٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى ذكر ترجيح الإيمان والجهاد على السقاية وعمارة المسجد الحرام، على طريق الرمز ثم أتبعه بذكر هذا الترجيح على سبيل التصريح في هذه الآية، فقال: إن من كان موصوفاً بهذه الصفات الأربعة كان أعظم درجة عند الله ممن اتصف بالسقاية والعمارة. وتلك الصفات الأربعة هي هذه: فأولها الإيمان، وثانيها الهجرة، وثالثها الجهاد في سبيل الله بالمال ورابعها الجهاد بالنفس، وإنما قلنا إن الموصوفين بهذه الصفات الأربعة في غاية الجلالة والرفعة لأن الإنسان ليس له إلا مجموع أمور ثلاثة: الروح، والبدن، والمال. أما الروح فلما زال عنه الكفر وحصل فيه الإيمان، فقد وصل إلى مراتب السعادات اللائقة بها. وأما البدن والمال فبسبب الهجرة وقعا في النقصان، وبسبب الاشتغال بالجهاد صارا معرضين للهلاك والبطلان. ولا شك أن النفس والمال محبوب الإنسان، والإنسان لا يعرض عن محبوبه إلا للفوز بمحبوب أكمل من الأول، فلولا أن طلب الرضوان أتم عندهم من النفس والمال، وإلا لما رجحوا جانب الآخرة على جانب النفس والمال ولما رضوا بإهدار النفس والمال لطلب مرضاة الله تعالى فثبت أن عند حصول الصفات الأربعة صار الإنسان واصلاً إلى آخر درجات البشرية وأول مراتب درجات الملائكة، وأي مناسبة بين هذه الدرجة وبين الإقدام على السقاية والعمارة لمجرد الاقتداء بالآباء والأسلاف ولطلب الرياسة والسمعة؟ فثبت بهذا البرهان اليقين صحة قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ } [التوبة: 20]. واعلم أنه تعالى لم يقل أعظم درجة من المشتغلين بالسقاية والعمارة لأنه لو عين ذكرهم لأوهم أن فضيلتهم إنما حصلت بالنسبة إليهم، ولما ترك ذكر المرجوح، دل ذلك على أنهم أفضل من كل من سواهم على الإطلاق، لأنه لا يعقل حصول سعادة وفضيلة للإنسان أعلى وأكمل من هذا الصفات. واعلم أن قوله: {عَندَ ٱللَّهِ } يدل على أن المراد من كون العبد عند الله الاستغراق في عبوديته وطاعته، وليس المراد منه العندية بحسب الجهة والمكان، وعند هذا يلوح أن الملائكة كما حصلت لهم منقبة العندية في قوله: { أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } تفسير : [الأنبياء: 19] فكذلك الأرواح القدسية البشرية إذا تطهرت عن دنس الأوصاف البدنية والقاذورات الجسدانية، أشرقت بأنوار الجلالة وتجلى فيها أضواء عالم الكمال وترقت من العبدية إلى العندية، بل كأنه لا كمال في العبدية إلا مشاهدة حقيقة العندية، ولذلك قال: { أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } تفسير : [الإسراء:1] فإن قيل: لما أخبرتم أن هذه الصفات كانت بين المسلمين والكافرين، فكيف قال في وصفهم {أعظم درجة} مع أنه ليس للكفار درجة؟ قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون لأنفسهم من الدرجة والفضيلة عند الله، ونظيره قوله: { أية : قُلِ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } تفسير : [النمل: 59] وقوله: { أية : أَذٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ } تفسير : [الصافات: 62] الثاني: أن يكون المراد أن أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بهذه الصفات، تنبيهاً على أنهم لما كانوا أفضل من المؤمنين الذين ما كانوا موصوفين بهذه الصفات فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى. الثالث: أن يكون المراد أن المؤمن المجاهد المهاجر أفضل ممن على السقاية والعمارة والمراد منه ترجيح تلك الأعمال على هذه الأعمال، ولا شك أن السقاية والعمارة من أعمال الخير، وإنما بطل إيجابهما للثواب في حق الكفار لأن قيام الكفر الذي هو أعظم الجنايات يمنع ظهور ذلك الأثر. واعلم أنه تعالى لما بين أن الموصوفين بالإيمان والهجرة أعظم درجة عند الله بين تعالى أنهم هم الفائزون وهذا للحصر، والمعنى أنهم هم الفائزون بالدرجة العالية الشريفة المقدسة التي وقعت الإشارة إليها بقوله تعالى: {عِندَ رَبّهِمْ } وهي درجة العندية، وذلك لأن من آمن بالله وعرفه فقل أن يبقى قلبه ملتفتاً إلى الدنيا، ثم عند هذا يحتال إلى إزالة هذه العقدة عن جوهر الروح، وإزالة حب الدنيا لا يتم له إلا بالتفريق بين النفس وبين لذات الدنيا، فإذا دام ذلك التفريق وانتقص تعلقه بحب الدنيا، فهذا التفريق والنقص يحصلان بالهجرة. ثم إنه بعده لا بد من استحقار الدنيا والوقوف على معايبها وصيرورتها في عين العاقل بحيث يوجب على نفسه تركها ورفضها، وذلك إنما يتم بالجهاد لأنه تعريض النفس والمال للهلاك والبوار، ولولا أنه استحقر الدنيا وإلا لما فعل ذلك، وعند هذا يتم ما قاله بعض المحققين وهو أن العرفان مبتدأ من تفريق ونقص وترك ورفض، ثم عند حصول هذه الحالة يصير القلب مشتغلاً بالنظر إلى صفات الجلال والإكرام، وفي مشاهدتها يحصل بذل النفس والمال، فيصير الإنسان شهيداً مشاهداً لعالم الجلال مكاشفاً بنور الجلالة مشهوداً له بقوله تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوٰنٍ وَجَنَّـٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } وعند هذا يحصل الانتهاء إلى حضرة الأحد الصمد، وهو المراد من قوله: {عِندَ رَبّهِمْ } وهنا يحق الوقوف في الوصول. ثم قال تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوٰنٍ وَجَنَّـٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ }. واعلم أن هذه الإشارة اشتملت على أنواع من الدرجات العالية وأنه تعالى ابتدأ فيها بالأشرف فالأشرف، نازلاً إلى الأدون فالأدون، ونحن نفسرها تارة على طريق المتكلمين وأخرى على طريقة العارفين. أما الأول