه فهو وليجة تكون للواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد {والله خبير بما تعملون} اى بجميع اعمالكم لا يخفى عليه شيء منها فيعلم غرضكم من الجهاد هل فيه اخلاص او هو مشوب بالعلل كاحراز الغنيمة او جلب الثناء او نحو ذلك: قال السعدى شعر : منه آب زرجان من بربشيز كه صراف دانا نكيرد بجيز زراند ودكانرا بآتش برند بديد آيد آنكه كه مس يازرند تفسير : وفى الآية حث على الجهاد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لرباط يوم فى سبيل الله محتسبا من غير شهر رمضان افضل عند الله واعظم اجرا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها و رباط يوم فى سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من شهر رمضان افضل عند الله واعظم اجراً من عبادة الفى سنة صيامها وقيامها فان رده الله الى اهله سالما لم يكتب عليه سيئة الف سنة ويكتب له الحسنات ويجرى له اجر الرباط الى يوم القيامة" تفسير : وفى الحديث "حديث : من آمن بالله وبرسوله واقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله ان يدخل الجنة جاهد فى سبيل الله او جلس فى ارضه التى ولد فيها" قالوا أفلا نبشر الناس قال "ان فى الجنة مائة درجة اعدها الله للمجاهدين فى سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والارض فاذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فانه اوسط الجنة واعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر انهار الجنة"تفسير : وفى الحديث "حديث : المجاهد من جاهد نفسه لله تعالى جاهدوا اهواءكم كما تجاهدون اعداءكم اشجع الناس اقهرهم لهواه" تفسير : كم عاقل اسير هواه عليه امير عبد الشهوات اذل من عبد الرق ان المرآة لا تريك خدوش وجهك مع صداها وكذلك نفسك لا تريك عيوب نفسك مع هواها. وفى الاية بيان ان المؤمن المخلص يجتنب عن الكافر والمنافق ولا يتخذهما صاحبى سر - "حديث : روى- عن شدادة بن اوس وعبادة بن الصامت قالا بينما كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ قال "هل فيكم غريب" يعنى اهل كتاب قلنا لا يا رسول الله فامر بغلق الباب فقال "ارفعوا ايديكم فقولوا لا اله الا الله" فرفعنا ايدينا ساعة ثم وضع رسول الله يده ثم قال "الحمد لله اللهم انك بعثتنى بهذه الكلمة وامرتنى بها ووعدتنى عليها الجنة انك لا تخلف الميعاد" ثم قال "ابشروا فان الله قد غفر لكم"تفسير : اقول هذا التلقين تلقين خاص وقد توارثه الخواص من لدنه عليه السلام الى هذا اليوم ولم يطلعوا عليه العوام ولم يفشوا اسرارهم الى الاجانب فان ذلك من الخيانة وكذا ولاية المؤمن للكافر ومحبته له من الخيانة وما الاختلاط الا من محبة الكفر والعياذ بالله تعالى من ذلك
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "أم": منقطعة، بمعنى الهمزة؛ للإنكار والتوبيخ على الحسبان، والخطاب للمؤمنين أو المنافقين، والوليجة: البطانة والصحبة. يقول الحق جل جلاله: {أم حسبتم} أي: أظننتم {أن تُتْركُوا} من غير اختبار، {ولمَّا يعلمِ الله الذين جاهدُوا منكم} أي: ولم يتبين الخلَّص منكم، وهم الذين جاهدوا، من غيرهم، والمراد: علمَ ظهور، أي: أظننتم أن تتركوا ولم يظهر منكم المجاهد من غيره، قال البيضاوي: نفى العلم، وأراد نفي المعلوم؛ للمبالغة، فإنه كالبرهان عليه من حيث إن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه. هـ. بل يختبركم حتى يظهر الذين جاهدوا منكم. {ولم يتخِذوا من دون الله ولا رسولِه ولا المؤمنين وَليجَةً}؛ بطانة، أي: جاهدوا وأفردوا محبتهم لله ولرسوله وللمؤمنين، ولم يتخذوا من دونهم بطانة، أي أصحاب سرٍ يوالونهم ويبثون إليهم أسرارهم، بل اكتفوا بمحبة الله ومودة رسول الله والمؤمنين، دون موالاة من عاداهم، والتعبير بـ (لما): يقتضي أن ظهورَ ذلك متوقع، {واللَّهُ خبيرٌ بما تعملون}: تهديد لمن يفعل ذلك. الإشارة: إفراد المحبة لله ولأولياء الله من أعظم القربات إلى الله، وأقرب الأمور الموصلة إلى حضرة الله، والالتفات إلى أهل الغفلة؛ بالصحبة والمودة، من أعظم الآفات والأسباب المبعدة عن اللهِ، والعياذ بالله. وفي الحديث: "حديث : المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيله"تفسير : . و"حديث : المَرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ"تفسير : . و"حديث : مَنْ أَحَبْ قَوْماً حُشِرَ مَعَهم"تفسير : . إلى غير ذلك من الآثار في هذا المعنى. ثم نهى عن دخول المشركين المساجد، فقال: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ}.
