٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
69
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} قال الزجاج: الكاف في موضع نصب، أي وعد الله الكفار نار جهنم وعداً كما وَعَد الذين من قبلهم. وقيل: المعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف؛ فحذف المضاف. وقيل: أي أنتم كالذين من قبلكم؛ فالكاف في محل رفع لأنه خبر ابتداء محذوف. ولم ينصرف «أشَدَّ» لأنه أفعل صفة. والأصل فيه أَشْدَد، أي كانوا أشدّ منكم قوّة فلم يتهيأ لهم ولا أمكنهم رفع عذاب الله عزّ وجلّ. الثانية ـ روى سعيد عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «تأخذون كما أخذت الأُمم قبلكم ذراعاً بذراع وشبراً بشبر وباعاً بباع حتى لو أن أحداً من أُولئك دخل جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه». قال أبو هريرة: وإن شئتم فٱقرءوا القرآن: {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ} ـ قال أبو هريرة: والخَلاَق الدِّين ـ {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ} حتى فرغ من الآية. قالوا: يا نبيّ الله، فما صنعت اليهود والنصارى؟ قال: «وما الناس إلاَّ هم»تفسير : . وفي الصحيح عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : «لتَتَّبِعُنّ سنَن مَنْ قبلَكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضَبّ لدخلتموه» قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن»تفسير : ؟ وقال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم. ونحوه عن ابن مسعود. الثالثة ـ قوله تعالى: {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ} أي انتفعوا بنصيبهم من الدِّين كما فعل الذين من قبلهم. {وَخُضْتُمْ} خروج من الغيبة إلى الخطاب. {كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} أي كخوضهم. فالكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف؛ أي وخضتم خوضاً كالذين خاضوا. و «الذي» اسم ناقص مثلُ مَن، يعبّر به عن الواحد والجمع. وقد مضى في «البقرة». ويقال: خُضْت الماء أخوضه خَوْضاً وخِياضاً. والموضع مخاضَة؛ وهو ما جاز الناسُ فيها مُشاةً ورُكباناً. وجمعها المخَاض والمَخاوِض أيضاً؛ عن أبي زيد. وأخضت دابتي في الماء. وأخاض القوم، أي خاضت خيلهم. وخضت الغَمرات: اقتحمتها. ويقال: خاضه بالسيف، أي حرّك سيفه في المضروب. وخَوّض في نَجِيعه شدّد للمبالغة. والمِخْوَض للشّراب كالمِجْدح للسَّويق؛ يقال منه: خضت الشراب. وخاض القوم في الحديث وتخاوضوا أي تفاوضوا فيه؛ فالمعنى: خضتم في أسباب الدنيا باللّهو واللعب. وقيل: في أمر محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب. {أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ} بطلت. وقد تقدّم. {أَعْمَالُهُمْ} حسناتهم. {وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} وقد تقدّم أيضاً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: أصاب هؤلاء من عذاب الله في الدنيا والآخرة كما أصاب من قبلهم، وقوله: {بِخَلَـٰقِهِمْ} قال الحسن البصري: بدينهم، وقوله: {وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} أي: في الكذب والباطل {أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ} أي: بطلت مساعيهم، فلا ثواب لهم عليها؛ لأنها فاسدة {فِي ٱلدنْيَا وَٱلأَخِرَةِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب. قال ابن جريج عن عمرو بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} الآية، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} هؤلاء بنو إسرائيل، شبهنا بهم، لا أعلم إلا أنه قال: «حديث : والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه» تفسير : قال ابن جريج: وأخبرني زياد بن سعد عن محمد بن زياد بن مهاجر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، وباعاً بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» تفسير : قالوا: ومن هم يا رسول الله أهل الكتاب؟ قال: «حديث : فمن؟» تفسير : وهكذا رواه أبو معشر عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وزاد: قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم القرآن {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} الآية، قال أبو هريرة: الخلاق: الدين، {وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم؟ قال: «حديث : فهل الناس إلا هم؟» تفسير : وهذا الحديث له شاهد في الصحيح.
المحلي و السيوطي
تفسير : أنتم أيها المنافقون {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوٰلاً وَأَوْلَٰدًا فَٱسْتَمْتَعُواْ } تمتعوا {بِخَلَٰقِهِمْ } نصيبهم من الدنيا {فَاسْتَمْتَعْتُمْ } أيها المنافقون {بِخَلٰقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَٰقِهِمْ وَخُضْتُمْ } في الباطل والطعن في النبي صلى الله عليه وسلم {كَٱلَّذِي خَاضُواْ } أي كخوضهم {أُوْلَٱئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلأَخِرَةِ وَأُوْلَٱئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {...فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاَقِهِمْ..}. قيل بنصيبهم من خيرات الدنيا. ويحتمل استمتاعهم باتباع شهواتهم. وفيه وجه ثالث: أنه استمتاعهم بدينهم الذي أصروا عليه. {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوآ} فيه وجهان: أحدهما: في شهوات الدنيا. والثاني: في قول الكفر. وفيهم قولان: أحدهما: أنهم فارس والروم. والثاني: أنهم بنو اسرائيل.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِخَلاقِهِمْ} بنصيبهم من خيرات الدنيا. {وَخُضْتُمْ} في شهوات الدنيا، أو في قول الكفر. {كَالَّذِى خَاضُوَاْ} فارس والروم، أو بنو إسرائيل.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}: أي: أنتم، أيها المنافقُونَ، كالذين مِنْ قبلكم كانوا أشدَّ منكم قوةً، فَعَصَوْا؛ فأهلكوا؛ فأنتم أولَى بالإِهلاك لمعصيتكم وضَعْفِكم، والخَلاَقُ: الحَظُّ من القَدْرِ والدينِ وجميعِ حال المَرْءِ، فخلاقُ المَرْء: الشيء الذي هُوَ به خليقٌ، والمعنى: عَجَّلوا حَظَّهم في دنياهم، وتركُوا الآخِرَة، فٱتبعتموهم أنتُمْ، {أُوْلَٰـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ}: المعنى: وأنتم أيضاً كذلك، ويحتمل أنْ يريد بـــ {أُوْلَـٰئِكَ}: المنافقين. وقوله سبحانه: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ...} الآية: المعنى ألم يأتِ هؤلاءِ المنافقين خَبَرُ الأُمم السالفة التي عَصَتِ اللَّه؛ بتكْذيب رسله، فأهلكها، و{قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ }: نُمْرُود وأصحابه وأَتْبَاعَ دَوْلَته، {وِأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ} قومُ شُعَيْب، {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ}: أهلُ القرى الأربعةِ أو السَّبْعة التي بعث إِليهم لوطٌ عليه السلام، ومعنى {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ}: المنصرفَاتُ والمنْقَلِبَاتُ أُفِكَتْ فَأْتَفَكَتْ لأنها جعل عاليها سافلها، ولفظ البخاريِّ: {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ}: ائتفكت: ٱنقلَبَتْ بهم الأرضُ. انتهى. والضمير في {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم}: عائدٌ على هذه الأمم المذكورة، ثم عقَّب سبحانه بذكْر المؤمنين، وما مَنَّ به علَيْهِمْ مِنْ حُسْن الأعمال؛ ترغيباً وتنشيطاً؛ لمبادرة ما به أَمَرَ؛ لطفاً منه بعباده سبحانه، لا ربَّ غيْرُهُ، ولا خَيْر إِلا خيره. وقوله سبحانه: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ}: قال ابن عباس: هي الصلوات الخمس. قال * ع *: وبحسب هذا تكون الزَّكَاةُ هي المفروضةُ، والمَدْحُ عندي بالنوافلُ أبلغُ؛ إِذ من يقيم النوافِلَ أحْرَى بإِقامة الفَرْض، والسين في قوله: {سَيَرْحَمُهُمُ}: مُدْخِلَةٌ في الوَعْدِ مُهْلَةً؛ لتكون النفوسُ تنعم برجائه سبحانه، وفَضْلُه سبحانه زعيمٌ بالإِنجاز، وذكَر الطبريُّ في قوله تعالى: {وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةً}، عن الحسن أنَّه سأل عنها عِمْرَانَ بنَ حُصَيْن وأبا هريرة، فقالا: على الخَبِيرِ سَقَطَت! سَأَلْنَا عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: « قَصْرٌ فِي الجَنَّةِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فِيهِ سَبْعُونَ دَاراً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاء، في كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ بَيْتاً مِنْ زُمُرُّذةٍ خَضْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيراً » ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ، ويقرب منها، فٱختصرتها طَلَبَ الإِيجاز. * ت *: وتمام الحديث من «الإِحياءِ»، وكتاب الآجُرِّيِّ المعروف بـ «كتاب النصيحة»، عن الحسن عن عمرانَ بن حُصَيْن وأبي هريرة، قالا: « على كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِرَاشاً مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، وفِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مَائِدةٍ، عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْناً مِنَ الطَّعَامِ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وَصِيفَةً، وَيُعْطَى المُؤْمِنُ فِي كُلِّ غَدَاةٍ مِنَ القُوَّةِ مَا يَأَتِي عَلَى ذَلِكَ أَجْمَعَ»، وأما قوله سبحانه: {وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}، ففي الحديث الصحيح؛ « حديث : أَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ يَقُولُ لِعِبَادِهِ إِذَا ٱسْتَقَرُّوا فِي الجَنَّةِ: هَلْ رَضِيتُمْ؟! فَيَقُولُونَ: وَكَيْفَ لاَ نَرْضَى، يَا رَبَّنَا؟ فَيَقُولُ: إِنِّي سَأُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، رِضْوَانِي، أَرْضَى عَنْكُمْ؛ فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدا.... » تفسير : الحديث، وقوله: {أَكْبَرُ}: يريد: أَكْبَرُ من جميعِ ما تقدَّم، ومعنى الآيةِ والحديث مُتَّفِقٌ، وقال الحسن بن أبي الحسن: وصل إِلى قلوبهم برضْوَانِ اللَّهِ مِن اللَّذَّة والسُّرور ما هو أَلَذُّ عندهم وأقرُّ لأَعينهم من كل شيء أصابُوه من لَذَّة الجَنَّة، قال الإِمام الفَخْر: وإِنما كان الرضوان أَكْبَرَ؛ لأَنه عند العارفين نَعِيمٌ رُوحَانِيٌّ، وهو أشرفُ من النعيم الجِسْمَانيِّ. انتهى. ٱنْظُرْهُ في أوائل «آل عمران». قال * ع *: ويظهر أن يكون قوله تعالى: {وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } إِشارةً إِلى منازل المقرَّبين الشاربين مِنْ تسنيمٍ، والذين يَرَوْنَ كما يُرَى النَّجْمُ الغَابِرُ في الأُفُق، وجميعُ من في الجنة رَاضٍ، والمنازل مختلفةٌ، وفضْلُ اللَّه مُتَّسِع، و{ٱلْفَوْزُ }: النجاةُ والخَلاَصُ، ومن أُدْخِلَ الجنة فقد فاز، والمقرَّبونَ هم في الفوز العظيم، والعبارةُ عندي بـــ «سرور وكمالٍ» أجوَدُ من العبارة عنها بـــ «لذة»، واللَّذَّة أيضاً مستعملة في هذا.
