٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
70
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في الرغبة في الدنيا وفي تكذيب الأنبياء والمبالغة في إيذائهم بين أن أولئك الكفار المتقدمين منهم، فذكر هؤلاء الطوائف الستة، فأولهم قوم نوح والله أهلكهم بالإغراق، وثانيهم: عاد والله تعالى أهلكهم بإرسال الريح العقيم عليهم. وثالثهم: ثمود والله أهلكهم بإرسال الصيحة والصاعقة. ورابعهم: قوم إبراهيم أهلكهم الله بسبب سلب النعمة عنهم، وبما روي في الأخبار أنه تعالى سلط البعوضة على دماغ نمروذ. وخامسهم: قوم شعيب وهم أصحاب مدين، ويقال: إنهم من ولد مدين بن إبراهيم، والله تعالى أهلكهم بعذاب يوم الظلة، والمؤتفكات قوم لوط أهلكهم الله بأن جعل عالي أرضهم سافلها، وأمطر عليهم الحجارة، وقال الواحدي: {المؤتفكات} جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة الانقلاب، وتلك القرى ائتفكت بأهلها، أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها، يقال أفكه فائتفك أي قلبه فانقلب، وعلى هذا التفسير فالمؤتفكات صفة القرى، وقيل ائتفاكهن انقلاب أحوالهن من الخير إلى الشر. واعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } وذكر هؤلاء الطوائف الستة وإنما قال ذلك لأنه أتاهم نبأ هؤلاء تارة، بأن سمعوا هذه الأخبار من الخلق، وتارة لأجل أن بلاد هذه الطوائف، وهي بلاد الشام، قريبة من بلاد العرب، وقد بقيت آثارهم مشاهدة، وقوله: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ } وإن كان في صفة الاستفهام إلا أن المراد هو التقرير، أي أتاهم نبأ هؤلاء الأقوام. ثم قال: {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ } وهو راجع إلى كل هؤلاء الطوائف. ثم قال: {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } أي بالمعجزات ولا بدَّ من إضمار في الكلام، والتقدير: فكذبوا فعجل الله هلاكهم. ثم قال: {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } والمعنى: أن العذاب الذي أوصله الله إليهم ما كان ظلماً من الله لأنهم استحقوه بسبب أفعالهم القبيحة ومبالغتهم في تكذيب أنبيائهم، بل كانوا ظلموا أنفسهم، قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أنه تعالى لا يصح منه فعل الظلم وإلا لما حسن التمدح به، وذلك دل على أنه لا يظلم ألبتة، وذلك يدل على أنه تعالى لا يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه، ودل على أن فاعل الظلم هو العبد، وهو قوله: {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } وهذا الكلام قد مر ذكره في هذا الكتاب مراراً خارجة عن الإحصاء.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ} أي خبر {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. والألف لمعنى التقرير والتحذير؛ أي ألم يسمعوا إهلاكنا الكفار من قبل. {قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} بدل من الذين. {وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ} أي نُمرود بن كنعان وقومه. {وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ} مدين اسم للبلد الذي كان فيه شعيب، أهلكوا بعذاب يوم الظُّلَّة. {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتِ} قيل: يراد به قوم لوط؛ لأن أرضهم ائتفَكت بهم، أي انقلبت؛ قاله قتادة. وقيل: المؤتفكات كل من أهلك؛ كما يقال: انقلبت عليهم الدنيا. {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} يعني جميع الأنبياء. وقيل: أتت أصحاب المؤتفكات رسلُهم؛ فعلى هذا رسولهم لوط وحده؛ ولكنه بعث في كل قرية رسولاً، وكانت ثلاث قَرْيات، وقيل أربع. وقوله تعالى في موضع آخر: «والمؤتفكة» على طريق الجنس. وقيل: أراد بالرسل الواحد؛ كقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} تفسير : [المؤمنون: 51] ولم يكن في عصره غيره. قلت ـ وهذا فيه نظر؛ للحديث الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله خاطب المؤمنين بما أمر به المرسلين»تفسير : الحديث. وقد تقدّم في «البقرة». والمراد جميع الرسل، والله أعلم. قوله تعالى: {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي ليهلكهم حتى يبعث إليهم الأنبياء. {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ولكن ظلموا أنفسهم بعد قيام الحجة عليهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى واعظاً لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل {قَوْمِ نُوحٍ} وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض، إلا من آمن بعبده ورسوله نوح عليه السلام، {وَعَادٍ} كيف أهلكوا بالريح العقيم لما كذبوا هوداً عليه السلام، {وَثَمُودَ} كيف أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحاً عليه السلام، وعقروا الناقة، {وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ} كيف نصره الله عليهم، وأيده بالمعجزات الظاهرة عليهم، وأهلك ملكهم نمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني، لعنه الله، {وِأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ} وهم قوم شعيب عليه السلام، وكيف أصابتهم الرجفة وعذاب يوم الظلة، {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ} قوم لوط وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال في الآية الأخرى: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ } تفسير : [النجم: 53] أي: الأمة المؤتكفة، وقيل: أم قراهم، وهي سدوم، والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوط عليه السلام، وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي: بالحجج والدلائل القاطعات، {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي: بإهلاكه إياهم؛ لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل، وإزاحة العلل، {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي: بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم الحق، فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ } خبر {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ } قوم هود {وَثَمُودَ } قوم صالح {وَقَوْمِ إِبْرٰهِيمَ وِأَصْحَٰبِ مَدْيَنَ } قوم شعيب {وَٱلْمُؤْتَفِكَٰتِ } قُرى قوم لوط: أي أهلها؟{أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيّنَٰتِ } بالمعجزات فكذبوهم فأهلكوا {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } بأن يعذبهم بغير ذنب {وَلَٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بارتكاب الذنب.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {.. وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} فيه وجهان: أحدهما: أن المساكن الطيبة قصور من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر مبنية بهذه الجواهر. الثاني: أنها المساكن التي يطيب العيش فيها، وهو محتمل. وأما جنات عدن فيها خمسة أوجه: أحدها: أنها جنات خلود وإقامة، ومنه سمي المعدن لإقامة جوهره فيه، ومنه قول الأعشى: شعر : فإن تستضيفوا إلى حِلمِه تضافوا إلى راجح قد عدَن تفسير : يعني ثابت الحلم. وهذا مروي عن ابن عباس. والثاني: أن جنات عدن هي جنات كروم وأعناب بالسريانية، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. والثالث: أن عدن اسم لبطنان الجنة اي وسطها، قاله عبد الله بن مسعود. والرابع: أن عدن اسم قصر في الجنة، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن. والخامس: أن جنة عدن في السماء العليا لا يدخلها إلا نبيّ أو صديق أو شهيد أو إمام عدل. وجنة المأوى في السماء الدنيا تأوي إليها أرواح المؤمنين رواه معاذ بن جبل مرفوعاً.
ابن عطية
تفسير : يقول عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر الأمم السالفة التي عصت الله بتكذيب رسله فأهلكها، {وعاد وثمود} قبيلتان، {وقوم إبراهيم} نمرود وأصحابه وتباع دولته، {وأصحاب مدين} قوم شعيب، {والمؤتفكات} أهل القرى الأربعة، وقيل السبعة الذين بعث إليهم لوط صلى الله عليه وسلم، ومعنى {المؤتفكات } المنصرفات والمنقلبات أفكت فانتفكت لأنها جعل أعاليها أسفلها، وقد جاءت في القرآن مفردة تدل على الجمع، ومن هذه اللفظة قول عمران بن حطان: [البسيط] شعر : بمنطق مستبينٍ غيرِ مُلْتَبِسٍ به اللسانُ وإني غيرُ مؤتفكِ تفسير : أي غير منقلب منصرف مضطرب ومنه يقال للريح مؤتفكة لتصرفها، ومنه {أية : أنى يؤفكون} تفسير : [المائدة: 75، التوبة: 30، العنكبوت: 61، الزخرف،87، المنافقون:4] والإفك صرف القول من الحق إلى الكذب، والضمير في قوله {أتتهم رسلهم} عائد على هذه الأمم المذكورة، وقيل على {المؤتفكات} خاصة، وجعل لهم رسلاً وإنما كان نبيهم واحداً لأنه كان يرسل إلى كل قرية رسولاً داعياً، فهم رسل رسول الله ذكره الطبري، والتأويل الأول في عود الضمير على جميع الأمم أبين ـ وقوله {بالبينات} يريد بالمعجزات وهي بينة في أنفسها بالإضافة إلى الحق لا بالإضافة إلى المكذبين بها، ولما فرغ من ذكر المنافقين بالأشياء التي ينبغي أن تصرف عن النفاق وتنهى عنه عقب ذلك بذكر المؤمنين بالأشياء التي ترغب في الإيمان وتنشط إليه تلطفاً منه تعالى بعباده لا رب غيره، وذكرت هنا " الولاية " إذ لا ولاية بين المنافقين لا شفاعة لهم ولا يدعو بعضهم لبعض وكان المراد هنا الولاية في الله خاصة، وقوله {بالمعروف } يريد بعبادة الله وتوحيده وكل ما اتبع ذلك، وقوله {عن المنكر} يريد عن عبادة الأوثان وكل ما اتبع ذلك، وذكر الطبري عن أبي العالية أنه قال كل ما ذكر الله في القرآن من الأمر بالمعروف فهو دعاء من الشرك إلى الإسلام وكل ما ذكر من النهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين، وقال ابن عباس في قوله {ويقيمون الصلاة } هي الصلوات الخمس. قال القاضي أبو محمد : وبحسب هذا تكون {الزكاة } المفروضة، والمدح عندي بالنوافل أبلغ، إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرض، وقوله {ويطيعون الله ورسوله } جامع للمندوبات، والسين في قوله {سيرحمهم } مدخلة في الوعد مهلة لتكون النفوس تنعم برجائه، وفضله تعالى زعيم بالإنجاز، وقوله تعالى {وعد الله المؤمنين} الآية، وعد في هذه الآية صريحة في الخير، وقوله {من تحتها } إما من تحت أشجارها وإما من تحت علياتها وإما من تحتها بالإضافة إلى مبدأ كما تقول في دارين متجاورتين متساويتي المكان هذه تحت هذه، وذكر الطبري في قوله {ومساكن طيبة} حديث : عن الحسن أنه قال سألت عنها عمران بن الحصين وأبا هريرة، فقالا على الخبير سقطت، سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قصر في الجنة من اللؤلؤ فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراًتفسير : ، ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ أو يقرب منها فاختصرتها طلب الإيجاز، وإما قوله {في جنات عدن} فمعناه في جنات إقامة وثبوت يقال عدن الشيء في المكان إذا أقام به وثبت، ومنه المعدن أي موضع ثبوت الشيء، ومنه قول الأعشى: شعر : وإن يستضيفوا إلى حلمه يضافوا إلى راجح قد عدن تفسير : هذا الكلام اللغوي، وقال كعب الأحبار {جنات عدن} هي بالفارسية جنات الكروم والأعناب. قال القاضي أبو محمد: وأظن هذا وهماً اختلط بالفردوس، وقال الضحاك {جنات عدن } هي مدينة الجنة وعظمها فيها الأنبياء والعلماء والشهداء وأئمة العدل والناس حولهم بعد، والجنات حولها، وقال ابن مسعود: "عدن " هي بطنان الجنة وسرتها، وقال عطاء: "عدن" نهر في الجنة جناته على حافته، وقال الحسن: "عدن " قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل ومد بها صوته. قال القاضي أبو محمد : والآية تأبى هذا التخصيص إذ قد وعد الله بها جمع المؤمنين، وأما قوله { ورضوان من الله أكبر } فروي فيه أن الله عز وجل يقول لعباده إذ استقروا في الجنة هل رضيتم؟ فيقولون وكيف لا نرضى يا ربنا؟ فيقول إني سأعطيكم أفضل من هذا كله، رضواني أرضى عليكم فلا أسخط عليكم أبداً، الحديث، وقوله {أكبر} يريد أكبر من جميع ما تقدم، ومعنى الآية والحديث متفق، وقال الحسن بن أبي الحسن وصل إلى قلوبهم برضوان الله من اللذة والسرور ما هو ألذ عندهم وأقر لأعينهم من كل شيء أصابوه من لذة الجنة. قال القاضي أبو محمد : ويظهر أن يكون قوله تعالى: {ورضوان من الله أكبر} إشارة إلى منازل المقربين الشاربين من تسنيم والذين يرون كما يرى النجم الفائز في الأفق، وجميع من في الجنة راض والمنازل مختلفة، وفضل الله تعالى متسع و {الفوز} النجاة والخلاص ومن {أية : أدخل الجنة فقد فاز } تفسير : [آل عمران: 185] والمقربون هم في الفوز العظيم، والعبارة عندي عن حالهم بسرور وكمال أجود من العبارة عنها بلذة، واللذة أيضاً مستعملة في هذا.
