Verse. 1252 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِيْنَ اَنْ يَّعْمُرُوْا مَسٰجِدَ اللہِ شٰہِدِيْنَ عَلٰۗي اَنْفُسِہِمْ بِالْكُفْرِ۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ حَبِطَتْ اَعْمَالُہُمْ۝۰ۚۖ وَفِي النَّارِ ہُمْ خٰلِدُوْنَ۝۱۷
Ma kana lilmushrikeena an yaAAmuroo masajida Allahi shahideena AAala anfusihim bialkufri olaika habitat aAAmaluhum wafee alnnari hum khalidoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ما كان للمشركين أن يعمُروا مَسْجِدَ الله» بالإفراد والجمع بدخوله والقعود فيه «شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت» بطلت «أعمالهم» لعدم شرطها «وفي النار هم خالدون».

17

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى بدأ السورة بذكر البراءة عن الكفار وبالغ في إيجاب ذلك وذكر من أنواع فضائحهم وقبائهم ما يوجب تلك البراءة، ثم إنه تعالى حكى عنهم شبهاً احتجوا بها في أن هذه البراءة غير جائزة وأنه يجب أن تكون المخالطة والمناصرة حاصلة، فأولها ما ذكره في هذه الآية، وذلك أنهم موصوفون بصفات حميدة وخصال مرضية وهي توجب مخالطتهم ومعاونتهم ومناصرتهم، ومن جملة تلك الصفات كونهم عامرين للمسجد الحرام قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أسر العباس يوم بدر، أقبل عليه المسلمون فعيروه بكفره بالله وقطيعة الرحم، وأغلظ له علي. وقال: ألكم محاسن فقال: نعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني، فأنزل الله تعالى رداً على العباس {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله }. المسألة الثانية: عمارة المساجد قسمان: إما بلزومها وكثرة إتيانها يقال: فلان يعمر مجلس فلان إذا كثر غشيانه إياه، وإما بالعمارة المعروفة في البناء، فإن كان المراد هو الثاني، كان المعنى أنه ليس للكافر أن يقدم على مرمة المساجد وإنما لم يجز له ذلك لأن المسجد موضع العبادة فيجب أن يكون معظماً والكافر يهينه ولا يعظمه، وأيضاً الكافر نجس في الحكم، لقوله تعالى: { أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } تفسير : [التوبة: 28] وتطهير المساجد واجب لقوله تعالى: { أية : أَن طَهّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ } تفسير : [البقرة: 125] وأيضاً الكافر لا يحترز من النجاسات، فدخوله في المسجد تلويث للمسجد، وذلك قد يؤدي إلى فساد عبادة المسلمين. وأيضاً إقدامه على مرمة المسجد يجري مجرى الإنعام على المسلمين، ولا يجوز أن يصير الكافر صاحب المنة على المسلمين. المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {أَن يَعْمُرُواْ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ } على الواحد، والباقون {مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ } على الجمع حجة ابن كثير وأبي عمرو وقوله: { أية : عمارة المسجد الحرام } تفسير : [التوبة:19] وحجة من قرأ على لفظ الجمع وجوه: الأول: أن يراد المسجد الحرام. وإنما قيل: مساجد لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر جميع المساجد. والثاني: أن يقال: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ } معناه: ما كان للمشركين أن يعمروا شيئاً من مساجد الله، وإذا كان الأمر كذلك، فأولى أن لا يمكنوا من عمارة المسجد الحرام الذي هو أشرف المساجد وأعظمها. الثالث: قال الفراء: العرب قد يضعون الواحد مكان الجمع والجمع مكان الواحد أما وضع الواحد مكان الجمع ففي قولهم فلان كثير الدرهم وأما وضع الجمع مكان الواحد ففي قولهم فلان يجالس الملوك مع أنه لا يجلس إلا مع ملك واحد. الرابع: أن المسجد موضع السجود، فكل بقعة من المسجد الحرام فهي مسجد. المسألة الرابعة: قال الواحدي: دلت على أن الكفار ممنوعون من عمارة مسجد من مساجد المسلمين، ولو أوصى بها لم تقبل وصيته ويمنع عن دخول المساجد، وإن دخل بغير إذن مسلم استحق التعزير، وإن دخل بإذن لم يعزر، والأولى تعظيم المساجد، ومنعهم منها، وقد أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد، وهم كفار وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام وهو كافر. أما قوله تعالى: {شَـٰهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } قال الزجاج: قوله: {شَـٰهِدِينَ } حال والمعنى ما كان لهم أن يعمروا المساجد حال كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر، وذكروا في تفسير هذه الشهادة وجوها: الأول: وهو الأصح أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب القرآن وإنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك كفر، فمن يشهد على نفسه بكل هذه الأشياء فقد شهد على نفسه بما هو كفر في نفس الأمر، وليس المراد أنهم شهدوا على أنفسهم بأنهم كافرين الثاني: قال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر، هو أن النصراني إذا قيل له من أنت فيقول: نصراني واليهودي يقول يهودي وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن، وهذا الوجه إنما يتقرر بما ذكرناه في الوجه الأول. الثالث: أن الغلاة منهم كانوا يقولون كفرنا بدين محمد وبالقرآن فلعل المراد ذلك. الرابع: أنهم كانوا يطوفون عراة يقولون لا نطوف عليها بثياب عصينا الله فيها، وكلما طافوا شوطاً سجدوا للأصنام، فهذا هو شهادتهم على أنفسهم بالشرك. الخامس: أنهم كانوا يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. السادس: نقل عن ابن عباس: أنه قال: المراد أنهم يشهدون على الرسول بالكفر. قال: وإنما جاز هذا التفسير لقوله تعالى: { أية : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [التوبة:128] قال القاضي: هذا الوجه عدول عن الحقيقة، وإنما يجوز المصير إليه لو تعذر إجراء اللفظ على حقيقته. أما لما بينا أن ذلك جائز لم يجز المصير إلى هذا المجاز. وأقول: لو قرأ أحد من السلف {شَـٰهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } من قولك: زيد نفيس وعمرو أنفس منه، لصح هذا الوجه من عدول فيه عن الظاهر. ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } والمراد منه: ما هو الفصل الحق في هذا الكتاب، وهو أنه إن كان قد صدر عنهم عمل من أعمال البر، مثل إكرام الوالدين، وبناء الرباطات، وإطعام الجائع، وإكرام الضيف فكل ذلك باطل، لأن عقاب كفرهم زائد على ثواب هذه الاْشياء فلا يبقى لشيء منها أثر في استحقاق الثواب والتعظيم مع الكفر. وأما الكلام في الأحباط فقد تقدم في هذا الكتاب مراراً فلا نعيده. ثم قال: {وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ } وهو إشارة إلى كونهم مخلدين في النار. واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة لا يبقى مخلداً في النار من وجهين: الأول: أن قوله: {وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ } يفيد الحصر، أي هم فيها خالدون لا غيرهم، ولما كان هذا الكلام وارد في حق الكفار، ثبت أن الخلود لا يحصل إلا للكافر. الثاني: أنه تعالى جعل الخلود في النار جزاء للكفار على كفرهم، ولو كان هذا الحكم ثابتاً لغير الله لما صح تهديد الكافر به، ثم إنه تعالى لما بين أن الكافر ليس له أن يشتغل بعمارة المسجد، بين أن المشتغل بهذا العمل يجب أن يكون موصوفاً بصفات أربعة: الصفة الأولى: قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } وإنما قلنا إنه لا بد من الإيمان بالله لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد الله فيه، فما لم يكن مؤمناً بالله، امتنع أن يبني موضعاً يعبد الله فيه، وإنما قلنا إنه لا بد من أن يكون مؤمناً بالله واليوم الآخر لأن الاشتغال بعبادة الله تعالى إنما تفيد في القيامة، فمن أنكر القيامة لم يعبد الله، ومن لم يعبد الله لم يبن بناء لعبادة الله تعالى. فإن قيل: لم لم يذكر الإيمان برسول الله؟ قلنا فيه وجوه: الأول: أن المشركين كانوا يقولون: إن محمداً إنما ادعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك، فههنا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، وترك النبوة كأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدأ والمعاد، فذكر المقصود الأصلي وحذف ذكر النبوة تنبيهاً للكفار على أنه لا مطلوب له من الرسالة إلا هذا القدر. الثاني: أنه لما ذكر الصلاة، والصلاة لا تتم إلا بالأذان والإقامة والتشهد، وهذه الأشياء مشتملة على ذكر النبوة كان ذلك كافياً. الثالث: أنه ذكر الصلاة، والمفرد المحلى بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق، ثم المعهود السابق من الصلاة من المسلمين ليس إلا الأعمال التي كان أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم، فكان ذكر الصلاة دليلاً على النبوة من هذا الوجه. الصفة الثانية: قوله: {وأقام الصلاة} والسبب فيه أن المقصود الأعظم من بناء المساجد إقامة الصلوات، فالإنسان ما لم يكن مقراً بوجوب الصلوات امتنع أن يقدم على بناء المساجد. الصفة الثالثة: قوله: {وآتى الزكاة}. واعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل على أن المراد من عمارة المسجد الحضور فيه، وذلك لأن الإنسان إذا كان مقيماً للصلاة فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد به، وإذا كان مؤتياً للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد به. وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فإيتاء الزكاة معتبر في هذا الباب أيضاً لأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد نافلة، والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لا يشتغل بالنافلة والظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤدياً للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد. والصفة الرابعة: قوله: {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ } وفيه وجوه: الأول: أن أبا بكر رضي الله عنه بنى في أول الإسلام على باب داره مسجداً وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن والكفار يؤذونه بسببه، فيحتمل أن يكون المراد هو تلك الحالة، يعني إنا وإن خاف الناس من بناء المسجد إلا أنه لا يلتفت إليهم ولا يخشاهم ولكنه يبني المسجد للخوف من الله تعالى. الثاني: يحتمل أن يكون المراد منه أن يبني المسجد لا لأجل الرياء والسمعة وأن يقال إن فلاناً يبني مسجداً، ولكنه يبنيه لمجرد طلب رضوان الله تعالى ولمجرد تقوية دين الله. فإن قيل: كيف قال: {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ } والمؤمن قد يخاف الظلمة والمفسدين؟ قلنا: المراد من هذه الخشية الخوف والتقوى في باب الدين، وأن لا يختار على رضا الله رضا غيره. اعلم أنه تعالى قال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ } أي من كان موصوفاً بهذه الصفات الأربعة وكلما وردت {إِنَّمَا } تفيد الحصر وفيه تنبيه على أن المسجد يجب صونه عن غير العبادة فيدخل فيه فضول الحديث وإصلاح مهمات الدنيا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : يأتي في آخر الزمان أناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقاً ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم، فليس لله بهم حاجة » تفسير : وفي الحديث « حديث : الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش » تفسير : قال عليه الصلاة والسلام: قال الله تعالى: « حديث : إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زواري فيها عمارها طوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره » تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام: « حديث : من ألف المسجد ألفه الله تعالى » تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام: « حديث : إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان » تفسير : وعن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في المسجد ضوؤه » تفسير : وهذه الأحاديث نقلها صاحب «الكشاف». ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأوصاف قال: {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ } وفيه وجوه: الأول: قال المفسرون: {عَسَى } من الله واجب لكونه متعالياً عن الشك والتردد. الثاني: قال أبو مسلم: {عَسَى } ههنا راجع إلى العباد وهو يفيد الرجاء فكان المعنى إن الذين يأتون بهذه الطاعات إنما يأتون بها على رجاء الفوز بالاهتداء لقوله تعالى: { أية : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً } تفسير : [السجدة:16] والتحقيق فيه أن العبد عند الإتيان بهذه الأعمال لا يقطع على الفوز بالثواب، لأنه يجوز على نفسه أنه قد أخل بقيد من القيود المعتبرة في حصول القبول. والثالث: وهو أحسن الوجوه ما ذكره صاحب «الكشاف» وهو أن المراد منه تبعيد المشركين عن مواقف الاهتداء، وحسم أطماعهم في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها، فإنه تعالى بين أن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع وضموا إليها الخشية من الله، فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائراً بين ـ لعل وعسى ـ فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم بالخير من عند الله تعالى وفي هذا الكلام ونحوه لطف بالمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} الجملة من «أَنْ يَعْمُرُوا» في موضع رفع ٱسم كان. «شَاهِدِينَ» على الحال. واختلف العلماء في تأويل هذه الآية؛ فقيل؛ أراد ليس لهم الحج بعد ما نُودي فيهم بالمنع عن المسجد الحرام، وكانت أُمور البيت كالسِّدانة والسِّقاية والرِّفادة إلى المشركين؛ فبيّن أنهم ليسوا أهلاً لذلك، بل أهله المؤمنون. وقيل: إن العباس لما أُسِر وعُيِّر بالكفر وقطيعة الرحم قال: تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا. فقال عليّ: ألكم محاسن؟ قال: نعم، إنا لنَعْمُر المسجد الحرام، ونَحْجُب الكعبة، ونَسْقِي الحاج، ونَفُكّ العَانِيَ. فنزلت هذه الآية ردّاً عليه. فيجب إذاً على المسلمين تولّي أحكام المساجد ومنع المشركين من دخولها. وقراءة العامة «يَعْمُر» بفتح الياء وضم الميم؛ من عَمَرَ يَعْمُر. وقرأ ابن السَّمَيْقَعَ بضم الياء وكسر الميم؛ أي يجعلوه عامراً أو يعينوا على عمارته. وقرىء «مسجد الله» على التوحيد؛ أي المسجد الحرام. وهي قراءة ابن عباس وسعيد بن جُبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن كثير وأبي عمرو وابن مُحَيْصِن ويعقوب. والباقون «مساجد» على التعميم. وهو اختيار أبي عبيد؛ لأنه أعم والخاص يدخل تحت العام. وقد يحتمل أن يُراد بقراءة الجمع المسجد الحرام خاصّة. وهذا جائز فيما كان من أسماء الجنس؛ كما يُقال: فلان يركب الخيل وإن لم يركب إلاَّ فرساً. والقراءة «مساجد» أصوب؛ لأنه يحتمل المعنيين. وقد أجمعوا على قراءة قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ} على الجمع؛ قاله النحاس: وقال الحسن: إنما قال مساجد وهو المسجد الحرام؛ لأنه قِبلة المساجد كلّها وإمامُها. قوله تعالىٰ: {شَاهِدِينَ}. قيل: أراد وهم شاهدون فلما طُرِح «وهم» نصب. قال ابن عباس: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودُهم لأصنامهم، وإقرارهم أنها مخلوقة. وقال السدِّي: شهادتهم بالكفر هو أن النّصرانيّ تقول له ما دينك؟ فيقول نصرانيّ، واليهوديّ فيقول يهودي والصّابىء فيقول صابيء. ويُقال للمشرك ما دينك فيقول مشرك. {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} تقدّم معناه.

البيضاوي

تفسير : {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ} ما صح لهم. {أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} شيئاً من المساجد فضلاً عن المسجد الحرام وقيل هو المراد وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر الجميع ويدل عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب بالتوحيد. {شَـهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} بإظهار الشرك وتكذيب الرسول، وهو حال من الواو والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافين عمارة بيت الله وعبادة غيره. روي (أنه لما أسر العباس عيره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحم وأغلظ له علي رضي الله تعالى عنه في القول فقال: ما بالكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني) فنزلت. {أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ} التي يفتخرون بها بما قارنها من الشرك. {وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ} لأجله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ } بالإِفراد والجمع بدخوله والقعود به {شَٰهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَٱئِكَ حَبِطَتْ } بطلت {أَعْمَٰلُهُمْ } لعدم شرطها {وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ }.

الشوكاني

.تفسير : قرأ الجمهور {يَعْمُرُواْ } بفتح حرف المضارعة وضم الميم من عمر يعمر. وقرأ ابن السميفع بضم حرف المضارعة من أعمر يعمر: أي يجعلون لها من يعمرها. وقرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن محيصن وسهم ويعقوب {مَسجد ٱللَّهِ } الإفراد. وقرأ الباقون {مساجد} بالجمع، واختارها أبو عبيدة. قال النحاس: لأنها أعمّ، والخاص يدخل تحت العام، وقد يحتمل أن يراد بالجمع المسجد الحرام خاصة، وهذا جائز فيما كان من أسماء الأجناس كما يقال: فلان يركب الخيل وإن لم يركب إلا فرساً قال: وقد أجمعوا على الجمع في قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ } وروي عن الحسن البصري أنه تعالى إنما قال: {مَسَـٰجِدَ } والمراد: المسجد الحرام، لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر جميع المساجد. قال الفراء: العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم: فلان كثير الدرهم وبالعكس، كقولهم فلان يجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا ملكاً واحداً. والمراد بالعمارة إما المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي، وهو ملازمته والتعبد فيه، وكلاهما ليس للمشركين، أما الأول: فلأنه يستلزم المنة على المسلمين بعمارة مساجدهم، وأما الثاني: فلكون الكفار لا عبادة لهم مع نهيهم عن قربان المسجد الحرام، ومعنى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ } ما صح لهم وما استقام أن يفعلوا ذلك، و {عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } حال: أي ما كان لهم ذلك حال كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر، بإظهار ما هو كفر من نصب الأوثان والعبادة لها، وجعلها آلهة، فإن هذا شهادة منهم على أنفسهم بالكفر، وإن أبوا ذلك بألسنتهم، فكيف يجمعون بين أمرين متنافيين: عمارة المساجد التي هي من شأن المؤمنين، والشهادة على أنفسهم بالكفر التي ليست من شأن من يتقرّب إلى الله بعمارة مساجده. وقيل: المراد بهذه الشهادة قولهم في طوافهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك: تملكه وما ملك؛ وقيل: شهادتهم على أنفسهم بالكفر: أن اليهودي يقول هو يهودي، والنصراني يقول هو نصراني، والصابىء يقول هو صابىء، والمشرك يقول هو مشرك: {أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } التي يفتخرون بها، ويظنون أنها من أعمال الخير: أي بطلت ولم يبق لها أثر {وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ } وفي هذه الجملة الإسمية مع تقديم الظرف المتعلق بالخبر تأكيد لمضمونها. ثم بين سبحانه من هو حقيق بعمارة المساجد فقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } وفعل ما هو من لوازم الإيمان من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة {وَلَمْ يَخْشَ } أحداً {إِلاَّ ٱللَّهُ } فمن كان جامعاً بين هذه الأوصاف، فهو الحقيق بعمارة المساجد. لا من كان خالياً منها أو من بعضها، واقتصر على ذكر الصلاة والزكاة والخشية تنبيهاً بما هو من أعظم أمور الدين على ما عداه مما افترضه الله على عباده؛ لأن كل ذلك من لوازم الإيمان، وقد تقدّم الكلام في وجه جمع المساجد، وفي بيان ماهية العمارة، ومن جوّز الجمع بين الحقيقة والمجاز حمل العمارة هنا عليهما، وفي قوله: {فَعَسَىٰ أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ } حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم، فإن الموصوفين بتلك الصفات إذا كان اهتداؤهم مرجوّاً فقط، فكيف بالكفار الذين لم يتصفوا بشيء من تلك الصفات. وقيل: "عسى" من الله واجبة. وقيل: هي بمعنى خليق، أي فخليق أن يكونوا من المهتدين. وقيل: إن الرجاء راجع إلى العباد. والاستفهام في {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } للإنكار، والسقاية والعمارة مصدران كالسعاية والحماية، وفي الكلام حذف، والتقدير: أجعلتم أصحاب سقاية الحاج وعمارة المسجد، أو أهلهما {كَمَنْ ءامَنَ } حتى يتفق الموضوع والمحمول أو يكون التقدير في الخبر: أي جعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كعمل من آمن أو كإيمان من آمن. وقرأ ابن أبي وجرة السعدي، وابن الزبير، وسعيد بن جبير: "أجعلتم سقاة الحاج، وعمرة المسجد الحرام" جمع ساق وعامر. وعلى هذه القراءة لا يحتاج إلى تقدير محذوف، والمعنى: أن الله أنكر عليهم التسوية بين ما كان تعمله الجاهلية من الأعمال التي صورتها صورة الخير، وإن لم ينتفعوا بها وبين إيمان المؤمنين وجهادهم في سبيل الله، وقد كان المشركون يفتخرون بالسقاية والعمارة، ويفضلونهما على عمل المسلمين. فأنكر الله عليهم ذلك، ثم صرّح سبحانه بالمفاضلة بين الفريقين وتفاوتهم وعدم استوائهم فقال: {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ } أي: لا تساوي تلك الطائفة الكافرة الساقية للحجيج العامرة للمسجد الحرام هذه الطائفة المؤمنة بالله واليوم الآخر المجاهدة في سبيله، ودلّ سبحانه بنفي الاستواء على نفي الفضيلة، التي يدّعيها المشركون، أي إذا لم تبلغ أعمال الكفار إلى أن تكون مساوية لأعمال المسلمين، فكيف تكون فاضلة عليها كما يزعمون، ثم حكم عليهم بالظلم وأنهم مع ظلمهم بما هم فيه من الشرك لا يستحقون الهداية من الله سبحانه، وفي هذا إشارة إلى الفريق المفضول. ثم صرّح بالفريق الفاضل فقال: {ٱلَّذِينَ آمنوا} إلى آخره: أي الجامعون بين الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ } وأحق بما لديه من الخير من تلك الطائفة المشركة المفتخرة بأعمالها المحيطة الباطلة. وفي قوله: {عَندَ ٱللَّهِ } تشريف عظيم للمؤمنين، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المتصفين بالصفات المذكورة {هُمُ ٱلْفَائِزُونَ } أي: المختصون بالفوز عند الله، ثم فسر الفوز بقوله: {يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ وَرِضْوٰنٍ وَجَنَّـٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ } والتنكير في الرحمة والرضوان والجنات للتعظيم، والمعنى: أنها فوق وصف الواصفين وتصوّر المتصوّرين. والنعيم المقيم: الدائم المستمر الذي لا يفارق صاحبه، وذكر الأبد بعد الخلود تأكيد له، وجملة {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } مؤكدة لما قبلها مع تضمنها للتعليل: أي أعطاهم الله سبحانه هذه الأجور العظيمة لكون الأجر الذي عنده عظيم، يهب منه ما يشاء لمن يشاء، وهو ذو الفضل العظيم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله } وقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } فنفى المشركين من المسجد {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } يقول: من وحد الله وآمن بما أنزل الله {وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ} يعني: الصلوات الخمس، {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ } يقول: لم يعبد إلا الله {فَعَسَىٰ أُوْلَـئِكَ } يقول: أولئك هم المهتدون، كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } تفسير : [الإسراء: 79] يقول: إن ربك سيبعثك مقاماً محموداً، وهي الشفاعة، وكل "عسى" في القرآن فهي واجبة. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ }»تفسير : . وقد وردت أحاديث كثيرة في استحباب ملازمة المساجد، وعمارتها والتردّد إليها للطاعات. وأخرج مسلم، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن النعمان بن بشير، قال: كنت عند منبر رسول الله في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل جهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله فأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجّ } إلى قوله: {لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ }. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجّ } الآية، وذلك أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله سبحانه استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم من المشركين: {أية : قَدْ كَانَتْ ءايَـتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَـٰمِراً تَهْجُرُونَ } تفسير : [المؤمنون: 66، 67] يعني: أنهم كانوا يستكبرون بالحرم. وقال {به سامراً} كانوا به يسمرون ويهجرون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، فخير الإيمان بالله والجهاد مع نبيّ الله على عمران المشركين البيت وقيامهم على السعاية، ولم يكن لينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه قال الله: {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } يعني: الذين زعموا أنهم أهل العمارة فسماهم ظالمين بشركهم، فلم تغن عنهم العمارة شيئاً، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: قال العباس حين أسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج ونفكّ العاني، فأنزل الله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجّ } الآية: يعني: أن ذلك كان في الشرك، فلا أقبل ما كان في الشرك. وأخرج ابن مردويه، عنه، أيضاً في الآية، قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب والعباس. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الشعبي، قال: تفاخر عليّ والعباس وشيبة في السقاية والحجابة فأنزل الله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجّ } الآية، وقد روى معنى هذا من طرق.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّهِ} يعني المسجد الحرام. وفيه وجهان: أحدهما: ما كان لهم أن يعمروها بالكفر لأن مساجد الله تعالى تعمر بالإيمان. والثاني: ما كان لهم أن يعمروه بالزيارة له والدخول إليه. {شَاهِدِينَ عَلَى أنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن فيما يقولونه أو يفعلونه دليل على كفرهم كما يدل عليه إقرارهم، فكأن ذلك منهم هو شهادتهم على أنفسهم، قاله الحسن. والثاني: يعني شاهدين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفر لأنهم كذبوه وأكفروه وهو من أنفسهم، قاله الكلبي. والثالث: أن النصراني إذا سئل ما أنت؟ قال: نصراني، واليهودي إذا سئل قال: يهودي، وعابد الوثن يقول: مشرك، وكان هؤلاء كفار وإن لم يقروا بالكفر، قاله السدي. ثم قال تعالى {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ} في هذه المساجد قولان: أحدهما: أنها مواضع السجود من المصلى، فعلى هذا عمارتها تحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: بالمحافظة على إقامة الصلاة. والثاني: بترك الرياء. والثالث: بالخشوع والإعراض عما ينهى. والقول الثاني: أنها بيوت الله تعالى المتخذة لإقامة الصلوات، فعلى هذا عمارتها تحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: إنما يعمرها بالإيمان من آمن بالله تعالى. والثاني: إنما يعمرها بالزيارة لها والصلاة فيها من آمن بالله تعالى. والثالث: إنما يرغب في عمارة بنائها من آمن بالله تعالى. {وَالْيَوْمِ الأَخِرِ وَأَقَامَ الْصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِن الْمُهْتَدِينَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك لهم تحذيراً من فعل ما يخالف هدايتهم. والثاني: أن كل {عَسَى} من الله واجبة وإن كانت من غيره ترجياً، قاله ابن عباس والسدي.