الطوسي
تفسير : قوله {أم حسبتم} من الاستفهام الذي يتوسط الكلام فيجعل بـ {أم} ليفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ الذي لم يتصل بكلام ولو كان المراد الابتداء لكان اما بالالف أو بـ {هل} كقوله { أية : هل أتى على الإنسان} تفسير : والمعنى ظننتم أن تتركوا. والظن والحسبان نظائر، والحسبان قوة المعنى في النفس من غير قطع، وهو مشتق من الحساب لدخوله فيما يحتسب به {ان تتركوا} معنى الترك هو ضد ينافي الفعل المبتدأ في محل القدرة عليه. ويستعمل بمعنى (ألا يفعل) كقوله {أية : وتركهم في ظلمات لا يبصرون}تفسير : وقوله {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} إذا قيل: لما يفعل، فهو نفي للفعل مع تقريب لوقوعه. وإذا قيل: لم يفعل، فهو نفي بعد اطماع في وقوعه. والمعنى ولما يجاهدوا ويمتنعوا ان يتخذوا وليجة ويعلم الله ذلك منكم فجاء مجيء نفي العلم لنفي المعلوم، لأنه متى كان علم الله انه كائن. وكان ابلغ وأوجز، لأنه اتى على طريقة نفي صفات الله تعالى. وقوله {ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجه} تقديره ولما يعلم الله الذين آمنوا لم يتخذوا من دون الله ولا رسوله وليجه، فالوليجة الدخيلة في القوم من غيرهم تقول: ولج يلج ولوجاً وأولج إيلاجاً وتولج تولجاً بمعنى الدخول. والوليجة والدخيلة والبطانة نظائر. وكل شيء دخل في شيء وليس منه فهو وليجة، قال طرفة: شعر : فان القوافي يتلجن موالجاً تضايق عنها ان تولجها الابر تفسير : وقال آخر: شعر : متخذاً من ضعوات تولجا متخذاً فيها اياداً دولجا تفسير : يعني الكأس. وقال الفراء: نهوا ان يتخذوا بطانة يفشون اليهم اسرارهم. وقال الجبائي: اتخاذ الوليجة من دون الله ودون رسوله هو النفاق. نهوا أن يكونوا منافقين، وهو قول الحسن، فانه قال: الوليجة هي الكفر والنفاق. وفي الآية دلالة على انه لا يجوز ان يتخذ من الفساق وليجة، لان في ذلك تأليفاً بالفسق يجري مجرى الدعاء اليه مع ان الواجب معاداة الفساق والبراءة منهم، ومع ذلك فهو غير مأمون على الأسرار والاطلاع عليها. قال الزجاج: كانت براءة تسمى الحافرة، لانها حفرت عن قلوب المنافقين، لأنه لما فرض القتال تميز المؤمنون من المنافقين ومن يوالي المؤمنين ممن يوالي اعداءهم.
الجنابذي
تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ} على فراغكم ولا تؤمروا بالمقاتلة {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} اى جهاد المجاهدين فانّ فى الاتيان بالموصول ايماءً الى اعتبار حيثيّة الصّفة ولمّا كان لعلمه تعالى مراتب وبعض مراتبه مع الحادث وفى مرتبة الحادث وان كانت بالنّسبة اليه تعالى قديمة واجبة بقدمه ووجوبه تعالى صحّ نفى العلم عنه باعتبار نفى حدوث الحادث، او الفعل مضمّن معنى الظّهور اى ولمّا يظهر علمه بالّذين جاهدوا منكم، او نسبة نفى العلم اليه تعالى باعتبار مظاهره اى لمّا يعلم النّبىّ الّذى هو مظهر الله {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} عطف على جاهدوا والوليجة الجماعة الّتى يكون الشّخص مراوداً لهم ومستظهراً بهم وخاصّتك من الرّجال ومن تتّخذه معتمداً عليه من غير اهلك واللّصيق بالشّخص الّذى لا ينفكّ عنه، والمراد بالمؤمنين الائمّة كما فى الاخبار لانّهم الكاملون فى الايمان ولانّهم الاصل فيه وايمان غيرهم فرع ايمانهم، ولانّهم يجعلون النّاس فى امان الله بالبيعة معهم ويجيز الله امانهم، ويجوز تعميم المؤمنين، وفسّر الوليجة فى الاخبار بالبطانة وبمن يقام دون ولىّ الامر {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فيعلم المجاهد، وآخذ الرّسول (ص) والمؤمنين وليجة، ويعلم القاعد، والآخذ غير الله ورسوله والمؤمنين وليجةً، وهو ترغيب فى المجاهدة والاعتماد على الله وتهديد عن القعود والاعتماد على غير الله.
فرات الكوفي
تفسير : {أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذينَ جاهدوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذوا مِنْ دُونِ الله وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤمِنينَ وَليجَةً16} [فرات قال: حدثّني جعفر بن محمد بن سعيد. أ، ر] معنعناً: عن علي بن الحسين عليهما السلام: حديث : إِن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأنس: يا أنس انطلق فادع لي سيد العرب - يعني علي بن أبي طالب [عليه السلام. ب، ر]- فقالت عائشة: ألست سيد العرب؟ قال: أنا سيد ولد آدم ولا فخر وعلي [بن أبي طالب. ر] سيد العرب. فلما جاء علي [بن أبي طالب عليه السّلام. ر] بعث النبي [ب، أ: رسول الله] إِلى الأنصار فلما صاروا إِليه قال لهم: معشر الأنصار ألا أدلكم علي ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي؟ هذا علي بن أبي طالب فحبوه كحبي [ر: لحبي. وأكرموه كإكرامي.أ (خ ل)] والزموه كالزامي [ر: لكرامتي] فمن أحبه فقد أحبني ومن أحبني فقد أحبّ الله ومن أحبّ الله أباحه جنته وأذاقه برد عفوه، ومن أبغضه فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله ومن أبغض الله أكبّه على وجهه في النار وأذاقه أليم عذابه [ب: عقابه]، فتمسكوا بولايته ولا تتخذوا عدوه من دونه وليجة فيغضب عليكم الجبار .