فنقول: فالمرتبة الأولى منها وهي أعلاها وأشرفها كون تلك البشارة حاصلة من ربهم بالرحمة والرضوان، وهذا هو التعظيم والإجلال من قبل الله. وقوله: {وَجَنَّـٰتٍ لَّهُمْ } إشارة إلى حصول المنافع العظيمة وقوله: {فِيهَا نَعِيمٌ } إشارة إلى كون المنافع خالصة عن المكدرات لأن النعيم مبالغة في النعمة، ولا معنى للمبالغة في النعمة إلا خلوها عن ممازجة الكدورات وقوله: {مُّقِيمٌ } عبارة عن كونها دائمة غير منقطعة. ثم إنه تعالى عبر عن دوامها بثلاث عبارات: أولها: {مُّقِيمٌ } وثانيها: قوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } وثالثها: قوله: {أَبَدًا } فحصل من مجموع ما ذكرنا أنه تعالى يبشر هؤلاء المؤمنين المهاجرين المجاهدين بمنفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، وذلك هو حد الثواب. وفائدة تخصيص هؤلاء المؤمنين بكون هذا الثواب كامل الدرجة عالي الرتبة بحسب كل واحد من هذه القيود الأربعة. ومن المتكلمين من قال قوله: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ } المراد منه خيرات الدنيا وقوله: {وَرِضْوَانٍ لَهُمْ } المراد منه كونه تعالى راضياً عنهم حال كونهم في الحياة الدنيا وقوله: {وَجَنَّـٰتٍ } المراد منه المنافع وقوله: {لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ } المراد منه كون تلك النعم خالصة عن المكدرات، لأن النعيم مبالغة في النعمة وقوله: {مُّقِيمٌ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } المراد منه الإجلال والتعظيم الذي يجب حصوله في الثواب. وأما تفسير هذه الآية على طريقة العارفين المحبين المشتاقين فنقول: المرتبة الأولى من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم }. واعلم أن الفرح بالنعمة يقع على قسمين: أحدهما: أن يفرح بالنعمة لأنها نعمة. والثاني: أن يفرح بها لا من حيث هي بل من حيث إن المنعم خصه بها وشرفه وإن عجز ذهنك عن الوصول إلى الفرق بين القسمين فتأمل فيما إذا كان العبد واقفاً في حضرة السلطان الأعظم وسائر العبيد كانوا واقفين في خدمته، فإذا رمى ذلك السلطان تفاحة إلى أحد أولئك العبيد عظم فرحه بها فذلك الفرح العظيم ما حصل بسبب حصول تلك التفاحة، بل بسبب أن ذلك السلطان خصه بذلك الإكرام، فكذلك ههنا. قوله: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ وَرِضْوٰنٍ } منهم من كان فرحهم بسبب الفوز بتلك الرحمة، ومنهم من لم يفرح بالفوز بتلك الرحمة، وإنما فرح لأن مولاه خصه بتلك الرحمة وحينئذ يكون فرحه لا بالرحمة بل بمن أعطى الرحمة، ثم إن هذا المقام يحصل فيه أيضاً درجات فمنهم من يكون فرحه بالراحم لأنه رحم، ومنهم من يتوغل في الخلوص فينسى الرحمة ولا يكون فرحه إلا بالمولى لأنه هو المقصد، وذلك لأن العبد ما دام مشغولاً بالحق من حيث إنه راحم فهو غير مستغرق في الحق، بل تارة مع الحق وتارة مع الخلق، فإذا تم الأمر انقطع عن الخلق وغرق في بحر نور الحق وغفل عن المحبة والمحنة، والنقمة والنعمة، والبلاء والآلاء، والمحققون وقفوا عند قوله: {يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم } فكان ابتهاجهم بهذا وسرورهم به وتعويلهم عليه ورجوعهم إليه ومنهم من لم يصل إلى تلك الدرجة العالية فلا تقنع نفسه إلا بمجموع قوله: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ } فلا يعرف أن الاستبشار بسماع قول ربهم، بل إنما يستبشر بمجموع كونه مبشراً بالرحمة، والمرتبة الثانية هي أن يكون استبشاره بالرحمة وهذه المرتبة هي النازلة عند المحققين. واللطيفة الثانية من لطائف هذه الآية هي أنه تعالى قال: {يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم } وهي مشتملة على أنواع من الرحمة والكرامة. أولها: أن البشارة لا تكون إلا بالرحمة والإحسان. والثاني: أن بشارة كل أحد يجب أن تكون لائقة بحاله، فلما كان المبشر ههنا هو أكرم الأكرمين، وجب أن تكون البشارة بخيرات تعجز العقول عن وصفها وتتقاصر الأفهام عن نعتها. والثالث: أنه تعالى سمى نفسه ههنا بالرب وهو مشتق من التربية كأنه قال: الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها ولا حصر لها يبشركم بخيرات عالية وسعادات كاملة. والرابع: أنه تعالى قال: {رَّبُّهُمْ } فأضاف نفسه إليهم، وما أضافهم إلى نفسه. والخامس: أنه تعالى قدم ذكرهم على ذكر نفسه فقال: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم } والسادس: أن البشارة هي الإخبار عن حدوث شيء ما كان معلوم الوقوع، أما لو كان معلوم الوقوع لم يكن بشارة، ألا ترى أن الفقهاء قالوا: لو أن رجلاً قال من يبشرني من عبيدي بقدوم ولدي فهو حر، فأول من أخبر بذلك الخبر يعتق، والذين يخبرون بعده لا يعتقون وإذا كان الأمر كذلك فقوله: {يُبَشِّرُهُمْ } لا بد أن يكون إخباراً عن حصول مرتبة من مراتب السعادات ما عرفوها قبل ذلك، وجميع لذات الجنة وخيراتها وطيباتها قد عرفوه في الدنيا من القرآن، والإخبار عن حصول بشارة فلا بد وأن تكون هذه البشارة بشارة عن سعادات لا تصل العقول إلى وصفها ألبتة. رزقنا الله تعالى الوصول إليها بفضله وكرمه. واعلم أنه تعالى لما قال: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم } بين الشيء الذي به يبشرهم وهو أمور: أولها: قوله: {بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ } وثانيها: قوله: {وَرِضْوَانٍ } وأنا أظن والعلم عند الله أن المراد بهذين الأمرين ما ذكره في قوله: { أية : ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } تفسير : [الفجر: 28] والرحمة كون العبد راضياً بقضاء الله وذلك لأن من حصلت له هذه الحالة كان نظره على المبلي والمنعم لا على النعمة والبلاء، ومن كان نظره على المبلي والمنعم لم يتغير حاله، لأن المبلي والمنعم منزه عن التغير. فالحاصل أن حاله يجب أن يكون منزهاً عن التغير، أما من كان طالباً لمحض النفس كان أبداً في التغير من الفرح إلى الحزن، ومن السرور إلى الغم، ومن الصحة إلى الجراحة، ومن اللذة إلى الألم، فثبت أن الرحمة التامة لا تحصل إلا عندما يصير العبد راضياً بقضاء الله فقوله: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ } هو أنه يزيل عن قلبه الالتفات إلى غير هذه الحالة، ويجعله راضياً بقضائه. ثم إنه تعالى يصير راضياً وهو قوله: {وَرِضْوَانٍ } وعند هذا تصير هاتان الحالتان هما المذكورتان في قوله: {رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } وهذه هي الجنة الروحانية النورانية العقلية القدسية الإلهية. ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الجنة العالية المقدسة ذكر الجنة الجسمانية، وهي قوله: {وَجَنَّـٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } وقد سبق شرح هذه المراتب، ولما ذكر هذه الأحوال قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } والمقصود شرح تعظيم هذه الأحوال، ولنختم هذا الفصل ببيان أن أصحابنا يقولون إن الخلود يدل على طول المكث، ولا يدل على التأبيد، واحتجوا على قولهم في هذا الباب بهذه الآية، وهي قوله تعالى: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } ولو كان الخلود يفيد التأبيد، لكان ذكر التأبيد بعد ذكر الخلود تكراراً وأنه لا يجوز.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} في موضع رفع بالإبتداء. وخبره {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ}. و «درجةً» نصب على البيان؛ أي من الذين افتخروا بالسّقي والعمارة. وليس للكافرين درجة عند الله حتى يُقال: المؤمن أعظم درجة. والمراد أنهم قدّروا لأنفسهم الدرجة بالعمارة والسّقي؛ فخاطبهم على ما قدّروه في أنفسهم وإن كان التقدير خطأ؛ كقوله تعالىٰ: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً}تفسير : [الفرقان: 24]. وقيل: «أعظم درجة» من كل ذي درجة؛ أي لهم المزية والمرتبة العلية. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} بذلك.
البيضاوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ} أعلى رتبة وأكثر كرامة ممن لم تستجمع فيه هذه الصفات أو من أهل السقاية والعمارة عندكم. {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} بالثواب ونيل الحسنى عند الله دونكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً } رتبة {عَندَ ٱللَّهِ } من غيرهم {وَأُوْلَٱئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ } الظافرون بالخير.
ابن عطية
تفسير : لما حكم الله تعالى في الآية المتقدمة بأن الصنفين لا يستوون بين ذلك في هذه الآية الأخيرة وأوضحه، فعدد الإيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفس، وحكم أن أهل هذه الخصال {أعظم درجة عند الله } من جميع الخلق، ثم حكم لهم بالفوز برحمته ورضوانه، والفوز بلوغ البغية إما في نيل رغبته أو نجاة من مهلكة، وينظر إلى معنى هذه الآية الحديث الذي جاء " حديث : دعوا لي أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ". تفسير : قال القاضي أبو محمد : لأن أصحاب هذه الخصال على سيوفهم انبنى الإسلام وهم ردوا الناس إلى الشرع، وقوله تعالى: {يبشرهم ربهم } الآية، هذه آية وعد، وقراءة الناس " يُبَشِّرهم " بضم الياء وكسر الشين المشددة، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف وحميد بن هلال " يَبْشُرهم " بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين خفيفة، وأسند الطبري إلى جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله عز وجل أعطيتكم أفضل من هذا، فيقولون ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ قال: رضواني" تفسير : ، وفي البخاري في كتاب السنة منه " حديث : فلا أسخط عليكم أبداً"تفسير : ، وقرأ الجمهور "ورِضوان " بكسر الراء، وقرأ عاصم وعمرو " ورُضوان " بضم الراء وقرأ الأعمش بضم الراء والضاد جميعاً، قال أبو حاتم لا يجوز هذا وقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم} الآية، ظاهر هذه المخاطبة أنها لجميع المؤمنين كافة، وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة، وروت فرقة أن هذه الآية إنما نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفر، فالمخاطبة على هذا هي للمؤمنين الذين كانوا في مكة وغيرها من بلاد العرب خوطبوا بأن لا يوالوا الآباء والإخوة فيكونون لهم تبعاً في سكنى بلاد الكفر، ولم يذكر الأبناء في هذه الآية إذ الأغلب من البشر أن الأبناء هم التبع للآباء و"إخوان "هذه الآية جمع أخ النسب، وكذلك هو في قوله تعالى: {أية : أو بيوت إخوانكم} تفسير : [النور:61] وقرأ عيسى بن عمر "أن استحبوا " بفتح الألف من "أن " وقرأ الجمهور " إن بكسر الألف على الشرط، و{استحبوا} متضمنة معنى فضلوا وآثروا ولذلك تعدت بـ "على " ثم حكم الله عز وجل بأن من والاهم واتبعهم في أغراضهم فإنه ظالم أي واضع للشيء غير موضعه، وهذا ظلم المعصية لا ظلم الكفر.