ابن عبد السلام

تفسير : {يعمروا مساجد الله} بالزيارة والدخول إليه، أو بالكفر، لأن، المسجد إنما يُعمر بالإيمان. {شَاهِدِينَ} لما دلت أموالهم وأفعالهم على كفرهم تنزل ذلك منزلة شهادتهم على أنفسهم، أو شهدوا على رسولهم بالكفر لأنهم كذبوه وكفروه وهو من أنفسهم، أو إذا سُئل اليهودي ما أنت يقول: يهودي، وكذلك النصارى [و] المشركون وكلهم كفرة وإن لم يقروا بالكفر.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {مسجد الله} ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون: على الجمع {يبشرهم} خفيفاً: حمزة {وعشيراتكم} على الجمع: أبو بكر وحماد وجبلة {وضاقت} ونحو ممالة: حمزة {رحبت ثم} مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى. الوقوف: {بالكفر} ط {أعمالهم} ج لعطف المختلفين {خالدون} ه {المهتدين} ه {في سبيل الله} ط {عند الله} ط {الظالمين} ه لئلا يشتبه بالوصف {وأنفسهم} لا لأن ما بعده خبر "الذين" {عند الله} ط {الفائزون} ه {مقيم} ه لا لأن ما بعده حال {أبداً} ط {عظيم} ه {على الإيمان} ط {الظالمون} ه {بأمره} ط {الفاسقين} ه {كثيرة} لا لعطف الظرف على الظرف {حنين} لا لأن "إذ" ظرف {نصركم}. {مدبرين} ه ج للآية والعطف. {كفروا} ط {الكافرين} ه {من يشاء} ط {رحيم} ه {هذا} ج {إن شاء} ط {حكيم} ه. التفسير: إنه سبحانه بدأ السورة بذكر البراءة من المشركين وبالغ في إيجاب ذلك بتعداد فضائحهم وقبائحهم، ثم أراد يحكي شبهاتهم التي كانوا يحتجون في أن هذه البراءة غير جائزة مع الجواب عنها. قال المفسرون: لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيروه بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي رضي الله عنه له القول فقال العبّاس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟ فقال علي عليه السلام ألكم محاسن؟ فقال: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني فأنزل الله تعالى رداً عليهم {ما كان للمشركين} ما صح لهم وما استقام {أن يعمروا مسٰجد الله} يعني المسجد الحرام. ومن قرأ على الجمع فإما أن يراد جميع المساجد فيشمل المسجد الحرام أيضاً الذي هو أشرفها وهذا آكد لأن طريقه طريق الكناية كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفي لقراءته القرآن من تصريحك بذلك، أو يراد المسجد الحرام وجمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد، أو لأن بقعة منه مسجد. قال الفراء: العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم: فلان كثير الدرهم، وبالعكس كقولهم: فلان يجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا ملكاً واحداً. وعمارة المسجد إما لزومه وإما كثرة إتيانه للصلاة والاعتكاف، ولا شك أنه ليس للمشرك ذلك وإما مرمته وتعهده، وليس للمشرك هذا أيضاً لأنه يجري مجرى الإنعام على المسلمين ولا ينبغي أن يكون للكافر منه على أهل الإسلام، ولأن دخوله المسجد يؤدي إلى تلوث المسجد إما لكونه نجساً في الحكم، وإما لأنه قلما يحترز من النجاسات. وما روي أنه صلى الله عليه وآله أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار وشدّ ثمامة بن أثال الحنفي على سارية من سواري المسجد محمول على تعظيم شأنه صلى الله عليه وسلم كأنه أراد أن يكون ذلك بمحضر منه وهو في المسجد. وقوله {شاهدين على أنفسهم} حال من الواو في {يعمروا} والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة معابد الله مع الكفر به. وفي تفسير هذه الشهادة أقوال أصحها أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب النبي والقرآن ولهذا قال السدي: هي أن النصراني إذا قيل له ما أنت؟ قال: نصراني. واليهودي يقول: يهودي، وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن. وقيل: هي قولهم في طوافهم "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك". وعن ابن عباس أنه قال: المراد أنهم يشهدون على محمد بالكفر. وإنما جاز هذا التفسير لقوله تعالى{أية : لقد جاءكم رسول من أنفسكم}تفسير : [التوبة: 128] ثم بيّن تعالى ما هو الحق في هذا الباب فقال {أولئك حبطت أعمالهم} الصادرة عنهم كإكرام الوالدين وبناء الربط وإطعام الجائع لأنه لا يفيد مع الكفر طاعة لأن الكفر يوجب عقاب الأبد ولهذا قال {وفي النار هم خالدون} ولإفادة هذا التركيب الحصر احتجت الأشاعرة به على خلاص صاحب الكبيرة. ثم وصف من له استئهال عمارة المسجد فقال {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} لأن المرء ما لم يعرف المبدأ والمعاد لا يصح منه التوجه إليه. وإنما طوى ذكر الرسول تنبيهاً على أنه واسطة والتوجه الحقيقي من الله وإلى الله ولهذا ورد في الحديث:"حديث : المصلي يناجي ربه"تفسير : . وقيل: إن المشركين كانوا يقولون إن محمداً ادّعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك فلنفي هذه التهمة ترك ذكره صلى الله عليه وسلم. وقيل: دل عليه بقوله {وأقام الصلاة وآتى الزكاة} لأنهما معلومتان من أفعاله صلى الله عليه وسلم ولما في الصلاة من التشهد وقبلها الأذان والإقامة. ثم إن إقامة الصلاة لا ريب أن فيها عمارة المسجد والحضور فيه، وأما إيتاء الزكاة فإنما كان سبباً للعمارة لأنه يحضر المسجد طوائف الفقراء والمساكين لأخذ الزكاة، ولأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد وإصلاحه نفل والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لم يشتغل بالنافلة، فلو لم يكن مؤدياً للزكاة فالظاهر أنه لم يشتغل بعمارة المسجد. ثم قال {ولم يخش إلا الله} ليعلم أنه لو أتى المسجد وبناه رياء وسمعة لم يكن عامراً له. فعلى المؤمن أن يختار في جميع الأحوال رضوان الله على غيره فإن ذلك لو ضره في العاجل فسينفعه في الآجل وفي إدخال كلمة "إنما" في صدر الآية تنبيه على أن من لم يكن موصوفاً بالصفات المذكورة لم يكن من أهل عمارة المسجد، وأن المسجد يجب صونه عن غير العبادة. فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً ذكرهم الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش"تفسير : وقال صلى الله عليه وآله: قال الله تعالى:"حديث : إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زوّاري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحقّ على المزور أن يكرم زائره"تفسير : ومن عمارة المساجد تعظيمها والدرس فيها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح. فعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه"تفسير : . وفي قوله {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم فإن الموصوفين بالصفات المذكورة إذا كان اهتداؤهم المستعقب لصلاح حالهم في الدارين دائراً بين عسى ولعل فما ظنك باهتداء المشركين ومغبتهم؟ وفيه أن المؤمن يجب أن لا يغتر بالله عزّ وجلّ. هذا وقد مر أن بعض الأئمة ذهبوا إلى أن "عسى" من الله الكريم واجب. وقال بعضهم: إن الرجاء راجع إلى العباد. ثم إنه قال {أجعلتم سقاية الحاج} ومعناه هبوا أن عمارة المسجد وسقي الحجيج يوجب لكم نوعاً من الفضيلة إلا أن هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد شيء نزر. قال المفسرون: إنها نزلت في مناظرة جرت بين فريقين إلا أنهم اختلفوا فقيل: "كافر" و "مؤمن" لقوله {كمن آمن} وقصة ما مر أن العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج. وروي أن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟ فقالت اليهود لهم: أنتم أفضل. وقيل: إن كلا الفريقين مؤمن لقوله {أولئك أعظم درجة} وهذا يقتضي أن يكون للمفضول أيضاً درجة. وقصته ما روى عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أسقي الحاج. وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم: فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكني إذا صليت دخلت فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم فيه ففعل فأنزل الله الآية. ويروى عن الحسن والشعبي أن طلحة قال: أنا صاحب البيت بيدي مفاتحه ولو أشاء بت فيه. وقال العباس: وذلك بعد إسلامه أنه صاحب السقاية والقائم عليها. وقال عليّ رضي الله عنه: ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فنزلت. وعن ابن سيرين: قال عليّ رضي الله عنه للعباس بعد إن كان أسلم: ألا تهاجر ألا تلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ألست في أفضل من الهجرة، ألست أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟ فنزلت هذه الآية. فقال العباس: ما أراني إلا ترك سقايتنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً"تفسير : . والسقاية والعمارة مصدران من سقي وعمر، ولا بد من تقدير مضاف أي أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كخصال من آمن؟ ثم كان لسائل أن يسأل ما بال أحد الفريقين لا يشبه بالآخر فلا جرم قال مستأنفاً {لا يستوون عند الله} ثم صرح بالمفضول فقال {والله لا يهدي القوم الظالمين} أي المشركين {إن الشرك لظلم عظيم} وأي ظلم أشنع من وضع أخس الموجودات وهو الأصنام مقام أشرفها وهو الله سبحانه. وإنما لم يهدهم الله لعدم قابلية وقع في استعدادهم الفطري. وذلك لكونهم مظاهر القهر فافهم. ثم صرح بالفريق الفاضل فقال {الذين آمنوا} الآية. ثم من قال إن الفريقين المتناظرين كافر ومؤمن أورد عليه أن قوله: {أعظم درجة} وجب أن يكون للمفضول أيضاً درجة ولكنه ليس للكافر درجة. وأجيب بأن هذا وارد على حسب ما كانوا يقدرونه لأنفسهم من الدرجة والفضيلة نظيره قوله: {أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم}. أو المراد أنهم أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بالهجرة ولا الجهاد وإن كان مؤمناً فضلاً عن الكافر. أو المراد ترجيح الإيمان والهجرة والجهاد على السقاية والعمارة. ولا شك أنهما من أعمال والخير وموجبان للثواب لولا الكفر. وفي قوله: {عند الله} تشريف عظيم لقوله {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته} وكذا في قوله {وأولئك هم الفائزون} لدلالته على انحصار الفوز فيهم. ثم فسر الفوز بقوله {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات} التنكير فيها يفيد أنها وراء وصف الواصف، قال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالتبشير بالرحمة والرضوان إشارة إلى غاية التعظيم ونهاية الإجلال والجنات إشارة إلى حصول المنافع العظيمة. وقوله {لهم فيها نعيم} إشارة إلى خلوص تلك المنافع عن شوائب الكدورات. ثم عبر عن دوامها بثلاثة ألفاظ مؤكدات أولها {مقيم} وثانيها {خالدين} وثالثها {أبداً} وقال أهل التحقيق: الفرح بالنعمة قد يكون من حيث إنها نعمة وقد يكون من حيث إن المنعم خصه بها كالسلطان إذا أعطى بعض الحاضرين تفاحة مثلاً، ثم النعمة قد تكون حسية وقد تكون عقلية فقوله {يبشرهم ربهم} إشارة إلى أعلى المراتب وهو مقام العارفين الذين نظرهم على مجرد سماع البشارة لا على المبشر به. وقوله {برحمة منه ورضوان} إشارة إلى المرتبة الوسطى وهم العاكفون على عتبة اللذات الروحانية العقلية. وقوله {جنات} إلى آخره إشارة إلى المرتبة السفلى وهم الواقفون عند ساحات مواقع اللذات الحسيات. وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها يبشركم بخيرات دائمة وسعادات باقية لا حصر لها. ويجوز أن تكون الرحمة إشارة إلى رضا العبد بقضائه فيسهل عليه الغموم والآفات، والرضوان إشارة إلى رضاه عن العبد فيكون كقوله{أية : ارجعي إلى ربك راضية مرضية}تفسير : [الفجر: 28] ثم أكد المعاني المذكورة بقوله {الله عنده أجر عظيم} وفي تصدير الجملة الاسمية بأن وفي لفظ "عند" وتقديمه وتنكير "أجر" ووصفه بالعظم مبالغات لا تخفى. قال الكلبي: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه ولأخيه ولقرابته إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده فيقولون: ننشدك الله أن لا تدعنا إلى غير شيء فنضيع فيرق فيجلس معهم ويدع فنزل فيهم {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا} الآيتين. وذكروا في وجه النظم أن هذه الآية جواب عن شبهة أخرى قالوها وهي أنه كيف يمكن دعوى البراءة من الكفار وبينهم وبين المسلمين قرابات ومواصلات ومعاملات؟ فذكر الله تعالى أن الانقطاع عن الآباء والأبناء والإخوان واجب بسبب الكفر. ومعنى استحبوا اختاروا وهو في الأصل طلب المحبة. ثم إن النهي كان يحتمل أن يكون نهي تنزيه لا تحريم فلإزالة الوهم ختم الآية بقوله {ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} قال ابن عباس: يريد أنه يكون مشركاً مثلهم لأن الرضا بالشرك شرك. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله حتى يحب في الله أبعد الناس ويبغض في الله أقرب الناس"تفسير : . وعن ابن عباس: هي في المهاجرين خاصة كان قبل فتح مكة من آمن لم يتم إيمانه إلا بأن يهاجر ويصارم أقاربه الكفرة ويقطع موالاتهم.. فقالوا: يا رسول الله إن نحن اعتزلنا من يخالفنا في الدين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا ضائعين فنزلت {قل إن كان آباؤكم} الآية. فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه وأبوه وأخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم بعد ذلك. وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة فنهى الله عزّ وجلّ عن موالاتهم. قال الواحدي: عشيرة الرجل أهله الأدنون وهم الذين يعاشرونه. ومن قرأ على الوحدة فلأن العشيرة اسم جمع. ومن قرأ على الجمع فلأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة. قال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات وإنما يجمعونها على عشائر القرآن حجة عليه. والاقتراب الاكتساب والتركيب يدور على الدنو والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه. والترتيب المذكور في الآية غاية الحسن لأن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة القرابة القريبة ثم البعيدة، ثم إنه يتوسل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال المكتسبة ثم إلى التجارات المثمرة، وفي آخر المراتب الرغبة في الأوطان التي بنيت للسكنى، فبيّن تعالى أنه يجب تحمل هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سليماً، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندهم من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله {فتربصوا} انتظروا بما تحبون {حتى يأتي الله بأمره} عن الحسن هو عقوبة عاجلة أو آجلة. وقيل: يعني القتال. وعن ابن عباس: هو فتح مكة وفيه بعد لما روي أن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة {والله لا يهدي القوم الفاسقين} الخارجين عن طاعة الله إلى معصيته ولا يخفى ما فيه من التهديد. ثم لما أوجب ترك مصالح الدنيا لأجل الدين أراد أن يبين أن كل من أعرض عن الدنيا لأجل مصالح دينه فإن الله تعالى يراعي مصالح دنياه فيفوز بسعادة الدارين وضرب لنا مثلاً فقال {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة} قال الواحدي: النصر المعونة على الأعداء خاصة، والمواطن جمع موطن وهو كل موضع أقام به الإنسان لأمر. ومواطن الحرب مقاماتها ومواقعها. وامتناعها من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع ولا هاء كمساجد. والمواطن الكثيرة غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وهي على ما في الصحاح تسع عشرة منها: غزوة بدر وقريظة والنضير وأحد وغزوة الخندق وذات الرقاع وغزوة بني المصطلق وغزوة أنمار وغزوة ذي قرد وخيبر والحديبية والفتح. {ويوم حنين} أي يوم حنين. واستبعد صاحب الكشاف عطف الزمان على المكان فقال: معناه في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، وجوّز أن يراد بالموطن الوقت كمقتل الحسين رضي الله عنه قال علي: أن الواجب أن يكون يوم {حنين} منصوباً بالفعل مضمر لا بهذا الظاهر أي ونصركم يوم حنين لأن قوله {إذ أعجبتكم كثرتكم} بدل من {يوم حنين} فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع المواطن ولم يكونوا كثيراً في جميعها، وجوّز أن يكون "إذ" منصوباً بإضمار "اذكر". قلت: ولعله لا حاجة إلى هذه التكلفات فلا استبعاد في عطف الزمان والمكان، وما جعل بدلاً عن الزمان لا يلزم أن يكون بدلاً عن المكان حتى يكون الفعل الأوّل مقيداً بهما جميعاً. وحنين وداً بين مكة والطائف. قال المفسرون: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف. واختلفوا في عدد عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ فعن عطاء عن ابن عباس كانوا ستة عشر ألفاً. وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفاً وعشرة الآف من الذين حضروا مكة وألفان من الطلقاء الأسارى الذين أعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف. وبالجملة كانوا عدداً كثيرين وكانت هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة. فهذه الكلمة ساءت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي المراد من قوله {إذ أعجبتكم} وقيل: قالها أبو بكر. وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعيد لأنه كان في جميع الأحوال متوكلاً على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها. ثم قال {فلم تغن عنكم شيئاً} والإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة أي لم تعطكم الكثرة شيئاً يدفع حاجتكم ولم تفدكم {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} "ما" مصدرية والباء بمعنى "مع" والرحب السعة والجار والمجرور في موضع الحال أي متلبسة برحبها كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، والمعنى أنكم لشدة ما لحقكم من الرعب لم تجدوا في الأرض ذات الطول والعرض موضعاً يصلح لهربكم إليه وكأنها ضاقت عليكم {ثم وليتم مدبرين} أي انهزمتم انهزاماً. قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحرث، والذي لا إله إلا الله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم دبره قط، ولقد رأيته وأبو سفيان أخذ بالركاب والعباس آخذ بلجام الدابة وهو يقول: شعر : أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب تفسير : وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي وكانت بغلته شهباء ثم قال للعباس: ناد المهاجرين والأنصار وكان العباس رجلاً صيتاً فنادى يا أصحاب الشجرة فرجعوا ونزلت الملائكة عليهم ثياب بيض وهم على خيول بلق، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده كفاً من الحصباء فرماهم بها وقال: شاهت الوجوه، فما زال جدهم مدبراً وحدهم كليلاً ولم يبق منهم أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب فانهزموا وذلك قوله سبحانه {ثم أنزل الله سكينته} رحمته التي سكنوا بها وآمنوا {على رسوله وعلى المؤمنين} الذين كانوا انهزموا وعلى الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وقع الهرب. {وأنزل الله جنوداً لم تروها} يعني الملائكة ستة عشر ألفاً أو ثمانية آلاف أو خمسة آلاف على اختلاف الروايات. وعن سعيد بن المسيب قال: حدّثني رجل كان من المشركين يوم حنين: قال لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى صاحب البلغة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه حسان فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا وركبوا أكتافنا. واختلفوا في قتال الملائكة فقيل: قاتلوا. وقيل: ما قاتلوا إلا يوم بدر وإنما نزلوا في هذا اليوم لتكثير السواد ولإلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين. ثم قال {وعذب الذين كفروا} أي بالقتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذراري. واحتجت الأشاعرة بإنزال السكينة وهي داعية السكون والثبات وبقوله {وعذب} على أن الدواعي والأفعال كلها بخلق الله تعالى. ثم ختم الآية بقوله {وذلك جزاء الكافرين} واعلم أن الحنفية تمسكوا في مسألة الجلد مع التغريب بقوله تعالى {أية : الزانية والزاني فاجلدوا} تفسير : [النور:2] قالوا الفاء للجزاء اسم للكافي وكون الجلد كافياً يمنع أن يكون غيره مشروعاً معه. وأجابت الشافعية بأنه قال تعالى في هذه الآية {ذلك} أي الأخذ والأسر {جزاء الكافرين} سمي العذاب العاجل جزاءً مع أنه غير كافٍ لأن العذاب الآجل باقٍ. أما قوله {ثم يتوب الله من بعد ذلك } أي يسلم ناس منهم. حديث : روي أن ناساً منهم جاؤا تائبين فأسلموا وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا. قيل سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى.فقال: إن عندي ما ترون العساكر الفقراء وإن خير القول أصدقه، اختاروا وإما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم. قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن هؤلاء جاؤا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً. فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه. قالوا: رضينا وسلمنا فقال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا. فرفعت إليه صلى الله عليه وسلم العرفاء أن قد رضواتفسير : . ثم إنه سبحانه أجاب عن شبهة أخرى لهم وذلك أن علياً عليه السلام حين قرأ عليهم براءة فنبذ إليهم عهدهم قال أناس: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} قال في الكشاف: هو مصدر كالقذر ومعناه ذوو ونجس. وقال الليث: إنه صفة يستوي فيه الواحد وغيره: رجل نجس وقوم نجس وامرأة نجس. قلت ويجوز أن يجعل المصدر نغتاً للمبالغة في الوصف. واختلف في تفسير كون المشرك نجساً فعن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير. وعن الحسن من صافح مشركاً توضأ وهو قول الهادي من أئمة الزيدية. وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم واحتج القاضي على ذلك بما روي أنه صلى الله عليه وسلم شرب من أوانيهم وبأنه لو كان نجس العين لما تبدلت النجاسة بسبب الإسلام، وأوّلوا الآية بأن معناها أنهم لا يغتسلون عن الجنابة ولا يتوضؤون عن الحدث، أو أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب الاجتناب والاحتراز عنهم، أو أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} وهي السنة التاسعة من الهجرة التي وقع النداء فيها بالبراءة من المشركين واختلفوا في هذا النهي فعن أبي حنيفة وأصحابه أن المراد أن لا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، والدليل عليه قول علي عليه السلام في النداء: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك. وقال الشافعي: المراد المنع من الدخول فيه وهو ظاهر النص. وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع من الدخول فيه. وقيل: المراد أن يمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيام بمصالحه ويعزلوا عن ذلك. وعن عطاء أن المراد بالمسجد الحرام والحرم وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله، ونهي المشركين أن يقربوه راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه لقوله {وإن خفتم عيلة} أي فقراً بسبب منع المشركين وموضع التجارات ليس هو عين المسجد بل الحرم كله. ومن قال إن المراد منعهم من الحج قال إنهم إذا لم يحضروا الموسم لم يحصل للمسلمين ما كان لهم في قدومهم عليهم من الأرفاق والمكاسب فلهذا خافوا الفقر، ثم وعدهم الله إزالة الفقر بقوله {فسوف يغنيكم الله من فضله} أي من تفضله بوجه آخر قال عكرمة: أنزل الله عليهم المطر فكثر خيرهم. وعن الحسن: جعل الله لهم أخذ الجزية بدلاً عن ذلك. وقيل: أغناهم من الفيء. وعن مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش وحملوا الطعام إلى مكة فكان ذلك أعود عليهم. واعلم أن هذا إخبار بالغيب وقد وقع فكان معجزاً. ومعنى {إن شاء} تعليم وإرشاد وأن لا يغتر المسلمون بذلك فيتركوا التضرع إلى الله واللجأ إليه، وليعلم أن حصول ذلك لا يكون في كل الأوقات لأغراض ومقاصد لا يعلمها إلا ضابط الأمور ورابط الأسباب، ولهذا ختم الآية بقوله {إن الله عليم} أي بأحوالكم {حكيم} لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب. التأويل: ما كان لمشركي النفوس الأمارة {أن يعمروا مساجد الله} وهي القلوب وهم مصرون على ما جبلوا عليه من التمرد وتعبد الهوى. {حبط أعمالهم} التي صدرت عنهم رياء وسمعة {إنما يعمر} القلوب {من آمن بالله واليوم الآخر} صدق بأن المقصود والمعبود هو الله، وعمل لنيل السعادات الأخروية وأدام المناجاة مع الله بصدق الطلب، وزكى نفسه عن الأخلاق الذميمة ولم يخف فوات الخطوط الدنيوية وإنما يخاف فوات الحقوق الإلهية. {سقاية الحاج} خدمة هذه الطائفة للأغراض الفاسدة {وعمارة المسجد الحرام} الأعمال الموجبة لعمارة القلوب إذا كانت مشوبة بالرياء والهوى {لا يستوون عند الله} الطالبون والبطالون {والله لا يهدي القوم الظالمين} الذين يضعون الأعمال الصالحة في غير موضعها {الذين آمنوا} أي القلوب المؤمنة {وهاجروا} أي الأرواح المهاجرة إلى القوالب {وجاهدوا في سبيل الله} الجهاد الأكبر {بأموالهم وأنفسهم} ببذل الموجود والوجود جميعاً {يبشرهم ربهم} بعد الخلاص عن حبس الوجود بتجلي صفات لطفه وجنات الشواهد والكشوف {إن الله عنده أجر عظيم} أي من وصل إلى مقام العندية فالله يعظم أجره {لا تتخذوا آباءكم} الآيتان. فيهما إشارة إلى أن آثر محبة المخلوق على محبة الخالق فقد أبطل الاستعداد الفطري لقبول الفيض الإلهي. {ويوم حنين} أي حين حنت قلوبكم شوقاً إلى لقاء ربها وحسبتم أنكم تبلغونه بكثرة الطاعات، وضاقت عليكم أرض الوجود ثم أعرضتم عن الطلب إذ احتجبتم بحجب العجب مدبرين إلى عالم الطبيعة الحيوانية {ثم أنزل الله سكينته} هي واردات ترد على الأرواح والقلوب فتسكن إلى ربها على رسول الروح وعلى القلوب المؤمنة {وأنزل جنوداً} من المواهب الربانية وعذب النفوس المتمردة باستعمالها في أحكام الشريعة وآداب الطريقة {ذلك جزاء الكافرين} أي علاج النفوس المتمردة ثم يتوب الله من بعد ذلك العلاج بجذبة {ارجعي}، {إنما المشركون} النفوس العابدة للدنيا والشيطان والهوى {فلا يقربوا} القلب {بعد عامهم هذا} وهو حالة البلوغ وجريان قلم التكليف على الإنسان، نهى القلوب حينئذ عن اتباع النفوس وأمرها بقتالها ومنعها عن طوافها لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس وأوصافها الذميمة {وإن خفتم عيلة} حظوظاً يستلذ بها عند اتباع النفس {فسوف يغنيكم الله} بعد انقطاع تصرفات النفس عن القلب بالواردات الربانية والكشوف الروحانية {إن الله عليم} بمستحقي فضله {حكيم} فيما دبر من قتال النفوس.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} الآية. اعلم أنَّهُ تعالى بَدَأ السُّورة بذكر البراءة من الكُفَّار، وبالغ في ذلك، وذكر من أنواع قَبَائحِهمْ مَا يوجب تلك البراءةَ، ثمَّ إنَّه تعالى حكى عنهم شبهاً احتجوا بها في أنَّ هذه البراءة غير جائزةٍ، وأنَّهُ يجبُ مخالطتهم ومناصرتهم، فأولها هذه الآية، وذلك أنَّهم ذكروا أنهم موصوفون بصفات حميدةٍ توجبُ مخالطتهم ومعاونتهم، ومناصرتهم، ومن جملةِ تلك الصِّفات، كونهم عامرين للمسجدِ الحرامِ. قال ابنُ عبَّاسٍ: لمَّا أسر العبَّاسُ يوم بدرٍ، وعيَّرَهُ المسلمون بالكُفرِ، وقطيعة الرَّحمِ، وأغلظ له عليٌّ القول، فقال العبَّاسُ: ما لكم تذكرون مساوئنا، ولا تذكرون محاسننا؟ فقال له عليٌّ: ألكُم محاسن؟ فقال: نعم، إنَّا لنعْمُرُ المسْجِدَ الحَرامَ، ونحجب الكَعْبَة، ونسْقِي الحاجَّ، ونفكُّ العاني؛ فأنزل اللهُ تعالى ردّاً على العبَّاسِ: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ} أي: ما ينبغي للمشركين أن يعمرُوا مساجد الله، أوجب على المسلمين منعهم من ذلك؛ لأنَّ المساجد تعمر لعبادة الله وحده. واعلم أنَّ عمارة المَسْجِد قسمان: إمَّا بلزومها وكثرة إتيانها، يقال: فلان يعمرُ مجلس فلان إذا كثر غشيانه، وإمَّا بالعمارةِ المعروفة بالبناء، فإن كان المراد هو الثاني كان المعنى أنَّه ليس للكافر أن يقدم على مرمَّةِ المسجد، لأنَّ المسجد موضع العبادة، فيجب أن يعظم، والكافرُ يهينه، وأيضاً فالكافرُ نجس في الحكم، لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}تفسير : [التوبة:28]، وتطهير المسجد واجبٌ، لقوله تعالى: {أية : أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ}تفسير : [البقرة:125]، وأيضاً فالكافرُ لا يحترز من النَّجاسة، فدخوله المسجد تلويث للمسجد، وقد يؤدّي إلى فسادِ عبادة المصلين. وأيضاً إقدامه على مرمة المسجد يجري مجرى الإنعام على المُصلين، ولا يجوز أن يصير الكافر صاحب المنّة على المسلمين، وقد ذهب جماعةٌ منهم الواحديُّ؛ إلى أنَّ المُرادَ منه: العمارة المعروفة من بناء المسجدِ، ومرمته عند الخراب، فيمنع منه الكافر، حتى ولو أوصى بها لم تقبل، ويمنع من دخول المساجدِ، وإن دخل بغير إذن استحق التعزير، وإن دخل بإذن لم يعزر، والأولى تعظيمُ المساجد، ومنعهم منها، وقد أنزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد وهم كفَّار، وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد، وهو كافر، وحمل بعضهم العمارة على المسجد على الوجه الأول. "أَن يَعْمُرُواْ" اسم "كان". قرأ ابنُ السميفع "يُعْمِرُوا" بضم الياء وكسر الميم، من: "أعمر" رباعياً، والمعنى: أن يعينوا على عمارته. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو "مسجد اللهِ" بالإفراد، وهي تحتملُ وجهين، أن يُراد به مسجدٌ بعينه، وهو المسجد الحرام، لقوله {أية : وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [التوبة:19]، وأن يكون اسم جنسٍ، فيندرج فيه سائر المساجد، ويدخل المسجدُ الحرامُ دخولاً أوليّاً وقرأ الباقون: "مَساجِد" بالجمع، وهي أيضاً محتملةٌ للأمرين، ووجه الجمع إمَّا لأنَّ كُلَّ بقعةٍ من المسجد الحرام يقال لها: مسجدٌ، وإمَّا لأنه قبلةُ سائر المساجد، فصَحَّ أن يُطْلقَ عليه لفظُ الجمع لذلك. [قال الفرَّاءُ: ربما ذهب العربُ بالواحد إلى الجمع، وبالجمع إلى الواحد ألا ترى إلى الرجل يركب البرذون؛ فيقول: أخذت في ركوب البراذين، وفلان يجالس الملوك، وهو لا يجلس إلا مع ملك واحد، ويقال: فلان كثير الدرهم والدينار يريد: الدراهم والدنانير]. قوله: "شَاهِدِينَ" الجمهور على قراءته بالياء نصباً على الحال من فاعل: "يَعْمُرُوا" أراد: وهم شاهدون. وقرأ زيد بن علي: "شَاهِدُون" بالواو رفعاً على خبر ابتداءٍ مضمر، والجملةُ حالٌ أيضاً. قوله "على أنفُسهم" الجمهور على "أنفُسهم" جمع "نَفْس" وقرىء "أنفسهم" بضم الفاء، ووَجْهُهَا أن يُرادَ بـ "الأنْفَس" - وهو الأشرف الأجل من النَّفَاسة -: رسولُ صلى الله عليه وسلم. قيل: لأنه ليس بطنٌ من بطون العرب إلاَّ وله فيهم ولادة، وهذا المعنى منقولٌ في تفسير قراءة الجمهور أيضاً، وهو مع هذه القراءة أوضح. فصل قال الحسنُ: "لم يقولوا نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر". وقال الضحاك عن ابن عبَّاسٍ: "شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام، فكانوا يطوفون بالبيت عراة، وكانت أصنامهم منصوبة بخارج البيت الحرام عند القواعد، وكلَّما طافُوا شَوْطاً سَجَدُوا لأصْنَامِهِمْ، ولم يَزْدَادُوا بذلك من الله إلاَّ بُعْداً". وقال السدي: "شهادتهم على أنفسهم بالكفر، هو أن النصراني يسأل من أنت؟ فيقول: أنا نصراني، واليهودي يقول أنها يهودي، ويقال للمشرك ما دينك؟ فيقول: مشرك". وقيل: إنَّهم كانُوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلاَّ شريك هو لك تملكه وما ملك، ونقل عن ابن عباس أنه قال: "المرادُ أنهم يشهدون على الرسول بالكفر، قال: وإنَّما جازَ هذا التفسيرُ، لقوله تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}تفسير : [التوبة:128]. قال القاضي "هذا عدول عن الحقيقة، وإنما يجوز المصير إليه لو تعذَّر إجراءُ اللفظ على حقيقته، أمَّا لما بيَّنا أنَّ ذلك جائز لم يجز المصير إلى هذا المجاز". قوله {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} لأنها لغير الله، ثم قال: {وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} هذه جملةٌ مستأنفة و "في النَّارِ" متعلقٌ بالخبرِ، وقُدِّم للاهتمام به، ولأجل الفاصلة. وقال أبُو البقاءِ: "وهم خالدون في النَّارِ، وقد وقع الظرفُ بين حرف العطف والمعطوف" وفيه نظرٌ، من حيثُ إنَّه يوهم أنَّ الجملة معطوفةٌ على ما قبلها، عطف المفرد على مثله تقديراً، وليس كذلك، بل هي مستأنفةٌ، وإذا كانت مستأنفة فلا يقال فيها: فصل الظَّرف بين حرف العطف والمعطوف، وإنَّما ذلك في المتعاطفين المفردين، أو ما في تأويلهما، وقد تقدَّم تحقيقه في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً}تفسير : [البقرة:201] وفي قوله: {أية : وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ}تفسير : [النساء:58]. وقرأ زيد بن علي خالدين بالياء، نصباً على الحالِ من الضمير المستتر في الجارِّ قبله، لأنَّ الجارَّ صار خبراً، كقولك: في الدار زيد قاعداً، فقد رفع زيد بن علي "شاهدين"، ونصب "خالدون" عكس قراءة الجمهور فيها. فصل احتج أهلُ السُّنَّةِ بهذه الآية على أنَّ الفاسق من أهل الصَّلاة، لا يخلد في النار من وجهين: الأول: أن قوله {وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} يفيد الحصر، أي: هم فيها خالدون لا غيرهم؛ لأنَّ هذا الكلام إنَّما ورد في حق الكفار. الثاني: أنَّه تعالى جعل الخلود في النار للكافر جزاء على كفره، ولو كان هذا الحكم ثابتاً لغير الكفار، لما صحَّ تهديد الكافر به. قوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ} جمهورُ القراء على الجمع، وقرأ الجحدريُّ، وحماد بن أبي سلمة عن ابن كثير بالإفراد، والتَّوجيهُ يؤخذ ممَّا تقَدَّم، والظَّاهر أن الجمع هنا حقيقةٌ؛ لأن المراد: جميع المؤمنين العامرين لجميع مساجد أقطار الأرض. فصل اعلم أنَّه تعالى لمَّا بيَّن أنَّ الكافر ليس له أن يشتغل بعمارة المسجد، بيَّن أنَّ المشتغل بهذا العمل يجب أن يكون موصوفاً بصفات أربع، فقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} فبين أنه لا بُدَّ من الإيمان بالله؛ لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد الله فيه، والكافرُ يمتنع منه ذلك، وأمَّا كونه مؤمناً باليوم الآخر، لأنَّ عبادة الله إنَّما تفيد في القيامة، فمن أنكر القيامة، لم يعبد الله، ومن لم يعبد الله، لم يَبْنِ بناءً لعبادة الله. فإن قيل: لِمَ لَمْ يذكر الإيمان بالرَّسول - عليه الصَّلاة والسَّلام -؟. فالجوابُ: من وجوه: الأول: أنَّ المشركين كانوا يقولون: إنَّ محمداً إنَّما ادَّعى الرِّسالةَ طلباً للرئاسة، فذكر ههنا الإيمان باللهِ واليوم الآخر، وترك ذكر النُّبوةِ، كأنه يقولُ: مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلاَّ الإيمان بالمبدأ والمعاد، فذكر المقصود الأصليّ، وحذف ذكر النبوة، تنبيهاً للكفار على أنَّه لا مطلوب له من الرسالة إلاَّ هذا القدر. الثاني: أنه لمَّا ذكر الصَّلاة، والصلاة لا تتم إلاَّ بالأذان والإقامة والتشهد، وهذه الأشياء مشتملة على ذكر النبوة، فكان كافياً. الثالث: أنَّه ذكر الصلاة، والمفرد المحلى بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق، والمعهود عند المسلمين هي الأعمال التي كان يأتي بها محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - فكان ذكر الصَّلاة دليلاً على النبوة، وأمَّا قوله "وأَقَامَ الصَّلاةَ" فلأنَّ المقصود الأعظم من بناء المسجد إقامة الصلاة، وأمَّا قوله "وآتَى الزَّكاةَ" فلأنَّ الإنسانَ إذا كان مقيماً للصلاة، فإنَّه يحضرُ في المسجد، وفي المسجد طوائف الفقراء والمساكين، لطلب أخذ الزَّكاةِ، فتحصُل عمارة المسجد، وإن حملنا العمارة على البناء، فلأن الظَّاهرَ أنَّ الإنسان إذا لم يؤدّ الزكاة لا يعمر مسجداً. وأما قوله {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي: لا يبني المسجد لأجل الرِّياء والسمعة، ولكن يبنيه لمجرد طلب رضوان الله. روي أنَّ أبا بكر - رضي الله عنه - بنى في أول الإسلام على باب داره مسجداً، فكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، والكفار يؤذونه بسببه، فيحتمل أن يكون المراد منه تلك الحالة، ولمَّا حصر عمارة المساجد فيمن كان موصوفاً بهذه الصفات الأربع، نبَّه بذلك على أنَّ المسجد يجبُ صونه عن غير العبادة فيدخل فيه فضول الحديث، وإصلاح مهمات الدنيا. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : يأتِي في آخر الزمانِ ناسٌ من أمتِي يأتُون المساجدَ فيقعُدُون فيها حلقاً، ذكرُهُم الدُّنْيَا، وحُبُّ الدُّنْيَا، لا تُجالِسُوهُم فليْسَ للهِ بِهِمْ حَاجَة" تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام "حديث : الحديثُ في المسْجِدِ يَأكلُ الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش"تفسير : ، وقال عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: "حديث : إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنَّ زُوَّاري فيها عُمَّارها، فطُوبَى لعبدٍ تطهَّر في بيتهِ ثمَّ زَارنِي في بَيْتِي، فحقٌّ على المَزُورِ أن يُكرم زائرهُ"تفسير : ، وقال عليه الصلاة والسلام "حديث : مَنْ ألفَ المَساجِد ألفهُ الله"تفسير : ، وقال عليه الصلاة والسلام "حديث : إذَا رأيْتُم الرَّجلَ يعتادُ المسجدَ فاشْهَدُوا له بالإيمان"تفسير : ، وقال عليه الصلاة والسلام "حديث : مَنْ أسرجَ في مسجدٍ سراجاً لم تزلِ الملائِكةُ وحملةُ العرشِ يَسْتغفرُونَ لهُ ما دامَ في ذلكَ المسْجدِ ضَوؤهُ"تفسير : ، وهذه الأحاديث نقلها الزمخشريُّ. قوله: {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} قال المفسرون: "عسى" من الله واجب، لكونه متعالياً عن الشَّك والتردد. وقال أبو مسلم: "عسى" ههنا راجع إلى العباد، وهو يفيدُ الرجاء، فكان المعنى: إنَّ الذين يأتون بهذه الطاعات، إنَّما يأتون بها على رجاء الفوز بالاهتداء، لقوله تعالى: {أية : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً}تفسير : [السجدة:16] والتحقيق فيه: أنَّ العبد عند الإتيان بهذه الأعمال، لا يقطعُ على الفوز بالثَّواب؛ لأنه يجوزُ من نفسه أنه قد أخَلَّ بقيد من القيود المعتبرة في حصول القبول، وقال الزمخشريُّ "المرادُ منه تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء، وحسم لأطماعهم من الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها". فبيَّن تعالى أنَّ الذين آمنوا وضَمُّوا إلى إيمانهم العمل بالشرائع، والخشية من الله فهؤلاء صار حصول الاهتداء لهم دائراً بين "لَعَلَّ" و "عَسَى"، فما بالُ هؤلاء المشركين، يقطعون بأنَّهم مهتدون، ويجزمون بفوزهم بالخير من عند اللهِ تعالى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏ {‏ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله‏} ‏ وقال ‏ {‏إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله‏} ‏ فنفي المشركين من المسجد يقول‏:‏ من وحَّد الله وآمن بما أنزل الله ‏ {‏وأقام الصلاة‏}‏ يعني الصلوات الخمس ‏ {‏ولم يخش إلا الله‏} ‏ يقول‏:‏ لم يعبد إلا الله ‏ {‏فعسى أولئك‏} ‏ يقول‏:‏ أولئك هم المهتدون كقوله لنبيه ‏{أية : ‏عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً‏}‏ تفسير : ‏[‏الاسراء: 79‏]‏ يقول‏:‏ إن ربك سيبعثك مقاماً محموداً وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه أنه قرأ ‏"‏ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله‏"‏ قال‏:‏ إنما هو مسجد واحد‏. وأخرج ابن المنذر عن حماد قال‏:‏ سمعت عبد الله بن كثيِّر يقرأ هذا الحروف ‏"‏ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله‏.‏‏.‏‏.‏، إنما يعمر مسجد الله‏"‏‏.‏ وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإِيمان، قال الله ‏{‏إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله وباليوم الآخر‏}‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ويأتي المسجد ويصلي فلا صلاة له وقد عصى الله ورسوله‏.‏ قال الله ‏ {‏إنما يعمر مساجد الله‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الله سبحانه يقول‏:‏ إني لأهمُّ بأهل الأرض عذاباً، فإذا نظرت إلى عُمّار بيوتي، والمتحابين فيّ، والمستغفرين بالأسحار، صرفت عنهم‏ "‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن معمر عن رجل من قريش يرفع الحديث قال‏:‏ يقول الله تبارك وتعالى‏ "حديث : ‏إن أحب عبادي إليّ الذين يتحابون فيّ، والذين يعمرون مساجدي، والذين يستغفرون بالأسحار، أولئك الذين إذا أردت بخلقي عذاباً ذكرتهم فصرفت عذابي عن خلقي ‏"‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبزار وحسنه والطبراني والبيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كتب إلى سلمان‏:‏ يا أخي، ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏ "حديث : ‏المسجد بيت كل تقي‏"‏تفسير : ، وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والراحة، والجواز إلى الصراط إلى رضوان الرب‏.‏ وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ كان يقال‏:‏ ما زي المسلم إلا في ثلاث‏:‏ في مسجد يعمره، أو بيت يكنه، أو ابتغاء رزق من فضل ربه‏. وأخرج أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم بن الفرج الهاشمي في جزئه المشهور بنسخة أبي مسهر عن أبي ادريس الخولاني رضي الله عنه قال‏:‏ المساجد مجالس الكرام. وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن للمساجد أوتاداً، الملائكة جلساؤهم، إن غابوا يفتقدونهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم، ثم قال‏:‏ جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد، أو كلمة محكمة، أو رحمة منتظرة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن بيوت الله في الأرض المساجد، وإن حقاً على الله أن يكرم الزائر‏ "‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي في شعب الايمان عن عمرو بن ميمون الأودي رضي الله عنه قال‏:‏ أخبرنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن المساجد بيوت الله في الأرض، وأنه لحق على الله أن يكرم من زاره فيها‏. وأخرج البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏إذا عاهة من السماء أنزلت صرفت عن عُمار المساجد ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال‏:‏ إن للمساجد أوتاداً هم عُمارها، وإن لهم جلساء من الملائكة تفتقدهم الملائكة إذا غابوا، فإن كانوا مرضى عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم‏. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن عدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "‏حديث : من ألف المسجد ألفه الله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏ "‏حديث : من أدمن الاختلاف إلى المسجد أصاب أخاً مستفاداً في الله، وعلماً مستظرفاً، وكلمة تدعوه إلى الهدى، وكلمة تصرفه عن الردى، ويترك الذنوب حياء وخشية أو نعمة أو رحمة منتظرة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من توضأ في بيته ثم أتى المسجد فهو زائر الله، وحق على المزور أن يكرم الزائر‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سلمان موقوفا‏ً. وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏بشر المشائين في ظلم الليالي بالنور التام يوم القيامة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني والبيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد آتاه الله نوراً يوم القيامة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏بشر المدلجين إلى المساجد في الظلم بمنابر من نور يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزعون‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "‏حديث : الغدوّ والرواح إلى المسجد من الجهاد في سبيل الله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مغفل رضي الله عنه قال‏:‏ كنا نتحدث أن المسجد حصن حصين من الشيطان‏. وأخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ المساجد بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض‏. وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمير رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً أوسع منه في الجنة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن بشر بن حيان قال‏:‏ جاء واثلة بن الأسقع رضي الله عنه ونحن نبني مسجدنا، فوقف علينا فسلم ثم قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏حديث : من بنى مسجداً يصلي فيه بنى الله له بيتاً في الجنة أفضل منه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبزار عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتاً في الجنة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من بنى مسجداً لا يريد به رياء ولا سمعة بنى الله له بيتاً في الجنة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من بنى بيتاً يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتاً في الجنة من در وياقوت ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من بنى مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ‏"حديث : ‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ من بنى مسجداً يذكر اسم الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ابنوا المساجد واتخذوها حمى‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ أمرنا أن نبني المساجد جماً والمدائن شرفا‏ً. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ نهينا أن نصلي في مسجد مشرف‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شقيق رضي الله عنه قال‏:‏ إنما كانت المساجد جماً، وإنما شرف الناس حديثاً من الدهر‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ كان يقال‏:‏ ليأتين على الناس زمان يبنون المساجد يتباهون بها، ولا يعرفونها إلا قليلاً‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن الأصم رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏ما أمرت بتشييد المساجد‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لتزخرفن مساجدكم كما زخرفت اليهود والنصارى مساجدهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رضي الله عنه قال‏:‏ إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم‏. وأخرج الطبراني في مسند الشاميين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : من علق قنديلاً في مسجد صلى عليه سبعون ألف ملك، واستغفر له ما دام ذلك القنديل يقد‏ "‏‏. تفسير : وأخرج سليم الرازي في الترغيب عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو بكر الشافعي رضي الله عنه في رباعيته والطبراني عن أبي قرصافة رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ‏"حديث : ‏ابنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها‏. وسمعته يقول‏: اخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين، وسمعته يقول‏:‏ من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة‏.‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطرق‏؟‏ فقال‏:‏ وهذه المساجد التي تبنى في الطرق‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال ‏"‏حديث : مررت مع النبي صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة، فرأى قبة من لبن فقال‏:‏ لمن هذه‏؟ قلت‏:‏ لفلان‏.‏ فقال‏:‏ إن كلَّ بناء كلَّ على صاحبه يوم القيامة إلا ما كان من مسجد، ثم مر فلم يرها قال‏: ما فعلت القبة‏؟ قلت‏:‏ بلغ صاحبها ما قلت، فهدمها فقال‏: رحمه الله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد في الزهد والحكيم الترمذي عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال‏:‏ يقول الله‏ "حديث : ‏إني لأهمّ بعذاب أهل الأرض، فإذا نظرت إلى جلساء القرآن وعمار المساجد وولدان الإِسلام سكن غضبي ‏"‏‏.

ابو السعود

تفسير : {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ} أي ما صح وما استقام لهم على معنى نفي الوجودِ والتحققِ، لا نفيِ الجواز كما في قوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ }تفسير : [البقرة: 114] أي ما وقع وما تحقق لهم {أَن يَعْمُرُواْ} عمارةً معتداً بها {مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ} أي المسجدَ الحرامَ وإنما جُمع لأنه قِبلةُ المساجد وإمامُها فعامرُه كعامرها أو لأن كلَّ ناحيةٍ من نواحيه المختلفةِ الجهات مسجدٌ على حياله بخلاف سائرِ المساجدِ إذ ليس في نواحيها اختلافُ الجهةِ ويؤيده القراءةُ بالتوحيد وقيل: ما كان لهم أن يعمُروا شيئاً من المساجد فضلاً عن المسجد الحرام الذي هو صدرُ الجنسِ، ويأباه أنهم لا يتصَدَّوْن لتعمير سائرِ المساجدِ ولا يفتخرون بذلك على أنه مبنيٌ على كون النفي بمعنى نفي الجوازِ واللياقةِ دون نفي الوجود {شَـهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} أي بإظهار آثارِ الشركِ من نصب الأوثان حول البـيتِ والعبادةِ لها فإن ذلك شهادةٌ صريحةٌ على أنفسهم بالكفر وإن أبَوْا أن يقولوا: نحن كفارٌ كما نقل عن الحسن رضي الله عنه، وهو حالٌ من الضمير في يعمُروا أي محالٌ أن يكون ما سمَّوْه عمارةً عمارةَ بـيتِ الله مع ملابستهم لما ينافيها ويُحبِطها من عبادة غيرِه تعالى فإنها ليست من العمارة في شيء وأما ما قيل من أن المعنى ما استقام لهم أن يجمَعوا بـين أمرين متنافيـين: عمارةِ بـيتِ الله تعالى وعبادةِ غيرِه تعالى فليس بمُعربٍ عن كُنه المرامِ فإن عدمَ استقامةِ الجمعِ بـين المتنافيَـيْن إنما يستدعي انتفاءَ أحدِهما بعينه لا انتفاء العمارة الذي هو المقصود. روي أن المهاجرين والأنصارَ أقبلوا على أُسارى بدرٍ يعيِّرونهم بالشرك وطفِق عليٌّ رضي الله تعالى عنه يوبِّخ العباسَ بقتال النبـيِّ صلى الله عليه وسلم وقطيعةِ الرحم وأغلظَ له في القول فقال العباس: تذكُرون مساوينا وتكتمون محاسننا فقال: ولكم محاسنُ؟ قالوا: نعم، إنا لنعمُر المسجدَ الحرام ونحجّب الكعبة ونسقي الحجيجَ ونفك العاني فنزلت {أُوْلَـٰئِكَ} الذين يدّعون عمارةَ المسجدِ وما يضاهيها من أعمال البرِ مع ما بهم من الكفر {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ} أي التي يفتخرون بها بما قارنها من الكفر فصارت هباء منثوراً {وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ} لكفرهم ومعاصيهم، وإيرادُ الجملةِ الاسمية للمبالغة في الدلالة على الخلود، والظرفُ متعلقٌ بالخبر قدم عليه للاهتمام به، ومراعاةِ الفاصلة، وكلتا الجملتين مستأنفةٌ لتقرير النفيِ السابق. الأولى من جهة نفيِ استتباعِ الثواب والثانيةُ من جهة نفي استدفاعِ العذاب.

القشيري

تفسير : عمارةُ المساجد بإقامة العبادة فيها، والعبادةُ لا تُقْبَلُ إلا بالإخلاص، والمشرِكُ فاقِدُ الإخلاص، وشهادتُهم على أنفسهم بالكفر دعواهم حصول بعض الحدثان بتأثير الأسباب، فمن أثبت في عقده جوازَ ذَرَّة في العالم من غير تقديره - سبحانه - شارَكَ أربابَ الشِّرْكِ في المعنى الذي لزمَتْهم به هذه السِّمة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما كان للمشركين} نزلت الآية فى جماعة من رؤساء قريش اسروا يوم بدر فيهم العباس عم النبى عليه السلام فاقبل عليهم نفر من اصحاب رسول الله فعيروهم بالشرك وجعل على رضى الله عنه يوبخ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع رحمه وعون المشركين عليه واغلظ القول له فقال العباس ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا فقال له على وهل لكم من محاسن قال نعم نعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقى الحاج فقال الله تعالى ردا {ما كان للمشركين} اى ما صح وما استقام على معنى نفى الوجود والتحقق لا نفى الجواز كما فى قوله تعالى {أية : اولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} تفسير : [البقرة: 114] اى ما وقع وما تحقق لهم {ان يعمروا} عمارة معتدا بها {مساجد الله} اى المسجد الحرام وانما جمع لانه قبلة المساجد وامامها فعامره كعامرها او لان كل ناحية من نواحيه المختلفة الجهات مسجد على حاله بخلاف سائر المساجد اذ ليس فى نواحيها اختلاف الجهة قيل لعكرمة لم تقرأ مساجد وانما هو مسجد واحد قال {أية : ان الصفا والمروة من شعائر الله} تفسير : [البقرة:158] اى شيئاً من المساجد فضلا عن المسجد الحرام فضلا عن المسجد الحرام الذى هو افضل افراد الجنس على ان تعريف الجمع بالاضافة للجنس فالآية علىهذا الوجه كناية عن عمارة المسجد على وجه آكد من التصريح بذلك. ذكر فى القنية ان اعظم المساجد حرمة المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم مسجد بيت المقدس ثم الجوامع ثم مساجد الشوارع فانها اخف مرتبة حتى لا يعتكف فيها اذا لم يكن لها امام معلوم ومؤذن ثم مساجد البيوت فانه لا يجوز الاعتكاف فيها الا للنساء انتهى وهذه المساجد هى المساجد المجازية. واما المساجد الحقيقية فهى القلوب الطاهرة عن لوث الشرك مطلقا كما قال من قال شعر : مسجدى كو اندرون اولياست سجده كاه جمله است آنجا خداست آن مجازست اين حقيقت اى خران نيست مسجد جز درون سروران تفسير : ولهذا يعبر عن هدم المسجد بهدم قلب المؤمن {شاهدين على أنفسهم بالكفر} اى باظهار آثار الشرك من نصب الاوثان حول البيت للعبادة فان ذلك شهادة صريحة على انفسهم بالكفر وان ابوا ان يقولوا نحن كفار كما نقل عن الحسن. وقال السدى شهادتهم على انفسهم بالكفر ان اليهودى لو قيل له ما انت قال يهودى ويقول النصرانى هو نصرانى ويقول المجوسى هو مجوسى او قولهم نعبد الاصنام ليقربونا الى الله زلفى وهو حال من الضمير فى يعمروا اى محال ان يكون ما سموه عمارة عمارة بيت الله مع ملابستهم لما ينافيها ويحبطها من عبادة غيره تعالى فانها ليست من العمارة فى شيء {اولئك} الذين يدعون عمارة المسجد وما يضاهيها من اعمال البر مع ما بهم من الكفر {حبطت} [تباه وباطل شده است بواسطه كفر] {أعمالهم} التى يفتخرون بها وان كانت من جنس طاعة المسلمين {وفى النار هم خالدون} لكفرهم ومعاصيهم. قال القاضى عياض انعقد الاجماع على ان الكفار لا تنفعهم اعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا بتخفيف عذاب لكن بعضهم يكون اشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم. وذكر الامام الفقيه ابو بكر البيهقى انه يجوز ان يراد مما ورد فى الآيات والاخبار فى بطلان خيرات الكفار انهم لا يتخلصون بها من النار ولكن يخفف عنهم ما يستوجبونه بجنايات ارتكبوها سوى الكفر ووافقه المازرى. قال الواحدى دلت الآية على ان الكفار ممنوعون من عمارة مسجد المسلمين ولو اوصى لم تقبل وصيته وهو مجمع عليه بين الحنفية ويمنع من دخول المساجد فان دخل بغير اذن مسلم استحق التعزير وان دخل باذنه لم يعزر والاولى تعظيم المساجد ومنعها منهم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ما كان للمشركين} أي: ما صح لهم {أن يعمرُوا مساجدَ الله} أي: شيئاً من المساجد، فضلاً عن المسجد الحرام، وقيل: هو المراد، وإنما جمع؛ لأنه قبلة المساجد وإمامها، فأمره كأمرها، ويدل عليه قراءة من قرأ بالتوحيد، أي: ليس لهم ذلك، وإن كانوا قد عمروه تغلباً وظلماً، حال كونهم {شاهدين على أنفسهم بالكفر}؛ بإظهار الشرك وتكذيب الرسول، أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متباينين: عمارة بيت الله، وعبادة غير الله، {أولئك حَبِطَتْ أعمالُهم} في الدنيا والآخرة؛ لما قارنها من الشرك والافتخار بها، {وفي النار هم خالدون}؛ لأجل كفرهم. {إنما يَعْمُرُ مساجدَ الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة}، أي: إنما تستقيم عمارتها بهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، ومن عمارتها: تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسرج، وإدامة العبادة والذكر ودروس العلم فيها، وصيانتها مما لم تبن له؛ كحديث الدنيا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى:"حديث : إِنَّ بُيُوتِي في أَرْضِي المَسَاجدُ وإنَّ زُوَّاري فيهَا عُمَّارُهَا، فَطُوبى لعَبْدٍ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ زَارَني في بَيْتِي، فَحَقٌ عَلَى المَزُوِر أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ".تفسير : ووقف عبد الله بن مسعود على جماعة في المسجد يتذاكرون العلم فقال: بأبي وأمي العلماء، بروح الله ائتلفتم، وكتاب الله تلوتم، ومسجد الله عمرتم، ورحمة الله انتظرتم، أحبكم الله، وأحب من أحبكم. هـ. وإنما لم يذكر الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ لما علم أن الإيمان بالله قرينُه وتمامه الإيمانُ به، ولدلالة قوله: "وأقام الصلاة وآتى الزكاة" عليه. قال البيضاوي. {ولم يخش} في أموره كلها {إلا الله}، فهذا الذي يصلح لعمارة بيت الله، {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين}، وعبَّر بعسى، قطعاً لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم، وتوبيخاً لهم على القطع بأنهم مهتدون؛ فإن كان اهتداء هؤلاء، مع كمالهم، ودائراً بين عسى ولعل، فما ظنك بأضدادهم؟، ومنعاً للمؤمنين أن يغتروا بأحوالهم فيتكلوا عليها. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَتَعَاهَدُ المسجِد فاشهدوا لَهُ بالإيمان"،تفسير : ثم تلا الآية. الإشارة: مساجد الحضرة محرمة على أهل الشرك الخفي والجلي، لا يدخل الحضرة إلا قلب مفرد، فيه توحيد مجرد، لا يعمر مساجد الحضرة ألا قلب مطمئن بالله، غائب عما سواه، قد رفض الركون إلى الأسباب، وأفرد الوجهة لمسبب الأسباب، قطع الشواغل والعلائق حتى أشرقت أنوار الحقائق. وإنما يعمر مساجد حضرة القدوس من آمن بالله واليوم الآخر، وأقام صلاة القلوب، وآتى زكاة النفوس، ولم يراقب أحداً من المخلوقين، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين إلى حضرة رب العالمين. ولما أفتخر قومٌ من قريش بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، بيَّن الله تعالى أنَّ الجهاد أفضل من ذلك، فقال: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو {مسجد الله} على التوحيد. الباقون على الجمع، فمن قرأ على التوحيد، قال الحسن اراد به المسجد الحرام وبه قال الجبائي. ويحتمل ان يكون اراد المساجد كلها، لأن لفظ الجنس يدل على القليل والكثير. ومن قرأ على الجمع يحتمل ان يكون اراد جميع المساجد. ويحتمل ان يكون اراد المسجد الحرام. وإنما جمع لأن كل موضع منه مسجد يسجد عليه. والقراءتان متناسبتان. والاصل في المسجد هو موضع السجود في العرف يعبر به عن البيت المهيأ لصلاة الجماعة فيه. اخبر الله تعالى انه ليس لمشرك ان يعمر مسجد الله. والعمارة ان يجدد منه ما استرم من الأبنية، ومنه قولهم: اعتمر اذا زار، لأنه يجدد بالزيارة ما استرم من الحال. وقوله {شاهدين على أنفسهم بالكفر} نصب على الحال، فالشهادة خبر عن علم مشاهد بأن يشاهد المعنى او يظهر ظهور ما يشاهد كظهور المعنى في شهادة أن لا إله إلا الله. والمعني بذلك أحد شيئين: احدهما - ان فيما يخبرون به دليلا على كفرهم، لان أنهم يقولون نحن كفار، ولكن كما يقال للرجل ان كلامك ليشهد انك ظالم - هذا قول الحسن. والثاني - قال السدي: ان النصراني إذا سئل ما انت؟ قال نصراني واليهودي يقول انا يهودي وعابد الوثن يقول مشرك فذلك شهادتهم على انفسهم بالكفر. وقال الكلبي: معناه شاهدين على النبي بالكفر، وهو من انفسهم. وقوله {أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون} اخبار منه تعالى ان اعمال هؤلاء الذين شهدوا على انفسهم بالكفر باطلة بمنزلة ما لم يعمل، لأنهم اوقعوها على وجه لا يستحق بها الثواب، وانهم مع ذلك مخلدون في نار جهنم معذبون بأنواع العذاب.

الجنابذي

تفسير : {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} استيناف لردّ مفاخرة المشركين بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاجّ وحجابة البيت وفكّ العناة كما فسّر فى الاخبار، وفيه ايضاً ردع للمؤمنين عمّا يتخاطروا به من عدم جواز مقاتلة المشركين مع كونهم مباشرين لتلك الاعمال السّنيّة والمناصب الشّريفة، والمقصود انّه ليس الاعتبار بمشاكلة صورة اعمال الابرار وان صدرت من الاشرار بل الاعتبار بمصدر الاعمال فتعميرهم فى الحقيقة تخريب لمسجد القلب حيث يراؤن ويفتخرون به، وسقايتهم صدّ متعطّشى مملكتهم عن ماء الحيوة حيث يعجبون به، وحجابتهم حجابة الشّيطان لبيته الّذى هو بيت النّفس، وفكّ العناة اسر لاحرار قواهم وصدّ لهم عن الرّجوع الى مولاهم، {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} يعنى بالايمان بالله ومساجد الله هى الصّدور المنشرحة بالاسلام والقلوب المستنيرة بنور الايمان وعمارتها بالاسلام والايمان؛ ولذا قال اشارةً الى هذا البيان {شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} حالاً حيث يعملون اعمال الكفر وقالاً حيث يقولون ما يلزم الكفر من عدم الاعتقاد بالبعث والحساب وبارسال الرّسول وانزال الكتاب وغير ذلك ممّا يستلزم الكفر وعدم المعرفة بالله {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} فلا يباهوا بصور اعمالهم ولا تنظروا ايّها المؤمنون الى صورها لانّها ساقطة بل هى كالاجساد الميتة الّتى توذى حاملها {وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ} لاغيرهم فهو تأكيد للنّفى السّابق بمفهومه ولمّا كان عمارة المساجد الصّوريّة مع الاتّصاف بالشّرك تخريباً للمساجد الحقيقيّة الّتى هى القلوب واربابها وكان حكم التّخريب غالباً وحكم العبارة مغلوباً كأنّها لم تكن، وكان الايمان بالله واليوم الآخر الّذى هو كمال القوّة النّظريّة فى اعتقاد المبدء والمعاد وقد اندرج فيه جميع المعارف الرّاجعة الى المبدء والمعاد واقام الصّلاة وايتاء الزّكاة اللّذان هما كمال القوّة العملّية، وهما اصلان لجميع النّسك والعبادات عمارةً للمسجد الحقيقىّ الّذى هو القلب وصاحبه وصار حكمها غالباً بحيث تنسب الى المساجد الصّوريّة وان لم تكن فيها عمارة قال بطريق الحصر: انّما يعمر مساجد الله آتياً بالجمع المضاف المفيد للعموم وبمن الموصولة المفيدة للعموم، مع انّ اكثر المؤمنين لم يعمروا مسجداً قطّ ولو صحّح بتضمين يعمر معنىً يصحّ فالتّأدية بهذه الصّورة للاشارة الى هذا المعنى {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} تعريض بالضّعفاء من المؤمنين {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ} اى كمعمل من آمن او هو بتقدير مضاف فى جانب المسند اليه وهو خطاب للمشركين او للمؤمنين او للجميع {بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} وهو كمال العلم {وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وهو اجمال الصّلاة والزّكاة اللّتين هما كمال العمل، والتّكرار باعتبار مطلوبيّته فى مقام الّذمّ والمدح {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ} بحسب العلم والعمل اى الحال الّتى هم عليه {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} فلا يستوون بحسب الغاية ايضاً لانّ الله يهدى المؤمين، ووضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بذمٍّ لهم وبعلّة عدم هدايتهم.

الحبري

تفسير : وفي قَوْلِهِ: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ}. نَزَلَتْ في العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وابنِ أَبي طَلحْةَ بنِ عُثْمانَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.

فرات الكوفي

تفسير : [وبالسند المتقدم في الحديث الأول من هذه السورة]: وفي قوله: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر} نزلت في العباس بن عبد المطلب وأبي طلحة بن عثمان من بني عبد الدار.

اطفيش

تفسير : {مَا كانَ للمشْركينَ أن يعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ} أى ما جاز لهم وما استقام أن يعمروا المساجد التى بنيت لطاعة الله وتوحيده، وكم مسجد عمروه قديما وحديثا تغلبا على أهله وظلما، والمراد بعمارتها دخولها والقعود فيها، والتعبد فيها، ويمنع المشرك من دخول المسجد، فإن دخله بغير إذن الموحد عزر، وقيل: إن دخله واستقبل القبلة أمسك حتى يسلم وهو ضعيف، لأنه إكراه على الدين. ويجوز للإمام ومن قام مقامه فى الإسلام، أن يدخل المشرك مسجدا غير المسجد الحرام لأمر مهم، والأولى صونه عن المشرك، وقد شد صلى الله عليه وسلم تمامة بن أتال وهو كافر إلى سارية فى المسجد، وقيل: المراد بعمارتها بناؤها والبناء فيها، فلو أوصى ببناء مسجد أو بالبناء فيه لم تقبل وصيته، وزعم بعضهم أن المراد بالمساجد المسجد الحرام، والجمع للتعظيم، أو لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر جميع المساجد، أو لأن كل موضع منه موضع للسجود، قيل، ويدل عليه قراءة ابن كثير، وأبى عمرو، ويعقوب: مسجدا لله بالإفراد، وليس كذلك، لجواز أن يقال المراد الجنس، وليست الإضافة مانعة من ذلك. {شَاهِدينَ} حال من الواو أو من المشركين {عَلى أنفُسهِم بالكُفْر} المراد بشهادتهم على أنفسهم به إظهاره، كتصريحهم بتكذيب القرآن، ورسول الله، والسجود للأصنام، وكانوا إذ طافوا طوفة سجدوا للأصنام سجدة إذا بلغوها، وكانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريك تملكه وما ملك وغير ذلك، كطوافهم عراة، فإنه علامة الشرك، فكأنه شهادة به، فإن الله سبحانه قد أوجب ستر العورة، وعن ابن عباس: شهادتهم به سجودهم للأصنام فى الطواف، وروى الطبرى، عن السدى: أنها نسبتهم أنفسهم إلى مللهم، اليهودى يقول: إنه يهودى، والنصرانى يقول: إنه نصرانى، وهكذا قيل وهو ضعيف. {أولئِكَ حَبِطَت أعْمالُهم} بطلت أعمالهم التى يعتقدون أنهم محسنون بها، فلا يجازون عليها لأنه لا عبادة مع الشرك {وفى النَّار هُم خَالدُونَ} إذا ماتوا على الشرك، فإن الكبيرة مخلدة مطلقا، فكيف بأعظم الكبائر، روى أنه لم أسر رؤساء قريش وغيرهم من قريش يوم بدر، عيَّرهم المهاجرون والأنصار بالشرك، وطفق علىّ يوبخ عمه العباس، وكان من الأسرى، بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطيعة الرحم، والشرك، وأغلظ له فى القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، فقال: أولكم محاسن؟ قال: نعم، ونحن أفضل منكم أجرا، نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقى الحجيج، ونفك العانى يعنى الأسير، فنزل ما كان للمشركين الآية.

اطفيش

تفسير : {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدِ اللهِ} ما ثبت لهم شرعا أَن يعمروها بالدخول والقعود والمكث فيها على أَى حال وبعبادة الله أَو غيره. والمراد بمساجد الله مساجد الإِسلام، ما وجد منها فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالمسجد الحرام والمسجد النبوى ومسجد قبا ومساجد اليمن، وما يوجد بعد زمانه صلى الله عليه وسلم، أَو المراد المسجد الحرام وجمع تعظيما كقوله تعالى: "أية : وإِذ قالت الملائكة يا مريم" تفسير : [آل عمران: 42] و "أية : فَنَادَتْهُ الملائكة" تفسير : [آل عمران: 39] و "أية : رب ارجعون" تفسير : [المؤمنون: 99] أَو أَن كل بقعة منه مسجد، أَى موضع سجود، أَو لأَنه قبلة المساجد كلها، وكأَنه كل المساجد، وعامره كعامر المساجد {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} بالشرك، شهادتهم على أَنفسهم بالكفر إِظهارهم الشرك كعبادة الأَصنام، وتكذيب الرسول، وقولهم: إِنا كافرون بما جئت، وقولهم: نعبد اللات والعزى، وقولهم: لبيك لا شريك لك، إِلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، ولا يجوز أَن يأذن المسلمون لمشرك فى دخول مسجد من مساجد الإِسلام، وأَجاز قومنا أَن يأذن لهم مسلم فى دخوله لحاجة، فإِن دخل بلا إِذن أَو بلا حاجة عزر، ويدل لهم أَنه صلى الله عليه وسلم شد تمامة بن أَتال إِلى سارية فى مسجده وهو كافر، قلنا: فعل ذلك لضرورة، وأَنه نهى بعد ذلك وقبله عن دخوله لما أَسر جماعة من رؤساءِ قريش يوم بدر، ومنهم العباس، أَقبل عليهم نفر من أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيرونهم بالشرك، وغلظ على عمه العباس يوبخه بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم. فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا، إِننا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة، ونسقى الحجيج ونفك العانى، فنزل قوله تعالى: "ما كان للمشركين أَن يعمروا مساجد الله شاهدين على أَنفسهم بالكفر" أَى لا يستقيم الجمع بين متنافيين عمارة متعبداته مع الكفر به، وعبادة غيره والكفر بعبادته، وكانت لهم أَصنام تحت جدار الكعبة كلما طافوا طوفة سجدوا للأَصنام، وكانوا يطوفون عراة كراهة أَن يطوفوا فى ثياب عصوا الله فيها، فالآية إِبطال لافتخارهم بما فعلوا من العمارة ونحوها كما افتخر العباس عند التغليظ عليه، وبيان لأَن ذلك كلا عمارة لاقترانه بما يناقضه، وبيان لكونهم على أَخبث حال، إِذ قابلوا أَعز موضع بأَقبح المعاصى {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} بطلت لا ثواب لها لعدم شرطها وهو التوحيد فلا يعتد بفكهم الأَسير، وإِلباس الكعبة والمحافظة عليها فى الأَبواب، وسقى الحجيج ماء فيه زبيب والطواف، فبطل افتخارهم بتلك الأَعمال {وَفِى النَّارِ} قدم عن متعلقه وهو خالدون للفاصلة، وعلى طريق الاهتمام، ويبعد الحصر على معنى أَن لهم خلودا لا يكون إِلا فى النار كأَنه لم يجر للخلود ذكر قبل، وقوله {هُمْ خَالِدُونَ} معطوف على أُولئك حبطت عطف اسمية على اسمية أَولى من عطفها على فعلية هى حبطت أَعمارهم.

الالوسي

تفسير : {مَا كَانَ للْمُشْركينَ} أي لا ينبغي لهم ولا يليق وإن وقع {أنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ} الظاهر أن المراد شيئاً من المساجد لأنه جمع مضاف فيعم ويدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أولياً، وتعميره مناط افتخارهم، ونفي الجمع يدل على النفي عن كل فرد فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكناية، وعن عكرمة وغيره أن المراد به المسجد الحرام واختاره بعض المحققين، وعبر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد وأمامها المتوجهة إليه محاريبها فعامره كعامرها، أو لأن كل مسجد ناحية من نواحيه المختلفة [الجهات] مسجد على حياله بخلاف سائر المساجد، ويؤيد ذلك قراءة أبـي عمرو ويعقوب وابن كثير وكثير {مسجد} بالتوحيد، وحمل بعضهم {مَا كَانَ} على نفي الوجود والتحقق، وقدر بأن يعمروا بحق لأنهم عمروها بدونه ولا حاجة إلى ذلك على ما ذكرنا. {شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} باظهارهم ما يدل عليه وإن لم يقولوا نحن كفار، وقيل: بقولهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، وقيل: بقولهم كفرنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهو حال من الضمير في {يَعْمُرُواْ} قيل: أي ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة البيت والكفر بربه سبحانه، وقال بعضهم: إن المراد محال أن يكون ما سموه عمارة بيت الله تعالى مع ملابستهم لما ينافيها ويحبطها من عبادة غيره سبحانه فإنها ليست من العمارة في شيء، واعترض على قولهم: إن المعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين متنافيين بأنه ليس بمعرب عن كنه المرام، فإن عدم استقامة الجمع بين المتنافيين إنما يستدعي انتفاء أحدهما لا بعينه لا انتفاء العمارة الذي هو المقصود، وظاهره أن النفي في الكلام راجع إلى المقيد، وحينئد لا مانع من أن يكون المراد من {مَا كَانَ} نفي اللياقة على ما ذكرنا. والغرض إبطال افتخار المشركين بذلك لاقترانه بما ينافيه وهو الشرك. وجوز أن يوجه النفي إلى القيد كما هو الشائع وتكلف له بما لا يخلو عن نظر. ولعل من قال في بيان المعنى: ما استقام لهم أن يجمعوا الخ جعل محط النظر المقارنة التي أشعر بها الحال، ومع هذا لا يأبـى أن يكون المقصود نظراً للمقام نفي صحة الافتخار بالعمارة والسقاية فتدبر جداً. / ومما يدل على أن المقام لنفي الافتخار ما أخرجه أبو الشيخ وابن جرير عن الضحاك أنه لما أسر العباس عيره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحمن وأغلظ عليه علي كرم الله تعالى وجهه في القول، فقال: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونقري الحجيج ونفك العاني فنزلت: وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نحوه. {أُوْلَـٰئِكَ} أي المشركون المذكورون {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ} التي يفتخرون بها بما قارنها من الكفر فصارت كلا شيء {وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ} لعظم ما ارتكبوه، وإيراد الجملة اسمية للمبالغة في الخلود، والظرف متعلق بالخبر قدم عليه للاهتمام به ومراعاة للفاصلة. وهذه الجملة قيل: عطف على جملة {حَبِطَتْ} على أنها خبر آخر لأولئك، وقيل: هي مستأنفة كجملة {أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ} وفائدتهما تقرير النفي السابق الأولى من جهة نفي استتباع الثواب والثانية من جهة نفي استدفاع العذاب.

ابن عاشور

تفسير : هذا ابتداء غرض من أغراض معاملة المشركين، وهو منع المشركين من دخول المسجد الحرام في العام القابل، وهو مرتبط بما تضمّنته البراءة في قوله: {أية : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين}تفسير : [التوبة: 1] ولِمَا اتّصَل بتلك الآية من بيان النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسل به مع أبي بكر الصديق: أنْ لا يَحُج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عُريان. وهو توطئة لقوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}تفسير : [التوبة: 28]. وتركيب (ما كان لهم أن يفعلوا) يدلّ على أنّهم بُعداء من ذلك، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة }تفسير : في سورة آل عمران (79)، أي ليسوا بأهل لأن يعمروا مساجد الله بما تعمر به من العبادات. و{مَساجد الله} مواضع عبادته بالسجود والركوع: المراد المسجدُ الحرام وما يتبعه من المسعى، وعرفةُ، والمشعرُ الحرام، والجَمَرات، والمَنْحر من منى. وعمْر المساجد: العبادةُ فيها لأنّها إنّما وضعت للعبادة، فعَمْرها بمن يحلّ فيها من المتعبّدين، ومن ذلك اشتقّت العُمرة، والمعنى: ما يحقّ للمشركين أن يعبدوا الله في مساجد الله. وإناطة هذا النفي بهم بوصف كونهم مشركين: إيماء إلى أنّ الشرك موجب لحرمانهم من عمارة مساجد الله. وقد جاء الحال في قوله: {شاهدين على أنفسهم بالكفر} مبيِّناً لسبب براءتهم من أن يعمروا مساجد الله، وهو حال من ضمير {يعمروا} فبين عامل الضمير وهو {يعمروا} الداخلُ في حكم الانتفاء، أي: انتفى تأهّلهم لأن يعمروا مساجد الله بحال شهادتهم على أنفسهم بالكفر، فكان لهذه الحال مزيد اختصاص بهذا الحرمان الخاص من عمارة مساجد الله، وهو الحرمان الذي لا استحقاق بعده. والمراد بالكفر: الكفر بالله، أي بوحدانيته، فالكفر مرادف للشرك، فالكفر في حدّ ذاته موجب للحرمان من عمارة أصحابِه مساجد الله، لأنّها مساجد الله فلا حقّ لغير الله فيها، ثم هي قد أقيمت لعبادة الله لا لغيره، وأقام إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ أوّل مسجد وهو الكعبة عنواناً على التوحيد، وإعلاناً به، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً}تفسير : في سورة آل عمران (96)، فهذه أوّل درجة من الحرمان. ثم كونُ كفرهم حاصلاً باعترافهم به موجبٌ لانتفاء أقلّ حظ من هذه العمارة، وللبراءة من استحقاقها، وهذه درجة ثانية من الحرمان. وشهادتهم على أنفسهم بالكفر حاصلة في كثير من أقوالهم وأعمالهم، بحيث لا يستطيعون إنكار ذلك، مثل قولهم في التلبية لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، ومثل سجودهم للأصنام، وطوافهم بها، ووضعهم إيّاها في جوف الكعبة وحولَها وعلى سطحها. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: بإفراد {مسجد الله} أي المسجد الحرام وهو المقصود، أو التعريف بالإضافة للجنس. وقرأ الباقون: {مسَاجد الله}، فيعمّ المسجد الحرام وما عددناه معه آنفاً. وجملة {أولئك حبطت أعمالهم} ابتداءُ ذم لهم، وجيء باسم الإشارة لأنّهم قد تميّزوا بوصف الشهادة على أنفسهم بالكفر كما في قوله: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5] بعد قوله: {أية : هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2] الآية. و{حبطت} بطلت، وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة}تفسير : في سورة البقرة (217). وتقديم {في النار} على {خالدون} للرعاية على الفاصلة ويحصل منه تعجيل المساءة للكفار إذا سمعوه.

الواحدي

تفسير : {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} نزلت في العباس بن عبد المطلب حين عُيِّر لمَّا أُسر، فقال: إنَّا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحاجَّ، فردَّ الله ذلك عليه بقوله: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} بدخوله والتعوُّذ فيه؛ لأنَّهم ممنوعون عن ذلك {شاهدين على أنفسهم بالكفر} بسجودهم للأصنام واتِّخاذها آلهة. {أولٰئك حبطت أعمالهم} لأنَّ كفرهم أذهب ثوابها. {إنما يعمر مساجد الله} بزيارتها والقعود فيها {مَنْ آمن بالله وباليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة} والمعنى: إنَّ مَنْ كان بهذه الصِّفة فهو من أهل عمارة المسجد {ولم يخش} في باب الدِّين {إلاَّ الله فعسى أولئك} أَيْ: فأولئك هم المهتدون والمتمسكون بطاعة الله التي تؤدِّي إلى الجنَّة. {أجعلتم سقاية الحاج} قال المشركون: عمارة بيت الله، وقيامٌ على السِّقاية خيرٌ من الإِيمان والجهاد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وسقاية الحاج: سقيهم الشَّراب في الموسم، وقوله: {وعمارة المسجد الحرام} يريد: تجميره وتخليقه {كمَنْ آمن} أَيْ: كإيمان من آمن {بالله}؟ {لا يستوون عند الله} في الفضل {والله لا يهدي القوم الظالمين} يعني: الذين زعموا أنَّهم أهل العمارة سمَّاهم ظالمين بشركهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ما كان للمشركين: أي ليس من شأنهم أو مما يتأتى لهم. حبطت أعمالهم: أي بطلت فلا يثابون عليها ولا ينجحون فيها. يعمروا مساجد الله: أي بالعبادة فيها، وصيانتها وتطهيرها. ولم يخش إلا الله: أي لم يخف أحداً غير الله تعالى. فعسى: عسى من الله تعالى كما هي هنا تفيد التحقيق أي هدايتهم محققة. المهتدين: أي إلى سبيل النجاة من الخسران والظفر بالجنان. معنى الآيتين: لا شك أن هناك من المشركين من ادعى أنه يعمر المسجد الحرام بالسدانة والحجابة والسقاية وسواء كان المدعى هذا العباس يوم بدر أو كان غيره فإن الله تعالى أبطل هذا الادعاء وقال {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ} أي لا ينبغي لهم ذلك ولا يصح منهم، وكيف وهم كفار شاهدون على أنفسهم بالكفر، وهل الكافر بالله يعمر بيته وبماذا يعمره؟ وإذا سألت اليهودي ما أنت؟ يقول يهودي، وإذا سألت النصراني، ما أنت؟ يقول نصراني، وإذا سألت الوثني ما أنت؟ يقول مشرك فهذه شهادتهم على أنفسهم بالكفر، وقوله تعالى {أُوْلَئِكَ} أي البعداء في الكفر والضلال {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي بطلت وضاعت لفقدها الإِخلاص فيها لله تعالى {وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} لا يخرجون منها متى دخولها أبداً، إذ ليس لهم من العمل ما يشفع لهم بالخروج منها. ثم قرر تعالى الحقيقة وهي أن الذين يعمرون مساجد الله حقاً وصدقاً هم المؤمنون الموحدون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويخشون الله تعالى ولا يخشون سواه هؤلاء هم الجديرون بعمارة المساجد بالصلاة والذكر والتعلم للعلم الشرعي فيها زيادة على بنائها وتطهيرها وصيانتها هؤلاء جديرون بالهداية لكل كمال وخير يشهد لهذا قوله تعالى {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} إلى ما هو الحق والصواب، وإلى سبيل النجاة من النار والفوز بالجنة. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- حرمة دخول الكافر المساجد إلا لحاجة وبإذن من المسلمين. 2- فضيلة عمارة المساجد بالعبادة فيها وتطهيرها وصيانتها. 3- فضيلة المسلم وشرفه، إذ كل من يسأل عن دينه يجيب بجواب هو الكفر إلا المسلم فإنه يقول: مسلم أي لله تعالى فهو إذاً المؤمن وغيره الكافر. 4- وجوب الإِيمان بالله واليوم الآخر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والخشية من الله تعالى. 5- أهل الأمن والنجاة من النار هم أصحاب الصفات الأربع المذكورة في الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {مَسَاجِدَ} {شَاهِدِينَ} {أوْلَئِكَ} {أَعْمَالُهُمْ} {خَالِدُونَ} (17) - لاَ يَنْبَغِي لِلمُشْرِكِينَ بِاللهِ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ التِّي بُنِيَتْ عَلَى اسْمِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ - وَمِنْهَا المَسْجِدُ الحَرَامُ -، بِالإِقَامَةِ فِيهَا لِلْعِبَادَةِ، أوْ لِلْخِدْمَةِ أوْ لِلْوِلايَةِ عَلَيْهَا، وَلا أنْ يَزُورُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ حُجَّاجاً وَمُعْتَمِرينَ، وَقَدْ شَهِدوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، قَوْلاً وَعَمَلاً، بِعِبَادَتِهِم الأصْنَامَ، والاسْتِشْفَاع بِهَا، وَالسُّجُودِ لِمَا وَضَعُوهُ مِنْهَا فِي الكَعْبَةِ عَقِبَ كُلِّ شَوْطٍ مِنْ طَوَافِهِمْ، إذْ أنَّ عَمَلهُمْ هَذا يُعْتَبَرُ جَمْعاً لِلنَّقِيضَينِ، فَإنَّ عِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ الحِسِّيَّةِ إنَّما تَكُونُ بِعِمَارَتِهِ المَعْنَوِيَّةِ بِالعِبَادَةِ للهِ وَحْدَهُ، وَذَلِكَ لا يَقَعُ إلا مِنَ المُؤْمِنِ المُوَحِّدِ. أمَّا المُشْرِكُونَ فَإنهُمْ يُشْرِكُونَ بِالعِبَادَةِ مَعَ الله غَيْرَهُ، وَيُسَاوُونَ اللهَ بِبَعْضِ خَلْقِهِ فِي العِبَادَةِ، وَهؤلاءِ المُشْرِكُونَ بِاللهِ، وَالكَافِرُونَ بِهِ، هَلَكَتْ أعمالُهُمْ التِي يَفْخَرُونَ بها: مِنْ عِمَارَةِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَسِقايَةِ الحُجَّاجِ، وَقِرَى الضَّيفِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، ... بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ، وَسَيَكُونُونَ فِي جَهَنّمَ خَالِدِينَ أبَداً. حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ - هَلَكَتْ وَبَطَلَتْ وَذَهَبَ ثَوَابُهَا لِكُفْرِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكأن هذه الآية قد جاءت حيثية للبراءة التي حَمَّلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ليعلنها يوم الحج الأكبر؛ لأن البراءة هي القطيعة، ومعناها ألاَّ يدخل المسجد مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فكأن البراءة من الله عز وجل ورسوله من المشركين مَنْعٌ لهم من دخول المسجد الحرام، وكان عدد من المشركين قد جعلوا من المسجد الحرام منتدى لهم، وكانوا يجلسون فيه للتسامر والتجارة ولغير ذلك، كما كانوا يقومون بسقي الحجيج من شراب الزبيب الذي لم يختمر؛ ومعهم حجاب البيت، ويطعمون زوار بيت الله الحرام. كل ذلك كان يحدث في مكة من الكفار ولكن هذا انتهى بالبراءة التي أعلنها علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الذي أوحى إليه ربه بأن يفعل ذلك، ولم يعد للمشركين حق في {أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله}. والعبارة لها معنيان؛ المعنى الأول هو الجلوس في هذه المساجد بحيث تكون عامرة بزوارها، والمعنى الثاني هو المحافظة على بناية المسجد ونظافته وإصلاحه. وقد منع الله المشركين من كلا النوعين من العمارة. والكلام هنا عن المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}تفسير : [التوبة: 28]. نقول: إنَّ المسجد الحرام هو مكان تتجه إليه كل اتجاهات الناس في كل بقاع الأرض حين يقيمون الصلاة لأن كل مكان يسجد فيه إنسان مسلم يسمى مسجدا، وبتعدد الساجدين، يعتبر المسجد الحرام مساجد، أو لأن جهات السجود تتعدى في المسجد الحرام؛ فواحد يسجد شمال الكعبة، وآخر جنوب الكعبة وثالث شرق الكعبة، ورابع غرب الكعبة؛ هذا في الجهات الأصلية، وهناك الجهات الفرعية؛ فهناك أناس يتجهون شمال شرق، وأناس يتجهون جنوب شرق، وغيرهم يتجه جنوب غرب، وتتعدد الجهات الفرعية في الاتجاه إلى الكعبة؛ إذن فكل جهة متجهة هي مسجد وهناك ممن لا يرون الكعبة في بقاع الأرض يتجهون إليها. وحين تسمع قول الحق سبحانه وتعالى يقول: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [التوبة: 17]. نلحظ أنَّ "كان" هنا جاءت منفية ومنها نفهم المعنى: ليس مقبولا في عرف العقل أو المنطق أو الدين أن يقرب الكفار المسجد، ولا أن يرعى مشرك المسجد أو يصونه؛ لأن المسجد للعبادة، والعبادة تقتضي معبودا هو الله سبحانه وتعالى، والكفار يشركون بالله، فمن المنطق - إذن - ألا يكون لهم دخل بالمساجد، إذن فمنعهم من المسجد إقامة وعمارة وزيارة هو شيء منطقي بشهادتهم على أنفسهم بالكفر، وهي سبب منعهم من الاقتراب من مساجد الله. والشهادة إما أن تكون شهادة قول؛ وإما أن تكون شهادة حال، أما شهادة القول فذلك لأنهم كانوا يقولون لليهودي: على أي دين أنت؟ فيرد بديانته، وكذلك القول للنصراني، وحين يسأل المشرك؛ فهو يقر بشركه، هذه هي شهادة القول. أما شهادة الحال فهي أنهم يسجدون للأصنام ويعبدونها من دون الله. فكيف يكون الإنسان مشركا ثم لا نقول له: ليس لك علاقة بالمسجد؛ ارفع يدك عنه؟ وما أغنى الإسلام عن أن يبني له مشرك مسجدا أو يعمر كافر بيتا من بيوت الله وما أغنى الله أن يزوره في بيته من هو غير مؤمن به سبحانه. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة: 17]. وهم قد نسوا الشهادة الأولى بالحق حينما أشهدهم الله سبحانه وتعالى على أنفسهم، فالحق سبحانه هو القائل: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 172-173]. هم إذن قد أقروا لحظة الخلق الأولى بوحدانية الله وعاهدوا الله تعالى على ذلك، لكنهم كفروا بتلك الشهادة وأشركوا به سبحانه ووضعوا في بيت الله الحرام أصناما. وادعوا الكذب وقالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3]. وهذا هو الإشراك بعينه، وهذه هي شهادتهم على أنفسهم بالكفر. {أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة: 17]. والمسجد - كما نعلم - هو المكان الذي نسجد فيه، وكل بقعة في الأرض بالنسبة للمسلمين تصلح للسجود وتعتبر مسجدا، وهذا مما خص به الله تعالى أمة الإسلام، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فَلْيُصَل، وأُحلَّتْ لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ". تفسير : فهذا الحديث يبين أن مما خص الله به الأمة المحمدية أن جعل لها كل بقاع الأرض صالحة لأداء الصلاة فيها، كما جعل لها الأرض أيضا طهوراً، ويكفي المسلم أن يتيمم من الأرض ويصلي عليها، ولكنْ هناك فارق بين مكان يصلح لك أن تصلي فيه، وأن تباشر نشاط حياتك، وبين مكان مخصص للعبادة، فالحق الذي تزرع فيه، لك أن تصلي فيه وتزرع، والمصنع لك أن تصلي فيه، ولك أن تصنع، وكذلك المدرسة لك أن تتعلم فيها، ولك أن تصلي فيها، وهذه كلها مساجد بالمعنى العام، وهي أماكن سجود لله تعالى، لكن كلمة "مسجد" إذا أطلقت انصرفت إلى الحيز المحدود من المكان الذي أخرج من نشاطات الحياة كلها، وخُصّ بأن يكون للصلاة والسجود فقط، فإذا حيزت مكاناً بخط أبيض من الجير، أو حيزته بسلك وقلت: هذا مسجد، فلا يزاول فيه نشاط إلاَّ الصلاة، هذا هو المسجد الاصطلاحي الشرعي. وكل بيت لله بنيته في أي مكان يسمى مسجدا، وقبلة المساجد المنتشرة في بقاع الأرض هي المسجد الحرام؛ فهي أماكن حيزت للمسجدية، أو للعبادة، أو للصلاة وليست لغير ذلك من حركات الحياة، ولكن تحييز المكان كان باختيار البشر. وقبلته المسجد الحرام وهو المسجد الجامع الأكبر باختيار الله تعالى، والحق سبحانه وتعالى هو القائل: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 96]. ولأن هذا البيت الحرام هو باختيار الله، وموضوع للناس. فلنا أن نسأل: هل الناس هم الذين وضعوه؟ لا، بل وضعه غير الناس، لأن تعريف الناس هم آدم وذريته، ولا بد إذن أنه موضوع قبل آدم، وبمنطق القرآن الكريم وجد البيت من قبل آدم، وإذا تعمقنا قليلا، نجد أن هذا البيت الحرام هو {هُدًى لِّلْعَالَمِينَ} ومن العالمين الملائكة. وهكذا نرى أن قول بعض القوم: إن إبراهيم هو الذي حدد مكان وقواعد البيت، قول لا يثبت صدقه، لأن البيت هو المكان لا المكين، فالبيت ليس هو الحجر أو المبنى، وهو ما نسميه الكعبة، فالكعبة هي "المكين" أما البيت فهو المكان الذي أقيمت فيه الكعبة؛ لأنه إن جاء سيل وأزال الكعبة، جعلها أرضاً مسطحة فأين نصلي؟ نصلي إلى اتجاه المكان، فالسيل يُذْهِبُ المكين لكن المكان باق. وعندما جاء سيدنا إبراهيم عليه السلام كان أثر البيت ضائعا، وأمره ربنا أن يرفع البيت، ولم يقل له: حدد المكان، بل أمره أن يبني البعد الثالث؛ لأن كل حيز له بعدان؛ الطول والعرض، وإن كان دائرة فله المحيط، وإن كان مثلثا يكون من ثلاثة أضلاع. لكن الارتفاع يدخل بالشيء إلى الحجم، وقد رفع الخليل إبراهيم القواعد من البيت. بعد أن حدد المولى سبحانه وتعالى له المكان وأظهره له: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [البقرة: 127]. فكأن البيت مخصص قبل الرفع، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن مجيء هاجر وابنها إسماعيل الرضيع، وإسكان إبراهيم عليه السلام لهما في هذا المكان قال: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} تفسير : [إبراهيم: 37]. وقد رفع إبراهيم عليه السلام القواعد وساعده ابنه إسماعيل بعد أن كبر واشتد عوده، ولكن ساعة أن أسكنه وأمه بجانب البيت كان طفلا صغيرا. إذن فالبيتية والمكانية موجودة، ولكن إبراهيم أقام المكين وهو البعد الثالث أي الارتفاع. ويقول الحق سبحانه وتعالى أيضا: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [الحج: 26]. أي أظهرنا وحددنا المكان، وهو الذي سيبني فيه سيدنا إبراهيم بالأحجار ليبرز البيت، فالبيت - إذن - كان موجوداً من قبل. ونلحظ أن المساجد المنتشرة في الأرض لا بد أن يكون لها متجه واحد، لإله واحد، وحدد الحق هذا المكان بالقبلة إلى الكعبة. وبعض المتحللين يحاول أن يقلب الفهم في قول الحق: {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 115]. يقولون: إننا إن اتجهنا إلى أي مكان سنجد وجه الله تعالى، ونقول: الصحيح أن وجه الله عز وجل في كل الوجود، ولكن إياك أن تفهم أن تحديد الله للكعبة لتكون متجهنا، أنها هي وجه الله، لا، لكننا مأمورون بالاتجاه لها في الصلاة. وأنت إذا نظرت أيضا إلى المسلمين في كل الدنيا سوف تجد أن كل مسلم في الأرض يتجه للكعبة في صلاته، وما دامت الكعبة مركزا، وكلنا نتجه إليه؛ فسوف تجد من يتجه وهو شرقه، وواحد يتجه وهو غربه، وواحد يتجه وهو شماله، وواحد يتجه وهو جنوبه. إذن {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}، وما دمنا قد عرفنا أن المساجد محيزة ومخصصة للعبادة؛ فلا يجوز أن يأتي إليها مشرك، ولا نقبل أن يساهم في إصلاحها ولا نظافتها مشرك؛ لأن الله غني عن ذلك، وعلينا أيضا ألا نناقش أمورنا الدنيوية في مسجد، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يأتي على الناس زمان يتحلقون في مساجدهم وليس همتهم إلا الدنيا، ليس لله فيهم حاجة فلا تجالسوهم " تفسير : كأنه لم يكفهم حب الدنيا خارج المسجد ويطمعون في الدقائق التي يخصصونها للصلاة، فيجرجرون الدنيا معهم إلى المسجد، وأقول لهم: لماذا لا تتركون مصالح الدنيا في تلك الدقائق؟ إن الواحد منكم إنما يحيا في سائر الدنيا في نعمة الله. إذن فليجعل نصيبا من وقته لله صاحب النعمة. إذن لا بد أن نعرف أننا ما دمنا قد خصصنا مكانا لعبادة الله، فلا بد أن نصحب هذا التخصيص في المكانية إلى التخصيص في المهمة التي يدخل الإنسان من أجلها للمسجد، فيتجه إلى الله؛ لأن المسجد خاص لعبادة الله؛ ومع أن الأرض كلها تصلح للصلاة، لكنك حين تأتي إلى المسجد اصحب معك أخلاق التعبد. ويجب أن يكون الانفعال، والتفاعل، والحركة والنشاط كله في الله، ولذلك فأفضل ما تفعله ساعة تدخل المسجد، هو أن تنوي الاعتكاف فتنزع نفسك ممن ينوي أن يتكلم معك في أحوال الدنيا. لقد ورد الأثر النهي عن الحديث في المساجد لأنه يحبط العمل ويمحو الحسنات، وأنت قد تصنع الحسنات كثيرا خارج المسجد، ولكن عليك ألا تدخل المسجد إلا بأدب المسجد؛ فالحضور بين يدي الله تعالى في مسجده وفي بيته له آدابه وسلوكه، فيجب عليك ألاَّ تتخطى الرقاب وهذه لا تحتاج إلى تنظيم، بمعنى ألا تجعل الأماكن في الأمام خالية، وفي الخلف مزدحمة؛ حتى يستطيع أن يجلس كل من يحب أن يصلي دون أن يتخطى الرقاب، ويكون الجلوس في المساجد، الأول فالأول، وهكذا يتحقق الأدب الإيماني في المساجد. ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بالبوار على كل صفقة تعقد في المسجد. ودعا على كل من يريد شيئاً دنيوياً من السجد ألا يوفقه الله فيه، ودعا على كل من ينشد ضالة في المسجد ألا يرد الله عليه ضالته، حيث قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: "حديث : إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد ضالته فقولوا: لا ردها الله عليك"تفسير : وفي حديث آخر له رضي الله عنه قال: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من سمع رجلا ينشد ضالته في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا ". تفسير : فلنجعل الجلوس في المسجد - إذن - خاصا بالمنعم وهو الله، أما في خارج المسجد وفي سائر الأوقات، فنحن نعيش مع النعمة التي أنعم الله بها علينا. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ} تفسير : [آل عمران: 96-97]. وما دام بيت الله تعالى {هُدًى لِّلْعَالَمِينَ} أي أنه بيت لكل الناس وليس لمن يجلس فيه فقط، فكأن إشراقات الحق وتجلياته، أعظم ما تكون في بيته أولا، ثم تشيع الإشراقات والتجليات في جميع بيوت الله، وعلى عمارها والمتعبدين فيها، وبيوت الله هي الأماكن التي تتنزل فيها الرحمات من الحق سبحانه وتعالى، بدليل أنه سبحانه وتعالى حين تكلم عن نوره في سورة النور قال: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ}تفسير : [النور: 36]. أي أن الذين يرون هذا النور ويتنزل عليهم هم عمار المساجد، وسورة النور جاء فيها - أيضاً - قول الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [النور: 35]. أي: أن نوره يملأ السماوات والأرض. حين يضرب الحق سبحانه وتعالى مثلا للمعنويات ليتعرف إليها الناس فهو يقدم لها بأمر مادي يتفق عليه الكل، ليقرب الأمر المعنوي أو الغيبي إلى أذهان الناس؛ لأن المعنويات والغيبيات يصعب إدراكها على العباد. فلذلك فهو سبحانه وتعالى يقرب هذا الأمر ويبينه بأن يضرب لنا مثلا من الأمور المادية؛ حتى تقترب الصورة من الأذهان؛ لأننا جميعا نرى الماديات. وبهذا يلحق سبحانه الأمر المعنوي وهو غير معلوم لنا بالأمر المادي الذي نعرفه؛ فتقترب الصورة من أذهاننا وتتضح لنا، وهكذا شاء الحق سبحانه وتعالى أن يلحق المجهول بالنسبة للناس بالمعلوم عندهم. وإذا كنا في كون الله تعالى نجد النهار إنما يكون نهارا بإشراق الشمس الواحدة التي تنير نصف الكرة الأرضية، ثم تنير النصف الثاني من بعد غروبها عن النصف الأول، فيتميز النهار بالضوء، ويتميز الليل بالظلمة، ومعنى النور في الحسيات أنه شعاع يجعل الإنسان يرى ما حوله؛ حتى يستطيع أن يتحرك في الحياة دون أن يصطدم بالأشياء المحيطة به. ولكن إن كانت الدنيا ظلاما فسيصطدم الإنسان بما حوله، وأمر من اثنين: إما أن يكون الإنسان أقوى من الشيء الذي اصطدم به فيحطمه، وإما أن يكون هذا الشيء أقوى من الإنسان فيصاب الإنسان إصابة تتناسب مع قوة الشيء الذي اصطدم به. والذي يحميك من أن تحطم أو تتحطم هو النور الذي تسير على هداه. إذن فساعة أن يأتي النور، تتضح أمامك معالم الدنيا، وتكون خطاك على بينة من الأمر؛ فلا ترتطم بما هو أضعف منك فتحطمه، ولا يرتطم بك ما هو أقوى منك فيحطمك، هذا هو النور الحسي، وأكبر ما فيه نور الشمس الذي يستفيد منه كل الخلق، المؤمن والعاصي، والكافر والمشرك، والمسخر من حيوان أو نبات أو جماد، وهذا النور نعمة عامة خلقها الله سبحانه وتعالى بقانون الربوبية الذي يعطي النعم لجميع خلقه في الدنيا سواء من آمنوا أم لم يؤمنوا. فإذا غابت الشمس نجد كل واحد منا يستعين بنور يعطيه الضوء في حيز محدود وعلى قدر إمكاناته؛ فواحد يوقد شمعة، وواحد يأتي بمصباح "جاز" صغير، وواحد يستخدم الكهرباء فيأتي بمصبح "نيون"، وواحد يأتي بالعديد من مصابيح الكهرباء ليملأ المكان بالنور، كل على قدر إمكاناته، فإذا طلعت شمس الله فهل يبقى أحد على مصباحه مضاء؟ إن الجميع يطفئون مصابيحهم لأن شمس الله قد سطعت تنير للجميع، ذلك هو النور الحسي. والفرق بين نور بقدرات الإنسان ونور من خلق الله يتمثل في أن النور الذي من خلق الله يطفىء المصابيح كلها لأنه يغمر الجميع. وفي المعنويات نور أيضا فالنور المعنوي يهديك إلى القيم حتى لا ترتطم بالمعنويات السافلة التي قد تقابلك في مسيرة الحياة، إذن فكل ما يهدي إلى طريق الله يسمى نورا. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [المائدة: 15]. إنه نور المنهج الذي ينير لنا المعنويات، وينير لنا القيم؛ فلا يحقد أحدنا على الآخر، ولا يحسد أحدنا الآخر، ولا يرتشي أحد. ويرعى كل منا حقوق غيره. وإذا كانت التجربة قد أثبتت أن نورا من خلق الله وهو الشمس، إذا سطعت فالجميع يطفئون مصابيحهم. فكذلك إذا ما جاء نور الهداية من الله سبحانه وتعالى فيجب أن تطفأ بقية الأنوار من مقترحات أفكار البشر، فلا يأتي أحد بفكر رأسمالي، أو يأتي آخر بفكر شيوعي، أو ثالث بفكر وجودي، لأن كل هذه القيم تمثل أهواء متنوعة من البشر، وتعمل لحساب أصحابها، أما منهج الله تعالى فهو لصالح صنعة الله وهم البشر جميعا، فلا يحاول أحد أن يضع قيما للحياة تخالف منهج الله؛ لأنَّ الله قد بيَّنَ لنا منهج العبادة ومنهج القيم، لذلك لا يصح أن يأتي إنسان بشرع يخالف تعاليم الله. ونقول لأصحاب الهوى في المذاهب والعقائد المخالفة لمنهج الله جميعا: لماذا لا تقيسون الأمور المادية على الأمور المعنوية؟ لماذا إذا سطعت شمس الله تطفئون مصابيحكم، ولا يحاول أحد أن يوقد مصباحا ليهديه في نور الشمس؟. إذن. فما دام سبحانه وتعالى قد أنزل نور الهدى منه فلا بد أن نطفىء جميعا مصابيح الأفكار القائمة على الهوى، ونأخذ النور كله من منهج الله القويم والصالح لكل زمان ومكان، كما نأخذ النور في النهار من شمس الله. وعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالى قد أعطانا التجربة الحسية التي لا يختلف فيها اثنان، إلا أننا رفضنا أن نطبق هذا على منهج الله؛ وهو النور الذي أهداه لنا سبحانه وتعالى ليبين لنا الطريق، وأبى بعضنا إلا أن يأخذ من ظلمات العقل البشري المحدود ما يعطيه طريقاً معوجاً في الحياة، فامتلأت الدنيا بالشقاء والفساد، ونسينا أن السبب في ذلك أننا تركنا نور منهج الله عز وجل الذي يعطينا الحياة الآمنة الطيبة، ووضعنا لأنفسنا مناهج سببت التعاسة والفساد في الكون. ويقرب لنا الحق سبحانه وتعالى الأمر في مثل مادي عن معنى نور الله فيقول سبحانه وتعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النور: 35]. أي: أن نوره سبحانه وتعالى يملأ السمٰوات والأرض، وأنه يحيط بكل جوانب الحياة على الأرض فلا يترك جانبا منها مظلما، وقال جل جلاله: {أية : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ}تفسير : [النور: 35]. والمشكاة هي "الطاقة المسدودة بالحائط"، وهي عبارة عن مكعب مفرغ في البناء داخل حجرة وكان أهل الريف يضعون فيها المصابيح لتنير، واستبدله أهل الريف والبادية حاليا بـ"رف" صغير يوضع عليه المصباح، ودائرة صغيرة يخرج منها النور، ولأن ضوء المصباح مركز في هذه الفتحة، فهي تمتلىء بالنور الذي بدوره يشع في الحجرة. وحيز المشكاة بالنسبة للحجرة التي توجد فيها قليل وصغير، والنور الذي يخرج منها، هو نور مركز يملأ الدائرة التي يخرج منها فلا يوجد فيها "ملليمتر" واحد مظلم، بل كلها نور، وإلا ما استطاع ضوءها أن ينير الحجرة. لأن هذا النور قبل أن يضيء الحجرة؛ لا بد أن يكون مركزا بأعلى درجة من التركيز في الدائرة التي يخرج منها. إذن فنور الله سبحانه وتعالى في السمٰوات والأرض نور شامل عام لا يدع مكاناً مظلماً. ولا مكاناً يختفي فيه شيء بسبب الظلام، تماما كمثل تلك الدائرة الصغيرة التي يشع منها نور المصباح فلا تجد فيها ملليمترا واحدا من الظلام، وقد سمي ما يعطي النور مصباحا؛ لأنه يعطينا بشائر الصبح. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ}تفسير : [النور: 35]. ونحن إذا أردنا أن نكثف النور فإننا نحيطه بالزجاج، ليحجب عنه الهواء الذي قد يؤثر على النور ويمنع تركيزه، والزجاجة التي تحيط بالمشكاة عاكسة للنور، وهذا كله يعطينا معنى للتكثيف والتركيز داخل المشكاة. ثم ينتقل المثل من بعد ذلك إلى الحجرة، فيقول الحق: {أية : ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ}تفسير : [النور: 35]. أي: أن الزجاجة ليست عادية، ولكنها مضيئة بنفسها لتزيد النور نوراً. ومن أي شيء يوقد هذا المصباح؟ يجيب الحق سبحانه وتعالى: {أية : مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ}تفسير : [النور: 35]. أي: أن الشجرة المباركة ليست زيتونة فقط؛ ولكنها {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} أي أن النور يخرج منها غير متأثر بمزاج حار أو بارد بل يخرج منها النور الصافي في مزاج معتدل، وقد أطلقت كلمة "النور الصافي" على آخر مرحلة من مراحل الترقي في الضوء. ومراحل الترقي بدأت من مشكاة ضيقة فيها مصباح غير عادي، والمصباح في زجاجة غير عادية بل تكثف الضوء، فتظهر وكأنها كوكب دري مضيء بذاته، والزيت الذي يضيء يخرج من زيتونة مباركة، بأعلى درجات النقاء. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}تفسير : [النور: 35]. أي: أن كل شيء مضيء بذاته، ويضيف من قوة الضوء للنور، فالدائرة الصغيرة مضيئة؛ يزيد نورها زجاجة تكثف النور، والزجاجة ذاتها مضيئة فتعطي إضافة، والزيت مبارك ليست فيه أية شوائب فيعطي ضوءا ساطعا، وفوق ذلك كله تجد الزيت مضيئاً بذاته، دون أن تمسه النار، فكأنه نور على نور، فلا يصبح في هذه الدائرة الصغيرة أي نقطة مظلمة، كذلك تنوير الله لكونه المتسع فلا توجد فيه نقطة واحدة مظلمة، بل كله مغمور بنور الله، وإياك أن تظن أن هذا القول: {ٱللَّهُ نُورُ} هو تشبيه لله، بل هو تشبيه لتنوير الله سبحانه وتعالى لكونه الذي يشمل السمٰوات والأرض وما بينهما. وهناك قصة مشهورة للشاعر أبي تمام حين كان يمتدح أحد الخلفاء فقال: شعر : إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس تفسير : وهكذا جاء الشاعر بأولئك الذين اشتهروا بالإقدام والشجاعة كعمرو، وبالسماحة والكرم كحاتم، وبالحلم كأحنف بن قيس، وبالذكاء كإياس، وقال الشاعر ممتدحا الخليفة: إنك قد جمعت كل هذه الصفات، التي لم تجمع في واحد من خلق الله من قبل. ولكن أحد المحيطين بالخليفة قال: كيف تمدح الأمير بصفات موجودة في رعاياه، والأمير فوق كل ما وصفت، فهو أشجع من عمرو، وأكرم من حاتم، وأحلم من أحنف، وأذكى من إياس. وأعطى الله الشاعر بصيرة ليرد على ارتجال ويقول: شعر : لا تنكروا ضربي له من دونه مثلا شرودا في الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلا من المشكاة والنبراس تفسير : أي: أن الشاعر قال مثلا فقط وليس تحديدا. والحق سبحانه وتعالى قال: {أية : يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}تفسير : [النور: 35]. وقال سبحانه وتعالى: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} تفسير : [النور: 35]. أي أن كل شيء مضيء بذاته ليضيف نورا على النور الموجودة، فكما أن الماديات تحتاج إلى نور يضيء لك الطريق، كذلك تحتاج المعنويات إلى نور يضيء لك البصيرة والسلوك، فخذ منهج الله تعالى لأنه النور الساطع الذي لا يمكن أن يضيء مثله ولا معه نور آخر، وإذا أردنا أن نقرب الصورة إلى الأذهان، فالله سبحانه وتعالى قال للقوم الذين يستمعون إلى دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} تفسير : [الأنفال: 24]. والذين يخاطبهم الله سبحانه وتعالى بهذا الكلام أحياء، فكيف يقول لهم: {لِمَا يُحْيِيكُمْ}؟. نقول: إنه سبحانه وتعالى يريدنا أن نفرق بين حياة وحياة. فالحياة المادية المتمثلة في الحس والحركة والجري، هي الحياة الدنيا بأجلها المحدود، وإمكاناتها البسيطة، ولأنها حياة أغيار؛ لا تبقى فيها النعمة ولا تدوم لأحد، بل كل إنسان فيها إما أن تفارقه النعمة بالزوال، وإما أن يفارقها هو بالموت، وهذه ليست هي الحياة التي يريد الله من الإنسان أن يعمل لها وحدها. أو يسعى ليتمسك بها. فبسببها يفعل كل ما يستطيع لكي يأخذ منها حلالا أو حراما، ولكن الحياة التي يطالب الله سبحانه وتعالى عباده أن يعملوا لها هي الحياة المستقيمة الحركة على منهج الله وتقود إلى حياة آخرة فيها نعيم لا يفارقك ولا تفارقه، وفيها أبدية تبقى ولا تنتهي، وفيها نعم عظيمة تأتي بقدرة الله تعالى، وليس بقدرة البشر المحدودة. إذن فقوله سبحانه وتعالى: {أية : ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}تفسير : [الأنفال: 24]. معناه أن الحياة حياتان؛ حياة تحرك هذه المادة؛ فتتحرك وتجري وتروح وتجيء، وهي تنصلح بالمنهج الذي يقود إلى حياة أخرى فوق الحياة الدنيا. إذن فالحياة الدنيا بما فيها من سعي وتعب وجهد وفناء ليست هي الغاية التي يجب أن يسعى إليها الإنسان، بل على الإنسان أن يسعى إلى الحياة الأرقى. وسبحانه لا يريدنا أن نأخذ المرحلة الأولى من الحياة التي تحرك المادة فتتحرك وتجري، بل يريد لنا حياة تقودنا بالقيم، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد قال عن الحياة التي تحرك المادة: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [ص: 72]. فهذه حياة المرحلة الأولى التي لا يريدنا الله سبحانه وتعالى أن نأخذها كغاية، ولكنه يريدنا أن نأخذها وسيلة لنصل بها إلى الحياة الراقية في كل صورها الخالدة بكل معانيها؛ المنعَّمة في كل درجاتها. وكما سمَّى الحق سبحانه وتعالى الروح التي تنفخ في المادة فتعطيها المرحلة الأولى من الحياة روحاً، فإنه كذلك سمَّى المنهج الذي يعطينا المرحلة الثانية من الحياة روحا، حيث يقول: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52]. هذه هي روح المنهج التي تعطينا المرحلة الثانية من الحياة. فإن أخذنا نور الهداية من الله سبحانه وتعالى فهو ينير لنا طريقنا في القيم والمعنويات، تماما كما تنير لنا شمس الله طريقنا في الحياة المادية. إذن فالحق لم يترككم للنور المادي ليحافظ على ماديتكم من أن تحطموا أو تتحطموا، وإنما أرسل إليكم نورا لتهتدوا به في مجال القيم. يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ}تفسير : [النور: 35]. ولم يقل سبحانه: "نور مع نور"؛ لأن الإنسان لا يُكَلَّفُ من الله إلا بعد أن يصل إلى سن البلوغ، فالنور المادي يراه ويستفيد به قبل التكليف، ثم يأتي النور المعنوي فيتلقاه من الكتاب الذي أنزل على رسول الله عندما يبلغ سن التكليف فيتعرف على منهج الله. {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [النور: 35]. فلا يحجب الحق سبحانه وتعالى نور الشمس عن أحد؛ لأنه نور لكل الخلق وكذلك أنزل سبحانه وتعالى نور الهداية ليختاره كل من التمس الطريق إلى الهداية، وهذا النور المعنوي يختلف عن النور المادي، فالحق لم يحرم - إذن - أحدا من النور المادي، وشاء أن يجعل النور المعنوي ضمن اختيارات الإنسان؛ إن شاء آمن واهتدى، وإن شاء ضل. وكل ذلك مجرد مثل من الأمثال التي يضربها الله تعالى للناس؛ قال عز وجل: {أية : وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} تفسير : [النور: 35]. وجاءت الآية التي بعدها لتوضح لنا أين ينزل نور الله على عباده؛ فقال سبحانه وتعالى: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} تفسير : [النور: 36]. وعندما تسمع جارا ومجرورا لا بد أن تبحث عن المتعلق بهما، فما الذي في بيوت الله؟ إنك حين تبحث عن إجابة لن تجدها إلا في قوله تعالى: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} تفسير : [النور: 35]. فكأن المساجد وهي بيوت الله هي أماكن تلقى النور المعنوي من عند الله سبحانه وتعالى، وهو النور الذي يعطينا ارتقاء الروح؛ لنصل إلى المرحلة الثانية من الحياة، تماما كما يحدث في الدنيا عندما تصاب آلة بعطب أو لا تؤدي مهمتها على الوجه الأكمل، فالذي يصلحها ويصونها لتؤدي مهمتها المطلوبة منها هو المهندس الذي صنعها. والله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان، فلا أحد يستطيع أن يدعي مهما اجترأ على الله سبحانه وتعالى أنه خلق نفسه أو خلق الناس. وهذه دعوى لم يدَّعِهَا أحد قط. وما دام الله عز وجل هو الذي خلق، إذن فهو سبحانه وتعالى الذي يضع المنهج الذي يصون حياة الناس ويجعلها تؤدي مهمتها كاملة. وما دام ربنا هو الذي يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، فكيف يأتي إنسان من البشر ليفتئت على الحق سبحانه وتعالى ويقول: إنه وضع منهجا لحياة البشر، ويعلم الإنسان ما يفسد حياته لا ما يصلحها. ونقول لكل من يفعل ذلك: لماذا تلجأ إلى من يصنع التليفزيون ليصلح لك الجهاز إن أصابه عطل، ولماذا لا تلجأ إلى صانعك الذي يصلح لك نفسك؟ إن تردد المسلم على بيت الله ليكون في حضرة ربه دائما هو إصلاح لما في النفس، فحين يقف المؤمن بين يدي الله ويصلي، يمتلىء بالرضا والتوازن النفسي؛ لأن الواحد منا لا يعرف ما الذي يصيب أي ملكة من ملكاته بالارتباك. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر يقوم إلى الصلاة، وما معنى حز به؟. أي: إن جاءه شيء أو أمر، وكان فوق طاقته. وفوق أسبابه، ولا يستطيع أن يفعل شيئا تجاهه، وتضيق عليه الأمور. فلماذا لا يتبع الواحد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأسوة حسنة، فإن قابل أمرا مكروها وشاقا يقول: إن لي ربا أذهب إلى بيته وأصلي فأقف في حضرته، فتحل أصعب وأعقد المشكلات. إذن فساعة يأتينا أمر شديد، لا بد أن نتجه إلى الله عز وجل. وأفضل مكان نلتجىء فيه إلى الله تعالى هو بيته. فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا كانت ليلة ريح شديدة كان مفزعه إلى المسجد حتى تسكن الريح، وإذا حدث في السماء حدث من خسوف شمس أو قمر كان مفزعه إلى الصلاة حتى تنجلي وبعض من الذين يحترفون الجدل واللجاجة يقول: ماذا سيفعل الله لي أو لذلك الذي يعاني من شيء فوق طاقته؟ لقد دخل المسجد وخرج كما هو؟ ونقول: هذا الظاهر من الأمر، ولكنك لا تعرف ماذا حدث في داخله، أنت تتحدث عن العالم المادي الذي فيه العلاجات المادية، ولكن الله سبحانه وتعالى يعالج داخل النفس دون أن تحس انت لن المساجد هي مطالع أنوار الله تعالى وهي التي يتنزل فيها النور على النور الذي يُصلح الحياة الدنيا ويرتقي بها؛ لأن أنوار الله تدخل القلوب فتجعلها تطمئن، وتدخل النفوس فتجعلها تحس بالرضا والأمن. إذن فالمساجد لها مهمة العيادة للطبيب الخالق الذي خلق هذه النفس ويعرف كيف يداويها، وليس للطبيب الدارس في كلية الطب الذي يعرف أشياء وتغيب عنه أشياء. ونحن في المساجد إنما نعيش في حضرة الحق تبارك وتعالى نتلقى منه التجليات والفيوضات التي تعالج نفوسنا أكثر مما يعالجها أبرع أطباء العالم، على أننا إذا دخلنا المسجد فلنعرف أن لهذا المكان قدسيته، ولا بد أن يحرص الإنسان على نظافته ومظهره، ولنرتد أحسن ثيابنا؛ لأن الله لا ينظر إلى نظافتنا أو أناقتنا، ولكن ليحرص كل منا ألا يتأفف منه من يصلي بجانبه؛ فمن يعمل في مصنع ويحضر إلى المسجد إلا بعد أن يغتسل؛ إن ملابسه شرف له في عمله، ولكن عليه أن يغيرها حين يذهب إلى المسجد، ومن يعمل في مكتب قد يكون الجو حارا أو امتلأ جسده بالعرق، وملابسه التي يوجد بها في وظيفته هي شرف له في عمله، ولكن عليه أن يغتسل، وأن تكون رائحته طيبة حين يدخل المسجد. ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكل ثوماً أو بصلاً أن يأتي المسجد حتى لا يتأذى أحد بالرائحة التي تصدر من فمه. وقال صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف الذي يرويه جابر رضي الله عنه: "حديث : من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا ". تفسير : وفي رواية لمسلم: "حديث : من أكل البصل والثوم والكرات فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم"تفسير : . ولذلك على المسلم أن يحرص أن تكون الإقامة في المسجد طيبة، لتكون الأفئدة منشرحة. ويجب أن نراعي جلال المسجد؛ لأننا نعرف أن الرحمات تتنزل على الصف الأول ثم الذي يليه، فلا يحاول واحد منا أن يحجز مكاناً بالصف الأول بأن يضع فيه سجادة خاصة أو كوفية، ثم يأتي أحيانا بعد إقامة الصلاة ويحاول اقتحام الصفوف ليصل إلى الصف الأول. وإياك أن تعتقد أن الصف الأول محجوز لشخص معين ولو أتى متأخرا، فكل إنسان يأتي للمسجد عليه أن يأخذ دوره، ويقعد في المكان الخالي. وإياك أن تعتقد أن الله سبحانه وتعالى لا يعرف الذين يتكوَّن منهم الصف الأول، إنهم هؤلاء الذين جاءوا للمسجد أولا. أما أن تحضر إلى المسجد وتحجز مكاناً في الصف الأول لصديق أو قريب بحيث إذا جاء إنسان آخر ليصلي في هذا المكان قلت له: إن المكان محجوز. نقول لك: أنت حر أن تفعل ذلك في الحجز للأماكن في مواسم الحج والعمرة. وعلى من يجد مكاناً قد حُجِزَ بسجادة أو أي شيء آخر أن يزيحها بعيدا ويصلي. وأنت في بيت الله تكون في ضيافة الله. وأنت تعلم أنه إن جاءك أحد في بيتك على غير دعوة فأنت تكرمه، فإذا كان المجيء على موعد فكرمك يكون كبيرا. فما بالنا بكرم من خلقنا جميعاً؟ إن الحق سبحانه وتعالى يجزيك من فيض كرمه من ساعة أن تنوي زيارته في بيته، فأنت في صلاة منذ أن تبدأ في الوضوء في بيتك استعداداً للصلاة في المسجد؛ لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يطيل عليك نعمة أن تكون في حضرته. وسبحانه وتعالى حين يدعونا إلى بيته بالأذان، فلك أن تعلم أنك إن خالفت هذه الدعوة تعاقب، ولكن ليس معنى هذا أن الله لم ييسر لك بيته لتزوره في أي وقت. فهذه الدعوة بالأذان للصلاة تمثل الحرص من الله سبحانه وتعالى على أن يلقاك ليعطيك من فيوضاته ما تستعين به على مكدرات الحياة. ولكن إن أحببت أن تجلس في المسجد قبل الصلاة أو بعدها فافعل. تعالَ في أي وقت وصلِّ كما تشاء، فإذا قلت: "الله أكبر" تكون في حضرة الله. وإن لم تستطع فصلواتك الخمس في اليوم الواحد هي القسط الضروري لصيانة نفسك المؤمنة؛ لأنك تقابل ربك أثناء الصلاة وتعلن الولاء له. فالصلاة إذن خير أراده الله لك حتى لا تأخذك أسباب الحياة، وأراد سبحانه بها أن تفيق إلى منهجه الذي يصلح بالك، ويصلح الدنيا لك وبك فلا تأخذك الأسباب، بل تأخذ أنت بالأسباب. وحين تسمع "الله أكبر" ينادي بها المؤذن لصلاة الظهر - مثلا - فعليك أن تترك أسباب الدنيا وتذهب لتقف بين يدي الله عز وجل، ثم تخرج من الصلاة إلى الأخذ بالأسباب إلى أن تسمع أذان العصر، ثم أذان المغرب، ثم أذان العشاء، وكل هذا تذكير لك بالله الخالق العظيم حتى لا تشغلك الدنيا فتنسى أن صيانة نفسك بيد خالقك سبحانه. وأطول فترة بين العشاء والفجر نكون فيها نائمين فلا يأخذنا متاع الدنيا. إذن فالله سبحانه وتعالى يريد من الولاء دائما. فإذا كنت تعتز بالله فأنت تديم الولاء له باستمرار الصلاة، وأنت حين تسجد لله وتتذلل له، فإنه سبحانه يزيدك عزة ويكون معك دائما، ويقيك ذل الدنيا. وقلنا قديما: إن الإنسان إذا ما أراد أن يقابل عظيما من العظماء فهو يطلب المقابلة، وقد يقبل هذا العظيم مبدأ اللقاء وقد لا يقبل، فإن قبل حدد اليوم والساعة والمكان وفترة الزيارة. فإن أردت أن تطيل فهو يقوم واقفاً إعلاناً بأن الزيارة قد انتهت. ولكن الحق سبحانه وتعالى بمطلق الكرم لا يعامل خلقه هكذا، فبيته مفتوح دائما حين يدعوك للصلوات الخمس، فهذا أمر ضروري، ولكن بين الصلوات الخمس إن إردت لقاء الله فسبحانه يلقاك في أي وقت وتدعوه بما تشاء، وتطيل في حضرته كما تريد، ولا يقول لك أحد: إن الزيارة قد انتهت. وأذكركم دائما بقول الشاعر: شعر : حَسْبُ نفسِي عِزًّا بأنِّي عَبْدٌ يَخْتفِي بِي بلا مَواعِيد ربُّ هُوَ في قُدْسهِ الأعزِّ ولكِنْ أنَا اَلقَى متَى وأينَ أُحبُّ تفسير : ونعود إلى قول الحق سبحانه وتعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} [التوبة: 17]. لأن المساجد مخصصة لعباده الله تعالى، فمن غير المنطقي أن يبنيها أو يجلس فيها مشرك أو كافر، وقوله تعالى: "ما كان" أي ما ينبغي، وقوله تعالى: {شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} أي هم الذين يشهدون على أنفسهم بالكفر؛ فشهادتهم بالحال، وبالمقال. كما نشهد على أنفسنا بالإيمان حين نلبي في الحج والعمرة ونقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، أي أننا ننزه الله تعالى عن الشرك. وقوله سبحانه وتعالى: {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}، وُ{أُوْلَئِكَ} إشارة إلى المشركين الذين شهدوا على أنفسهم بالكفر، وحكم الله ألا يعمروا مساجد الله، و{حَبِطَتْ} أي نزلت من مستوى عال إلى مستواها الحقيقي دون مستواها الشكلي، فتجد العمل وكأنه منفوخ كالبالون الضخم، وهو في حقيقة مجرد فقاعة ضخمة ما تلبث أن تنكمش أو تسقط، فهي أعمال لا قيمة لها،. وليس لها حصيلة؛ لأنها أ‘مال باطلة. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 103-104]. وتجد الواحد من هؤلاء يظل يعمل ويعمل، ويظن أنه سوف يجني خيراً كثيراً من هذا العمل، وقد يكون العمل مفيداً لغيره من الناس. ولكنه افتقد النية، ففسد نتيجة لذلك. والقرآن الكريم يعرض لحبوط الأعمال في آيات كثيرة والمثال هو قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ}تفسير : [النور: 39]. والسراب هو ما يخيل إليك بلمعانه أنه ماء في الصحراء. وعندما تذهب إليه لا تجد شيئا. والذي لا يحس بالظمأ قد لا يلتفت إلى ذلك. ولكن الظمآن تتعلق نفسه بالماء، فيجيل بصره في كل مكان يبحث عنه، فإذا رأى أي لمعان حسبه ماء، وعندما يجيء إليه لا يجد شيئاً، وليت الأمر يقتصر على ذلك، بل هو يجد الله عنده ليوفيه الحساب. ومثل هذا الانسان لم يضع الله في باله يوماً من الأيام، وليس لمثل هذا الإنسان عند الله تكريم أو ثواب. لأن الإنسان يطلب أجره ممن عمل له، وهو لم يعمل عمله وفي باله الله. وأنت إذا صنعت معروفاً تقصد به وجه الله عز وجل جزاك الله عنه خيرا، ولكن إن عملت معروفا لتحقق به مصلحة دنيوية خاصة بك أو تأخذ به شهرة فلا جزاء لك عند الله، ولا بد أن يصنع الإنسان المؤمن كل عمل وفي باله الله خالقه والمتفضل عليه بالنعم، فإن أطعمت فقيرا فلتطعمه لوجه الله، وعليك ألا تفعل المروءة من أجل أن يقال عنك: إنك صاحب مرءة. ومن يفعلون الخير عليهم أن يحرصوا على أن يكون الله عز وجل في بالهم، لا أن ينالوا شهرة من هذا الخير، وألا يأتي منهم خبر هذا الخير لا بمقال ولا بحال. وعلى سبيل المثال تلك اللافتات التي توضع على المساجد بأسماء من قاموا بتأسيسها. فمن بُنِي من أجله المسجد وهو الله عليم بكل شيء، ويعلم اسم من أقام البناء، وعليك أن تسميه بأي اسم لا يمت لك بصلة، حتى لا تدخل في دائرة "عملت ليقال وقد قيل". وحتى المقاتل الذي يحارب بين صفوف المؤمنين عليه أن يعقد النية لله، لا أن يقاتل من أجل أن يقال إنه شجاع، لأنه إن فعل، حبط عمله وكان من الخاسرين لأن عمله قد شابه الرياء والسمعة. ويبين الرسول صلى الله عليه وسلم جزاء المرائين في حديثه الشريف الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام: "حديث : أول الناس يقضى لهم يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد فأتى به فعرَّفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال فلان جرىء، فقد قيل، ثم أُمِر به فسُحِبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأُتى به، فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال قارىء فقد قيل، ثم أُمِر به فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكن ليقال؛ إنه جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في النار ". تفسير : وعلى ذلك فالإنسان إن لم يضع الله في باله وهو يعمل فسوف يجد الله يحاسبه على أساس أن عمله غير مقبول. ويقول الحق سبحانه وتعالى في آية ثانية: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ}تفسير : [إبراهيم: 18]. ولك أن تتصور ماذا تفعل العاصفة في الرماد؛ إنها لا تبقي منه شيئاً. والمشرك الذي كان يدخل المسجد ويسقي الناس من عصير العنب غير المخمر، ويقوم بعمارة المسجد الحرام قبل تحريم الله لدخول أمثاله إلى هذا المكان، هذا المشرك لم يكن ليأخذ ثواباً؛ لأنه ارتكب خيانة عظمى بأن أشرك بالله، بينما يأخذ المؤمن الثواب لأنه يدخل المسجد ويعمره وهو مؤمن بالله ولا يشرك به شيئاً. ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [التوبة: 17]. لأنهم عملوا لغير الله فلقوا الله بلا عمل. ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَٰوةَ...}.