ابو السعود
تفسير : {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} التفاتٌ من الغَيبة إلى الخطاب للتشديد والكافُ في محل الرفعِ على الخبرية، أي أنتم مثلُ الذين مِن قبلكم {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوٰلاً وَأَوْلَـٰدًا} تفسيرٌ وبـيانٌ لِشَبَههم بهم وتمثيلٌ لحالهم بحالهم {فَٱسْتَمْتَعُواْ} تمتعوا، وفي صيغة الاستفعالِ ما ليس في صيغة التفعلِ من الاستزادة والاستدامةِ في التمتع {بِخَلَـٰقِهِمْ} بنصيبهم من ملاذ الدنيا، واشتقاقُه من الخَلْق بمعنى التقدير وهو ما قُدّر لصاحبه {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلـٰقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ} الكاف في محل النصبِ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي استمتاعاً كاستمتاع {ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم بِخَلَـٰقِهِمْ} ذمّ الأولين باستمتاعهم بحظوظهم الخسيسةِ من الشهوات الفانيةِ والتهائِهم بها عن النظر في العواقب الحقةِ واللذائذ الحقيقيةِ تمهيداً لذم المخاطبـين بمشابهتهم إياهم واقتفائِهم أثرَهم {وَخُضْتُمْ} أي دخلتم في الباطل {كَٱلَّذِي خَاضُواْ} أي كالذين بإسقاط النونِ أو كالفوج الذي أو كالخوض الذي خاضوه {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى المتصفين بالأوصاف المعدودةِ من المشبَّهين والمشبَّهة بهم لا إلى الفريق الأخير فقط فإن ذلك يقتضي أن يكون حُبوطُ أعمالِ المشبهين وخسرانُهم مفهومَين ضمناً لا صريحاً ويؤدي إلى خلوّ تلوينِ الخطابِ عن الفائدة إذ الظاهرُ حينئذ أولئكم والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلُح للخطاب أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الأفعال الذميمة. {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ} ليس المرادُ بها أعمالَهم المعدودةَ كما يُشعر به التعبـيرُ عنهم باسم الإشارةِ فإن غائلتَها غنيةٌ عن البـيان بل أعمالَهم التي كانوا يستحقون بها أجوراً حسنةً لو قارنت الإيمان، أي ضاعت وبطَلت بالكلية ولم يترتب عليها أثرٌ {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ} بطريق المثوبةِ والكرامةِ، أما في الآخرة فظاهرٌ وأما في الدنيا فلأنّ ما يترتب على أعمالهم فيها من الصحةِ والسعة وغيرِ ذلك حسبما ينبىء عنه قولُه عز وجل: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ }تفسير : [هود: 15] ليس ترتبُه عليها على طريقه المثوبةِ والكرامة بل بطريق الاستدراج {وَأُوْلـئِكَ} أي الموصوفون بحُبوط الأعمالِ في الدارين {هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} الكاملون في الخسران في الدارين الجامعون لمباديه وأسبابِه طراً فإنه قد ذهبت رؤوسُ أموالِهم التي هي أعمالُهم فيما ضرَّهم ولم تنفعْهم قطّ ولو أنها ذهبت فيما لا يضرهم ولا ينفعهم لكفى به خسراناً، وإيرادُ اسمِ الأشارة في الموضعين للإشعار بعلية الأوصافِ المُشارِ إليها للحبوط والخسران.
القشيري
تفسير : يقال: سلكتم طريقَ مَنْ قَبْلَكم من الكفار وأهل النفاق وقد كافأناهم. ويقال الذين تقدموكم زادوا عليكم فكافأناهم كما نكافئ أهل الشقاق والنفاق؛ في كثرة المدَّةِ وقوةِ العُدَّةِ، والاستمتاع في الدنيا، والاغترار بالانخراط في سِلْك الهوى.. ولكن لم تَدُمْ في الراحة مُدَّتُهم، ولم تُغْنِ عنهم يومَ الشِدَّةِ عُدَّتُهم، وعما قريبٍ يَلْحَقُ بِكُم ما لَحِقَ بالذين هم قبلكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {كالذين من قبلكم} اى انتم ايها المنافقون مثل الذين من قبلكم من الامم المهلكة {كانوا اشد منكم قوة} [يعنى بتن ازشما قوى تربودند] {واكثر اموالا واولادا فاستمتعوا بخلاقهم} اى تمتعوا بنصيبهم من ملاذ الدنيا سمى النصيب خلاقا لانه مشتق من الخلق بمعنى التقدير ونصيب كل واحد هو الخير المقدر له {فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} الكاف فى محل النصب على انه نعت لمصدر محذوف اى استمتاعا كاستمتاعهم وليس فى الآية تكرار لان قوله فاستمتعوا بخلاقهم ذم للاولين بالاشتغال بالحظوظ الفانية وذمهم بذلك تمهيد لذم المخاطبين بسلوكهم سبيل الاولين وتشبيه حالهم بحالهم {وخضتم} اى دخلتم فى الباطل وشرعتم فيه {كالذى} اى كالفوج الذى {خاضوا} ويجوز ان يكون اصله الذين حذفت النون تخفيفا {اولئك} الموصوفون بما ذكر من الافعال الذميمة من المشبهين والمشبه بهم والخطاب لرسول الله او لكل من يصلح للخطاب {حبطت اعمالهم} التى كانوا يستحقون بها الاجور لو قارنت الايمان مثل الانفاق فى وجوه الخير وصلة الرحم وغير ذلك اى ضاعت وبطلت بالكلية ولم يترتب عليها اثر {فى الدنيا والآخرة}. اما فى الآخرة فظاهر. واما فى الدنيا فلأن ما يترتب على اعمالهم فيها من الصحة والسعة وغير ذلك حسبما ينبئ عنه قوله تعالى {أية : من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف اليهم اعمالهم فيها وهم لا يبخسون} تفسير : [هود: 15] ليس ترتيبه عليها على طريق المثوبة والكرامة بل بطريق الاستدارج {واولئك} الموصوفون بحبوط الاعمال فى الدارين {هم الخاسرون} الكاملون فى الخسران فى الدارين الجامعون لمباديه واسبابه طرا فانه قد ذهبت رؤوس اموالهم فيما ضرهم ولم ينفعهم قط ولو انها ذهبت فيما لا يضرهم ولا ينفعهم لكفى به خسرانا: قال السعدى قدس سره شعر : قيامت كه بازار مينو نهند منازل باعمال نيكو نهند بضاعت بجند انكه آرى برى اكر مفلسى شر مسارى برى كه بازار جند انكه آكنده تر تهى دست را دل برا كنده تر
الطوسي
تفسير : الكاف في قوله {كالذين} في موضع نصب، والتقدير احذروا أن يحل بكم من العذاب والعقوبة كالذين. ويحتمل أن يكون المراد وعدكم الله على الكفر كما وعد الذين من قبلكم، فشبه المنافقين في عدولهم عن أمر الله للاستمتاع بلذات الدنيا بمن قبلكم مع أن عاقبة امر الفريقين يؤل إلى العقاب مع أن الأولين كانوا أشد من هؤلاء قوة في ابدانهم وأطول اعماراً واكثر اموالا وأشد تمكيناً فلم يقدروا ان يدفعوا عن نفوسهم ما حل بهم من عقاب الله. وقوله {فاستمتعوا بخلاقهم} فالاستمتاع هو طلب المتعة وهي فعل ما فيه اللذة من المآكل والمشارب والمناكح. ومعناه انهم تمتعوا بنصيبهم من الخير العاجل وباعوا بذلك الخير الآجل فهلكوا بشر استبدال، كما تمتعتم ايها المنافقون بخلاقكم اي بنصيبكم والخلاق النصيب سواء كان عاجلا او آجلا. وقوله {وخضتم كالذي خاضوا} خطاب للمنافقين بأن قيل لهم خضتم في الباطل والكذب على الله كالذين تابعوهم على ذلك من المنافقين وغيرهم من الكفار {حبطت أعمالهم} لأنهم كانوا أوقعوها على خلاف ما أمرهم الله به فلم يستحقوا عليها ثواباً بل استحقوا عليها العقاب، فلذلك كانوا خاسرين أنفسهم ومهلكين لها بفعل المعاصي المؤدي إلى الهلاك وروي عن ابن عباس انه قال في هذه الآية: ما أشبه الليلة بالبارحة كذلك من قبلكم هؤلاء بنوا اسرائيل لشبهنا بهم لا أعلم إلا انه قال "حديث : والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم حجر ضب لدخلتموه" تفسير : ومثله روي عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وعن ابي سعيد الخدري مثله.
الجنابذي
تفسير : {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} حال من واحدة من الجمل السّابقة او متعلّق بواحد من الافعال السّابقة او مستأنف خبر مبتدء محذوف اى انتم مثل الّذين من قبلكم فى نفاقهم واستمتاعهم وحبط اعمالهم وخسرانهم فهو التفات من الغيبة الى الخطاب وتفظيع آخر لهم بتشبيههم بمن هو مثل عندهم فى الفظاعة، والتّعنّت تنشيطاً للسّامعين الى الاستماع {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} استيناف او حال من الموصول او من المستتر فى الظّرف والمقصود بيان قوّة اسباب الخوض فى الشّهوات فيهم ليكون غاية تفظيع لهم فانّ الخوض فى الشّهوات من الفقير اقبح فاذا كانوا مع ضعفهم فى اسباب الخوض فى الشّهوات مثل السّابقين الّذين كانوا اقوى منهم فى اسباب الخوض فى الشّهوات كانوا اقبح منهم {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ} نصيبهم من الشّهوات {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ} مثلهم مع انّكم كنتم أضعف منهم وأقلّ مالاً واولاداً، ولمّا لم يعلم من السّابق انّ الّلاحقين استمتعوا مثل السّابقين صريحاً وكان التّطويل مناسباً قال {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ} فى الشّهوات والملاهى {كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} كالخوض الّذى خاضوا او كالّذين خاضوا بجعل الّذى بمعنى الّذين لارادة الجنس منه {أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ} اشارةٌ الى السّابقين وتعريضٌ باللاّحقين بانّهم اولى منهم بحبط الاعمال لضعفهم فى اسباب الشّهوات وخوضهم مع ذلك فيها مثلهم، او اشارة الى السّابقين واللاّحقين بصرف الخطاب الى محمّد (ص)، او اشارة الى اللاّحقين لانّ الكلام فيهم والاتيان باسم الاشارة البعيدة لتأكيد الحكم وتصويرهم باوصافهم الفظيعة وتبعيدهم عن مرتبة التّخاطب كما انّ تكراره فى قوله {وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} والاتيان بضمير الفصل وتعريف المسند كان لذلك وللحصر.
الأعقم
تفسير : {كالذين من قبلكم}، قيل: معناه فعلهم كفعل الذين من قبلهم، وقيل: لعنهم الله تعالى كلعن الذين من قبلهم كفار الأمم الخالية {كانوا أشد منهم قوة}، قيل: بطشاً {فاستمتعوا بخلاقهم} أي بنصيبهم من الدنيا {فاستمتعتم بخلاقكم} بنصيبكم {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} بنصيبهم الذي قدر لهم، قوله تعالى: {وخضتم كالذي خاضوا} دخلتم في الكفر والباطل والكذب على الله تعالى ورسوله والاستهزاء بدينه كما خاض الذين من قبلكم {وأولئك هم الخاسرون} خسروا نعيم الجنة وأبقوا أنفسهم في العذاب الدائم {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم} يعني قبل هؤلاء المنافقين والكافرين أي خبر الذين من قبلهم من الأمم الماضية حين عصوا الله ورسوله وخالفوا أمره حتى أهلكهم الله تعالى لأن قوم نوح أهلكوا بالطوفان {وعاد} وهم قوم هود أهلكوا بالريح الصرصر {وثمود} قوم صالح أهلكوا بالرجفة {وقوم ابراهيم} بسلب النعمة وهلك نمرود {وأصحاب مدين} قوم شعيب هلكوا بالعذاب يوم الظلّة ومدين اسم للبلد التي كان فيها شعيب (عليه السلام) {والمؤتفكات} المتقلبات وهم قوم لوط {أتتهم رسلهم بالبينات} الآية، ولما تقدم ذكر المنافقين عقبه بذكر المؤمنين وما أعد لهم فقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} في النصرة والموالاة في الدين {يأمرون بالمعروف} بالايمان والطاعات {وينهون عن المنكر} والمعاصي {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} أي تحت أشجارها وأبنيتها {ومساكن طيبة} أي مواضع يسكنون فيها طيبة قصور من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد، وقيل: قصر في الجنة من لؤلؤة فيها سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زبرجدة خضراء، وفي كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون على كل فراش وجه من الحور العين، في كل بيت مائدة في كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، وفي كل بيت وصيفة ورضوان من الله أكبر يعني رضى الله أكبر من ذلك وأعظم، قوله تعالى: {يأيها النبي جاهد الكفاروالمنافقين} الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد به الأمة، يعني الكفار بالسيف والمنافقين باللسان، وقيل: بإقامة الحدود وكانوا أكثر من يصيب الحدود وإذا ظهر نفاقهم مرتدين وجب قتلهم {واغلظ عليهم}، قيل: باللسان تهديداً، وقيل: إظهار سرائرهم، وقيل: جاهدوا الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر}، قيل: "حديث : لما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غزوة تبوك كان المنافقون يجتمون ويسبُّون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويطعنون في دينه فنقل حذيفة ما قالوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فدعاهم فقال: "ما هذا الذي بلغني عنكم"، فحلفوا ما قالوا شيئاً" تفسير : فنزلت الآية تكذيباً لهم، وقيل: نزلت في عبد الله بن أُبي بن سلول حين قال: لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذلّ، فأخبر زيد بن أرقم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحلف ما قال ذلك فنزلت الآية {ولقد قالوا كلمة الكفر} يعني الطعن في الدين وتكذيب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {وكفروا بعد إسلامهم} أي بعد إظهارهم الاسلام، وقيل: يعني ظهر كفرهم بعد أن كان باطناً {وهموا بما لم ينالوا} بما لم يدركوا، قيل: هو هم المنافقين بقتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة العقبة، وقيل: همهم بإخراج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) {وما نقموا} أي ما أنكروا وما عابوا {إلا أن أغناهم الله} تعالى وذلك أنهم كانوا حين قدم عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ضنك العيش فجعلهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كالمسلمين في الغنائم والأموال، وقيل: كثرت أموالهم بسبب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما كانوا في ضيق وعسرة {فإن يتوبوا} يعني أن يتركوا النفاق ويخلصوا توبتهم {يك خيراً لهم وإن يتولَّوا يعذبهم الله عذاباً أليماً} بالقتل والأسر والخزي، وقيل: عند الناس، وقيل: بالقبر وفي الآخرة عذاب النار.