الخازن
تفسير : {ألم يأتهم} رجع من الخطاب إلى الغيبة يعني ألم يأت هؤلاء المنافقين والكفار وهو استفهام بمعنى التقرير أي قد أتاهم {نبأ} يعني خبر {الذين من قبلهم} يعني الأمم الماضية الذين خلوا من قبلهم كيف أهلكناهم حين خالفوا أمرنا وعصوا رسلنا ثم ذكرهم فقال تعالى: {قوم نوح} يعني أنهم أهلكوا بالطوفان {وعاد} أهلكوا بالريح العقيم {وثمود} أهلكوا بالرجفة {وقوم إبراهيم} أهلكوا بسلب النعمة وكان هلاك نمرود ببعوضة {وأصحاب مدين} وهم قوم شعيب أهلكوا بعذاب يوم الظلة {والمؤتفكات} يعني المنقلبات التي جعل الله عاليها سافلها وهي مدائن قوم لوط. وإنما ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الطوائف الستة، لأن آثارهم باقية وبلادهم بالشام والعراق واليمن وكل ذلك قريب من أرض العرب، فكانوا يمرون عليهم ويعرفون أخبارهم {أتتهم رسلهم بالبينات} يعني بالمعجزات الباهرات والحجج الواضحات الدالة على صدقهم فكذبوهم وخالفوا أمرنا كما فعلتم أيها المنافقون والكفار فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم فتعجل لكم النقمة كما عجلت لهم {فما كان الله ليظلمهم} يعني بتعجيل العقوبة {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} يعني أن الذي استحقوه من العقوبة بسبب ظلمهم أنفسهم. قوله عز وجل: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} لما وصف الله المنافقين بالأعمال الخبيثة والأحوال الفاسدة ثم ذكر بعده ما أعد لهم من أنواع الوعيد في الدنيا والآخرة عقبة بذكر أوصاف المؤمنين وأعمالهم الحسنة وما أعد لهم من أنواع الكرامات والخيرات في الدنيا والآخرة فقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} يعني الموالاة في الدين واتفاق الكلمة والعون والنصرة. فإن قلت: إنه سبحانه وتعالى قال في وصف المنافقين: بعضهم من بعض وقال في وصف المؤمنين: بعضهم أولياء بعض فما الفائدة في ذلك. قلت: لما كان نفاق الأتباع وكفرهم إنما حصل بتقليد المتبوعين وهم الرؤساء والأكابر وحصل بمقتضى الطبيعة أيضاً قال فيهم بعضهم من بعض ولما كانت الموافقة الحاصلة بين المؤمنين بتسديد الله وتوفيقه وهدايته لا بمقتضى الطبيعة وهوى النفس وصفهم بأن بعضهم أولياء بعض فظهر الفرق بين الفريقين وظهرت الفائدة. وقوله سبحانه وتعالى: {يأمرون بالمعروف} يعني بالإيمان بالله ورسوله واتباع أمره والمعروف كل ما عرف في الشرع من خير وبر وطاعة {وينهون عن المنكر} يعني عن الشرك والمعصية والمنكر كل ما ينكره الشرع وينفر منه الطبع وهذا في مقابلة ما وصف به المنافقون وضده {ويقيمون الصلاة} يعني الصلاة المفروضة ويتممون أركانها وحدودها {ويؤتون الزكاة} يعني الواجبة عليهم وهو في مقابلة ويقبضون أيديهم {ويطيعون الله ورسوله} يعني فيما يأمرهم به وهو في مقابلة نسوا الله فنسيهم {أولئك} يعني المؤمنين والمؤمنات الموصوفين بهذه الصفات {سيرحمهم الله} لما ذكر الله ما وعد به المنافقين من العذاب في نار جهنم ذكر ما وعد به المؤمنين والمؤمنات من الرحمة والرضوان وما أعد لهم في الجنان والسين في قوله سيرحمهم الله للمبالغة والتوكيد {إن الله عزيز حكيم} وهذا يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب لأن العزيز هو الذي لا يمتنع عليه شيء أراد فهو قادر على إيصال العقوبة لمن أراد والحكيم هو الذي يدبر عباده على ما يقتضيه العدل والإنصاف {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} لما ذكر الله في الآيات المتقدمة وعيد المنافقين وما أعد لهم في نار جهنم من العذاب ذكر سبحانه وتعالى في هذه الآية ما وعد به المؤمنين من الخير والثواب والمراد بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار البساتين التي يتحير في حسنها الناظر لأنه سبحانه وتعالى قال ومساكن طيبة في جنات عدن والمعطوف يجب أن يكون مغايراً للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في جنات عدن ومناظرهم الجنات التي هي البساتين فتكون جنات عدن هي المساكن التي يسكنونها والجنات الأخر هي البساتين التي يتنزهون فيها فهذه فائدة المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه والفرق بينهما {ومساكن طيبة} يعني ومنازل يسكنونها طيبة {في جنات عدن} يعني في بساتين خلد وإقامة يقال عدن بالمكان إذا أقام به. روى الطبري بسنده عن عمران بن حصين وأبي هريرة قال:"حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ومساكن طيبة في جنات عدن قال: قصر من لؤلؤة في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون على كل فراش زوجة من الحور العين"تفسير : وفي رواية: "حديث : كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من طعام وفي كل بيت سبعون وصيفة ويعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله أجمع"تفسير : وروي بسنده عن أبي الدرداء قال:"حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عدن داره يعني دار الله التي لم ترها عين ولا تخطر على قلب بشر وهي مسكنه ولا يسكنها مع بني آدم غير ثلاثة النبيين والصديقين والشهداء يقول الله عز وجل طوبى لمن دخلك" تفسير : هكذا رواه الطبري فإن صحت هذه الرواية فلا بد من تأويلها فقوله عدن داره يعني دار الله وهو من باب حذف المضاف تقديره عدن دار أصفياء الله تعالى التي أعدها لأوليائه وأهل طاعته والمقربين من عباده. عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن"تفسير : أخرجه البخاري ومسلم. وقال عبد الله بن مسعود: عدن بطنان الجنة يعني وسطها. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. وقال عطاء بن السائب: عدن نهر في الجنة خيامه على حافتيه، وقال مقاتل والكلبي: عدن أعلى درجة في الجنة فيها عين التسنيم والجنان حولها محدقة بها وهي مغطاة من حين خلقها الله حتى ينزلها أهلها وهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ومن شاء الله وفيها قصور الدر والياقوت والذهب فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأبيض. قال الإمام فخر الدين الرازي: حاصل هذا الكلام أن في جنات عدن قولين: أحدهما: أنه اسم علم لموضع معين في الجنة وهذه الأخبار والآثار تقوي هذا القول قال صاحب الكشاف وعدن علم بدليل قوله {أية : جنات عدن التي وعد الرحمن عباده}تفسير : [مريم: 61] والقول الثاني إنه صفة للجنة. قال الأزهري: العدن مأخوذ من قولك: عدن بالمكان إذا أقام به. يعدن عدواناً فبهذا الاشتقاق قالوا: الجنات كلها جنات عدن. وقوله سبحانه وتعالى: {ورضوان من الله أكبر} يعني أن رضوان الله الذي ينزله عليهم أكبر من كل ما سلف ذكره من نعيم الجنة {ذلك هو الفوز العظيم} إشارة إلى ما تقدم ذكره من نعيم الجنة والرضوان (ق). عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط بعده عليكم أبداً "
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {والمؤتفكات} وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش ويزيد والحلواني عن قالون والأعشى وحمزة في الوقف. الوقوف: {والمؤتفكات} ط {بالبينات} ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب. {يظلمون} ه {أولياء بعض} م لما مر. {ورسوله} ط {سيرحمهم الله} ط {حكيم} ه {عدن} ط {أكبر} ط {العظيم} ه {واغلظ عليهم} ط {جهنم} ط {المصير} ه {ما قالوا} ط {لم ينالوا} ج {من فضله} ط {خيراً لهم} ج {والآخرة} ج {ولا نصير} ه {من الصالحين} ه {معرضون} ه {يكذبون} ه {علام الغيب} ه ج لاحتمال النصب أو الرفع على الذم. وكونه بدلاً من الضمير في {نجواهم} {فيسخرون منهم} ط. {سخر الله منهم} ط لإتمام الجزء مع اختلاف النظم. {أليم} ه. التفسير: لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في تكذيب الأنبياء والاشتغال بالنعيم الزائل بين أن أولئك الكفار من هم فذكر ست طوائف سمع العرب أخبارهم لأن بلادهم - وهي الشام - قريبة من بلادهم وقد بقيت آثارهم مشاهدة، ولهذا صدر الكلام بحرف الاستفهام للتقرير. فأوّلهم قوم نوح وقد أهلكوا بالإغراق، وثانيهم: قوم عاد وأهلكوا بالريح العقيم، وثالثهم: ثمود وأخمدوا بالصيحة، ورابعهم: قوم إبراهيم سلط الله عليهم البعوض وكفى شر ملكهم وهو نمرود ببعوضة واحدة سلطها على دماغه. وخامسهم: أًصحاب مدين قوم شعيب أخذتهم الرجفة، وسادسهم: أصحاب المؤتفكات قوم لوط أمطر الله عليهم الحجارة بعد أن جعل مدائنهم عاليها سافلها. والائتفاك الانقلاب سميت مدائنهم بذلك لأن الله تعالى قلبها عليهم. ويمكن أن يراد بالمؤتفكات الناس لانقلاب أحوالهم من الخير إلى الشر. ثم قال {أتتهم رسلهم بالبينات} أي بالمعجزات ولا بد بعد هذا من إضمار والتقدير فكذبوهم فأهلكهم الله. {فما كان الله ليظلمهم} قالت المعتزلة: أي ما صح منه الظلم ولكنهم استحقوا ذلك بسبب كفرهم، وقد مر الكلام في أمثال ذلك. ثم بين أن شأن المؤمنين في الدنيا والآخرة بخلاف المنافقين فقال {والمؤمنون} الآية قال بعض العلماء: إنما قال ههنا {أولياء بعض} وهناك{أية : من بعض}تفسير : [الآية: 66] لأن نفاق أتباع المنافقين حصل بسبب التقليد لأكابرهم بمقتضى الطبع والعادة بخلاف الموافقة بين المؤمنين فإنها بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية. وأقول: كون بعض المنافقين من بعض يوجب اشتراكهم في أمر من الأمور بالجملة كالدار أو حكم من الأحكام الشرعية أو سيرة وطريقة وهذا هو المقصود، ولكنه يحتمل أن يكون تكلفاً أو بطريق النفاق لأن سببه انعقاد غرض من الأغراض الدنيوية العاجلة فذكر الله تعالى اشتراكهم في ذلك بلفظ "من" لمكان الاحتمال المذكور. وأما تشارك المؤمنين في السيرة فلما كان سبببه الإخلاص والعصبية للدين والاجتماع على ما يفضي إلى سعادة الدارين كانت الموالاة بينهم محققة فصرح الله تعالى بذلك. ثم وصفهم بأضداد صفات المنافقين فقال {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} وهاتان الصفتان بالنسبة إلى غيرهم. ثم قال {ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة} وهاتان لهم في أنفسهم وهما بإزاء قوله في صفة المنافقين{أية : ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون}تفسير : [التوبة: 54]. ثم وصفهم بالطاعة على الإطلاق فقال {ويطيعون الله ورسوله} أي في كل ما يأتون ويذرون. ثم ذكر ما أعدّ لهم من الثواب على سبيل الإجمال فقال {أولئك سيرحمهم الله} والسين تفيد المبالغة في إنجاز الوعد بالرحمة كما يؤكد الوعيد به إذا قلت سأنتقم منك يوماً يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك. ثم ختم الآية بقوله {إن الله عزيز حكيم} وفيه ترغيب للمؤمنين وترهيب للكافرين لأن العزيز هو من لا يمنع من مرادة في عباده من رحمة أو عقوبة. والحكيم هو الذي يدبر عباده على وفق ما يقتضيه العدل والصلاح. ثم فصل ما أجمل من الرحمة بقوله {وعد الله المؤمنين} الآية. وقد كثر كلام أصحاب الآثار في معنى جنات عدن فقال الحسن: سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن ذلك فقالا: على الخبير سقطت سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"حديث : هو قصر في الجنة من اللؤلؤ وفيه سبعون داراً من ياقوته حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً على كل فراش زوجة من الحور العين، وفي كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، وفي كل بيت سبعون وصيفة يعطى المؤمن من القوة ما يأتي على ذلك أجمع"تفسير : . وعن ابن عباس أنها دار الله لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر. وقال ابن مسعود: جنات عدن بطنان الجنة أي وسطها قاله الأزهري. وبطنان الأودية المواضع التي يستنقع فيها السيل واحدها بطن. وقال عطاء عن ابن عباس: هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى. وسائر الجنات حولها. وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب. فتهب الريح من تحت العرش فتدخل عليها كثبان المسك الأبيض. وقال عبد الله بن عمر: وإن في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلا نبي أو صدّيق أو شهيد. وفي هذه الأخبار دلالة على أن عدناً علم ويؤيده قوله{أية : جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب}تفسير : [مريم: 61] ولو لم يكن علماً لم يوصف بالمعرفة. ولا ريب أن أصله صفة من قولك عدن بالمكان إذا أقام به، ومنه المعدن للمكان الذي تخلق فيه الجواهر. وعلى هذا فالجنات كلها جنات عدن. إلا أن يغلب الاسم على بعضها. {ورضوان من الله} شيء يسير من رضاه {أكبر} من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز وكرامة وكل خطب مع رضا المولى هين، وكل نعيم مع سخطه منغص. وفيه دليل على أن السعادات الروحانية أعلى حالاً وأشرف مآلاً من السعادات الجسمانية بل لا نسبة لتلك اللذة والابتهاج إلى هذه على أن الاعتراف بالسعادات الجسمانية واجب من حيث الشرع {ذلك} الموعود والرضوان {هو الفوز العظيم} وحده دون ما يعده الناس فوزاً. في الحديث"حديث : إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا وأي شيء أفضل من ذلك قال أدخل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً" تفسير : ثم عاد مرة أخرى إلى شرح أحوال المنافقين فقال {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} قال الضحاك: أي جاهد الكفار واغلظ على المنافقين لأن المنافق لا تجوز محاربته في ظاهر الشرع. وضعف بأن النسق يأباه. وقيل: المراد بهؤلاء المنافقين هم الذين عرفه الله حالهم فصاروا كسائر الكفرة فجاز قتالهم، وزيف بأنه وإن علم حالهم بالوحي إلا أنه مأمور بأن يحكم بالظاهر والقوم كانوا يظهرون الإسلام فكيف يجوز قتالهم؟ والصحيح أن الجهاد بذل المجهود في حصول المقصود وهو شامل للسيف واللسان، فالمراد جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة واغلظ عليهم في الجهادين جميعاً عن ابن مسعود: إن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه، فإن لم يستطع فبقلبه بأن يكرهه ويبغضه ويتبرأ منه. وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها. واعترض عليه بأن إقامة الحدود واجبة على كل فاسق فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق. واعتذر عنه بأنه قال ذلك لأن عنده أن كل فاسق منافق أو لأن الغالب ممن يقام عليه الحد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كونه منافقاً. قال الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم؟ فحلفوا ما قالوا شيئاً من ذلك فأنزل الله تعالى {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} وعن قتادة أن رجلين اقتتلا رجل من جهينة ورجل من غفار فظهر الغفاري على الجهني فنادى عبد الله بن أبيّ يا بني الأوس انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك وقال {أية : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل}تفسير : [المنافقون: 8] فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فجعل يحلف بالله ما قال فنزلت الآية. ومعنى قوله {وكفروا بعد إسلامهم} أنهم أظهروا الكفر بعدما كانوا يظهرون الإسلام. أما قوله {وهموا بما لم ينالوا} فهو الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم عند مرجعه من تبوك، وذلك أنه توافق خمسة عشر رجلاً منهم على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، وكان عمار بن ياسر أخذ بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها، فبيناهم كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلام فالتفت فإذا هم قوم متلثمون فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا. وقيل: همّ المنافقون بقتل عامر بن قيس لرده على الجلاس بن سويد وقد مر في تفسير قوله {أية : يحلفون بالله لكم ليرضوكم} تفسير : [التوبة: 62] وقيل: أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وما نقموا} وما أنكروا وما عابوا {إلا أن أغناهم} كقول القائل. شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم تفسير : وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فظفروا بالغنائم وجمعوا الأموال. وروي أنه قُتل للجلاس مولى فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى، ثم استعطف قلوبهم بعد صدور هذه الجنايات العظيمة عنهم فقال {فإن يتوبوا يك} يعني ذلك الرجوع {خيراً لهم} وكان الجلاس ممن تاب فحسنت توبته {وإن يتولوا} يعرضوا عن التوبة {يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا} بالقتل والسبي واغتنام الأموال. وقيل: بما ينالهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب. وقيل: في القبر وأما عذاب الآخرة فمعلوم {وما لهم في الأرض} يحتمل أرض الدنيا وأرض القيامة. ثم بين أن هؤلاء كما ينافقون الرسول والمؤمنين فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه فقال {ومنهم من عاهد الله} يروى عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يرزقني مالاً فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه. ثم قال مرة أخرى فقال: أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال فضة وذهباً لسارت. فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالاً لأويتن كل ذي حق حقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ارزق ثعلبة مالاً. فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر خبره فقال: يا ويح ثعلبة ثلاثاً وأنزل الله عز وجل{أية : خذ من أموالهم صدقة}تفسير : [التوبة: 103] فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة وقال لهما. مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما. فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودان إليّ. فانطلقا وأخبرا السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهم بها فلما رأوها قالوا: ما يجب هذا عليك وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال: بلى خذوه فإن نفسي بها طيبة. فأخذوها منه ثم رجعا على ثعلبة فقال: أروني كتابكما ثم قال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما ودعا للسلمي بالبركة ثم نزلت الآية وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة، فخرج إليه وقال: يا ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا. فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إن الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك. فجعل يحثو التراب على رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني. فلما أبى أن يقبل منه شيئاً رجع إلى منزله وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئاً، ثم أتى أبا بكر حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي من الأنصاري فاقبل صدقتي. فقال: لم يقبلها رسول الله وأنا أقبلها؟ فقبض أبو بكر وأبى أن يقبلها، ثم جاء بها إلى عمر في خلافته فلم يقبلها في خلافة عثمان ولم يقبل صدقته واحد من الخلفاء اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وأقول وما ذاك إلا بشؤم اللجاج أولاً وآخراً. قال بعض العلماء: المعاهدة أعم من أن تكون باللسان أو بالقلب. وقال المحققون. إنه لا بد من التلفظ بها لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسهم ولم يتلفظوا به"تفسير : ولأن قوله عز من قائل {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدّقن} ظاهره مشعر بالقول اللساني. والمراد بالفضل إيتاء المال بطريق التجارة أو الاستغنام ونحوهما. وأصل {لنصدقن} لنتصدقن أدغمت التاء في الصاد. والمصدق المعطي لا السائل كقوله تعالى{أية : وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين}تفسير : [يوسف: 88] ومعنى قوله {ولنكونن من الصالحين} عن ابن عباس أنه أراد الحج. ولعل المراد إخراج كل ما يجب إخراجه إذ لا دليل على التقييد. ثم وصفهم بصفات ثلاث فقال {فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} فالبخل عبارة عن منع الحق الشرعي، والتولي نقض العهد، والإعراض أراد به الإحجام عن تكاليف الله وأن ذلك منهم عادة معتادة، ولترتب هذا الذم عل أمنع الصدقة ولإطلاق لفظة البخل عليه وهو في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب. ذكر العلماء أن الصدقة الملتزمة في قوله {لنصدقن} هي الصدقة الواجبة. وأن الرجل قد عاهد ربه أن يقول بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة. إن وسع الله عليه دون ما يلتزنه الإنسان بالنذر من المندوبات إذ لا دليل في الآية على ذلك مع أن سبب النزول يأباه. فإن قيل: الزكاة لا تلزم بسبب الالتزام وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحلول الحول. قلنا إن قوله {لنصدقن} لا دليل فيه على الفور بل المراد لنصدقن في وقته الذي يليق به. وفي الآية دلالة على أن الرجل حين عاهد بهذا العهد كان مسلماً ثم إنه لما بخل بالمال ولم يف بالعهد صار منافقاً ويؤكده قوله سبحانه {فأعقبهم نفاقاً} عن الحسن وقتادة أن أعقب مسند إلى ضمير البخل أي أورثهم البخل نفاقاً متمنكاً في قلوبهم لأنه كان سبباً فيه وباعثاً عليه، وكذا التأويل إن جعل عائداً إلى التولي أو الإعراض. وضعت بأن حاصل هذه الأمور كونه تاركا لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثراً في حصول النفاق فى القلب لأن ترك الواجب عدم والنفاق جهل وكفر وهو أمر وجودي والعدم لا يؤثر في الوجود، ولأن هذا الترك قد يوجد في حق كثير من الفساق مع أنه لا يحصل معه النفاق، ولأنه لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان الترك جائزاً شرعاً أو محرماً فسبب اختلافات الأحكام الشرعية لا يخرج السبب عن كونه مؤثراً، ولأن البخل أو التولي أو الإعراض هو بعينه خلاف ما وعدوا الله به فيصير تقدير الآية إن التولي أوجب النفاق بسبب التولي وهذا كلام كما ترى فلم يبق إلا أن يسند الفعل إلى الله تعالى فيكون فيه دليل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله، ومن هنا قال الزجاج: معناه أنهم لما ضلوا في الماضي فالله تعالى يضلهم عن الدين في المستقبل ومما يؤكد القول بأن الضمير في {أعقب} لله أن الضمير في قوله {إلى يوم يلقونه} عائد إلى الله. وللمعتزلة أن يقولوا: النفاق وإن سلم أنه وجودي لكنه أمر شرعي ولا يبعد جعل شيء عدمي أمارة عليه. وأيضاً الترك المقرون بالتولي والإعراض لا نسلم أنه لا يحصل معه النفاق، ولا يلزم من كون الترك المحرم موجباً للكفر بجعل الشارع كون الترك الجائز كذلك، ولا نسلم أن البخل هو بعينه إخلاف الوعد والكذب بل قد يقع البخل من غير سبق وعد. سلمنا عود الضمير إلى الله لكن من أين يلزم كونه خالقاً للكفر والنفاق، ولم لا يجوز أن يراد فأعقبهم الله العقوبة على النفاق بإحداث الغم في قلوبهم وضيق الصدور ما ينالهم من الذل والخوف، أو يراد فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا؟ ولأهل السنة أن يقولوا هذا عدول عن الظاهر مع أن الدلائل الدالة على وجوب انتهاء الكل إلى مشيئة الله وتقديره تعضد ما قلناه. قال العلماء: ظاهر الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق، فعلى المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه. ومذهب الحسن البصري أن نقض العهد يوجب النفاق لا محالة تمسكاً بهذه الآية وبقوله صلى الله عليه وسلم"حديث : ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" تفسير : وقال عطاء بن أبي رباح: حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ذكر قوله "حديث : ثلاث من كن فيه فهو منافق" تفسير : في المنافقين خاصة الذين حدثوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبوه واؤتمنوا على سره فخانوه ووعدوه أن يخرجوا معه إلى الغزو فأخلفوه. ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال: إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله، وإذا وعد أخلف كما ذكره الله فيمن عاهده، وإذا أؤتمن على دين الله خان في السر وكان قلبه على خلاف لسانه. ونقل أن واصل بن عطاء أرسل إلى الحسن رجلاً فقال: إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم{أية : فأكله الذئب}تفسير : [يوسف: 17] فكذبوا، ووعدوه في قولهم{أية : وإنّا له لحافظون}تفسير : [يوسف: 12] فأخلفوا وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل تحكم بكونهم منافقين؟ فتوقف الحسن في مذهبه. قال أهل التفسير: قوله {إلى يوم يلقونه} دل على أن ذلك المعاهد يموت على ذلك وكان كما أخبر فيكون إخباراً بالغيب ومعجزاً. قال الجبائي: هذا اللقاء لا شك أنه ليس بمعنى الرؤية لأن الكفار لا يرونه بالاتفاق فدل على أن اللقاء في القرآن ليس بمعنى الرؤية، وضعف بأنه لا يلزم من عدم كون هذا اللقاء بمعنى الرؤية كون كل لقاء ورد في القرآن كذلك كقوله{أية : الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} تفسير : [البقرة: 46]. ثم وبخهم على التجاهل أو عدم العلم بعلم الله وإحاطته بضمائرهم وتناجيهم فقال {ألم يعلموا} الآية. والسر ما ينطوي عليه الصدر، والنجوى ما يكون بين اثنين وأكثر مع الإخفاء عن غيرهم. والترتيب يدل على التخليص كما مر في الإنجاء كان المتناجيين تخلصا عن غيرهما ومنه{أية : خلصوا نجياً}تفسير : [يوسف: 80] ومعنى الآية كيف تتجرؤون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع أنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ويعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر لأنه العالم بجميع المعلومات على أي وجه يفرض؟! عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم ذات يوم وحثهم على أن يجمعوا الصدقات، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها فاجعلها في سبيل الله وأمسكت نصفها لعيالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى إنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم. وقيل؛ صولحت إحداهما على ثمانين ألفاً. وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله فأخذت صاعين من تمر، أمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر لربي، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضعه في الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياء وسمعة، وأما أبو عقيل فإنه جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر والله غني عن صاعه فأنزل الله سبحانه {الذين يلمزون المطوعين} أي المتطوعين فأدغمت. والتطوع التنفل وهو الطاعة لله بما ليس بواجب. والجهد بالضم والفتح شيء قليل يعيش به المقل، قاله الليث. وقال الفراء: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم. وفرق ابن السكيت بينهما فقال: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة. وقال الشعبي: الأول في العمل والثاني في القوة {سخر الله منهم} خير لا دعاء كقوله{أية : الله يستهزىء بهم}تفسير : [البقرة: 15] وقد عرفت أن هذا من قبيل المشاكلة، أو المراد منه لازم السخرية وهو إيقاع الذل والهوان بهم. وقال الأصم: المراد أنه تعالى يكلفهم إنفاق المال مع أنه لا يثيبهم عليه، وإنما توجه الذم على المنافقين في هذا اللمز لأن الحكم بالرياء لمن يعطي الكثير كعبد الرحمن بن عوف وعاصم حكم على بواطن الأمور وذلك أمر استأثر الله به ورسوله. وأيضاً لمز الفقير على جهد المقل سفه لأنه لما لم يقدر إلا عليه فقد بذل كل ما له فعلم منه غالباً أنه إن قدر على أكثر من ذلك لم يكن منه منع، وسعي الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين خير له من أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة، ولو لم تكن فيه إلا الثقة بالله والدخول في زمرة من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة لكفى به منقبة وفضلاً. التأويل: {بعضهم أولياء بعض} لأن التعارف في عالم الأرواح يوجب التآلف في عالم الأشباح {يأمرون بالمعروف} الحقيقي أي بطلبه والمطلوب هو الله لقوله "فأحببت أن أعرف" {وينهون عن المنكر} وهو ما يقطع العبد عن الله {ويقيمون الصلاة} الحقيقية {ويؤتون الزكاة} يعني ما فضل عن كفافهم الضروري {ويطيعون الله ورسوله} بخلاف المنافقين فإنهم يطيعون النفس والهوى {ومساكن طيبة} على مراتب النفوس الطيبة فإن الطيبات للطيبين {يا أيها النبي} يعني القلب الذي له نبأ من مقام الانباء {جاهد} النفوس الكافرة بسيف الصدق والمخالفات، وجاهد نفوس المريدين الذين يدعون الإرادة في الظاهر دون الباطن {واغلظ عليهم} في المؤخذات بأحكام الشريعة والطريقة حتى تتمرن نفوسهم وإلا {فمأواهم جهنم} القطيعة {ولقد قالوا كلمة الكفر} وهي التي توجب الإنكار والاعتراض على الشيخ {وهموا بما لم ينالوا} أي أثبتوا لأنفسهم مرتبة الشيخوخة قبل أوانها {وما نقموا} إلا أن الشيخ رباهم بلبان فضل الله عن حلمة الولاية فلم يحتملوا لضيق حوصلة الهمة، ومربد الطريقة أعظم من مربد الشريعة فلهذا يكون عذابه أليماً في الدنيا والآخرة كما قال الجنيد: لو أقبل صديق إلى الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله {ومنهم من عاهد الله} باستعداده الفطري {لئن آتانا من فضله} جعلنا متمكنين من اكتساب الكمال {لنصدقن} لنصرفن كل ما أعطانا فيما أعطى لأجله {إلى يوم يلقونه} أي يلقون جزاء النفاق {وأن الله علام الغيوب} يعلم ما توسوس به أنفسهم وهو غيب عن الخلق ويعلم ما يستكن في قلوبهم وهو غيب في نفوسهم ولهذا قال {الغيوب}. {سخر الله منهم} ذكره بلفظ الماضي ليعلم أن سخرية المنافقين نتيجة سخرية الله بهم في الأزل.
البقاعي
تفسير : ولما قرر سبحانه بهذه الآية تشابههم في التمتع بالعاجل، وختمها بهذا الختام المؤذن بالانتقام، اتبع ذلك بتخويفهم من متشابهتهم فيما حل بطوائف منهم ملتفتاً إلى مقام الغيبة لأنه أوقع في الهيبة، فقال مقرراً لخسارتهم: {ألم يأتهم} أي هؤلاء الأخابث من أهل النفاق {نبأ الذين من قبلهم} أي خبرهم العظيم الذي هو جدير بالبحث عنه ليعمل بما يقتضيه حين عصوا رسلنا؛ ثم أبدل من ذلك قوله: {قوم نوح} أي في طول أعمارهم وامتداد آثارهم وطيب قرارهم بحسن التمتع في أرضهم وديارهم، أهلكهم بالطوفان، لم يبق عن عصاتهم إنسان، وعطف على قوم القبيلة فقال؛ {وعاد} أي في قوة أبدانهم وعظيم شأنهم ومصانعهم وبنيانهم وتجبرهم في عظيم سلطانهم، أهلكهم بالريح الصرصر، لم يبق ممن كفر منهم بشر {وثمود*} أي في تمكنهم من بلاد الحجر عرضها وطولها، جبالها وسهولها، أهلكوا بالرجفة لم يبق من الكفار منهم ديار {وقوم إبراهيم} أي في ملك جميع الأرض بطولها والعرض، سلب الله منهم الملك بعد شديد الهلك {وأصحاب مدين} أي في جمع الأموال ومد الآمال إلى أخذها من حرام وحلال ونقص الميزان والمكيال فعمهم الله بالنكال {والمؤتفكات} أي في إعراضهم عن صيانة أعراضهم في اتباع لذائذ أغراضهم، فأثمر لهم فعلهم بعد الخسف عموم انقراضهم. ولما كان كأنه قيل: ما نبأهم؟ قال: {أتتهم رسلهم} أي أتى كل أمة منهم رسولها {بالبينات} أي بالمعجزات الواضحات جداً بسبب أنهم ارتكبوا من القبائح ما أوجب دمارهم {فما} أي فتسبب عن ذلك أنه {ما} {كان الله} أي مع ما له من صفات الكمال مريداً {ليظلمهم} أي لأن يفعل بهم في الإهلاك قبل الإنذار وإنارة البينات فعل من تعدونه فيما بينكم ظالماً، ولكنه أرسل إليهم الرسل فكذبوا ما أتوهم به من البينات، فصار العالم بحالهم إذا سمع بهلاكهم وبزوالهم يقول:ما ظلمهم الله {ولكن كانوا} أي دائماً في طول أعمارهم {أنفسهم} أي لاغيرها {يظلمون*} أي بفعل ما يسبب هلاكها، فإن لم ترجعوا أنتم فنحن نحذركم مثل عذابهم، ولعله خص هؤلاء بالذكر من بين بقية الأمم لما عند العرب من أخبارهم وقرب ديارهم من ديارهم مع أنهم كانوا أكثر الأمم عدداً، وأنبياؤهم أعظم الأنبياء - نبه على ذلك أبو حيان. ولعله قدم أصحاب مدين على قوم لوط وهم بعدهم في الزمان لأن هذا في شأن من وصفوا بأنهم لم يجدوا ما يحميهم مما هم فيه من العذاب بمشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم من ملجأ أو مغارات أومدخل كما أن من قبل المؤتفكات جمعهم هذا الوصف، فقوم نوح عليه السلام لم يمنعهم لما أتاهم الماء معقل منيع ولا جبل رفيع مع أنه يقال؛ إنهم هم الذين بنوا الأهرامات، منها ما هو بالحجارة ليمنعهم من الحادث الذي هددوا به إن كان ماء، ومنها ما هو بالطوب التي لتحميهم منه إن كان ناراً، وعاد لما أتتهم الريح بادروا إلى البيوت فقلعت الأبواب وصرعتهم في أجواف بيوتهم، ولم يغنهم ما كانوا يبنون من المصانع المتقنة والقصور المشيدة والحصون الممنعة، وحال ثمود معروف في توسعهم في البيوت جبالاً وسهولاً فما منعتهم من الصيحة التي أعقبت الرجفة، وقوم إبراهيم عليه السلام بنوا الصرح، ارتفاعه خمسة آلاف ذراع أو فرسخان ليتوصل به نمرود كما زعم - إلى السماء فأتى الله بنيانهم من القواعد، ألقت الريح رأسه في البحر وخر عليهم الباقي وهم تحته، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، وأصحاب مدين لما أتاهم العذاب فأخذتهم الرجفة الرجفة لما تغن عنهم مدينتهم، وإن كانوا هم أصحاب الأيكة فإنهم لما اشتد عليهم الحر يوم الظلة قصدوا المغارات فوجدوها أحر من وجه الأرض فخرجوا منها هاربين، فجمعتهم الظلة بنسيم بارد خيلته إليهم ولبست به عليهم، فلما اجتمعوا تحتها أحرقتهم نارها وبقي عليهم عارها، وأما قوم لوط فأتاهم الأمر بغتة، لم يشعروا حتى قلبت مدائنهم بعد أن رفعت إلى عنان السماء، واتبعت حجارة الكبريت تضطرم ناراً،ولعله خص قوم لوط بالذكر من بين من ليس له هذا الوصف لأن العرب كانوا يمرون على مواضع مدائنهم ويشاهدونها، وعبر عنهم بالمؤتفكات لأن القصص للمنافقين الذين مبنى أمرهم على الكذب وصرف الأمور عن ظواهرها وتقليبها عن وجوهها، فالمعنى أن أولئك لما قلبوا فعل النكاح عن وجهه عوقبوا بقلب مدائنهم، فهؤلاء جديرون بمثل هذه العقوبة لقلب القول عن وجهه، ومادة "إفك" بكل ترتيب تدور على القلب، فإذا كافأت الرجل فكأنك قلبت فعله فرددته إليه وصرفته عنك، وأكاف الدابة شبه بالإناء المقلوب، والكذب صرف الكلام عن وجهه فهو إفك لذلك - والله أعلم. ولما بين سبحانه أن المنافقين بعضهم من بعض وما توعدهم به وما استتبعه من تهديدهم بإهلاك من شابهوه، وختم بما سبب هلاكهم من إصرارهم وعدم اعتبارهم، عطف ببيان حال المؤمنين ترغيباً في التوبة طعماً في مثل حالهم فقال: {والمؤمنون} {والمؤمنات} أي بما جاءهم عن ربهم {بعضهم أولياء} ولم يقل: من، كما قال في المنافقين: من {بعض} دلالة على أن أحداً منهم لم يقلد أحداً في أصل الإيمان ولا وافقه بحكم الهوى، بل كلهم مصوبون بالذات وبالقصد الأول إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدليل القطعي على حسب فهم كل أحد منهم، فذلك دليل على صحة إيمانهم ورسوخهم في تسليمهم وإذعانهم؛ ثم بين ولا يتهم بأنهم يد واحدة على من سواهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فقال: {يأمرون} أي كلهم على وجه التعاضد والتناصر {بالمعروف} وهو كل ما عرفه الشرع وأجازه {وينهون} أي كذلك {عن المنكر} لا يحابون أحداً. ولما ذكر الدليل القطعي على صحة الإيمان، أتبعه أفضل العبادات فقال: {ويقيمون الصلاة} أي يوجدونها على صفة تقتضي قيامها بجميع أركانها وشروطها وحدودها مراقبة لربهم واستعانة بذلك على جميع ما ينوبهم {ويؤتون الزكاة} أي مواساة منهم لفقرائهم صلة للخلائق بعد خدمة الخالق، وذلك مواز لقوله في المنافقين {ويقبضون أيديهم} ولما خص أمهات الدين، عم بياناً لأنهم لا ينسون الله طرفة عين بل يذكرونه في كل حال بقوله: {ويطيعون الله} أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه {ورسوله} إشارة إلى حسن سيرتهم وجميل عشرتهم. ولما ذكر مكارم أفعالهم، أتبعه حسن مآلهم فقال: {أولئك} أي العظماء الشأن {سيرحمهم الله} أي المستجمع لصفات الكمال بوعد لا خلف فيه، وهذا مع الجملة قبله مواز لقوله في المنافقين {نسوا الله فنسيهم} وهو إشارة إلى أن الطريق وعر والأمر شديد عسر، فالسائر مضطر إلى الرحمة، وهي المعاملة بعد الغفران بالإكرام، لا قدرة له على قطع مفاوز الطريق إلا بها، ولا وصول له أصلاً من غير سببها. ولما بين أن حال المؤمنين مبني على الموالاة وكانت الموالاة فقيرة إلى الإعانة قال: {إن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {عزيز} أي غالب غير مغلوب بوجه، فهو قادر على نصر من يوالي حزبه وأن ينيله من ثمرات الرحمة ما يريد من غير أن يقدر أحد على أن يحول بينه وبين شيء من ذلك {حكيم*} أي فلا يقدر أحد على نقض ما يحكمه وحل يبرمه، وفي ذلك إشارة إلى أن المؤمنين لا يزالون منصورين على كل مفسد ما داموا على هذه الخلال من الموالاة وما معها من حميد الخصال.
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِهِمْ} أي المنافقين {نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي خبرُهم الذي له شأنٌ وهو ما فعل بهم والاستفهامُ للتقرير والتحذير {قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرٰهِيمَ وِأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ} وهم قومُ شعيبٍ {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ} قَرْياتُ قومِ لوطٍ ائتفَكَت بهم أي انقلبت بهم فصار عاليها سافلَها وأُمطروا حجارةً من سجيل وقيل: قرياتُ المكذبـين بهم وائتفاكُهن انقلابُ أحوالِهن من الخير إلى الشر {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ} استئنافٌ لبـيان نبئهم {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} الفاءُ للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلامُ ويستدعيه النظامُ أي فكذبوهم فأهلكهم الله تعالى فما ظلمهم بذلك، وإيثارُ ما عليه النظمُ الكريمُ للمبالغة في تنزيه ساحةِ السُّبحان عن الظلم، أي ما صح وما استقام له أن يظلِمهم ولكنهم ظلموا أنفسَهم، والجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبل في قوله عز وجل: {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} للدِلالة على استمرار ظلمِهم حيث لم يزالوا يعرِّضونها للعقاب بالكفر والتكذيب، وتقديمُ المفعول لمجرد الاهتمام به مع مراعاة الفاصلةِ من غير قصدٍ إلى قصر المظلومية عليهم على رأي من لا يرى التقديمَ موجباً للقصر فيكون كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ }تفسير : [هود: 101] من غير قصر للظلم على الفاعل أو المفعول وسيجيء لهذا مزيدُ بـيان في قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }تفسير : . [يونس: 44] {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} بـيانٌ لحسن حالِ المؤمنين والمؤمنات حالاً ومآلاً إثرَ بـيانِ قبحِ حالِ أضدادِهم عاجلاً وآجلاً، والتعبـيرُ عن نسبة هؤلاء بعضِهم إلى بعض بالولاية وعن نسبة أولئك بمن الاتصالية للإيذان بأن نسبةَ هؤلاء بطريق القرابة الدينيةِ المبنية على المعاقدة المستتبعةِ للآثار من المعونة والنصرة وغيرِ ذلك ونسبةُ أولئك بمقتضى الطبـيعةِ والعادة {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} أي جنسِ المعروف والمنكرِ المنتظمَين لكل خير وشر {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ} فلا يزالون يذكرون الله سبحانه فهو في مقابلة ماسبق من قوله تعالى: نسُوا الله {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـوٰةَ} بمقابلة قوله تعالى: {أية : وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} تفسير : {وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي في كل أمر ونهي، وهو بمقابله وصفِ المنافقين بكمال الفسقِ والخروج عن الطاعة {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى المؤمنين والمؤمنات باعتبار اتصافِهم بما سلف من الصفات الفاضلة وما فيه من معنى البعدِ للإشعار ببُعد درجتِهم في الفضل أي أولئك المنعوتون بما فصل من النعوت الجليلة {سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ} أي يُفيض عليهم آثارَ رحمتِه من التأيـيد والنصرة البتة لما أن السين مؤكدةٌ للوقوع كما في قولك: سأنتقم منك {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} تعليلٌ للوعد أي قويٌّ قادرٌّ على إعزاز أوليائه وقهر أعدائه {حَكِيمٌ} يبني أحكامَه على أساس الحِكمةِ الداعيةِ إلى إيصال الحقوقِ من النعمة والنقمة إلى مستحقيها من أهل الطاعة وأهلِ المعصية وهذا وعدٌ للمؤمنين متضمِّنٌ لوعيد المنافقين كما أن ما سبق في شأن المنافقين من قوله تعالى: {فَنَسِيَهُمْ} وعيدٌ لهم متضمنٌ لوعد المؤمنين فإن منعَ لطفِه تعالى عنهم لطفٌ في حق المؤمنين.
القشيري
تفسير : ألم يَنْتَهِ إليهم خبرُ القرون الماضية، ونبأُ الأمم الخالية كيف دَمَّرْنا عليهم جَمْعَهُم، وكيف بَدَّدْنَا شمْلَهم؟ قَضَيْنَا فيهم بالعدْل، وحَكَمْنَا باستئصالِ الكُلِّ، فلم يَبْقَ منهم نافخُ نار، ولم يحصلوا إلاَّ على عارٍ وشنار.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم يأتهم} اى المنافقين {نبأ الذين من قبلهم} اى خبرهم الذى له شأن وهو ما فعلو وما فعل بهم والاستفهام للتقرير والتحذير اى قد اتاهم خبر الامم السالفة وسمعوه فليحذروا من الوقوع فيما وقعوا {قوم نوح} اغرقوا بالطوفان وهو بدل من الذين {وعاد} اهلكوا بريح صرصر {وثمود} اهلكوا بالرجفة والصيحة {وقوم ابراهيم} اهلك نمرود ببعوضة واهلك اصحابه بالهدم {واصحاب مدين} اى واهل مدين وهم قوم شعيب اهلكوا بالنار يوم الظلة ومدين هو مدين بن ابراهيم نسبت القربة اليه {والمؤتفكات} الظاهر انه عطف على مدين وهى قربات قوم لوط ائتفكت بهم اى انقلبت بهم فصار عاليها سافلها وامطروا حجارة من سجيل {اتتهم} اى جميع من تقدم من المهلكين {رسلهم بالبينات} اى بالحجج والبراهين فكذبوهم فاهلكهم الله {فما كان الله ليظلمهم} اى لم يكن من عادته ما يشابه ظلم الناس كالعقوبة بلا جرم {ولكن كانوا انفسهم يظلمون} حيث عرضوها للعقاب بالكفر والتكذيب: قال الصائب شعر : جرا زغير شكايت كنم كه همجو حباب هميشه خانه خراب هواى خويشتنم تفسير : فعلى العاقل اى لا يغتر بالقوة والاولاد والاموال فان كلها فى معرض الزوال: قال الحافظ شعر : ببال وبر مرو ازره كه تير برتانى هوا كرفت زمانى ولى بخاك نشست تفسير : يعنى لا تغتر بقدرتك وقوتك البدنية والدنيوية ولا تخرج بسببها عن الصراط المستقيم فان حالك مشابه لحال السهم فانه وان علا على الهواء زمانا لكنه يسقط على الارض فآخر كل علو هو السفل وآخر كل قدرة هو العجز فلا بد من تدارك الامر بالتوبة والاستغفار قبل نزول ما نزل بالقوم الاشرار. قال بعض الصالحين خرجت الى السوق ومعى جارية حبشية فاجلستها فى مكان وقلت لها لا تبرحى حتى اعود اليك فذهبت ثم عدت الى المكان فلم اجدها فيه فانصرفت الى منزلى وانا شديد الغضب عليها فجاءتنى وقالت لى يا مولاى لا تعجل علىّ فانك اجلستنى بين قوم لا يذكرون الله تعالى فخشيت ان ينزل بهم خسف وانا معهم فقلت ان هذه امة قد رفع عنها الخسف اكراما لنبيها محمد صلى الله عليه وسلم فقالت ان رفع عنها خسف المكان فما رفع عنها خسف القلوب يا من خسف بمعرفته وقلبه وهو فى غفلته من بلائه وكربه بادر الى حميتك ودوائك قبل موتك وفنائك. وعن عائشة رضى الله عنها قالت حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والناس حوله "ايها الناس استحيوا من الله حق الحياء" فقال رجل يا رسول الله انا نستحيى من الله فقال "من كان منكم مستحييا فلا يبيتن ليلة الا واجله بين عينيه وليحفظ البطن وما وعى والرأس وما حوى وليذكر الموت والبلى وليترك زينة الدنيا"تفسير : قال الله تعالى لموسى وهارون علهيما السلام ولو اشاء ان ازينكما بزينة علم فرعون حين يراها ان مقدرته تعجز عنها لفعلت ولكنى ازوى عنكما وكذلك افعل باوليائى وليس ذلك لهو انهم على ولكن ليستكملوا حظهم من كرامتى شعر : مكو جاهى از سلطنت بيش نيست كه ايمن تر ازملك درويش نيست تفسير : فقد تقرر حال اهل الدنيا وحال اهل الآخرة فالعاقل يعتبر ويتبصر الى ان يموت ويقبر
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: في شأن المنافقين: {ألم يأتهم نبأُ}: خبر {الذين من قبلِهمْ}، كيف دمرهم الله وأهلكهم، حيث خالفوا رسلهم، {قوم نوح}؛ أغرقهم بالطوفان، {و} وقوم {عاد}؛ أهلكهم بالريح، {وثمودَ}؛ أهلكهم بالصيحة، {وقومِ إبراهيم}؛ أهلك نمرود ببعوض، وأهلك أصحابه به، أرسل عليهم سحابة من البعوض فخرطتهم، ودخلت بعوضة في دماغه فأكلت دماغه، حتى هلك، {وأصحاب مَدينَ}، وهم قوم شعيب، أُهلكوا بالنار يوم الظلة، {والمؤتفكات}؛ مدائن قوم لوط، ائتفكت بهم، أي انقلبت، فصار عاليها سافلها، وأمطروا حجارات من سجيل. {أتتهم رسلُهم} أي: كل واحدة منهن أتاها رسول {بالبيات}؛ بالمعجزات الواضحة، {فما كان الله ليظلمهم} أي: لم يكن من عادته ما يشابه ظلم الناس، كالعقاب بلا جرم. {ولكن كانوا أنفسهم يَظلمُون}؛ حيث عرضوها للعقاب بالكفر والتكذيب. الإشارة: ينبغي للمؤمن المشفق على نفسه أن يتحرى مواطن الهلكة، فيجتنبها بقدر الإمكان؛ فينظر ما فعل الله بأهل المخالفة والمعاصي، فيهرب منها بقدر إمكانه، وينظر ما فعل بأهل طاعته وطاعة رسوله من النصر والعز في الدارين، فيبادر إليها فوق ما يطيق، ويعظم الرسل، ومن كان على قدمهم ممن حمل الأمانة بعدهم، ويشد يده على صحبتهم وخدمتهم؛ فهذا يسعد سعادة الدارين. وبالله التوفيق. ثم ذكر أضداد المنافقين، فقال: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}.
الطوسي
تفسير : آية في الكوفي والبصري وآيتان في المدنيين آخر الأولى {وثمود}. قوله {ألم} صورته صورة الاستفهام، والمراد به التقرير والتحذير. وإنما حسن في الاستفهام أن يخرج إلى معنى التقرير لأن الاحتجاج بما يلزمهم الاقرار به فقال الله تعالى مخاطباً لنبيه: ألم يأت هؤلاء المنافقين الذين وصفهم خبر من كان قبلهم من قوم نوح وعاد وثمود وقوم ابراهيم وأصحاب مدين، على وجه الاحتجاج عليهم فيتعظوا، لأن الامم الماضية والقرون السالفة إذا كان الله تعالى إنما أهلكها ودمرها لتكذيبهم رسلها كان تذلك واجبا في كل أمة يساوونهم في هذه العلة، فأقل احوالهم ألا يأمنوا أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك. قال الرماني: والحكمة تقتضي إذا تساوى جماعة في استحقاق العقاب ان لا يجوز العفو عن بعضهم دون بعض مع تساويهم في الاحوال. وانما يجوز العدول من قوم إلى قوم في الواحد منا للحاجة وهذا يتم على قول من يقول بالأصلح، ومن لا يقول بذلك يقول: هو متفضل بذلك وله ان يتفضل على من يشاء ولا يلزم ان يفعل ذلك بكل مكلف. وقوله {والمؤتفكات} قال الحسن وقتادة: هي ثلاث قرّيات لقوم لوط ولذلك جمعها بالالف والتاء. وقال في موضع آخر {أية : والمؤتفكة أهوى} تفسير : فجاء به على طريق الجنس. قال الزجاج: معناه ائتفكت بأهلها انقلبت. ومدين ابن ابراهيم اسم له. وقوله {أتتهم رسلهم بالبينات} معناه جاءت هؤلاء المذكورين الرسل من عند الله معها حجج ودلالات على صدقها فكذبوا بها فأهلكهم الله، وحذف لدلالة الكلام عليه. ثم قال {فما كان الله ليظلمهم} اي لم يكن الله ظالماً لهم بهذا الاهلاك {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} بأن فعلوا من الكفر والمعاصي ما استحقوا به الهلاك. وقيل ان الله تعالى اهلك قوم نوح بالغرق. واهلك عاداً بالريح الصرصر العاتية. وأهلك ثمود بالرجفة والصاعقة. وأهلك قوم ابراهيم بالتشتيت وسلب الملك والنعمة. وأهلك اصحاب مدين بعذاب يوم الظلة. وأهلك قوم لوط بانقلاب الارض، كل ذلك عدل منه على من ظلم نفسه وعصى الله واستحق عقابه.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} استفهام انكارىّ لتقريعهم على اشتغالهم بالملاهى مع وصول خبر السّابقين اليهم {قَوْمِ نُوحٍ} أغرقوا بالطّوفان {وَعَادٍ} قوم هود (ع) اقتصر على اسمهم اختصاراً اهلكوا بالرّيح {وَثَمُودَ} قوم صالح (ع) {وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ} ولمّا لم يكن لهم اسم خاصّ قال قوم ابراهيم (ع) اهلكوا بالبعوضة {وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ} قوم شعيب (ع) اهلكوا بالنّار {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتِ} اهل المؤتفكات وهم قوم لوط سمّيت قراهم بالمؤتفكات اى المنقلبات لانقلابها بهم بجعل عاليها سافلها كذا فى الخبر عن الصّادق (ع) {أَتَتْهُمْ} اى المذكورين كلّهم {رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} بالاحكام الواضحات من احكام الرّسالة او بالمعجزات {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} بالاهلاك بما ذكر لاتمامه الحجّة عليهم بالرّسل والبيّنات وتخلّل كان مع لام الجحود للمبالغة فى نفى الظّلم عنه تعالى وقد مضى انّه لنفى المبالغة فى الظّلم وهو اعمّ من المبالغة فى نفى الظّلم لكنه فى العرف يستعمل فى المبالغة فى نفى الظّلم {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} لانّهم بانصرافهم بعد وضوح الحّجة وتكذيبهم عرضوها للعقاب الدّائم وتقديم المفعول للحصر لتوهّم انّهم بتكذيبهم ظلموا الانبياء (ع) وتخلّل كان للاشارة الى استمرار الظّلم بحيث كأنّه صار طبيعة لهم.
الهواري
تفسير : قوله: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالمُؤْتَفِكَاتِ} قريات قوم لوط الثلاث، خسف بهم، رفعها جبريل بجناحه حتى سمع أهل سماء الدنيا صراخ كلابهم ثم قلبها. والمؤتفكات هي المنقلبات. وقال في آية أخرى: (أية : وَالمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى) تفسير : [النجم:53] وهي قريات قوم لوط الثلاث، فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة. يقول: ألم يأتهم خبرهم فيما أنزل الله في كتابه. قال: {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيِّنَاتِ} أي أتت جميع هؤلاء رسلهم بالبينات { فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي بإهلاكه إياهم بعد قيام الحجج عليهم برسلهم { وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي بجحودهم وبشركهم، يحذر هؤلاء ما فعل بمن كان قبلهم. قوله: { وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي في الالفة والاجتماع على دين الله { يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} وهو ما يعرف العباد عدله، { وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ} وهو ما يعرف العباد جوره. وقال الحسن: {يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ} أي بالإِيمان بالله {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ} أي: عن الكفر بالله. قال: { وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} أي على ما أمرهم الله به لا ينقصونها، ولا يقومون إليها كسالى، ولا يراءون الناس بها كما يفعل المنافقون. { وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} المفروضة، طيبة بها أنفسهم، ليس كما يصنع المنافقون الذين لا ينفقون إلا وهم كارهون. قال: { وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} في القول والعمل، وفي كل ما تعبّدهم به من جميع فرائضه، ليس كما صنع المنافقون الذين لم يطيعوا الله في كل ما تعبّدهم به من القول، أي إنهم قالوا ولم يعملوا، يعني المنافقين. { أُوْلَئِكَ} يعني المؤمنين الذين هذه صفتهم { سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ} أي: سيثيبهم الله {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: عزيز في نقمته حكيم في أمره.
اطفيش
تفسير : {ألَمْ يأتِهِم نَبَأ} خبر {الَّذينَ مِنْ قَبْلهم قَومِ} بيان بيان أو بدل {نُوحٍ} أهلكوا بالماء {وعادٍ} بالريح {وثمود} بالرجفة {وقَوْم إبْراهِيم} أهلك النمرود منهم بالبعوض، وسلبت نعمهم {وأصْحابِ مَدْين} قوم شعيب بالنار يوم الظلة {و} القرى {المؤتَفِكاتِ} أى المنقلبات، صار عاليها سافلها، وأمطروا حجارة من سجيل، وهى قرى قوم لوط، وقيل: القرى المنقلب أحوالهن من خير إلى شر، وهى قرى المكذبين مطلقا. {أتتْهُم رسُلُهم بالبيِّناتِ} الضميران لهؤلاء كلهم، وقيل: لأهل المؤتفكات، ويرده أن لهم رسولا واحدا لا رسلا وهو لوط عليه السلام، إلا أن يقال: المراد بالرسل لوط ورسله، فإنه كان يرسل إلى أهل كل قرية رسولا، أو المراد بالمؤتفكات قرى المكذبين كما مر، كقرى قوم لوط وهود وصالح والأول أبين. {فَما كانَ اللهُ ليظْلمهم} بالعذاب والإهلاك بلا جرم {ولكِنْ كانُوا أنفُسَهم يَظْلمون} إذ عرضوها للعذاب والإهلاك بالكفر والمعاصى، فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم، وخص ذكر هؤلاء لبقاء أثرهم بالشام والعراق واليمن، والعرب تشاهده، ثم ذكر الله سبحانه أمر المسلمين ترغيبا فيه، وصرفا عن أمر غيرهم لقوله: {والمؤمِنُون والمؤمِناتُ بعْضُهم أولياءُ بعضٍ ...}.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِهِمْ} أَى المنافقين ومن ذكر معهم، ولا التفات هنا كما قيل، بل هذا تبع للالتفات فى قوله: أُولئك حبطت، إِلى الخاسرون. من الخطاب إِلى الغيبة الملتفت عنها إِلى الخطاب فى قوله من قبلكم إِلخ. {نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} هددهم بأَخبار من قبلهم وهلاكهم لأَفعالهم لينزجروا حذراً من أَن يقع بهم ما وقع بمن قبلهم. {قَومِ نوحٍ} بدل مطابق باعتبار ما يعطف عليه. والمبدل منه الذين والمراد به الستة هنا، فلا ينافى بدل المطابقة أن المهلكين أَكثر منها وإِنما اقتصر عليها لقربها من أَرض العرب يرون أَثرها بالشام واليمن والعراق ويعرفون أَخبارها، أغرق قوم نوح وأَحرقوا أَيضاً بالنار فى الماء {وَعَادٍ} قبيلة سموا باسم أَبيهم أَهلكوا بالصيحة والريح المتضمنة للنار، يراها فى الريح هود نبيهم عليه السلام ومن معه من المؤمنين {وَثَمُود} قوم صالح وهم قبيلة سموا باسم أَبيهم أَهلكوا بالزلزلة أَولا والصيحة من السماء أَو بالصيحة أَولا أَو بهما معا دفعة وتقطعت قلوبهم، ولم يقل وقوم هود وقوم صالح لأَنهم لم يشهروا عند النزول باسمى هود وصالح، وقيل لأَنه آمن منهم الكثير. {وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ} سلطانهم نمروذ ـ بفتح النون وضمها أو إِعجام الذال ـ أَهلكه الله ببعوضة وأَهلك القوم الكفار معه بالبعوض، تأكل طعامهم ودوابهم وأَجسادهم فماتوا بها وبالجوع، أهلكته بعوضة واحدة دخلت دماغه عكسا وإذلالا لطغيانه، وأَبوه كنعان {وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ} أَهل قرية تسمى مدين باسم جدهم مدين ابن إِبراهيم وهم قوم شعيب أَهلكوا بالنار، إِذ نصبت لهم سحابة فى صحرائهم وقد اتقد ما سواها حرارة وغلت مياههم سبعة أَيام حتى اجتمعوا تحتها لبرد تحتها فأُحرقوا منها، وهذا قول ابن عباس رضى الله عنهما، وقال قتادة أُهلكوا بالصيحة وأَصحاب الأَيكة بالنار، قيل وهم شيت ولا يصح {وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} أَى وَأَهل القرى المؤتفكات أَى المنقلبة مطاوع أَفكها أَى قبلها فانقلبت صار أَعلاها أَسفلها، وهن قرى قوم لوط قلبت وضربوا بالحجارة من سجيل، وقيل المراد قرى المكذبين المتمردين انقلبت أَحوالهم من الخير إِلى الشر، فالائتفال فى هذا مجاز. قال ابن الرومى: شعر : وما الخسف أَن تلقى أَسافل بلدة أَعاليها بل أَن تسودَ الأَراذل تفسير : أَو بل الخسف رياسة الأَراذل {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} إِلخ بيان لنبأ فإِن خبرهم أَنهم أَتتهم رسلهم بالمعجزات فكذبوهم فأهلكوا {فَمَا كَانَ اللهُ لِيظْلِمَهُمْ} عطف على أُهلكوا، أَى لا يليق به أَدنى ظلم، ولم يعتد الظلم، أَو استمر نفى الظلم عنه {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ} مفعول لقوله {يَظْلِمُونَ} إِذ عرضوها للعقاب بكفرهم وقدم على طريق الاهتمام وللفاصلة والحصر لا يقال ظلمهم الله حاشاه ولا ينال عقابهم المؤمنين، وبعد ما عاب المافقين والكافرين بقبائحهم وعقابها مدح المؤْمنين بأَضدادها وثوابها.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِهِمْ} أي المنافقين {نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي خبرهم الذي له شأن والاستفهام للتقرير والتحذير {قَوْمُ نُوحٍ} أغرقوا بالطوفان {وَعَادٌ} أهلكوا بالريح {وَثَمُودُ} أهلكوا بالرجفة، وغير الأسلوب في القومين لأنهم لم يشتهروا بنبيهم، وقيل: لأن الكثير منهم آمن {وَقَوْمِ إِبْرٰهِيمَ} أهلك نمروذ رئيسهم ببعوض وأبيدوا بعده لكن لا بسبب سماوي كغيرهم {وِأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ} أي أهلها وهم قوم شعيب عليه السلام أهلكوا / بالنار يوم الظلة أو بالصيحة والرجفة أو بالنار والرجفة على اختلاف الروايات {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ} جمع مؤتفكة من الائتفاك وهو الانقلاب بجعل أعلى الشيء أسفل بالخسف، والمراد بها إما قريات قوم لوط عليه السلام فالائتفاك على حقيقته فإنها انقلبت بهم وصار عاليها سافلها وأمطر على من فيها حجارة من سجيل وإما قريات المكذبين المتمردين مطلقاً فالائتفاك مجاز عن انقلاب حالها من الخير إلى الشر على طريق الاستعارة كقول ابن الرومي:شعر : وما الخسف أن تلقى أسافل بلدة أعاليها بل أن تسود الأراذل تفسير : لأنها لم يصبها كلها الائتفاك الحقيقي. {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ} استئناف لبيان نبئهم، وضمير الجمع للجميع لا للمؤتفكات فقط {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي فكذبوهم فأهلكهم الله تعالى فما كان الخ، فالفاء للعطف على ذلك المقدر الذي ينسحب عليه الكلام ويستدعيه النظام، أي لم يكن من عادته سبحانه ما يشبه ظلم الناس كالعقوبة بلا جرم، وقد يحمل على استمرار النفي أي لا يصدر منه سبحانه ذلك أصلا بل هو أبلغ كما لا يخفى. وقول الزمخشري: أي فما صح منه أن يظلمهم وهو حكيم لا يجوز عليه القبيح مبني على الاعتزال. {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} حيث عرضوها بمقتضى استعدادهم للعقاب بالكفر والتكذيب، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار، وتقديم المفعول على ما قرره بعض الأفاضل لمجرد الاهتمام به مع مراعاة الفاصلة من غير قصد إلى قصر المظلومية عليهم على رأي من لا يرى التقديم موجباً للقصر كابن الأثير فيما قيل.
ابن عاشور
تفسير : عاد الكلام على المنافقين: فضمير {ألم يأتهم} و{من قبلهم} عائدَانِ إلى المنافقين الذين عاد عليهم الضمير في قوله: {أية : ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب}تفسير : [التوبة: 65]، أو الضميرُ في قوله: {أية : ولهم عذاب مقيم}تفسير : [التوبة: 68]. والاستفهام موجه للمخاطب تقريراً عنهم، بحيث يكون كالاستشهاد عليهم بأنّهم أتاهم نبأ الذين من قبلهم. والإتيان مستعمل في بلوغ الخبر كقوله تعالى: {أية : يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه} تفسير : وقد تقدّم في سورة العقود (41)، شُبْه حصول الخبر عند المخبَر بإتيان الشخص، بجامع الحصول بعد عدمه، ومن هذا القبيل قولهم: بلغَه الخبر، قال تعالى: {أية : لأنذركم به ومن بلغ} تفسير : في سورة الأنعام (19). والنبأ: الخبر وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : ولقد جاءك من نبإِ المرسلين}تفسير : في سورة الأنعام (34). وقوم نوح تقدم الكلام عليهم عند قوله تعالى: {أية : لقد أرسلنا نوحا إلى قومه} تفسير : في سورة الأعراف (59). ونوح: تقدّم ذكره عند قوله تعالى: {أية : إن الله اصطفى آدم ونوحاً} تفسير : في سورة آل عمران (33). وعاد: تقدّم الكلام عليهم عند قوله تعالى: {أية : وإلى عاد أخاهم هوداً} تفسير : في سورة الأعراف (65). وكذلك ثمود. وقوم إبراهيم هم الكلدانيون، وتقدّم الكلام على إبراهيم وعليهم عند قوله تعالى: {أية : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات} تفسير : في سورة البقرة (124). وإضافة {أصحاب} إلى {مَدْيَنَ} باعتبار إطلاق اسم مَدْيَن على الأرض التي كان يقطنها بنو مدين، فكما أنّ مدين اسم للقبيلة كما في قوله تعالى: {أية : وإلى مدين أخاهم شعيباً}تفسير : [الأعراف: 85] كذلك هو اسم لموطن تلك القبيلة. وقد تقدّم ذكر مَدين عند قوله: {أية : وإلى مدين أخاهم شعيباً}تفسير : في الأعراف (85). و{المؤتفكات} عطف على {أصحاب مدين}، أي نَبَأ المؤتفكات، وهو جمع مؤتفكة: اسم فاعلٍ من الائْتِفَاك وهو الانقلابُ. أي القرى التي انقلبت والمراد بها: قرى صغيرة كانت مساكنَ قوم لوط وهي: سدوم، وعمورة، وأدَمَة، وصِبْوِيم وكانت قرى متجاورة فخسف بها وصار عاليها سافلها. وكانت في جهات الأردن حول البحر الميت، ونبأ هؤلاء مشهور معلوم، وهو خبر هلاكهم واستئصالهم بحوادث مهولة. وجملة: {أتتهم رسلهم} تعليل أو استئناف بياني نشأ عن قوله: {نبأ الذين من قبلهم} أي أتتهم رسلهم بدلائل الصدق والحقّ. وجملة {فما كان الله ليظلمهم} تفريع على جملة {أتتهم رسلهم}، والمفرّع هو مجموع الجملة إلى قوله: {يظلمون} لأنّ الذي تفرّع على إتيان الرسل: أنّهم ظلموا أنفسهم بالعناد، والمكابرة، والتكذيب للرسل، وصمّ الآذان عن الحقّ، فأخذهم الله بذلك، ولكن نُظِم الكلام على هذا الأسلوب البديع إذا ابتدىء فيه بنفي أن يكون الله ظلمهم اهتماماً بذلك لفرط التسجيل عليهم بسوء صنعهم حتّى جُعل ذلك كأنّه هو المفرّع وجعل المفرّع بحسب المعنى في صورة الاستدراك. ونُفِي الظلم عن الله تعالى بأبلغ وجه، وهو النفي المقترن بلام الجحود، بعد فعل الكون المنفي، وقد تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج}تفسير : من سورة العقود (6). وأثبت ظُلمُهم أنفُسَهم لهم بأبلغ وجه إذْ أسند إليهم بصيغة الكون الماضي، الدالّ على تمكّن الظلم منهم منذ زمان مضى، وصيغ الظلم الكائن في ذلك الزمان بصيغة المضارع للدلالة على التجدّد والتكرّر، أي على تكرير ظلمهم أنفسهم في الأزمنة الماضية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 70- أفلا يعتبر المنافقون والكافرون بحال الذين سبقوهم، من قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم شعيب وقوم لوط، جاءتهم رسل الله بالحُجج البينات من عند الله، فكذبوا وكفروا، فأخذ الله كُلاً بذنبه، وأهلكهم جميعاً، وما ظلمهم الله بهذا، ولكنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم وتمردهم على الله واستحقاقهم العذاب - وحدهم - فهم الذين يظلمون أنفسهم. 71- والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أحباء ونصراء بعض بمقتضى الإيمان، يأمرون بما يأمر به دينهم الحق، وينهون عما ينكره الدين، يؤدون الصلاة فى أوقاتها، ويؤتون الزكاة لمستحقيها فى إبَّانها، ويمتثلون ما يأمر به اللَّه ورسوله، ويجتنبون ما ينهى عنه اللَّه ورسوله، وهؤلاء هم الذين سيظلون فى رحمة اللَّه، فإن اللَّه قادر على رعايتهم بالرحمة، حكيم فى عطائه. 72- وقد وعدهم اللَّه الجنة خالدين فى نعيمها، وأعد لهم مساكن تطيب بها نفوسهم فى دار الإقامة والخلود، ولهم مع ذلك رضاء اللَّه عنهم يستشعرون به، وهو النعيم الأكبر، وذلك هو الفوز العظيم. 73- يا أيها النبى، ثابر على جهادك فى ردع الكفار عن كفرهم، والمنافقين عن نفاقهم، واشتد عليهم فى جهادك، وإن مآلهم الذى أعدَه اللَّه لهم فى الآخرة هو جهنم، وما أَسوأ هذا المصير.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} {أَصْحَابِ} {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتِ} {بِٱلْبَيِّنَاتِ} (70) - يَقُولُ تَعَالَى وَاعِظاً الكُفَّارَ وَالمُنَافِقينَ المُكَذِّبِينَ: أَلَمْ تَصِلْهُمْ أَخْبَارُ َمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الأُمَمِ الذِّينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ الذِّينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ: قومِ نوحٍ وَما أَصَابَهُمْ مِنَ الغَرَقِ، وَقومِ عَادٍ وَكَيْفَ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ العَقِيمِ، وَقَوْمِ ثَمُودَ كَيْفَ أَخَذَتْهُمُ الصَّحْيَةُ، وَقَومِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ نَصَرَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ قَومِ شُعَيبٍ، وَكَيْفَ أَصَابَتْهُمْ الرَّجْفَةُ، وَعَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وَقَوْمِ لُوطٍ أَصْحَابِ المُؤْتَفِكَاتِ .. أَهَلَكَهُمُ اللهُ بِأَنْ جَعَلَ عَالِيَ دِيَارِهِمْ سَافِلَهَا. وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الأَقْوَامَ رُسُلُهُمْ بِالحَقِّ الوَاضِحِ مِنَ اللهِ (البَيِّنَاتِ)، فَلَمْ يُؤْمِنُوا لَهُمْ، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى عِنَادِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، فَدَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَظْلِمهُمْ بِمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَذَابِ، وَإِنَّمَا جَازَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ جَزَاءً وِفَاقاً، وَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ. المُؤْتَفِكَاتِ - المُنْقَلِبَاتِ (وَهِيَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ).
الثعلبي
تفسير : {أَلَمْ يَأْتِهِمْ} يعني المنافقين والكافرين {نَبَأُ} خبر {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} حين عصوا رسلنا وخالفوا أمرنا كيف أهلكناهم وعذّبناهم ثم ذكرهم. فقال {قَوْمِ نُوحٍ} بالمعنى بدلا من الذين أهلكوا بالطوفان {وَعَادٍ} أُهلكوا بالريح {وَثَمُودَ} أُهلكوا بالرجفة {وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ} بسلب النعمة وهلاك نمرود {وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ} يعني قوم شعيب بعذاب يوم الظلّة {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتِ} المنقلبات التي جعلت عاليها سافلها، وهم قوم لوط {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} فكذبوهم وعصوهم كما فعلتم يامعشر الكفّار فاحذروا بتعجيل النقمة {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} إلى قوله {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} في الدين والملة والعون والنصرة والمحبة والرحمة. قال جرير بن عبد الله سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة"تفسير : ، {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} بالإيمان والخير {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} مالا يعرف في شريعة ولا سنّة. قال أبو العالية كلمّا ذكر الله تعالى في كتابة من الأمر بالمعروف فهو رجوع من الشرك إلى الإسلام، والنهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الاوثان والشيطان {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} المفروضة {وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ} إلى قوله {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} ومنازل طيبة. قال الحسن: سألت أبا هريرة وعمران بن حصين عن قول الله {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ}. قالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "حديث : قصر في الجنة من لؤلؤ فيه سبعون دار من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً، على كل فراش زوجة من الحور العين، وفي كل بيت مائدة وعلى كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، وفي كل بيت وصيفة، ويعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة مايأتي على ذلك أجمع ". تفسير : {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} في بساتين ظلال وإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام به، ومنه المعدن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، لايسكنها غير ثلاثة من النبيّين والصدّيقين والشهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك ". تفسير : وقال عبد الله بن مسعود: هي بطنان الجنة أي وسطها، وقال ابن عباس: سألت كعباً عن جنات عدن فقال: هي الكروم والأعناب بالسريانية، وقال عبد الله بن عمر: إنّ في الجنة قصراً يقال له عدن، حوله البروج والمروج، له خمسة آلاف باب، على كل باب (حبرة) لايدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. قال الحسن: جنات عدن، وما أدراك ما جنات عدن، قصر من ذهب لايدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل، ورفع به صوته. [في حديث آخر قصر] في الجنة يقال له: عدن، حوله البروج والمروج له خمسون ألف باب، وقال الضحاك: هي مدينة الجنة فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنان حولها. وقال عطاء بن السايب: عدن نهر في الجنة جناته على حافتيه، وقال مقاتل والكلبي: أعلى درجة في الجنة وفيها عين التسنيم، والجنان حولها محدقة بها وهي مغطاة من يوم خلقها الله عز وجل حتى ينزلها أهلها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ومن شاء الله، وفيها قصور الدرةّ والياقوت والذهب، فتهب الريح الطيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأحلى، وقال عطاء الخراساني في قوله: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} قال: قصر من الزبرجد والدرّ والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام في جنات عدن، وهي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن. {وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} رفع على الابتداء، أي رضا الله عنهم أكبر من ذلك كله. روى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربّنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم فيقولون: ومالنا لانرضى وقد أعطيتنا مالم تعط أحدا من رضاك؟ فيقول: ألا أعلمكم أفضل من ذلك؟ قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً ". تفسير : {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبعد أن ذكر الحق في الآية السابقة القضية العامة في قوله: {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ} جاء في هذه الآية بالأعلام والأشخاص وهم الرسل ومن عاداهم فقال: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} وساعة يقول: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ} فهنا همزة الاستفهام، ولام النفي. والهمزة تنفي هذا النفي، أي أتاهم نبأ هