٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالىٰ: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ} دليل على أن الشهادة لعُمّار المساجد بالإيمان صحيحة؛ لأن الله سبحانه ربطه بها وأخبر عنه بملازمتها. وقد قال بعض السلف: إذا رأيتم الرجل يعمر المسجد فحسّنوا به الظن. وروى الترمِذي عن أبي سعيد الخُدْرِيّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فٱشهدوا له بالإيمان»تفسير : قال الله تعالىٰ: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. وفي رواية: «يتعاهد المسجد». قال: حديث حسن غريب. قال ٱبن العربِيّ: وهذا في ظاهر الصلاح ليس في مقاطع الشهادات؛ فإن الشهادات لها أحوال عند العارفين بها؛ فإن منهم الذكيّ الفَطِن المحصل لما يعلم اعتقاداً وإخباراً، ومنهم المغفّل، وكل واحد ينزل على منزلته ويقدّر على صفته. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} إن قيل: ما من مؤمن إلاَّ وقد خشي غيرَ الله، وما زال المؤمنون والأنبياء يخشون الأعداء من غيرهم. قيل له: المعنى ولم يخش إلاَّ الله مما يعبد: فإن المشركين كانوا يعبدون الأوثان ويخشَونها ويرجونها. جواب ثانٍ ـ أي لم يخف في باب الدِّين إلاَّ الله. الثالثة ـ فإن قيل: فقد أثبت الإيمان في الآية لمن عمر المساجد بالصَّلاة فيها، وتنظيفها وإصلاح ما وَهى منها، وآمن بالله. ولم يذكر الإيمان بالرسول فيها ولا إيمان لمن لم يؤمن بالرسول: قيل له: دلّ على الرسول ما ذُكر من إقامة الصَّلاة وغيرها لأنه مما جاء به؛ فإقامة الصَّلاة وإيتاء الزكاة إنما يصح من المؤمن بالرسول، فلهذا لم يُفرده بالذكر. و «عسى» من الله واجبة؛ عن ابن عباس وغيره. وقيل: عسىٰ بمعنى خليق؛ أي فخليق {أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ}.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَى ٱلزَّكَوٰةَ} أي إنما تستقيم عَمَارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية ومن عمارتها تزيينها بالفرش وتنويرها بالسرج وإدامة العبادة والذكر ودروس العلم فيها وصيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا، وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : قال الله تعالى إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره»تفسير : وإنما لم يذكر الإِيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم لما علم أن الإِيمان بالله قرينة وتمامه الإِيمان به ولدلالة قوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة عليه. {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي في أبواب الدين فإن الخشية عن المحاذير جبلية لا يكاد العاقل يتمالك عنها. {فَعَسَىٰ أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} ذكره بصيغة التوقع قطعاً لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم وتوبيخاً لهم بالقطع بأنهم مهتدون، فإن هؤلاء مع كمالهم إذا كان اهتداؤهم دائراً بين عسى ولعل فما ظنك بأضدادهم، ومنعاً للمؤمنين أن يغتروا بأحوالهم ويتكلوا عليها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَىٰ ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ } أحداً {إِلاَّ ٱللَّهَ فَعَسَىٰ أُوْلَٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ }.
ابن عطية
تفسير : المعنى في هذه الآية {إنما يعمر مساجد الله} بالحق لهم والواجب، ولفظ هذه الآية الخبر وفي ضمنها أمر المؤمنين بعمارة المساجد، وقد قال بعض السلف إذا رأيتم الرجل يعمر المسجد فحسنوا به الظن، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا عليه بالإيمان "تفسير : وقد تم تقدم القول في قراءة مسجد، وقوله {واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة} يتضمن الإيمان بالرسول إذ لا يتلقى ذلك إلا منه، وقوله { ولم يخش إلا الله} حذفت الألف من " يخشى " للجزم، قال سيبويه: واعلم أن الأخير إذا كان يسكن في الرفع حذف في الجزم لئلا يكون الجزم بمنزلة الرفع، ويريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة، وهذه المرتبة العدل بين الناس، ولا محالة أن الإنسان يخشى غيره ويخشى المحاذير الدنياوية وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه، و" عسى " من الله واجبة حيثما وقعت في القرآن، ولم يرج الله بالاهتداء إلا من حصل في هذه المرتبة العظيمة من العدالة، ففي هذا حض بليغ على التقوى، وقرأ الجمهور " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام" وقرأ ابن الزبير وأبو حمزة ومحمد بن علي وأبو جعفر القاري "أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام"، وقرأها كذلك ابن جبير إلا أنه نصب " المسجدَ" على إرادة التنوين في " عمرة " وقرأ الضحاك وأبو وجزة وأبو جعفر القاري " سُقاية الحاج" بضم السين " وعمرة "، فأما من قرأ " سقاية وعمارة " ففي الكلام عنده محذوف إما في أوله وإما في آخره فإما أن يقدر " أجعلتم أهل سقاية " وإما أن يقدر كفعل من آمن بالله.وأما من قرأ " سقاة " و" عمرة " فنمط قراءته مستو، وأما قراءة الضحاك فجمع ساق إلا أنه ضم أوله كما قالوا عرف وعُراف وظئر وظُؤار، وكان قياسه أن يقال سقاء وإن أنث كما أنث من الجموع حجارة وغيره. فكان القياس سقية من أول مرة على التأنيث قاله ابن جني، و {سقاية الحاج } كانت في بني هاشم وكان العباس يتولاها، قال الحسن: ولما نزلت هذه الآية قال العباس: ما أراني إلا أترك السقاية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : أقيموا عليها فإنها لكم خير تفسير : ، {وعمارة المسجد} قيل هي حفظه من الظلم فيه ويقال هجراً، وكان ذلك إلى العباس، وقيل هي السدانة خدمة البيت خاصة، وكانت في بني عبد الدار وكان يتولاها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الدار، وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة المذكور هذان هما اللذان دفع إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة في ثاني يوم الفتح بعد أن طلبه العباس وعلي رضي الله عنهما، وقال صلى الله عليه وسلم لعثمان وشيبة: "حديث : يوم وفاء وبر خذوها خالدة تالدة لا ينازعكموها إلا ظالم ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: يعني السدانة واختلف الناس في سبب نزول هذه الآية فقيل إن كفار قريش قالوا لليهود إنَّا نسقي الحجيج ونعمر البيت، أفنحن أفضل أم محمد صلى الله عليه وسلم ودينه؟ فقالت لهم أحبار اليهود بل أنتم، فنزلت الآية في ذلك، وقيل إن الكفار افتخروا بهذه الأشياء فنزلت الآية في ذلك، وأسند الطبري إلى النعمان بن بشير أنه قال: كنت عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، فقال أحدهم ما أتمنى بعد الإسلام إلا أن أكون ساقي الحاج، وقال الآخر إلا أن أكون خادم البيت وعامره، وقال الثالث إلا أن أكون مجاهداً في سبيل الله، فسمعهم عمر بن الخطاب فقال: اسكتوا حتى أدخل على النبي صلى الله ليه وسلم فأستفتيه فدخل عليه فاستفتاه فنزلت الآية في ذلك، وقال ابن عباس والضحاك: إن المسلمين عيروا أسرى بدر بالكفر فقال العباس بل نحن سقاة الحاج وعمرة البيت فنزلت الآية في ذلك، وقال مجاهد: أمروا بالهجرة فقال العباس أنا أسقي الحاج وقال عثمان بن طلحة أنا حاجب للكعبة فلا نهاجر فنزلت {أجعلتم سقاية الحاج} إلى قوله {حتى يأتي الله بأمره}، وقال مجاهد وهذا كله قبل فتح مكة، وقال محمد بن كعب:إن العباس وعلياً وعثمان بن طلحة تفاخروا فقال العباس أنا ساقي الحاج وقال عثمان أنا عامر البيت ولو شئت بت فيه وقال علي أنا صاحب جهاد الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم والذي آمنت وهاجرت قديما، فنزلت الآية في ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَسَاجِدَ اللَّهِ} مواضع السجود من المصلي، أو البيوت المتخذة للصلوات. {فَعَسَى أُوْلَئِكَ} كل عسى من الله واجبة "ع"، أو ذكره ليكونوا على خوف ورجاء.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} لما بين الله عز وجل أن الكافر ليس له أن يعمر مساجد الله بين في هذه الآية من هو المستحق لعمارة المساجد وهو من آمن بالله فإن الإيمان بالله شرط فيمن يعمر المسجد لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد الله فيه فمن لم يكن مؤمناً بالله امتنع أن يعمر موضعاً يعبد الله فيه واليوم الآخر يعني وآمن باليوم الآخر وأنه حق كائن لأن عمارة المسجد لأجل عبادة الله وجزاء أجره إنما يكون في الآخرة فمن أنكر الآخرة لم يعبد الله ولم يعمر له مسجداً. فإن قلت لم لم يذكر الإيمان برسول الله مع أن الإيمان به شرط في صحة الإيمان. قلت: إن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم داخل في الإيمان بالله فإن من آمن بالله واليوم الآخر فقد آمن برسول الله لأن من جهته عرف الإيمان بالله واليوم الآخر لأنه هو الداعي إلى ذلك وقيل إن المشركين كانوا يقولون إنَّ محمداً إنما ادعى النبوة طلباً للرياسة والملك فأخبر الله عز وجل أن محمداً إنما دعا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر لا لطلب الرياسة والملك فلذلك قال سبحانه وتعالى إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وترك ذكر الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: إنه تبارك وتعالى قال بعد الإيمان بالله واليوم الآخر {وأقام الصلاة وآتى الزكاة} وكان ذلك ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أقام الصلاة وآتى الزكاة فقد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم واعلم أن الاعتبار بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المساجد أن الإنسان إذا عمر المسجد أقام الصلاة وآتى الزكاة لأن عمارة المسجد إنما تلزم لإقامة الصلاة فيه ولا يشتغل بعمارة المسجد إلا إذا كان مؤدياً للزكاة لأن الزكاة واجبة وعمارة المسجد نافلة ولا يشتغل الإنسان بالنافلة إلا بعد إكمال الفريضة الواجبة عليه. وقوله تعالى: {ولم يخش إلا الله} يعني ولم يخف في الدين غير الله ولم يترك أمر الله لخشية الناس {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} وعسى من الله واجب يعني وأولئك هم المهتدون المتمسكون بطاعة الله التي تؤدي إلى الجنة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان فإن الله عز وجل يقول إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر"تفسير : الآية أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن (ق) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح النزل ما يهيأ للضيف عند نزوله بالقوم"تفسير : (ق). عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من بنى لله مسجداً يبتغي به وجه الله تعالى بنى الله له بيتاً في الجنة " تفسير : وفي رواية: "حديث : بنى الله له في الجنة مثله"تفسير : . وعن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من بنى لله مسجداً صغيراً كان أو كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة"تفسير : . أخرجه الترمذي عن عمرو بن عنبسة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من بنى لله مسجداً ليذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة"تفسير : ، أخرج النسائي.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ} الكلامُ في إيراد صيغةِ الجمعِ كما مر فيما مر، خلا أن إرادةَ جميعِ المساجدِ وإدراجَ الحرامِ في ذلك غيرُ مخالفةٍ لمقتضى الحال، فإن الإيجابَ ليس كالسلب وقد قرىء بالإفراد أيضاً والمرادُ هٰهنا أيضاً قصرُ تحققِ العِمارةِ ووجودها على المؤمنين لا قصر جوازها ولياقتها أي إنما يصح ويستقيم أن يعمرها عمارةً يُعتدّ بها {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ} وحده {وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} بما فيه من البعد والحساب والجزاءِ حسبما نطَق به الوحيُ {وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} على ما علم من الدين فيندرجُ فيه الإيمانُ بنبوة النبـي صلى الله عليه وسلم حتماً وقيل: هو مندرجٌ تحت الإيمانِ بالله خاصةً فإن أحدَ جُزْأي كلمتي الشهادة علمٌ للكل أي إنما يعمُرها مَنْ جمع هذه الكمالاتِ العلميةَ والعمليةَ، والمرادُ بالعمارة ما يعم مَرَمَّةَ ما استرمّ منها وقمُّها وتنظيفُها وتزيـينُها بالفُرُش وتنويرُها بالسُّرُج وإدامةُ العبادة والذكرُ ودراسةُ العلوم فيها ونحوُ ذلك وصيانتُها مما لم تُبنَ له كحديث الدنيا. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحديثُ في المسجد يأكلُ الحسناتِ كما تأكل البهيمةُ الحشيش» تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : قال الله تعالى: «إن بـيوتي في أرضي المساجدُ وإن زوّاري فيها عُمّارُها فطوبـى لعبد تطهر في بـيته ثم زارني في بـيتي فحقّ على المَزورِ أن يكرم زائرِه»تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : من ألِفَ المسجدَ ألِفَه الله تعالى» تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا رأيتم الرجلَ يعتادُ المساجدَ فاشهدوا له بالإيمان» تفسير : وعن أنس رضى الله عنه: «من أسرج في مسجد سِراجاً لم تزل الملائكةُ وحملةُ العرشِ تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤُه» {وَلَمْ يَخْشَ} في أمور الدين {إِلاَّ ٱللَّهَ} فعمِل بموجب أمرِه ونهيه غيرَ آخذٍ له في الله لومةُ لائمٍ ولا خشيةُ ظالم فيندرج فيه عدمُ الخشية عن القتال ونحوُ ذلك، وأما الخوفُ الجِبِليُّ من الأمور المَخوفةِ فليس من هذا الباب ولا مما يدخُل تحت التكليفِ والخطاب، وقيل: كانوا يخشَوْن الأصنام ويرجونها فأريد نفيُ تلك الخشيةِ عنهم {فَعَسَىٰ أُوْلَـئِكَ} المنعوتون بتلك النعوتِ الجميلة {أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} إلى مباغيهم من الجنة وما فيها من فنون المطالبِ العليةِ، وإبرازُ اهتدائِهم مع ما بهم من الصفات السنيةِ في معرِض التوقعِ لقطع أطماعِ الكفرةِ عن الوصول إلى مواقف الاهتداء والانتفاعِ بأعمالهم التي يحسَبون أنهم في ذلك محسنون، ولتوبـيخهم بقطعهم بأنهم مهتدون، فإن المؤمنين ـ مع ما بهم من هذه الكمالاتِ، إذا كان أمرُهم دائراً بـين لعل وعسى ـ فما بالُ الكفرة وهم هُمْ، وأعمالهم أعمالُهم وفيه لطفٌ للمؤمنين وترغيبٌ لهم في ترجيح جانبِ الخوفِ على جانب الرجاءِ ورفض الاعتذار