اطفيش
تفسير : {كالَّذينَ مِن قَبْلكُم} خبر لمحذوف أى أنتم مثل الذين، أو ثابتون كالذين، أو مفعول لمحذوف أى فعلهم مثل ما فعل الذين، أو نعت لمفعول محذوف، أى فعلا ثابتا كفعل الذين، أو متعلق بوعد أو مفعول مطلق له، أى وعدا ثابتا كوعد الذين، أو وعدا مثل وعد الذين، وفى الثلاثة ضعف والخطاب للمنافقين على طريق الالتفات، أو على تقدير القول، أى قل لهم: أنتم كالذين من قبلكم، وقيل: الخطاب لهم وللمشركين. {كانُوا أشدَّ منكُم قوةً وأكْثَر أموالاً وأولاداً} قيل: بيان للتشبيه، والواضح أن التشبيه فى الأمر بالمنكر وما بعده، وعلى الأول فالمراد التشبيه فى جمع الدنيا، والإعراض عن الآخرة، فكان هذا بيانا له، وعلى الثانى فالمراد بيان أن من قبلهم كانوا بهذه الصفة مدة ولم تدفع عنهم موتا، بل ماتوا إلى عذاب مقيم فكذلك أنتم. {فاسْتَمتَعُوا} انتفعوا {بخَلاقِهِم} نصيبهم من ملاذ الدنيا، معرضين عن الآخرة، وهو من الخلق بمعنى التقدير، فهو ما قدر لصاحبه، وقيل: أصله من قولك فلان خليق بكذا {فاسْتَمتعتُم بخَلاقِكُم كما اسْتَمتعَ الَّذينَ مِنْ قَبْلكُم بخَلاقِهِم} أى اتبعتم آثارهم فى الاستماع، وقد علمتم ما صاروا إليه من العاقبة، فستصيرون إلى مثل ما صاروا إليه، وفائدة قوله: {كما استمتع الذين من قبلكم} مع غنى قوله: {فاستمتعوا بخلاقهم} عنه ربط فعلهم بفعل من مضى قبله بالتشبيه، ليترتب عليه ما ترتب على فعل هؤلاء الماضين، هذا ما ظهر لى بفضل الله، وقيل: فائدة التمهيد لذنب المخاطبين بمشابهة هؤلاء كقولك: أنت مثل فرعون، كان يقتل بغير حق، ويعذب بغير جرم، فأنت تفعل مثل ما فعل، قيل: فالتكرير للتأكيد وتقبيح فعلهم وفعل من شابههم. {وخُضْتم كالَّذى خاضُوا} الذى اسم موصول واقع على الخوض، والرابط ضمير محذوف يعرب مفعولان مطلقا أى كالخوض الذى خاضوه، أى خوضا ثابتا كالخوض الذى خاضوه، أو خوضا مثل الخوض الذى خاضوه، أو الذى واقع على الفريق ونحوه، أى كالفريق الذى خاضوا، روعى لفظ المنعوت فى الذى، ومعناه فى الصلة، أو المراد بالذى الجنس لا ما قيل: إن الأصل الذين فحذفت النون على لغة، ولا كما قال الأخفش: إن الذى موصول مشترك، ولا كما قيل: إن الذى موصول حرفى هنا، أى وخضتم كخوضهم. {أولئكَ حَبِطَت أعْمالُهم فى الدُّنيا والآخِرة} بطلت ولم يكن لها ثواب، والإشارة إلى الماضين الموصوفين بالشدة، فأنتم كذلك تحبط أعمالكم، أو إليهم وإلى المنافقين والمشركين المعاصرين لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: الخطاب فى: استمتعتم وخضتم لمشركى قريش دون المنافقين، والإشارة لكل مشرك ومنافق، ومعنى حبطت أعمالهم أن أعمالهم باطلة ليست مما يعتد به، ويثاب عليه، لأنها معاص، أو إنَّ ما عملوه من أعمال حسنة لا تنفعهم فى الدنيا بأن لا تقيهم من قتل وسبى، ولا فى الآخر، وهذا الوجه الثانى، على أن الإشارة للمشركين انتهى. إن المنافقين أيضا لا ينتفعون بأعمالهم فى الدنيا لما يصيبهم من المقت والغمص عليهم {وأولئكَ هُم الخاسِرُونَ} دنيا وأخرى.
اطفيش
تفسير : {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أَى أَنتم أَيها المنافقون والمنافقات والكفار كالذين من قبلكم، أَو فعلتم كفعل الذين من قبلكم على طريق الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب، أَى أَشبهتم من قبلكم فى الأَمر بالمنكر والنهى عن المعروف والشح كما قال {كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَاسْتَمِعُوا بِخَلاَقِهِمْ فَاسْتَمَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِى خَاضُوا} لا إِنه زاد فى المشبه به بيان أَنه أَشد قوة وأَكثر مالا وولدا، وصرح بالخوض فى التشبيه مراعاة لقوله: "أية : إِنما كنا نخوض ونلعب"تفسير : [التوبة: 65] وذلك لبعد ذكره، ويجوز أَن يكون محط التشبيه هو قوله:{فاستمتعوا} وقوله {وخضتم} كقولك أَنت كزيد يقتل الأَعداءَ وتقلتهم وتجود كما يجود، والمراد بالقوة قوة الأَبدان والاستمتاع التمتع العظيم، فالاستفعال هنا للمبالغة لأَن أَصله العلاج والطلب وخلاقهم نصيبهم من ملاذ الدنيا من الخلق بمعنى التقدير، فإِن نصيب كل أَحد مقدر له، والآية ذم لهم باتخاذهم طريق من اختار الدنيا وركن إِليها عن الآخرة. ذكر بعض أَن قوله كما استمتع الذين من قبلكم مغن عن قوله{فاستمتعوا} وإِنما ذكر الأَول والثانى معاً للتأْكيد، ولبيان أَن محط التشبيه الاستمتاع، ثم زيد بيان بقوله كما إِلخ... وفى هذا إِشارة إِلى أَن الأَصل وخاضوا وخضتم كالذى خاضوا كما فى قبله، فالأَصل استمتعم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم دون ذكر بخلاقهم وبإِسقاط فاء فاستمتعتم، وكذلك أَظهر الذين للتأكيد والأَصل كما استمتعوا بخلاقهم كما استمتعوا به بالإِضمار للخلاق، ولا مانع من أَن يقال بأَن يكفى الأَول عن الثانى وجمع تأَكيدا، ثم إِن الفاءَ فى قوله فاستمتعوا ظاهرة السببية دون إِلغاءِ فى قوله فاستمتعتم بخلاقكم، لأَن كون من قبلهم أَقوى وأَكثر أَموالا وأَولادا لا يكون سبباً للاستمتاع من بعدهم، فالثانية إِما بمعنى الواو، أَو لمجرد الترتيب الذكرى، وهذا لا يتم لأَن ما عطف على المسبب يكون مسبباً، وإِما للسببية باعتبار أَن لهم أَموالا وأَولادا وقوة، ولو كانت لمن قبلهم أَقوى وأَكثر، فكانت قواهم وأَموالهم وأَولادهم سببا للاستمتاع لهم، كما للذين من قبلهم، وقد يقال بالسببية فى الثانية بلا تقدير على معنى اقترائهم فى الاستمتاع بالأَولين، والآية تنبيه على أَنه عوقب من هو أَشد وأَكثر منهم. فكيف هم والأَمر فى قدرة الله سواءٌ، والمراد بالخوض الخوض فى الباطل، والذى واقع على الفريق باعتبار لفظه، وجمع فى خاضوا لاعتبار معناه، والرابط الواو، أَو على الخوض فالرابط ضمير هو مفعول مطلق محذوف، أَى وخضتم كالخوض الذى خاضوه فلا تهم أَن الهاءَ مفعول به ولا أَن التقدير فيه وإِنما هى كهاءِ قولك القيام قمته، وذلك أَولى من أَن يقال الأَصل كالذين حذفت النون تخفيفاً، وأَولى من أَن يقال الذى حرف مصدر، أَى خوض كخوضهم {أُولَئِكَ} الخطاب له صلى الله عليه وسلم أَو لكل من يصلح {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} الإِشارة إِلى المشبهين الآخرين والمشبه بهم الذين من قبلهم، وقيل إِلى المشبه بهم، فيكون حكم المشبهين مفهوماً ضمنا وفيه أَن الأَنسب حينئذ أَن يقال أُولئك. والمراد بالأَعمال ما يثابون عليه لو أَسلموا من الصدقة ومكارم الأَخلاق. {فِى الدُّنْيَا} لم تنفعهم فى الدنيا إِذ لا تمنعهم من الذم والخزى والقتل والسبى فيمن يقتل ويسبى، وأَما ما أُعطوا من الخير الدنيوى، فإِما استدراج لهم وإِما ثواب لهم، فقد بطلت فى الدنيا ولم يوافوا بها الآخرة {وَالآخِرَةِ} لا يثابون عليها فيها لكفرهم {وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} لم يستفيدوا من أَبدانهم وما أَعطاهم الله فى الدنيا فائدة فى الآخرة بل زادوا بذلك عذابا فخسروا دنياهم وأُخراهم، والحصر بالنسبة للمؤمنين، أَى إِنما خسروا هم لا المؤمنون، أَو النظر لما فى الدنيا وأَما غيرهم فلم يخسر فى الدنيا خسرانهم، ولو خسر فى الآخرة، أَو الحصر للكمال أَى الكاملون فى الخسران والمؤمنون لا خسران لهم أَلبتة، وخسران غيرهم دون خسران هؤلاءِ.