الهواري
تفسير : قوله: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا} أي: فلا يفرض عليكم الجهاد { وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ} أي: ولما يعلمكم فاعلين لما فرض عليكم، وهو علم الفعال. { الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً}. أي: دخلا. وقال بعضهم: بطانة، وهو واحد. أي: مثل ما صنع المنافقون: {إِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} أي: إلى الكفار المشركين (أية : قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ)تفسير : [البقرة:14] أي: في المودة والهدى. قال الله: {وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. قوله: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} وهذا كفر الشرك، وهذا حين نفي المشركون من المسجد الحرام. قوله: {شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} يقول: كلامهم يشهد عليهم بالكفر. { أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} في الدنيا والآخرة. { وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}. { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ} يعني الكعبة لأنها مسجد جميع الخَلْقِ، إليها يؤُمُّون. { مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الأَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ} وعسى من اللهِ واجبة.
اطفيش
تفسير : {أمْ} منقطعة بمعنى همزة الإنكار والتوبيخ، وبل التى للإضراب الانتقالى {حَسِبْتُم} ظننتم أيها المؤمنون، وكان بعضهم قد كره القتال {أنْ تُتْركُوا} غير ممتحنين بالقتال، فالحال محذوفة كما رأيت، أو هذا الحذف مفعول ثان للترك وقوله: {ولما يَعْلم اللهُ الَّذينَ جَاهدُوا مِنْكُم} مستأنف أو هو الحال، والمراد بنفى علم الله المجاهدين من المؤمنين نفى المجاهدين الموصوفين بما بعد هذا، تعبيرا باللازم عن الملزوم، فإن وجود المجاهدين ملزوم، ولازمه علم الله، فإذا وجدوا فالله عالم بهم، ولا بد أن تتركوا ساد مسد مفعولى حسب عند سيبويه، وقيل: مفعوله الثانى محذوف، أى أم حسبتم الترك محمد موجودا أو واقعا أو نحو ذلك، ولما لنفى ما يتوقع ثبوته. {ولَم يتَّخذُوا} عطف على جاهدوا {مِنْ} {دُونِ اللهِ ولا رسُولِه ولا المؤمنِينَ وليجَةً} دخيلة وبطانة من المشركين يلونهم، ويفشون إليهم الأسرار، قال به الفراء وهو الحق، وقال قتادة: الوليجة الخيانة، وقال الضحاك: الخديعة، وقال عطاء: أولياء: وقيل: الرجل فى القوم وليس منهم، وقال الراغب: ما يعتمد عليه، فالمراد نفى المجاهدين المخلصين من قوم مخصوصين. وقال الزجاج: المراد نفى العلم الذى يجازى على معلومه، ويستفاد من كون منفى لما متوقعا أنه سيوجد المجاهدون المخلصون عن اتخاذ الوليجة فيمن لم يوجدوا فيه، أو سيكثرون، وقيل: معنى لما يعلم لما تميز أى لما تفعل ما يتميزون به {واللهُ خَبيرٌ بما تعْمَلونَ} من اتخاذ الوليجة وغيره، كوجود الإخلاص، وقرأ الحسن ويعقوب فى رواية رويس وسلام: يعلمون بالتحية، وعن بعضهم الآية فى المنافقين وهو واضح.
اطفيش
تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ} بل حسبتم، أَو أَحسبتم أَو بل أَحسبتم، والأَولى هنا كونه بمعنى: أَحسبتم بهمزة الإِنكار والتوبيخ فقط دون بل، لأَن المحل ليس للإِضراب، لا كما قيل أَنها بمعنى بل والهمزة، والخطاب للمؤمنين إِذ كره بعضهم القتال، وقيل: للمنافقين، وقيل: للمؤمنين والمنافقين، وعلى كل حال هو ترغيب فى الجهاد لأَنه يأْمرهم كما يأمر المؤمنين. قيل: ما بعد هذا لا يناسبهم وإِنما يناسب المؤمنين، وإِنما كره بعض المؤمنين القتال كراهة طبع، والمنافقون بالطبع والتكذيب، والمؤمنون الكارهون يعالجون حب القتال دون المنافقين، ثم ظهر أَنه لا مانع من كون أَمْ للإِضراب والإِنكار، لأَن قوله: أَلا تقاتلون إِلخ، قد يتضمن أَنهم كسلوا عن القتال فيكون هذا توبيخاً ثانيا أَضرب إِليه عن الأَول من قوله: أَلا تقاتلون، علق الأَول بفعل الكفار ما فعلوا من النكث وما بعده، والثانى بوجوب الإِخلاص {أَنْ تُتْرَكُوا} عن الأَمر بالقتال الذى سميتموه، وعن الإِخلاص. والواو فى قوله {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ} واو الحال، وصاحب الحال هو واو تتركوا والربط بواو الحال وكاف منكم والواو فى قوله {وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} حالية من واو جاهدوا، أَو عاطفة على جاهدوا أَى ولما يعلم الله الذين جمعوا بين الجهاد والإِخلاص عن اتخاذ البطانة من المشركين، ومعنى لما يعلم إِلخ أَنه لم يكن جهاد وإِخلاص فضلا عن أَن يقال: إِن الله عالم بالمجاهدين المخلصين، فإِن وصف الله بعلم ما لم يقع أَنه واقع كفر لأَنه جهالة مركبة، فاللفظ نفى العلم والمراد نفى المعلوم وذلك نفى للملزوم وهو المعلوم بنفى اللازم وهو العلم، فإِنه إِذا انتفى شئ لزم أَن الله غير عالم به لأَنه غير موجود، لأَنه لا يصح أَن يقال، علم الله شيئاً أَنه موجود وهو غير موجود، فإِنه يلزم من قولك: لم يعلم الله كذا أَنه لم يقع كذا، وفى الوجه الأَول نفى المعلوم ببرهان وهو انتفاء علمه به، وإِيراد الشئ ببرهانه أَبلغ من إِيراده بلا برهان. فإِنه لو وجد القتال والإِخلاص لتعلق علمه به قطعا لأَن علمه تعالى يتعلق بالشئِ قبل وجوده وفى حال وجوده وبعد عدمه، وقيل: العلم عبارة عن التبيين المسبب به، فإِن العلم سبب لتبيينه وملزوم له لزوما بيانيا، وكفر من قال: لا يعلم الله شيئا حتى يقع، ومسوغ العطف على جاهدوا اجتماع انتفاء اتخاذ الوليجة مع ثبوت الجهاد فى سبيل الله فى الخيال، ومن للتبعيض، فإِن متخذى الوليجة بعض لا كل والخطاب فى حسبتم للمجموع، وفى الآية تلويح بأَنه سيظهر الخلص من غيرهم، كأَنه قيل: لما يظهر المخلصون، والغالب أَن ما نفته لما سيقع أَو يترجح وقوعه، والوليجة من تفشى إِليه سرك، من الولوج وهو الدخول، فهو من يداخلك فى أَمورك، وقيل: من ليس أَهلا لذلك، وأَدخل {واللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} من جهاد بلا إِخلاص، ومن جهاد مجاهد بإِخلاص، والخطاب للكل، ويجوز أَن يكون فى هذا، وفى أحسبتم لغير المخلصين، فيكون من فى قوله منكم للبيان، وذكر الثلاثة بحرف النفى تلويحا بأَن كلا مستقل بالتحريم، وتلويحا بزيادة قبح من اتخذ وليجة بأَنه قد اتخذها عن الله والرسول والمؤمنين، فنهى الله أَن تتخذ عن واحد كما اتخذها هؤلاءِ عن الثلاثة، وتلويحا بأَن من اتخذها عن المؤمنين فقد اتخذها عن الرسول، ومن اتخذها عن الرسول فقد اتخذها عنهم، ومن اتخذها عن الرسول فقد اتخذها عن الله، ولا يخفى عنه شئ.
الالوسي
تفسير : {أَمْ حَسبْتُمْ} خطاب لمن شق عليه القتال من المؤمنين أو المنافقين و {أم} منقطعة جيء بها للانتقال عن أمرهم بالقتال إلى توبيخهم أو من التوبيخ السابق إلى توبيخ آخر، والهمزة المقدرة مع بل للتوبيخ على الحسبان المذكور أي بل أحسبتم وظننتم {أَن تُتْرَكُواْ} على ما أنتم عليه ولا تؤمروا بالجهاد ولا تبتلوا بما يمحصكم {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ} الواو حالية و {لَّمَّاً} للنفي (مع التوقع ونفي العلم، والمراد نفي المعلوم) وهو الجهاد على أبلغ وجه إذ هو بطريق البرهان إذ لو وقع جهادهم علمه الله تعالى لا محالة فإن وقوع ما لا يعلمه عز وجل محال كما أن عدم وقوع ما يعلمه كذلك وإلا لم يطابق علمه سبحانه الواقع فيكون جهلاً وهو من أعظم المحالات، فالكلام من باب الكناية، وقيل: إن العلم مجاز عن التبيين مجازاً مرسلاً باستعماله في لازم معناه. وفي الكشاف ما يشعر أولا بأن العلم مجاز عما ذكر وثانياً ما يشعر بأنه من باب الكناية. وأجيب عنه بأنه أشار بذلك إلى أنه استعمل لنفي الوجود مبالغة في نفي التبيين، وما ذكره أولا من قوله: إنكم لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين الخلص منكم وهو الذين جاهدوا في سبيل الله تعالى لوجهه جل شأنه حاصل المعنى، وذلك لأنه خطاب للمؤمنين إلهابا لهم وحثاً على ما حضهم عليه بقوله سبحانه: {أية : قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ }تفسير : [التوبة: 14] فإذا / وبخوا على حسبان أن يتركوا ولم يوجد فيما بينهم مجاهد مخلص دل على أنهم إن لم يقاتلوا لم يكونوا مخلصين وأن الإخلاص إذا لم يظهر أثره بالجهاد في سبيل الله تعالى ومضادة الكفار كلا إخلاص، ولو فسر العلم بالتبين لم يفد هذه المبالغة فتدبر. وقوله تعالى: {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ} عطف على {جَاهَدُواْ} وداخل في حيز الصلة أو حال من فاعله، أي جاهدوا حال كونهم غير متخذين {مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} أي بطانة وصاحب سر كما قال ابن عباس، وهي من الولوج وهو الدخول وكل شيء أدخلته في شيء وليس منه فهو وليجة، ويكون للمفرد وغيره بلفظ واحد وقد يجمع على ولائج، و {مِن دُونِ} متعلق بالاتخاذ إن أبقي على حاله أو مفعول ثان له إن جعل بمعنى التصيير {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي بجميع أعمالكم فيجازيكم عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وقرىء على الغيبة وفي هذا إزاحة لما يتوهم من ظاهر قوله سبحانه: {وَلَمَّا يَعْلَمِ} الخ من أنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها كما ذهب إليه هشام مستدلا بذلك. ووجه الازاحة أن {تَعْمَلُونَ} مستقبل فيدل على خلاف ما ذكره.
ابن عاشور
تفسير : {أم} منقطعة لإفادة الإضراب عن غرض من الكلام للانتقال إلى غرض آخر. والكلام بعد {أم} المنقطعة له حكم الاستفهام دائماً، فقوله: {حسبتم} في قوة (أحسبتم) والاستفهام المقدّر إنكاري. والخطاب للمسلمين، على تفاوت مراتبهم في مدّة إسلامهم، فشمل المنافقين لأنّهم أظهروا الإسلام. وحسبتم: ظننتم. ومصدر حسب، بمعنى ظنّ الحِسبان ــــ بكسر الحاء ــــ فأمّا مصدر حسب بمعنى أحصى العدد فهو بضم الحاء. والترك افتقاد الشيء وتعهّدِه، أي: أن يترككم الله، فحُذف فاعل الترك لظهوره. ولا بدّ لفعل الترك من تعليقه بمتعلّق: من حال أو مجرور، يدلّ على الحالة التي يفارق فيها التاركُ متروكه، كقوله تعالى: {أية : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}تفسير : [العنكبوت: 2] ومثل قول عنترة:شعر : فتركتُه جَزَر السباع ينُشنَه تفسير : وقول كبشة بنت معد يكرب، على لسان شقيقها عبد الله حين قتلته بنو مازن بن زبيد في بلد صَعْدة من بلاد اليمن:شعر : وأُتْرَك في بيتٍ بصَعْدة مُظْلِم تفسير : وحذف متعلِّق {تتركوا} في الآية: لدلالة السَياق عليه، أي أن تتركوا دون جهاد، أي أن تتركوا في دعة بعد فتح مكة. والمعنى: كيف تحسبون أن تتركوا، أي لا تحسبوا أن تتركوا دون جهاد لأعداء الله ورسوله. وجملة {ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم} إلخ في موضع الحال من ضمير {تتركوا} أي لا تظنّوا أن تتركوا في حال عدم تعلّق علم الله بوقوع ابتدار المجاهدين للجهاد، وحصول تثاقل من تثاقلوا، وحصول ترك الجهاد من التاركين. و{لمّا} حرف للنفي، وهي أخت (لم). وقد تقدّم بيانها، والفرق بينها وبين (لم) عند قوله تعالى: {أية : ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم}تفسير : [البقرة: 214] وقوله تعالى: {أية : ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} تفسير : في سورة آل عمران (142). ومعنى علم الله بالذين جاهدوا: علمه بوقوع ذلك منهم وحصول امتثالهم، وهو من تعلّق العلم الإلٰهي بالأمور الواقعة، وهو أخصّ من علمه تعالى الأزلي بأنّ الشيء يقع أو لا يقع، ويجدر أن يوصف بالتعلّق التنجيزي وقد تقدّم شيء من ذلك عند قوله تعالى: {أية : ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم}تفسير : في سورة آل عمران (142). و(الوليجة) فعيلة بمعنى مفعولة، أي الدخيلة، وهي الفَعلة التي يخفيها فاعلها، فكأنّه يُولجها، أي يُدخلها في مكمن بحيث لا تظهر، والمراد بها هنا: ما يشمل الخديعة وإغراء العدوّ بالمسلمين، وما يشمل اتّخاذ أولياء من أعداء الإسلام يُخلص إليهم ويفضَى إليهم بسر المسلمين، لأنّ تنكير {وليجة} في سياق النفي يعمّ سائر أفرادها. و{من دون الله} متعلّق بــــ {وليجة} في موضع الحال المبيّنة. و{من} ابتدائية، أي وليجة كائِنة في حالة تشبيه المكان الذي هو مبْدأ للبعد من الله ورسوله والمؤمنين. وجملة {والله خبير بما تعملون} تذييل لإنكار ذلك الحسبان، أي: لا تحسبوا ذلك مع علمكم بأنّ الله خبير بكلّ ما تعملونه.
القطان
تفسير : الوليجة: بطانة الرجل، وخاصته. المسجد: مكان السجود، ثم صار اسماً للبيت الذي يخصص لعبادة الله. ان يعمروا: يتعبدون فيه، وتطلق على العمارة والبناء والخدمة. {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ....}. أظننتم ان تُتركوا وشأنكم بغير فتنةٍ ولا امتحان، ولم يتبيّن الخلَّصُ المجاهدون منكم الذين لم يتخذوا لأنفُسِهم بطانةً من المشركين، من المنافقين الذين يُتقنون استخدام الأعذار، ويدورون من خلف الجماعة ليُطْلعوا الأعداءَ على الاسرار! لا تظنّوا أيها المؤمنون ان يترككم الله تعالى دون اختبار لكم بالجِهاد ونحوه، ليَظهَرَ المحسنُ منكم من المسيء، وتُعرَفَ المداخل، ويعرف الناسُ كلا الفريقين على حقيقته. {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} لا يخفى عليه شيء من أمركم، فهو محيط بكل شيء علما. {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ}. بعد ان فتح المسلمون مكة، وطهر الرسول المسجدَ الحرام مما كان فيه من الأصنام، بقي ان يطهره من العبادات الباطلة التي كان المشركون يقيمونها فيه. فأرسل عليّ بن أبي طالب وأمره ان يتلو على مسامع الحجيج أوائل سورة التوبة يومَ الحجّ الأكبر الى مكة. وكان مما تضمنه هذا البلاغ العام ان يعلم اهل مكة المشركون ان عبادتهم الباطلة ستمنع من المسجد الحرام، بعد ذلك العام. وقد نادى عليُّ ومن معه في يوم النحر بِمِنى: لا يحجّ بعد هذا العام مشرِك ولا يطوف بالبيت عُريان. لا يحق للمشركين ان يعمروا مساجدَ الله بالعبادة، او الخدمة والوَلاية، ولا ان يزوروها حجّاجا أو متعمِرين، ما داموا مستمرّين على كفرهم. وليس بعد الآن تردد في حرمانهم من زيارة البيت الحرام او عمارته، انما تكون عمارته بالعبادة الصحيحة حقاً خالصاً للمؤمنين بالله، القائمين بفرائضه. {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}. اولئك المشركون لا اعتداد بأعمالهم، ولا ثوابَ لهم عليها، وهم مقيمون في دار العذاب إقامة خلودٍ وبقاء، لكفرهم، وصدهم عن سبيل الله. {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ}. ان المستحقين لعمارة المساجد هم الجامعون بين الإيمان بالله وحده والايمان باليوم الآخر، الّذين أدّوا الصلاة على وجهها، وأخرجوا الزكاة، ولم يخشوا الا الله وحده. {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ}. اولئك الذين آمنوا ايمانا خالصا، وجمعوا بين الاركان الهامة من اركان الاسلام هم الذين يرجون ان يكونوا من المهتدين الى ما يحب الله ويرضيه. فالعبادة تعبير عن العقيدة، فاذا لم تصحّ العقيدة لم تصح العبادة. اما اداء الشعائر وعمارة المساجد فليست بشيء ما لم تَعمُر القلوب بالاعتقاد الصحيح، والعمل الواقع الصريح.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَاهَدُواْ} (16) - أَظَنَنْتُمْ أَنْ يَتْرُكَكُمُ اللهُ مُهْمَلِينَ، لاَ يَخْتَبِرُكُمْ بِأُمُورٍ تُظْهِرُ فِيكُمُ الصَّادِقَ مِنَ الكَاذِبِ، لِيَعْلَمَ الذِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِهِ، وَيُخلِصُونَ فِي جِهَادِهِمْ وَنُصْحِهِمْ، للهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ ظَاهِرُهُمْ كَبِاطِنِهِمْ، فِي الإِخْلاَصِ للهِ وَلِلرَّسُولِ، وَلَيْسَ لَهُمْ بِطَانَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلاَ رَوَابِطُ مَعَ المُشْرِكِينَ، وَلاَ يُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِأسْرارِ المُسْلِمِينَ وَخُطَطِهِمْ، وَاللهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْماً. وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ أنَّ التَكْلِيفَ الذِّي يَشُقُّ عَلَى الأنْفُسِ هُو الذِي يُمَحِّصُ مَا فِي القُلُوبِ، وَيُطَهِّرُ السَّرائرَ، وَيَكْشِفُ مَكْنُونَاتِ السَّرَائِرِ الخَبِيثَةِ. وَلِيجَةً - بِطَانَةً وَأصْحَابَ سِرٍّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ساعة تسمع "أم" فاعلم أنها إضرابية، أي: ما كان الله سبحانه ليترككم حتى يعلم - علم الواقع - من منكم يؤمن إيمانا يؤهله للجهاد في سبيل الله؛ فإن ظننتم أن الله تارككم بدون ابتلاء وبدون أن يختبركم ويمحصكم، فيجب أن تعرضوا عن ذلك وتفهموا ما يقابله. إذن فالابتلاء أمر ضروري لمن أراد الله تعالى له أن يتحمل أمر الدعوة ليواجه شراسة التحلل والفساد، لذلك يُصفِّي الله من آمنوا حتى يقف كل واحد منهم موقف الانتماء إلى الله مضحيا في سبيل الله. وساعة يقول الحق عز وجل في شيء كلمة {وَلَمَّا يَعْلَمِ} فليس معنى ذلك أنه لم يعلم وسيعلم، لا، فسبحانه يعلم كل شيء أزلا، ولكن العلم الأزلي لا يكون حجة على البشر. ودائماً أضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نجد عميد إحدى الكليات أحيانا يعلن عن جائزة علمية يريد أن يعطيها للمتفوقين؛ فيقول له المدرس الذي يشرف على تحصيل التلاميذ: إن فلاناً هو الأول وهو يستحق الجائزة، فيقول العميد: ولكني أريد أن تعقد امتحاناً؛ ليكون حجة على غير المتفوقين؛ وهذا هو علم الواقع العملي الذي أراده الحق عز وجل من الابتلاء، وسبحانه وتعالى يعلم كل شيء أزلا، ولكن العلم الواقعي هو حجة على المخالفين. {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ} [التوبة: 16]. أي بدون ابتلاء أو تمحيص. وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ} [التوبة: 16]. "ولمَّا" للنفي، ومثلها مثل قولنا: "لما يأت" أي: أنه لم يتحقق المجيء حتى الآن، وتختلف "لما" عن "لم"، فـ"لم" لا تؤذن بتوقع ثبوت ما بعدها، فما يأتي بعدها لن يتحقق أبدا، أما "لما" فتؤذن بتوقع ثبوت ما بعدها، أي أن ما بعدها.. لم يتحقق إلى لحظة نطقها، ولكنه قد يتحقق بعد ذلك. فإن قلت: "لما يثمر بستاننا" أي: أن البستان الذي تملكه لم يثمر، ولكنه قد يثمر بعد ذلك. وسبحانه وتعالى يقول: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} تفسير : [الحجرات: 14]. ومعنى القول الكريم: أن الإيمان لم يدخل في قلوبهم إلى الآن، ولكنه سوف يدخل بعد ذلك، وهذه بشارة لهم. فقد قالت الأعراب: "آمنا" فأوضح الحق سبحانه وتعالى: بل أسلمتم ولم يدخل الإيمان قلوبكم؛ لأن الإيمان هو الاعتقاد القلبي الجازم، والإسلام انقياد لما يتطلبه إيمان القلب من سلوك، أي: أنتم قد سلكتم سلوك الإسلام، ولكنه سلوك سطحي لم يأت من ينابيع القلب. وقول الحق هنا: {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} [التوبة: 16]. لا يعني أن علمه متصل بوقت الكلام، فعلم الله تعالى موصول أزلي وسبحانه مُنزَّهٌ عن الأغيار. إذن فالعلم المراد هنا هو علم الواقع الذي سوف يكون حجة عليكم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو لم يختبركم لقلتم: لو أمرتنا يا رب بالقتال لقاتلنا، ولو أمرتنا بالصبر في الحرب لصبرنا، وَلَكُنَّا أكبر المجاهدين. ولذلك جاءت الابتلاءات كتجربة عملية، ومن هذه الابتلاءات مواجهة العدو في حرب، فمن هرب ثبت له التقصير في المواجهة، ومن لم يصبر على الابتلاءات، عرف تقص إيمانه وأصبح ذلك علما واقعا. {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} [التوبة: 16]. إذن فالله يريد بعلم الواقع التمييز بين صدق الجهاد وبين الفرار منه، وأن يكون هناك سلوك إيماني واضح؛ يبين أن هؤلاء القوم لم يتخذوا من دون الله ولا رسوله وليجة، و"الوليجة" من فعلية، بمعنى فاعل، و"والجة" يعني "داخلة".{أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ} تفسير : [الحج: 61]. أي: يُدخْل الليل على النهار ويُدخل النهار على الليل، والمراد بـ"الوليجة" الشيء الذي يدخل في شيء ليس منه، وهي من الكلمات التي تطلق ويستوي فيها المفرد المذكر والمؤنث، والمثنى والمثناة وجمع المذكر وجمع المؤنث، وتقول: "امرأة وليجة" و"رجال وليجة". كما تقول: "رجل عدل" و"امرأة عدل"، و"رجلان عدل"، "امرأتان عدل"، و"رجال عدل" و"نساء عدل"، لا تختلف في كل هذه الحالات. والمراد بالوليجة هنا بطانة السوء التي تدخل على المؤمنين الضعاف، وتتخلل نفوسهم ليفشوا أسرار المؤمنين ويبلغوها للكفار. ولذلك شاء الحق سبحانه وتعالى أن يوضح لنا {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ} أي: أن يعلم سبحانه علما واقعيا من جاهدوا، ولم يتخذوا بطانة سوء من الكفار يدخلونهم في شئونهم دخولا يكتشفون أسرارهم. {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} [التوبة: 16]. فالممنوع هنا - إذن - أن يتخذ المؤمنون الكفار وليجة؛ لأن الكافر من هؤلاء سيأخذ أسرارهم ويفشيها لعدوهم. وبذلك يتعرض المؤمنون للخطر. وعلى المؤمن أن يجعل الله عز وجل هو وليجته، وأن يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم هو وليجته، وأن يجعل المؤمنين هم وليجته، ويسمح لهم أن يتداخلوا معه، وهم مأمونون على ما يعرفونه من بواطن الأمور، أما الأعداء والخصوم من الكفار فهم غير مأمونون على شيء من أسرار المؤمنين. ويذيل الحق سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله: {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16]. والمعنى: إن كنتم تحسبون أنكم تتداخلون مع الكفار وتعطونهم أسرار المؤمنين ولا أحد يعرف، فاعلموا أن الله تعالى يسمع ويرى، وأن الله خبير لا تخفى عليه خافية، فلا تخدعوا أنفسكم وتحسبوا أنكم إن أخفيتم شيئا عن عيون الخلق قد يخفى على الله أبدا؛ فلن يخفى شيء عن عيون الخالق؛ لأنكم إن عمَّيتُم على قضاء الأرض، فلن تُعمُّوا على قضاء السماء. وينقلنا الحق سبحانه وتعالى إلى قضية أخرى في قوله عز وجل: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} فالوَلِيجَةُ: الرَّجلُ يَكونُ فِي القَوم. وَلَيسَ مِنهُم وَلاَ مِن أَهل دِينِهم. وكُلُّ شَيءٍ أَدْخَلتَهُ فِي شَيْءٍ وَلَيْسَ مَنهُ فَهو وَليجَةٌ. وهُوَ الدَّخِيلُ.