بالله تعالى. {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي في الفضيلة وعلوِّ الدرجة {كَمَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} السقايةُ والعِمارةُ مصدران لا يتصور تشبـيهُهما بالأعيان فلا بد من تقدير مضافٍ في أحد الجانبـين أي أجعلتم أهلَهما كمن آمن بالله الخ، ويؤيده قراءةُ من قرأ سُقاةَ الحاجِّ وعُمرةَ المسجد الحرام أو أجعلتموهما كإيمان من آمن الخ، وعلى التقديرين فالخطابُ إما للمشركين على طريقة الالتفاتِ وهو المتبادر من تخصيص ذكرِ الإيمانِ بجانب المشبَّهِ به، وإما لبعض المؤمنين المؤثِرين للسقاية والعِمارةِ ونحوِهما على الهجرة والجهادِ ونظائرِهما وهو المناسبُ للاكتفاء في الرد عليهم ببـيان عدمِ مساواتِهم عند الله للفريق الثاني وبـيانِ أعظميةِ درجتِهم عند الله تعالى على وجه يُشعر بعدم حِرمانِ الأوّلين بالكلية، وجعلُ معنى التفضيلِ بالنسبة إلى زعم الكفرةِ لا يُجدي كثيرَ نفعٍ لأنه إن لم يُشعِرْ بعدم الحِرمانِ فليس بمُشعر بالحِرمان أيضاً أما على الأول فهو توبـيخٌ للمشركين ومدارُه على إنكار تشبـيهِ أنفسِهم من حيث اتصافُهم بوصفيهم المذكورين مع قطع النظرِ عما هم عليه من الشرك بالمؤمنين من حيث اتصافُهم بالإيمان والجهاد، أو على إنكار تشبـيهِ وصفيهم المذكورين في حد ذاتِهما مع الإغماض عن مقارنتهما للشرك بالإيمان والجهادِ، وأما اعتبارُ مقارنتِهما له كما قيل فيأباه المقامُ، كيف لا وقد بـيِّن آنفاً حبوطُ أعمالِهم بذلك الاعتبارِ بالمرة وكونُها بمنزلة العدم، فتوبـيخُهم بعد ذلك على تشبـيههما بالإيمان والجهادِ ثم رَدُّ ذلك بما يُشعر بعدم حِرمانِهم عن أصل الفضيلة بالكلية كما أشير إليه، مما لا يساعده النظمُ التنزيليُّ ولو اعتُبر ذلك لما احتيج إلى تقرير إنكارِ التشبـيهِ وتأكيدِه بشيء آخرَ إذ لا شيءَ أظهرُ بطلاناً من تشبـيه المعدومِ بالموجود، فالمعنى أجعلتم أهلَ السقايةِ والعمارةِ في الفضيلة كمن آمن بالله واليومِ الآخرِ وجاهد في سبـيله أو أجعلتموهما في ذلك كالإيمان والجهادِ وشتانَ بـينهما فإن السقايةَ والعمارةَ وإن كانتا في أنفسِهما من أعمال البرِّ والخيرِ لكنهما ـ وإن خَلَتا عن القوادح ـ بمعزل عن صلاحيةِ أن يُشبَّه أهلُهما بأهل الإيمان والجهادِ أو يُشَّبهَ أنفسُهما بنفس الإيمان والجهادِ، وذلك قوله عز وجل: {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ} أي لا يساوي الفريقُ الأول الثانيَ من حيث اتصافُ كلَ منهما بوصفيهما ومن ضرورته عدمُ التساوي بـين الوصفَين الأولين وبـين الآخَرَين لأنه المدارَ في التفاوت بـين الموصوفَين، وإسنادُ عدمِ الاستواءِ إلى الموصوفين، لأن الأهمَّ بـيانُ تفاوتِهم، وتوجيهُ النفي هٰهنا والإنكارُ فيما سلف إلى الاستواء والتشبـيهِ مع أن دعوى المفتخِرين بالسقاية والعمارةِ من المشركين والمؤمنين إنما هي الأفضليةُ دون التساوي والتشابه ـ للمبالغة في الرد عليهم فإن نفيَ التساوي والتشابهِ نفيٌ للأفضلية بالطريق الأولى، والجملةُ استئنافٌ لتقرير الإنكارِ المذكورِ وتأكيدِه، أو حال من مفعولي الجَعل، والرابطُ هو الضميرُ كأنه قيل: أسوَّيتم بـينهم حال كونِهم متفاوتين عنده تعالى وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} حُكمٌ عليهم بأنهم مع ظلمهم بالإشراك ومعاداةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم ضالون في هذا الجعلِ غيرُ مهتدين إلى طريق معرفةِ الحقِّ وتميـيزِ الراجحِ من المرجوح، وظالمون بوضع كلَ منهما موضعَ الآخَر وفيه زيادةُ تقريرٍ لعدم التساوي بـينهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} [الآية: 18]. قال بعضهم: عمارة المسجد بعمارة القلب عند دخوله، بصدق النية وحسن الطوية وطهارة الباطن لله، كما طهرت ظاهرك بأمر الله ودخول المسجد بالخروج عن جميع الأشغال والموانع، فذلك من عمارة المساجد. قال بعضهم: المساجد مواضع السجود منك، فاعمرها بحسن الأدب من غض طرف وإمساك لسان والإعراض عن اللغو، وإمساك اليد عن الشهوات.
القشيري
تفسير : لا تكون عمارةُ المساجد إلا بتخريب أوطان البشرية، فالعابد يُعَمِّرها بتخريب أوطان شهوته، والزاهدُ يعمرها بتخريب أوطان مُنْيته، والعارف يعمرها بتخريب أوطان علاقته، والموَحِّدُ يعمرها بتخريب أوطان ملاحظته ومُسَاكنتِه. وكلُّ واحدٍ منهم واقفٌ في صفته؛ فلصاحب كلِّ موقفٍ منهم وصفٌ مخصوص. وكذلك رَتْبتهُم في الإيمان مختلفة؛ فإيمانٌ من حيث البرهان، وإيمان من حيث البيان، وإيمان من حيث العيان، وشتان ما هم! قال قائلهم: شعر : لا تعْرِضَنَّ بِذِكْرِنا في ذِكْرِهِم ليس الصحيح - إذا مشى - كالمُقْعَدِ
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} جمع الله سبحانه جملا من الخصال الحميدة من الفرائض والسنن والايمان والمعرفة والثقة بوجوده فيمن يجوز له عمارة مجالس انس العارفين والمحبين والعابدين والمطمئنين والمراقبين وتلك العمارة يكون بخلو قلبه عما دون الله عند دخوله فى مساجد الله وطهارة سره عن شواغل الطبيعة وغبار الوسوسة قال بعضهم عمارة المسجد بعمارة القلب عند دخوله بصدق النيّة وحسن الطويّة وطهارة الباطن لله كما طهرت طاهرك بأمر الله ودخول المسجد بالخروج عن جميع الاشغال والموانع فذلك من عمارة المساجد قوله {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} ان الله سبحانه وصف المهاجرين لا الاية المتقدمة بخروجهم مما دون الله لوجدان رضوانه وبشارته بلقائه وغفرانه وهو تعالى لما وجدهم اسارى سلب مشاهدته والمقيدين باسر محبته ولم ير فى قلوبهم من الفرش الى الثرى غير انوار الايقان والعرفان لشرهم بنفسه بلا واسطة واذا كان المبشر واسطة بين الاحياء والحبيب فهو عظيم كما قيل لولا تمتع مقلتى بلقائه لوهبته ما لمبشرى باياته لا سيما والحبيب هو مبشرهم بنفسه وبشارته خطاب مع كشف المشاهدة ومن يطيق ان يسمعه بشارته بوصاله مع كشف جماله ان يبقى عند حسن شهوده ولذة خطابه وهذا كما انشد شعر : تراءيت لى بالغيب حتى كانما تبشرنى بالغيب انك بالكف اراك وبى من هيبتى لك وحشة فنونستى باللطف منك وبالعطف ويحيى محيا انت فى الحب حتفه واذا اعجب كون الحياة مع الحنف تفسير : بشرهم برحمته ورحمته كشف جماله بلا حجاب وهو اوّل درجة العارفين ثم بشرهم بالرضوان وهو الوصال بنعت الموانسة بلا كدورة الهجران ثم بشرهم بدخولهم فى جنات قربات الصفات والذات بنفس تحصيل علوم الازال والاباد من رويتها والبقاء فى بعضها بنعت الدوام فى نعيم واى جنة اشرف من تجلى جلاله وجماله لعرفانه بشر المؤمنين بالرحمة وبشر المطيعين بالجنة وبشر العارفين بالرضوان والوصلة وايضا بشر التائبين بالرحمة وبشر الصادقين بالمشاهدة وبشر المحبين بالمحاورة وقال ابو عثمان والذي يستجلب رضوانه ورضوانه يوجب مجاورته لوجب النعيم الدائم قال الله يبشرهم ربهم برحمة منه الاية ويقال ان القلوب مجبولة على حب من يبشر بالخير فاراد الحق سبحانه ان يكون محبة العبد له سبحانه على الخصوص فتولى بشارته بعزيز خطابه من غير واسطة فقال يبشرهم ربهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {إنما يعمر مساجد الله} شامل للمسجد الحرام وغيره {من آمن بالله} وحده والايمان