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله} يعني أن من كان موصوفاً بهذه الصفات يعني الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس كان أعظم درجة عند الله ممن افتخر بالسقاية وعمارة المسجد الحرام وإنما لم يذكر القسم المرجوح لبيان فضل القسم الراجح على الإطلاق على من سواهم والمراد بالدرجة المنزلة والرفعة عند الله في الآخرة {وأولئك} يعني من هذه صفتهم {هم الفائزون} يعني بسعادة الدنيا والآخرة {يبشرهم ربهم} يعني يخبرهم ربهم والشبارة الخبر السار الذي يفرح الإنسان عند سماعه وتستنير بشرة وجهه عند سماعه ذلك الخبر السار ثم ذكر الخبر الذي يبشرهم به فقال تعالى: {برحمة منه ورضوان} وهذا أعظم البشارات لأن الرحمة والرضوان من الله عز وجل على العبد نهاية مقصوده {وجنات لهم فيها نعيم مقيم} يعني أن نعيم الجنة دائم غير منقطع أبداً {خالدين فيها} يعني في الجنان وفي النعيم {أبداً} يعني لا انقطاع له {إن الله عنده أجر عظيم} يعني لمن عمل بطاعته وجاهد في سبيله. قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء} قال مجاهد: هذه الآية متصلة بما قبلها نزلت في قصة العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة وقال ابن عباس: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالهجرة إلى المدينة فمنهم من تعلق به أهله وأولاده يقولون ننشدك الله أن لا تضيعنا فيرق لهم فيقيم عليهم ويدع الهجرة فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة فنهى الله المؤمنين عن موالاتهم وأنزل يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء يعني بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسراركم وتؤثرون المقام معهم على الهجرة. قال بعضهم: حمل هذه الآية على ترك الهجرة مشكل لأن هذه السورة نزلت بعد الفتح وهي من آخر القرآن نزولاً والأقرب أن يقال إن الله سبحانه وتعالى لما أمر المؤمنين بالتبري من المشركين قالوا كيف يمكن أن يقاطع الرجل أباه وأخاه وابنه فذكر الله أن مقاطعة الرجل أهله وأقاربه في الدين واجبة فالمؤمن لا يوالي الكافر وإن كان أباه وأخاه وابنه وهو قوله تعالى: {إن استحبوا الكفر على الإيمان} يعني إن اختاروا الكفر وأقاموا عليه وتركوا الإيمان بالله ورسوله {ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} يعني ومن يختار المقام معهم على الهجرة والجهاد فقد ظلم نفسه بمخالفة أمر الله واختيار الكفار على المؤمنين ولما نزلت هذه الآية قال الذين أسلموا: لم يهاجروا إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجارتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا.
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} استئنافٌ لبـيان مراتبِ فضلِهم إثرَ بـيانِ عدمِ الاستواءِ وضلالِ المشركين وظلمِهم. وزيادةُ الهجرةِ وتفصيلُ نوعي الجهاد للإيذان بأن ذلك من لوازم الجهادِ لا أنه اعتُبر بطريق التدارك أمراً لم يُعتبر فيما سلف أي هم باعتبار اتصافِهم بهذه الأوصافِ الجميلة {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ} أي أعلى رتبةً وأكثرَ كرامةً ممن لم يتصف بها كائناً مَنْ كان وإن حاز جميعَ ما عداها من الكمالات التي من جملتها السقايةُ والعمارة {وَأُوْلـئِكَ} أي المنعوتون بتلك النعوتِ الفاضلةِ، وما في اسم الإشارةِ من معنى البُعد للدِلالة على بُعد منزلتِهم في الرفعة {هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} المختصون بالفوز العظيمِ أو بالفوز المطلقِ كأن فوزَ مَنْ عداهم ليس بفوزٍ بالنسبة إلى فوزهم، وأما على الثاني فهو توبـيخٌ لمن يؤثِر السِّقايةَ والعِمارةَ من المؤمنين على الهجرة والجهاد، روي أن علياً قال للعباس رضي الله عنهما بعد إسلامِه: يا عمّ ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألستُ في أفضلَ من الهجرة أَسقي حاجَّ بـيتِ الله وأعمُر المسجدَ الحرام؟ فلما نزلت قال: ما أُراني إلا تاركَ سقايتِنا فقال عليه السلام: «حديث : أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً»تفسير : . وروى النعمانُ بن بشير قال: كنت عند منبرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال رجلٌ: ما أبالي ألا أعملَ عملاً بعد أن أسقي الحاجَّ، وقال آخَرُ: ما أبالي ألا أعملَ عملاً بعد أن أعمُرَ المسجدَ الحرام، وقال آخرُ: الجهادُ في سبـيل الله أفضلُ مما قلتم، فزجرهم عمرُ رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتَكم عند منبر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليتم استفتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم فيه فدخل فأنزل الله عز وجل هذه الآيةَ، والمعنى أجعلتم أهلَ السقايةِ والعمارةِ من المؤمنين في الفضيلة والرفعةِ كمن آمن بالله واليومِ الآخر وجاهد في سبـيله، أو أجعلتموهما كالإيمان والجهادِ، وإنما لم يُذكر الإيمانُ في جانب المشبَّه ـ مع كونه معتبَراً فيه قطعاً ـ تعويلاً على ظهور الأمرِ وإشعاراً بأن مدارَ إنكارِ التشبـيه هو السقايةُ والعمارةُ دون الإيمانِ وإنما لم يُترك ذكرُه في جانب المشبَّه به أيضاً تقويةً للإنكار وتذكيراً لأسباب الرجحانِ ومبادىءِ الأفضلية وإيذاناً بكمال التلازمِ بـين الإيمان وما تلاه، ومعنى عدمِ الاستواء عند الله تعالى على هذا التقدير ظاهرٌ وكذا أعظميةُ درجةِ الفريقِ الثاني، وأما قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} تفسير : فالمرادُ به عدمُ هدايتِه تعالى إلى معرفة الراجحِ من المرجوح وظلمُهم بوضع كل منهما موضعَ الآخر لا عدمُ الهدايةِ مطلقاً ولا الظلمُ عموماً، والقصرُ في قوله تعالى: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} بالنسبة إلى درجة الفريقِ الثاني، أو إلى الفوز المطلق ادعاءٌ كما مر والله أعلم.
