Verse. 1256 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

يُبَشِّرُہُمْ رَبُّہُمْ بِرَحْمَۃٍ مِّنْہُ وَرِضْوَانٍ وَّجَنّٰتٍ لَّہُمْ فِيْہَا نَعِيْمٌ مُّقِيْمٌ۝۲۱ۙ
Yubashshiruhum rabbuhum birahmatin minhu waridwanin wajannatin lahum feeha naAAeemun muqeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم» دائم.

21

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم} أي يعلمهم في الدنيا ما لهم في الآخرة من الثواب الجزيل والنعيم المقيم. والنعيم: لين العيش ورغده. {خَالِدِينَ} نصب على الحال. والخلود الإقامة. {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي أعدّ لهم في دار كرامته ذلك الثواب.

البيضاوي

تفسير : {يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ وَرِضْوٰنٍ وَجَنَّـٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا} في الجنات. {نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} دائم، وقرأ حمزة {يُبَشّرُهُمْ} بالتخفيف، وتنكير المبشر به إشعار بأنه وراء التعيين والتعريف.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوٰنٍ وَجَنَّٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ } دائم.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن طلحة بن مصرف رضي الله عنه أنه قرأ ‏ {‏يبشرهم ربهم‏}‏‏ .

ابو السعود

تفسير : {يُبَشّرُهُمْ} وقرىء بالتخفيف {رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ} عظيمة {مّنْهُ وَرِضْوٰنٍ} كبـير {وَجَنَّـٰتٍ} عاليةٍ {لَّهُمْ فِيهَا} في تلك الجنات {نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} نِعمٌ لا نفادَ لها، وفي التعُّرض لعنوان الربوبـيةِ تأكيدٌ للمبشَّر به وتربـيةٌ له {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي في الجنات {أَبَدًا} تأكيدٌ للخلود لزيادة توضيحِ المرادِ به إذ قد يُراد به المُكث الطويل {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لا قدرَ عنده لأجور الدنيا أو للأعمال التي في مقابلته، والجملةُ استئنافٌ وقع تعليلاً لما سبق.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ} [الآية: 21]. قال أبو عثمان: هو الذى تستجلب رضوانه. ورضوانه يوجب مجاورته، ومجاورته يوجب النعيم الدائم قال الله {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ}.

