Verse. 1302 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

اَلْمُنٰفِقُوْنَ وَالْمُنٰفِقٰتُ بَعْضُہُمْ مِّنْۢ بَعْضٍ۝۰ۘ يَاْمُرُوْنَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْہَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوْفِ وَيَقْبِضُوْنَ اَيْدِيَہُمْ۝۰ۭ نَسُوا اللہَ فَنَسِيَہُمْ۝۰ۭ اِنَّ الْمُنٰفِقِيْنَ ہُمُ الْفٰسِقُوْنَ۝۶۷
Almunafiqoona waalmunafiqatu baAAduhum min baAAdin yamuroona bialmunkari wayanhawna AAani almaAAroofi wayaqbidoona aydiyahum nasoo Allaha fanasiyahum inna almunafiqeena humu alfasiqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض» أي متشابهون في الدين كأبعاض الشيء الواحد «يأمرون بالمنكر» الكفر والمعاصي «وينهَون عن المعروف» الإيمان والطاعة «ويقبضون أيديهم» من الإنفاق في الطاعة «نسوا الله» تركوا طاعته «فنسيهم» تركهم من لطفه «إن المنافقين هم الفاسقون».

67

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا شرح نوع آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم، والمقصود بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة والأفعال الخبيثة، فقال: {ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } أي في صفة النفاق، كما يقول الإنسان: أنت مني وأنا منك، أي أمرنا واحد لا مباينة فيه ولما ذكر هذا الكلام ذكر تفصيله فقال: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ } ولفظ المنكر يدخل فيه كل قبيح، إلا أن الأعظم ههنا تكذيب الرسول {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ } ولفظ المعروف يدخل فيه كل حسن إلا أن الأعظم ههنا الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ويقبضون أيديهم، قيل من كل خير، وقيل عن كل خير واجب من زكاة وصدقة وإنفاق في سبيل الله وهذا أقرب لأنه تعالى لا يذمهم إلا بترك الواجب ويدخل فيه ترك الإنفاق في الجهاد، ونبه بذلك على تخلفهم عن الجهاد، والأصل في هذا أن المعطي يمد يده ويبسطها بالعطاء. فقيل لمن منع وبخل قد قبض يده. ثم قال: {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } واعلم أن هذا الكلام لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأنا لو حملناه على النسيان على الحقيقة لما استحقوا عليه ذماً، لأن النسيان ليس في وسع البشر، وأيضاً فهو في حق الله تعالى محال فلا بد من التأويل، وهو من وجهين: الأول: معناه أنهم تركوا أمره حتى صار بمنزلة المنسي، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته، وجاء هذا على أوجه الكلام كقوله: { أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] الثاني: النسيان ضد الذكر، فلما تركوا ذكر الله بالعبادة والثناء على الله، ترك الله ذكرهم بالرحمة والإحسان، وإنما حسن جعل النسيان كناية عن ترك الذكر لأن من نسي شيئاً لم يذكره، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم. ثم قال: {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ } أي هم الكاملون في الفسق، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ} ابتداء. {بَعْضُهُمْ} ابتداء ثان. ويجوز أن يكون بدلاً، ويكون الخبر «من بعض». ومعنى {بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} أي هم كالشيء الواحد في الخروج عن الدِّين. وقال الزجاج، هذا متصل بقوله: «يَحْلِفُونَ بِاللَّهَ إنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ» أي ليسوا من المؤمنين، ولكن بعضهم من بعض، أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. وقَبْضُ أيديهم عبارة عن ترك الجهاد، وفيما يجب عليهم من حق. والنسيان: الترك هنا؛ أي تركوا ما أمرهم الله به فتركهم في الشك. وقيل: إنهم تركوا أمره حتى صار كالمَنْسِيّ فصيّرهم بمنزلة المنسِيّ من ثوابه. وقال قتادة: «نَسِيَهُمْ» أي من الخير؛ فأما من الشر فلم يَنْسَهُم. والفسق: الخروج عن الطاعة والدِّين. وقد تقدّم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منكراً على المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين، ولما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كان هؤلاء {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} أي: عن الإنفاق في سبيل الله، {نَسُواْ ٱللَّهَ} أي: نسوا ذكر الله {فَنَسِيَهُمْ} أي: عاملهم معاملة من نسيهم؛ كقوله تعالى: {أية : وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} تفسير : [الجاثية: 34] {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ} أي الخارجون عن طريق الحق، الداخلون في طريق الضلالة، وقوله: {وَعَدَ الله الْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ} أي: على هذا الصنيع الذي ذكر عنهم {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين فيها مخلدين هم والكفار، {هِىَ حَسْبُهُمْ} أي: كفايتهم في العذاب {وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي: طردهم وأبعدهم، {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلْمُنَٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ } أي متشابهون في الدين كأبعاض الشيء الواحد {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ } الكفر والمعاصي {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ } الإِيمان والطاعة {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } عن الإِنفاق في الطاعة {نَسُواْ ٱللَّهَ } تركوا طاعته {فَنَسِيَهُمْ } تركهم من لطفه {إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ هُمُ الْفَٰسِقُونَ }.

الشوكاني

.تفسير : قوله: {ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } ذكر هاهنا جملة أحوال المنافقين، وأن ذكورهم في ذلك كإناثهم، وأنهم متناهون في النفاق والبعد عن الإيمان، وفيه إشارة إلى نفي أن يكونوا من المؤمنين، وردّ لقولهم: {وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ}، ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادّة حالهم لحال المؤمنين فقال: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ } وهو كل قبيح عقلاً أو شرعاً {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ } وهو كل حسن عقلاً أو شرعاً قال الزجاج: هذا متصل بقوله: {أية : وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مّنكُمْ } تفسير : [التوبة: 56] أي ليسوا من المؤمنين، ولكن بعضهم من بعض: أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } أي: يشحون فيما ينبغي إخراجه من المال في الصدقة، والصلة والجهاد، فالقبض كناية عن الشحّ، كما أن البسط كناية عن الكرم. والنسيان الترك: أي تركوا ما أمرهم به، فتركهم من رحمته وفضله، لأن النسيان الحقيقي لا يصح إطلاقه على الله سبحانه، وإنما أطلق عليه هنا من باب المشاكلة المعروفة في علم البيان، ثم حكم عليهم بالفسق: أي الخروج عن طاعة الله إلى معاصيه، وهذا التركيب يفيد أنهم هم الكاملون في الفسق. ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر بأنه {نَارُ جَهَنَّمَ } و{خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال مقدّرة: أي مقدّرين الخلود؛ وفي هذه الآية دليل على أن وعد يقال في الشر، كما يقال في الخير: {هِىَ حَسْبُهُمْ } أي: كافيتهم لا يحتاجون إلى زيادة على عذابها، "و" مع ذلك فقد {لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ } أي: طردهم وأبعدهم من رحمته {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } أي: نوع آخر من العذاب دائم لا ينفك عنهم. قوله: {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } شبه حال المنافقين بالكفار الذين كانوا من قبلهم ملتفتاً من الغيبة إلى الخطاب، والكاف محلها رفع على خبرية مبتدأ محذوف: أي أنتم مثل الذين من قبلكم، أو محلها نصب: أي فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم من الأمم. وقال الزجاج: التقدير وعد الله الكفار نار جهنم وعداً كما وعد الذين من قبلكم؛ وقيل: المعنى: فعلتم كأفعال الذين من قبلكم في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحذف المضاف. ثم وصف حال أولئك الكفار الذين من قبلهم، وبين وجه تشبيههم بهم وتمثيل حالهم بحالهم بأنهم كانوا أشدّ من هؤلاء المنافقين والكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم {قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوٰلاً وَأَوْلَـٰدًا فَٱسْتَمْتَعُواْ } أي: تمتعوا {بِخَلَـٰقِهِمْ } أي: نصيبهم الذي قدّره الله لهم من ملاذ الدنيا، {فاستمعتم} أنتم {بخلاقكم} أي: نصيبكم الذي قدّره الله لكم {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَـٰقِهِمْ } أي: انتفعتم به كما انتفعوا به، والغرض من هذا التمثيل ذمّ هؤلاء المنافقين والكفار بسبب مشابهتهم لمن قبلهم من الكفار، في الاستمتاع بما رزقهم الله. وقد قيل: ما فائدة ذكر الاستمتاع بالخلاق في حقّ الأولين مرّة، ثم في حقّ المنافقين ثانياً، ثم تكريره في حقّ الأوّلين ثالثاً؟ وأجيب بأنه تعالى ذمّ الأوّلين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا، وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ، فلما قرّر تعالى هذا عاد فشبه حال المنافقين بحالهم، فيكون ذلك نهاية في المبالغة. قوله: {وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ } معطوف على ما قبله: أي كالفوج الذي خاضوا، أو كالخوض الذي خاضوا. وقيل: أصله كالذين فحذفت النون، والأولى أن يقال إن الذي اسم موصول مثل من وما، يعبر به عن الواحد والجمع، يقال: خضت الماء: أخوضه خوضاً وخياضاً، والموضع مخاضة، وهو ما جاز الناس فيه مشاة وركباناً، وجمعها المخاض والمخاوض. ويقال منه: خاض القوم في الحديث، وتخاوضوا فيه، أي تفاوضوا فيه. والمعنى: خضتم في أسباب الدنيا، واللهو واللعب. وقيل: في أمر محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب، أي دخلتم في ذلك، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المتصفين بهذه الأوصاف من المشبهين، والمشبه بهم {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ } أي: بطلت، والمراد بالأعمال ما عملوه مما هو في صورة طاعة، لا هذه الأعمال المذكورة هنا فإنها من المعاصي، ومعنى {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ } أنها باطلة على كل حال: أما بطلانها في الدنيا فلأنّ ما يترتب على أعمالهم فيها لا يحصل لهم بل يصير ما يرجونه من الغنى فقراً، ومن العزّ ذلاً، ومن القوّة ضعفاً. وأما في الآخرة فلأنهم يصيرون إلى عذاب النار، ولا ينتفعون بشيء مما عملوه من الأعمال التي يظنونها طاعة وقربة {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } أي: المتمكنون في الخسران الكاملون فيه في الدنيا والآخرة. {أَلَمْ يَأْتِهِمْ } أي: المنافقين {نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي: خبرهم الذي له شأن، وهو ما فعلوه وما فعل بهم، ولما شبه حالهم بحالهم فيما سلف على الإجمال في المشبه بهم، ذكر منهم ههنا ست طوائف قد سمع العرب أخبارهم، لأن بلادهم وهي الشام قريبة من بلاد العرب، فالاستفهام للتقرير، وأوّلهم: قوم نوح، وقد أهلكوا بالإغراق، وثانيهم: قوم عاد، وقد أهلكوا بالريح العقيم، وثالثهم: قوم ثمود، وقد أخذوا بالصيحة، ورابعهم: قوم إبراهيم، وقد سلط الله عليهم البعوض، وخامسهم: أصحاب مدين، وهم قوم شعيب، وقد أخذتهم الرجفة، وسادسهم: أصحاب المؤتفكات، وهي قرى قوم لوط، وقد أهلكهم الله بما أمطر عليهم من الحجارة؛ وسميت مؤتفكات؛ لأنها انقلبت بهم حتى صار عاليها سافلها، والائتفاك: الانقلاب {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } أي: رسل هذه الطوائف الست. وقيل: رسل أصحاب المؤتفكات؛ لأن رسولهم لوط وقد بعث إلى كل قرية من قراهم رسولاً، والفاء في {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } للعطف على مقدّر يدل عليه الكلام: أي فكذبوهم، فأهلكهم الله فما ظلمهم بذلك؛ لأنه قد بعث إليهم رسله فأنذروهم وحذروهم {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بسبب ما فعلوه من الكفر بالله، وعدم الانقياد لأنبيائه، وهذا التركيب يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان مستمراً. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ } قال: هو التكذيب، قال: وهو أنكر المنكر {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ } شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وهو أعظم المعروف. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } قال: لا يبسطونها بنفقة في حق. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } قال: تركوا الله فتركهم من كرامته وثوابه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } قال: صنيع الكفار، كالكفار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: ما أشبه الليلة بالبارحة {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً } إلى قوله: {وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ } هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم، والذي نفسي بيده لنتبعنهم حتى لو دخل رجل جحر ضب لدخلتموه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، في قوله: {بِخَلَـٰقِهِمْ } قال: بدينهم. وأخرجا أيضاً عن أبي هريرة قال الخلاق: الدين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله: {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلَـٰقِهِمْ } قال: بنصيبهم في الدنيا. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في قوله: {وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ } قال: لعبتم كالذي لعبوا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ } قال: قوم لوط ائتفكت بهم أرضهم، فجعل عاليها سافلها.

ابن عطية

تفسير : هذا ابتداء إخبار عنهم وحكم من الله تعالى عليهم بما تضمنته الآية، فقوله {بعضهم من بعض} يريد في الحكم والمنزلة من الكفر، وهذا نحو قولهم الأذنان من الرأس يريدون في حكم المسح وإلا فمعلوم أنهما من الرأس، ولما تقدم قبل " وما هم منكم" حسن هذا الإخبار، وقوله {يأمرون بالمنكر } يريد بالكفر وعبادة غير الله وسائر ذلك من الآية لأن المنافقين الذين نزلت هذه الآيات فيهم لم يكونوا أهل قدرة ولا أفعال ظاهرة وذلك بسبب ظهور الإسلام وكلمة الله عز وجل، و" القبض " هو عن الصدقة وفعل الخير، وقوله تعالى: {نسوا الله فنسيهم } أي تركوه حين تركوا نبيه وشرعته فتركهم حين لم يهدهم ولا كفاهم عذاب النار، وإنما يعبر بالنسيان عن الترك مبالغة إذا بلغ وجوه الترك الوجه الذي يقترن به نسيان، وعلى هذا يجيء {أية : ولا تنسوا الفضل بينكم} تفسير : [البقرة: 237] {أية : ولا تنس نصيبك من الدنيا} تفسير : [القصص:77] ثم حكم عليهم عز وجل بالفسق وهو فسوق الكفر المقتضي للخلود في النار. وكان قتادة يقول {فنسيهم } أي من الخير ولم ينسهم من الشر، وقوله {وعد الله المنافقين} الآية، لما قيد الوعد بالتصريح بالشر صح ذلك وحسن وإن كانت آية وعيد محض،و {الكفار } في هذه الآية المعلنون، وقوله {هي حسبهم} أي كافيتهم وكافية جرمهم وكفرهم نكالاً وجزاء، فلو تمنى أحد لهم عذاباً لكان ذلك عنده حسباً لهم، {ولعنهم الله} معناه أبعدهم عن رحمته، {عذاب مقيم} معناه مؤبد لا نقلة له، وقوله تعالى {كالذين من قبلكم} الآية، أمر الله نبيه أن يخاطب بها المنافقين فيقول لهم {كالذين من قبلكم }، والمعنى أنتم كالذين أو مثلكم مثل الذين من قبلكم، وقال الزجّاج: المعنى وعداً كما وعد الذين من قبلكم فهو متعلق بوعد. قال القاضي أبو محمد : وهذا قلق، ثم قال {كانوا أشد منكم } وأعظم فعصوا فأهلكوا فأنتم أحرى بالإهلاك لمعصيتكم وضعفكم، والخلاق الحظ من القدر والدين وجميع حال المرء وخلاق المرء الشيء الذي هو به خليق والمعنة عجلوا حظهم في دنياهم وتركوا باب الآخرة فاتبعتموهم أنتم. قال القاضي أبو محمد : وأورد الطبري في تفسير هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " تفسير : ، وما شاكل هذا الحديث مما يقتضي اتباع محمد صلى الله عليه وسلم لسائر الامم، وهو معنى لا يليق بالآية جداً إذ هي مخاطبة لمنافقين كفار أعمالهم حابطة والحديث مخاطبة لموحدين يتبعون سنن من مضى في أفعاله دنيوية لا تخرج عن الدين، وقوله {خضتم كالذي خاضوا} أي خلطتم كالذي خلطوا، وهو مستعار من الخوض في المائعات، ولا يستعمل إلا في الباطل، لأن التصرف في الحقائق إنما هو على ترتيب ونظام، وأمور الباطل إنما هي خوض، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : رب متخوض في مال الله له النار يوم القيامة " تفسير : ، ثم قال تعالى: {أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} فيحتمل أن يراد بـ {أولئك} القوم الذين وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والاستمتاع بالخلاق، والمعنى وأنتم أيضاً كذلك يعتريكم بإعراضكم عن الحق، ويحتمل أن يريد بـ {أولئك} المنافقين المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويكون الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك خروج من خطاب إلى خطاب غير الأول، و "حبط العمل" وما جرى مجراه يحبط حبطاً إذا بطل بعد التعب فيه، وحبَط البطن حبَطاً بفتح الباء وهو داء في البطن، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم " تفسير : ، وقوله {في الدنيا} معناه إذا كان في المنافقين ما يصيبهم في الدنيا من المقت من المؤمنين وفساد أعمالهم عليهم وفي الآخرة بأن لا تنفع ولا يقع عليها جزاء، ويقوي أن الإشارة بـ {أولئك } إلى المنافقين قوله في الآية المستقبلة {ألم يأتهم} فتأمله.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} في الدين {بِالْمُنكَرِ} كل ما أنكره العقل من الشر. والمعروف: كل ما عرفه العقل من الخير، أو المعروف في كتاب الله كله الإيمان، والمنكر في كتاب الله كله الشرك قاله أبو العالية. {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} عن النفقة في سبيل الله، أو عن كل خير، أو عن الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن رفعها إلى الله ـ تعالى ـ في الدعاء. {فَنَسِيَهُمْ} تركوا أمره فترك رحمتهم، قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ: كان المنافقون ثلاثمائة رجل ومائة وسبعين امرأة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَٰتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ}: يريد: في الحُكْم والمَنْزلة في الكُفْر، ولمَّا تقدَّم قبلُ: { أية : وَمَا هُم مِّنكُمْ } تفسير : [التوبة:56] حَسُن هذه الإِخبار، و{وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ}: أي: عن الصدقة، وفعْلِ الخير، {نَسُواْ ٱللَّهَ}: أَيْ: تركوه؛ حِينَ تَرَكُوا ٱتِّبَاعَ نَبيِّه وشَرْعِهِ، {فَنَسِيَهُمْ}: أي: فتركَهم حين لم يَهْدِهِمْ، والكُفَّار؛ في الآية: المُعْلِنُونَ، وقوله: {هِيَ حَسْبُهُمْ}: أي: كافيتهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} الآية. لمَّا شرح أنواع قبائح أفعالهم، بيَّن أنَّ إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة. قوله: {بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} مبتدأ وخبر، أي: من جنس بعض، فـ "من" هنا لبيان الجنس وقيل: للتبعيض، أي: إنَّهم إنما يتوالدون بعضهم من بعض على دينٍ واحدٍ، وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاقِ، ثمَّ فصَّل هذا الكلام فقال: "يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ". هذه الجملةُ لا محلَّ لها؛ لأنَّها مفسرةٌ لقوله: "بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ"، وكذلك ما عطف على "يَأْمُرُون" ولفظ المنكر يدخلُ فيه كل قبيح، ولفظ المعروف يدخلُ فيه كل حسن، إلاَّ أنَّ الأعظم ههنا من المنكر الشرك والمعصية، والمراد الأعظم ههنا من المعروف الإيمان بالرسول {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} أي: يمسكونها عن الصَّدقة، والإنفاق في سبيل الله. {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدُّنيا ومن رحمته في العقبى. وإنَّما حملنا النِّسيان على التَّركِ، لأنَّ من نسي شيئاً لم يذكره، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللاَّزم، ولأنَّ النسيان ليس في وسع البشر، وهو في حق الله تعالى محال فلا بد من التأويل، وهو ما ذكرنا من التَّرك؛ لأنَّهم تركوا أمر الله حتى صارُوا كالنسي المنسي، فجازاهم بأنَّ صيَّرهم كالشَّيء المنسيّ، كقوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى:40] ثم قال: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} أي: الكاملُونَ في الفِسْقِ. قوله تعالى: {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ} الآية. قال القرطبيُّ وغيره: يقالُ: وعد الله بالخير وعْداً، ووعدَ بالشَّر وعيداً. وقيل: لا يقال من الشر إلاَّ "أوْعدته" و "توعدته" وهذه الآية رد عليه. لمَّا بيَّن في المنافقين والمنافقات أنه نسيهم، أي: جازاهم على تركهم التَّمسك بطاعةِ الله، أكَّد هذا الوعيد وضمَّ المنافقين إلى الكفار فيه، فقال: {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ} الآية. وقوله: "خالدين" حالٌ من المفعول الأول للوعد، وهي حالٌ مقدرةٌ؛ لأنَّ هذه الحال لم تقارن الوعد. وقوله: "هِيَ حَسْبُهُم" لا محلَّ لهذه الجملة الاستئنافية. والمعنى: أنَّ تلك العقوبة كافية لهم ولا شيء أبلغ منها، ولا يمكنُ الزيادة عليها. ثم قال: {وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أبعدهم الله من رحمته، {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} دائم. فإن قيل: معنى المقيم والخالد واحد فيكون تكراراً. فالجوابُ: من وجهين: الأول: أنَّ لهم نوعاً آخر من العذاب المقيم الدائم سوى العذاب بالنَّار والخلود المذكور أولاً، ولا يدل على أنَّ العذاب بالنَّارِ دائم. وقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} يدلُّ على أنَّ لهم مع ذلك نوعاً آخر من العذابِ. فإن قيل هذا مشكل؛ لأنه قال في النَّار المخلدة: "هِيَ حَسْبُهُم" وكونها حسباً يمنع من ضمّ شيء آخر إليه. فالجوابُ: أنَّها حسبهم في الإيلام، ومع ذلك يضم إليه نوع آخر زيادة في تعذيبهم. والثاني: أنَّ المراد بقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} العذاب العاجل الذي لا ينفك عنهم وهو ما يُقاسُونَه من الخوف من اطلاع الرسول على بواطنهم، وما يحذرونه من أنواع الفضائح. قوله: {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}. فيه أوجه: أحدها: أنَّ هذه الكاف في محلِّ رفعٍ، تقديره: أنتم كالذين، فهي خبر مبتدأ محذوف. الثاني: أنَّها في محلِّ نصب. قال الزجاجُ: المعنى: وعد كما وعد الذين من قبلكم فهو متعلقٌ بـ "وَعَدَ". قال ابن عطيَّة "وهذا قلقٌ". وقال أبو البقاءِ: ويجُوز أن يكون متعلقاً بـ {أية : تَسْتَهْزِءُونَ}تفسير : [التوبة:65]. وفي هذا بعدٌ كبيرٌ. وقوله: "كانُوا أشدَّ" تفسيرٌ لشبههم بهم، وتمثيل لفعلهم بفعلهم، وجعل الفراءُ محلَّها نصباً بإضمار فعلٍ، قال: "التَّشبيهُ من جهة الفعل، أي: فعلتم كما فعل الذين من قبلكم" فتكون الكافُ في موضع نصب. وقال أبو البقاءِ: "الكافُ في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف وفي الكلام حذف مضافٍ، تقديره: وعداً كوعد الذين". وذكر