القشيري
تفسير : {آمَنُواْ} أي شاهدوا بأنوار بصائرهم حتى لم يبقَ في سماءِ يقينهم سحابُ رَيْبٍ، ولا في هواءِ معارفهم ضبابُ شك. {وَهَاجَرُواْ}: فلم يُعَرِّجُوا في أوطان التفرقة؛ فَتَمَحَّضَتْ حركاتُهم وسكناتهم بالله لله. {وَجَاهَدُواْ}: لا على ملاحظة غَرَضٍ أو مطالعة عِوَضٍ؛ فلم يَدَّخِرُوا لأنفسِهم - مِنْ ميسورهم - شيئاً إلا آثروا الحقَّ عليه؛ فَظَفِروا بالنعمة؛ في قيامهم بالحقِّ بعد فنائهم عن الخَلْق.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين آمنوا} استنئاف لبيان مراتب فضلهم اثر بيان عدم الاسواء وضلال المشركين وظلمهم {وهاجروا} من اوطانهم الى رسول الله {وجاهدوا فى سبيل الله} العدو فى طاعة الله {باموالهم} [ببذل كردن مالهاى خود بمجاهدان وتهيه اسباب قتال ايشان] {وانفسهم} [در باختن نفسهاى خود در معارك حرب] اى هم باعتبار اتصافهم بهذه الاوصاف الجليلة {اعظم درجة عند الله} اى اعلى رتبة واكثر كرامة ممن لم يتصف بها كائنا من كان وان حاز جميع ما عداها من الكمالات التي من جملتها السقاية والعمارة. قال الحدادى وانما قال اعظم وان لم يكن للكفار درجة عند الله لانهم كانوا يعتقدون ان لهم عند الله وهذا كقوله تعالى {أية : اصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا} تفسير : [الفرقان: 24] {واولئك} المنعوتون بتلك النعوت {هم الفائزون} المختصون بالفوز العظيم او بالفوز المطلق كأن فوز من عداهم ليس بفوز من نسبة الى فوزهم واما على الثانى فهو لمن يؤثر الثقايه والعمارة. من المؤمنين على الهجرة والجهاد
الطوسي
تفسير : موضع {الذين} رفع بالابتداء وخبره اعظم درجة. اخبر الله تعالى ان الذين آمنوا يعني صدقوا بالله واعترفوا بوحدانيته، وأقروا بنبوة نبيه، وهاجروا عن اوطانهم التي هي دار الكفر إلى دار الاسلام، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وانفسهم اعظم درجة عند الله. ومعناه يتضاعف فضلهم عند الله مع شرف الجنس. ولو قال اعلى درجة افاد شرف الجنس فقط. وقوله {أولئك هم الفائزون} اخبار منه تعالى ان من وصفه هم الذين يظفرون بالبغية ويدركون الطلبة، لان الفوز هو الظفر بالبغية وهو والفلاح والنجاح نظائر. وقيل: إنه يلحق بمثل منزلة المجاهدين من لم يجاهد بأن يجاهد في طلب العلم الديني فيتعلمه ويعلم غيره ويدعو اليه والى الله. وربما كانت هذه المنزلة فوق تلك فان قيل كيف قال {أعظم درجة} من الكفار بالساقية والسدانة؟ قلنا: على ما روينا عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام وابن عباس وغيرهم لا يتوجه السؤال عن ذلك لان المفاضلة جرت بينهم، لان لجميعهم الفضل عند الله ومن لا يقول ذلك يجيب بجوابين: احدهما - انه على تقدير ان لهم بذلك منزلة كما قال تعالى {أية : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً} تفسير : هذا قول الحسن وأبي علي. والثاني - قال الزجاج المعنى اعظم من غيرهم درجة. و (الذي) يجوز وصفها ولا يجوز وصف "من" اذا كانت بمعنى الذي، لأن "من" تكون تارة معرفة موصولة فلذلك افترقا. وقيل معنى "الفائزي" انهم الظافرون بثواب الله الذي استحقوه على طاعتهم.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ} تكرار الاوصاف باعتبار اقتضاء مقام المدح {وَأُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بتلك الاوصاف العظيمة {هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} لا غيرهم.
الحبري
تفسير : وَقَوْلِهِ: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ}. نَزَلَتْ في عَلِيِّ بنِ أَبي طَالِبٍ خَاصَّةً.