القشيري

تفسير : البشارة من الله تعالى على قسمين: بشارة بواسطة المَلَكِ، عند التوفي: {أية : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ}تفسير : [فصلت: 30]. وبشارة بلا واسطة بقول المَلَك، إذ يُبَشِّرهم ربُّهم برحمةٍ منه، وذلك عند الحساب. يبشرهم بلا واسطة بِحُسْنِ التولِّي؛ فعاجِلُ بشارتهم بنعمة الله، وآجِل بشارتهم برحمة الله، وشتان ما هما! ويقال البشارة بالنعمة والجنة لأصحاب الإحسان، والبشارة بالرحمة لأرباب العصيان، فأصحاب الإحسان صَلُحَ أمرهم للشهرة فأَظْهَرَ أَمَرَهُم للمَلَكِ حتى بَشَّروهم جَهْراً، وأهلُ العصيان صلح حالهم لِلسَتْرِ فتولَّى بشارتهم - من غير واسطة سِرَّاً. ويقال إِنْ كانت للمطيع بِشارةٌ بالاختصاص فإنَّ للعاصي بشارة بالخلاص. وإن كان للمطيع بشارة بالدرجات فإن للعاصي بشارة بالنجاة. ويقال إنَّ القلوبَ مجبولةٌ على محبة من يُبَشِّر بالخير؛ فأراد الحقُّ - سبحانه - أن تكون محبةُ العبد له - سبحانه - على الخصوص؛ فتولَّى بشارته بعزيز خطابه من غير واسطة، فقال: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ} [التوبة: 21] وفي معناه أنشدوا: شعر : لولا تَمتُّعُ مُقْلتي بلقائه لَوَهَبْتُها بُشْرَى بقرب إيابه تفسير : ويقال بَشَّرَ العاصِيَ بِالرحمة، والمطيعَ بالرضوان، ثم الكافةَ بالجنة؛ فَقَدَّمَ العاصِيَ في الذكر، وقدَّم المطيع بالبرِّ، فالذَّكر قوْلُه وهو قديم والبِرُّ طَوْلُه وهو عميم. وقولُه الذي لم يَزَلْ أعَزُّ مِنْ طوْله الذي حصَلَ. قدَّم العصاة على المطيعين لأنَّ ضَعْفَ الضعيف أَوْلى بالرِّفق من القوي. ويقال قدَّم أمر العاصي بالرحمة حتى إذا كان يومُ العَرْضِ وحضورِ الجمعِ لا يفتضح العاصي. ويقال: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ} يُعَرِّفُهم أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من تلك الدرجات بسعيهم وطاعتهم، ولكن برحمته - سبحانه - وصلوا إلى نعمته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما منكم من أحدٍ يُنَجِّيه عمله. قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إِلا أن يتغمدني الله برحمته ". تفسير : قوله: {لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ}: قومٌ نعيمُهم عطاءُ ربِّهم على وصف التمام، وقومٌ نعيمُهم لقاءُ ربهم على نعت الدوام؛ فالعابدون لهم تمام عطائه، والعارفون لهم داوم لقائه. ثم قال: {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} والكناية في قوله "فيها" كما ترجع إلى الجنة تصلح أن ترجع إلى الحالة، سيما وقد ذكر الأجر بعدها؛ فكما لا يَقْطَعُ عطاءَه عنهم في الجنة لا يمنع عنهم لقاءَه متى شاءوا في الجنة، قال تعالى: {أية : لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ}تفسير : [الواقعة: 33] أي لا مقطوعةٌ عنهم نعمتُه، ولا ممنوعةٌ منهم رؤيتُه.

اسماعيل حقي

تفسير : {يبشرهم ربهم} فى الدنيا على ألسنة الرسل {برحمة} عظيمة {منه} هى النجاة من العذاب فى الآخرة {ورضوان} [خشودى كامل ازيشان] {وجنات} اى بساتين عالية {لهم فيها} اى فى تلك الجنات {نعيم مقيم} نعم لا نفاد لها

الطوسي

تفسير : في الآية اخبار من الله تعالى بالبشارة واعلام للذين آمنوا وهاجروا برحمة من جهته تعالى، والبشرى والبشارة الدلالة على ما يظهر به السرور في بشرة الوجه تقول بشرته أبشره بشرى وابشر ابشاراً واستبشر استبشاراً وتباشر تباشراً وبشره تبشيراً فاما باشره مباشرة، فبمعنى لاقاه ببشر ورضوان. وهو معنى يستحق بالاحسان، يدعو إلى الحمد على ما كان، ويضاد سخط الغضبان، تقول: رضي رضاً ورضواناً وأرضاه إرضاء وترضاه ترضياً وارتضاه ارتضاء واسترضاه استرضاء وتراضوه تراضيا. وقوله {وجنات} يعني البساتين التي يجنها الشجر، وأما الرياض فهي الموطأة للخضرة التي قد ينبت فيها نبات الزهر ومنه الرياضة لانها توطئة لتقريب العمل. وقوله {لهم فيها نعيم مقيم} فالنعيم لين العيش اللذيذ، وهو مشتق من النعمة وهي اللين، وأما النعمة بكسر النون، فهي منفعة يستحق بها الشكر لانها كنعم العيش والمقيم الدائم بخلاف الراحل فكأنه قال: المقيم ابداً.

الجنابذي

تفسير : {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ} تفصيل لفوزهم، والرّحمة هنا محمّد (ص) ونبوّته لانّها صورة الولاية الّتى هى الرّحمة، والرّضوان علىّ (ع) وولايته، والتّنكير للتّفخيم {وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} كأنّه استكثر ما ذكر فقال تعالى: هذا فى جنب ما عند الله لهم قليل فهو استينافٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ.