الزمخشريُّ وجه الرفع المتقدم، والوجه الذي تقدم عن الفراء، وشبَّهه بقول النمر بن تولب: [الكامل] شعر : 2811-........................... كاليَوْم مَطْلُوباً ولا طَلَبَا تفسير : بإضمار: "لَمْ أرَ". قوله: "كَمَا اسْتَمْتَعَ" الكافُ في محلِّ نصب، نعتاً لمصدر محذوف، أي: استمتاعاً كاستمتاع الذين. قوله: {كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} الكافُ كالَّتي قبلها. وفي "الَّذِي" وجوهٌ: أحدها: أنَّ المعنى: وخضتم خوضاً كخوض الذين خاضوا، فحُذفت النُّونُ تخفيفاً، أو وقع المفردُ موقع الجمع وقد تقدَّم تحقيقه في أوائل البقرةِ، فحذف المصدرُ الموصوفُ، والمضافُ إلى الموصول وعائدُ الموصول تقديره: خاضوه، والأصل: خاضوا فيه؛ لأنَّهُ يتعدَّى بـ "في" فاتَّسع فيه فحذف الجارُّ، فاتصل الضميرُ بالفعل، فساغ حذفه، ولولا هذا التَّدريجَ لما ساغَ الحذف، لما تقدم أنَّهُ متى جُرَّ العائد بحرف اشترط في جواز حذفه جرُّ الموصول بمثل ذلك الحرف وأن يتحد التعلَّق مع شروط أخر تقدمت. الثاني: أنَّ "الذي" صفةٌ لمفردٍ مُفهم للجمع، أي: وخضتم خَوَْضاً كخوض الفوج الذي خاضُوا، أو الفريق الذي خاضوا والكلامُ في العائد كما سبق قبل. قال بعضُ المفسِّرين: "الَّذي" اسم ناقص مثل "ما، ومن"، يعبَّر به عن الواحد والجمع، كقوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً}تفسير : [البقرة:17] ثم قال {أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ}تفسير : [البقرة:17]. الثالث: أن "الَّذي" من صفة المصدر، والتقدير: وخضتم خوضاً كالخوضِ الذي خاضوه وعلى هذا فالعائدُ منصوبٌ من غير واسطةِ حرفِ جر. وهذا الوجهُ ينبغي أن يكون هو الراجح، إذ لا محذور فيه. والرابع: أنَّ "الذي" تقعُ مصدرية، والتقدير: وخضتم خوضاً. ومثله: [البسيط] شعر : 2812- فَثَبَّتَ اللهُ ما آتَاكَ مِنْ حسبٍ في المُرسلينَ ونَصْراً كالَّذِي نُصِرُوا تفسير : أي: كنَصْرهم. وقول الآخر: [البسيط] شعر : 2813- يَا أمَّ عَمْرو جَزاكِ اللهُ مَغْفِرةً رُدِّي عليَّ فُؤادِي كالذي كَانَا تفسير : أي: ككون. وقد تقدَّم أنَّ هذا مذهب الفراء، ويونس، وقد تقدَّم تأويل البصريين لذلك قال الزمخشريُّ "فإن قلت: أيُّ فائدة في قوله: {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ}، وقوله {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ} مغنٍ عنه، كما أغْنَى "كالَّذِي خَاضُوا"؟ قلت: فائدته أن يذُمَّ الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدُّنيا، ورضاهم بها عن النَّظرِ في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يُخَسِّس أمر الاستمتاع ويُهَجِّن أمر الراضي به، ثم شبَّه حال المخاطبين بحالهم، وأمَّا {وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} فمعطوفٌ على ما قبله ومسندٌ إليه، مُسْتَغْنٍ بإسناده إليه عن تلك المقدمة يعني: أنه استغنى عن أن يكون التَّركيبُ: وخاضُوا، فخضتم كالذي خاضوا". وفي قوله {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ} إيقاعٌ للظَّاهر موقع المضمر، لنُكتَةٍ، وهو أنَّه كان الأصلْ: فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتعوا بخلاقهم؛ فأبرزهم بصورةِ الظَّاهر تحقيراً لهم، كقوله: {أية : لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً}تفسير : [مريم:44]، وكقوله قبل ذلك: {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ}، ثم قال: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[التوبة:67] وهذا كما يدلُّ بإيقاع الظَّاهر موقع المضمر على التفخيم والتعظيم، يدُلُّ به على عكسه، وهو التَّحقير. فصل معنى الآية: إنَّكُم فعلتم كفعل الذين من قبلكم، بالعدولِ عن أمر الله والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي عن الخيرات، و {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً} بَطْشاً ومنعَةً، {وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} إنما استمتعوا مدة بالدُّنيا، باتباع الشَّهوات، ورضوا به عوضاً عن الآخرة، {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ}، والخلاق: النصيب وهو ما قدر للإنسان من خير. {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ} وسلكتم سبيلهم "وخُضْتُم" في الباطلِ والكذب على الله وتكذيب رسله، والاستهزاء بالمؤمنين، "كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ" أي: كما خاضوا. {أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي: بطلت حسناتهم في الدُّنيَا بسبب الموت والفقر والانتقال من العزِّ إلى الذُّل ومن القوة إلى الضَّعْفِ، وفي الآخرة؛ لأنَّهُم لا يثابون بل يعاقبون أشد العقاب. {َأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} حيثُ أتعبوا أنفسهم في الردِّ على الأنبياء، ولم يجدوا منه إلا فوات الخير في الدُّنيا والآخرة، فكما حبطت أعمالهم وخسروا حبطت أعمالكم وخسرتم. روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لتتَّبِعُنَّ سُنَنَ من قبلكمُ شِبْراً بِشبرٍ، وذِرَاعاً بذرَاع، حتَّى إذا دخلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لاتَّبعْتُموهُمْ" قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: "فَمَنَّ؟" تفسير : وفي رواية أبي هريرة: فهل النَّاسُ إلاَّ هُمْ؟ فلهذا قال في المنافقين "بَعْضُهم من بَعْضٍ"، وقال في المؤمنين: "بَعْضُهمْ أولياءُ بَعْض" أي: في الدِّين واتفاق الكلمة، والعون، والنصرة، "يَأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ" بالإيمان والطَّاعة والخير، وقد تقدَّم الكلام على "يَأمُرونَ بالمَعْرُوفِ". "ويَنْهونَ عن المُنكَرِ" عن الشِّرك والمعصية، وما لا يعرف في الشَّرع "ويُقِيمُونَ الصَّلاة" المفروضة {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ} فالسين للاستقبال، إذ المراد رحمةٌ خاصةٌ، وهي ما خبَّأه لهم في الآخرة. وادَّعَى الزمخشريُّ: أنَّها تُفيدُ وجوب الرحمةِ وتوكيد الوعدِ والوعيد، نحو: سأنتقم منك، يعني لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونظيره {أية : سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}تفسير : [مريم:96] {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ}تفسير : [الضحى:5] {أية : سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ}تفسير : [النساء:152]. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وذلك يوجبُ المبالغة في التَّرغيب والتَّرهيب؛ لأنَّ العزيز هو الذي لا يمنعُ من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة، والحكيمُ هو المدبر أمر عباده على ما تقتضيه الحكمة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن حذيفة‏.‏ أنه سئل عن المنافق‏.‏ فقال‏:‏ الذي يصف الإِسلام ولا يعمل به‏. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال‏:‏ النفاق نفاقان‏.‏ نفاق تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم فذاك كفر، ونفاق خطايا وذنوب فذاك يرجى لصاحبه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏يأمرون بالمنكر‏} ‏ قال‏:‏ هو التكذيب‏.‏ قال‏:‏ وهو أنكر المنكر ‏ {‏وينهون عن المعروف‏} ‏ قال‏:‏ شهادة أن لا إله إلا الله والإِقرار بما أنزل الله وهو أعظم المعروف‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال‏:‏ كل آية ذكرها الله تعالى في القرآن فذكر المنكر عبادة الأوثان والشيطان‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏ويقبضون أيديهم‏} ‏ قال‏:‏ لا يبسطونها بنفقة في حق الله‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏ويقبضون أيديهم‏}‏ قال‏:‏ لا يبسطونها بخير ‏ {‏نسوا الله فنسيهم‏} ‏ قال‏:‏ نسوا من كل خير ولم ينسوا من الشر‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏ {‏نسوا الله فنسيهم‏} ‏ قال‏:‏ تركوا الله فتركهم من كرامته وثوابه‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ‏ {‏نسوا الله‏} ‏ قال‏:‏ تركوا أمر الله ‏ {‏فنسيهم‏} ‏ تركهم من رحمته أن يعطيهم إيماناً وعملاً صالحا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال‏:‏ إن الله لا ينسى من خلقه ولكن نسيهم من الخير يوم القيامة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ نسوا في العذاب‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏كالذين من قبلكم‏} ‏ قال‏:‏ صنيع الكفار كالكفار‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال‏:‏ ما أشبه الليلة بالبارحة ‏ {‏كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏وخضتم كالذي خاضوا‏} ‏ هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم، والذي نفسي بيده لنتبعنهم حتى لو دخل رجل جُحْر ضبٍّ لدخلتموه‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏ {‏بخلاقهم‏} ‏ قال‏:‏ بدينهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي هريرة قال‏:‏ الخلاق الدين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏فاستمتعوا بخلاقهم‏} ‏ قال‏:‏ بنصيبهم من الدنيا‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏وخضتم كالذي خاضوا‏} ‏ قال‏:‏ لعبتم كالذي لعبوا‏. وأخرج أبو الشيخ عن الربيع ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذركم أن تحدثوا حدثاً في الإِسلام، وعلم أنه سيفعل ذلك أقوام من هذه الأمة فقال الله ‏ {‏فاستمتعوا بخلاقهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏.

التستري

تفسير : قوله عزَّ وجل: {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}[67] قال: يعني نسوا نعم الله عندهم، فأنساهم شكر النعم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} [الآية: 67]. قال أبو بكر الوراق: المنافق ستر المنافق يستر عليه عوراته، والمؤمن مرآة المؤمن يبصر به عيوبه وبذله على سبيل نجاته. قوله تعالى ذكره: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}. قال بعضهم: يقبضون أيديهم عن رفعها إلى مولاها فى الدعوات والحوائج كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه رأى فى الموقف ويده على صدره، كاستطعام المسكين وهو ينشد. شعر : ها إن صددت يدى إليك فردها بالوصل لا بشماتة الحساد تفسير : وقيل: يقبضون أيديهم عن الصدقة. وقيل: يقبضون أيديهم عن معونة المسلمين. قوله تعالى: {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}. قال سهل: نسوا نعم الله عندهم فأنساهم الله شكر النعم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ}. المؤمِنُ بالمؤمِن يَتَقَوَّى، والمنافقُ بالمنافق يتعاضد، وطيور السماء على أُلاَّفِها تَقَعُ. فالمنافِقُ لصاحبه أسٌّ به قوامه، وأصلٌ به قيامه؛ يُعِينُه على فساده، ويُعَمِّي عليه طريقَ رشادِه. والمؤمِنُ ينصر المؤمنَ ويُبَصِّره عيوبَه، ويُبغضُ لديه ويُقَبِّحُ - في عينيه - ذنوبَه، وهو على السدادِ يُنْجِدُه، وعن الفسادِ يُبْعِده. قوله جلّ ذكره: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ}. عن طلب الحوائج من الله تعالى. قوله جلّ ذكره: {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}. جازاهم على نسيانهم، فسمَّى جزاءَ النسيانِ نسياناً. تركوا طاعتَه، وآثروا مُخالَفَته، فَتَرَكَهُم وما اختاره لأنفسهم، قال تعالى: {أية : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ}تفسير : [البقرة: 17].

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} اخبر سبحانه ان طينة النفاق فى وقت مباشرة قهره فيها بعضها من بعض وما يتولد من قطرة نفاقهم يستحسنه بعضهم من بعض ويأمرون بعضهم مخالفة الله ومخالفة رسوله فى اين انهم اولياء الله قال ابو بكر الوراق المنافق ستر المنافق يستر عليه عوراته والمؤمن مرات المؤمن يبصر عيوبه ويذله على سبيل نجاته قوله تعالى {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} وصف الله بخل المنافقين وقلة نصرهم للمؤمنين واقباض ايديهم يرفعها الى الدعاء وغيظهم للمؤمنين حين يقبضون ايديهم من الغضب فى نفوسهم وخلواتهم وراء الستور بالوكزات لاهل الحق وهذا صفة المبغضين اذا جلس واحد منهم بعض انامله ويقبض يده ويهيج قلبه حسدا وعداوة على اولياء الله قال الله واذا خلوا عضوا عليكم الانامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ثم بين ان هذا الغيظ من تولد نسيانهم قهر الله فى بطش جبروته وبروز عظائم انوار ملكوته لم يكونو من اهل الذكر فطرى عليهم طريان النسيان لم يذوقوا حقائق الذكر تركوا امر الله لجهلهم بجلال الله فتركهم الله فى ظلمات قهره يعمهون لا يرون سبيل الرشد ابداً وهكذا وصف من ادعى معرفة الله ولم يذق طعم محبة الله ولا يستقيم فى دعواه ونفر من الطريق الى جمع الدنيا من قلة صبرهم مع اولياء الله فيجمعون الدنيا ويحتجبو بها عن ذكر الله فتركهم الله فى حبها وحب جاهها ولا ينفقون منها فى طريق الله قال الله يقبضون ايديهم نسوا الله فنسيهم قال بعضهم يقبضون ايديهم عن رفعها الى مولاها فى الدعوة والحوائج كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم انه راى كأنه فى الموقف ومده على صدرة كاستطعام المسكين ها ان مددت بدى اليك فردها بالوصل لا بشماتة الحساد وقيل يقبضون ايديهم عن الصدقة وقيل يقبضون ايديهم عن معونة المسكين وقال سهل فى قوله نسوا الله فنسيهم نسوا نعن الله عندهم فانساهم الله شكر النعم وصف المؤمنين والمؤمنات بالموافقات فى جميع الخيرات بقوله {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} لان ارواحهم كان مستغرقاً فى انوار القدم وهى تعىلى الف هناك بين الارواح بانها من جواهر انوار المكوت الفت بعضها بعضا بألف الله سبحانه فى مشاهدة جماله حين اذاقها طعم وصاله فاحب المؤمنون بعضهم بعضاً محبة الله فى قلوبهم ويتعاونون بعضهم بعضا فى عبادة الله ونصرة انبياء الله واوليائه وقال ابو عثمان المؤمنون انصار يتعاونون على العبادة ويتبادرون اليها وكل واحد منهم تشد ظهر صاحبه ويعنيه على سبيل نجاته الا ترى النبى صلى الله عليه وسلم يقول المؤمن للمؤمن كالبنيان تشد بعضه بعضا وقال المؤمنون كالجسد الواحد قال الله المؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض وقال ابو بكر الوراق المؤمن تولى المؤمن طبعا وسجية.

اسماعيل حقي

تفسير : {المنافقون} [مردان منافق مه سيصد نفر بودند] {والمنافقات} [وزنان منافقه كه صدو هفتاد بودند] {بعضهم من بعض} اى متشابهون فى النفاق والبعد عن الايمان كابعاض الشيء الواحد بالشخص {يأمرون بالمنكر} اى بالكفر والمعاصى {وينهون عن المعروف} اى عن الايمان والطاعة استئناف مقرر لمضمون ما سبق ومفصح عن مضادة حالهم لحال المؤمنين {ويقبضون ايديهم} اى عن الانفاق فى سبيل الله وعن الصدقة وعن كل خير فان قبض اليد كناية عن الشح او عن رفعها للدعاء والمناجاة كما فى الكاشفى {نسوا الله} صاروا غافلين عن ذكره وتركوا امره حتى صار كالمنسى عندهم ذكر الملزوم وهو النسيان واريد اللازم وهو الترك لان النسيان ليس من الافعال الاختيارية فلا يذم عليه {فنسيهم} فتركهم من لطفه وفضله لا من قهره وتعذيبه وفسر النسيان ايضا بالمعنى المجازى الذى هو الترك لانه محال فى حقه تعالى {ان المنافقين هم الفاسقون} الكاملون فى التمرد والفسق الذى هو الخروج عن الطاعة والانسلاخ عن كل خير

ابن عجيبة

تفسير : قلت: قال في الأساس: ومن المجاز: نَسيتُ الشيء: تركتُه، (نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ. قال في المشارق: ونسي بمعنى ترك، معناه مشهور في اللغة، ومنه: (نسوا الله فنسيهم) أي: تركوا أمره فتركهم. وقوله: (كالذين من قبلكم): خبر، أي: أنتم كالذين، أو مفعول بمحذوف، أي: فعلتم مثل فعل من قبلكم. يقول الحق جل جلاله: {المنافقون والمنافقاتُ بعضُهم من بعض} أي: متشابهة في الكفر والبعد عن الإيمان، لا فرق بين ذكورهم وإناثهم في النفاق والكفر، وهو نفي لأن يكونوا مؤمنين. وقيل: إنه تكذيب لهم في حلفهم بالله: {إنهم لمنكم} وتقرير لقوله: وهو قوله: {يأمرون بالمنكر}؛ كالكفر والمعاصي، {وينْهَون عن المعروف}؛ كالإيمان والطاعة، {ويقبضُون أيديَهم} عن الإعطاءِ المبار، وهو كناية عن البخل والشح. {نَسُوا الله} أي: غفلوا، أي: أغفلوا ذكره، وتركوا طاعته، {فنسيهم}؛ فتركهم من لطفه ورحمته وفضله، {إن المنافقين هم الفاسقون}؛ الكاملون في التمرد والفسوق عن دائرة الخير. {وَعدَ اللَّهُ المنافقين والمنافقاتِ والكفارَ} أي: المهاجرين بالكفر، {نارَ جهنم خالدين فيها} أي: مقدرين الخلود. قال ابن جزي: الأصل في الشر أن يقال: أوعد، وإنما يقال فيه: "وعد" إذا صرح بالشر. هـ. {هي حَسْبُهُم} أي: جزاؤهم عقاباً وعذاباً، وفيه دليل على عظم عذابها، {ولعنهم الله}؛ أبعدهم من رحمته، وأهانهم، {ولهم عذابٌ مقيم} لا ينقطع، وهو العذاب الذي وعدوه، أو ما يقاسونه من تعب النفاق، والخوف من المؤمنين. {كالذين من قبلكُم} أي: أنتم كالذين من قبلكم، أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم، {كانوا أشدَّ منكم قوةً وأكثر أموالاً وأولاداً}، وهو بيان لتشبيههم بهم، وتمثيل حالهم بحالهم، {فاستمتعوا بخلافكم} أي: نصيبهم من ملاذ الدنيا وحظوظها، فأمّلوا بعيداً وبنوا مشيداً، فرحلوا عنه وتركوه، فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم رجعوا، {فاستمتعتُم} أنتم {بخلاقِكم} أي: بنصيبكم مما خلق الله لكم وقدره لكم في الأزل، {كما استمتع الذين من قبلكُم بخلاقِهِم}، ثم تركوا ورحلوا عنه، كذلك ترحلون أنتم عنه وتتركونه. قال البيضاوي: ذمَّ الأولين باستمتاعهم بحظوظهم المُخدَّجة من الشهوات الفانية، والتِهَائِهم بها عن النظر في العاقبة، والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيرة؛ تمهيداً لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء آثارهم. هـ. {وخُضْتُم} في الباطل {كالذي خاضُوا} أي: كخوضهم، أو كالخوض الذي خاضوه، وقيل: كالذين خاضوا فيه، فأوقع الذم على الجميع. {أولئك حبِطَتْ أَعمالُهم في الدنيا والآخرة} أي: لم يستحقوا عليها ثواباً في الدارين، {وأولئك هم الخاسرون}؛ الكاملون في الخسران، خسروا الدنيا والآخرة. الإشارة: ينبغي لأهل الإيمان الكامل أن يتباعدوا عن أوصاف المنافقين؛ فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويمدّون أيديهم بالعطاء والإيثار، ويذكرون الله على سبيل الاستهتار، حتى يذكرهم برحمته. ويتشبهون بمن قبلهم من الصالحين الأبرار، فقد استمتعوا بلذيذ المناجاة، وحلاوة المشاهدات، وبلطائف العلوم والمكاشفات، أولئك الذين ثبتت لهم الكرامة من الله في الدنيا والآخرة، وأولئك هم الفائزون. ثم هدد المنافقين بإهلاك من قبلهم، فقال: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى بأن المنافقين الذين يظهرون الايمان ويسرون الكفر بعضهم من بعض. والمعنى إن بعضهم يضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق، كما يقول القائل لغيره: أنت مني وأنا منك والمعنى إن أمرنا واحد لا ينفصل. وقيل: بعضهم من بعض فيما يلحقهم من مقت الله وعذابه أي منازلهم متساوية في ذلك. ثم أخبر أن هؤلاء المنافقين يأمرون غيرهم بالمنكر الذي نهى الله عنه وتوعد عليه من الكفر بالله ونبيه وجحد آياته {وينهون عن المعروف} يعني الأفعال الحسنة التي أمر الله بها وحث عليها، وانهم يقبضون ايديهم اي يمسكون أموالهم عن انفاقها عن طاعة الله ومرضاته وهو قول قتادة، وقال الحسن ومجاهد: أراد إمساكها عن الانفاق في سبيل الله. وقال الجبائي: أراد به إمساك الايدي عن الجهاد في سبيله الله. وقوله {نسوا الله فنسيهم} معناه تركوا امر الله يعني صار بمنزلة المنسي بالسهو عنه فجازاهم الله بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته، وذكر ذلك لازدواج الكلام. وقال قتادة: اي نسوا من الخير ولم ينسوا من الشر. ثم اخبر تعالى فقال {إن المنافقين} الذين يخادعون المؤمنين باظهار الايمان مع ابطانهم الكفر {هم الفاسقون} الخارجون عن الايمان بالله وبرسوله وعن طاعاته.

الجنابذي

تفسير : {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} ليسوا منكم كما ادّعوا والجملة خبر عن المنافقون او حال عن المنافقون والمنافقات او معترضة {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ} قالاً وحالاً وجوداً فى عالمهم الصّغير والعالم الكبير لانّهم متصوّرون بصور المنكرات وكلّ يعمل على شاكلته فكلّ امرءٍ متصوّر بصورة المنكر يأمر على وفق صورته بالمنكر ولم يكن له شأن سوى الامر بالمنكر لكون شاكلته المنكر وان كان صورة امره امراً بالمعروف ولذلك أتى بالمضارع الدّالّ على الاستمرار التّجدّدىّ {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ} لانّهم ينأون عنه والنّائى عن الشّيء الغير المتصوّر به ينهى عنه لا محالة {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} الظّاهرة عن الانفاق ابتغاء رضى الله حرصاً بالمال غير معتقد بالاجر والعوض من الله وعن البيعة مع النّبىّ (ص) والولىّ (ع) وايديهم الباطنة عن التّوسّل بذيل النّبوّة والولاية، وعن التبتّل الى الله والتّضرّع عنده، وعن الامتداد الى الخيرات الكثيرة الرّوحانيّة، وعن انفاق اموالهم الباطنة الّتى هى القوى البدنيّة والاخلاق النّفسيّة الرّذيلة الّتى فى انفاقها الوعد بالمائة الى سبعمائة والله يضاعف لمن يشاء {نَسُواْ ٱللَّهَ} جواب لسؤالٍ ناشٍ عن ذكر اوصافهم الّذميمة الّتى تقتضى السّؤال عن علّتها او عن وصفٍ آخر ذميم لهم فهو فى مضوع التّعليل او بيان حال آخر ذميم لهم والنّسيان هو الغفلة عن المعلوم بحيث يزول عن خزانته ويحتاج الى مشاهدة جديدة ان كان من المشاهدات، او كسب جديد ان كان من الكسبيّات بخلاف السّهو، فانّه الغفلة عنه بحيث لا يزول عن الخزانة ولا يحتاج الى سبب جديد بل يستحضر بأدنى تأمّل فالفرق بينهما بالشّدّة والضّعف، ولمّا كان معرفة الله فطريّة لكلّ احد بل لكلّ موجود والانسان بمجاهداته ورياضاته او بافكاره وانظاره يستكشف ذلك المعلوم الفطرىّ وبتدنّساته ومعاصيه يستر ذلك المعلوم الفطرىّ استعمل النّسيان ومن باب المشاكلة قال تعالى {فَنَسِيَهُمْ} مجازاً اى تركهم وأسقطهم عن نظره وافاضة رحمته {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} تعليل او بيان ذمّ آخر ووضع المظهر موضع المضمر للتّكرار المطلوب فى مقام السّخط ولذا غلظ عليهم بالتأكيدات الاربعة؛ انّ واسميّة الجملة وضمير الفصل وتعريف المسند، وللتّفظيع وللاشارة الى علّة الحكم واسقط المنافقات تغليباً ولعدم المبالاة بهنّ.

الهواري

تفسير : قوله: {المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} أي في الألفة والاجتماع على معاصي الله {يَأْمُرُونَ بِالمُنكَرِ} وهو كل ما يعرف العباد جوره. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ} وكل ما يعرف العباد عدله فهو معروف. وقال بعضهم: {يَأْمُرُونَ بِالمُنكَرِ} أي بالكفر، وهو النفاق. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ} وهو الإِيمان، أي: عن العمل بالصالحات، وهي الإِيمان، وهذا يرجع إلى التأويل الأول، وهو واحد. { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} أي عن النفقة في سبيل الله وعن الزكاة. وقال مجاهد: لا يبسطونها بالنفقة في الحق. وقال بعضهم: لا يبسطونها إلى الخير. قال: {نَسُوا اللهَ} أي: تركوا فرائض الله فلم يكملوها ولم يعملوا بجميعها. { فَنَسِيَهُمْ} أي فتركهم كمن ليس مذكوراً. وقال بعضهم: {فَتَرَكَهُمْ} أي: لم يذكرهم بما يذكر به المؤمنين أهل الوفاء والصدق من الخير. { إِنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ} يعني فسق النفاق، وهو فسق دون فسق، وفسق فوق فسق. قوله: {وَعَدَ اللهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ} أهل الإِقرار بالله والنبي والكتاب. { وَالكُفَّارَ} أهل الإِنكار والجعود. { نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} لا يموتون ولا يخرجون منها. { هِيَ حَسْبُهُمْ} جميعاً: المشركين والمنافقين. كقوله: (أية : حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا) تفسير : [المجادلة:8] {وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي: دائم في الآخرة. قال: { كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني من الكفار { كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} يقول: لعنهم وأهلكهم وأوجب لهم النار. يقول: فسيعذبكم كما عذب الذين من قبلكم من الكفار، يعني الذين تقوم عليهم الساعة الدائنين بدين المشركين أبى جهل وأصحابه. قال: { فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاَقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ} قال الحسن: أي بدينكم { كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ} أي: بدينهم { وَخُضْتُمْ} في الكفر والتكذيب. رجع بهذا كله إلى كفار قريش دون المنافقين. وخضتم في الكفر { كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ} جميعاً من الماضين والباقين { هُمُ الخَاسِرُونَ}. وقال الكلبي: {فَاسْتَمْتَعْتُم} في الدنيا بنصيبكم من الآخرة {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم} في الدنيا بنصيبهم من الآخرة.

اطفيش

تفسير : {المنافِقُون والمنَافِقاتِ بعْضُهم مِنْ بعْضٍ} أى متآلفون مجتمعون على المعاصى، متشابهون فيها كأبعاض الشىء الواحد، كما يقول: أنا منك وأنت منى، يريد أنكما متوافقان، كما تقول: القفا من الرأس، تريد أن حكمهما فى القصاص واحد، والأذنان من الرأس، تريد أن وضوءهما مع الرأس لا مع الوجه، وقيل: ذلك تكذيب لحلفهم إنهم لمنكم، وتقرير لقوله: {أية : وما هم منكم}. تفسير : {يأمرُونَ بالمنْكَر} الكفر والمعاصى {وينْهَونَ عَنِ المعْروفِ} الإيمان والطاعة، وذلك مضاد لأحوال المؤمنين، فليسوا منهم، {ويقْبضُون أيْديَهم} كناية عن تباعدهم عن أعمال الخير كالصدقة والإنفاق فى سبيل الله، وما أتوه منها لم يكملوه. {نَسُوا اللهَ فَنَسيهمْ} تركوا ذكر الله وطاعته، فتركهم من فضله ورحمته وخذلهم، والنسيان بمعنى الترك حقيقة، ويجوز أن يكون المراد تركوا أمره حتى صاروا بمنزلة من ذهب شىء عن حافظته، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسى عن ثوابه وفضله، فتكون فى ذلك مبالغة، إذا بلغ وجوه الترك الوجه الذى يقترن به لنسيان مزاوجة فى قوله: {فنسيهم} مثل: {أية : يخادعون الله وهو خادعهم} تفسير : {إنَّ المنافِقينَ هُم الفَاسِقُونَ} الكاملون فى الخروج عن دائرة الخير والطاعة.