الهواري
تفسير : قال: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ} ممن أقام على السقاية وعَمَر المسجد الحرام. {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ} أي: الناجون من النار إلى الجنة. { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا} أي: في الجنة { نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} أي: دائم لا يزول. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي في الجنة { أَبَداً} أي: لا يموتون ولا يخرجون منها { إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا ءَابَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ} أي لا تتولوهم على معاصي الله { إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ} أي إن اختاروا الكفر على الإِيمان { وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ} أي من المؤمنين على الكفر {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. يقول: من تولى مشركاً فهو مشرك، ومن تولى منافقاً فهو منافق، وهو بولايتهما جميعاً ظالم، وهو ظلم فوق ظلم، وظلم دون ظلم. وهو كقوله:{أية : لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمُ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ}تفسير : [المائدة:51] أي لا يكونون بظلم الشرك والنفاق مهتدين عند الله. قوله: {قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} قال الحسن: الغنيمة. وقال مجاهد: فتح مكة. {وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ}. قال بعضهم: الفاسقون ها هنا المشركون الذين يموتون على شركهم. وقال بعضهم: الآية جامعة محتملة لفسق الشرك والنفاق، يقول: {وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} أي لا يكونون بالفسق مهتدين عند الله، من فاسق مشرك أو منافق؛ وهو فسق فوق فسق، وفسق دون فسق.
اطفيش
تفسير : {الَّذينَ آمنُوا وهاجَرُوا وجَاهدُوا فى سَبيلِ الله بأمْوالهم وأنفُسِهِم أعْظمُ دَرجةً} منزلة {عِنْدَ اللهِ} ممن لم يجمع هذه الخصال، وقد آمن وعذر فيما لم يجمعه، أو أعظم من أهل السقاية والعمارة، فإن لهم عظما عند غير الله، أو أعظم بمعنى عظيمون، أى عظيمون درجة عند الله لا غيرهم من أهل السقاية والعمارة ونحوهم، ممن كان على الشرك، ويقوى هذا الوجه والذى قبله الحصر فى قوله سبحانه: {وأولئِكَ هُم الفائزُونَ} بسعادة الدنيا والآخرة، وعلى الأول فالمعنى أولئك هم الكاملون فوزا، ولو كان ممن لم يجمع وعذر أيضا فائزا، ولا ينكر فضل الصحابة الذين لم يغيروا، أو يقدح فيهم إلا هالك، ولا سيما الذين بنى الإسلام على سيوفهم، وردوا الناس إلى الشرع، وإياهم أراد صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : دعوا لى أصحابى فلو أن أحدكم أنفق مثل أحُد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" تفسير : ويجوز حمل الآية على أنهم أعظم من سائر المؤمنين على الإطلاق، كما يقويه حذف المعمول المفضل عليه.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه: {الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ} استئناف لبيان مراتب فضلهم زيادة في الرد وتكميلاً له، وزيادة الهجرة وتفصيل نوعي الجهاد للإيذان بأن ذلك من لوازم الجهاد لا أنه اعتبر بطريق التدارك أمر لم يعتبر فيما سلف، والظاهر من السياق أن المفضل عليه أهل السقاية والعمارة من المشركين، وقد أنشرنا إلى ماله وما عليه حسبما ذكره بعض الفضلاء. وأنا أقول: إذا أريد من ـ أفعل ـ المبالغة في الفضل وعلو المرتبة والمنزلة فالأمر هين وإذا أريد به حقيقته فهناك احتمالان الأول: أن يقال: حذف المفضل عليه إيذاناً بالعموم، أي إن هؤلاء المتصفين بهذه الصفات أعلى رتبة وأكثر كرامة ممن لم يتصف بها كائناً من كان ويدخل فيه أهل السقاية والعمارة، ويكفي في تحقق حقيقة أفعل / وجود أصل الفعل في بعض الأفراد المندرجة تحت العموم كما يقال: فلان أعلم الخلق مع أن منهم من لا يتصف بشيء من العلم بل لا يمكن أن يتصف به أصلاً، وهذا مما لا ينبغي أن يشك فيه سوى أنه يعكر علينا أن المقصود بالمفضل عليه في المثال من له مشاركة في أصل الفعل ولا كذلك ما نحن فيه، فإن لم يضر هذا فالأمر ذاك وإلا فهو كما ترى. الثاني: أن يقال: ما أفهمته الصيغة من أن للسقاة والعمار من المشركين درجة جاء على زعم المشركين وحسن ذلك وقوع مثله في كلامهم مع المؤمنين فإنهم قالوا كما دل عليه بعض الأخبار السابقة: السقاية والعمارة خير من الإيمان والجهاد ولا شك أن ما يشعر به ـ خير ـ من أن في الإيمان والجهاد خيراً إنما جاء على زعم المؤمنين فما في الآية خارج مخرج المشاكلة مع ما في كلامهم وإن اختلف اللفظ، وما قيل: من أن جعل معنى التفضيل بالنسبة إلى زعم الكفرة ليس فيه كثير نفع، ليس فيه كثير ضرر كما لا يخفى على من ذاق طعم البلاغة ولو بطرف اللسان، ويشعر كلام بعضهم أن التفضيل مبني على ما تقدم من قطع النظر وإغماض العين أي المتصفون بهذه الأوصاف الجليلة أعلى رتبة ممن خلا منها وإن حاز جميع ما عداها مما هو كمال في حد ذاته كالسقاية والعمارة، والمراد بسبيل الله هنا الإخلاص أو نحوه لا الجهاد فالمعنى جاهدوا مخلصين. {وَأُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بما ذكر {هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} أي المختصون بالفوز العظيم أو بالفوز المطلق كأن فوز من عداهم ليس بفوز بالنسبة إلى فوزهم. والكلام على الثاني توبيخ لمن