اطفيش

تفسير : {يُبشِّرهُم} وقرأ حمزة يبشرهم بإسكان الباء وتخفيف الشين وقرأ الأعمش، وطلحة بن مصرف، وحمد بن هلال: بفتح المثناة وإسكان الموحدة وضم الشين {ربُّهم برحْمةٍ منهُ ورِضْوانٍ} رضا عظيم عنهم، وقرأ عاصم، وعمر بضم الراء، وقرأ الأعمش بضمها وضم الضاد، قال أبو حاتم: وليس بجائز، وفى الحديث: "حديث : إذ دخل أهل الجنة الجنة، قال الله عز وجل: أعطيكم أفضل من هذا فيقولون: ربنا أى شىء أفضل من هذا؟ قال: رضوانى لا أسخط عليكم أبدا ". تفسير : {وجَنَّاتٍ} تنكير الثلاثة للتعظيم بحيث لا يقدر مخلوق على تعريف ذلك وتعيينه {لَهم فيها} فى الجنات {نَعيمٌ مُقيمٌ} دايم.

الالوسي

تفسير : {يُبَشِّرهُم رَّبُّهُمْ} أي في الدنيا على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام. وقرأ حمزة {يُبَشِّرُهُمْ} بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين والتخفيف على أنه من بشر الثلاثي وأخرجها أبو الشيخ عن طلحة بن مصرف، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم وكونه سبحانه هو المبشر ما لا يخفى من اللطافة واللطف {بِرَحْمَةٍ مّنْهُ} واسعة {وَرِضْوَانٍ} كبير {وَجَنَّـٰتٍ} عالية قطوفها دانية {لَّهُمْ فِيهَا} أي الجنات وقيل: الرحمة {نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} لا يرتحل ولا يسافر عنهم، وهو / استعارة للدائم.

ابن عاشور

تفسير : بيان للدرجة العظيمة التي في قوله: {أية : أعظم درجة عند الله}تفسير : [التوبة: 20] فتلك الدرجة هي عناية الله تعالى بهم بإدخال المسرّة عليهم، وتحقيق فوزهم، وتعريفهم برضوانه عليهم، ورحمته بهم، وبما أعد لهم من النعيم الدائم. ومجموع هذه الأمور لم يمنحه غيرهم من أهل السقاية والعمارة، الذين وإن صلحوا لأن ينالوا بعض هذه المزايا فهم لم ينالوا جميعها. والتبشير: الإخبار بخير يحصل للمخبَر لم يكن عالماً به. فإسناد التبشير إلى اسم الجلالة بصيغة المضارع، المفيد للتجدّد، مؤذن بتعاقب الخيرات عليهم، وتجدّد إدخال السرور بذلك لهم، لأنّ تجدّد التبشير يؤذن بأن المبشّر به شيء لم يكن معلوماً للمبشَّر (بفتح الشين) وإلاّ لكان الإخبار به تحصيلاً للحاصل. وكون المسند إليه لفظ الربّ، دون غيره ممّا يدلّ على الخالق سبحانه، إيماء إلى الرحمة بهم والعناية: لأنّ معنى الربوبية يَرجع إلى تدبير المربوب والرفق به واللطف به، ولتحصل به الإضافة إلى ضميرهم إضافة تشريف. وتقدّمت الرحمة في قوله: {أية : الرحمٰن الرحيم}تفسير : [الفاتحة: 1]. والرضوان ــــ بكسر الراء وبضمها ــــ: الرضا الكامل الشديد، لأنّ هذه الصيغة تشعر بالمبالغة مثل الغُفران والشُكران والعِصيان. والجنّات تقدّم الكلام عليها في ذكر الجنة في سورة البقرة، وجمعها باعتبار مراتبها وأنواعها وأنواعِ النعيم فيها. والنعيم: ما به التذاذ النفس باللذات المحسوسة، وهو أخصّ من النِعمة، قال تعالى: {أية : إن الأبرار لفي نعيم}تفسير : [الإنفطار: 13] وقال: {أية : ثم لتسألن يومئذ عن النعيم}تفسير : [التكاثر: 8]. والمقيم المستمرّ، استعيرت الإقامة للدوام والاستمرار. والتنكير في "برحمة، ورضوان، وجنات، ونعيم" للتعظيم، بقرينة المقام، وقرينة قوله {منه} وقرينة كون تلك مبشرّاً بها. وجملة {إن الله عنده أجر عظيم} تذييل وتنويه بشأن المؤمنين المهاجرين المجاهدين لأنّ مضمون هذه الجملة يعمّ مضمون ما قبلها وغيرَه، وفي هذا التذييل إفادة أنّ ما ذكر من عظيم درجات المؤمنين المهاجرين المجاهدين هو بعض ما عند الله من الخيرات فيحصل من ذلك الترغيب في الازدياد من الأعمال الصالحة ليزدادوا رفعة عند ربّهم، كما قال أبو بكر الصديق ـــ رضي الله عنه ـــ «ما عَلى من دُعي من جميع تلك الأبواب من ضَرورة». والأجرُ: العوض المعطى على عمل، وتقدّم في قوله: {أية : إذا آتيتموهن أجورهن} تفسير : في سورة العقود (5).

د. أسعد حومد

تفسير : {وَرِضْوَانٍ} {وَجَنَّاتٍ} (21) - وَهَؤُلاءِ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، وَعَلَى لِسَانِ مَلاَئِكَتِهِ حِينَ مَوْتِهِمْ، بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانٍ، وَبِأَنَّهُ سَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتِهِ الوَاسعَةَ، وَسَيبقَوْنَ فِيهَا أبَداً فِي نَعِيمٍ مُقِيمٍ. وَالرِضْوَانُ مِنَ اللهِ هُوَ نِهَايَةُ الإِحْسَانِ، وَأعْلَى النَّعِيمِ، وَأكْمَلُ الجَزَاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن فهذا قمة الفوز للقوم الذين يبشرهم الله في هذه الآية بالرحمة منه وبالرضوان المقيم. والبشارة - كما نعلم - هي نوع من الإعلام بشيء سوف يأتي مستقبلاً، أي، أنك حين تبشر إنسانا فأنت تخبره بشيء قادم يسره. إذن ففائدة البشارة أن تغري الإنسان بسلوك السبيل الذي يحققها، فأنا أبشرك بالنجاح إن استقمت وذاكرت واستمعت للأساتذة، ويشجعك كلامي لتجتهد حتى تحقق هذه البشارة، فكأن البشارة تجعلك تتخذ الوسيلة التي توصلك إليها. ولذلك فقد قلنا: إن الأسباب والمسببات والعلة والمعلول والشرط والجواب؛ كلها يجب أن تحرر بشكل آخر، لأننا كنا نتعلم أن الشرط سبب في الجواب؛ كقولك: "إن تذاكر تنجح"، وعلى ذلك فالشرط هو المذاكرة، وسبب الجواب هو النجاح، ونقول: لا، إن الجواب هو السبب في الشرط لأنك لا تذاكر إلا إذا تمثل لك النجاح بكل ما يحققه لك من فرحة، إذن فالشرط سبب في وجود الجواب واقعا. والجواب سبب في وجود الشرط دافعا، أي: أ: ن الدافع لمذاكرتك هو ما يمثله لك النجاح من قيمة مادية ومعنوية. وكل إنسان يرغب في النجاح، لكن النجاح لا يتحقق بالدعاء فقط، بل بالمذاكرة التي تحقق النجاح كواقع. بمعنى أنك لا تذاكر إلا وقد تمثل لك النجاح بمواهبه ومزاياه وبمكانته ويفرح أهلك بك، وبفرحك بنفسك. ولهذا نقول: إن السبب هو الذي يوجد أولاً في الذهن. ومثال آخر: لنفترض أنك تريد أن تسافر إلى الطائف. فتكون الطائف هي الغاية، وتكون أنت قد خططت للوسيلة وفي ذهنك الغاية، إذن فالجواب يوجد دافعا، والشرط يوجد واقعاً. وقوله تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم} أي: يخبرهم بالنهاية السارة التي سوف يصلون إليها ليتحملوا مشقة التكاليف التي يأمرهم بها المنهج؛ لأن الجنة محفوفة بالمكاره، ولأن التشريع الإلهي تقييد لحرية الاختيار في العبد، والمؤمن مقيد بأوامر الله تعالى في "افعل" و"لا تفعل". ولكن غير المؤمن إنما يتبع هواه في كل حركاته، ويفعل ما يشاء له من الهوى ويطيع نزواته كما يريد، أما المؤمن فحريته فقط فيما لم يرد فيه تشريع من الله تعالى، أما ما يخضع للمنهج فهو مقيد الحركة فيه بما قضى الله به. فكأن الإيمان جاء ليقيد، ولكن إذا قارنا بين الجزائين، نجد أن الذي يتبع شهواته في الدنيا