Verse. 1254 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

اَجَعَلْتُمْ سِقَايَۃَ الْحَاۗجِّ وَعِمَارَۃَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ اٰمَنَ بِاللہِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ وَجٰہَدَ فِيْ سَبِيْلِ اؘ۝۰ۭ لَا يَسْتَوٗنَ عِنْدَ اؘ۝۰ۭ وَاللہُ لَا يَہْدِي الْقَوْمَ الظّٰلِـمِيْنَ۝۱۹ۘ
AjaAAaltum siqayata alhajji waAAimarata almasjidi alharami kaman amana biAllahi waalyawmi alakhiri wajahada fee sabeeli Allahi la yastawoona AAinda Allahi waAllahu la yahdee alqawma alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام» أي أهل ذلك «كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله» في الفضل «والله لا يهدي القوم الظالمين» الكافرين، نزلت ردا على من قال ذلك وهو العباس أو غيره.

19

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكر المفسرون أقوالاً في نزول الآية. قال ابن عباس في بعض الروايات عنه أن علياً لما أغلظ الكلام للعباس، قال العباس: إن كنتم سبقتمونا بالإسلام، والهجرة، والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج فنزلت هذه الآية، وقيل إن المشركين قالوا لليهود، نحن سقاة الحاج وعمار المسجد الحرام، فنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟ فقالت اليهود لهم أنتم أفضل. وقيل: إن علياً عليه السلام قال للعباس رضي الله عنه بعد إسلامه: يا عمي ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ألست في أفضل من الهجرة؟ أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام فلما نزلت هذه الآية قال: ما أراني إلا تارك سقايتنا. فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : أقيموا على سقياتكم فإن لكم فيها خيراً » تفسير : وقيل افتخر طلحة بن شيبة والعباس وعلي، فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه، ولو أردت بت فيه. قال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها. قال علي: أنا صاحب الجهاد. فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال المصنف رضي الله عنه: حاصل الكلام أنه يحتمل أن يقال: هذه الآية مفاضلة جرت بين المسلمين ويحتمل أنها جرت بين المسلمين والكافرين. أما الذين قالوا إنها جرت بين المسلمين فقد احتجوا بقوله تعالى بعد هذه الآية في حق المؤمنين المهاجرين: { أية : أَعْظَمُ دَرَجَةً عَندَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة:20] وهذا يقتضي أيضاً أن يكون للمرجوح أيضاً درجة عند الله، وهذا يقتضي أيضاً أن يكون للمرجوح أيضاً درجة عند الله، وذلك لا يليق إلا بالمؤمن وسنجيب عن هذا الكلام إذا انتهينا إليه. وإما الذين قالوا: إنها جرت بين المسلمين والكافرين، فقد احتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى: {كَمَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } وبين من آمن بالله وهذا هو الأقرب عندي. وتقرير الكلام أن نقول: إنا قد نقلنا في تفسير قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } تفسير : [التوبة:18] أن العباس احتج على فضائل نفسه، بأنه عمر المسجد الحرام وسقى الحاج فأجاب الله عنه بوجهين: الوجه الأول: ما بين في الآية الأولى أن عمارة المسجد، إنما توجب الفضيلة إذا كانت صادرة عن المؤمن، أما إذا كانت صادرة عن الكافر فلا فائدة فيها البتة. والوجه الثاني: من الجواب كل ما ذكره في هذه الآية، وهو أن يقال: هب أنا سلمنا أن عمارة المسجد الحرام وسقي الحاج، يوجب نوعاً من أنواع الفضيلة، إلا أنها بالنسبة إلى الإيمان بالله، والجهاد قليل جداً. فكان ذكر هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد خطأ، لأنه يقتضي مقابلة الشيء الشريف الرفيع جداً بالشيء الحقير التافه جداً، وأنه باطل، فهذا هو الوجه في تخريج هذه الآية، وبهذا الطريق يحصل النظم الصحيح لهذه الآية بما قبلها. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية. واعلم أن السقاية والعمارة فعل، قوله: {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } إشارة إلى الفاعل، فظاهر اللفظ يقتضي تشبيه الفعل بالفاعل، والصفة بالذات وأنه محال، فلا بد من التأويل وهو من وجهين: الأول: أن نقول التقدير أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كم آمن بالله؟ ويقويه قراءة عبد الله بن الزبير {سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام} والثاني: أن نقول التقدير أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله؟ ونظيره قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ }تفسير : إلى قوله: { أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 177]. المسألة الثالثة: قال الحسن رحمه الله تعالى: كانت السقاية بنبيذ الزبيب، وعن عمر أنه وجد نبيذ السقاية من الزبيب شديداً فكسر منه بالماء ثلاثاً، وقال إذا اشتد عليكم فاكسروا منه بالماء وأما عمارة المسجد الحرام فالمراد تجهيزه وتحسين صورة جدرانه، ولما ذكر تعالى وصف الفريقين قال: {لاَّ يَسْتَوُونَ } ولكن لما كان نفي المساواة بينهما لا يفيد أن الراجح من هو؟ نبه على الراجح بقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } فبين أن الكافرين ظالمون لأنفسهم فإنهم خلقوا للإيمان وهم رضوا بالكفر وكانوا ظالمين، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه وأيضاً ظلموا المسجد الحرام، فإنه تعالى خلقه ليكون موضعاً لعبادة الله تعالى، فجعلوه موضعاً لعبادة الأوثان، فكان هذا ظلماً.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ} التقدير في العربية: أجعلتم أصحاب سقاية الحاج، أو أهل سقاية الحاج، مثلَ من آمن بالله وجاهد في سبيله. ويصح أن يقدّر الحذف في «من آمن» أي أجعلتم عمل سقي الحاج كعمل من آمن. وقيل: التقدير كإيمان من آمن. والسِّقَاية مصدر كالسِّعاية والحِماية. فجعل الاسم بموضع المصدر إذْ عُلم معناه؛ مثل إنما السخاء حاتم، وإنما الشِّعر زُهير. وعمارة المسجد الحرام مثل «وٱسْأَلِ الْقَرْيَةَ». وقرأ أبو وَجْزة {أجعلتم سُقاةَ الحاج وَعَمرة المسجد ٱلْحَرَامِ} سُقَاة جمع ساقٍ والأصل سُقْية على فُعْلَةٍ؛ كذا يجمع المعتلّ من هذا، نحو قاض وقُضَاة وناسٍ ونُسَاة. فإن لم يكن معتلاّ جمع على فُعَلَةٍ نحو ناسىء ونَسَأَة، للذين كانوا ينسئون الشهور. وكذا قرأ ابن الزبير وسعيد بن جبير «سُقاة وعَمَرة»، إلاَّ أن ٱبن جُبير نصب «المسجد» على إرادة التنوين في «عَمَرة». وقال الضحاك: سُقاية بضم السين، وهي لغة. والحَاجُّ اسم جنس الحُجّاج. وعمارة المسجد الحرام: معاهدته والقيام بمصالحه. وظاهر هذه الآية أنها مبطلة قول من افتخر من المشركين بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام؛ كما ذكره السُّدِّي. قال: افتخر عَباسٌ بالسقاية، وشِيبَةُ بالعمارة، وعليٌّ بالإسلام والجهاد؛ فصدَّق الله عليّاً وكذبهما، وأخبر أن العمارة لا تكون بالكفر، وإنما تكون بالإيمان والعبادة وأداء الطاعة. وهذا بيّن لا غُبار عليه. ويُقال: إن المشركين سألوا اليهود وقالوا: نحن سُقاة الحاج وعمّار المسجد الحرام، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟ فقالت لهم اليهود عناداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم أفضل. وقد اعترض هنا إشكال، وهو ما جاء في صحيح مسلم عن النُّعمان بن بَشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أُبالي ألاّ أعمل عملا بعد الإسلام إلاَّ أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أُبالي ألاّ أعمل عملاً بعد الإسلام إلاَّ أن أعمِّر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند مِنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو يوم الجمعة ـ ولكن إذا صُلِّيَتْ الجمعة دخلتُ واستفتيتُه فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله عزّ وجلّ: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} إلى آخر الآية. وهذا المساق يقتضي أنها إنما نزلت عند اختلاف المسلمين في الأفضل من هذه الأعمال. وحينئذ لا يليق أن يُقال لهم في آخر الآية: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} فتعين الإشكال. وإزالته بأن يُقال: إن بعض الرواة تسامح في قوله؛ فأنزل الله الآية. وإنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم الآية على عمر حين سأله فظن الراوي أنها نزلت حينئذٍ، واستدلّ بها النبي صلى الله عليه وسلم على أن الجهاد أفضل مما قال أُولئك الذين سمعهم عمر؛ فاستفتى لهم فتلا عليه ما قد كان أنزل عليه، لا أنها نزلت في هؤلاء. والله أعلم. فإن قيل: فعلى هذا يجوز الاستدلال على المسلمين بما أنزل في الكافرين، ومعلوم أن أحكامهم مختلفة. قيل له: لا يُستبعد أن يُنتزع مما أنزل الله في المشركين أحكام تليق بالمسلمين. وقد قال عمر: إنا لو شئنا لاتخذنا سَلاَئق وشواء وتُوضع صحفة وتُرفع أُخرى، ولكنا سمعنا قول الله تعالىٰ: {أية : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}تفسير : [الأحقاف: 20]. وهذه الآية نص في الكفار، ومع ذلك ففهم منها عمرُ الزجر عما يناسب أحوالهم بعض المناسبة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. فيمكن أن تكون هذه الآية من هذا النوع. وهذا نفيس وبه يزول الإشكال ويرتفع الإبهام. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} السقاية والعمارة مصدر أسقى وعمر فلا يشبهان بالجثث بل لا بد من إضمار تقديره أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن. ويؤيد الأول قراءة من قرأ «سقاة الحاج وعمرة المسجد» والمعنى إنكار أن يشبه المشركون وأعمالهم المحبطة بالمؤمنين وأعمالهم المثبتة ثم قرر ذلك بقوله: {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ} وبين عدم تساويهم بقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي الكفرة ظلمة بالشرك ومعاداة الرسول عليه الصلاة والسلام منهمكون في الضلالة فكيف يساوون الذين هداهم الله ووفقهم للحق والصواب، وقيل المراد بالظالمين الذين يسوون بينهم وبين المؤمنين.

ابن كثير

تفسير : قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: إن المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفخرون بالحرم، ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم من المشركين: {أية : قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَـٰمِراً تَهْجُرُونَ } تفسير : [المؤمنون: 66-67] يعني: أنهم كانوا يستكبرون بالحرم، قال: {بِهِ سَـٰمِراً} كانوا يسمرون به، ويهجرون القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم فخير الله الإيمان والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم على عمارة المشركين البيت، وقيامهم على السقاية، ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته، ويحرمون به. قال الله تعالى: {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة، فسماهم الله ظالمين بشركهم، فلم تغن عنهم العمارة شيئاً. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: قد نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر، قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي، ونفك العاني، قال الله عز وجل: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} يعني: أن ذلك كله كان في الشرك، ولا أقبل ما كان في الشرك، وقال الضحاك بن مزاحم: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونفك العاني، ونحجب البيت، ونسقي الحاج، فأنزل الله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ} الآية. وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة عن إسماعيل عن الشعبي: قال: نزلت في علي والعباس رضي الله عنهما بما تكلما في ذلك، وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن أبي صخر قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار، وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة: أنا صاحب البيت، معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه. وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي رضي الله عنه: ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ} الآية كلها، وهكذا قال السدي، إلا أنه قال: افتخر علي والعباس وشيبة بن عثمان، وذكر نحوه، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن عمرو عن الحسن قال: نزلت في علي وعباس وعثمان وشيبة، تكلموا في ذلك، فقال العباس: ما أراني إلا أني تارك سقايتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أقيموا على سقايتكم؛ فإن لكم فيها خيراً» تفسير : ورواه محمد بن ثور: عن معمر عن الحسن، فذكر نحوه، وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث مرفوع، فلا بد من ذكره هنا، قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رجلاً قال: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صلينا الجمعة، دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم فسألناه. فنزلت: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ}. (طريق أخرى) قال الوليد بن مسلم: حدثني معاوية بن سلام عن جده أبي سلام الأسود عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، قال: ففعل، فأنزل الله عز وجل: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} ورواه مسلم في صحيحه، وأبو داود، وابن جرير، وهذا لفظه، وابن مردويه وابن أبي حاتم في تفاسيرهم، وابن حبان في صحيحه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } أي أهل ذلك {كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُنَ عِندَ ٱللَّهِ } في الفضل {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ } الكافرين، نزلت ردّاً على من قال ذلك وهو العباس أو غيره.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} يعني بعمارته السدانة والقيام به. {كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الأخِر وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ} لأن قريشاً فضلت ذلك على الإيمان بالله، فرد الله تعالى عليهم وأعلمهم أنهما لا يستويان، وأن ذلك مع الكفر محبط. وحكى مقاتل أن هذا الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب، وهو صاحب السقاية، وفي شيبة بن عثمان وهو صاحب السدانة وحاجب الكعبة أُسرا يوم بدر فعيرا بالمقام على الكفر بمكة وأغلظ لهما المهاجرون، فقالا نحن أفضل منكم أجراً نعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج فنزل هذا فيهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {سِقَايَةَ الْحَآجَّ وَعِمَارَةَ الْمسجِدِ} بسدانته والقيام به، لما فضلت قريش ذلك على الإيمان بالله ـ تعالى ـ نزلت، أو نزلت في العباس صاحب السقاية، وشيبة بن عثمان صاحب السدانة، وحاجب الكعبة، لما أُسرا ببدر عيرهما المهاجرون بالكفر والإقامة بمكة فقالا نحن أفضل أجراً منكم بعمارة المسجد وحجب الكعبة وسقي الحاج.

النسفي

تفسير : {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر كالصيانة والوقاية، ولا بد من مضاف محذوف تقديره: أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله. وقيل: المصدر بمعنى الفاعل يصدقه قراءة ابن الزبير {سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام} والمعنى إنكار أن يشبه المشركون بالمؤمنين وأعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة وأن يسوي بينهم، وجعل تسويتهم ظلماً بعد ظلمهم بالكفر لأنهم وضعوا المدح والفخر في غير موضعهما. نزلت جواباً لقول العباس حين أسر فطفق علي رضي الله عنه يوبخه بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم تذكر مساوينا وتدع محاسننا. فقيل: أولكم محاسن؟ فقال: نعمر المسجد ونسقي الحاج ونفك العاني. وقيل: افتخر العباس بالسقاية وشيبة بالعمارة، وعلي رضي الله عنه بالإسلام والجهاد، فصدق الله تعالى علياً {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ } أولئك {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ } من أهل السقاية والعمارة {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ } لا أنتم والمختصون بالفوز دونهم {يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم } {يُبْشُرهم } حمزة {بِرَحْمَةٍ مّنْهُ وَرِضْوٰنٍ وَجَنَّـٰتٍ } تنكير المبشر به لوقوعه وراء صفة الواصف وتعريف المعرف {لَّهُمْ فِيهَا } في الجنات {نَعِيمٌ مُّقِيمٌ } دائم {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لا ينقطع. لما أمر الله النبي عليه السلام بالهجرة جعل الرجل يقول لابنه ولأخيه ولقرابته: إنا قد أمرنا بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته أو ولده فيقول تدعنا بلا شيء فنضيع فيجلس معهم ويدع الهجرة فنزل { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءابَاءكُمْ وَإِخْوٰنَكُمْ أَوْلِيَاء إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَـٰنِ } أي آثروه واختاروه {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ } أي ومن يتولى الكافرين {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ }. {قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوٰنُكُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ } أقاربكم وعشيراتكم أبو بكر {وَأَمْوٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا } اكتسبتموها {وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا } فوات وقت نفاقها {وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ } وهو عذاب عاجل أو عقاب آجل أو فتح مكة {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } والآية تنعي على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين واضطراب حبل اليقين، إذ لا تجد عند أورع الناس ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والأموال والحظوظ. {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ } كوقعة بدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر وفتح مكة. وقيل: إن المواطن التي نصر الله فيها النبي عليه السلام والمؤمنين ثمانون موطناً، ومواطن الحرب مقاماتها ومواقفها {وَيَوْمَ } أي واذكروا يوم {حُنَيْنٍ } وادٍ بين مكة والطائف كانت فيه الوقعة بين المسلمين وهم اثنا عشر ألفاً، وبين هوازن وثقيف وهم أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة، فساءت رسول الله عليه الصلاة والسلام {إِذْ } بدل من {يَوْمٍ } {أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } فأدركت المسلمين كلمة الإعجاب بالكثرة وزل عنهم أن الله هو الناصر لا كثرة الجنود، فانهزموا حتى بلغ فلهم مكة وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده وهو ثابت في مركزه ليس معه إلا عمه العباس آخذاً بلجام دابته، وأبو سفيان ابن الحارث بن عمه آخذاً بركابه فقال للعباس: «صح بالناس» وكان صيَّتاً، فنادى: يا أصحاب الشجرة فاجتمعوا وهم يقولون: لبيك، لبيك نزلت الملائكة عليهم الثياب البيض على خيول بلق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفأ من تراب فرماهم به ثم قال: «حديث : انهزموا ورب الكعبة»تفسير : فانهزموا وكان من دعائه عليه السلام يومئذ «حديث : اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان»تفسير : وهذا دعاء موسى عليه السلام يوم انفلاق البحر {فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } «ما» مصدرية والباء بمعنى «مع» أي مع رُحبها وحقيقته ملتبسة برحبها على أن الجار والمجرور في موضع الحال كقولك «دخلت عليه بثياب السفر» أي متلبساً بها، والمعنى لم تجدوا موضعاً لفراركم عن أعدائكم فكأنها ضاقت عليكم {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } ثم انهزمتم {ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ } رحمته التي سكنوا بها وأمنوا {عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } يعني الملائكة وكانوا ثمانية آلاف أو خمسة أو ستة عشر ألفاً {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بالقتل والأسر وسبي النساء والذراري. {وَذٰلِكَ جَزَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ }.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام} الآية (م) عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. قال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجره عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله عز وجل أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر إلى آخرها. وقيل: قال العباس حين أسروا يوم بدر لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج فأنزل الله هذه الآية وأخبر أن عمارتهم المسجد الحرام وقيامهم على السقاية لا ينفعهم مع الشرك بالله وإن الإيمان والجهاد مع نية خير مما هم عليه. وقال الحسن والشعبي ومحمد بن كعب القرظي: نزلت في علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن أبي شيبة افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت بيدي مفاتيحه. وقال العباس: وأنا صاحب السقاية والقيامة عليها وقال ما أدري ما تقولون لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فأنزل الله هذه الآية {أجعلتم سقاية الحاج} والسقاية مصدر كالرعاية والحماية وهي: سقي الحاج وكان العباس ابن عبد المطلب بيده سقاية الحاج وكان يليها في الجاهلية فلما جاء الإسلام وأسلم العباس أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وعمارة المسجد الحرام يعني بناؤه وتشييده ومرمته {كمن آمن بالله واليوم الآخر} فيه حذف تقديره كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر {وجاهد في سبيل الله} أي وكجهاد من جاهد في سبيل الله. وقيل: السقاية والعمارة بمعنى الساقي والعامر تقديره: أجعلتم ساقي الحاج وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله {لا يستوون عند الله} يعني: لا يستوي حال هؤلاء الذين آمنوا بالله وجاهدوا في سبيل الله بحال من سقى الحاج وعمر المسجد الحرام وهو مقيم على شركه وكفره لأن الله سبحانه وتعالى لا يقبل عملاً إلا مع الإيمان به {والله لا يهدي القوم الظالمين} (خ) عن ابن عباس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها فقال اسقني فقال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه قال اسقني فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يستقون ويعملون فيها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح ثم قال لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذا يعني عاتقه"تفسير : (م) عن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت جالساً مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابي فقال مالي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ أمن حاجة بكم أم من بخل فقال ابن عباس الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل إنما قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة فقال: "حديث : أحسنتم أو أجملتم كذا فاصنعوا"تفسير : فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم النبيذ تمر ينقع في الماء غدوة ويشرب عشاء أو ينقع عشاء ويشرب غدوة وهذا حلال فإن غلى وحمض حرم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ} {سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ}: كانَتْ في بني هَاشِمٍ، وكان العبَّاس يتولاَّها، قال الحسن: ولما نزلَتْ هذه الآيةُ، قال العبَّاس: ما أَراني إلاَّ أتركُ السقايةَ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أُقِيمُوا عَلَيْهَا فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ » {وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ }: قيلَ: هي حِفْظه ممَّن يظلم فيه، أو يقول هُجْراً، وكان ذلك إِلى العبَّاس، وقيل: هي السّدَانَة وَخِدْمَةِ البَيْت خَاصَّة، وكان ذلك في بني عَبْد الدَّار، وكان يتولاَّها عثمانُ بنُ طَلْحَة، وابنُ عمه شَيْبَةُ، وأقرَّها النبيُّ صلى الله عليه وسلم لهما ثَانِيَ يَوْمِ الفتحِ، وقال: «خُذَاهَا خَالِدَةً تَالِدَةً لاَ يُنَازِعُكُمُوهَا إِلاَّ ظَالِمٌ». واختلف الناس في سبب نزولِ هذه الآية، فقال مجاهدٌ: أُمرُوا بالهجرة، فقال العبَّاس: أنا أسقي الحاجَّ، وقال عثمانُ بن طلحة: أنا حاجبُ الكَعْبَة، وقال محمدُ بنُ كَعْب: إِن العبَّاس وعليًّا وعثمان بن طلحة تَفَاخَرُوا فنزلَتِ الآية، وقيل غير هذا. وقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ...} الآية: لما حكم سبحانه في الآية المتقدِّمة بأن الصِّنفين لا يستوون، بيَّن ذلك في هذه الآية الأخيرة، وأوضحه، فعدَّد الإِيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفْس، وحَكَم عَلَى أنَّ أهل هذه الخصالِ أَعظمُ درجةً عند اللَّه مِنْ جميع الخَلْقِ، ثم حَكَمَ لهم بالفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ ورضْوانه، والفَوْزُ: بلوغُ البُغْيَةْ، إمَّا في نيل رَغِيبَة، أو نجاةٍ من هَلَكَة، ويَنْظُرُ إِلى معنَى هذه الآية الحديثُ: « حديث : دَعُوا لي أَصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نِصِيفَهُ »تفسير : ؛ ولأن أصحاب هذه الخِصَال علَى سيوفهم ٱنْبَنَى الإِسلام، وتمهَّد الشرْعُ. وقوله سبحانه: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍ}، هذا وعْدٌ كريمٌ مِنْ ربٍّ رحيمٍ، وفي الحديث الصحيح: « حديث : إِذَا ٱسْتَقَرَ أَهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّة، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَكَيْفَ لاَ نَرْضَى، يَا رَبَّنَا؟ فَيَقُولُ: إِنِّي سَأُعْطِيَكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِك! رِضْوَانِي أَرْضَى عَلَيْكُمْ؛ فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَداً... » تفسير : الحديثَ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ} الآية. الجمهور على قراءة "سِقايةَ"، و "عِمارةَ" مصدرين على "فِعالةٍ"، كـ: الضِّيافة، والوِقاية والتِّجارة، ولم تقلب الياء همزة، لتَحصُّنها بتاء التأنيث، بخلاف "رِدَاءة، وعِباءة"، لطروء تاء التأنيث فيهما، قاله الزمخشريُّ. واعلم أنَّ: السِّقاية فعلٌ، وقوله {أية : مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ}تفسير : [التوبة:18] إشارة إلى الفاعل، فظاهر اللفظ يقتضي تشبيه الفعل بالفاعل، والصفة بالموصوف، وإنّه محال، وحينئذ فلا بُدَّ من حذف مضاف، إمَّا من الأول، وإمَّا من الثَّاني، ليتصادق المجعولان، والتقدير: أجعلتم أهل سقايةِ الحاجِّ، وعِمارة المسجد الحرام كمَنْ آمَنَ، أو أجعلتم السقاية والعِمارة كإيمان مَنْ آمَنَ، أو كعملِ من آمَنَ، ونظيره: {أية : لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ}تفسير : [البقرة:177]، وقيل: السِّقاية والعمارة يعني: السَّاقي والعامر، وهذا كقوله: {أية : وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [طه:132]، أي: للمتقين، والمعنى: أجعلتم ساقي الحاج وعامر المسجد الحرام كـ {كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. ويدلُّ عليه قراءة أبي وابن الزبير والباقين كما يأتي قريباً. وقرأ ابنُ الزُّبير، والباقر، وأبو وجزة "سُقَاة... وعمرة" بضمِّ السين، وبعد الألف تاء التأنيث، و "عَمَرة" بفتح العين والميم دون ألف، وهما جمع "ساقٍ"، و "عامر"، كما يقال: قاضٍ وقُضَاة، ورَام ورُمَاة، وبارٌّ وبَرَرة، وفاجِر وفَجَرة. والأصل: سُقَيَة، فقُلبت الياء ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولا حاجة هنا إلى تقدير حذف مضافٍ، وإن احتيج إليه في قراءة الجمهور. وقرأ سعيد بن جبير كذلك، إلاَّ أنه نصب "المسجِد الحرَام" بـ "عَمَرَة"، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب] شعر : 2771-........................... ولا ذَاكِرِ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاَ تفسير : وقوله: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ}تفسير : [الإخلاص:1-2]. وقرأ الضحاك "سُقَاية"، "عمرة"، وهما جمعان أيضاً، وفي جمع "ساقٍ" على "فُعَالة" نظرٌ لا يَخْفى، والذي ينبغي أن يقال: أن يُجْعل هذا جمعاً لـ "سِقْي" و "السِّقْي" هو الشيء المَسْقِي كـ "الرِّعْي، والطِّحن". و "فِعْل" يُجمع على "فُعال"، قالُوا: ظِئْر وظُؤار، وكان من حقه ألا تدخل عليه تاء التأنيث، كما لم تدخل في: "ظُؤار"، ولكنه أنَّث الجمع، كما أنَّث في قولهم: "حِجَارة، وفُحولة"، ولا بُدّ حينئذٍ من تقدير مضافٍ، أي: أجعلتم أصحاب الأشياءِ المَسقيَّة كمَنْ آمَنَ؟. فصل روى النُّعْمانُ بنُ بشيرٍ قال: كُنْتُ عِنْدَ منبَرِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال رجلٌ: لا أُبَالِي ألاَّ أعملَ عملاً بعد الإسلام، إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل ممَّا قلتم، فزَجرهُمْ عمرُ وقال: لا تَرفعُوا أصوَاتكُم عندَ مِنبرِ رسُول الله صلى الله عليه وسلم وهُو يَوْمُ الجُمعةِ - ولكنْ إذا صَلَّيتُ دخلتُ واستَفْتيْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمَا اختَلَفْتُم فيه، فدخل، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ هذه الآية إلى قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. وقال ابنُ عبَّاسٍ "إنَّ عليّاً أغلظ الكلام للعبَّاس حين أسر يوم بدر، فقال العبَّاسُ: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام، والهجرة، والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، فأنزل الله هذه الآية. وأخبر أنَّ عمارتهم المسجد الحرام، وقيامهم على السقاية، لا ينفعهم مع الشرك بالله، وأنَّ الإيمان بالله، والجهاد مع نبيه خيرٌ مِمَّا هُمْ عليه". وقال الحسنُ والشعبيُّ ومحمدُ بن كعبٍ القرظيُّ "نزلت في عليٍّ بن أبي طالب، والعباس، وطلحة بن أبي شيبة، افتخروا، فقال طلحةُ: أنا صاحبُ البيتِ، بيدي مفتاحه، ولو أردتُ بتُّ فيه، وقال العبَّاس: أنا صاحبُ السِّقاية، والقائم عليها، وقال علي: لا أدري ما تقولون، لقد صلَّيْتُ إلى القبلة ستة أشهر قبل النَّاس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله هذه الآية". وقيل: إنَّ عليّاً قال للعباس بعد إسلامه: يا عم ألا تهاجرون، ألا تحلقُون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ألستُ في أفضل من الهجرةِ؟ أسقي الحاج، وأعمر البيت الحرام؟ فنزلت هذه الآية، فقال العباس: ما أراني إلاَّ تارك سقايتنا، فقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أقيمُوا على سقَايتكُم فإنَّ لَكُم فيهَا خَيْراً ". تفسير : وقيل: إنَّ المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج، وعمار المسجد الحرام، فنحن أفضل أم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ فقالت اليهودُ لهم: أنتُمْ أفْضَلُ. قال ابن الخطيب: "هذه المفاضلة تحتملُ أن تكون جرت بين المسلمين، ويحتمل أن تكون جرت بين المسلمين والكفار، أمَّا كونها جرت بين المسلمين، فلقوله تعالى بعد ذلك {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ}، وهذا يقتضي أن يكون للمرجوح درجة أيضاً عند الله، وذلك لا يليق إلاَّ بالمؤمنين، وأمَّا احتمال كونها جرت بين المؤمنين والكفار، فلقوله تعالى {كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} وهذا يدل على أنَّ هذه المفاضلة وقعت بين من لم يُؤمن بالله وبين من آمن بالله". وهذا هو الأقرب؛ لأن المفسرين نقلوا في تفسير قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ}تفسير : [التوبة:18] أنَّ العباس احتجَّ على فضائل نفسه، بأنَّهُ عمر المسجد الحرام، وسقي الحاج، فأجاب الله عنه بوجهين: الأول: ما تقدَّم في الآية الأولى: أنَّ عمارة المسجد الحرام توجب الفضيلة إذا كانت صادرة عن المؤمن، أمَّا إذا صدرت عن الكافر، فلا فائدة فيها ألبتة. والثاني: هذه الآية، وهو أن يقال: سَلَّمنا أنَّ عمارة المسجد الحرام، وسقي الحاج، يوجب نوعاً من الفضيلة، إلاَّ أنها بالنسبة إلى الإيمان والجهاد كمقابلة الشيءِ الشَّريف الرفيع جدّاً بالشَّيء الحقير التافه جدّاً، وإنَّه باطل، وبهذا الطريق حصل النظم الصحيح لهذه الآية بما قبلها. فصل روى عكرمةُ عن ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السِّقاية فاستسقى، فقال العبَّاسُ يا فضل اذهب إلى أمك فأتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها، فقال: اسقني. فقال يا رسُول الله: إنَّهم يجعلون أيديهم فيه، قال: اسقني، فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يستقون ويعملون فيها، فقال: اعملوا فإنَّكم على عملٍ صالح، ثم قال: لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذا، يعني: عاتقه وأشار إلى عاتقه. وعن بكر بن عبد الله المزنيّ: قال: كنتُ جالساً مع ابنِ عبَّاسٍ عند الكعبة فأتاه أعرابيّ فقال: ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ؟ أمِنْ حاجةٍ بكم؟ أمِنْ بُخْلٍ؟ فقال ابنُ عبَّاسٍ: الحمدُ للهِ ما بِنَا من حاجة ولا بخل، إنَّما قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته، وخلفه أسامة، فاستسقى، فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب، وسقى فضله أسامة، فقال: أحسنتم وأجملتم، كذا فاصْنَعُوا، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحسنُ: "كانت السِّقاية بنبيذ الزبيب". وعن عمر أنه وجد نبيذ السقاية من الزبيب شديداً، فكسر منه بالماء ثلاثاً، وقال: إذا اشتد عليكم فاكسروا منه بالماء. وأمَّا عمارة المسجد الحرامِ فهي تجهيزه وتحسين صورة جدرانه. قوله {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ} في الجملة وجهان: أظهرهما: أنَّها مستأنفةٌ، أخبر تعالى بعدم تساوي الفريقين. والثاني: أن يكون حالاً من المفعولين للجعل، والتقدير: سَوَّيْتُم بينهم في حال تفاوتهم، ولمَّا نفى المساواة بينهما، وذلك لا يفيد من هُوَ الرَّاجح؛ فنبَّه على الرَّاجح بقوله {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أي: إنَّ الكافرين ظلمُوا أنفسهم، لأنهم تركُوا الإيمان، ورضُوا بالكفر فكانوا ظالمين، لأنَّ الظُّلمَ عبارةٌ عن وضع الشيء في غير موضعه، وأيضاً ظلموا المسجد الحرام، فإنَّه تعالى جعله موضعاً لعبادة الله تعالى، فجعلوه موضعاً لعبادة الأوثان. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية. لمَّا ذكر ترجيح الإيمان، والجهاد على السِّقاية وعمارة المسجد الحرام على طريق الرمز؛ أتبعه بذكر هذا التَّرجيح بالتَّصريح، أي: مَنْ كان موصوفاً بهذه الصِّفات الأربعة كان أعظم درجة عند الله ممَّن اتَّصف بالسِّقاية والعمارة، والسَّبب فيه؛ لأن الإنسان ليس له إلاَّ الروح، والبدن، والمال، فأمَّا الرُّوح فإنه لمَّا زال عنه الكفر، وحصل فيه الإيمان، فقد وصل إلى مراتب السعادات وأما البدن والمال، فبالهجرة والجهادِ صارا معرَّضين للهلاك، ولا شكَّ أنَّ النفس والمال محبوب الإنسان، والإنسان لا يعرض عن محبوبه إلاَّ عند الفوز بمحبوب أكمل من الأوَّلِ، فلولا أنَّ طلب الرضوان أتمُّ عندهم من النفس والمال؛ وإلاَّ لما رجَّحُوا جانب الآخرة على النفس والمال طلباً لمرضاة الله تعالى، وأي مناسبة بين هذه الدرجة وبين الإقدام على السِّقاية والعمارة بمجرد الاقتداء بالآباء، وطلب الرياسة والسُّمعة؟ قوله: {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ} لم يقُلْ: أعظم درجة من المشتغلين بالسقاية والعمارة؛ لأنَّه لو ذكرهم، أوهم أن تلك الفضيلة بالنسبة إليهم، فلمَّا ترك ذكر المرجوح، دلَّ ذلك على أنَّهُمْ أفضل من كل من سواهم على الإطلاق. فإن قيل: لمَّا أخبرتم بأنَّ هذه الصفات كانت بين المسلمين والكافرين، فكيف قال في وصفهم: "أعْظَمُ دَرَجَةً"؟. فالجوابُ من وجوه: الأول: أن هذا ورد على ما قدَّرُوا لأنفسهم من الدَّرجة والفضيلة عند الله، ونظيره قوله تعالى: {أية : ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [النمل:59]، وقوله {أية : أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ}تفسير : [الصافات:63]. الثاني: أنَّ المراد: أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بهذه الصفات، تنبيهاً على أنَّهم لمَّا كانوا أفضل من المؤمنين الذين ما كانوا موصوفين بهذه الصفات فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى. الثالث: أن المراد، أنَّ المؤمن المُهاجِرَ المجاهد أفضل ممَّن على السقاية والعمارة، والمراد منه: ترجيح تلك الأعمال على هذه الأعمال، ولا شك أنَّ السِّقاية والعمارة من أعمال الخير، وإنَّما بطل ثوابها في حقِّ الكفار؛ لأن الكفر منع من ظهور ذلك الأثر، ثُم بيَّن تعالى أنهم: "هُمُ الفائِزُون" وهذا للحصر، والمعنى: أنهم هم الفائزون بالدرجة العلية المشار إليها بقوله: "عِنْدَ اللهِ" وليس المراد منه العندية بحسب الجهة والمكان. وقد تقدَّم اختلاف القراء في: "يُبَشِّرهُم" وتوجيه ذلك في "آل عمران" وكذلك في الخلاف في {أية : وَرِضْوَانٌ}تفسير : [آل عمران:15]. وقرأ الأعمش "رضُوان" بضمِّ الراء والضَّاد، وردَّها أبُو حاتم، وقال: "لا يجوز". وهذا غيرُ لازم للأعمش فإنه رواها، وقد وُجِد ذلك في لسان العرب، قالوا: "السُّلُطان" بضم السين واللام. قوله {لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ} يجوز أن تكون هذه الجملةُ صفةً لـ "جَنَّاتٍ" وأنْ تكون صفةً لـ "رَحْمَة"؛ لأنَّهم جَوَّزُوا في هذه الهاء أن تعود للرَّحمة، وأنْ تعود للجنات، وجوَّز مكي أن تعود على البشرى المفهومة من قوله: "يُبَشِّرهُمْ"، كأنَّه قيل: لهم في تلك البشرى. وعلى هذا فتكونُ الجملةُ صفةً لذلك المصدرِ المقدَّرِ إن قدَّرْتَه نكرةً، وحالاً إن قدَّرْتَه معرفةً. ويجوزُ أن يكون "نعيمٌ" فاعلاً بالجارِّ قبله، وهو أولى، لأنَّه يصير من قبيل الوصف بالمفرد، ويجوزُ أن يكون مبتدأ، وخبره الجار قبله، وقد تقدَّم تحقيق ذلك مراراً [الأنفال:72]. قوله: "خَالِدِينَ" حالٌ من الضمير في "لهم". واستدل أهلُ السُّنَّةِ بهذه الآية على أنَّ الخلود يدلُّ على طول المكث، ولا يدل على التأبيد، قالوا: لأنَّهُ لو كان الخلود يفيد التَّأبيد، لكان ذكر التأبيد بعد ذكر الخُلُود تكراراً، وإنه لا يجوز

البقاعي

تفسير : ولما بين سبحانه الصالح لذلك من غيره، أنكر على من لم يفرق بين الصنفين فقال: {أجعلتم سقاية الحاج} أي مجردة عن الإيمان {وعمارة المسجد الحرام} أي كذلك كالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد، وأهل السقاية والعمارة من غير إيمان في موالاتهم والكف عن معاداتهم {كمن آمن بالله} أي الحامل اعتقاد كماله على كل كمال {واليوم الآخر} أي الحاث خوفه على كل خير {وجاهد في سبيل الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء، فالآية على قراءة الجماعة من الاحتباك: حذف أولاً المشبه به لدلالة المشبه عليه وثانياً المشبه لدلالة المشبه به عليه، وأما على رواية نسي بن وردان عن أبي جعفر شاذاً: سقاة وعمرة - بالجمع فلا يحتاج إلى تقدير. ولما كان كأنه قيل: كنا نظن ذلك فما حالهم؟قال: {لا يستوون عند الله} أي الذي له الكمال كله لأن المشركين ظلموا بترك الإيمان {والله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه {لا يهدي القوم الظالمين*} أي الذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها، والكفر أعظم الظلم، فلا توجبوا لهم الهداية ولا المساواة بالمهتدين وإن باشروا جميع أفعال المهتدين ما عدا الإيمان، ومن فعل ذلك منكم كان ظالماً وخيف عليه سلب موجب الهداية. ولما نفى عنهم المساواة من غير تصريح بأهل الترجيح ليشتد التشوف إلى التصريح فيكون اثبت في النفس وأوقر في القلب، كان كأنه قيل: فمن الراجح؟ فقال: {الذين آمنوا} أي أوقعوا هذا الفعل، وهو إيمان المخاطب من أن يكذبوه بشيء مما يخبر به عن الله، وقصر الفعل وهو في الأصل متعد ليفيد أنه لا إيمان غير هذا، وإن وجد غيره فهو عدم بالنسبة إليه، وكذا كل فعل قصر فهو على هذا المنوال ليشار به إلى أنه لعظيم نفعه لا فعل من جنسه غيره {وهاجروا وجاهدوا}. ولما كان المحدث عنه فيما قبل المجاهد في سبيل الله، اقتضى المقام تقديمه على الآلة بخلاف ما في آخر الأنفال فإن المقام اقتضى هناك تقديم المال والنفس لما تقدم من موجبه في غير آية - كما سلف بيانه، وأيضاً ففي هذا الوقت كان المال قد كثر، ومواضع الجهاد قد بعدت، فناسب الاهتمام بالسبيل فلذا قدم {في سبيل الله} أي مخلصين له لأنه الملك الذي لا كفؤ له، ثم أتبعه قوله: {بأموالهم وأنفسهم} فصرح بالنفس ترغيباً في المباشرة بها {أعظم درجة} أي من جهة ارتفاع الدرجة، وهي الفضيلة المقربة إلى الله. ولما لم يكن العبرة إلا بما عنده سبحانه، لا بما عند الناس، قال تعالى: {عند الله} أي الملك الأعظم من أهل السقاية وما معها من غير إيمان مدلول عليه بشواهده، وإنما لم يذكر المفضل عليه ليفيد أن فضيلتهم على الإطلاق، فيكون المفضل عليه من جملة المدلول عليه، وكرر الاسم الأعظم لمزيد الترغيب لخطر المقام وصعوبة المرام؛ وأفهم هذا أن تلك الأفعال شريفة في نفسها، فمن باشرها كان على درجة عظيمة بالنسبة إلى من لم يباشرها، ومن بناها على الأساس كان أعظم؛ ثم بين ما يخص أهل حزبه فقال: {وأولئك} أي العالو التربة {هم} أي خاصة لا أنتم أيها المفاخرون مع الشرك {الفائزون*} أي بالخير الباقي في الدارين دون من عداهم وإن فعل من الخيرات ما فعل، لأنهم ترقوا من العبدية إلى العندية. ولما بين أن جزاء أولئك الخلود في النار، بين ما لهؤلاء، فقال مفسراً لفوزهم: {يبشرهم ربهم} أي المحسن إليم بهدايتهم واجتبائهم. وناهيك بهذه البشارة الدالة على علو مقامهم لأنها بلا واسطة، وكون البشارة على قدر المبشر دال أن هذه البشارة بشارة عظيمة لا نهاية لها ولا يحاط بمعرفة مقدارها {برحمة} أي عظيمة، وزادها عظماً بقوله: {منه} وذلك إشارة إلى أنه لا نجاة بدون العفو؛ ثم أخبر بأن الرحمة كما أثمرت العفو الذي هو أدنى المنازل أسعدت بأعلاها فقال: {ورضوان} أي بأن يكون راضياً عن الله للرضى بقضاء الله وذلك يكون إذا قصر نظره على الله فإنه لا يتغير أبداً بقضاء من أقضيته كما أن الله - الذي هو راحمه - لا يتغير،ومن كان نظره لطلب حظ له كان أبداً في تغير من الفرح إلى الحزن ومن السرور إلى الغم ومن الراحة إلى الجراحة ومن اللذة إلى الألم، فثبت أن الرحمة التامة لا تحصل إلا للراضي بقضاء الله ويكون الله راضياً عنه فتكون نفسه راضية مرضية، ولهذا لم يقيده بـ"منه" وهذان في الدنيا والآخرة. ولما ذكر هذه الجنة الروحانية المنعم بها في الدنيا، أتبعه بيان الجنة الروحانية البدنية الخاصة بالدار التي فيها القرار فقال: {وجنّات} أي بساتين كثيرة الأشجار والثمار {لهم فيها نعيم} أي عظيم جداً خالص عن كدر ما، ودل على الخلود بقوله: {مقيم*} ثم صرح بخلودهم فيها بلفظ الخلود ليكون أقر للنفس فقال: {خالدين فيها} وحقق أمره بقوله: {أبداً} ثم استأنف المدح لذلك مؤذناً بالمزيد بقوله: {إن الله} أي الذي له الغنى المطلق والقدرة الكاملة {عنده أجر عظيم*} وناهيك بما يصفه العظيم دالاًّ بالعظم، وخص هؤلاء المؤمنين بهذا الثواب المعبر عن دوامه بهذه العبارات الثلاث المقرونه بالتعظيم والاسم الأعظم، فكان أعظم الثواب، لأن إيمانهم أعظم الإيمان. ولما فرغ من العاطفة بمحاسن الأعمال، شرع في العاطفة بالأنساب والأموال، وقدم الأول إشارة إلى أن المجانسة في الأفعال مقدمة على جميع الأحوال، ولما كان محط الموالاة المناصرة، وكانت النصرة بالآباء والإخوان أعظم من النصرة بغيرهم، لأن مرجعها إلى كثرة الأعوان والأخدان، اقتصر عليها فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بألسنتهم بالإيمان بربهم معرضين عما سواه من الأنداد الظاهرة! صدقوا ادعاءكم ذلك بأن {لا تتخذوا} أي تتعمدوا وتتكلفوا أن تأخذوا {آباءكم وإخوانكم أولياء} أي على ما يدعو إليه الطباع وتقوية الأطماع فتلقوا إليهم أسراركم وتؤثروا رضاهم والمقام عندهم {إن استحبوا} أي طلبوا وأوجدوا أن أحبوا {الكفر} وهو تغطية الحق والتكذيب {على الإيمان} نبه بصيغة الاستفعال على أن الإيمان لكثرة محاسنه وظهور دلائله معشوق بالطبع، فلا يتركه أحد إلا بنوع معالجة ومكابرة لعقله ومجاهدة. ولما كان أعز الأشياء الدين، وكان لا ينال إلا بالهداية، وكان قد تقدم سلبها عن الظالم، ورهبهم من انتزاعه بقوله: {ومن يتولهم} أي يتكلف أن يفعل في أمرهم ما يفعل القريب مع قريبه {منكم} أي بعد ما أعلمكم الله في أمرهم مما أعلم {فأولئك} أي المبعدون عن الحضرات الربانية {هم الظالمون*} أي لوضعهم الموالاة في غير موضعها بعد أن تقدم إليهم سبحانه بمثل هذه الزواجر، وهذا رجوع بالاحتراس إلى {أية : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} تفسير : [الأنفال: 75] - الآية الوالية لبيان المؤمنين حقاً وإشارة إلى أنه يضلهم ولا يهديهم لما تقدم من الخبر بأنه لا يهدي الظالمين. ولما كانت الأنفس مختلفة الهمم متباينة السجايا والشيم، كان هذا غير كافٍ في التهديد لكلها، فأتبعه تهديداً أشد منه بالنسبة إلى تلك النفوس فقال منتقلاً من أسلوب الإقبال إلى مقام الإعراض المؤذن بزواجر الغضب: {قل} أي يا أعظم الخلق شفقة ورفقاً ونصيحة لمن لم يُزعمه ما تقدم من الزواجر أنه يجب تحمل جميع هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سالماً ولا ينثلم {إن كان آباؤكم} أي الذين أنتم أشد شيء توقيراً لهم {وأبناؤكم} أي الذين هم أعز الناس لديكم وأحبهم إليكم {وإخوانكم} أي الذين هم من أصولكم فهم كأنفسكم {وأزواجكم} أي اللاتي هن سكن لكم {وعشيرتكم} أي التي بها تمام الراحة وقيام العز والمنعة وهم أهل الإنسان الأدنون الذين يعاشرونه. ولما قدم سبحانه ما هو مقدم على المال عند أولي الهمم العوال قال: {وأموال اقترفتموها} أي اكتسبتموها بالمعالجة من الأسفار وغيرها لمعاشكم {وتجارة تخشون كسادها} أي لفوات أوقات نفاقها بسبب اشتغالكم بما ندب الله سبحانه إليه فيفوت - على ما تتوهمون - ما به قوامكم {ومساكن ترضونها} أي لأنها مجمع لذلك كله، ولقد رتبها سبحانه أحسن ترتيب، فإن الأب أحب المذكورين لما هنا من شائبة النصرة، وبعده الابن ثم الأخ ثم الزوج ثم العشير الجامع للذكور والإناث ثم المال الموجود في اليد ثم المتوقع ربحه بالمتجر، وختم بالمسكن لأنه الغاية التي كل ما تقدم أسباب للاسترواح فيه والتجمل به {أحب إليكم من الله} أي الجامع لصفات الكمال الذي أنعم عليكم بجميع ما ذكر، ومتى شاء سلبكموه {ورسوله} أي الذي أتاكم بما به حفظ هذه النعم في الدارين {وجهاد في سبيله} أي الرد الشارد من عباده إليه وجمعهم عليه، وفي قوله -: {فتربصوا} أي انتظروا متربصين - تهديد بليغ {حتى يأتي الله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {بأمره} أي الذي لا تبلغه أوصافكم ولا تحتمله قواكم. ولما كان من آثر حب شيء من ذلك على حبه تعالى، كان مارقاً من دينه راجعاً إلى دين من آثره، وكان التقدير: فيصيبكم بقارعة لا تطيقونها ولا تهتدون إلى دفعها بنوع حلية، لأنكم اخترتم لأنفسكم منابذة الهداية ومعلوم أن من كان كذلك فهو مطبوع في الفسق، عطف عليه قوله: {والله} أي الجامع لصفات الكمال {لا يهدي القوم} أي لا يخلق الهداية في قلوب {الفاسقين*} أي الذين استعملوا ما عندهم من قوة القيام فيما يريدون من الفساد حتى صار الفسق - وهو الخروج مما حقه المكث فيه و التقيد به وهو هنا الطاعة - خلقاً من أخلاقهم ولازماً من لوازمهم، بل يكلهم إلى نفوسهم فيخسروا الدنيا والآخرة.

السيوطي

تفسير : أخرج مسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال‏:‏ كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم، ما أبالي ان لا أعمل لله عملاً بعد الإِسلام إلا أن أسقي الحاج‏.‏ وقال آخر‏:‏ بل عمارة المسجد الحرام‏.‏ وقال آخر‏:‏ بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم‏.‏ فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال‏:‏ لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذلك يوم الجمعة - ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستفتيته فيما اختلفتم فيه، فانزل الله ‏ {‏أجعلتم سقاية الحاج‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏والله لا يهدي القوم الظالمين‏} ‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏أجعلتم سقاية الحاج‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وذلك أن المشركين قالوا‏:‏ عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد‏.‏ فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله استكبارهم واعراضهم فقال لأهل الحرم من المشركين ‏{أية : ‏قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون‏ * مستكبرين به سامراً تهجرون‏} ‏تفسير : [‏المؤمنون: 66-67‏]‏‏.‏ يعني أنهم كانوا يستكبرون بالحرم‏.‏ وقال ‏(‏به سامراً‏)‏ كانوا به يسمرون ويهجون بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، فخير الإِيمان بالله والجهاد مع نبي الله صلى الله عليه وسلم على عمران المشركين البيت وقيامهم على السقاية، ولم يكن ينفعهم عند الله تعالى مع الشرك به وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه، قال الله ‏ {‏لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين‏} ‏ يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة، فسماهم الله ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئا‏ً. وأخرح ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال العباس رضي الله عنه حين أسر يوم بدر‏:‏ إن كنتم سبقتمونا بالإِسلام والهجرة والجهاد لقد كنت نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله ‏ {‏أجعلتم سقاية الحاج‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ يعني أن ذلك كان في الشرك، فلا أقبل ما كان في الشرك‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نزلت في علي بن أبي طالب والعباس رضي الله عنه‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه قال‏:‏ نزلت هذه الآية ‏ {‏أجعلتم سقاية الحاج‏} ‏ في العباس وعلي رضي الله عنهما تكلما في ذلك‏. وأخرج ابن مردويه عن الشعبي رضي الله عنه قال‏:‏ كانت بين علي والعباس رضي الله عنهما منازعة فقال العباس لعلي رضي الله عنه‏:‏ أنا عم النبي صلى الله عليه وسلم وأنت ابن عمه، وإلي سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فأنزل الله ‏{‏أجعلتم سقاية الحاج‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏. وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال‏:‏ نزلت في علي والعباس وعثمان وشيبة تكلموا في ذلك‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عبيدة رضي الله عنه قال‏:‏ قال علي رضي الله عنه للعباس‏:‏ لو هاجرت إلى المدينة‏.‏ قال‏:‏ أوَلست في أفضل من الهجرة‏؟‏ ألست أسقي الحاج، وأعمر المسجد الحرام‏؟‏ فنزلت هذه الآية يعني قوله ‏{‏أعظم درجة عند الله‏}‏ قال‏:‏ فجعل الله للمدينة فضل درجة على مكة‏.‏ وأخرج الفريابي عن ابن سيرين قال‏:‏ قدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه مكة فقال للعباس رضي الله عنه‏:‏ أي عم الا تهاجر، ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال‏:‏ أعمر المسجد الحرام، وأحجب البيت‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وقال لقوم قد سماهم‏:‏ ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقالوا‏:‏ نقيم مع اخواننا وعشائرنا ومساكننا، فأنزل الله تعالى ‏{أية : ‏قل إن كان آباؤكم‏} ‏تفسير : [‏التوبة: 24‏]‏ الآية كلها‏. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال‏:‏ افتخر طلحة بن شيبة، والعباس، وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة‏:‏ أنا صاحب البيت معي مفتاحه‏.‏ وقال العباس رضي الله عنه‏:‏ أنا صاحب السقاية والقائم عليها‏:‏ فقال علي رضي الله عنه‏:‏ ما أدري ما تقولون‏:‏ لقد صليت إلى القبلة قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله ‏{‏أجعلتم سقاية الحاج‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية كلها‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس‏:‏ أما - والله - لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونفك العاني، ونحجب البيت، ونسقي الحاج، فأنزل الله ‏{‏أجعلتم سقاية الحاج‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قعد العباس وشيبة صاحب البيت يفتخران، فقال له العباس رضي الله عنه‏:‏ أنا أشرف منك، أنا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصي أبيه، وساقي الحجيج‏.‏ فقال شيبة‏:‏ أنا أشرف منك، أنا أمين الله على بيته وخازنه، أفلا ائتمنك كما ائتمنني‏؟‏ فاطلع عليهما عليّ رضي الله عنه فأخبراه بما قالا‏.‏ فقال علي رضي الله عنه‏:‏ أنا أشرف منكما، أنا أوّل من آمن وهاجر‏:‏ فانطلقوا ثلاثتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه‏.‏ فما أجابهم بشيء، فانصرفوا فنزل عليه الوحي بعد أيام، فأرسل إليهم فقرأ عليهم ‏ {‏أجعلتم سقاية الحاج‏} ‏ إلى آخر العشر‏. وأخرج أبو الشيخ عن أبي حمزة السعدي أنه قرأ ‏ {‏أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام‏} ‏‏. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏{‏أجعلتم سقاية الحاج‏} ‏ قال‏:‏ أرادوا أن يدعوا السقاية والحجابة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏لا تدعوها فإن لكم فيها خيرا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه قال‏:‏ اشرب من سقاية العباس فانها من السنة‏.‏ ولفظ ابن أبي شيبة‏:‏ فإنه من تمام الحج‏. وأخرج البخاري والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏"‏حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال للعباس‏:‏ يا فضل اذهب إلى أمك فائت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها، فقال‏:‏ اسقني‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول الله انهم يجعلون أيديهم فيه‏.‏ فقال‏:‏ اسقني‏.‏ فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال‏:‏ اعملوا فإنكم على عمل صالح، لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه، وأشار إلى عاتقه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن أبي محذورة رضي الله عنه قال‏:‏ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان لنا ولموالينا، والسقاية لنبي هاشم، والحجابة لبني عبد الدار‏. وأخرج ابن سعد عن علي رضي الله عنه قال ‏"‏ قلت للعباس رضي الله عنه‏:‏ سل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نأتيك بماء لم تمسه الأيدي‏؟‏ قال‏:‏ بلى، فاسقوني فسقوه، ثم أتى زمزم فقال‏:‏ استقوا لي منها دلواً، فأخرجوا منها دلواً فمضمض منه ثم مجه فيه، ثم قال‏:‏ أعيدوه ثم قال‏:‏ إنكم على عمل صالح، ثم قال‏:‏ لولا أن تغلبوا عليه لنزلت فنزعت معكم‏"‏‏. وأخرج ابن سعد عن جعفر بن تمام قال‏:‏ جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال‏:‏ أرأيت ما تسقون الناس من نبيذ هذا الزبيب، أسنة تبغونها أم تجدون هذا أهون عليكم من اللبن والعسل‏؟‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى العباس وهو يسقي الناس فقال ‏"‏اسقني‏.‏ فدعا العباس بعساس من نبيذ، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم عساً منها فشرب، ثم قال‏:‏ أحسنتم هكذا فاصنعوا‏.‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ فما يسرني أن سقايتها جرت عليَّ لبناً وعسلا مكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أحسنتم هكذا فافعلوا"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ اشرب من سقاية آل العباس فإنها من السنة‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أجعلتم سقاية الحاج‏؟‏‏} ‏ قال‏:‏ زمزم‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف والأزرقي في تاريخ مكة والبيهقي في الدلائل عن الزهري رضي الله عنه قال‏:‏ أول ما ذكر من عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن قريشاً خرجت من الحرم فارّة من أصحاب الفيل وهو غلام شاب فقال‏:‏ والله لا أخرج من حرم الله أبتغي العز في غيره‏.‏ فجلس عند البيت وأجلت عنه قريش فقال‏: شعر : اللهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم وضلالهم عدواً محالك تفسير : فلم يزل ثابتاً في الحرم حتى أهلك الله الفيل وأصحابه، فرجعت قريش وقد عظم فيها لصبره وتعظيمه محارم الله، فبينما هو في ذلك وقد ولد له أكبر بنيه، فأدرك - وهو الحارث بن عبد المطلب - فأتي عبد المطلب في المنام فقيل له‏:‏ احفر زمزم خبيئة الشيخ الأعظم، فاستيقظ فقال‏:‏ اللهمَّ بيِّن لي‏.‏ فأتي في النام مرة أخرى فقيل‏:‏ احفرتكم بين الفرث والدم في مبحث الغراب في قرية النمل مستقبل الأنصاب الحمر‏.‏ فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما سمي له من الآيات، فنحرت بقرة بالجزورة فانفلتت من جازرها تحمي نفسها حتى غلب عليها الموت في المسجد في موضع زمزم، فجزرت تلك البقرة من مكانها حتى احتمل لحمها فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث، فبحث عن قرية النمل فقام عبد المطلب فحفر هناك، فجاءته قريش فقالت لعبد المطلب‏:‏ ما هذا الصنيع إنما لم نكن نرميك بالجهل لم تحفر في مسجدنا‏؟‏‏!‏ فقال عبد المطلب‏:‏ إني لحافر هذا البئر ومجاهد من صدني عنها‏.‏ فطفق هو وولده الحارث وليس له ولد يومئذ غيره، فسفه عليهما يومئذ ناس من قريش فنازعوها وقاتلوهما، وتناهى عنه ناس من قريش لما يعلمون من عتق نسبه وصدقه واجتهاده في دينهم‏.‏ حتى إذا أمكن الحفر واشتد عليه الأذى، نذر أن وفي له عشرة من الولدان ينحر أحدهم، ثم حفر حتى أدرك سيوفاً دفنت في زمزم حين دفنت، فلما رأت قريش أنه قد أدرك السيوف قالوا‏:‏ يا عبد المطلب أجدنا مما وجدت‏.‏ فقال عبد المطلب‏:‏ هذه السيوف لبيت الله‏.‏ فحفر حتى انبط الماء في التراب وفجرها حتى لا تنزف وبنى عليها حوضاً، فطفق هو وابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض فيشربه الحاج، فيكسره أناس حسدة من قريش فيصلحه عبد المطلب حين يصبح‏.‏ فلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربه، فأريَ في المنام فقيل له‏:‏ قل اللهمَّ لا أحلها المغتسل ولكن هي للشاربين حل وبل ثم كفيتهم‏.‏ فقام عبد المطلب حين اختلفت قريش في المسجد، فنادى بالذي أرى ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه ذلك عليه أحد من قريش إلا رمى في جسده بداء حتى تركوا حوضه وسقايته، ثم تزوّج عبد المطلب النساء فولد له عشرة رهط‏.‏ فقال‏:‏ اللهمَّ إني كنت نذرت لك نحر أحدهم وإني أقرع بينهم فأصيب بذلك من شئت‏.‏ فأقرع بينهم فطارت القرعة على عبد الله، وكان أحب ولده إليه فقال عبد المطلب‏:‏ اللهم هو أحب إليك أم مائة من الابل‏؟‏ ثم أقرع بينه وبين المائة من الإِبل فطارت القرعة على المائة من الإِبل، فنحرها عبد المطلب‏. وأخرج الأزرقي والبيهقي في الدلائل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ قال عبد المطلب‏:‏ إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال‏:‏ أحفر طيبة‏.‏ قلت‏:‏ وما طيبة‏؟‏ فذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي فنمت به، فجاءني فقال‏:‏ احفر زمزم‏.‏ فقلت‏:‏ وما زمزم‏؟‏ قال‏:‏ لا تنزف ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم عند قرية النمل‏.‏ قال‏:‏ فلما أبان له شأنها ودل على موضعها وعرف أن قد صدق غدا بمعول ومعه ابنه الحارث ليس له يومئذ غيره فحفر، فلما بدا لعبد المطلب الطي كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا‏:‏ يا عبد المطلب إنها بئر إسمعيل، وإن لنا فيها حقاً فأشركنا معك فيها‏؟‏ فقال‏:‏ ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم‏.‏ قالوا‏:‏ فأنصفنا فإنَّا غير تاركيك حتى نحاكمك‏.‏ قال‏:‏ فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم‏.‏ قالوا‏:‏ كاهنة من سعد هذيل‏.‏ قال‏:‏ نعم - وكانت باشراف الشام - فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف، وركب من كل ركب من قريش نفر - والأرض إذ ذاك مفاوز - فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض المفاوز بين الحجاز والشام فنى ماء عبد المطلب وأصحابه فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا ممن معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا‏:‏ إنا في مفازة نخشى فيها على أنفسنا مثل ما أصابكم‏. فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال‏:‏ ماذا ترون‏؟‏ قالوا‏:‏ ما رأينا الا تبع لرأيك فمرنا ما شئت‏.‏ قال‏:‏ فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم لنفسه لما بكم الآن من القوة، كلما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلاً فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعاً‏.‏ قالوا‏:‏ سمعنا ما أردت‏.‏ فقام كل رجل منهم يحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه‏:‏ والله إن إلقاءنا بأيدينا لعجز ما نبتغي لأنفسنا حيلة، عسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ارحلوا، فارتحلوا حتى فرغوا ومن معهم من قريش ينظرون إليهم وما هم فاعلون، فقام عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشربوا واستقوا حتى ملأوا سقيتهم، ثم دعا القبائل التي معه من قريش فقال‏:‏ هلم الماء قد سقانا الله تعالى فاشربوا واستقوا‏.‏ فقالت القبائل التي نازعته‏:‏ قد - والله - قضى الله لك يا عبد المطلب علينا، والله لا نخاصمك في زمزم‏.‏ فارجع إلى سقايتك راشداً‏.‏ فرجع ورجعوا معه ولم يمضوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبين زمزم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وعمر بن شبة والفاكهاني في تاريخ مكة والطبراني في الأوسط وابن عدي والبيهقي في سننه من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال ‏"‏حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ماء زمزم لما شرب له‏ "‏‏. تفسير : وأخرج المستغفري في الطب عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "‏حديث : ماء زمزم لما شرب له، من شربه لمرض شفاه الله، أو جوع أشبعه الله، أو لحاجة قضاها الله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الدينوري في المجالسة عن الحميدي - وهو شيخ البخاري رضي الله عنهما - قال‏:‏ كنا عند ابن عينية فحدثنا بحديث ماء زمزم لما شرب له، فقام رجل من المجلس ثم عاد فقال‏:‏ يا أبا محمد ليس الحديث الذي قد حدثتنا في زمزم صحيحا‏ً.‏ فقال‏:‏ بلى‏.‏ فقال الرجل‏:‏ فإني شربت الآن دلواً من زمزم على أن تحدثني بمائة حديث‏.‏ فقال سفيان رضي الله عنه‏:‏ اقعد فقعد‏.‏ فحدثه بمائة حديث‏. وأخرج الفاكهاني في تاريخ مكة عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال‏:‏ حج معاوية رضي الله عنه وحججنا معه، فلما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا فقال‏:‏ يا غلام انزع لي منها دلوا‏ً.‏ فنزع له دلواً يشرب وصب على وجهه، وخرج وهو يقول‏:‏ ماء زمزم لما شرب له. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ماء زمزم لما شرب له‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الحافظ أبو الوليد بن الدباغ رضي الله عنه في فوائده والبيهقي والخطيب في تاريخه عن سويد بن سعيد رضي الله عنه قال‏:‏ رأيت ابن المبارك رضي الله عنه أتى زمزم، فملأ إناء ثم استقبل الكعبة فقال‏:‏ اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن ابن المنكدر عن جابر رضي الله عنه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ماء زمزم لما شرب له‏"‏‏تفسير : .‏ وهو ذا أشرب هذا لعطش يوم القيامة‏.‏ ثم شربه‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي من طريق أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏ماء زمزم لما شرب له‏" ‏تفسير : قال الحكيم‏:‏ وحدثني أبي قال‏:‏ دخلت الطواف في ليلة ظلماء، فأخذني من البول ما شغلني، فجعلت أعتصر حتى آذاني، وخفت ان خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقذار وذلك أيام الحج، فذكرت هذا الحديث، فدخلت زمزم فتضلعت منه، فذهب عني إلى الصباح‏. وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏خير ماء على وجه الأرض زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السقم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والفاكهاني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏ زمزم خير ماء يعلم، وطعام يطعم، وشفاء سقم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمل ماء زمزم في القوارير، وتذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وكان يصب على المرضى ويسقيهم‏. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن صفية رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ماء زمزم شفاء من كل داء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ ‏"حديث : ماء زمزم لما شرب له، فإن شربته تشتفي به شفاك الله، وان شربته مستعيذاً أعاذك الله، وإن شربته ليقطع ظمؤك قطعه الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وهي عزيمة جبريل، وسقيا إسمعيل عليهما السلام‏. قال‏:‏ وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا شرب ماء زمزم قال‏:‏ اللهمَّ إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء ‏"‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن ماجه والطبراني والدارقطني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عثمان بن الأسود رضي الله عنه قال‏:‏ جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال‏:‏ من أين جئت‏؟‏ قال‏:‏ شربت من زمزم فقال‏:‏ اشرب منها كما ينبغي‏.‏ قال‏:‏ وكيف ذاك يا أبا عباس‏؟‏ قال‏:‏ إذا شربت منها فاستقبل القبلة واذكر اسم الله واشرب وتنفس ثلاثاً وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏"‏حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة زمزم، فأمر بدلو انتزع له من البئر فوضعها على شفة البئر، ثم وضع يده من تحت عراقي الدلو، ثم قال‏:‏ بسم الله‏.‏ ثم كرع فيها فأطال، فرفع رأسه فقال‏:‏ الحمد لله‏.‏ ثم دعا فقال‏:‏ بسم الله‏.‏ ثم كرع فيها فأطال وهو دون الأول، ثم رفع رأسه فقال‏:‏ الحمد لله‏.‏ ثم دعا فقال‏:‏ بسم الله‏.‏ ثم كرع فيها وهو دون الثاني، ثم رفع فقال‏:‏ الحمد لله‏.‏ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: علامة ما بيننا وبين المنافقين لم يشربوا منها قط حتى يتضلعوا‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الأزرقي عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جده ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ علامة ما بيننا وبين المنافقين أن يدلوا دلواً من ماء زمزم فيتضلعوا منها، ما استطاع منافق قط أن يتضلع منها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الأزرقي عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه قال‏:‏ بلغني أن التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق، وأن ماءها مذهب بالصداع، وأن الاطلاع فيها يجلو البصر، وأنه سيأتي عليها زمان تكون أعذب من النيل والفرات‏. وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي والفاكهاني عن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ إني لأجد في كتاب الله المنزل أن زمزم طعام طعم، وشفاء سقم‏. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والأزرقي عن عبد الله بن عثمان بن خثيم رضي الله عنه قال‏:‏ قدم علينا وهب بن منبه مكة فاشتكى، فجئنا نعوده فإذا عنده من ماء زمزم، فقلنا‏:‏ لو استعذبت فإن هذا ماء فيه غلظ‏.‏ قال‏:‏ ما أريد أن أشرب حتى أخرج منها غيره، والذي نفس وهب بيده إنها لفي كتاب الله مضنونة، وإنها لفي كتاب الله طعام طعم، وشفاء سقم، والذي نفس وهب بيده لا يعمد إليها أحد فيشرب منها حتى يتضلع إلا نزعت داء وأحدثت له شفاء‏. وأخرج الأزرقي عن كعب رضي الله عنه‏.‏ أنه قال‏:‏ لزمزم أنا نجدها مضنونة ضن بها لكم، وأول من سقي ماءها اسمعيل عليه السلام، طعام طعم وشفاء سقم. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور والأزرقي والحكيم الترمذي عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تريد الشفاء شفاك الله، وإن شربته لظمأ رواك الله، وإن شربته لجوع أشبعك الله، وهي هزمة جبريل عليه السلام بعقبه، وسقيا الله لإسمعيل عليه السلام‏. وأخرج بقية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ خير واد في الناس وادي مكة، ووادي الهند الذي هبط به آدم عليه السلام، ومنه يؤتى بهذا الطيب الذي تطيبون به‏.‏ وشر واد الناس واد بالأحقاف، ووادي حضرموت يقال له برهوت، وخير بئر في الناس بئر زمزم، وشر بئر في الناس بئر برهوت، وإليها تجتمع أرواح الكفار‏. وأخرج الأزرقي من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ صلوا في مصلى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار‏.‏ قيل لابن عباس‏:‏ ما مصلى الأخيار‏؟‏ قال‏:‏ تحت الميزاب‏.‏ قيل‏:‏ وما شراب الأبرار‏؟‏ قال‏:‏ ماء زمزم‏. وأخرج الأزرقي عن ابن جريج رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت أنه يقال‏:‏ خير ماء في الأرض ماء زمزم، وشر ماء في الأرض ماء برهوت، شعب من شعب حضرموت‏. وأخرج الأزرقي عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال‏:‏ إن إيليا وزمزم ليتعارفان‏.‏ وأخرج الأزرقي عن عكرمة بن خالد رضي الله عنه قال‏:‏ بينما أنا ليلة في جوف الليل عند زمزم جالس إذا نفر يطوفون عليهم ثياب بيض لم أر بياض ثيابهم بشيء قط، فلما فرغوا صلوا قريباً منا، فالتفت بعضهم فقال لأصحابه اذهبوا بنا نشرب من شراب الأبرار‏.‏ فقاموا فدخلوا زمزم فقلت‏:‏ والله لو دخلت على القوم فسألتهم‏.‏ فقمت فدخلت فإذا ليس فيها أحد من البشر‏. وأخرج الأزرقي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال‏:‏ تنافس الناس في زمزم في الجاهلية، حتى أن كان أهل العيال يغدون بعيالهم فيشربون فيكون صبوحاً لهم، وقد كنا نعدها عوناً على العيال‏. وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كانت زمزم تسمى في الجاهلية شباعه، وتزعم أنها نعم العون على العيال‏. وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والأزرقي والبزار وأبو عوانة والبيهقي في سننه عن أبي ذر رضي الله عنه قال‏:‏ ‏‏حديث : قدمت مكة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "متى كنت ههنا‏؟‏ قلت‏:‏ أربع عشرة‏.‏ وفي لفظ‏:‏ قلت ثلاثين من بين يوم وليلة‏.‏ قال‏: من كان يطعمك‏؟ قلت‏:‏ ما كان لي طعام ولا شراب إلا ماء زمزم فما أجد على كيدي سحقة جوع، ولقد تكسرت عكن بطني‏.‏ إنها مباركة إنها طعام طعم، زاد الطيالسي وشفاء سقم"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج الأزرقي عن رباح بن الأسود رضي الله عنه قال‏:‏ كنت مع أهلي بالبادية، فابتعت بمكة فاعتقت، فمكثت ثلاثة أيام لا أجد شيئاً آكله، فكنت أشرب من ماء زمزم، فشربت يوماً فإذا أنا بصريف اللبن من بين ثناياي، فقلت‏:‏ لعلي ناعس‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فانطلقت وأنا أجد قوة اللبن وشبعه‏. وأخرج الأزرقي عن عبد العزيز بن أبي رواد رضي الله عنه‏.‏ أن راعياً كان يرعى وكان من العباد، فكان إذا ظمىء وجد فيها لبناً، وإذا أراد أن يتوضأ وجد فيها ماء‏. وأخرج الأزرقي عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه قال‏:‏ إن الله يرفع المياه قبل يوم القيامة غير زمزم، فتغور المياه غير زمزم، وتلقي الأرض ما في بطنها من ذهب وفضة، ويجيء الرجل بالجراب فيه الذهب والفضة فيقول‏:‏ من يقبل هذا مني‏؟‏ فيقول‏:‏ لو أتيتني به أمس قبلته‏. وأخرج الأزرقي عن زر بن حبيش قال‏:‏ رأيت عباس بن عبد المطلب في المسجد الحرام وهو يطوف حول زمزم يقول‏:‏ لا أحلها لمغتسل وهي لمتوضىء وشارب حلُّ وبل‏ٌّ. وأخرج الأزرقي عن ابن أبي حسين ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى سهيل بن عمرو يستهديه من ماء زمزم، فبعث له براويتين‏"‏‏. وأخرج عبد الرزاق والأزرقي عن ابن جريج عن ابن أبي حسين واسمه عبد الله بن أبي عبد الرحمن قال‏: ‏حديث : ‏ كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سهيل بن عمرو‏ "إن جاءك كتابي ليلاً فلا تُصبِحَنَّ، وإن جاءك نهار فلا تُمْسِيَنَّ حتى تبعث إليَّ بماء من زمزم، فملأ له مزادتين وبعث بهما على بعير"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استهدى سهيل بن عمرو رضي الله عنه من ماء زمزم‏"‏‏. وأخرج ابن سعد عن أم أيمن رضي الله عنهما قالت ‏"‏حديث : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا صغيراً ولا كبيراً جوعاً ولا عطشاً، كان يغدو فيشرب من ماء زمزم فاعرض عليه الغداء فيقول‏: لا أريده أنا شبعان‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏" حديث : خمس من العبادة‏:‏ النظر إلى المصحف، والنظر إلى الكعبة، والنظر إلى الوالدين، والنظر في زمزم وهي تحط الخطايا، والنظر في وجه العالم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد رضي الله عنه‏.‏ أنه كان إذا شرب من زمزم قال‏:‏ هي لما شربت له‏. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ما من رجل يشرب من ماء زمزم حتى يتضلع إلا حطَّ الله به داء من جوفه، ومن شربه لعطش روي، ومن شربه لجوع شبع‏. وأخرج عبد الرزاق عن طاوس رضي الله عنه قال‏:‏ ماء زمزم طعام طعم، وشفاء سقم‏. وأخرج الفاكهاني عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه قال ‏"حديث : ‏بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عيناً له إلى مكة فاقام بها ليالي يشرب من ماء زمزم، فلما رجع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عيشك‏؟ فأخبره أنه كان يأتي زمزم فيشرب من مائها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها شفاء من سقم وطعام من طعم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ كان إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم‏. وأخرج الفاكهاني عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا نزل به ضيف أتحفه من ماء زمزم، ولا أطعم قوماً طعاماً إلا سقاهم من ماء زمزم‏. وأخرج أبو ذر الهروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كانت أهل مكة لا يسابقهم أحد إلا سبقوه، ولا يصارعهم أحد إلا صرعوه حتى رغبوا عن ماء زمزم‏. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ كانوا يستحبون إذا ودعوا البيت أن يأتوا زمزم فيشربوا منها‏. وأخرج السلفي في الطيوريات عن ابن حبيب رضي الله عنه قال‏:‏ زمزم شراب الأبرار، والحجر مصلى الأخيار‏.

القشيري

تفسير : ليس مَن قام بمعاملة ظاهره كمن استقام في مواصلة سرائره، ولا مَنْ اقتبس من سراج علومه كمن استبصر بشموس معارفه، ولا من نُصِبَ بالباب من حيث الخدمة كمن مُكِّنَ من البِسَاط من حيث القربة وليس نعْتُ مَنْ تَكلَّفُ نِفَاقاً كوصفِ مَنْ تَحقَّقَ وِفَاقاً، بينهما بَوْن بعيدٌ!

اسماعيل حقي

تفسير : {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام} -روى- ان المشركين قالوا القيام على السقاية وعمارة المسجد الحرام خير ممن آمن وجاهد وكانوا يفتخرون بالحرم ويستكثرون به من اجل انهم اهله وعماره فانزل الله تعالى هذه الآية. قال الكاشفى [آورده اندكه بعض از اهل حرم درجاهليت زمره حاج را نبيذ زبيب باعسل وسويق ميدادند ودرزمان آنحضرت رسالت بناه صلى الله عليه وسلم آن منصب سقايت بعباس تعلق داشت ومتصدئ عمارة مسجد الحرام شيبة بن طلحة بود روزى اين هر دو بامرتضى على بمقام مفاخرت درآمده عباس بسقايت وشيبه بعمارت مباهات مى نمودند وعلى باسلام وجهاد مفتخر مى بود حق سبحانه وتعالى بتصديق على آيت فرستاد] -وروى- النعمان بن بشير قال كنت عند منبر رسول الله فقال رجل ما ابالى ان لا اعمل بعد ان اسقى الحاج وقال آخر ما ابالى ان الا عمل عملا بعد ان اعمر المسجد الحرام وقال آخر الجهاد فى سبيل الله افضل مما قلتما فزجرهم عمر رضى الله عنه وقال لا ترفعوا اصواتكم عند منبر رسوب الله وهو يوم الجمعة ولكن اذا صليتم استفتيت رسول الله فيما اختلفتم فيه فدخل فأنزل الله هذه الآية. والمعنى اجعلتم ايها المشركون او المؤمنون للسقاية والعمارة ونحوهما على الهجرة والجهاد ونظائرهما سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام فى الفضيلة وعلو الدرحة {كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد فى سبيل الله} السقاية والعمارة مصدران لا يتصور تشبيههما بالجثث فلا بد من تقدير مضاف فى احد الجانبين اى أجعلتم اهلهما كمن آمن او أجعلتموها كايمان من آمن فان السقاية والعمارة وان كانتا فى انفسهما من اعمال البر والخير لكنهما بمعزل عن صلاحية ان يشبه اهلهما باهل الايمان والجهاد او يشبه نفسهما بنفس الايمان والجهاد وذلك قوله تعالى {لا يستوون عند الله} اى لا يساوى الفريق الاول الثانى من حيث اتصاف كل واحد منهما بوصفيهما ومن ضرورته عدم التساوى بين الوصفين الاولين وبين الآخرين لان المدار فى التفاوت بين الموصوفين {والله لا يهدى القوم الظالمين} اى الكفرة الظلمة بالشرك ومعاداة الرسول منهمكون فى الضلالة فكيف يساوون الذين هداهم الله ووفقهم للحق والصواب

ابن عجيبة

تفسير : قلت: السقاية والعمارة: مصدران، فلا يشبهان بالجثة، فلا بد من حذف، أي: أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن، أو جعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن. يقول الحق جل جلاله: {أجعلتُم} أهل {سِقَايةَ الحاجِّ، و} أهل {عمارة المسجدِ الحرام} من أهل الشرك المحبطة أعمالُهم، {كمن آمن باللَّهِ واليوم الآخر} من أهل الإيمان، {وجاهَد في سبيل الله}؛ لإعلاء كلمة الله، المثبتة أعمالهم، بل {لا يستوون عند الله} أبداً؛ لأن أهل الشرك الذين حبطت أعمالهم في أسفل سافلين، إن لم يتوبوا، وأهل الإيمان والجهاد في أعلى عليين. ونزلت الآية في علي ـ كرم الله وجهه ـ والعباس وطلحة بن شيبة، افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت، وعندي مفاتحه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي رضي الله عنه: لقد أسلمت وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبيَّن الله تعالى أن الإيمان والجهاد أفضل، ووبخ من افتخر بغير ذلك فقال: {والله لا يهدي القوم الظالمين} أي: الكفرة الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، ومعاداة الرسول صلى الله عليه وسلم، وداموا على ذلك، وقيل: المراد بالظالمين: الذين يسوون بينهم وبين المؤمنين. ثم أكد بقوله: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظمُ درجةً}، وأعلى رتبة، وأكثر كرامة، {عند الله}، ممن لم يستجمع هذه الصفات، أو من أهل السقاية والعمارة عندكم، {وأولئك هم الفائزون} بكل خير، الظافرون بنيل الحسنى والزلفى عند الله، دون من عداهم ممن لم يفعل ذلك. ثم زاد في كرامتهم فقال: {يُبشرهم ربُّهم برحمةٍ منه} أي: تقريب، وعطف منه {ورضوان وجنات لهم فيها} أي: في الجنان {نعيم مقيم}؛ دائم، لا نفاد له ولا انقطاع. وتنكير المبشر به؛ إشعار بأنه وراء التعيين والتعريف، حال كونهم {خالدين فيها أبداً}، أكد الخلود بالتأبيد؛ لأنه قد يطلق على طُول المكث، {إن الله عنده أجر عظيم} يُستحقر دونه مشاق الأعمال المستوجبة له، أو نعيم الدنيا؛ إذ لا قدر له في جانب نعم الآخرة. الإشارة: لا يستوي من قعد في وطنه مع عوائده وأسبابه، راكناً إلى عشائره وأحبابه، واقفاً مع هواه، غافلاً عن السير إلى مولاه، مع من هاجر وطنَه وأحبابَه، وخرق عوائده وأسبابَه، وجاهد نفسه وهواه، سائراً إلى حضرة مولاه، لا يستوون أبداً عند الله؛ لأن هؤلاء مقربون عند الله، والآخرون في محل البعد عن الله، ولو كثر علمهم وعملهم عند الله، شتان بين من همته القصور والحور، وبين من همته الحضور ورفع الستور، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان، وجنات المعارف لهم فيها نعيم لأرواحهم، وهو الشهود والعيان، لا يحجب عنهم طرفة عين، إن الله عنده إجر عظيم، لا يخطر على قلب بشر لا حرمنا الله من ذلك. ثم نهى عن موالاة أهل الغفلة وإن قربُوا نسباً، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ}.

الطوسي

تفسير : خاطب الله تعالى بهذه الآية قوماً جعلوا القيام بسقي الحجيج وعمارة المسجد الحرام من الكفار مع مقامهم على الكفر مساوياً أو افضل من ايمان من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، فأخبر تعالى انهما لا يستويان عند الله في الفضل لان الذي آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله افضل ممن يسقي الحجيج ولم يفعل ذلك. وفي الآية حذف احد امرين: احدهما - ان يكون تقديره كايمان من آمن بالله وأقام الاسم مقام المصدر، لأن اصل السقاية مصدر كما قال الشاعر: شعر : لعمرك ما الفتيان ان تنبت اللحى ولكنما الفتيان كل فتى ندى تفسير : اي فتيان نبات. والسقاية آلة تتخذ لسقي الماء. وقيل كانوا يسقون الحجيج الماء والشراب. وبيت البئر سقاية ايضاً قال الرماني المشبه لا يجوز ان يكون مجاهداً في سبيل الله لانه لا يعرف الله فيتبع امره في ذلك والمجاهد اذا عرف الله صح ان يكون مطيعاً بالجهاد لاتباعه امر الله فيه. وروي عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام ان الاية نزلت في امير المؤمنين عليه السلام والعباس. وروى الطبري باسناده عن ابن عباس انها نزلت في العباس حين قال يوم بدر: إن سبقتمونا إلى الاسلام والهجرة لم تسبقونا إلى سقاية الحاج وسدنة البيت، فأنزل الله الاية. وروى الطبري باسناده عن الحسن انها نزلت في علي والعباس وعثمان وشيبة. وقال الشعبي: نزلت في علي والعباس، وبه قال ابن وهب والسدي. وقوله {والله لا يهدي القوم الظالمين} اخبار منه تعالى انه لا يهدي احداً ممن ظلم نفسه وكفر بآيات الله، وجحد وحدانيته إلى الجنة كما انه يهدي اليها من كان عارفاً بذلك فاعلا لطاعته مجتنباً لمعصيته. واختلفوا في سبب نزول الاية فقال قوم: سأل المشركون اليهود فقالوا: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل ام محمد واصحابه؟ فقالت اليهود لهم: انتم افضل، عناداً للنبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين. وقال آخرون: تفاخر المسلمون الذين جاهدوا والذين لم يجاهدوا. فنزلت الآية، ذكره الزجاج.

الحبري

تفسير : وَقَوْلُهُ: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. نَزَلَتْ في ابنِ أَبِي طَلْحَة [من] الحَجَبَةِ خَاصَّةً. {كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. في ابنِ أبي طَالبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

فرات الكوفي

تفسير : وقوله: {أجعلتم سقاية الحاج} [نزلت في العباس. ن] {وعمارة المسجد الحرام] نزلت في [ابن.ح] أبي طلحة الحجبة خاصة، {كمن آمن بالله واليوم الآخر} [الآية. ح] نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام [وهاتان الآيتان أ، ر: وهما الآيتان. إلى {عظيم} خاصة فيه. ن]. وقوله: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام خاصة. فرات قال: حدّثني قدامة بن عبد الله البجلي معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: افتخر شيبة بن عبد الدار والعباس بن عبد المطلب فقال شيبة: في أيدينا مفاتيح الكعبة نفتحها إِذا شئنا ونغلقها إِذا شئنا فنحن خير الناس بعد رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلّم. أ، ب]، وقال العباس: في أيدينا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام فنحن خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، إذ مرّ عليهما [ر: عليهم أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب عليه السلام فأرادا أن يفتخرا [ب: فأراد أن يفتخر] فقالا له: يا أبا الحسن نخبرك بخير الناس بعد رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلّم. أ، ب] ها أنا ذا فقال شيبة: في أيدينا مفاتيح الكعبة نفتحها إِذا شئنا و نغلقها إِذا شئنا فنحن خير الناس بعد النبي، وقال العباس: في أيدينا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام فنحن خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقال لهما علي بن أبي طالب [ر: أمير المؤمنين. عليه السلام. ب، ر]: ألا أدلكما على من هو خير منكما؟ قالا له: ومن هو؟ قال: الذي صرف [ظ: ضرب] رقبتكما [أ، ر: رقبيكما] حتى أدخلكما في الإسلام قهراً، قالا: ومن هو؟ قال: أنا. فقام العباس مغضباً حتى أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بمقالة علي [بن أبي طالب. ر] فلم يرد النبي شيئاً فهبط جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله يقرؤك السلام ويقول لك: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام} [كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله}. أ، ب. إِلى آخر. ر] الآية حديث : فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلّم العباس فقرأ عليه الآية فقال: يا عم قم اخرج هذا [رسول. ب] الرحمان يخاصمك في علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] . تفسير : فرات قال: حدثني محمد بن الحسين الخياط [ب: الحناط] معنعناً: عن ابن سيرين في قوله: {أجعلتم سقاية الحاج [وعمارة المسجد الحرام}. ب] قال: نزلت في علي بن أبي طالب [عليه السّلام. أ]. فرات قال: حدّثني علي بن الحسين معنعناً: عن محمد بن سيرين في قوله: {أجعلتم سقاية الحاج [وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر}. أ، ب. إِلى آخر الآية. ر] نزلت في [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السّلام. فرات قال: حدّثني الحسن بن العباس وجعفر الأحمسي معنعناً: عن السدي قال: قال عباس بن عبد المطلب: أنا عمّ محمد [صلى الله عليه وآله وسلّم. ب] وأنا صاحب سقاية الحاج فأنا أفضل من علي [بن أبي طالب. أ]، [و] قال عثمان بن طلحة وبنو شيبة: نحن أفضل من علي [بن أبي طالب. أ، ر] فنزلت هذه الآية: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله} علي بن أبي طالب [عليه السلام. ب] {لا يستوون، الّذين آمنوا} علي {وهاجروا و جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم}. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن عبيد الجعفي معنعناً: عن الحارث الأعور قال: دخل [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب [عليه السلام. ر] المسجد [ر: بالمسجد. أ: مسجد] الحرام فإذا هو مر! بشيبة بن عبد الدار والعباس بن عبد المطلب [يتفاخران والعباس بن عبد المطلب] يقول: نحن أخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أيدينا [سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، وشيبة يقول: نحن أخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أيدينا مفاتيح الكعبة نفتحها إذا شئنا ونغلقها إذا شئنا، فقال لهما علي عليه السلام: ألا أدلكما على من هو خيرٌ منكما؟ قالا: ومن هو؟ قال: الذي ضرب رؤوسكما بالسيف حتى أدخلكما في الإسلام قهراً، فقام العباس مغضباً حتّى أتى رسول الله (ص) فأخبره بالخبر فاغتم من ذلك النبي (ص) فهبط عليه جبرئيل فقال: السلام عليك يا محمد فقال: وعليك السلام يا جبرئيل فقال: قل يا محمد: [أجعلتم] سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام}، [إلى آخر الآية. أ، ب] وبلغ إِلى النبي [صلى الله عليه وآله وسلّم. أ، ب. والعباس عنده. ر، أ] فقال له: حديث : قم يا عم اخرج فهذا رسول الرحمان يخاصمك في علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ، ر] . تفسير : قال: حدّثنا فرات معنعناً: عن الحارث الأعور قال: دخل أمير المؤمنين علي عليه السلام في مسجد [ب: المسجد] الحرام فإذا بشيبة بن عبد الدار والعباس بن عبد المطلب يتفاخران والعباس يقول: نحن أخير الناس بعد رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلّم. ب] في أيدينا عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج، وشيبة يقول نحن أخير الناس بعد رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ب] في أيدينا مفاتيح الكعبة نفتحها إِذا شئنا ونغلقها إِذا شئنا، فقال لهما علي [عليه السّلام. ب]: ألا أدلكما [على. ب] من هو خير منكما؟ قالا: ومن هو؟ قال: الذي ضرب رؤوسكما بالسيف حتى أدخلكما في الإسلام قهراً. فقام العباس مغضباً حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم [فقال: يا رسول الله (ص). أ] فأخبره بالخبر فاغتم من ذلك النبي [صلى الله عليه وآله وسلّم. ب] فهبط عليه جبرئيل فقال: السلام عليك يا محمد فقال: وعليك السلام يا جبرئيل فقال: قل يا محمد: {أجعلتم سقاية الحاج [و عمارة المسجد الحرام}.أ] إِلى آخر [الآية. ب] قال: حديث : قم يا عم اُخرج فهذا [رسول. ب] الرحمان يخاصمك في علي بن أبي طالب عليه السّلام . تفسير : فرات قال: حدّثنا علي بن حمدون معنعناً: [عن جابر بن الحر] عن الكلبي قال: تفاخر [ت. ب] بنو شيبة وبنو العباس فقال هؤلاء: لنا السقاية، وقال هؤلاء: لنا الحجابة، فنزل: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله} [في علي. ب] قال جابر بن الحر: قلت للكلبي: نزلت في علي خاصة؟ قال: نعم. فرات قال: حدّثني علي بن محمد الزهري معنعناً: عن جعفر عن أبيه [عليهما السلام. ر] قال: لما فتح النبي [ر: رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم مكة أعطى العباس السقاية وأعطى عثمان بن طلحة الحجابة ولم يعط علياً شيئاً. فقيل لعلي بن أبي طالب [عليه السلام. أ، ب]: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى العباس السقاية وأعطى عثمان بن طلحة الحجابة ولم يعطك شيئاً. قال: [فقال. ر، ب]: ما أرضاني بما فعل الله ورسوله. [قال: أ، ب] فأنزل الله [تعالى هذه الآية: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله} إِلى {أجر عظيم} نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام.

الهواري

تفسير : قوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَالْيَومِ الأَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي لا يكونون بالظلم عند الله مهتدين. وهو ظلم فوق ظلم وظلم دون ظلم. ذكروا أن مجاهداً قال: أمروا بالهجرة فقال عباس بن عبد المطلب: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة، أخو بني عبد الدار: وأنا حاجب الكعبة، فلا نهاجر. فنزلت هذه الآية.... إلى قوله: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. وكان هذا قبل فتح مكة. وقال الحسن: اختلف أناس من أصحاب النبي عليه السلام فقال بعضهم: من أقام على السقاية للمسجد الحرام أفضل ممن جاهد. وقال بعضهم: المجاهد في سبيل الله أفضل ممن أقام على السقاية وعمَر المسجد الحرام. وقال بعضهم: بلغنا أن الذي ذُكِر بالجهاد في هذا الموضع علي بن أبي طالب. قوله: {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ} قال الحسن: أي: إن المؤمن المجاهد أفضل. أي أهل هذه الصفة ليسوا سواء.

اطفيش

تفسير : {أجَعلْتُم سِقايةَ الحَاجِّ} السقاية مصدر كالوقاية بمعنى السقى، والحاج جنس الحجيج، وإنما لم تقلب الياء همزة مع أنها بعد ألف زائدة فى الآخر، لأن التاء فى هذه الكلمة ليست فى نية الانفصال، لأن الكلمة بنيت عليها كما قال أبو الفتح، قال المرادى: فلو كانت هاء التأنيث غير عارضة امتنع الإبدال نحو: هداية وسقاية، وحكم الواو فى فى ذلك حكم الياء، لكن رجح أنه حيث وقع الإبدال فإنما أبدلت الواو والياء ألفين، ثم قلبت الألف همزة لئلا تجمع مع الألف قبلها. {وعِمارةَ} مصدر عمر {المسْجِدِ الحَرامِ} ليس ذكره كما قد يقال موجبا لأن يراد بالمسجد فيما مر المسجد الحرام، لأن هذا كلام مستقل فى خصوص المسجد الحرام {كمَنْ آمنَ باللهِ واليَوْم الآخر وجَاهَدَ فى سَبيلِ اللهِ} السقاية والعمارة حدثان فلا يشبهان بالجثة، فيقدر مضاف أول الكلام، ليكون الكلام من أول الأمر مبنيا على المراد، أى أجعلتم ذا سقاية الحاج وعمارة الخ أو أهل سقاية إلى آخر. أو يؤول المصدران باسم الفاعل، أى جعلتهم ساقى الحاج وعامر المسجد الحرام، أو يقدر المضاف آخرا، لأن الآخر نسب بالتغيير، أى اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كفعل من آمنَ بالله واليوم الآخر، وجاهد فى سبيل الله وفعله هو الإيمان، وهو فعل قلبى والجهاد، ويؤيد التأويل باسم الفاعل قراءة ابن الزبير، وأبى وجزة السعدى، ومحمد بن على، وأبى جعفر: سقاة الحاج كقضاة، وعمرة المسجد الحرام كطالب وطلبة بفتحات، وكذا قرأ ابن جبير، غير أنه نصب المسجد الحرام على إرادة تنوين عمرة وقرائته من حيث حذف التنوين للساكن تخفيفا شاذة، والأولى له إثباته مكسورا، وقرأ الضحاك: سقاية الحاج وعمرة الخ بضم السين وإثبات الياء جمع ساق شاذا وفتح العين والميم جمع عامر مثل ما مر، ورويت هذه القراءة عن أبى وجزة، وأبى جعفر أيضا ولا تحتاج هذه القراآت إلى تأويل ولا تقدير. قيل: إن كفار قريش قالوا لليهود: إنا نسقى الحجيج ونعمر البيت، أفنحن أفضل أم محمد ودينه؟ فقالت لهم أحبار اليهود: بل أنتم، فنزلت الآية، وذكر الطبرى وغيره عن النعمان بن بشير أنه قال: كنت عند منبر النبى صلى الله عليه وسلم فى نفر من أصحابه يوم الجمعة، فقال أحدهم: ما أتمنى بعد الإسلام إلا أن أكون ساقى الحاج، وقال آخر: لا أتمنى بعده إلا أن أكون خادم البيت وعامره، وقال الثالث: لا أتمنى بعده إلا أن أكون مجاهدا فى سبيل الله، ورفعوا أصواتهم، فقال عمر رضى الله عنه: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر النبى صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فأستفتيه فيما اختلفتم، ودخل واستفتاه ونزلت الآية مفضلة لمن جمع بين الإيمان والجهاد، على من جمع بين الإيمان وغيره مما ذكر. وقال ابن عباس، والضحاك: إن المسلمين عيروا أسرى بدر بالكفر، فقال العباس: بل نحن سقاة الحاج وعمرة البيت، وفى رواية عن ابن عباس: إن العباس قال يوم أسر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقى الحاج فنزلت الآية مخبرة كيف يلتحق سقى الحاج وعمارة المسجد بالإيمان والجهاد، ولا سيما أنه لا ينفع عمل مع شرك. وقال محمد بن كعب القرظى، زاد بعضهم الحسن، والشعبى: أن العباس، وعليا، وطلحة بن شيبة، وقيل بدله عثمان بن طلحة، وقيل شيبة بن طلحة، تفاخروا فقال العباس: أنا صاحب السقاية والقيام عليها، وقال طلحة، أو عثمان أو شيبة: أنا صاحب البيت وعامره ومفتاحه بيدى، ولو شئت بت فيه، وقال على: ما أدرى ما تقولون كأنه استحقار لذلك، لكونه مقرونا بالشرك، لكنى صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وآمنت قديما، وهاجرت، وجاهدت الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية تفضيلا لعلى فيما قالوا، فإن صح فلا دليل فيه على أنه ولى، وأنه متولى، لأن المقصود تفضيل الفعل على الفعل، ولو تعلق التفضيل بالذات. "حديث : ولما نزلت الآية قال العباس رضى الله عنه: أما أرانى إلا أترك السقاية، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: "أقيموا عليها فهى لكم خير"" تفسير : وكان المفتاح فى بنى عبد الدار، يتولاه عثمان بن طلحة، قيل: وشيبة بن عثمان، ويأتى ذلك فى الفتح إن شاء الله. وليس فى سقاية الماء بخل ولا فقر، فإنه عند الحاجة إليه أفضل من اللبن والعسل، ولا يقوم شىء مقامه، بل النبيذ أيضا أفضل منهما عند العطش، وأقرب إلى الماء فى إزالة العطش، قيل: هو تمر ينقع فى الماء غدوة، ويشرب عشاء، وينقع عشاء، ويشرب غدوة فهذا حلال، فإن غلا وحمض حرم، "حديث : وقد وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم السقى به إحسانا أو إجمالا، وأمر به، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قدم على راحتله وخلفه أسامة فاستقى، فأتى بنبيذ فشرب وسقى فضلة أسامة فقال: "أحسنتم أو أجملتم كذا فاصنعوا" ". تفسير : {لا يسْتَوُونَ} لا تستوى أفعالهم {عِنْد اللهِ واللهُ لا يَهْدى القَوْم الظَّالمينَ} المشركين لا يوفقهم إلى صواب ينفعهم ما دام غير منقذ لهم من الشرك، أى لا يجعل هداية مع شرك، فإذا أراد هداية مشرك وفقه للتوحيد فينفعه عمله الصالح فى التوحيد، وقيل: القوم الظالمون أحبار اليهود إذ قالوا لقريش: أنتم خير من محمد، وقد مر، وقيل: المراد من يستوى بين المؤمن والمشرك.

اطفيش

تفسير : {أَجَعَلْتُمْ} توبيخ وإِنكار للياقة الجعل وإِنكار لصحته شرعا، والخطاب على الصحيح، وهو مذهب الجمهور للمشركين التفات من غيبتهم فى قوله تعالى "أية : ما كان للمشركين" تفسير : [التوبة: 17] إِلخ.. إِذ قالوا: عمارة المسجد الحرام والسقاية خير من الإِيمان والجهاد كما مر فى محاورة العباس وعلى، وفى رواية أَنه قال له: يا عم لو هاجرت إِلى المدينة، فقال: أَو لست فى أَفضل من الهجرة؟ أَو لست أَسقى الحاج وأَعمر البيت، وهذا ظاهر فى أَنه كان مسلما. وقيل: الخطاب لجماعة من المؤمنين اختلفوا عند المنبر عند الجمعة، قال بعض: أَفضل الأَعمال بعد الإِسلام سقى الحاج، وقال بعض: عمارة البيت، وقال بعض: الجهاد فى سبيل الله، فقال عمر: إِذا صليتم الجمعة دخلتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَسأَله. فنزلت الآية إِلى قوله تعالى {الظالمين} ومقتضى الظاهر: أَجعلوا، بفتح الجيم ولكن خوطبوا تغليظا عليهم، {سِقَايَةَ} سقى فهو مصدر {الْحَاجِّ} اسم جنس جمعى، وأَل فيه للجنس، كانوا يشترون الزبيب من الشام إِذا سافروا إِليه، أَو من الطائف أو غيرهما، وينبذونه فى ماء زمزم فى جلود يحفر لها وتبسط فى أَيام الموسم ويشرب منها الحجاج، وكان العباس يلى هذا السقى فى الجاهلية والإسلام، وأَقرها صلى الله عليه وسلم للعباس، وكانت لآل العباس ما دام منهم أَحد، وجاءَ رواية مشهورة أَنه رضى الله عنه طلبها والحجابة فمنعهما عنه. ولم يقل وإِيمانه لأَن إِيمان الكافر بمجرد ذكر الله كلا إِيمان، بل يقال: هو غير مؤمن. وعلى أَن الخطاب للمؤمنين فلم يقل وإِيمانه لأَن نزاع المسلمين إِنما هو فى غير الإِيمان وللعلم به وذكره فى المشبه به مع العلم به تقوية للإِنكار وتذكيراً لأَسباب الرجحان ومبادئ الأَفضلية وإِذانا بكمال التلازم بين الإِيمان والجهاد {وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} بالأَبدان مع المعصية فيه بالعرى وعبادة الأَصنام أَو بعبادة لله باطلة بالشرك وغير ذلك {كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ} إِيمانا مستلحقا للإِيمان برسوله والإِخلاص، أَى كإِيمان من آمن بالله {واليَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِى سَبِيلِ اللهِ} أَو يؤول سقاية بالساقين استعمالا للمصدر فى معنى اسم الفاعل، أَو يقدر: أجعلتم أَهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله، ويدل لهذين الوجهين قراءة: أجعلتم سقاية الحاج وعمرة المسجد الحرام بضم السين وفتح العين والميم وإِسقاط الأَلف بعدها: جمع ساق، كقاض وقضاة، وجمع عامر كسافر وسفرة، وبار وبررة، وكافر وكفرة، ويدل لهما أَيضا قراءة سقاية الحاج وعمرة بضم السين وفتح العين والميم جمع ساق بوزن فعال بالضم جمع أَنث بالتاء فصار بوزن فعالة كحجارة بالضم، وفى هذا الوجه مقابلة كل بكل. إِلا أَن الحذف من الآخر أَولى. وفى الوجه الأَول مقابلة السقاية والعمارة بالإِيمان فقط مقيدا بالجهاد، والمعنى: كيف يكون المشركون بأَعمالهم المبطلة وأَعمالهم المعاقب عليها كالمؤمنين فى أعمالهم المثبتة المثاب عليها؟ أَو كيف تكون أَعمالهم كأَعمال المؤمنين فى الاعتبار، وإِذا لم يستووا تبين ولو للمشركين أَن المؤمنين أَفضل فلا يبقى أَنهم دون أَهل الشرك، وهم فى هذا المقام لا يطلبون إِلا أَن يساووا المؤمنين، أَو نفى المساواة نفى لأَن يكونوا أَفضل من المؤمنين من باب أَولى، ومعلوم أَنه إِذا قال خصم: لا نستوى، إِنما أَراد: إِنى أَفضل. وقد قال الله عز وجل عن المسلمين لا يستوون، وأَكد ذلك بقوله: {لاَ يَسْتوُونَ عِنْد اللهِ} لأَن نفى الاستواء مستفاد من الإِنكار والتوبيخ فى قوله{أَجعلتم}وعلل نفى الاستواء بقوله {واللهُ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الظَّالِمِينَ} وبقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} وقوله{والله لا يهدى القوم الظالمين}نزلت فيمن قال بالجعل والاستواءِ، والظالمون المشركون، نزلت ردا على على من قال بهما كالعباس وغيره، والعباس رضى الله عنه كان مشركا لا هدى له، وكان أَمره مختلطا بين كفر وإِيمان، ثم خلص فإِن أُريد بالكافرين ما يعم من يتوب فالمعنى أَن كفرك شاغل لك عن الهدى ما دام فيه، وإِن أُريد كافرون أَشقياء فقد خوفه بهم. أَو الظالمون بمعنى ظلموا أَنفسهم و المؤمنين دعوى للاستواءِ. ومعنى أَعظم درجة أَن من جمع بين الإِيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفس أَعظم كرامة ورتبة ممن آمن وهاجر ولم يجاهد، أَو جاهد بنفسه دون ماله، أَو بماله دون نفسه، أَو أَن الجامعين بين تلك الصفات أَعظم درجة من المشركين على زعمهم أَن لهم درجة عند الله فى الدنيا، وهم لا يقرون بالبعث، أَو أَعظم خارج عن التفضيل أَى عظيمون درجة قابل به أَن المشركين خسيسون، كما قابل بالفائزين المشركين الهالكين الخاسرين. وفى يبشرهم ربهم من التعظيم ما ليس فى بشرهم يا محمد، ولا سيما مع لفظ الرب المشعر بالإِنعام والرحمة فى الدنيا، والرحمة عند الموت، وفى القبر والبعث والحشر والرضوان، قضاؤه الأَزلى بأَنهم سعداء وأَنه لا يسخط عليهم أَبدا، كما جاءَ أَن الله عز وجل يقول لأَهل الجنة: أَرضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى وقد أَنجيتنا من النار، وأَعطيتنا ما لم تعط أَحدا فيقول: أَعطيكم أَكبر من ذلكم. فيقولون: ما هو؟ فيقول: نعيم مقيم. والرضوان نعيم الآخرة، ولا يتكرر مع قوله نعيم مقيم لأَن فيه زيادة الإِقامة بمعنى الدوام وعدم الارتحال، قيل: استعار ما هو المطلق الحصول والمكث للمكث والحصول الدائمين استعارة المطلق للمقيد، كما إِذا تعمد إِطلاق الرجل مختصا برجل مخصوص والأَولى أَن ذلك مجاز مرسل من إِطلاق المطلق على المقيد، ولا بأس بالإِطناب فى هذا المقام حتى أَنه لو جعلت الرحمة والرضوان واحدا لكان حسنا، أَو الرحمة رحمة الدنيا والآخرة كلها، والرضوان عطف خاص على عام، ولا يحسن تفسير الرحمة بكون العبد راضيا بقضاء الله، والرضوان بكونه مرضيا عند الله، على أَن يطابق قوله تعالى "أية : يَٰأَيَّتُهَا النفس المطمئنة * ارجعى إِلى ربك راضية مرضية"تفسير : [الفجر: 27 - 28] لأَن الرحمة فعل الله والمقام ليس مقاما لأَن يذكر أَنه يبشرهم بأَنكم راضون بقضائى، وأَن كونكم راضين به رحمة منى، وقابل الإِيمان بالرحمة، وبدأَ بها لتوقفها عليه، ولأَنها أعم النعم وأَسبغها.. وقد قال الله عز وجل: حديث : رحمتى سبقت غضبىتفسير : .. وقابل الجهاد الذى فيه بذل الأَنفس والأَموال وهو الغاية بالرضوان الذى هو نهاية الإِحسان، وقابل الهجرة عن الوطن بالجنة العظمى الدائمة لا هجرة عنها، وخالدين حال مقدرة، لأَن الخلود لم يقارن ثبوت النعيم، بل يقارن المكث فى النعيم، ولما أَمر الله بالتبرى من المشركين ولو كانوا آباء وإِخوانا ومثلهم الأَبناء والبنات ومن دونهم قالوا: كيف نتركهم ولا بد منهم نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكمْ وَإِخْوَانَكُمْ} الآية تلويح إِلى غيرهم أَيضا كالابن ودخلت الأُم والأَجداد والجدات فى الآباءِ وفسر بعضهم الإِخوان بالأَقرباءِ {أَوْلِيَاءَ} أَصدقاءَ لئلا يردوكم عن الإِسلام وتفشوا إِليهم أَسرار المسلمين والمراد بالإِخوان الجنس لا مقابلة فرد بفرد لأَنه قد يكون للواحد أَب أَو جد أَو أَجداد، وأُم وجدة أَو جدات، أَو أَخوان اثنان فصاعدا، إِلا أَن يقال: الفرد حصة كل واحد من ذلك، ولو تعددت أَفرادها {إِن اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ} بقوا عليه حبا له أَو ارتدوا إِليه كما ارتد طائفة وهربوا إِلى مكة، وذلك كله بعد فتح مكة لأَن السورة بعد الفتح، ويروى أَنهم تسعة. والآية فى ذم الكافرين والنهى عن أَن يجعلهم أَحد أَولياءَ لا فى شأن الهجرة {عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ} راعى لفظ من فى يتول فأَفرد ومعناه فى قوله {فَأُولَئِك هُمُ الظَّالِمُونَ} وذكر بعض أَن الآية فى العباس وطلحة أَسلما وامتنعا. وعن ابن عباس لما أَمر النبى صلى الله عليه وسلم الناس بالهجرة تعلق بمن أَرادوا الهجرة أَهلهم وأَولادهم، وقالوا: إِلى من تكلوننا، فتركوا الهجرة رقة لهم، وقيل: الآية في قوم أَسلموا وامتنعوا من الهجرة، وقد أمروا بها، وقالوا إِن هاجرنا ضاعت أَموالنا وخربت ديارنا وتعطل تجرنا، وفيه أَن السورة بعد الفتح ولا هجرة بعد إِلا أَن يقال: الآية قبله. والظلم وضع الموالاة فى غير موضعها، أَو ظلم أَنفسهم بالذنب، أَو ظلم المسمين بالموالاة لأنها مضرة لهم، وأَنهم يغتاظون بذلك.

الالوسي

تفسير : {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} السقاية والعمارة مصدر أسقي وعمر بالتخفيف إذ عمر المشدد يقال في عمر الإنسان لا في العمارة كما يتوهمه العوام، وصحت الياء في سقاية لأن بعدها هاء التأنيث، وظاهر الآية تشبيه الفعل بالفاعل والصفة بالذات وأنه / لا يحسن هنا فلا بد من التقدير، إما في جانب الصفة أي أجعلتم أهل السقاية والعمارة كمن آمن، ويؤيده قراءة محمد بن علي الباقر رضي الله تعالى عنه وابن الزبير وأبـي جعفر وأبـي وجزة السعدي وهو من القراء وإن اشتهر بالشعر {أجعلتم سقاية الحاج} بضم السين جمع ساق {من المسجد} بفتحتين جمع عامر، وكذا قراءة الضحاك {سقاية} بالضم أيضاً مع الياء والتاء {وعمرة} كما في القراءة السابقة، ووجه سقاية فيها أن يكون جمعاً جاء على فعال ثم أنث كما أنث من الجموع نحو حجارة فإن في كلا القراءتين تشبيه ذات بذات، وإما في جانب الذات أي أجعلتموهما كإيمان من آمن وجهاد من جاهد، وقيل: لا حاجة إلى التقدير في شيء وإنما المصدر بمعنى اسم الفاعل، والمعنى عليه كما في الأول، وأياً ما كان فالخطاب إما للمشركين على طريقة الالتفات واختاره أكثر المحققين وهو المتبادر من النظم، وتخصيص ذكر الإيمان في جانب المشبه به واستدل له بما أخرجه ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله تعالى والقيام على السقاية خير من الإيمان والجهاد فذكر الله تعالى خير الإيمان به سبحانه والجهاد مع نبيه صلى الله عليه وسلم على عمران المشركين البيت وقيامهم على السقاية، وبما أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك قال: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونفك العاني ونحجب البيت ونسقي الحاج فأنزل الله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ} الآية، وهذا ظاهر في أن الخطاب لهم وهم مشركون. وإما لبعض المؤمنين المؤثرين للسقاية والعمارة على الهجرة والجهاد، واستدل له بما أخرجه مسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وجماعة عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل عملاً لله تعالى بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله تعالى خير مما قلتم فزجرهم عمر رضي الله تعالى عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيه فيما اختلفتم فيه فأنزل الله تعالى الآية إلى قوله سبحانه: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} وبما روي من طرق أن الآية نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه والعباس، وذلك أن الأمير كرم الله تعالى وجهه قال له: يا عم لو هاجرت إلى المدينة فقال له: أولست في أفضل من الهجرة وألست أسقي الحاج وأعمر البيت، وهذا ظاهر في أن العباس رضي الله تعالى عنه كان إذ ذاك مسلماً على خلاف ما يقتضيه غيره من الأخبار المتقدم بعضها، وأيد هذا القول بأنه المناسب للاكتفاء في الرد عليهم ببيان عدم مساواتهم عند الله تعالى للفريق الثاني وبيان أعظمية درجتهم عند الله تعالى الظاهر دخوله في الرد على وجه يشعر بعدم حرمان الأولين بالكلية لمكان أفعل التفضيل، وجعل المشتمل على ذلك استطراداً لتفضيل من اتصف بتلك الصفات على غيره من المسلمين خلاف الظاهر، وكذا القول بأنه سيق لتفضيلهم على أهل السقاية والعمارة من الكفرة وهم وإن لم يكن لهم درجة عند الله تعالى جاء على زعمهم ومدعاهم، على أنه قيل عليه: إنه ليس فيه كثير نفع لأنه إن لم يشعر بعدم الحرمان فليس بمشعر بالحرمان، والكلام على الأول توبيخ للمشركين ومداره إنكار تشبيه أنفسهم من حيث اتصافهم بوصفيهم المذكورين مع قطع النظر عما هم عليه من الشرك بالمؤمنين من حيث اتصافهم بالإيمان والجهاد، أو على / إنكار تشبيه وصفيهم المذكورين في حد ذاتهما مع الإغماض عن مقارنتهما للشرك بالإيمان والجهاد. والقول باعتبار المقارنة مما أغمض عنه المحققون لإباء المقام إياه، كيف لا وقد بين حبوط أعمالهم بذلك الاعتبار وكونها بمنزلة العدم، فتوبيخهم بعد على تشبيهها بالإيمان والجهاد، ثم رد ذلك بما يشعر بعدم حرمانهم عن أصل الفضيلة بالكلية مما لا يساعده النظم الكريم، ولو اعتبر لما احتيج إلى تقرير إنكار التشبيه وتأكيده بشيء آخر إذ لا شيء أظهر بطلاناً من نسبة المعدوم إلى الموجود، وقيل: لا مانع من اعتبارها ويقطع النظر عما تقدم من بيان الحبوط، وعدم الحرمان المشعور به مبني على ذلك وفيه ما فيه، والمعنى أجعلتم أهل السقاية والعمارة في الفضيلة وعلو الدرجة كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله أو أجعلتموهما في ذلك كالإيمان والجهاد وشتان ما بينهما فإن السقاية والعمارة وإن كانتا في أنفسهما من أعمال البر والخير لكنهما وإن خلتا عن القوادح بمعزل أن يشبه أهلهما بأهل الإيمان والجهاد أو يشبه نفسهما بنفس الإيمان والجهاد وذلك قوله سبحانه: {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ} أي لا يساوي الفريق الأول الثاني وبظاهره يترجح التقدير الأول، وإذا كان المراد لا يستوون بأوصافهم يرجع إلى نفي المساواة في الأوصاف فيوافق الإنكار على التقدير الثاني، وإسناد عدم الاستواء إلى الموصوفين لأن الأهم بيان تفاوتهم، وتوجيه النفي هٰهنا والإنكار فيما سلف إلى الاستواء والتشبيه مع أن دعوى المفتخرين بالسقاية والعمارة من المشركين أو المؤمنين إنما هي الأفضلية دون التساوي والتشابه للمبالغة في الرد عليهم فإن نفي التساوي والتشابه نفي للأفضلية بالطريق الأولى، لكن ينبغي أن يعلم أن الأفضلية التي يدعيها المشركون تشعر بثبوت أصل الفضيلة للمفضل عليه وهم بمعزل عن اعتقاد ذلك، وكيف يتصور منهم أن في جهادهم وقتلهم فضيلة أو أن في الإيمان المستلزم لتسفيه رأيهم فيما هم عليه فضيلة، فلا بد أن يكون ذلك من باب المجاراة فلا تغفل. والجملة استئناف لتقرير الإنكار المذكور وتأكيده، وجوز أبو البقاء أن تكون حالاً من مفعولي الجعل والرابط ضمير الجمع كأنه قيل: سويتم بينهم حال كونهم متفاوتين عند الله. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ} أريد بهم المشركون وبالظلم الشرك أو وضع الشيء في غير موضعه شركاً كان أو غيره فيدخل فيه ظلمهم في ذلك الجعل وهو أبلغ في الذم، والمراد من الهداية الدلالة الموصلة لا مطلق الدلالة لأنه لا يناسب المقام، وهذا حكم منه تعالى أنه سبحانه لا يوفق هؤلاء الظالمين إلى معرفة الحق وتمييز الراجح من المرجوح ولعله سيق لزيادة تقرير عدم التساوي.

ابن عاشور

تفسير : ظاهر هذه الآية يقتضي أنّها خطاب لقوم سَوَّوا بين سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام، وبين الجهاد والهجرة، في أنّ كلّ ذلك من عمل البرّ، فتؤذن بأنّها خطاب لقوم مؤمنين قعدوا عن الهجرة والجهاد، بعلّة اجتزائهم بالسقاية والعمارة. ومناسبتها للآيات التي قبلها: أنّه لمّا وقع الكلام على أنّ المؤمنين هم الأحقّاء بعمارة المسجد الحرام من المشركين دلّ ذلك الكلام على أنّ المسجد الحرام لا يحقّ لغير المسلم أن يباشر فيه عملاً من الأعمال الخاصّة به، فكان ذلك مثار ظنّ بأنّ القيام بشعائر المسجد الحرام مساوٍ للقيام بأفضل أعمال الإسلام. وأحسن ما روي في سبب نزول هذه الآية: ما رواه الطبري، والواحدي، عن النعمان بن بشير، قال: كنتُ عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم «ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلاَّ أنْ أسقي الحاج»؛ وقال آخر «بل عمارة المسجد الحرام» وقال آخر «بل الجهاد في سبيل الله خير ممّا قلتم» فزجرهم عمر بن الخطاب وقال: «لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صُلِّيَتْ الجمعة دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفيتُه فيما اختلفتم فيه» قال: فأنزل الله تعالى {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين}. وقد روي أنّه سرى هذا التوهّم إلى بعض المسلمين، فروي أنّ العباس رام أن يقيم بمكة ويترك الهجرة لأجل الشغل بسقاية الحاجّ والزائِر؛ وأنّ عثمان بنَ طلحة رام مثل ذلك، للقيام بحجابة البيت. وروى الطبري، والواحدي: أن مماراة جرت بين العباس وعلي بن أبي طالب ببدر، وأن علياً عَيَّر العباس بالكفر وقطيعة الرحم، فقال العباس: «ما لكم لا تذكرون محاسننا إنّا لنَعْمُر مسجد الله ونحجب الكعبة ونسقي الحاج» فأنزل الله {أجعلتم سقاية الحاج} الآية. والاستفهام للإنكار. و(السقاية) صيغة للصناعة، أي صناعة السقي، وهي السقي من ماء زمزم، ولذلك أضيفت السقاية إلى الحاج. وكذلك (العمارة) صناعة التعمير، أي القيام على تعمير شيء، بالإصلاح والحراسة ونحو ذلك، وهي، هنا: غير ما في قوله: {أية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله}تفسير : [التوبة: 17] وقوله: {أية : إنما يعمر مساجد الله}تفسير : [التوبة: 18] وأضيفت إلى المسجد الحرام لأنّها عمل في ذات المسجد. وتعريف الحاج تعريف الجنس. وقد كانت سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام من أعظم مناصب قريش في الجاهلية، والمناصب عشرة، وتسمّى المآثر فكانت السقاية لبني هاشم بن عبد مناف بن قصي وجاء الإسلام وهي للعباس بن عبد المطلب، وكانت عمارة المسجد، وهي السدانة، وتسمّى الحجابة، لبني عبد الدار بن قصي وجاء الإسلام وهي لعثمان بن طلحة. وكانت لهم مناصب أخرى ثمانية أبطلها الإسلام رأيتها بخط جدّي العلامة الوزير وهي: الدّيَات والحَملات، السِّفارة، الراية، الرّفادة، المشُورة، الأعنة والقبة، الحكُومة وأموالُ الآلهة، الأيْسار. فأما الديات والحَمالات: فجمع دِيَة وهي عوض دم القتيلِ خطأ أو عمداً إذا صولح عليه؛ وجمع حَمالة ــــ بفتح الحاء المهملة ــــ وهي الغرامة التي يحملها قوم عن قوم، وكانت لبني تَيْم بن مُرَّةَ بن كعب. ومُرّة جدّ قصَي، وجاء الإسلام وهي بيد أبي بكر الصديق. وأمّا السِفارة ــــ بكسر السين وفتحها ــــ فهي السعي بالصلح بين القبائِل. والقائم بها يسمّى سفيراً. وكانت لبني عدي بن كعب أبناء عمّ لقصي وجاء الإسلام وهي بيد عمر بن الخطاب. وأمّا الراية، وتسمّى: العُقاب ــــ بضم العين ــــ لأنّها تخفق فوق الجيش كالعُقاب، فهي راية جَيش قريش. وكانت لبني أمية، وجاء الإسلام وهي بيد أبي سفيان بن حرب. وأمّا الرّفادة: فهي أموال تخرجها قريش إكراماً للحجيج فيطعمونهم جميعَ أيّام الموسم يشترون الجُزُر والطعام والزبيب ــــ للنبيذ ــــ وكانت لبني نوفل بن عبد مناف، وجاء الإسلام وهي بيد الحارث بن عامر بن نوفل. وأمّا المَشُورَة: فهي ولاية دار النَّدْوة وكانت لبني أسد بن عبد العُزّى بن قصيّ. وجاء الإسلام وهي بيد زيد بن زَمْعَة. وأمّا الأعنّة والقُبة فقبّة يضربونها يجتمعون إليها عند تجهيز الجيش وسميت الأعنّة وكانت لبني مخزوم. وهم أبناء عم قُصَي، وجاء الإسلام وهي بيد خالد بن الوليد. وأمّا الحُكومة وأموالُ الآلهة ــــ ولم أقف على حقيقتها ــــ فأحسب أنّ تسميتها الحكومة لأنّ المال المتجمع بها هو ما يحصل من جزاء الصيد في الحرم أو في الإحرام. وأمّا تسميتها أموال الآلهة لأنّها أموال تحصل من نحو السائبة والبحيرة وما يوهب للآلهة من سلاح ومتاع. فكانت لبني سهم وهم أبناء عمّ لقصي. وجاء الإسلام وهي بيد الحارث بن قيس بن سهم. وأما الأيسار وهي الأزلام التي يستقسمون بها فكانت لبني جُمح وهم أبناء عمّ لقُصي، وجاء الإسلام وهي بيد صفوان بن أميةَ بنِ خَلَف. وقد أبطل الإسلام جميع هذه المناصب، عدا السدانة والسقاية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع «حديث : ألا إنّ كل مأثُرة من مآثر الجاهلية تحت قَدَمَيَّ هاتين إلاّ سِقاية الحاج وسَدانة البيت»تفسير : . وكانت مناصب العرب التي بيد قصي بن كلاب خمسة: الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء ــــ فلمّا كبر قصي جعل المناصب لابنه عبد الدار، ثم اختصم أبناء قصي بعد موته وتداعَوا للحرب، ثم تداعَوا للصلح، على أن يعطوا بني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة، وأن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأحدثت مناصب لبعضٍ من قريش غيرِ أبناء قصي فانتهت المناصب إلى عشرة كما ذكرنا. وذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ليس لأنّه محلّ التسوية المردودة عليهم لأنّهم لم يدَّعوا التسوية بين السقاية أو العمارة بدون الإيمان، بل ذِكر الإيمان إدماج، للإيماء إلى أنّ الجهاد أثَرُ الإيمان، وهو ملازم للإيمان، فلا يجوز للمُؤمن التنصّل منه بعلّة اشتغاله بسقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام. وليس ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر لكون الذين جعلوا مزية سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام مثل مزية الإيمان ليسوا بمؤمنين لأنّهم لو كانوا غير مؤمنين لما جَعلوا مناصب دينهم مساوية للإيمان، بل لَجعلوها أعظم. وإنّما توهّموا أنهما عملان يَعْدِلانِ الجهاد، وفي الشغل بهما عذر للتخلّف عن الجهاد، أو مزية دينية تساوي مزية المجاهدين. وقد دلّ ذكر السقاية والعمارة في جانب المشبّه، وذكر من آمن وجاهد في جانب المشبّه به، على أنّ العملين ومَن عملهما لا يساويان العملَين الآخرين ومَن عملهما. فوقع احتباك في طرفي التشبيه، أي لا يستوي العملان مع العملين ولا عاملوا هذين بعاملي ذينك العملين. والتقدير: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله، وجعلتم سقاية الحاجّ وعمّار المسجد كالمؤمنين والمجاهدين في سبيل الله. ولما ذكرت التسوية في قوله: {لا يستوون عند الله} أسندت إلى ضمير العاملين، دون الأعمال: لأنّ التسوية لم يشتهر في الكلام تعليقها بالمعاني بل بالذوات. وجملة {لا يستوون} مستأنفة استئنافاً بيانياً: لبيان ما يُسأل عنه من معنى الإنكار الذي في الاستفهام بقوله: {أجعلتم} الآية. وجملة {والله لا يهدي القوم الظالمين} تذييل لجملة {أجعلتم سقاية الحاج} إلخ، وموقعهُ هنا خفي إن كانت السورة قد نزلت بعد غزوة تبوك، وكانت هذه الآية ممّا نزل مع السورة ولم تنْزل قبلها، على ما رجحناه من رواية النعمان بن بشير في سبب نزولها، فإنّه لم يبق يومئذٍ من يجعل سقاية الحاجّ وعمارة البيت تساويان الإيمان والجهاد، حتى يُرَد عليه بما يدلّ على عدم اهتدائه. وقد تقدّم ما روي عن عمر بن الخطاب في سبب نزولها وهو يزيد موقعها خفاء. فالوجه عندي في موقع جملة {والله لا يهدي القوم الظالمين} أنّ موقعها الاعتراض بين جملة {أجعلتم سقاية الحاج} وجملة {أية : الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا}تفسير : [التوبة: 20] إلخ. والمقصود منها زيادة التنويه بشأن الإيمان، إعلاماً بأنّه دليل إلى الخيرات، وقائد إليها. فالذين آمنوا قد هداهم إيمانهم إلى فضيلة الجهاد، والذين كفروا لم ينفعهم ما كانوا فيه من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاجّ، فلم يهدهم الله إلى الخير، وذلك برهان على أنّ الإيمان هو الأصل، وأنّ شُعَبَه المتولّدة منه أفضل الأعمال، وأنّ ما عداها من المكارم والخيرات في الدرجة الثانية في الفضل، لأنّها ليست من شعب الإيمان، وإن كان كلا الصفتين لا ينفع إلاّ إذا كان مع الإيمان، وخاصّة الجهاد. وفيه إيماء إلى أنّه: لولا الجهاد لما كان أهل السقاية وعمارة المسجد الحرام مؤمنين، فإنّ إيمانهم كان من آثار غزوة فتح مكة وجيشِ الفتح إذ آمن العباس بن عبد المطلب وهو صاحب السقاية، وآمن عثمان بن طَلحة وهو صاحب عمارة المسجد الحرام. فأمّا ما رواه الطبري والواحدي عن ابن عباس: من أنّ نزول هذه الآية كان يوم بدر، بسبب المماراة التي وقعت بين علي بن أبي طالب والعباس، فموقع التذييل بقوله: {والله لا يهدي القوم الظالمين} واضح: أي لا يهدي المشركين الذين يسقون الحاجّ ويعمرون المسجد الحرام، إذ لا يجدي ذلك مع الإشراك. فتبيّن أنّ ما توهّموه من المساواة بين تلك الأعمال وبين الجهاد، وتنازعهم في ذلك، خطأ من النظر، إذ لا تستقيم تسوية التابع بالمتبوع والفرعِ بالأصل، ولو كانت السقاية والعمارة مساويتين للجهاد لكان أصحابهما قد اهتدوا إلى نصر الإيمان، كما اهتدى إلى نصره المجاهدون، والمشاهدة دلّت على خلاف ذلك: فإنّ المجاهدين كانوا مهتدين ولم يكن أهل السقاية والعمارة بالمهتدين. فالهداية شاع إطلاقها مجازاً باستعارتها لمعنى الإرشاد على المطلوب، وهي بحسب هذا الإطلاق مراد بها مطلوب خاص وهو ما يطلبه مَن يعمل عملاً يتقرب به إلى الله، كما يقتضيه تعقيب ذكر سقاية الحاج وعمارة المسجد بهذه الجملة. وكنّي بنفي الهداية عن نفي حصول الغرض من العمل. والمعنى: والله لا يقبل من القوم المشركين أعمالهم. ونسب إلى ابن وردان أنّه روي عن أبي جعفر أنّه قرأ: {سُقَاةَ الحاج} ــــ بضم السين جمع الساقي ــــ وقرأ {وعَمَرَة} ــــ بالعين المفتوحة وبدون ألف وبفتح الراء جمع عامر ــــ وقد اختلف فيها عن ابن وَردان.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: سقاية الحاج: مكان يوضع فيه الماء في المسجد الحرام ويسقى منه الحجاج مجاناً. وعمارة المسجد الحرام: هنا عبارة عن بنائه وصيانته وسدانة البيت فيه. لا يستوون عند الله: إذ عمارة المسجد الحرام مع الشرك والكفر لا تساوى شيئاً. والله لا يهدي القوم الظالمين: أي المشركين لا يهديهم لما فيه كمالهم وسعادتهم. ورضوان: أي رضا الله عز وجل عنهم. نعيم مقيم: أي دائم لا يزول ولا ينقطع. معنى الآيات: ما زال السياق في الرد على من رأى تفضيل عمارة المسجد الحرام بالسقاية والحجابة والسدانة على الإِيمان والهجرة والجهاد فقال تعالى موبخاً لهم {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ} في حكم الله وقضائه بحال من الأحوال، والمشركون ظالمون كيف يكون لعمارتهم للمسجد الحرام وزن أو قيمة تذكر {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} بعد هذا التوبيخ والبيان للحال أخبر تعالى أن {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} هم {أَعْظَمُ دَرَجَةً} ممن آمنوا ولم يستكملوا هذه الصفات الأربع، وأخبر تعالى أنهم هم الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة، وأعظم من هذا ما جاء في قوله {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ} وهي الجنة {وَرِضْوَانٍ} منه تعالى وهو أكبر نعيم {وَجَنَّاتٍ} أي بساتين في الملكوت الأعلى {لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} لا يحول ولا يزول وأنهم خالدون فيها لا يخرجون منها أبداً، {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لا يقادر قدره جعلنا الله تعالى منهم وحشرنا في زمرتهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- أكمل المؤمنين وأعلاهم درجة، وأقربهم من الله منزلة من جمع الصفات الثلاث المذكورة في الآية [20] وهي الإِيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. 2- فضل الهجرة والجهاد. 3- تفاوت أهل الجنة في علو درجاتهم. 4- حرمان الظالمين المتوغّلين في الظلم من هداية الله تعالى.

القطان

تفسير : سقاية الحاج: ما كانت قريش تسقيه للحجّاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يقوم بها العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في الجاهلية وبقيت معه في الاسلام. {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ...}. هذا توبيخ من الله تعالى لقومٍ افتخروا بالسقاية والسِّدانة، وهي حجابة البيت، فأعملهم الله أن الفخر الحقيقي إنما يكون في الإيمان بالله، واليوم الآخر، والجهاد في سبيله. وذلك بمعنى انه لا ينبغي ان تجعلوا اهل السقاية والعمارة في الفضيلة كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله، ان الفئتين ليْسَتَا بمنزلة واحدة عند الله. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. المشركين الذين لا يخلِّصون عقيدتهم من الشرك، ولو كانوا يعمرون البيتَ ويسقون الحجيج. ثم بيّن سبحانه مراتب فضْلِهم إثر بيان عدم استوائهم هم والمشركين الظالمين فقال: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ}. ان الذين صدّقوا بوحدانية الله، وهاجروا من دار الكفر الى دار الإسلام، وتحمّلوا مشاقّ الجهاد في سبيل الله بأموالهم وانفسهم، هم اعظمُ منزلةً وأعلى مقاما في مراتب الفضل والكمال عند الله من أهل سِقاية الحاجّ وعَمارة المسجد بدون ايمان بالله. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} وأولئك المؤمنون المهاجرون المجاهدون هم الفائزون بمثوبة الله وكرامته. ثم فصّل الله تعالى ذلك الفوز العظيم وبينه فقال: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً}. هؤلاء الذين جمعوا الصفاتِ الحميدةَ يبشّرهم الله تعالى برحمته الواسعة التي تشملهم، ورضوانٍ كامل من لدنْه، وهو أكبر جزاءٍ. وسيُدخلهم يوم القيامة جناتٍ لهم فيها نعيمٌ ثابت دائم. {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. لهؤلاء المؤمنين الذين تحملوا مشاق الهجرة والجهاد ثوابٌ لا يقدِّر قدْره الا الله الذي تفضل به.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَ} {وَجَاهَدَ} {يَسْتَوُونَ} {ٱلظَّالِمِينَ} (19) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، حِينَ أُسِرَ بِبَدْرٍ، فَقَالَ لَئِنْ سَبَقْتُمُونَا بِالإِسْلاَمِ وَالهِجْرَةِ وَالجِهَادِ، لَقَدْ كُنَّا نُعَمِّرُ المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَنَسْقِي الحَاجَّ، وَنَفكُّ العَانِيَ. فَرَدَّ اللهَ تَعَالَى عَلَيهِ قَائِلاً: إِنَّ سِقَايَةَ الحَاجِّ، وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ لاَ تَسْتَوِيَانِ عِنْدَ اللهِ مَعَ الإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَالجِهَادِ فِي سَبيلِهِ، وَاللهُ تَعَالَى لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ إلَى الحَقِّ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَلا إلى الحُكْمِ العَدْلِ في أعْمَالِ غَيْرِهِمْ. سِقَايَةَ الحَاجِّ - تَقْدِيمَ المَاءِ لِلْحُجَّاجِ الوَافِدِينَ عَلَى مَكَّةَ لِيَشْرَبُوا.

الثعلبي

تفسير : {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ} [أي أهل سقاية]. عن معاوية بن سلام عن زيد ابن أبي سلام عن النعمان بن بشير، قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد سقي الحاج، قال الآخر: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام، وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت دخلت واستفتيت رسول الله فيما اختلفتم فيه فقال: فأنزل الله {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} إلى قوله {ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. قال: قال العباس بن عبد المطلب: لئن كنتم سبقتمونا بالهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد ونسقي الحاج، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يعني: إن ذلك كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك. عطية العوفي قال: إن المشركين قالوا: إعمار بيت الله والقيام على السقاية خير ممّن آمن وجاهد، وكانوا يفتخرون بالحرم من أجل أنهم أهله وعُمّاره، فأنزل الله هذه الآية وأخبرهم أن عمارتهم المسجد الحرام وقيامهم على السقاية لاتنفعهم عند الله مع الشرك، وأن الإيمان بالله والجهاد مع نبيّه خير مما هم عليه. الحسن والشعبي ومحمد بن كعب القرضي: نزلت في علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة، وذلك أنهم أفتخروا فقال طلحة: إنّ البيت بيدي مفاتيحه ولو أشاء بتُّ فيه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بتُّ في المسجد، وقال علي رضي الله عنه: لا أدري ما تقولون لقد صلّيت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن سيرين ومرّة الهمداني عن ابن عباس أن علياً قال للعباس: ألا تهاجر وتلحق بالنبي؟ فقال: ألست في أفضل من الهجرة؟ ألست أسقي حاج بيت الله واعمر المسجد الحرام؟ فنزلت هذه الآية. وعندما أُمروا بالهجرة قال العباس: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة أخو بني عبد الدار: وأنا صاحب الكعبة فلا نهاجر. والسقاية مصدر كالرعاية والحماية، قال الضحّاك: السقاية بضم السين وهي لغة. وفي معنى الآية وجهان أحدهما أن يجعل الكلام مختصراً تقديره: أجعلتم سقاية وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله وجهاد من جاهد في سبيل الله، وهذا كما تقول: السخاء حاتم، والشعر زهير وقال الشاعر: شعر : لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ولكنما الفتيان كل فتى ندي تفسير : والوجه الآخر أن يجعل العمارة والسقاية بمعنى العامر والساقي تقديره: أجعلتم ساقي الحاج وعامر المسجد الحرام كقوله هدىً للمتقين، يدلّ عليه قراءة عبدالله بن الزبير وأبي وجزة السعدي: أجعلتم سُقّاء الحاج وعُمّار المسجد الحرام على جمع الساقي والعامر {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} قال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراًتفسير : . وقال الحسن: وكانت السقاية نبيذ زبيب. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ} من الذين افتخروا بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} الناجون من النار {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} دائم {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ} قال مجاهد: هذه الآية متصلة بما قبلها منزلة في قصة العباس وعلي قبل الهجرة، قال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما أمر الله عزّوجل المؤمنين بالهجرة وكانت قبل فتح مكة، من آمن ولم يكتمل إيمانه إلاّ بمجانبة الآباء والأقرباء إنْ كانوا كفاراً، فقال المسلمون: يانبي الله إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين قطعنا أباءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وخُربت دارنا، فأنزل الله هذه الآية. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: لمّا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبنه وأخيه وامرأته وقرابته: إنّا قد أُمرنا بالهجرة إلى المدينة فاخرجوا معنا إليها فمنهم من يعجبه ذلك ويسارع إليه، ومنهم من أبى على صاحبه (وتعلق به) فيقول الرجل لهم: والله لئن ضمني وإياكم دار الهجرة فلا أنفعكم بشيء أبداً ولا أعطيكم ولا أُنفق عليكم، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده ويقولون: أُنشدك الله أن تضيعنا فيرق (قلبه) فيجلس ويدع الهجرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدّوا عن الإسلام فنهى الله عز وجل عن ولايتهم فأنزل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ} بطانة وأصدقاء فتفشون إليهم أسراركم، ومن المقام بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام. {إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ} فهم في صورة الإسلام وأهله و(في) المكث معهم على الهجرة والجهاد {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} العاصون الواضعون [.....] في غير موضعها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : جاءت هذه الآية رداً على كفار مكة الذين أسروا في غزوة بدر، وكان منهم العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تحدث إليه بعض من الصحابة يدعونه للإسلام وللجهاد في سبيل الله فقال: إننا نسقي الحجيج ونرعى البيت، ونفك العاني، ونقوم بعمارة البيت الحرام قال العباس ذلك ولم يكن قد أسلم بعد. وما قاله العباس هو موجز رأي أهل الشرك من قريش، الذين جعلوا هذه المسائل مقابل الإيمان بالله والجهاد في سبيله. وجاء قول الحق ليؤكد أن الكفة غير راجحة فقال: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ..} [التوبة: 19]. وكلمة {سِقَايَةَ} تطلق ثلاث إطلاقات: فهي المكان الذي يجتمع فيه الماء ليشرب منه الناس والذي نسميه. السبيل. وكذلك تطلق السقاية: على الإناء الذي نشرب منه الماء، والذي يرفع إلى الفم كالكوب والكأس أو يسمى صواع الملك، وفي قصة يوسف عليه السلام يأتي القول الكريم: {أية : فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} تفسير : [يوسف: 70]. أما المعنى الثالث: فهو الحرفة نفسها؛ فنقول: هذه خياطة، وهذه حدادة وهذه سقاية، أي أنه عمل يتصل بسقاية الناس، فالسقاية - إذن - هي المكان الواسع الذي يتجمع فيه الماء، أو الإناء الذي نستعمله في الشرب، أو الحرفة التي يقوم بها السقا. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [التوبة: 19]. فإن كنتم تفتخرون بأنكم تحترفون سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام وتجعلون هذا في مقابل الإسلام، فذلك لا يصلح أبدا كمقابل للإيمان، ولا تتساوى كفة الإيمان بالله واليوم الآخر أبداً مع كفة سقاية الحجيج، وعمارة المسجد الحرام. ومن يقدر ذلك هو الله سبحانه وتعالى، وله مطلق المشيئة في أن يتقبل العمل أو لا يتقبله. والمؤمن المجاهد في سبيل الله إنما يطلب الجزاء من الله، أما من يسقي الحجاج؛ ويعمر بيت الله دون أن يعترف بوحدانية الله كالمشركين - قبل الإسلام - فهو يطلب الجزاء ممن عمل من إجلهم، ولأنه سبحانه هو معطي الجزاء، فهو جل وعلا يوضح لنا: أن هذين العملين لا يستويان عنده، أي لا يساوي أحدهما الآخر في الجزاء. ويقال: إن سيدنا الإمام عليا رضي الله عنه، وكرم الله وجهه، مر على طلحة بن شيبة؛ والعباس ووجدهما يتفاخران، أي: يفاخر كل منهما الآخر بالمناقب التي يعتز بها؛ ليثبت أنه أحسن وأفضل منه. وكانت المفاخرة من طبع العرب حتى في الأشياء التي ليس لهم فيها فضل، والممنوحة لهم من الله عز وجل مثل الشكل والنسب إلى آخره، لأن أحداً لا يختار أباه وأمه ليتفاخر بهما، وإنما كل ذلك هو عطاء من الله سبحانه وتعالى. لقد كان العرب مثلاً يجلسون أمام مكان ممتلىء بالماء يتفاخرون أيهم يغطس في الماء، ويبقى رأسه تحت الماء مدة أطول، أي: أيهم أطول نفساً من الآخر، مع أن هذه مسألة خاضعة لبنية الجسم وتكوينها من الله الخالق، وليس لأحد يد فيها، فهناك من أعطاه الله رئتين أقوى من الآخر، وهو الذي يستطيع أن يغطس مدة أطول، ولكن هذه المسألة كانت من أوجه التفاخر عند العرب. جلس طلحة والعباس يتفاخران، فقال طلحة بن شيبة: بيدي مفتاح الكعبة، ولو شئت أن أنام فيها لنمت. فرد عليه العباس: وأنا معي سقاية الحاج، ولو شئت ألا أسقي أحدا لا ستطعت. ومر الإمام علي كرم الله وجهه عليهما وهما يتفاخران، فلما سمع كلامهما قال: ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد فنزلت الآية: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ} [التوبة: 19]. ولم يكد العباس يسمع هذه الآية حتى قال: "إنَّا قد رضينا، إنَّ قد رضينا"، قال ذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم، وفي هذا القول إشارة إلى أن المفاخرة التي كانت بين العباس وطلحة لم تكن في موضعها. وكلمة {عِندَ ٱللَّهِ} في الآية الكريمة تفيد: أن المقاييس عند الله تختلف عن المقاييس عند البشر؛ لأن المقاييس عادة تختلف حتى بين الناس، فلك مقاييس وللناس مقاييس. وقد تجامل نفسك في مقاييسك. وقد يجاملك الناس في مقاييسهم، أو قد يقسون عليك. وكل مقياس يكون فيه هوى؛ لأن كل إنسان إنما يؤثر نفسه. وكل إنسان يحاول أن يأخذ كل شيء. ولكن المقاييس التي لا هوى فيها والتي ليس فيها إلا العدل المطلق هي مقاييس الله، ولذلك نجدها تَجُبُّ كل شيء، وليس فيها أي فرصة للطعن. ثم يذيل الحق سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [التوبة: 19]. وهذه أوجدت الحل لمشكلات متعددة يثيرها بعض الناس حول الهداية، وكيف أنها من الله سبحانه وتعالى وليست من العبد لقوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [القصص: 56]. نقول: نعم، إن مشيئة الهدى من الله سبحانه وتعالى، لكنه سبحانه قد أوضح لنا من لا يدخلهم في مشيئة هديه، فقال: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 264]. وقال سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 258]. وقال سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ}تفسير : [المائدة: 108]. وقد ذكر الحق سبحانه وتعالى هذه الحقائق في الكثير من آيات القرآن الكرين. وبعض الناس يقول: إن الهدى من الله، ولو أن الله هداني ما قتلت، وما سرقت وما ارتشيت، ونقول: هذا فهم خاطىء، ولنرجع إلى القرآن الكريم، فالحق تبارك وتعالى يقول: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي} أي نفي ما يستوجب الهداية عمن ظلم أو فسق أو كفر؛ لأن الحق سبحانه لاَ يَهْدِي من قام الكفر؛ أو قدم الظلم أو قدم الفسق؛ فكأن الكافر أو الظالم أو الفاسق، هو الذي يمنع الهداية عن نفسه. ولو قدم الإنسان الإيمان لدخل في هداية الله تعالى، فكأن خروج الإنسان عن مشيئة هداية الله هي مسألة من عمل الإنسان وباختياره، فقد يختار الإنسان طريق الغواية، ويترك طريق الهداية؛ لذلك لا يهديه الله؛ لأنه سبحانه لا يهدي إلا المؤمن به. وإن اختار الإنسان طريق الهداية، فالحق يعطيه المزيد من الهدى؛ لأنه آمن بالله؛ فاختار طريق الهداية، واستقبل منهج الله بالرضى. وهكذا نفهم قول الحق تبارك وتعالى: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [فاطر: 8]. إذن فالحق يهدي من استمع إلى القرآن بروح الإيمان، واستقر في يقينه أن له ربا، واعتقد أن له إلهاً، وقد فصلنا ذلك في مسألة القضاء والقدر، وقلنا: إن الذين يقرأون القرآن لفهم قضية الهداية عليهم أن يستقرئوا كل الآيات المتعلقة بالموضوع، فسبحانه وتعالى قد أوضح أنه لا يهدي الكافر، إذن فهو يهدي المؤمن، وأوضح أنه لا يهدي الظالم، إذن فهو يهدي العادل، وأوضح أنه جل وعلا لا يهدي الفاسق، إذن فهو يهدي الطائع، فلا يقولن أحد: إن الله لم يشَأْ أن يهديني؛ لأن هذا فهم خاطىء لمعنى الهداية من الله؛ فسبحانه وتعالى قد بيَّن لنا من شاء هدايته ومن شاء إضلاله، وهو يهدي من قدم أسباب الهداية، وأسلم مقاليد زمامه للإيمان، والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً}تفسير : [مريم: 76]. ويقول أيضا: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17]. إذن فالله أخبرنا مسبقاً بمن يستحق هدايته ومن لا يدخل فيها، وأنت باختيارك طريقك، إما أن تؤمن؛ فتدخل في الهداية، وإما أن تختار طريق الكفر والظلم والعياذ بالله؛ فتمتنع عنك الهداية. فإذا جاء أحد يجادلك؛ ويقول لك: إن الله سبحانه وتعالى قد قال: {أية : كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [المدثر: 31]. لك أن تقول له: لقد بيَّن الله عز وجل من شاء له الهداية، ومن شاء له الضلال، ولقد ضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - فقلنا: إن الهداية قد وردت في القرآن الكريم على معنيين: المعنى الأول هو الدلالة على الطريق، وهذه هداية للجميع، فقد دل الله المؤمن والكافر على طريق الإيمان برسله وكتبه، أي: بيَّن لهم ما يرضيه وما يغضبه وما يوجب رحمته وما يوجب لعنته، فالهداية الأولى - إذن - وردت بمعنى الدلالة للجميع، أي: أنها هداية عامة. ثم هناك هداية ثانية خاصة للمؤمنين، وهي التي بيَّنها الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. أي: أعانهم على منهجه؛ فيسَّر لهم الطاعة وصعَّب عليهم المعاصي، فإذا امتثل المؤمن لمنهج الله وأطاعه، فالحق عز وجل يشرح صدره بذلك، ويجبب الطاعة إليه؛ فيزداد طاعة. وإذا شرع في ارتكاب المعصية؛ بغَّضها له وجعلها ثقيلة على نفسه حتى يتركها. وضربنا لذلك مثلا بالرجل الذي يقود سيارته ذاهبا لمكان معين. وعند مفترق الطرق وجد رجلا من رجال المرور؛ فدله على الطريق، هذه دلالة عامة. وعندما يقدم الرجل الشكر لجندي المرور. فرجل المرور يُزيد من الإيضاح له: لا تتبع طريق؛ كذا لأن فيها متاعب ومصاعب، واتبع طريق كذا وكذا تصل في سرعة ويسر، وهذه زيادة في الدلالة، أو زيادة في الهداية. لكن إن قال سائق السيارة لنفسه: إن هذا رجل مرور لا يعرف شيئاً، وتجاهل شكره، فرجل المرور يتركه وشأنه. إذن فالحق سبحانه قد هدى المؤمن والكافر إلى طريق الإيمان، فمن اتخذ طريق الإيمان أعانه الله تعالى عليه. ومن اتخذ طريق الكفر - والعياذ بالله - تركه الله يعاني ويضل. ولذلك لا بد لنا أن نتذكر دائما أن الهداية هدايتان؛ هداية دلالة لكل الناس، وهداية معونة للمؤمنين فقط، وفي الدلالة العامة يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ}تفسير : [البلد: 10]. أما دلالة المعونة: فهي التي يقول فيها المولى عز وجل: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17]. وما يكشف لنا أن الهداية عامة، أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن قوم ثمود وهم الذين بعث الله إليهم أخاهم صالحاً، قال سبحانه: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ}تفسير : [فصلت: 17]. ولو كانت الهداية هنا بمعنى أنهم أصبحوا مهتدين، وسلكوا سبيل الإيمان ما قال الله سبحانه بعدها: {أية : فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [فصلت: 17]. إذن {فَهَدَيْنَاهُمْ} في هذه الآية الكريمة معناها دللناهم على طريق الإيمان ولكنهم اختاروا طريق العمى والكفر. ويقول المولى سبحانه وتعالى بعد ذلك: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ...}.

الجيلاني

تفسير : {أَجَعَلْتُمْ} أي: صيَّرتم وسوَّيتم أيها المشركون المعاندون المكابرون {سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} مع كونها صادرتين عنكم، وأنتم على شرككم وضلالكم {كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} أي: كإيمان من آمن بتوحيد الله {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} المعدّ لجزاء الأعمال {وَجَاهَدَ} بماله ونفسه {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لإعلاء دينه وكلمة توحيده؟! كلا وحاشا {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ} عملة السقاية وعمارة المساجد مع المؤمنين الموقنين بتوحيد الله المجادهين في سبيله لنصرة دينه {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده إلى توحيده {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [التوبة: 19] الخارجين عن مقتضى أوامره ونواهيه المنزلة على رسله وأنبيائه. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: تحققوا بمرتبة اليقين العلمي بتوحيد الله {وَهَاجَرُواْ} عن بقعة الإماكن طالبين مرتبة أعلى منها {وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وطريق توحيده {بِأَمْوَالِهِمْ} أي: يبذل ما نسب إليهم من أمتعة الدنيا العاتقة عن الوصول إلى فضاء الوحدة {وَأَنْفُسِهِمْ} بمنعها عن مشتهياتها ومقتضياتها، ظالبين إفناء أنانياتهم وهوياتهم في هوية الحق {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ} وأعلى منزلة ومرتبة ما داموا سالكين سائرين {وَ} بعد وصولهم وانقطاع سلوكم {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء الواصلون {هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} [التوبة: 20] بما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. لذلك {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم} أي: باستعدادتهم الكامنة في عالم الأسماء والصفات {بِرَحْمَةٍ} غير منقطعة، نازلة {مِّنْهُ} سبحانه {وَرِضْوَانٍ} كلَّت الألسن عن تفسيره وانحسرت العقول عن التعبير عنه {وَجَنَّاتٍ} منتزها متجددات حسب تجددات التجليات الحبي ة{لَّهُمْ فِيهَا} أي: في تلك الجنات المتجددات {نَعِيمٌ} أي: إمداد وفواتح {مُّقِيمٌ} [التوبة: 21] دائم غير منقطع. {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} مؤبداً لا تأبيد أمد وزمان، وبالجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ} المتجلي على قلوب خلَّص عباده {عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 22] لهم، بحسب استعداداتهم وقابلياتهم بعدما انكشفوا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما اختلف بعض المسلمين، أو بعض المسلمين وبعض المشركين، في تفضيل عمارة المسجد الحرام، بالبناء والصلاة والعبادة فيه وسقاية الحاج، على الإيمان باللّه والجهاد في سبيله، أخبر اللّه تعالى بالتفاوت بينهما، فقال: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ } أي: سقيهم الماء من زمزم كما هو المعروف إذا أطلق هذا الاسم، أنه المراد { وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ }. فالجهاد والإيمان باللّه أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بدرجات كثيرة، لأن الإيمان أصل الدين، وبه تقبل الأعمال، وتزكو الخصال. وأما الجهاد في سبيل اللّه فهو ذروة سنام الدين، الذي به يحفظ الدين الإسلامي ويتسع، وينصر الحق ويخذل الباطل. وأما عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج، فهي وإن كانت أعمالا صالحة، فهي متوقفة على الإيمان، وليس فيها من المصالح ما في الإيمان والجهاد، فلذلك قال: { لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } أي: الذين وصفهم الظلم، الذين لا يصلحون لقبول شيء من الخير، بل لا يليق بهم إلا الشر. ثم صرح بالفضل فقال: { الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ } بالنفقة في الجهاد وتجهيز الغزاة { وَأَنْفُسِهِمْ } بالخروج بالنفس { أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } أي: لا يفوز بالمطلوب ولا ينجو من المرهوب، إلا من اتصف بصفاتهم، وتخلق بأخلاقهم. { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ } جودا منه، وكرما وبرا بهم، واعتناء ومحبة لهم، { بِرَحْمَةٍ مِنْهُ } أزال بها عنهم الشرور، وأوصل إليهم [بها] كل خير. { وَرِضْوَانٍ } منه تعالى عليهم، الذي هو أكبر نعيم الجنة وأجله، فيحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدا. { وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ } من كل ما اشتهته الأنفس، وتلذ الأعين، مما لا يعلم وصفه ومقداره إلا اللّه تعالى، الذي منه أن اللّه أعد للمجاهدين في سبيله مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، ولو اجتمع الخلق في درجة واحدة منها لوسعتهم. { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } لا ينتقلون عنها، ولا يبغون عنها حِوَلا { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لا تستغرب كثرته على فضل اللّه، ولا يتعجب من عظمه وحسنه على من يقول للشيء كن فيكون.

همام الصنعاني

تفسير : 1060- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن يَحْيَى بن أبي كثير، [عن رجل]، عن النعمان بن بشير، أن رجلاً قال: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلاّ أن أَسْقِي الحاج، وقال آخر: ما أُبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلاّ أن أُعمِّر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل ممَّا قلتم: فزجرهم عُمَر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صلى الجمعة دخلنا عليه، فنزلت: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ...} [الآية: 19] إلى قوله: {لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ}. 1061- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن عَمْرو، عن الحسنِ، قال: لما نزلت: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ} في عليّ، وعباس، وعثمان، وشَيْبَة، تكلموا في ذلك، فقال عباس: ما أراني إلاَّ تَاركاً سِقَايَتَنَا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَقِيمُوا سِقَايتكُمْ، فإن لكم فيها خيراً ". تفسير : 1062- حدثنا عبد الرزاق، عن ابنِ عُيَيْنَةَ، عن إسماعيل، عن الشّعبيّ قال: نزلت في علي، وعباس، تكلما في ذلك. 1063- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، قال لما نزلت: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} قال العباس: ما أراني إلا تاركاً سقايتنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أقيمُوا سقايتكم فإن لكم فيها خيراً ".