الصابوني

تفسير : [1] عمارة المساجد التحليل اللفظي {أَن يَعْمُرُواْ}: عمارة المسجد تطلق على بنائه وإصلاحه، وتطلق على لزومه والإقامة فيه لعبادة الله، فالعمارة قسمان: حسيّة ومعنوية، وكلاهما مراد في الآية. {شَاهِدِينَ}: أي مقرين ومعترفين به، وذلك بإظهار آثار الشرك والوثنية. {حَبِطَتْ}: ضاعت وذهب ثوابها. {وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ}: إقامة الصلاة: الإتيان بها على الوجه الأكمل، معتدلة مقوّمة بسائر شروطها وأركانها. {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ}: أي لم يخف إلا الله، والخشية في اللغة معناها الخوف. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: لا ينبغي للمشركين ولا يليق بهم، وليس من شأنهم أن يعمروا بيوت الله، وهم في حالة الكفر والإشراك بالله، لأن عمارة المساجد تقتضي الإيمان بالله والحبّ له، وهؤلاء كفروا بالله شهدت بذلك أقوالهم وأفعالهم، فكيف يليق بهم أن يعمروا بيوت الله!! هؤلاء المشركون ضاعت أعمالهم وذهب ثوابها، وهم في جهنم مخلّدون في العذاب، لا يخرجون من النار، ولا يخفف عنهم من عذابها بسبب الكفر والإشراك. ثم أخبر تعالى أنّ عمارة المساجد إنما تحصل من المؤمنين بالله، المطيعين له، المصدّقين باليوم الآخر، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويخشون الله حق خشيته، فهؤلاء المتقون لله جديرون بعمارة بيوت الله، وهم أهل لأن يكونوا من المهتدين، الفائزين بسعادة الدارين، المستحقين لرضوان الله. سبب النزول روي أن جماعة من رؤساء قريش أُسروا يوم بدر فيهم العباس بن عبد المطلب، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيّروهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبّخُ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم، فقال العباس: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقالوا: وهل لكم من محاسن؟ قالوا: نعم، إنّا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني فنزلت {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} الآية. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {أَن يَعْمُرُواْ} وقرأ ابن السميقع (أن يُعْمِروا) بضم الياء وكسر الميم من (أعمر) الرباعي بمعنى أن يعينوا على عمارته. 2 - قرأ الجمهور {مَسَاجِدَ ٱللَّهِ} بالجمع وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (مسجد الله) بالإفراد. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ} أن المصدرية وما بعدها في موضع رفع اسم كان و(للمشركين) خبرها مقدم، و (شاهدين) حال من الواو في (يعمروا). 2 - قوله تعالى: {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} عسى من أخوات (كان) وجملة (أن يكونوا) خبرها، واسم الإشارة اسمها، والخبر يكون فعلاً مضارعاً في الغالب كما قال ابن مالك: شعر : ككان "كاد" و "عسى" لكنْ ندرْ غير مضارع لهذين خَبَرْ تفسير : وجه المناسبة بين الآيات الكريمة مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر البراءة من المشركين، وأنواعاً من قبائحهم وجرائمهم التي توجب البراءة منهم، ذكروا أنهم موصوفون بصفات حميدة تعلي مقامهم وترفع مكانتهم، منها سقايتهم للحاج وعمارتهم للمسجد الحرام فردّ الله عليهم بهذه الآيات الكريمة. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: أطلق المساجد وأراد به المسجد الحرام على رأي بعض المحققين، وعبّر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد وإمامها، فهو من باب إطلاق العموم وإرادة الخصوص. اللطيفة الثانية: العلة الحقيقية في منع المشركين من عمارة بيوت الله، هي نفس الكفر لا الشهادة به، ونكتة تقييده بها أنه كفر صريح لا تمكن المكابرة به، لأنه كفرٌ مقرون بالإقرار، وهو قولهم في الطواف: (لبيّك لا شريك لك، إلاّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) ونصبهم الأوثان والأصنام حول البيت العتيق. اللطيفة الثالثة: قال أبو حيان: أمرُ المؤمنين بعمارة المساجد، يتناول عمارتها، ورمّ ما تهدم منها، وتنظيفها، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر - ومن الذكر دراسة العلم - وصونها عمّا لم تبنَ له من الخوض في أحوال الدنيا، وفي الحديث الشريف: "حديث : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ". تفسير : اللطيفة الرابعة: التعبير بقوله تعالى: {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} في جانب المؤمنين، يؤخذ منه قطع طماعية المشركين في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها، حيث بيّن تعالى أن حصول الإهتداء لمن آمنوا بالله ولم يخشوا غيره دائرٌ بين (لعلّ) و(عسى) وإذا كان هذا حال المؤمنين، فكيف يطمع المشركون بالهداية والفوز وهم على ما هم عليه من كفر وإشراك؟! الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد بعمارة المساجد في الآية الكريمة؟ ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بعمارة المساجد هو بناؤها وتشييدها وترميم ما تهدم منها، وهذه هي (العمارة الحسية) ويدل عليه قوله عليه السلام: "حديث : من بنى لله مسجداً ولو كمِفْحَص قطاة بني الله له بيتاً في الجنة ". تفسير : وقال بعضهم: المراد عمارتها بالصلاة والعبادة وأنواع القربات كما قال تعالى: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} تفسير : [النور: 36] وهذه هي (العمارة المعنوية) التي هي الغرض الأسمى من بناء المساجد، ولا مانع أن يكون المراد بالآية النوعين (الحسية) و(المعنوية) وهو اختيار جمهور العلماء لأن اللفظ يدل عليه، والمقام يقتضيه. قال أبو بكر الجصاص: "وعمارة المسجد تكون بمعنيين: أحدهما: زيارته والمكث فيه، والآخر: بناؤه وتجديد ما استرم منه، وذلك لأنه يقال: اعتمر إذا زار، ومنه العمرة لأنها زيارة البيت، وفلان من عُمّار المساجد إذا كان كثير المضيّ إليها، فاقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد، ومن بنائها، وتولّي مصالحها، والقيام بها لانتظام اللفظ للأمرين". الحكم الثاني: ما المراد بالمساجد في الآية الكريمة؟ 1 - قال بعض العلماء: المراد به المسجد الحرام لأنه المفرد العلم، الأكمل الأفضل وهو قبلة المساجد، وسبب النزول يؤيد هذا القول وهو مروي عن عكرمة، واختاره بعض المحققين لقراءة الإفراد (أن يعمروا مسجد الله). ب - وقال آخرون: المراد به جميع المساجد، لأنه جمع مضاف فيعم، ويدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أوّلياً، كما إذا قلنا: فلان لا يقرأ كتب الله، يدخل فيه القرآن بطريق أوكد. أقول: هذا هو الظاهر من الآية الكريمة، لأن الصيغة تفيد عموم الحكم، فلا يليق بالمشركين أن يعمروا أي مسجد من مساجد الله بأنواع العمارة، لأن الكفر ينافي ذلك، كما لا يصح لهم دخول هذه الأماكن الطاهرة المقدسة، كما قال الإمام مالك رحمه الله، وسيأتي حكم دخول المشركين للمساجد في الآيات التالية. الحكم الثالث: هل يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد؟ أخذ بعض العلماء من الآية الكريمة أنه لا يجوز أن يستخدم المسلم الكافر في بناء المسجد، لأنه من العمارة الحسيّة، وقد نهى تعالى عن تمكين المشركين من عمارة بيوت الله. والظاهر جواز استخدامه لأن الممنوع منها إنما هو (الولاية) عليها، والاستقلال بتصريف شؤونها، كأن يكون ناظر المسجد، أو المتصرف بالوقف كافراً، وأما استخدام الكافر في عمل لا ولاية فيه، كنحت الحجارة والبناء والنجارة، فلا يظهر دخوله في المنع، وهذا قول جمهور الفقهاء. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - أعمال البر الصادرة من المشركين لا ثواب فيها بسبب الكفر والإشراك لقوله تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. 2 - عمارة المساجد جديرٌ بها أهل الإيمان الذين يعظّمون حرمات الله. 3 - وجوب الإخلاص لله في القول والعمل. 4 - ينبغي أن يكون الغرض من بناء المسجد رضوان الله لا الرياء والسمعة.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {مَا كَانَ} أي: ما صحّ وجاز {لِلْمُشْرِكِينَ} المصرين على الشرك والعناد {أَن يَعْمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللهِ} المعدة لأهل الإيمان ليعبدوا فيها حتى يتحققوا بمقام المعرفة والتوحيد حال كونهم {شَٰهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} والشرك قولاً وفعلاً وشركهم منافٍ لتعميرها؛ إذ {أُوْلَئِكَ} البعداء الهالكون في تيه الضلال {حَبِطَتْ} أي: سقطت عن درجة الاعتبار {أَعْمَٰلُهُمْ} الصالحة عند الله بحيث لا ينفعهم أصلاً؛ لمقارنتها بالشرك بل {وَ} مآل أمرهم {فِي ٱلنَّارِ} المعدة لأهل الشرك والضلال {هُمْ خَٰلِدُونَ} [التوبة: 17] لا نجاة لهم أصلاً، سواء صدر عنهم الأعمال الصالحة أم لا. بل {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ} المعدة لخلاء العبادة والتوجه نحو الحق والمناجاة معه {مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ} وتحقق بمرتبة اليقين العلمي في توحيده {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الذي يصير الكل إليه {وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ} أي: أدام الميل والرجوع نحو الحق دائماً {وَءَاتَىٰ ٱلزَّكَٰوةَ} تخفيفاً وتطهيراً لنفسها عن العلائق العائقة عن التوجه الحقيقي الحقي {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي: لم يكن في قلبه خضية من فوات شيء أصلاً إلاَّ من عدم قبول الله أعماله، ومن عدم رضاه سبحانه منه {فَعَسَىٰ} وقرب {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء الأماء، الباذلون جهدهم في طريق التوحيد، المشتاقون إلى فضاء الفناء {أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] المتحققين في مقام الرضا والتسليم وإن وفقوا بالإخلاص من عنده. اصنع بنا ما تحب أنت وترضى يا دليل الحائرين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { مَا كَانَ } أي: ما ينبغي ولا يليق { لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ } بالعبادة، والصلاة، وغيرها من أنواع الطاعات، والحال أنهم شاهدون ومقرون على أنفسهم بالكفر بشهادة حالهم وفطرهم، وعلم كثير منهم أنهم على الكفر والباطل. فإذا كانوا { شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ } وعدم الإيمان، الذي هو شرط لقبول الأعمال، فكيف يزعمون أنهم عُمَّارُ مساجد اللّه، والأصل منهم مفقود، والأعمال منهم باطلة؟!!. ولهذا قال: { أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } أي: بطلت وضلت { وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ } . ثم ذكر من هم عمار مساجد اللّه فقال: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ } الواجبة والمستحبة، بالقيام بالظاهر منها والباطن. { وَآتَى الزَّكَاةَ } لأهلها { وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ } أي قصر خشيته على ربه، فكف عما حرم اللّه، ولم يقصر بحقوق اللّه الواجبة. فوصفهم بالإيمان النافع، وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أُمُّها الصلاة والزكاة، وبخشية اللّه التي هي أصل كل خير، فهؤلاء عمار المساجد على الحقيقة وأهلها الذين هم أهلها. { فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ } و "عسى" من اللّه واجبة. وأما من لم يؤمن باللّه ولا باليوم الآخر، ولا عنده خشية للّه، فهذا ليس من عمار مساجد اللّه، ولا من أهلها الذين هم أهلها، وإن زعم ذلك وادعاه.