إنما يحصل على لذة موقوتة، وعمره في الدنيا محدود، إذن فهو الخاسر، لأن الذي قيد حركته بمنهج الله يأخذ اطمئنانا في الدنيا ونعيما مقيما لا يزول ولا ينتهي في الآخرة. والمثال الذي أضر به دائما هو الطالب الذي لا يذهب إلى المدرسة ولا يذاكر، ولكن يقضي وقته في اللعب واللهو، وهو قد أعطى نفسه ما تريد، ولكنه أخذ متعة محدودة، ثم بعد ذلك يعيش في شقاء بقية عمره. أما الذي قيد حركته بالمذاكرة، فقد منع شهوات نفسه في اللعب واللهو. وتكون الثمرة أنه يحقق لنفسه مستقبلا مريحا ومرموقا بقية عمره. إذن فكل من الطالب الذي يجتهد وذلك الذي يلهو ويلعب، كل منهما أخذ لوناً من المتعة. ولكن أحدهما أخذ متعة قصيرة جداً، ثم أصبح من صعاليك الحياة، أما الثاني فقد قيد نفسه سنوات معدودة ليتمتع بمستقبل ناجح. كذلك أنت في الدنيا؛ إن قيدت نفسك بالتكاليف "افعل" و"لا تفعل"، فظاهر الأمر أنك قَيَّدْتَ حريتك، وإن فعلت ذلك برضا، فالله يعطيك راحة واطمئنانا ومتعة في النفس. ولذلك نجد الصلاة وهي التي يؤديها المسلم خمس مرات في اليوم على الأقل؛ هذه الصلاة في ظاهرها أنها تأخذ بعضا من الوقت كل يوم، ولكنها تعطي راحة نفسية، كما أنها تعطي اقتناعا يفوق التصور إن خشع فيها الإنسان وأداها بحقها، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يا بلالُ أرِحْنَا بالصلاة ". تفسير : كما قال صلى الله عليه وسلم ضمن حديث رواه عنه أنس بن مالك رضي الله عنه "حديث : وجُعلَتْ قُرَّة عيني في الصلاة ". تفسير : لأن التكليف ينتقل من المتعة إلى الراحة. ويتمتع الإنسان فيها بتجليات ربه وفيوضاته فترتاح نفسه وتهدأ. وانظر إلى قول الحق سبحانه وتعالى {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم}، تجد البشارة هنا آتية من رب خالق. والرب هو المالك؛ والمدبر الذي يرتب لك أمورك، وهو مأمون عليك. {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ} [التوبة: 21]. والرحمة والرضوان من صفات الله وهي صفات ذاتية في الله، ومتعلقات العبد فيها أنه سبحانه يهبها لمن يشاء. ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: {وَجَنَّٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} [التوبة: 21]. ونجد أن هذا ترقٍّ وتدرجٌّ في النعمة، فقد بشرهم الله سبحانه أولاً بالرحمة، وهي ذاتية فيه، ثم بنعمة دائمة في الحياة. ولنلحظ أن هناك فارقا بين النعمة والمنعم. ونضرب لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - إذا دعاك إنسان في بيته وقت الطعام ثم جاء بطبق فيه تفاح، لا بد أن يكون التفاح في الطبق يكفي كل الجالسين بحيث يأخذ كل واحد منهم تفاحة، فإذا أمسك صاحب البيت بتفاحة وأعطاها لأحد الجالسين. فهذا مظهر من مظاهر رعاية خاصة من صاحب البيت، وتمييز لشخص ضيفه عن بقية الضيوف، وهذه تمثل درجة أعلى من