اطفيش

تفسير : {الْمُنَافِقُونَ} ثلاث مائة {وَالمنَافِقَاتُ} مائة وسبعون، قل فى النساءَ لقلة ملاقاتهن للنبى والناس وإِلا فهن ناقصات عقل ودين، أَو كثر فيهن حتى كان فى النساءِ اللاتى من شأَنهن لا يلاقين {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} كأَنه خلق كل واحد من الآخر، وهذا لا يتصور إِلا أَن المراد لازمه وهو التشابه فى النفاق. ويقال: أَنا منك وأَنت منى أَى أَمرنا واحد، وأَيضاً كأَنهم أَعضاء إِنسان يشبه بعضها بعضاً، أَو كأَنه خلق ذاك من ذلك، لا ذلك من ذلك، بمعنى أَن القوى فى النفاق خلق منه من هو دونه فيه أَو دين بعض مأْخوذ من بعض. والاتصال الدالة عليه من الابتدائية معتبر بالنفاق وما فى بعض منه ناشىءٌ من بعض، وذلك نقض لقولهم إِنهم لمنكم مضادون للمؤمنين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، كما قال {يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ} الشرك، وسائر الذنوب الكبار والصغار، وذكر بعضٌ أَن كل منكر ذكر فى القرآن فهو عبادة الأَوثان والشيطان، وليس كذلك، بل أَعم وقد يقتضى المقام خصوصاً {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} التوحيد وسائر الطاعات الواجبة وغير الواجبة، وحذف المفعول للعموم أَى يأْمر بالمعصية بعضهم بعضاً، ويأْمرون من ضعف إِيمانه ومن غفل من أَهل الشرك أَو المعاصى، ومن خافوا منه التوبة، وكذا فى النهى عن المعروف والضمائر للرجال والنساءِ، المنافق من المنافق ومن المنافقة، والمنافقة من المنافقة ومن المنافق، وتأْمر وتنهى غيرها من الذكور والإِناث ويأْمر غيره كذلك وينهى {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} لا يمدونها بالإِنفاق الواجب والمستحب، وذلك كناية عن الشح، كما أَن بسطها كناية عن الجود مطلقاً لأَن الإِنفاق يتصور أَيضاً بلا مد يد مثل أَن تقول خذ من مالى كذا، أَو هو لك {نَسُوا اللهَ} تركوا توحيده وطاعته وضع النسيان لترك الشىءِ ولذهابه عن الحافظة بعد كونه فيها، وعلى فرض أَنه موضوع لذهابه عنها يكون هنا مجازاً استعمالا فى اللازم فإِن من ذهب عن حافظته شىءٌ بتركه {فَنَسِيَهُمْ} ترك رحمتهم والإِحسان إِليهم لاختيارهم الخذلان {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ} بإِضمار الشرك وتوابعه، ودخلت المنافقات فى المنافقين، أَو حذف لفظ المنافقات للعلم به {هُمُ الْفَاسِقُونَ} الكاملون فى الخروج عن الطاعة فإِن غيرهم من أَصحاب الكبائر غير الشرك من المشركين صراحاً دونهم فى الكمال لقوله تعالى: "أية : إِن المنافقين فى الدرك الأَسفل من النار"تفسير : [النساء: 145] أَى إِن المنافقين بإِضمار الشرك، والحصر باعتبار الكمال، وإِلا فقد كثر الفاسقون غيرهم، وأَما المؤمنون فلا يتصفون بالفسق، وفسق هؤلاء المنافقين دون فسقهم، ومقتضى الظاهر أَنهم هم الفاسقون، وأَظهر لزيادة التقرير وللإِهانة، فإِن فى ذكرهم بالنفاق ما ليس فى ذكرهم بالضمير، أَو المراد مطلق المنافقين، وعلى كل حال المراد ما يشمل المنافقات.

الالوسي

تفسير : {الْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ} أي متشابهون في النفاق كتشابه أبعاض الشيء الواحد، والمراد الاتحاد في الحقيقة والصورة كالماء والتراب، والآية متصلة بجميع ما ذكر من قبائحهم، وقيل: هي متصلة بقوله تعالى: {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ } تفسير : [التوبة: 56] والمراد منها تكذيب قولهم المذكور وإبطال له وتقرير لقوله سبحانه: {أية : وَمَا هُم مّنكُمْ } تفسير : [التوبة: 56] وما بعد من تغاير صفاتهم وصفات المؤمنين كالدليل على ذلك، و {مِنْ} على التقريرين اتصالية كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أنت مني بمنزلة هٰرون من موسى»،تفسير : والتعرض لأحوال الإناث للإيذان بكمال عراقتهم في الكفر والنفاق {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ} أي بالتكذيب بالنبـي صلى الله عليه وسلم {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ} أي شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما أنزل الله تعالى كما أخرجه ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأخرج عن أبـي العالية أنه قال: كل منكر ذكر في القرآن المراد منه عبادة الأوثان والشيطان، ولا يبعد أن يراد بالمنكر والمعروف ما يعم ما ذكر وغيره ويدخل فيه المذكور دخولاً أولياً، والجملة استئناف مقرر / لمضمون ما سبق مفصح عن مضادة حالهم لحال المؤمنين أو خير ثان {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} عن الإنفاق في طاعة الله ومرضاته كما روي عن قتادة والحسن، وقبض اليد كناية عن الشح والبخل كما أن بسطها كناية عن الجود لأن من يعطي يمد يده بخلاف من يمنع، وعن الجبائي أن المراد يمسكون أيديهم عن الجهاد في سبيل الله تعالى وهو خلاف الشائع في هذه الكلمة. {نَسُواْ ٱللَّهَ} النسيان مجاز عن الترك وهو كناية عن ترك الطاعة فالمراد لم يطيعوه سبحانه {فَنَسِيَهُمْ} منه لطفه وفضله عنهم، والتعبير بالنسيان للمشاكلة {إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ} أي الكاملون في التمرد والفسق الذي هو الخروج عن الطاعة والانسلاخ عن كل [خير] حتى كأنهم الجنس كله، ومن هنا صح الحصر المستفاد من الفصل وتعريف الخبر وإلا فكم فاسق سواهم. والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير، ولعله لم يذكر المنافقات اكتفاء بقرب العهد، ومثله في نكتة الاظهار قوله سبحانه: {وَعَدَ الله الْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتِ...}.

ابن عاشور

تفسير : يظهر أن تكون هذه الآية احتراساً عن أن يظنّ المنافقون أنّ العفو المفروض لطائفة منهم هو عفو ينال فريقاً منهم باقين على نفاقهم، فعقب ذلك ببيان أنّ النفاق حالة واحدة وأنّ أصحابه سواء، ليعلم بذلك أن افتراق أحوالهم بين عفو وعذاب لا يكون إلاّ إذا اختلفت أحوالهم بالإيمان والبقاءِ على النفاق، إلى ما أفادته الآية أيضاً من إيضاح بعض أحوال النفاق وآثاره الدالّة على استحقاق العذاب، ففصل هاته الجملة عن التي قبلها: إمّا لأنّها كالبيان للطائفة المستحقّة العذاب، وإمّا أن تكون استئنافاً ابتدائياً في حكم الاعتراض كما سيأتي عند قوله تعالى: {أية : كالذين من قبلكم}تفسير : [التوبة: 69] وإمّا أن تكون اعتراضاً هي والتي بعدها بين الجملة المتقدمة وبين جملة {أية : كالذين من قبلكم كانوا أشدّ منكم قوة}تفسير : [التوبة: 69] كما سيأتي هنالك. وزيد في هذه الآية ذكر {المنافقات} تنصيصاً على تسوية الأحكام لجميع المتّصفين بالنفاق: ذكورهم وإناثهم، كيلا يخطر بالبال أن العفو يصادف نساءهم، والمؤاخذة خاصّة بذُكرَانِهم، ليعلم الناس أنّ لنساء المنافقين حظّا من مشاركة رجالهنّ في النفاق فيحذروهنّ. و{مِنْ} في قوله: {بعضهم من بعض} اتّصالية دالّة على معنى اتّصال شيء بشيء وهو تبعيض مجازي معناه الوصلة والولاية، ولم يطلق على ذلك اسم الولاية كما أطلق على اتّصال المؤمنين بعضهم ببعض في قوله: {أية : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}تفسير : [التوبة: 71] لما سيأتي هنالك. وقد شمل قوله: {بعضهم من بعض} جميع المنافقين والمنافقات، لأنّ كلّ فرد هو بعض من الجميع، فإذا كان كلّ بعض متّصلاً ببعض آخر، عُلم أنّهم سواء في الأحوال. وجملة {يأمرون بالمنكر} مبيِّنة لمعنى الاتّصال والاستواءِ في الأحوال. والمنكر: المعاصي لأنّها ينكرها الإسلام. والمعروف: ضدّها، لأنّ الدين يعرفه، أي يرضاه، وقد تقدّما في قوله تعالى: {أية : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} تفسير : في سورة آل عمران (104). وقبض الأيدي: كناية عن الشحّ، وهو وصف ذمّ لدلالته على القسوة، لأنّ المراد الشحّ على الفقراء. والنسيانُ منهم مستعار للإشراك بالله، أو للإعراض عن ابتغاء مرضاته وامتثالِ ما أمر به، لأنّ الإهمال والإعراض يشبه نسيان المعرَض عنه. ونسيان الله إيَّاهم مُشاكلة أي حرمانه إياهم ممّا أعدَّ للمؤمنين، لأنّ ذلك يشبه النسيان عند قسمة الحظوظ. وجملة: {إن المنافقين هم الفاسقون} فذلكة للتي قبلها فلذلك فصلت لأنّها كالبيان الجامع. وصيغة القصر في {إن المنافقين هم الفاسقون} قصر ادّعائي للمبالغة لأنّهم لمّا بلغوا النهاية في الفسوق جعل غيرهم كمن ليس بفاسق. والإظهار في مقام الإضمار في قوله: {إن المنافقين} لزيادة تقريرهم في الذهن لهذا الحكم. ولتكون الجملة مستقلّة حتّى تكون كالمثل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: المنافقون: أي الذين يظهرون للمؤمنين الإِيمان بألسنتهم ويسترون الكفر في قلوبهم. بعضهم من بعض: أي متشابهون في اعتقادهم وقولهم وعملهم فأمرهم واحد. بالمنكر: أي ما ينكره الشرع لضرره أو قبحه وهو الكفر بالله ورسوله. عن المعروف: أي ما عرفه الشرع نافعاً فأمر به من الإِيمان والعمل الصالح. يقبضون أيديهم: أي يمسكونها عن الإِنفاق في سبيل الله. نسوا الله فنسيهم: أي تركوا الله فلم يؤمنوا به وبرسوله فتركهم وحرمهم من توفيقه وهدايته. عذاب مقيم: أي دائم لا يزول ولا يبيد. بخلاقهم: أي بنصيبهم وحظهم من الدنيا. وخضتم: أي في الكذب والباطل. والمؤتفكات: أي المنقلبات حيث صار عاليها سافلها وهي ثلاث مدن. بالبينات: الآيات الدالة على صدقهم في رسالاتهم إليهم. معنى الآيات: ما زال السياق في هتك استار المنافقين وبيان فضائهم لعلهم يتوبون. قال تعالى {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} أي كأبعاض الشيء الواحد وذلك لأن أمرهم واحد لا يختلف بعضهم عن بعض في المعتقد والقول العمل بيّن تعالى حالهم بقوله {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ} وهذا دليل على انتكاسهم وفساد قلوبهم وعقولهم، إذ هذا عكس ما يأمر به العقلاء، والمراد من المنكر الذي يأمرون به هو الكفر والعصيان، والمعروف الذي ينهون عنه هو الإِيمان بالله ورسوله وطاعتهما. وقوله تعالى {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} كناية عن الإِمساك وعدم البذل في الإِنفاق في سبيل الله. وقوله {نَسُواْ ٱللَّهَ} فلم يؤمنوا به ولم يؤمنوا برسوله ولم يطيعوا الله ورسوله {فَنَسِيَهُمْ} الله بأن تركهم محرومين من كل هداية ورحمة ولطف. وقوله {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} تقرير لمعنى {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}، إذ كفرهم بالله وبرسوله هو الذي حرمهم هداية الله تعالى ففسقوا سائر أنواع الفسق فكانوا هم الفاسقين الجديرين بهذا الوصف وهو الفسق والتوغل فيه. وقوله تعالى في الآية [68] {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ} أي كافيهم {وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي دائم لا يزول ولا يبيد ولا يفنى فقد حملت هذه الآية أشد وعيد لأهل النفاق والكفر إذ توعدهم الرب تعالى بنار جهنم خالدين فيها وبالعذاب المقيم الذي لا يبارحهم ولا يتركهم لحظة أبد الأبد وذلك بعد أن لعنهم الله فأبعدهم وأسحقهم من كل رحمة وخير. وفي الآية الثالثة [69] يأمر تعالى رسوله أن يقول للمنافقين المستهزئين بالله وآياته ورسوله: أنتم أيها المنافقون كأولئك الذين كانوا من قبلكم في الاغترار بالمال والولد والكفر بالله والتكذيب لرسوله حتى نزل بهم عذاب الله ومضت فيهم سنته في إهلاكهم هذا ما تضمنته الآية الكريمة إذ قال تعالى {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ} أي بنصيبهم الذي كتب لهم في الدنيا {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ} أي بما كتب لكم في هذه الحياة الدنيا {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي سواء بسواء {وَخُضْتُمْ} في الباطل والشر وبالكفر والتكذيب {كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} أي كخوضهم سواء بسواء أولئك الهالكون {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي تلاشت وذهبت ولم ينتفعوا منها بشيء، {وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}. وبما أنكم أيها المنافقون تسيرون على منهجهم في الكفر والتكذيب والاغترار بالمال والولد فسوف يكون مصيركم كمصيرهم وهو الخسران المبين. وقوله تعالى في الآية الرابعة [70] {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ وَأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي الآيات الدالة على توحيد الله وصدق رسوله وسلامة دعوتهم كما جاءكم أيها المنافقون رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بالبينات فكذبتم كما كذب الذين من قبلكم فنزل بهم عذاب الله فهلك قوم نوح بالطوفان وعاد بالريح العاتية، وثمود بالصاعقة، وقوم إبراهيم بسلب النعم وحلول النقم، وأصحاب مدين بالرجفة وعذاب الظلمة، والمؤتفكات بالمطر والإِئتفاك أي القلب بأن أصبح أعالي مدنهم الثلاث أسافلها، وأسافلها أعاليها، وما ظلمهم الله تعالى بما أنزل عليهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، وأنتم أيها المنافقون إن لم تتوبوا إلى ربكم سيحل بكم ما حل بمن قبلكم أو أشد لأنكم لم تعتبروا بما سبق. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إن المنافقين لما كان مرضهم واحد وهو الكفر الباطني كان سلوكهم متشابها. 2- الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف علامة النفاق وظاهرة الكفر وانتكاس الفطرة. 3- الاغترار بالمال والولد من عوامل عدم قبول الحق والإِذعان له والتسليم به. 4- تشابه حال البشر واتباع بعضهم لبعض في الباطل والفساد والشر. 5- حبوط الأعمال بالباطل وهلاك أهلها أمر مقضى به لا يتخلف. 6- وجوب الاعتبار بأحوال السابقين والاتعاظ بما لاقاه أهل الكفر منهم من عذاب.

القطان

تفسير : المنكر: كل ما تستنكره الفطرة السليمة ويستقبحه الشرع، وضده المعروف. نسوا الله فنسيهم: تركوا طاعة الله فجازاهم على نسيانهم بحرمانهم من الثواب. بخلاقهم: بنصيبهم خضتم: دخلتم في الباطل. حبطت اعمالهم: فسدت وذهبت. اصحاب مدْين: قوم شُعيب. المؤتفكات: قوم لوط. {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ}. ان اهل النفاق، رجالاً ونساءً، يتشابهون في صفِاتهم وأخلاقهم وأعمالهم، فهم يفعلون القبيح ويأمرون به، كالكذِب والخيانة وإخلافِ الوعد ونقض العهد. وفيه الحديث الصحيح عن ابي هريرة: "حديث : آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدَّث كَذَب، واذا وعد أخلَف، واذا ائتِمُنَ خان" تفسير : رواه البخاري ومسلم. وينهَون عن المعروف كالجِهاد في سبيل الله وبذْلِ المال، وهو الذي عبَّر عنه بقوله: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} أي يبخلون في بذْل المال في سبيل الله. {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. تركوا طاعةَ الله وخالفوا أوامره فجازاهم الله تعالى بحِرمانهم من رحمته ونسِيَهم، فلا وزنَ لهم ولا اعتبار. إنّهم خارجون عن الايمان، منحروف عن الصراط المستقيم، ولذلك وعدهم الله مصيراً كمصير الكفار، وبيَّن ما أعدّ لهم ولأمثالهم من العقاب جزاءً لهم فقال: {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}. وعد الله هؤلاء جميعاً نارَ جهنّم يدخلونها ويَصْلَونها خالدين فيها لا يخرجون منها أبدا، وهي حسبُهم عِقابا، وعليهِم مع هذا العقاب غضبُ الله وعذابه الدائم. ثم بعد ذلك يذكِّر الله تعالى هؤلاء القومَ بما كان من أسلافهم، ويبصِّرُهم بأنهم يسلكون طريقَهم، ويحذّرهم أن يُلاقوا مصيرَهم، لعلّهم يهتدون فيقول: {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ}. إنكم أيها المنافقون كأولئك المناقين الّذين خَلَوْا من قبلِكم، فإنهم كانوا أقوى منكم واكثّر اموالاً واولاداً، وقد اسمتَعوا بما قُدِّرَ لهم من حظوظ الدنيا، وأعرضوا عن ذِكر الله وتقواه، وقابلوا أنبياءَهم بالاستخفافِ وسخِروا منهم فيما بينم وبين أنفسِهم. وقد استمتعتُم أنتم بما قُدر لكم من ملاذّ الدنيا، وحَذَوْتم حذوهم ودخلتم في البالطل كما دخلوا، وخضتم فيما خاضوا فيه، وسلكتم سبيلَهم في طريق الضلال. {أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ }. إن أولئك المستمتعين بملذّاتهم في الدنيا، والخائضين في الباطل، بَطَلَت أعمالهم بطلانا أساسيا، فلم تنفعْهم في الدنيا ولا في الآخرة، وخسروا كل شيء وأنتم مثلهم في سوء الحال والمآل. ثم شاء ان ينبّههم ويحذرهم من سوء عاقبة اعمالهم، فاتجه من خطابهم الى خطاب عام، كأنما يَعجب من هؤلاء الذين يسيرون في طريق الهالكين، لعلّهم يعتبرون بالذين خلّوا من قبلهم، ويتّعِظون بهم، فيقول: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. أفلا يعتبر المنافقون والكافرون بحال الذين سبقوهم ممن ساروا في نفس الطريق الخاطئة، عَصَوا رسُلَهم وخالفوا أمر ربهم فأّخذهم العذاب!! ومن هؤلاء "قوم نوح" وقد غمرهم الطوفان وأغرقهم، وقوم "عاد" وقد أُهلِكوا بريحٍ صَرْصر عاتيه، و "ثمود" وقد أخذتْهم الصحيةُ، و "قوم ابراهيم" وقد أهلَك الله طاغيتَهم المتجبّر الذي حاول إحراق ابراهيم، "واصحاب مدين" وقد اصابتْهم الرجفةُ وخنقتْهم الظُلّة، "والمؤتفكات" قرى قوم لوط، وقد جعل الله عاليَها سافلَها وقطَع دابرَهم. ألم يأتِهم نبأ هؤلاء الذين "أتتهم رسُلُهم بالبينات" فكذّبوا بها، فأخذهم الله بذنوبهم!!، لقد ظلموا انفسَهم بكفرهم وتمرّدهم على الله، وإن كثيراً ممن يبتليهم الله بالقوة والنِعمة لتغشَى ابصارَهم وبصائرهم غشاوة، فلا يُبصرون مصارع الاقوياء قبلهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمُنَافِقُونَ} {وَٱلْمُنَافِقَاتُ} {ٱلْمُنَافِقِينَ} {الْفَاسِقُونَ} (67) - إِنَّ أهْلَ النِّفَاقِ رِجَالاً وَنِسَاءً، يَتَشَابَهُونَ فِي صِفَاتِهِمْ وَأَخْلاَقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، يَأْمُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِفِعْلِ المُنْكَرِ، كَالكَذِبِ وَالخِيَانَةِ، وَإِخْلافِ الوَعْدِ، وَنَقْضِ العَهْدِ .. وَيَنْهَوْنَ عَنْ فِعْلِ الخَيْرِ وَالمَعْرُوفِ: كَالجِهَادِ، وَبِذْلِ المَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيَضِنُّونَ بِالإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ البِرِّ وَالطَّاعَاتِ وَالإِحْسَانِ إِلَى عِبَادِ اللهِ .. وَقَدْ نَسُوا أَنْ يَتَقَرَّبُوا إِلى اللهِ تَعَالَى بِفِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ، وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَاتَّبَعُوا خُطُواتِ الشَّيْطَانِ، فَجَازَاهُمُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ بِحِرْمَانِهِمْ مِنْ لُطْفِهِ وَتَوْفِيِقِهِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنَ الثَّوَابِ فِي الآخِرَةِ. وَالمُنَافِقُونَ هُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ فُسُوقاً، وَخُرُوجاً عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَانْسِلاَخاً مِنَ الفَضَائِلِ الفِطْريَّةِ السَّلِيمَةِ. يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ - لاَ يَبْسُطَونَ أَيْدِيَهُمْ فِي خَيْرٍ وَلاَ فِي طَاعَةٍ شُحّاً. فَنَسِيَهُمْ - فَتَرَكَهُمْ مِنْ تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ثم يعود سبحانه وتعالى إلى الأحكام التكليفية، وعادة تكون الأحكام التكليفية من الله كلها على الذكورة، وليس فيها على الأنوثة إلا عدد قليل من الآيات مثل قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ...} تفسير : [الحجرات: 11]. وقوله تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ...} تفسير : [النحل: 97]. أما باقي الأحكام فتنصبُّ على الذكورة، وتدخل الإناث في الأحكام لأن الأنوثة مبنية على السِّتْر في الذكورة. ولكنه كان لا بد هنا من ذكر المنافقين والمنافقات على كل حدة؛ لأن للرجال مجالس، وللنساء مجالس، ولكل منهما أفعال وأقوال تختلف عن الآخرين.. ولذلك كان لا بد من النص على المنافقات. وقوله الحق سبحانه: {بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} أي: لا يتميز أحد من المنافقين والمنافقات عن الآخر في الخسة والقبح والفضائح، ويحدد الله خصالهم في قوله تعالى: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} فهم إن فعل الناس معروفاً ينهونهم عنه، بل إنهم يشجعونهم على فعل المنكر، وهم لا ينفقون في سبيل الله إذا طُلِبَ منهم الإنفاق. ثم يقول الحق سبحانه: {نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} وهل يُنْسَى الحق سبحانه وتعالى بالفطرة؟ لا، ولكن المقصود أنهم نسوا مطلوبات الله وتكاليفه فنساهم الله أي أهملهم، فمن يبعد عن الله يزده الله بُعْداً، مصداقاً لقوله تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً ...} تفسير : [البقرة: 10]. فإن كنت مسروراً من أنك نسيت الله فسيزيدك نسياناً، ويختم على قلبك فلا يخرج منه الكفر أبداً. ثم يعطي الحق سبحانه الحكم: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} وكلمة "منافق" - كما نعرف - مأخوذة من نفقاء اليربوع، وهو حيوان يشبه الفأر ويسكن في الصحراء ويحفر لنفسه نفقاً في الأرض؛ له بابان، وإنْ ترصَّد له الصائد عند أحدهما خرج من الثاني، وهكذا ترى أن المنافق له وجهان. والفسوق معناه الخروج عن منهج الطاعة؛ وهو مأخوذ من "فسقت الرطب" أي: انفصلت القشرة عن الثمرة. والقشرة - كما نعلم - مخلوقة لصيانة الثمرة؛ فإذا فسقت عنها تلفت الثمرة. والإنسان إذا فسق خرج عن طاعة الله. ثم يأتي الله بما أعدَّه للمنافقين فيقول: {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} معناهُ يَمسِكونَ أَيديَهُم عَنِ الخَيرِ والصَّدقةِ.

الأندلسي

تفسير : {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} الآية، بيّن سبحانه وتعالى أن ذكورهم وإناثهم ليسوا من المؤمنين، كما قال تعالى: {أية : وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ}تفسير : [التوبة: 56]، بل بعضهم من بعض في الحكم والمنزلة والنفاق، فهم على دين واحد، وليس المعنى على التبعيض حقيقة لأن ذلك معلوم، ووصفهم بخلاف ما عليه المؤمنون من أنهم: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ} وهو الكفر وعبادة غير الله والمعاصي. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ} وهو الإِيمان والطاعات. وقبض الأيدي عبارة عن عدم الإِنفاق في سبيل الله. والنسيان هنا الترك، تركوا طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. {فَنَسِيَهُمْ} أي تركهم من الخير، وأما من الشر فلم ينسهم منه. {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ} الآية، والكفار هنا المعلنون بالكفر، وخالدين فيها حال مقدرة لأن الخلود لم يقارن الوعد. و{حَسْبُهُمْ} كافيهم، وذلك مبالغة في عظم عذابهم إذ عذابهم شىء لا يزاد عليه، ولعنهم أهانهم مع التعذيب، ولما ذكر تشبيههم بمن قبلهم وذكر ما كانوا فيه من شدة القوة وكثرة الأولاد والأموال واستمتاعهم بما قدر لهم من الانصباء، شبه استمتاع المنافقين باستمتاع الذين من قبلهم وأبرزهم بالإِسم الظاهر فقال: كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم، ولم يكن التركيب كما استمتعوا بخلاقهم ليدل بذلك على التحقير، لأنه كما يدل بإِعادة الظاهر مكان المضمر على التفخيم والتعظيم كذلك يدل بإِعادته على التحقير والتصغير لشأن المذكور كقوله تعالى: {أية : يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً}تفسير : [مريم: 44]. وكقوله: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. ولم يأت التركيب أنه كان ولا انهم هم. {وَخُضْتُمْ} أي دخلتم في اللهو والباطل، وهو مستعار من الخوض في الماء. ولا يستعمل إلا في الباطل لأن التصرف في الحق إنما هو على ترتيب ونظام، وأمور الباطل إنما هي خوض. ومنه قوله عليه السلام: حديث : رُبّ متخوض في مال الله له النار يوم القيامة . تفسير : {كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} أي كالخوض الذي خاضوا، قاله الفراء. وقيل: كالفوج الذي خاضوا. وقيل: النون محذوفة، أي كالذين خاضوا أي كخوض الذين خاضوا. وقيل: الذي مع ما بعدها ينسبك مصدراً أي كخوضهم. والظاهر أن أولئك إشارة إلى الذين وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والأولاد، والمعنى وأنتم كذلك تحبط أعمالكم. {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في الرغبة في الدنيا وتكذيب الأنبياء. وكان لفظ: الذين من قبلهم، فيه إبهام نص على طوائف بأعيانها ستة لأنه كان عندهم شىء من أنبائهم وكانت بلادهم قريبة من بلاد العرب، وكانوا أكثر الأمم عدداً وأنبياؤهم أعظم الأنبياء، نوح أول الرسل وإبراهيم الأقرب للعرب، وما بينهما من الأمم مقاربون لهم في الشدة وكثرة المال والولد، وقوم نوح أهلكوا بالغرق، وعاد بالريح، وثمود بالصيحة، وقوم إبراهيم بسلب النعمة عنهم، حتى سلطت البعوضة على نمرود مَلِكهم، وأصحاب مدين بعذاب يوم الظلمة، والمؤتفكات بجعل أعالي أرضها أسافل وإمطار الحجارة عليهم. {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ} لما ذكر تعالى المنافقين والمنافقات وما هم عليه من الأوصاف القبيحة والأعمال الفاسدة، ذكر المؤمنين والمؤمنات وقال في أولئك بعضهم من بعض، وفي هؤلاء بعضهم أولياء بعض، إذ لا ولاية بين المنافقين ولا شفاعة لهم، ولا يدعو بعضهم لبعض، فكان المراد هنا الولاية لله خاصة. {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} الآية، لما أعقب المنافقين بذكر ما أوعدهم به من نار جهنم أعقب المؤمنين بذكر ما وعدهم به من نعيم الجنات ولما كان قوله: أولئك سيرحمهم الله وعداً جمالياً فصله هنا تنبيهاً على أن تلك الرحمة هي هذه الأشياء.

الجيلاني

تفسير : فعليكم أيها المؤمنون أن تعبذوهم ذكراً أو أنثى؛ إذ {ٱلْمُنَافِقُونَ} المصرون على النفاق أصالة {وَٱلْمُنَافِقَاتُ} المصرات عليه تبعاً {بَعْضُهُمْ} ناشئ {مِّن بَعْضٍ} يتظاهرون ويتعاونون في نفاقهم {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ} على عكس المؤمنين {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} عن الخيرات والمبرات كلها، وما ذلك إلا أنهم {نَسُواْ ٱللَّهَ} المظهر الموجد لهم بالإعراض عن حكمه وإيذاء رسوله المبين لأحكامه {فَنَسِيَهُمْ} الله أيضاً، ولم ينظر إليهم بنظر الرحمة {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} المصرين على النفاق، المتمردين عن الوفاق {هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] المقصورون على الخروج عن مقتضى أمر الله وحكمه. لذلك {وَعَدَ الله} المنتقم القادر على أنواع الانتقام {الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ} المجاهرين بلا تفاوت {نَارَ جَهَنَّمَ} لا نجاة لهم منها أصلاً، بل {خَالِدِينَ فِيهَا} أبداً {هِيَ} أي: النار {حَسْبُهُمْ} ي: محسبهم وقرينهم {وَ} مع ذلك {لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي: طردهم وأبعدهم عن سعة رحمته {وَلَهُمْ} بسبب طرد الله إياهم ولعنه {عَذَابٌ} عظيم فوق عذاب جهنم {مُّقِيمٌ} [التوبة: 68] دائم غير منقطع، يتألمون طرد الله إياهم ويتعذبون، ولا عذاب أعظم من حرمان الوصول إلى جنة الحضور. وأعوذك بك منك، لا ملجأ لنا غيرك. وبالجملة: مثلكم أيها المتمردون المنهمكون في الكفر والضلال، المصرون على النفاق والعناد، المعاندون مع الله ورسوله {كَٱلَّذِينَ} أي: كمثل الكفرة الذين مضوا {مِن قَبْلِكُمْ} بطرين مفتخرين بما عندمم من حطام الدنيا ومزخرفاتها، بل هم {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً} وقدرة {وَأَكْثَرَ} منكم {أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ} أي: نصيبهم وحظهم مما قدر لهم من لذات الدنيا وشهواتها، واستكبروا على من أرسل عليهم لتكميلهم وإرشادهم. {فَاسْتَمْتَعْتُمْ} أيضاً {بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ} أي: أخذتم وشرعتم في الأباطيل وتكذيب الرسول والمعاداة معه، وقصد إيذائه وقتله وقتل من آمن له {كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} وشرعوا في حق أنبيائهم ورسلهم، انظروا إلى وخامة عاقبتهم، وكيف استؤصلوا فانتظروا لمثله، بل بأشد منها؟! وبالجملمة: {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء المردودين عن منهج الرشاد والسداد {حَبِطَتْ} أي: هلكت واضمحلت، وبطلت {أَعْمَالُهُمْ} التي عملوها؛ لتفيدهم وتنفعهم {فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ} فلم ينفعهم أصلاً لا في الأولى ولا في الأخرى؛ لعدم مقارنتها بالإيمان وتصديق الرسول {وَأُوْلَئِكَ} الضالون عن طريق الحق {هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [التوبة: 69] المقصورون على الخسران، المقضيون بالحرمان والخذلان. وبالجملة: مثلكم أيها المنافقون كمثلهم، بل أنتم أسوأ حالاً منه؛ إذ نبيكم الذي كذبتم به أعلى رتبة من جميع الأنبياء.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ } لأنهم اشتركوا في النفاق، فاشتركوا في تولي بعضهم بعضا، وفي هذا قطع للمؤمنين من ولايتهم. ثم ذكر وصف المنافقين العام، الذي لا يخرج منه صغير منهم ولا كبير، فقال: { يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ } وهو الكفر والفسوق والعصيان. { وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ } وهو الإيمان، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة، والآداب الحسنة. { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } عن الصدقة وطرق الإحسان، فوصفهم البخل. { نَسُوا اللَّهَ } فلا يذكرونه إلا قليلا { فَنَسِيَهُمْ } من رحمته، فلا يوفقهم لخير، ولا يدخلهم الجنة، بل يتركهم في الدرك الأسفل من النار، خالدين فيها مخلدين. { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } حصر الفسق فيهم، لأن فسقهم أعظم من فسق غيرهم، بدليل أن عذابهم أشد من عذاب غيرهم، وأن المؤمنين قد ابتلوا بهم، إذ كانوا بين أظهرهم، والاحتراز منهم شديد. { وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } جمع المنافقين والكفار في النار، واللعنة والخلود في ذلك، لاجتماعهم في الدنيا على الكفر، والمعاداة للّه ورسوله، والكفر بآياته.

همام الصنعاني

تفسير : 1107- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ}: [الآية : 67]، قال: يقبضون أيديهم عن كل خير.