الالوسي
تفسير : {كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} التفات من الغيبة إلى الخطاب للتشديد، والكاف في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي أنتم مثل الذين من قبلكم من الأمم المهلكة أو في حيز النصب بفعل مقدر أي فعلتم مثل الذين من قبلكم، ونحوه قول النمر يصف ثور وحش وكلاباً:شعر : حتى إذا الكلاب قال لها كاليوم مطلوباً ولا طالباً تفسير : فإن أصله لم أر مطلوباً كمطلوب رأيته اليوم ولا طلبة كطلبة رأيتها اليوم فاختصر الكلام فقيل لم أر مطلوباً كمطلوب اليوم لملابسته له ثم حذف المضاف اتساعاً وعدم إلباس، وقيل: كاليوم وقدم على الموصوف فصار / حالاً للاعتناء والمبالغة وحذف الفعل للقرينة الحالية ووجه الشبه المعمولية لفعل محذوف. وقوله سبحانه: {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوٰلاً وَأَوْلَـٰدًا} الخ تفسير للتشبيه وبيان لوجه الشبه بين المخاطبين ومن قبلهم فلا محل لها من الإعراب، وفيه إيذان بأن المخاطبين أولى وأحق بأن يصيبهم ما أصابهم {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلَـٰقِهِمْ} أي تمتعوا بنصيبهم من ملاذ الدنيا، وفي صيغة الاستفعال ما ليس في التفعل من الاستزادة والاستدامة في التمتع، واشتقاق الخلاق من الخلق بمعنى التقدير وهو أصل معناه لغة {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلـٰقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَـٰقِهِمْ} ذم الأولين باستمتاعهم بحظوظهم الخسيسة من الشهوات الفانية والتهائهم فيها عن النظر في العاقبة والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية تمهيداً لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم، ولذلك اختير الإطناب بزيادة {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلَـٰقِهِمْ} وهذا كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب ويعسف وأنت تفعل مثله، ومحل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي استمتعتم استمتاعاً كاستمتاع الذين {وَخُضْتُمْ} أي دخلتم في الباطل {كَٱلَّذِي خَاضُواْ} أي كالذين فحذفت نونه تخفيفاً كما في قوله:شعر : إن الذين حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد تفسير : ويجوز أن أكون الذي صفة لمفرد اللفظ مجموع المعنى كالفوج والفريق فلوحظ في الصفة اللفظ وفي الضمير المغنى أو هو صفة مصدر محذوف أي كالخوض الذي خاضوه ورجح بعدم التكلف فيه، وقال الفراء: إن الذي تكون مصدرية وخرج هذا عليه أي كخوضهم وهو كما قال أبو البقاء نادر، وهذه الجملة عطف على ما قبلها وحينئذ إما أن يقدر فيها ما يجعلها على طرزه لعطفها عليه أو لا يقدر إشارة إلى الاعتناء بالأول. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى المتصفين بالصفات المعدودة من المشبهين والمشبه بهم، وكونه إشارة إلى الأخير يقتضي أن يكون حكم المشبهين مفهوماً ضمناً ويؤدي إلى خلو تلوين الخطاب عن الفائدة إذ الظاهر حينئد أولئكم والخطاب لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام أو لكل من يصلح له أي أولئك المتصفون بما ذكر من القبائح {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ} أي التي كانوا يستحقون بها أجوراً حسنة لو قارنت الإيمان، والحبط السقوط والبطلان والاضمحلال؛ والمراد لم يستحقوا عليها ثواباً وكرامة {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } أما في الآخرة فظاهر وأما في الدنيا فلأن ما حصل لهم من الصحة والسعة ونحوهما ليس الا بطريق الاستدراج كما نطقت به الآيات دون الكرامة {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بحبط الأعمال في الدارين {هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} أي الكاملون في الخسران الجامعون لمباديه وأسبابه طراً. وإيراد اسم الإشارة في الموضعين للإشعار بعلية الأوصاف المشار إليها للحبط والخسران.
ابن عاشور
تفسير : قيل هذا الخطاب التفات، عن ضمائر الغيبة الراجعة إلى المنافقين، إلى خطابهم لقصد التفريع والتهديد بالموعظة، والتذكير عن الغرور بما هم فيه من نعمة الإمهال بأنّ آخر ذلك حبط الأعمال في الدنيا والآخرة، وأن يحقّ عليهم الخسران. فكاف التشبيه في موضع الخبر عن مبتدأ محذوف دلّ عليه ضمير الخطاب، تقديره: أنتم كالذين من قبلكم، أو الكاف في موضع نصب بفعل مقدّر، أي: فعلتم كفعل الذين من قبلكم، فهو في موضع المفعول المطلق الدالّ على فعله، ومثله في حذف الفعل والإتيان بما هو مفعول الفعل المحذوف قول النمر بن تولب:شعر : حتّى إذا الكلاَّب قال لها كاليومِ مطلوباً ولا طالِبا تفسير : أراد: لم أر كاليوم، إلاّ أنّ عامل النصب مختلف بين الآية والبيت. وقيل هذا من بقية المَقول المأمور بأن يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم إيّاهم من قوله: {أية : قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون}تفسير : [التوبة: 65] الآية. فيكون ما بينهما اعتراضاً بقوله: {أية : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض}تفسير : [التوبة: 67] إلخ فضمير الخطاب لهم جار على مقتضى الظاهر بدون التفات والكلام مسوق لتشبيه حالهم في مصيرهم إلى النار. والإتيان بالموصول لأنّه أشمل وأجمع للأمم التي تقدّمت مثل عاد وثمود ممّن ضرب العرب بهم المثل في القوة. و{أشَدّ} معناه أقوى، والقوة هنا القدرة على الأعمال الصعبة كقوله: {أية : أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة}تفسير : [فصلت: 15] أو يُراد بها العزّة وعُدّة الغلب باستكمال العَدد والعُدد، وبهذا المعنى أوقعت القوة تمييز الــــ{أشد} كما أوقعت مضافاً إليه شديد في قوله تعالى: {أية : علمه شديد القوى}تفسير : [النجم: 5]. وكثرة الأموال لها أسباب كثيرة: منها طيب الأرض للزرع والغرس ورَعِي الأنعام والنحلِ، ومنها وفرة التجارة بحسن موقع الموطن بين مواطن الأمم، ومنها الاقتراب من البحار للسفر إلى الأقطار وصيد البحر، ومنها اشتمال الأرض على المعادن من الذهب والفضّة والحديد والمواد الصناعية والغذائية من النبات، كأشجار التوابل ولحاء الدبغ والصبغ والأدوية والزراريع والزيوت. وكثرة الأولاد تأتي من الأمن بسبب بقاء الأنفس، ومن الخصب المؤثر قوة الأبدان والسلامة من المجاعات المعقبة للموتان، ومن حسن المُناخ بالسلامة من الأوبئة المهلكة، ومن الثروة بكثرة الأزواج والسراري والمراضع. والاستمتاع: التمتّع، وهو نوال أحدٍ المتاعَ الذي به التذاذ الإنسان وملائمه وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين}تفسير : في سورة الأعراف (24). والسين والتاء فيه للمبالغة في قوة التمتّع. والخلاق: الحَظ من الخير وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} تفسير : في سورة البقرة (200). وتفرّع فاستمتعوا بخلاقهم} على {كانوا أشد}: لأنّ المقصود إدخاله في الحالة المشبه بها كما سيأتي. وتفرَّع {فاستمتعتم بخلاقكم} على ما أفاده حرف الكاف بقوله: {كالذين من قبلكم} من معنى التشبيه، ولذلك لم تعطف جملة {فاستمتعتم} بواو العطف، فإنّ هذه الجملة هي المقصد من التشبيه وما تفرّع عليه، وقد كان ذكر هذه الجملة يغني عن ذكر جملة: {فاستمتعوا بخلاقهم} لولا قصد الموعظة بالفريقين: المشبّهِ بهم، والمشبّهين، في إعراض كليهما عن أخذ العدّة للحياة الدائمة وفي انصبابهما على التمتّع العاجل فلم يكتف في الكلام بالاقتصار على حال أحد الفريقين، قصداً للاعتناء بكليهما فذلك الذي اقتضى هذا الاطناب ولو اقتصر على قوله: {فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} ولم يذكر قبله {فاستمتعوا بخلاقهم} لحصل أصل المعنى ولم يستفد قصد الاهتمام بكلا الفريقين. ولذلك لمّا تقرّر هذا المقصد في أنفس السامعين لم يحتج إلى نسج مثل هذا النظم في قوله: {وخضتم كالذي خاضوا}. وقوله: {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} تأكيد للتشبيه الواقع في قوله: {كالذين من قبلكم} ــــ إلى قوله ــــ {فاستمتعتم بخلاقكم} للتنبيه على أنّ ذلك الجزء بخصوصه، من بين الحالة المشبهةِ والحالةِ المشبه بها، هو محلّ الموعظة والتذكير، فلا يغرّهم ما هم فيه من نعمة الإمهال والاستدراج، فقدّم قوله: {فاستمتعوا بخلاقهم} وأتى بقوله: {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} مؤكِّداً له دون أن يقتصر على هذا التشبيه الأخير، ليتأتى التأكيد، ولأنّ تقديم ما يتمّم تصوير الحالة المشبّه بها المركّبة، قبل إيقاع التشبيه، أشدّ تمكيناً لمعنى المشابهة عند السامع. وقوله: {كالذي خاضوا} تشبيه لخوض المنافقين بخوض أولئك وهو الخوض الذي حكي عنهم في قوله: {أية : ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب}تفسير : [التوبة: 65] ولبساطة هذا التشبيه لم يؤت فيه بمثل الأسلوب الذي أتي به في التشبيه السابق له. أي: وخضتم في الكفر والاستهزاء بآيات الله ورسوله كالخوض الذي خاضوه في ذلك، فأنتم وهم سواء، فيوشك أن يَحيق بكم ما حاق بهم، وكلامنا في هذين التشبيهين أدقّ ما كتب فيهما. و{الذي} اسم موصول، مفرد، وإذ كان عائد الصلة هنا ضمير جمع تعيّن أن يكون المراد بــــ {الذي}: تأويله بالفريق أو الجَمْع، ويجوز أن يكون {الذي} هنا أصله الذين فخُفّف بحذف النون على لغة هذيل وتميم كقول الأشهب بن زميلة النهشلي:شعر : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هُم القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالد تفسير : ونحاة البصرة يرون هذا الاستعمال خاصّاً بحالة أن تطول الصلة كالبيت فلا ينطبق عندهم على الآية، ونحاة الكوفة يجوزّونه ولو لم تطل الصلة، كما في الآية، وقد ادّعى الفرّاء: أنّ {الذي} يكون موصولاً حرفياً مؤوّلاً بالمصدر، واستشهد له بهذه الآية، وهو ضعيف. ولمّا وصفت حالة المشبه بهم من الأمم البائدة أعقب ذلك بالإشارة إليهم للتنبيه على أنّهم بسبب ذلك كانوا جديرين بما سيخبر به عنهم، فقال تعالى: {أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون} وفيه تعريض بأنّ الذين شابهوهم في أحوالهم أحرياء بأن يحلّ بهم ما حلّ بأولئك، وفي هذا التعريض من التهديد والنذارة معنى عظيم. والخوض: تقدّمت الحوالة على معرفته آنفاً. والحبط: الزوال والبطلان، وتقدّم في قوله تعالى: {أية : فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} تفسير : في سورة البقرة (217). والمراد بأعمالهم: ما كانوا يعملونه ويكدحون فيه: من معالجة الأموال والعيال والانكباب عليهما، ومعنى حبْطها في الدنيا استئصالها وإتلافها بحلول مختلف العذاب بأولئك الأمم، وفي الآخرة بعدم تعويضها لهم، كقوله تعالى: {أية : ونرثه ما يقول}تفسير : [مريم: 80] ــــ أي في الدنيا ــــ {أية : ويأتينا فرداً}تفسير : [مريم: 80] ــــ أي في الآخرة ـــ لا مال له ولا ولد، كقوله: {أية : ما أغنى عنّي ماليه هلك عني سلطانيه}تفسير : [الحاقة: 28، 29]. وفي هذا كلّه تذكرة للنبيء صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأنْ لا يظنّوا أن الله لمّا أمهل المنافقين قد عفا عنهم. ولمّا كانت خسارتهم جسيمة جعل غيرهم من الخاسرين كلاً خاسرين فحصرت الخسارة في هؤلاء بقوله: {وأولئك هم الخاسرون} قصراً مقصوداً به المبالغة. وإعادة اسم الإشارة للاهتمام بتمييز المتحدّث عنهم لزيادة تقرير أحوالهم في ذهن السامع.
الواحدي
تفسير : {كالذين من قبلكم} أَيْ: فعلتم كأفعال الذين من قبلكم {فاستمتعوا بخلاقهم} رضوا بنصيبهم من الدُّنيا، ففعلتم أنتم أيضاً مثل ما فعلوا {وخضتم} في الطَّعن على النبيِّ صلى الله عليه وسلم كما خاضوا في الطَّعن على أنبيائهم {أولٰئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} لأنَّها لا تُقبل منهم ولا يُثابون عليها. {أَلَمْ يأتيهم نبأ الذين من قبلهم} ألم يأتهم خبر الذين أُهلكوا في الدُّنيا بذنوبهم، فيتَّعظوا، ثم ذكرهم {قوم نوحٍ وعاد وثمود وقوم إبراهيم} يعني: نمروذ {وأصحاب مدين} قوم شعيب {والمؤتَفِكاتِ} وأصحاب المؤتفكات، وهي قرى قوم لوط {فما كان الله ليظلمهم} ليعذِّبهم قبل بعث الرَّسول {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بتكذيب الرُّسل. {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} في الرَّحمة والمحبَّة {يأمرون بالمعروف} يدعون إلى الإِسلام {وينهون عن المنكر} الشِّرك بالله. الآية. {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة} يريد قصور الزَّبرجد والدُّرِّ والياقوت {في جنات عدن} هي قصبة الجنَّة وسقفُها عرش الرَّحمن {ورضوان من الله أكبر} ممَّا يوصف. {يا أيها النبيُّ جاهد الكفار} بالسَّيف {والمنافقين} باللِّسان والحُجَّة {واغلظ عليهم} يريد شدَّة الانتهار، والنَّظر بالبغضة والمقت.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَالاً} {وَأَوْلاَداً} {بِخَلاقِهِمْ} {أُوْلَـٰئِكَ} {أَعْمَالُهُمْ} {وَٱلآخِرَةِ} {ٱلْخَاسِرُونَ} {بِخَلاَقِهِمْ} (69) - إِنَّ حَالَكُمْ أَيُّهَا المُنَافِقُونَ المُؤذُونَ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، كَحَالِ المُنَافِقِينَ السَّالِفِينَ مِنْ أقْوَامِ الأنبياءِ السَّابقينَ، فُتِنْتُمْ بأَموالِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ، وَغَرَّتْكُمُ الدُّنْيا كَمَا فُتِنُوا وَاغْتَرُّوا بِهَا، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً، وَأَكَثْرَ مِنْكُمْ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً، وَقَدْ كَانَ هَمّهُمْ التَمَتُّعَ بِالحَيَاةِ، وَأَخْذَ نَصِيبِهِمْ مِنْ نَعِيمِهَا وَمَبَاهِجِهَا، فَأَطْغَتْهُمُ الدُّنْيا. وَغَرَّتْهُمْ لَذَّاتُهَا، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ غَايَاتٌ سَامِيَّةٌ كالتَّي يَقْصِدُهَا المُؤْمِنُونَ: كَالإِيمَانِ بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَإعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ، وَتَرْسِيخِ العَدْلِ، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهِيِ عَنِ المُنْكَرِ .. وَقَدْ سَلَكْتُمْ أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ سَبِيلَهُمْ فِي الاسْتِمْتَاعِ بِنَصِيبِكُمْ مِنَ الحَيَاةِ، وَلَمْ تُفَضَّلُوا عَلَى مَنْ سَبَقَكُمْ بِشَيءٍ، مَعْ أَنَّكُمْ رَأَيْتُمْ مِنْ آيَاتِ اللهِ مَا رَأَيْتُمْ، وَجَائَكُمُ الهُدَى فَلَمْ تَهْتَدُوا، فَكُنْتُمْ أَحَقَّ بِالعِقَابِ مِنْهُمْ، وَقَدْ دَخَلْتُمْ فِي البَاطِلِ، وَخُضْتُمْ فِيهِ، كَمَا فَعَلَ مَنْ سَبَقُوكُمْ، مَعَ أَنَّ حَالَكُمْ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونُوا أَهْدَى مِنْهُمْ سَبِيلاً. وَهَؤُلاَءِ المُسْتَمْتِعُونَ بِخَلاَقِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَالخَائِضُونَ فِي البَاطِلِ، حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَبَطلَتْ، فَلاَ ثَوَابَ لَهُمْ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لأَنَّهَا فَاسِدَةٌ. وَمِثلُ هَؤُلاَءِ هُمُ الخَاسِرُونَ لأَنَّهُمْ لاَ ثَوَابَ لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ. فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاَقِهِمْ - فَتَمَتَّعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنْ مَلاَذِّ ِّالدُّنْيا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا يُذكِّرهم سبحانه بمواكب الكفر التي صاحبت الرسل السابقين، وقد كانت هذه المواكب فيها المنافقون وفيها الكفار، وسبحانه وتعالى عندما يرسل رسولاً يؤيده ضد أعداء منهج الخير. والحق سبحانه يريدنا أن نتذكر ما حدث للأمم السابقة الذين كانوا أكثر قوة وأكثر أموالاً وأولاداً من أولئك الكفار والمنافقين الذين يواجهون رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولنقرأ قول الحق جل جلاله: {أية : وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ * وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 1-14]. ونحن لم نشهد {إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} التي وصفها الحق سبحانه وتعالى بقوله: {لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ}، ولكن القرآن أكد لنا أنها وصلت إلى درجة من الحضارة التي لم يصل إليها أحد. وقد يتساءل بعض الناس: أين {إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} من حضارات اليوم؟. ونقول: إن هناك أسراراً لله في كونه قد أعطاها بعض خلقه ولم يُعْطِها لأحد حتى الآن. وإذا نظرنا إلى الفراعنة مثلاً نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد وصفهم في القرآن بقوله: {وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ}. والأهرامات أوتاد، والمسلات أوتاد، وما زالت علوم حضارة الفراعنة تغيب عن البشر حتى الآن، فهناك من مظاهر هذه الحضارة ما نعجز عنه حتى الآن، مثل سر التحنيط وبناء الأهرام؛ فهذه الكتل الحجرية الضخمة التي ارتفعت ويمسك بعضها البعض، دون أية مواد مثبتة، وما زال العلم الحديث عاجزاً حتى اليوم عن أن يوجد هرماً مبنيّاً بنفس طريقة قدماء المصريين دون استخدام أي مواد مثبتة، ومع ذلك فهؤلاء الفراعنة لم يستطيعوا أن يسودوا الكون رغم قوتهم وحضارتهم، بل أخذهم الله أخْذَ عزيز مقتدر. وجاءت الرمال فدفنت حضارتهم. ثم شاء الله لنا أن نكشف عن جزء بسيط منها؛ فإذا بهذا الجزء البسيط يبهر الدنيا كلها. وإذا بالعالم كله يأتي ليشاهد حضارة الفراعنة، ويتعجب من هذا الفن وهذا الرقي في العلم. فإذا كانت هذه هي حضارة آل فرعون، فما بالك بحضارة إرم ذات العماد التي لم يُخْلَق مثلها في البلاد؟ وهكذا نعلم أن بعض حضارة إرم ذات العماد ما زالت مخفية حتى الآن لا يعلم أحد عنها شيئاً. ومدفونة في باطن الأرض. ولعل الله سبحانه وتعالى قد أبقاها ليكشفها في زمن قادم يزداد فيه بُعْد الناس عن الدين؛ لأن الإنسان كلما تقدم في الحضارة ابتعد عن الإيمان؛ لإحساسه بأنه متمكن في الكون؛ مسيطر عليه؛ حينئذ ربما يكشف الحق سبحانه وتعالى عن حضارة {إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} ليعرف الناس أن ما وصلوا إليه لا يساوي شيئاً مما كشفه الله لهؤلاء القوم. وإن سأل سائل: أين هي حضارة {إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ}؟ نقول له: إنها في وادي الأحقاف والهبّة الواحدة من الرياح في هذا الوادي تستر قافلة بأكملها؛ أي إذا هبّت ريح، فإن الرمال لا تداري الطريق وحده؛ ولكنها تداري القافلة كلها، فكم عاصفة رملية هبّت على المكان الذي كانت تقطنه {إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} فأخفتْ حضارتهم؟ لا بد إذن من حفريات على مستوى عميق جدّاً لنعثر على تلك الحضارة؛ لأننا نعلم ونرى أن كل الكشوف الأثرية تحتاج أن نحفر لها؛ لأن الرمال تتراكم فوق الآثار. بل إننا نرى البيوت القديمة في القرى، لا بد أن تنزل لها بدرجة أو درجتين لتدخل إليها من الباب؛ لأن العوامل الطبيعية والرصف وغير ذلك تزيد من علو الطريق. فإذا كان هذا هو عمل الرياح العادية في وقت قصير، فما بالك بالأعاصير في أزمان طويلة؟ وأنت إذا سافرت وأغلقت نوافذ مسكنك إغلاقاً مُحْكماً، وعُدْتَ بعد شهر واحد تجد الأثاث مغطى بطبقة من التراب، فإن غبْتَ عاماً وجدت كمية كثيفة من التراب، هذا بالنسبة لبيت محكم الإغْلاق، فما بالك بحضارة معرضة لكل هذه الظواهر الطبيعية، وتُسْتر كل شهر بطبقة جديدة كثيفة من التراب؟ ويقول سبحانه: {كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً} أي: أن حضارتهم أكبر من حضارتنا؛ لأن الحضارة كلما كانت متقدمة كانت الأمة قوية، وكلما تأخر شعب حضاريّاً كان ضعيفاً. إذن: فالذين من قبلنا كانوا أكثر حضارة وأكثر أموالاً وأولاداً. ولسائل أن يسأل: كيف تكون لهم كثرة أولاد والعالم يزداد عدداً كل عام، وكيف تكون لهم كثرة أموال ونحن نكشف كنوز الأرض جيلاً بعد جيل؟ نقول: لا تأخذ الكثرة على أنها كثرة عددية، بل خذها بنسبتها؛ لأنك إذا جئت بمائة شخص ووضعتهم في حجرة، يقال عنهم: "كثير". فإذا أخذت كل واحد منهم ووضعته في مكان بعيد عن الآخر يكون العدد قليلاً. وكان العالم في الماضي مسكوناً بأماكن محدودة، بدليل أننا اكتشفنا قارات وأماكن لم يكن يعرفها أحد. إذن: فالكثرة هنا بالنسبة للحيز، وهم في حيزهم الذي يعيشون فيه كانوا كثرة، وبالأموال التي كانت بين أيديهم بعددهم المحدود كانوا أكثر منكم أموالاً بعددكم الكبير، أي أن نصيب الفرد كان أكبر، وكذلك الأولاد. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ} والخلاق هو النصيب أو الحظ الذي يصيب الإنسان من أي نعمة، ويقول سبحانه: {أية : فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} تفسير : [البقرة: 200]. أي: ليس له في الآخرة نصيب من نعم الله، فالذين عملوا للدنيا وحدها ولم يكن في بالهم الله، يأبى عدل الحق سبحانه وتعالى أن يضيع عليهم نتيجة عملهم، ولذلك فهو يعطيه لهم في الدنيا، ولكن من يعمل وفي باله الله يعطيه الله من الدنيا ويُوفِّيه أجره في الآخرة. ولذلك نجد بعضاً من المؤمنين يسألون: كيف يكون الكفار أحسن حالاً من المؤمنين في الحضارة المادية، ولماذا يأخذ الكفار من خيرات الأرض ما يكفيهم ويزيد، لدرجة أنهم في بعض البلاد يُلْقون بالفائض في البحر، بينما تجد المسلمين يعيشون في حضارة مادية محدودة، ويستوردون ما يأكلون؟ ولنتذكر الحقيقة الواضحة التي أكررها دائماً لكل مسلم: إياك أن يغيب عنك أن هناك "عطاء للرب" و "عطاء للإله". فعطاء الرب للجميع؛ لأن الرب هو الذي خلق وربَّى، وأمدنا بالأقوات، وسبحانه ليس رب المؤمن فقط. لكنه رب المؤمن والكافر. ولذلك إذا أخذ المؤمن أو الكافر بالأسباب أعطاه الله؛ فالأرض تعطى محصولاً وفيراً لمن يحسن زراعتها وينتقي لها التقاوي ويرعاها، لا تفرق في ذلك بين مؤمن وكافر، والكون يعطي كنوزه لمن يبحث عنها ويجتهد، لا فرق بين مؤمن وكافر، وهذا عطاء الربوبية. أما عطاء الألوهية فقد خصَّ الله سبحانه وتعالى به عباده المؤمنين الذين يتبعون منهجه، هذا عطاء العبادة يجزي به الإنسان في الآخرة، والذي يأخذ العطاءين هو السعيد، يأخذ عطاء الربوبية فيستغل أسباب الحياة فيعطيه الله خير الدنيا، ويأخذ عطاء الألوهية بأن يجعل حياته وفقاً لمنهج الله، فيعطيه الله النعيم في الآخرة. والأسباب في الدنيا لا تفرق بين مؤمن وكافر، فالشمس تشرق على المؤمن والكافر، والمطر ينزل على الطائع والعاصي؛ لأن هذا عطاء ربوبية. من أحسن استخدامه أعطاه بصرف النظر عن الطاعة أو المعصية. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23]. لماذا؟ لأنك عملت للدنيا وحدها.. وكنت تعمل ليقال إنك مخترع أو مكتشف.. أو لتحصل على الأموال أو الأوسمة.. أو النفوذ والجاه في الدنيا، ولكنك لم تكن تعمل وفي بالك الله. وبعض الناس يأتي ليقول لك: هل الذي اكتشف علاجاً لميكروب كان يفتك بالبشر، أو اكتشف الكهرباء أو اكتشف كذا مما أسعد البشرية كلها، أيكون هذا كافراً ويُعذَّب في النار؟ نقول له: نعم؛ لأنه فعل هذا وليس في باله الله.. وإنما فعله وفي باله الحصول على المجد أو المال أو النفوذ في الأرض؛ ولذلك أعطاه الله، ما عمل من أجله، فأصبح له ثروة طائلة وتاريخ يدرس في المدارس، وأعطوه النياشين وأطلقوا اسمه على الشوارع والميادين. فما دام قد عمل للدنيا فإن الله سبحانه وتعالى يعطيه أجره في الدنيا، ولكن الذي عمل وفي باله الله يأخذ من الدنيا بالأسباب، ولكنه يأخذ في الآخرة من المسبب مباشرة؟ فالإنسان قد ارتقى حضاريّاً، حتى إنك الآن في بعض الدول المتقدمة تضغط زراً يعطي لك القهوة أو الشاي، وآخر يعطيك الطعام. نقول: إن هذا كله متاع الأسباب، فقبل أن تضغط أنت هذا الزر، كان هناك بشر أعدّوا لك القهوة أو الطعام، والآلة أوصلته إليك. ولكن مهما ارتقى الإنسان تكنولوجيّاً فلن ياتي اليوم الذي يجعل الشيء يخطر ببالك فتجده أمامك.. ولكنك في الجنة بمجرد أن يخطر الشيء على بالك تجده أمامك؛ لأن عطاء الدنيا عطاء أسباب، وعطاء الآخرة عطاء مسبب. فالله سبحانه وتعالى أعطانا الاختيار والأسباب في الدنيا، ولكن في الآخرة يأتي لك الشيء بلا عمل، مختلفاً في مذاقه ورائحته عن الدنيا. إذن: فالذي يعمل وفي باله الأسباب فقط يعطى في الدنيا، والذي يعمل وفي باله خالق الأسباب يعطى في الحياتين؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ ..} تفسير : [النور: 39]. والسراب الذي تمشي له متخيلاً أنه ماء فإنك حين تصل إليه لا تجده شيئاً، هكذا الكافر يوم القيامة، يفاجأ بأن الله موجود، وجد الله سبحانه الذي لم يؤمن به، ويطلب من الله الأجر فيقال له: أجرك ممن عملت له. وما دمت لم تعمل لله فلا يوجد لك أجر في الآخرة؛ لأن الله هو الذي يجزي في الآخرة. وهنا يقول الحق سبحانه: {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ} أي: أنهم أخذوا نصيبهم من الدنيا، ولكن الآخرة ليس لهم فيها نصيب؛ لأن النصيب في الآخرة يأتي بـ "افعل" و "لا تفعل" في التكليف، فإذا فعلت الاثنين ترتقي، بدليل أن حضارة المسلمين استمرت ألف سنة حين أخذوا بالأسباب، ولم ينسوا المسبب.. بل حرسوا الأسباب بقيم المسبب في "افعل" و "لا تفعل"؛ فملكوا الدنيا ألف سنة. ولا توجد حضارة مكثت مثل هذه المدة، ولئن زالت الحضارة من أمم الإسلام سياسيّاً، فقد بقي دينهم في نفوسهم، ولا توجد حضارة عاشت مبادئها بعد زوال الحضارة إلا الإسلام. فقد بقي منارة هادية، رغم ضعف المسلمين سياسيّاً. وقول الحق سبحانه: {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ} أي: خذوا نصيبكم من الدنيا بالأسباب، ولكن تذكروا أنه استمتاع موقوت بزمن لا يملكه الإنسان؛ لأن عمر الفرد في الدنيا هو بعمر حياته فيها لا بعمر الدنيا نفسها؛ لأن الدنيا لك ولمن يأتي من بعدك. وعمرك فيها له حدود لا تعرف طوله. هل هو شهر أم سنة أم عشر سنين أم مائة عام؟ إذن: عمرك في الدنيا مظنون موقوت، فعملك لأسباب الدنيا محدودة المدة، بمقدار عمرك في الدنيا. وهَبْ أن عمرك طال وصرت من المعمرين فسوف ينتهي حتماً. ويقول الحق سبحانه: {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ} أي: أنتم تبعتموهم ومشيتم على أثرهم، وكلما فعلوا إثماً فعلتم إثماً، وهم خاضوا في الأنبياء، وأنتم خضتم أيضاً في الأنبياء، فأنتم شركاء الذين ذهبوا من قبلكم في أنكم أخذتم نصيبكم وحظكم في الدنيا، ولم تدعوا للآخرة شيئاً. فلكم نصيب فيما فعلوا؛ هذه واحدة. أما الثانية: فقد بدلتم الحق بالباطل. إذن: فأنتم أخذتم المقدمات مثلهم فقادتكم إلى نفس النتائج. {أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي: فشلت وضاعت أعمالكم في الدنيا، كما حبطت أعمال من سبقوكم في الدنيا وكانوا قسمين: قسماً وقف يحارب دعوة الخير حتى قتل ولم يأخذ شيئاً، وقسماً لم ينله قتل فأفلت بدنياه، ولكنه خرج منها دون أن يفعل شيئاً لآخرته فلم يأخذ شيئاً في الآخرة. فالذين حبطت أعمالهم في الدنيا هم الذين قُتلوا وأسروا وشُردوا وغنمت أموالهم بأيدي المؤمنين، فكأنهم خسروا الدنيا فلم يأخذوا من متاعها شيئاً، وأيضاً خسروا الآخرة، وهذا هو الخسران المبين، أي الخسران المحيط بطرفي الزمن؛ الدنيا والآخرة. ويقول الحق بعد ذلك: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى محذرا المنافقين أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من الأمم المكذبة. { قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ } أي: قرى قوم لوط. فكلهم { أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } أي: بالحق الواضح الجلي، المبين لحقائق الأشياء، فكذبوا بها، فجرى عليهم ما قص اللّه علينا، فأنتم أعمالكم شبيهة بأعمالهم، استمتعتم بخلاقكم، أي: بنصيبكم من الدنيا فتناولتموه على وجه اللذة والشهوة معرضين عن المراد منه، واستعنتم به على معاصي اللّه، ولم تتعد همتكم وإرادتكم ما خولتم من النعم كما فعل الذين من قبلكم وخضتم كالذي خاضوا، أي: وخضتم بالباطل والزور وجادلتم بالباطل لتدحضوا به الحق، فهذه أعمالهم وعلومهم، استمتاع بالخلاق وخوض بالباطل، فاستحقوا من العقوبة والإهلاك ما استحق من قبلهم ممن فعلوا كفعلهم، وأما المؤمنون فهم وإن استمتعوا بنصيبهم وما خولوا من الدنيا، فإنه على وجه الاستعانة به على طاعة اللّه، وأما علومهم فهي علوم الرسل، وهي الوصول إلى اليقين في جميع المطالب العالية، والمجادلة بالحق لإدحاض الباطل. قوله { فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } إذ أوقع بهم من عقوبته ما أوقع. { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث تجرأوا على معاصيه، وعصوا رسلهم، واتبعوا أمر كل جبار عنيد.
همام الصنعاني
تفسير : 1108- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ}: [الآية: 69]، قال: بدينهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):