بالرسول داخل فى الايمان بالله لما علم من تقارنهما وعدم انفكاك احدهما عن الآخر فى مثل الشهادة والاذان والاقامة {واليوم الآخر} بما فيه من البعث والحساب والجزاء {واقام الصلوة} مع الجماعة واكثر المشايخ على انها واجبة وفى الحديث "حديث : صلاة الرجل فى جماعة تضعف على صلاته فى بيته وفى سوقه خمسا وعشرين ضعفا" تفسير : والجماعة فى التراويح أفضل وكل ما شرع فيه الجماعة فالمسجد فيه افضل فثواب المصلين فى البيت بالجماعة دون ثواب المصلين فى المسجد بالجماعة {وآتى الزكوة} اى الصدقة المفروضة عن طيب نفس وقرن الزكاة بالصلاة فى الذكر لما ان احداهما لا تقبل الا بالاخرى اى انما تستقيم عمارتها ممن جمع هذه الكمالات العلمية والعملية {ولم يخش} فى امور الدين {الا الله} فعمل بموجب امره ونهيه غير آخذ له فى الله لومة لائم ولا خشية ظالم فيندرج فيه عدم الخشية عند القتال ونحو ذلك. واما الخوف الجبلى من الامور المخوفة كالظلمة والسباع المهلكة والدواهى العظيمة فهو لا يقدح فى الخشية من الله اذ الخشية من الله ارادة ناشئة من تصور عظمة الله واحاطة علمه بجميع المعلومات وكمال قدرته على مجازاة الاعمال مطلقا وهذا الخوف الجبلى لا يدخل تحت القصد والارادة {فعسى اولئك} [بس آن كروه شايد] {أن يكونوا من المهتدين} الى مباغيهم من الجنة وما فيها من فنون المطالب العلية وابرازاهتدائهم مع ما بهم من الصفات السنية فى معرض التوقع لقطع اطماع الكفرة عن الوصول الى مواقف الاهتداء والانتفاع باعمالهم التى يحسبون انهم لها محسنون ولتوبيخهم بقطعهم بانهم مهتدون فان المؤمنين مع ما بهم من هذه الكمالات اذا كان امرهم دائرا بن لعل وعسى فما بال الكفرة وهم هم واعمالهم اعمالهم شعر : جايى كه شير مردان در معرض عتابند روباه سير تانرا آنجا جه تاب باشد تفسير : [وديكر منع مؤمنانست ازاغترار باعمال خويش وبران اعتماد نمودن] كما قال الحدادى كلمة عسى من الله واجبة والفائدة فى ذكرها فى آخر هذه الآية ليكون الانسان على حذر من فعل ما يحبط ثواب عمله [كه هر كه بعمل مغروست از فيض ازل مهجورست] شعر : مباش غره بعلم وعمل كه شد ابليس بدين سبب زدر باركاه عزت دور تفسير : واعلم ان عمارة المساجد تعم انواعا منها البناء وتجديد ما انهدم منها وفى الحديث "حديث : سبع يجرى للعبد اجرهن وهو فى قبره بعد موته من تعلم علما او كرى نهرا او حفر بئرا او غرس نخلا او بنى مسجدا او ورث مصحفا او ترك ولدا يستغفر له بعد موته" تفسير : وفى الحديث "حديث : من بنى مسجدا لله تعالى اعطاه الله بكل شبر او بكل ذراع اربعين الف الف مدينة من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ فى الجنة فى كل مدينة الف الف بيت فى كل بيت الف الف سرير على كل سرير زوجة من الحور العين فى كل بيت اربعون الف مائدة على كل مائدة اربعون الف قصعة فى كل قصعة اربعون الف الف لون من طعام ويعطى الله له من القوة حتى يأتى على تلك الازواج وعلى ذلك الطعام والشراب" تفسير : ذكره الزندوستى فى الروضة. فان خرب المسجد وتعطل او خربت المحلة ولا يصلى فيه احد صار المسجد ميراثا لورثة البانى عند محمد. وقال ابو يوسف هو على حاله مسجد وان تعطل ولو ارادوا ان يجعلوا المسجد مستغلا والمستغل مسجدا لم يجز. يقول الفقير من الناس من جعل المسجد اصطبل الدواب او مطمورة الغلة او نحوه وكذا الكتاب ونحوه من محال العلم والعبادات وقد شاهدناه فى ديار الروم والعياذ بالله تعالى. قال على رضى الله عنه ست من المروءة ثلاث فى الحضر وثلاث فى السفر. فاما اللاتى فى الحضر فتلاوة كتاب الله وعمارة مسجد الله واتخاذ الاخوان فى الله. واما اللاتى فى السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاح فى غير معاصى الله ذكره الخطيب فى الروضة. ومنها قمها اى كنسها وتنظيفها. قال الحسن مهور الحور العين كنس المساجد وعمارتها وفى الحديث "حديث : نظفوا افنيتكم ولا تتشبهوا باليهود وبجمع الاكباء " تفسير : اي الكناسات فى دورها وفى الحديث حديث : "غسل الانا وطهارة الفنا يورثان الغنى" تفسير : فاذا كان الامر فى طهارة الفناء وهو فناء البت والد كان ونحوهما هكذا فما ظنك فى تنظيف المسجد والكتاب ونحوهما. ومنها تزيينها بالفرش. قال بعضهم اول من فرش الحصير فى المساجد عمر بن الخطاب رضى الله عنه وكانت قبل ذلك مفروشة بالحصى وهو بالفارسية [سنك ريزه] اى فى زمنه صلى الله عليه وسلم وذلك ان المطر جاء ذات ليلة فاصبحت الارض مبتلة فجعل الرجل يأتى بالحصباء فى ثوبه فيبسطها تحته ليصلى عليها فلما قضى رسول الله الصلاة قال ما احسن هذا البساط ثم امر ان يحصب جميع المسجد فمات قبل ذلك فحصبه عمر رضى الله عنه. وفى الاحياء اكثر معروفات هذه الاعصار منكرات فى عصر الصحابة اذ من عد المعروف فى زماننا من فرش المساجد بالبسط الرقيقة وقد كان يعد فرش البوارى فى المسجد بدعة كانوا لا يرون ان يكون بينهم وبين الارض حائل انتهى. قال الفقهاء يستحب له ان يصلى على الارض بلا حائل او ما تنبته كالحصير والبوريا لانه اقرب الى التواضع وفيه خروج عن خلاف الامام مالك فان عنده يكره السجود على ما ليس من جنس الارض ولا بأس بان يصلى على اللبود وسائر الفرش اذا كان المفروش رقيقا بحيث يجد الساجد تمكن من الارض وقد روى انه عليه السلام سجد على فروة مدبوغة ولا بأس بتبييض المسجد بالجص او بالتراب الابيض -ذكر- ان الوليد بن عبد الملك انفق على عمارة مسجد دمشق فى تزيينه مثل خراج الشام ثلاث مرات -وروى- ان سليمان بن داود عليهما السلام بنى مسجد بيت المقدس وبالغ فى تزيينه حتى نصب الكبريت الاحمر على رأس القبة وكان ذلك اعز ما يوجد فى ذلك الوقت وكان يضيئ من ميل وكانت الغزالات يغزلن فى ضوئه من مسافة اثنى عشر ميلا وكان على حاله حتى خربه بخت نصر ونقل جميع ما فيه من الذهب والفضة والجواهر والآنية الى ارض بابل وحمل مائة الف وسبعين عجلة. ومنها تعليق القناديل فى المساجد واسراج المصابيح والشموع وفى الحديث "حديث : من علق قنديلا صلى عليه سبعون الف ملك حتى ينكسر ذلك القنديل" تفسير : كما فى الكشف وقال انس رضى الله عنه من اسرج فى مسجد سراجا ولم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام فى ذلك المسجد ضوؤه. وكان سليمان عليه السلام امر باتخاذ الف وسبعمائة قنديل من الذهب فى سلاسل الفضة. حديث : ذكر ان مسجد النبى صلى الله عليه وسلم كان اذا جاءت العتمة يوقد فيه سعف النخل فلما قدم تميم الدارى المدينة صحب معه قناديل وحبالا وزيتا وعلق تلك القناديل بسوارى المسجد واوقدت فقال صلى الله عليه وسلم "نورت مسجدنا نور الله عليك اما والله لو كان لى بنت لانكحتها هذا"تفسير : وفى كلام بعضهم اول من جعل فى المسجد المصابيح عمر بن الخطاب ويوافقه قول بعضهم والمستحب من بدع الافعال تعليق القناديل فيها يعنى المساجد واول من فعل ذلك عمر بن الخطاب فانه لما جمع الناس على ابى بن كعب رضى الله عنه فى صلاة التراويح علق القناديل فلما رأها على كرم الله وجهه تزهر قال نورت مسجدنا نور الله قبرك يا ابن الخطاب ولعل المراد تعليق ذلك بكثرة فلا يخالف ما تقدم عن تميم الدارى. وعن بعضهم قال امرنا المأمون ان اكتب بالاستكثار من المصابيح فى المساجد فلم ادرما اكتب لانه شيء لم اسبق اليه فاريت فى المنام اكتب فان اليه انسا للمتهجدين ونفيا لبيوت الله عن وحشة الظلم فانتبهت وكتبت بذلك. قال بعضهم لكن زيادة الوقود كالواقع ليلة النصف من شعبان ويقال لها ليلة الوقود ينبغى ان يكون ذلك كتزيين المساجد ونقشها وقد كره بعضهم والله اعلم الكل من انسان العيون فى سيرة النبى المأمون. قال الشيخ عبد الغنى النابلسى فى كشف النور عن اصحاب القبور ما خلاصته ان البدعة الحسنة الموافقة لمقصود الشرع تسمى سنة فبناء القباب على قبور العلماء والاولياء والصلحاء ووضع الستور والعمائم والثياب على قبورهم امر جائز اذا كان القصد بذلك التعظيم فى اعين العامة حتى لا يحتقروا صاحب هذا القبر وكذا يقاد القناديل والشمع عند قبور الاولياء والصلحاء من باب التعظيم والاجلال ايضا للاولياء فالمقصد فيها مقصد حسن. ونذر الزيت والشمع للاولياء يوقد عند قبورهم تعظيما لهم ومحبة فيهم جائز ايضا لا ينبغى النهى عنه. ومنها الدخول والقعود فيها والمكث والعبادة والذكر ودراسة العلوم ونحو ذلك قال ابن عباس رضى الله عنهما ألا ادلكم على ما هو خير لكم من الجهاد قالوا بلى قال ان تبنوا مسجدا فيتعلم فيه القرآن والفقه فى الدين او السنة كما فى الاسرار المحمدية. ومنها صيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الحديث فى المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش" تفسير : ويقال حديث الدنيا فى المسجد وفى مجلس العلم وعند الميت وفى المقابر وعند الاذان وعند تلاوة القرآن يحبط ثواب عمل ثلاثين سنة وفى الحديث "حديث : قال الله تعالى ان بيوتى فى ارضى المساجد وان زوارى فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر فى بيته ثم زارنى فى بيتى" تفسير : فحق على المزور ان يكرم زائره. قال الامام القشيرى قدس سره عمارة المساجد التى هى مواقف العبودية لا تتأتى الا بتخريب اوطان البشرية فالعابد يعمر المسجد بتخريب اوطان شهوته والزاهد يعمره بتخريب اوطان ملاحظته ولكل منهم صنف مخصوص وكذلك رتبهم بالايمان مختلفة فايمان من حيث البرهان وايمان من حيث البيان وايمان من حيث العيان وشتان ما بينهم انتهى كلامه نسأل الله الغفار ان يجعلنا من العمار والزوار
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية انه ينبغي الا {يعمر مساجد الله} إلا {من آمن بالله} واقر بوحدانيته واعترف باليوم الآخر يعني يوم القيامة ثم اقام بعد ذلك {الصلاة} بحدودها. وأعطى {الزكاة} الواجبة - ان وجبت عليه - مستحقيها ولم يخف سوى الله احداً من المخلوقين، فاذا فعلوا ذلك فانهم {يكونوا من المهتدين} إلى الجنة ونيل ثوابها، لان عسى من الله واجبة ليست على طريق الشك، وهو قول ابن عباس والحسن. وقال قوم: انما قال عسى ليكونوا على طريق الحذر، مما يحبط اعمالهم، ويدخل في عمارة المساجد عمارتها بالصلاة فيها، والذكر لله. والعبادة له، لأن تجديد احوال الطاعة لله من أوكد الاسباب التي تكون بها عامرة، كما ان اهمالها من اوكد الأسباب في اخرابها، وذكر قوله {وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله} بعد ذكر قوله {من آمن بالله واليوم الآخر} يدل على ان الايمان لا يقع على افعال الجوارح، لانه لو كان الايمان متناولا لذلك اجمع لما جاز عطف ما دخل فيه عليه. ومن حمل ذلك على ان المراد به التفصيل وزيادة البيان فيما يشتمل على الايمان تارك للظاهر. والخشية انزعاج النفس لتوقع ما لا يؤمن من الضرر تقول: خشي يخشى خشية فهو خاش، ومثله خاف يخاف خوفاً ومخافة، فهو خائف. والخاشي نقيض الآمن. والاهتداء المذكور في الآية هو التمسك بطاعة الله التي تؤدي إلى الجنة وفاعلها يسمى مهتدياً.
الحبري
تفسير : وَقولُهُ: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ}. نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ بنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ خَاصَّةً.
الأعقم
تفسير : {إنما يعمر مساجد الله}، قيل: جميع المساجد، وقيل: مسجد الكعبة وعمارتها بلزومها والعبادة فيها، وتلاوة القرآن، وذكر الله، ومدارسة العلم، وقيل: القيام بأمرها وعمارتها والوجه الأول، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : يأتي آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، فلا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة" تفسير : وجاء في الحديث: "حديث : الحديث في المسجد الحرام يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش"تفسير : ، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من ألف المسجد ألفه الله تعالى"تفسير : ، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالايمان"تفسير : ، وعن أنس: من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في المسجد ضوؤه {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} وعسى من الله واجب فتقديره: فهم المهتدون {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام}، روي أن المشركين قالوا لليهود: ونحن سقاة الحاج وعمار المسجد الحرام، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟ فقالت اليهود: أنتم أفضل، فنزلت الآية، وقوله: {كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل الله} الآية نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم} الآية يعني: {أعظم درجة} من أهل السقاية والعمارة {وأولئك هم الفائزون} لا أنتم والمختصون بالفوز دونكم، وقيل: نزلت في علي (عليه السلام) والعباس وطلحة بن شيبة تفاخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت، وقال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي (عليه السلام): "لقد صليت إلى القبلة قبل الناس وأنا صاحب الجهاد"، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية المتقدمة من قوله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج}، وقيل: لما نزلت الآية قال العباس: إذا نرفضها يا رسول الله؟ فقال: "أقيموها فإن لكم فيها خيراً" يعني ثواباً {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء ان استحبوا الكفر على الايمان}، قيل: أراد الموالاة في الدين {ومن يتولَّهم منكم} فيطلعهم على سرائر المسلمين وترك طاعة الله تعالى {فأولئك هم الظالمون} {قل}، يا محمد {إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم} بالنسب {وأزواجكم وعشيرتكم} أقاربكم {وأموال اقترفتموها} اكتسبتموها، وعن ابن عباس: الآية في المهاجرين خاصة كان قبل فتح مكة، من آمن لم يقبل إيمانه إلاَّ بأن يهاجر ويصارم أقاربه الكفرة ويقطع موالاتهم، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لا يطعم أحدكم طعم الايمان حتى يحب في الله أبعد الناس ويبغض في الله أقرب الناس إليه" تفسير : {ومساكن ترضونها} فتسكنونها، وقيل: هي القصور {أحب إليكم من الله} من الجهاد والهجرة {فتربَّصوا} انتظروا، وفيه وعيد وزجر عظيم {حتى يأتي الله بأمره}، قيل: العذاب أما معجلاً وأما مؤجلاً، وقيل: بقضائه، وقيل: بالموت، وعن ابن عباس: هو فتح مكة، وعن الحسن: عقوبة عاجلة، وهذه آية شديدة لا أشد منها ثم عقب تعالى بعد ذلك في قصة حنين.
اطفيش
تفسير : {إنَّما يعْمُر مسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ باللهِ واليوْم الآخِرِ} يوم البعث {وأقَام الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولم يخْشَ إلاّ اللهَ} فى باب الدين بأن لا يترك أمر الله خشية الناس، لا كمن يترك أمر الله خشية للناس، ولا كهؤلاء الذين يخشون الأصنام ويخافون عقابها، وأما الخشية عن المحاذير فطبيعة لا ينفك عنها عاقل، ولم يذكر الإيمان بالرسول، لأن الإيمان بالصلاة المخصوصة وهى الخمس وبالزكاة، يتضمن الإيمان به، لأنه الجائى بهما، ولأن الآية مسوقة فى الرد على من لم يؤمن به، ولأن الإيمان بالله واليوم الآخر إذا كان إجابة لدعائه صلى الله عليه وسلم إيمان به إنما تستقيم عمارتها من أجمع ذلك وهو المثاب على العمارة. وأما من أنكر البعث، فكيف يرجو ثوابا بعمارة، وإن رجاه فى الدنيا، فليست المساجد مجعولة لمجرد طلب الدنيا، ومن أنكر الرسول، أو لم يقم الصلاة، أو لم يؤت الزكاة فإيمانه بالبعث لم يكن من جهة يثاب عليها، قيل: عمارة المسجد نافلة، والزكاة واجبة، فمن عمر المسجد على الحقيقة لزم أن يكون مؤديا للزكاة، إذ لا يشتغل بنفل مع تضييع الفرض، ومن عمارته قراءة القرآن فيه، والتسبيح، والتهليل، والصلاة، والقعود فيه بنية الأجر، أو بنية انتظار عبادة كصلاة إمام، وقراءة القرآن، ومنها: درس العلم فيه، وإقراءه وقراءته، بل العلم أجل الذكر، ومنها: صيانته عما لم يبن له كحديث الدنيا، والبيع والشراء. وروى أن الكلام فى المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش، ومن ألف المساجد ألفه الله، ومنها: تنويره بالمصباح، وتستغفر الملائكة وحملة العرش لصاحبه ما دام وضوءُه، ومنها: تنظيفه وإخراج ما لا يصلح فيه، وإصلاحه وتفريشه، وعبارة القاضى تزيين المساجد بالفرش، وفى أحكام المسجد وعمارته وفضله كلام فى النيل وشرحه، ولم يقرأ أحد من القراء العشرة فى هذا الموضع مسجد الله بالإفراد فى الأشهر، وقال حماد بن أبى سلمة: إن ابن كثير قرأ بالإفراد فى الموضعين، وهو قراءة الجحدرى فيهما. ويجوز أن يراد فى حال الإفراد المسجد الحرام، ويحكم على غيره بحكمه، وذكر بعضهم فى قراءة من قرأ الأول بإفراد، والثانى بالجمع، أنه ذكر أولا المسجد الذى فيه النازلة فى ذلك الوقت وهو المسجد الحرام، ثم عمت المساجد ثانيا، ويجوز أن يراد بالمساجد جنس المساجد، وبالمساجد كذلك غير المسجد الحرام، فيرمز الكلام إلى أنه إذا لم يصالح المشركون لعمارة المساجد غير المسجد الحرام فكيف يصلحون لعمارة المسجد الحرام، وهذا أبلغ من حيث إنه أشد ابعادا لهم عن المسجد الحرام حفظه الله. {فَعَسَى} ترجية وعبارة جملة ممن يتفقه أن عسى ولعل من الله واجبة، يعنى جزما {أولئِكَ أن يكُونُوا مِنَ المهتَدينَ} الناجين من العذاب وما يسوءهم، فإذا كان أولئك فى رجاء الاهتداء لا فى الجزم به مع كمالهم، فما ظنك بأضدادهم المشركين، وهذا قطع لأطماع المشركين فى الانتفاع بأعمالهم، ومنع للمؤمنين أن يتكلموا على أعمالهم، وعن الاغترار بالله، قيل: وفيه ترجيح للخشية على الرجاء. والجمع هنا نظر إلى معنى من، والإفراد هناك نظر إلى لفظه، وقيل: إن المراد فى قوله: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله} الخ، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لذلك لم يذكر الإيمان به، وأنه نزل جوابا لقولهم: إنما يدعى محمد النبوة طلبا للرياسة والملك، وردا عليهم، بأن غرضه طاعة الله وتوحيده، فلذلك يعمر المساجد سرا وجهرا، سواء حمد الناس ذلك منه أو كرهوه، فالمساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد قباء وغير ذلك مما يعمره إن كان، أو مما يمكن أن يعمره، أو مما يأمر بعمارته، فالأمر بالعمارة عمارة ممن صدقت نيته، وعلى هذا القول فالجمع فى قوله: {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} مراد به من اقتدى بالنبى صلى الله عليه وسلم، وهو قول ضعيف.
اطفيش
تفسير : {إِنَّمَا يَعْمُرُ مسَاجِدَ اللهِ} المسجد الحرام، أَو هو وغيره، وذلك بالصلاة والقراءَة والعلم، والتفريش بالحصير والحصباء والمصابيح وترك الكلام الدنيوى وما لم تبن له وغير ذلك مما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وعمارته بالمصابيح والحصير وما كان على عهده، فالآية إِذن فى كل ما هو عمارة شرعية، ومن ذلك تفريشه بما أَخرجت الأَرض كالحصر وثياب القطن ولا يجوز الصوف، وكرهته الحنفية، ومن عمارته إِخراج القمامة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين"تفسير : ، وقال: "حديث : من بنى لله مسجدا ولو كمساجد الطرق بنى الله له بيتا فى الجنة"تفسير : . وقال: "حديث : الغدو والرواح إِلى المسجد جهاد فى سبيل الله"تفسير : . وقال: "حديث : إِذا رأَيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإِيمان"تفسير : ، وقرأَ الآية.. وقال: "حديث : من أَسرج مصباحا فى المسجد لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام ضوءه"تفسير : .. {مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ} إِنما يليق بعمارتها من اتصف بتلك الصفات، ويؤذن له شرعا، وأَما المشركون فلا حتى يوحدوا الله عز وجل، أَو إِنما تعتبر عمارة من اتصف بها، وعمارة غيره كأَن لم تكن بل تخريب لم يأذن الله به، وأَجازت الحنفية دخول المشرك المسجد، وكرهته المالكية والحنابلة، وحرمه أَصحابنا، ولو أَوصى مشرك لمسجد لم تقبل وصيته عند الحنفية، وتنفذ عندنا، وباقى الصفات داخل فى قوله "من آمن بالله واليوم الآخر" لأَن الإِيمان به يستدعى ترك المحرمات وفعل الطاعات، وخص الإِيمان باليوم الآخر بالذكر لأَن قريشا أَنكروا البعث وإِقام الصلاة وإِيتاءِ الزكاة لأَنهما من الأعمال البدنية، ويشير بهما إِلى باقى الأَعمال ولأَنهما قد يراد بهما جميع العبادات، ولم يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَن ذكر الله عز وجل يستتبعه حتى أنه يذكر حيث ذكر الله كما فى الأَذان والإِقامة والشهادة، وأَيضا الصلاة تكون بالأَذان والإِقامة والتشهد، ذكر له لأَنه صلى الله عليه وسلم يذكر فيهن، وأيضا الصلاة والزكاة أَتى بهما صلى الله عليه وسلم، فإِنما يتعلمان من جهته، قال سلمان رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من توضأَ فى بيته فأَحسن الوضوءَ ثم أَتى إِلى المسجد فهو زائر لله تعالى، وحق على المزور أَن يكرم زائره"تفسير : ، رواه الطبرانى، ومن عمارته قراءَة القرآن فيه جماعة، وهو أَفضل ما يعمر به، وتعليم العلم والتعلم فيه، ويطهر عن شعر الكذب والفحش، ويجوز قراءَة دواوين الشعراءِ بقصد تعلم العربية لا بغناء، وينبغى تجنب شعر الفحش إِلا بإِظهار تقبيحه وخفض الصوت به، ولا إِشكال فى ذكر الزكاة فى مقام عمارة المساجد لأَن المراد بذكرها بيان أَن من لا يؤتيها لا تعتبر عمارته، إِذ ترك ركنا من الإِسلام {فَعَسَى أُولَئِك أَنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ} إِلى الجنة، ذكره بلفظ الترجى المصروف للخلق لأَنهم لا يدرون بم يختم لهم، وزجرا لأَن يقطعوا بتحقيق أَعمالهم وتوحيدهم لإِمكان أَن يختل بما لم يتفطن له وقطعا لأَطماع المشركين عن كون ما هم عليه اهتداء، وعن الانتفاع بأَعمالهم، وزجرا للمؤمنين أَن يأمنوا مكر الله بأَعمالهم، وقد كان حالهم عند الله دائرا بين عسى كهذه الآية، ولعل كقوله تعالى: "أية : لعلكم تفلحون" تفسير : [البقرة: 189] مع أَن مثلهما من الأَكابر جزم، وجئَ بهما إِثباتا للخوف والرجاءِ.
الالوسي
تفسير : {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجدَ ٱللَّهَ} اختلف في المراد بالمساجد هنا كما اختلف في المراد بها هناك، خلا أن من قال هناك بأن المراد المسجد الحرام لا غير جوز هنا إرادة جميع المساجد قائلاً: إنها غير مخالفة لمقتضى الحال فإن الإيجاب ليس كالسلب وادعى أن المقصود قصر تحقق العمارة على المؤمنين لا قصر لياقتها وجوازها وأنا أرى قصر اللياقة لائقاً بلا قصور، وقرىء بالتوحيد أي إنما يليق أن يعمرها {مَنْ آمَنَ باللهِ واليَوْمِ الآخِر} على الوجه الذي نطق به الوحي {وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ} التي أتى بهما الرسول صلى الله عليه وسلم فيندرج في ذلك الإيمان به عليه الصلاة والسلام حتماً إذ لا يتلقى ذلك إلا منه صلى الله عليه وسلم. وجوز أن يكون ذكر الإيمان به عليه الصلاة والسلام قد طوي تحت ذكر الإيمان بالله تعالى دلالة على أنهما كشيء واحد إذا ذكر أحدهما فهم الآخر، على أنه أشير بذكر المبدأ والمعاد إلى ما يجب الإيمان به أجمع ومن جملته رسالته صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنما لم يذكر عليه الصلاة والسلام لأن المراد بمن هو صلى الله عليه وسلم وأصحابه أي المستحق لعمارة المساجد من هذه صفته كائناً من كان، وليس الكلام في إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام والإيمان به بل فيه نفسه وعمارته المسجد واستحقاقه لها، فالآية على حد قوله سبحانه: {إِنّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} إلى قوله تعالى: {أية : فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} تفسير : [الأعراف: 158] والوجه الثاني أولى. والمراد بالعمارة ما يعم مرمة ما استرم منها وقمها وتنظيفها وتزيينها بالفرش لا على وجه يشغل قلب المصلي عن الحضور، ولعل ما هو من جنس ما يخرج من الأرض كالقطن والحصر السامانية أولى من نحو الصوف إذ قيل: بكراهة الصلاة عليه، وتنويرها بالسرج ولو لم يكن هناك من يستضيء بها على ما نص عليه جمع، وإدامة العبادة والذكر ودراسة العلوم الشرعية فيها ونحو ذلك، وصيانتها مما لم تبن له في نظر الشارع كحديث الدنيا، ومن ذلك الغناء على مآذنها كما هو معتاد الناس اليوم لا سيما بالأبيات التي غالبها هجر من القول. وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام «حديث : الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» تفسير : وهذا الحديث في الحديث المباح فما ظنك بالمحرم مطلقاً أو المرفوع فوق المآذن. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سلمان رضي الله تعالى عنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من توضأ في بيته ثم أتى المسجد فهو زائر الله تعالى وحق على المزور أن يكرم الزائر»تفسير : وأخرج سليم الرازي في «الترغيب» عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: / قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه» تفسير : وأخرج أبو بكر الشافعي وغيره عن أبـي قرصافة قال: «حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين» تفسير : وسمعته عليه الصلاة والسلام يقول «حديث : من بنى لله تعالى مسجداً بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة فقالوا: يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطرق. فقال عليه الصلاة والسلام: وهذه المساجد التي تبنى في الطرق» تفسير : وأخرج الطبراني عن أبـي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الغدو والرواح إلى المسجد من الجهاد في سبيل الله تعالى» تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه وجماعة عن أبـي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان وتلا صلى الله عليه وسلم إنما يعمر» تفسير : الآية. واستشكل ذكر إيتاء الزكاة في الآية بأنه لا تظهر مدخليته في العمارة، وتكلف لذلك بأن الفقراء يحضرون المساجد للزكاة فتعمر بهم وأن من لا يبذل المال للزكاة الواجبة لا يبذله لعمارتها وهو كما ترى. والحق أن المقصود بيان أن من يعمر المساجد هو المؤمن الظاهر إيمانه وهو إنما يظهر بإقامة واجباته، فعطف الإقامة والإيتاء على الإيمان للإشارة إلى ذلك. {وَلَمْ يَخْشَ} أحد {إِلاَّ ٱللَّهَ} فعمل بموجب أمره ونهيه غير آخذ له في الله تعالى لومة لائم ولا مانع له خوف ظالم فيندرج فيه عدم الخشية عند القتال الموبخ عليها في قوله سبحانه: {أية : أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ } تفسير : [التوبة: 13] وأما الخوف الجبلي من الأمور المخوفة فليس من هذا الباب ولا هو مما يدخل تحت التكليف، والخطاب والنهي في قوله تعالى: {أية : خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ } تفسير : [طه: 21] ليس على حقيقته. وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي تلك الخشية عنهم. {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ} المنعوتون بأكمل النعوت {أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} أي إلى الجنة وما أعد الله تعالى فيها لعباده كما روي عن ابن عباس والحسن، وإبراز اهتدائهم لذلك مع ما بهم من تلك الصفات الجليلة في معرض التوقع لحسم أطماع الكافرين عن الوصول إلى مواقف الاهتداء لأن هؤلاء المؤمنين وهم ـ هم ـ إذا كان أمرهم دائراً بين لعل وعسى فما بال الكفرة بيت المخازي والقبائح، وفيه قطع اتكال المؤمنين على أعمالهم وما هم عليه وإرشادهم إلى ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء، وهذا هو المناسب للمقام لا الأطماع وسلوك سنن الملوك مع كون القصد إلى الوجوب، وكون الكفرة يزعمون أنهم محقون وأن غيرهم على الباطل فلا يتأتى حسم أطماعهم لا يلتفت إليه بعد ظهور الحق وهذا لا ريب فيه. وقيل: إن الأوصاف المذكورة، وإن أوجبت الاهتداء، ولكن الثبات عليها مما لا يعلمه إلا الله تعالى وقد يطرأ ما يوجب ضد ذلك والعبرة للعاقبة، فكلمة التوقع يجوز أن تكون لهذا ولا يخفى ما فيه فإن النظر إلى العاقبة هنا لا يناسب المقام الذي يقتضي تفضيل المؤمنين عليهم في الحال.
ابن عاشور
تفسير : موقع جملة {إنما يعمر مساجد الله} الاستئناف البياني، لأنّ جملة: {أية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله}تفسير : [التوبة: 17] لمّا اقتضت إقصَاء المشركين عن العبادة في المساجد كانت بحيث تثير سؤالاً في نفوس السامعين أن يتطلّبوا من هم الأحقّاء بأن يعمروا المساجد، فكانت هذه الجملة مفيدة جواب هذا السائِل. ومجيء صيغة القصر فيها مؤذن بأنّ المقصود إقصاء فِرق أخرى عن أن يعمروا مساجد الله، غير المشركين الذين كان إقصاؤهم بالصريح، فتعيّن أن يكون المراد من الموصول وصلته خصوص المسلمين، لأنّ مجموع الصفات المذكورة في الصلة لا يثبت لغيرهم، فاليهود والنصارى آمنوا بالله واليوم الآخر لكنّهم لم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة، لأنّ المقصود بالصلاة والزكاة العبادتان المعهودتان بهذين الاسمين والمفروضتان في الإسلام، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين}تفسير : [المدثر: 43، 44] كناية عن أن لم يكونوا مسلمين. واستغني عن ذكر الإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم بما يدلّ عليه من آثار شريعته: وهو الإيمان باليوم الآخر، وإقامُ الصلاة: وإيتاء الزكاة. وقصر خشيتهم على التعلّق بجانب الله تعالى بصيغة القصر ليس المراد منه أنّهم لا يخافون شيئاً غير الله فإنّهم قد يخافون الأسَد ويخافون العدوّ، ولكن معناه إذا تردّد الحال بين خشيتهم الله وخشيتهم غيره قدّموا خشية الله على خشية غيره كقوله آنفاً {أية : أتخشونهم فاللَّهُ أحق أن تخشوه}تفسير : [التوبة: 13]، فالقصر إضافي باعتبار تعارض خشيتين. وهذا من خصائص المؤمنين: فأمّا المشركون فهم يخشون شركاءهم وينتهكون حرمات الله لإرضاء شركائهم، وأمّا أهل الكتاب فيخشون الناس ويعصون الله بتحريف كَلمِه ومجاراة أهواء العامّة، وقد ذكَّرهم الله بقوله: {أية : فلا تخشوا الناس واخشون}تفسير : [المائدة: 44]. وفرّع على وصف المسلمين بتلك الصفات رجاء أن يكونوا من المهتدين، أي من الفريق الموصوف بالمهتدين وهو الفريق الذي الاهتداء خُلق لهم في هذه الأعمال وفي غيرها. ووجه هذا الرجاء أنّهم لما أتوا بما هو اهتداء لا محالة قوي الأمل في أن يستقرّوا على ذلك ويصير خُلُقا لهم فيكونوا من أهله، ولذلك قال: {أن يكونوا من المهتدين} ولم يقل أن يكونوا مهتدين. وفي هذا حثّ على الاستزادة من هذا الاهتداء وتحذير من الغرور والاعتماد على بعض العمل الصالح باعتقاد أنّ بعض الأعمال يغني عن بقيتها. والتعبير عنهم باسم الإشارة للتنبيه على أنّهم استحقّوا هذا الأمل فيهم بسبب تلك الأعمال التي عُدّت لهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 18- ولكن الذين يعمرون مساجد الله، إنما هم الذين آمنوا بالله - وحده - وصدَّقوا بالبعث والجزاء، وأدَّوا الصلاة على وجهها، وأخرجوا زكاة أموالهم، ولم يخشوا إلا الله - وحده - وهؤلاء يرجى لهم أن يكونوا عند الله من المهتدين إلى الصراط المستقيم. 19- لا ينبغى أن تجعلوا القائمين بسقاية الحجيج وعمارة المسجد الحرام من المشركين فى منزلة الذين آمنوا بالله - وحده - وصدَّقوا بالبعث والجزاء، وجاهدوا فى سبيل الله. ذلك أنهم ليسوا بمنزلة واحدة عند الله. والله لا يهدى إلى طريق الخير القوم المستمرين على ظلم أنفسهم بالكفر، وظلم غيرهم بالأذى المستمر. 20- الذين صدَّقوا بوحدانية الله، وهاجروا من دار الكفر إلى دار الإسلام، وتحمَّلوا مشاق الجهاد فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، أعظم منزلة عند الله ممن لم يتصف بهذه الصفات، وهؤلاء هم الظافرون بمثوبة الله وكرامته. 21- هؤلاء يبشرهم الله تعالى برحمته الواسعة التى تشملهم، ويخصهم برضاه، وهو أكبر جزاء، وسيدخلهم يوم القيامة جنات لهم فيها نعيم قائم ثابت دائم. 22- وهم خالدون فى الجنة لا يتحولون عنها، وإن الله عنده أجر عظيم وثواب جزيل. 23- يا أيها المؤمنون لا تتخذوا من آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وعشيرتكم وأزواجكم، نصراء لكم ما داموا يحبون الكفر ويفضلونه على الإيمان، ومن يستنصر بالكافرين، فأولئك هم الذين تجاوزوا الطريق المستقيم.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَسَاجِدَ} {آمَنَ} {ٱلآخِرِ} {ٱلصَّلاَةَ} {وَآتَىٰ} {ٱلزَّكَاةَ} {أُوْلَـٰئِكَ} (18) - إنَّ الذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ هُمُ الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَحْدَهُ، وَبُكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ، وَيُؤَدُّونَ زَكَاةَ أمْوَالِهِمْ، وَلا يَخْشَوْنَ أحَداً غَيْرَ اللهِ، فَهُمْ يُجَاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللهِ، وَيَقُولونَ كَلِمَةَ الحَقِّ، وَيَعْبُدُونَ اللهَ وَحْدَهُ؛ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ هُوَ مِمَّنْ يَعْمُرُونَ مَسَاجِدَ اللهِ، لِتَوافُقِ فِعْلِهِ مَعَ إيمَانِهِ، وَكَانَ مِنَ المُهْتَدِينَ إلى طَرِيقِ الحَقِّ وَالصَّوَابِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الإيمان: هو إيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وقمة الإيمان شهادة أن "لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله". وكانت هناك حساسية عند أهل قريش من مسألة الرسول هذه، وأنه محمد بن عبد الله، وبعضهم قد قال: القرآن جميل ورائع فلماذا جاء على لسان محمد؟ وكان اعتراض كفار قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا القول الذي حكاه القرآن عنهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. إذن فالمشكلة عندهم لم تكن في القرآن ذاته، بل كانت في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويرد الحق سبحانه وتعالى بقوله: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الزخرف: 32]. أي أن رحمة الله تعالى خاصة به، لا يقسمها إلا هو بمشيئته، يقسمها كيف يشاء كما قسم بينهم معيشتهم وأعطاهم الرزق المادي، وإذا كان المولى سبحانه قد قسم رزقهم في الأدنى، فكيف يريدون هم أن يتصرفوا في الأعلى؟ لقد قالوا ما جاء في القرآن على ألسنتهم:{أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32]. وكان المنطق الصواب أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، ولكنهم بغبائهم طلبوا الموت بدلاً من الهداية. فقد كانت عصبيتهم - إذن - ضد شخص الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان على من يعلن إيمانه بالله منهم أن يشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو رسول الله. والحق تبارك وتعالى يقول: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ..} [التوبة: 18]. وهذا القول يحمل في مضمونه إيماناً برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله يقول بعدها: {وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ} وإقامه الصلاة لا تصح منهم إلا إذا آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذي قال لنا إنها خمس، وهو الذي علمنا كيف نؤديها وماذا نقول فيها، وهو الذي نشهد له ونحن نصلي؛ في الإقامة وفي التشهد، إذن فساعة نقيم الصلاة لا بد أن نكون مؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى ذلك فقوله تعالى: {وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ} يقتضي ضرورة الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم. واشترط سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة الإيمان به وباليوم الآخر وإقام الصلاة وفي طيها الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إيتاء الزكاة، وطلب منا ألا نخشى غيره، والخشية هي الخوف. وسبحانه وتعالى قد قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} تفسير : [الأنفال: 58]. إذن فهناك خوف من أشياء أخرى، ونقول: إن الحق حين قال: {وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي لم يخش في دينه إلا الله، لكن لا مانع من الخشية التي تجعلك تعد لعدوك وتحذر عدوانه عليك. وانظر إلى دقة القرآن الكريم وعظمته، فقد جمع في آية واحدة بين الإيمان بالله واليوم الآخر والصلاة والزكان، ولم يأت فيها ذكر الإيمان بالرسول؛ لأنه مسألة مطوية في أركان الإيمان. ومن يفعل ذلك يدخل في زمرة من وصفهم الحق سبحانه وتعالى بقوله: {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18]. ولقائل أن يقول: كيف بعد أن آمنوا بكل هذا نقول: عسى؟.. إذن فما حكم الذي لم يؤمن؟ ونقول: إن "عسى" و"لعل" أفعال رجاء، وذكرها يعني الرجاء في أن يتحقق ما يأتي بعدها، ومراتب الرجاء بالنسبة للنفس وبالنسبة للغير بالنسبة لله تختلف، أنت تقول مثلاً: اسأل فلاناً لعله يعطيك، هذه مرتبة من الرجاء، وتقول: لعلِّي أعطيك، وهذه أقرب إلى التحقيق من أن أرجو غيري أن يعطيك. إذن فهي مرحلة أعلى في الإجابة، وأن تقول: لعل الله يعطيك مرحلة ثالثة وعالية من الرجاء؛ لأنك ترجو الله ولا ترجو أحداً من البشر. والله سبحانه وتعالى كريم يعطي بسخاء. ولكن إذا قال الله سبحانه وتعالى عن نفسه: لعلي أعطيك، فيكون هذا توقعاً مؤكداً للعطاء. إذن فمراحل الرجاء؛ رجاء لغيرك من غيرك، ورجاء منك لغيرك، ورجاء من الله لسواك، وقول من الله بالرجاء. فإذا قال الله سبحانه وتعالى: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} تفسير : [لإسراء: 8]. نقول: إنه الرجاء المحقق؛ لأنه سبحانه وتعالى كريم يحب أن يرحمنا ولا شيء يمنعه من أن يحقق ذلك. إذن فيكون الرجاء قد تحقق. وقوله تعالى: {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18]. والهداية إما أن تكون هداية إلى سبيل يؤدي لغاية، أي يهدينا الله للمنهج، فإن عملنا به نصل إلى الجنة، لأن المنهج هو الطريق للجنة، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول عن الكفار: {أية : وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ} تفسير : [النساء: 168-169]. إذن فالهداية مرة تكون للمنهج فنؤمن به ونعمل به، وإما لطريق يوصل إلى غاية. والذين ذكرهم الله في هذه الآية الكريمة هم كل: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَٰوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} وما داموا قد فعلوا ذلك؛ فهذا هو تطبيق المنهج، وبذلك فَهُمْ - إن شاء الله - لا بد أن تكون نهايتهم الجنة. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):