يؤثر السقاية والعمارة من المؤمنين على الهجرة والجهاد، أي أجعلتم أهلهما من المؤمنين في الفضيلة والكرامة كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله أو أجعلتموهما كالإيمان والجهاد، قالوا: وإنما لم يذكر الإيمان في جانب المشبه مع كونه معتبراً فيه قطعاً تعويلاً على ظهور الأمر وإشعاراً بأن مدار إنكار التشبيه هو السقاية والعمارة دون الإيمان، وإنما لم يترك ذكره في جانب المشبه به أيضاً تقوية للإنكار وتذكيراً لأسباب الرجحان ومبادىء الأفضلية وإيذاناً بكمال التلازم بين الإيمان وما تلاه. ومعنى عدم الاستواء عند الله تعالى وأعظمية درجة الفريق الثاني على هذا التقرير ظاهر. والمراد بالظلم الظلم بوضع كل من الراجح والمرجوح في موضع الآخر لا الظلم الأعم، وبعدم الهداية عدم هدايته تعالى للمؤثرين إلى معرفة ذلك لا عدم الهداية مطلقاً، والقصر في قوله سبحانه: {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} بالنسبة إلى درجة الفريق الثاني أو إلى الفوز المطلق إدعاء كما مر اهـ. وأنت تعلم أن عدم ذكر الإيمان في جانب المشبه ظاهر لأن المؤمنين ما تنازعوا كما يدل عليه حديث مسلم السابق إلا فيما هو الأفضل بعده فمن قائل السقاية ومن قائل العمارة ومن قائل الجهاد، نعم يحتاج ذكره في جانب المشبه به إلى نكتة، والتوبيخ في الآية على هذا التقدير أبلغ منه على التقدير الأول فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة مبيّنة لنفي الاستواء الذي في جملة {أية : لا يستوون عند الله}تفسير : [التوبة: 19] ومفصّلة للجهاد الذي في قوله: {أية : كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله}تفسير : [التوبة: 19] بأنّه الجهاد بالأموال والأنفس، وإدماج لبيان مزية المهاجرين من المجاهدين. و(الذين هاجروا) هم المؤمنون من أهل مكة وما حولها، الذين هاجروا منها إلى المدينة لما أذنهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها بعد أن أسلموا، وذلك قبل فتح مكة. والمهاجَرة: ترك الموطن والحلولُ ببلد آخر، وهي مشتقّة من الهجر وهو الترك، واشتقّت لها صيغة المفاعلة لاختصاصها بالهجر القوي وهو هجر الوطن، والمراد بها ــــ في عرف الشرع ــــ هجرة خاصّة: وهي الهجرة من مكة إلى المدينة، فلا تشمل هجرةَ مَن هاجر من المسلمين إلى بلاد الحبشة لأنّها لم تكن على نية الاستيطان بل كانت هجرة مؤقته، وتقدّم ذكر الهجرة في آخر سورة الأنفال. والمفضل عليه محذوف لظهوره: أي أعظم درجة عند الله من أصحاب السقاية والعمارة الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا الجهاد الكثير الذي جاهده المسلمون أيام بقاء أولئك في الكفر، والمقصود تفضيل خصالهم. والدرجة تقدّمت عند قوله تعالى: {أية : وللرجال عليهن درجة} تفسير : في سورة البقرة (228). وقوله: {أية : لهم درجات عند ربّهم} تفسير : في أوائل الأنفال (4). وهي في كلّ ذلك مستعارة لرفع المقدار. و{عند الله} إشارة إلى أنّ رفعة مقدارهم رفعة رضى من الله وتفضيل بالتشريف، لأنّ أصل (عند) أنّها ظرف للقرب. وجملة {وأولئك هم الفائزون} معطوفة على {أعظم درجة} أي: أعظم وهم أصحاب الفوز. وتعريف المسند باللام مفيد للقصر، وهو قصر ادّعائي للمبالغة في عظم فوزهم حتّى إن فوز غيرهم بالنسبة إلى فوزهم يُعَدّ كالمعدوم. والإتيان باسم الإشارة للتنبيه على أنّهم استحقوا الفوز لأجل تلك الأوصاف التي ميزّتهم: وهي الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس.
الواحدي
تفسير : {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله} أَيْ: من الذين افتخروا بعمارة البيت وسقي الحاجِّ {وأولٰئك هم الفائزون} الذين ظفروا بأمنيتهم. {يبشرهم ربهم برحمة منه...} الآية. أَيْ: يعلمهم في الدُّنيا ما لهم في الآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {وَجَاهَدُواْ} {بِأَمْوَالِهِمْ} {وَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلْفَائِزُونَ} (20) - فَالذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ، هُمْ أعْظَمُ عِنْدَ اللهِ دَرَجَةً وَمَقَاماً، وَأكْثَرُ مَثُوبَةً مِنَ الذِينَ عَمَّرُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَسَقَوْا الحَاجَ فِي الجَّاهِلِيةِ. وَهَؤُلاَءِ المُؤْمِنُونَ المُجَاهِدُونَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُمُ الفَائِزُونَ بِرَحْمَةِ اللهِ، وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّاتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وفي سورة الأنفال تصنيف آخر في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}تفسير : [الأنفال: 74]. وفي هذه الآية الكريمة من سورة الأنفال كان تصنيف المؤمنين بعد الهجرة مباشرة، وانتهت الهجرة؛ وأصبح الجميع سواء، فجاء التصنيف الجامع في آية التوبة. لقد أوضح المولى سبحانه وتعالى أن هذه الأعمال لم تكن مقبولة من المشركين، أما إن قام بها المؤمنون فلهم درجة عند الله. وفي هذه الآية الكريمة يصفهم الحق بأنهم {أَعْظَمُ دَرَجَةً}، {أَعْظَمُ} صيغة أفعل التفضيل، وهي تعطي قدراً زائداً عن الأصل المعترف به، فيقال: فلان أعلم من فلان. وبهذا يكون الشخص الثاني عالما، ولكن الشخص الأول أعلم منه. ويقال: فلان أكرم من فلان، أي أن الموصوف الثاني كريم، والموصوف الأول أكرم منه. والله سبحانه وتعالى أراد أن يبين لنا الفوز عنده، فقال: {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} [التوبة: 20]. فهؤلاء هم الذين يحصلون على أكبر الأجر عند الله تعالى، وهم المؤمنون المهاجرون، والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم، والفوز حكم يؤدي إلى أن تأخذ ما تحبه نفسك. فقال الحق موضحاً ما يفوزون به: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} [التوبة: 20]. وما دام هؤلاء هم الفائزون، فالفوز إنما يكون في مضمارين اثنين. فالذين يصنعون أمورا خاصة بالدنيا قد يفوزون فيها بدرجة من النعيم، ولكن نعيمهم على قدر إمكاناتهم؛ وهو نعيم غير دائم؛ لأنه إما أن يزول عنهم بذهاب النعمة، وإما أن يزولوا هم عنه بالموت، إذن فهو نعيم ناقص. أما الذي يؤمن ويهاجر ويجاهد ويعمل لآخرته، فسوف يفوز بنعيم لا على قدر إمكاناته، ولكن على قدر إمكانات الله، ولا مقارنة بين إمكانات الله وإمكانات خلقه. وفوق ذلك فهو نعيم دائم لا يتركك فيزول عنك، ولا تتركه لأنك في الجنة خالد لا تموت. ثم يذكر الحق بعد ذلك قوله تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّٰتٍ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أهل الوفاق بعد ذكر أهل النفاق بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ} [التوبة: 20] الإشارة فيهما: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: القلوب المؤمنة، {وَهَاجَرُواْ} اي: الأرواح المهاجرة إلى القوالب والأجساد، {وَجَاهَدُواْ} [التوبة: 20] أي: القلوب والأرواح التي جاهدت النفوس، {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة: 20] أي: في طلب الله والسير إليه، {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [التوبة: 20] أي: ببذل الوجود والموجود جميعاً في الله. {أَعْظَمُ دَرَجَةً} [التوبة: 20] أي: قربة، {عِندَ ٱللَّهِ} [التوبة: 20] أي: في مقام العندية من النفوس المتمردة، {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ} [التوبة: 20] الناجون من حجب الوجود المجازي، {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم} [التوبة: 21] بعد الخلاص عن حبس الوجود، {بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ} [التوبة: 21] أي: بتجلي صفات لطفه، {وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ} [التوبة: 21] من فراديس القلوب، {فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} [التوبة: 21] من الشواهد والكشوف، {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 22] أي: في الازدياد أبد الآباد يعني: من وصل إلى مقام العندية، فالله العظيم أجره أي: يجده في مقام العندية. ثم أخبر عن ترك موالاة الكفار وإن كانوا آباءً وأقرباء بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ} [التوبة: 23] الآيتين: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يشير إلى القلوب شواهد الحق، {لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ} أي: الأرواح، {وَإِخْوَانَكُمْ} أي: النفوس، فإن بازدواج الأرواح والأشباح تولدت القلوب والنفوس منها، فالأرواح للقلوب بمثابة الآباء والنفوس بمثابة الإخوان. ثم اعلم أن لكل واحد من الروح والقلب والنفس كفراً وإيماناً مناسباً لحاله، والكفر: هو الستر والحجاب، والإيمان: هو الشهود والكشف، فكفر بالروح من حجاب الأنانية الروحانية والبقاء مع الله تعالى، وإيمانه بالفناء عن أنانيته في الله وبقائه بالله، وكفر القلب: موته ومرضه وصممه وبكمه وعماه وهو الكفر الحقيقي، وإيمانه: سلامته عن هذه العلل والآفات وإحيائه بالنور الساطع الرباني من كتابة الله فيه بقلم الكرم، به يشاهد الحق تعالى ويكاشف بصفاته وهو الإيمان الحقيقي ومعدنه القلب. وكفر النفس: انهماكها في شهوات الدنيا واستغراقها باستيفاء لذاتها وبقاء صفاتها الحيوانية والشيطانية، وإيمانها: بخروجها عن صفات الطبيعة الظلمانية إلى الأخلاق الروحانية الشرعية النورانية واطمئنانها بالذكر وأنسها مع الله، فربما تكون بعض هذه الخلقة مؤمناً وبعضها كافراً، فمعنى الآية يشير إلى أن القلوب المؤمنة لا ينبغي أن يتخذوا آباءهم الأرواح وإخوانهم النفوس أولياء، ولا يتركوا عداوتهم بترك الجهاد معهم {إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ} أي: اختاروا الوقوف مع أوصافهم فيه كفرهم ولا يخرجون من ظلمات طباعهم إلى أنوار مواهب الحق تعالى. قال تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ} [التوبة: 23] يعني: كل قلب مؤمن يواسي الروح والنفس في استحبابها الكفر، ولا يجاهدها ليخرجها من كفر طبعهما إلى نور إيمانهما {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] الواضعون المداراة والمواساة في غير موضعها، فإن المداراة في الطريق كفر. وفي قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ} [التوبة: 24] أي: الآخرة، إشارة إلى أن أصل الدين هو محبة الله تعالى، وأن صرفه استعداد محبة الله في هذه الأشياء المذكورة فيها فسق وهو الخروج من محبة الخالق، من أثر محبة المخلوق فقد أبطل الاستعداد الفطري لقبول الفيض الإلهي، واستوجب الحرمان وإدراكه القهر والخذلان، ولهذا قال تعالى: {فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24] أي: بقهره، {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] الخارجين عن حسن الاستعداد؛ يعني: لا يهديهم إلى حضرة جلاله وقبول فيض جماله بعد إبطال حسن الاستعداد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):