الأندلسي
تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ} تقدم تفسير نظير هذه الجملة. والمعنى أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين الخلص منكم، وهم المجاهدون في سبيل الله، والذين لم يتخذوا بطانة من دون الله من غيرهم. {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ} معطوف على جاهدوا داخل في حيّز الصلة. ويجوز أن تكون الجملة حالاً من ضمير جاهدوا أي جاهدوا غير متخذين وليجة أي خيانة. والوليجة فعيلة من ولج كالدخيلة من دخل وهي البطانة، والمدخل يدخل فيه على سبيل الاستسرار شبه النفاق به. {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} الآية، روي أنه لما أقبل المهاجرون والأنصار على أسارى بدر يعيرونهم بالشرك، وطفق عليّ يوبخ العباس. فقال العباس: تظهرون مساوءنا وتكتمون محاسننا. فقال: أو لكم محاسن؟ قال: نعم، ونحن أفضل منكم أجراً انا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني، فأنزل الله هذه الآية رداً عليهم. وانتصب شاهدين على الحال، والعامل فيه يعمروا، وصاحب الحال هو الضمير وشهادتهم على أنفسهم بالكفر هو قولهم في الطواف: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملكْ. أو قولهم إذا سئلوا عن دينهم قالوا: نعبد اللات والعزى. {مَنْ آمَنَ} أعاد الضمير على لفظ من في قوله: آمن، وما عطف عليه، ثم راعى المعنى في قوله: فعسى أولئك. وعسى من الله تعالى واجبة حيثما وقعت في القرآن، وفي ذلك قطع أطماع المشركين أن يكونوا مهتدين إذ من جمع هذه الخصال الأربعة جعل حاله حال من ترجى له هذه الهداية، فكيف بمن هو عار منها. وقال تعالى: {أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ}، أي من الذين سبقت لهم الهداية، ولم يأت التركيب أن يكونوا مهتدين بل جعلوا بعضاً من المهتدين، وكونهم منهم أقل في التعظيم من أن يجرّد لهم الحكم بالهداية. {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ} الآية، في صحيح مسلم من حديث النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة. ولكني إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم فيه. فنزلت هذه الآية. وسقاية هو على حذف مضاف تقديره ذوي سقاية الحاج فيعادل قوله: كمن آمن، ولما نفى المساواة بينهما أوضح بقوله: والله لا يهدي القوم الظالمين، من الراجح منهما وان الكافرين بالله هم الظالمون، ظلموا أنفسهم بترك الإِيمان بالله تعالى وبما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وظلموا المسجد الحرام إذ جعله الله تعالى متعبداً له فجعلوه متعبداً لأوثانهم. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ} الآية، زادت هذه الآية وضوحاً في الترجيح للمؤمنين المتصفين بهذه الأوصاف على المشركين المفتخرين بالسقاية والعمارة فطهروا أنفسهم من دنس الشرك بالإِيمان، وطهروا أبدانهم بالهجرة إلى موطن رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك ديارهم التي نشاؤا فيها، ثم بالغوا في الجهاد في سبيل الله تعالى بالمال والنفس المعرضين بالجهاد للتلف فهذه الخصال أعظم درجات البشرية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد ما أمرهم بالجهاد: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا } من دون ابتلاء وامتحان، وأمر بما يبين به الصادق والكاذب. { وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ } أي: علما يظهر مما في القوة إلى الخارج، ليترتب عليه الثواب والعقاب، فيعلم الذين يجاهدون في سبيله: لإعلاء كلمته { وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً } أي: وليا من الكافرين، بل يتخذون اللّه ورسوله والمؤمنين أولياء. فشرع اللّه الجهاد ليحصل به هذا المقصود الأعظم، وهو أن يتميز الصادقون الذين لا يتحيزون إلا لدين اللّه، من الكاذبين الذين يزعمون الإيمان وهم يتخذون الولائج والأولياء من دون اللّه ولا رسوله ولا المؤمنين. { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي: يعلم ما يصير منكم ويصدر، فيبتليكم بما يظهر به حقيقة ما أنتم عليه، ويجازيكم على أعمالكم خيرها وشرها.
همام الصنعاني
تفسير : 1059- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {وَلِيجَةً}: [الآية: 16]، قال: هو الكفر والنفاق أو أحدهما.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):