الكرم والاهمتام؛ فهي تمثل الرحمة والرضوان. أما التفاح نفسه فهو النعمة، ومثله مثل الجنات. وهكذا نرى أن هناك اختلافاً في التكريم. والمؤمنون حين يرتقون في درجة الإيمان؛ يعيشون دائما مع النعمة والمنعم، فإذا جاء الطعام قالوا: "بسم الله"، وإذا أكلوا قالوا: "الحمد لله"، ولكنهم إذا ارتقوا أكثر في الإيمان عاشوا مع المنعم وحده، ولذلك يباهي الله بعباده الملائكة؛ يباهي بعبادتهم وطاعتهم التي يلتزمون بها على أي حالة يكونون عليها، ولو نزل بهم أشد البلاء وسلبت منهم النعم، وهؤلاء من أصحاب المنزلة العالية. ولذلك "فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل"؛ ليرى الحق سبحانه وتعالى من يحبه لذاته وإن سلب منه نعمة، وهذه منزلة عالية. فمن عبد الله ليدخل الجنة أعطاها له، ومن عبده سبحانه؛ لأنه يستحق أن يعبد، فسوف يرتقي في الجنة ليرى وجه الله في كل وقت؛ وأما الآخرون فيرونه لمحات، ولذلك يكون الجزاء في الآخرة على قدر العمق الإيماني للعبد، لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً}تفسير : [الكهف: 110]. وقال أحد الصالحين: "إني لا أشرك بك أحدا حتى الجنة، لأن الجنة أحد". وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ} وقد ترحم ولكنك لا تنال الرضوان، فوضح المولى سبحانه وتعالى ذلك وأضاف "الرضوان" إلى "الرحمة"، ولذلك يقول الحق عز وجل: {بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ} والرضوان هو ما فوق النعيم. وبعد الرضوان يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَجَنَّٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ}. ولقائل أن يقول: هل هناك جنة ليس فيها نعيم؟ ولماذا ذكرت النعيم؟ والجنة وجدت أصلا لينعم فيها الإنسان. ونقول لمثل هذا القائل: انتبه والتفت جيدا إلى المعنى، فالمتحدث هو الله سبحانه وتعالى. وقد يكون عند الإنسان نعمة واسعة، ولكن يحيا في الكثير من المنغصات، مما يجعله لا يستمتع بالنعمة، كمرض يملؤه بالألم، أو ابن عاق يكدر حياته، أو زوجة تملأ الحياة كدرا ونكدا، قد يحدث كل ذلك فلا يستمتع الإنسان بما يملك من نعمة الله؛ لأن المكدرات قد أحاطت به. وهنا يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى أن جنة الآخرة ليس فيها منغصات الدنيا، بل هي صفاء واستمتاع، يعطي فيها الحق سبحانه وتعالى لعبده ما تشتهيه نفسه ويبعد عنه جميع المنغصات، وقد يخاف الإنسان ألا يدوم مثل هذا النعيم، لذلك يطمئن الحق العبد المؤمن أنه {نَعِيمٌ مُّقِيمٌ}، قد ينظر إنسان إلى أن الإقامة مقولة تحمل التشكيك، فقد تستغرق الإقامة زمناً طويلاً ثم تنتهي، وشاء الله - عز وجل - أن يطمئن المؤمن بوعد حق، فوعد المؤمنين بالخلود الأبدي في الجنة. فيقول سبحانه وتعالى: {خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ...}.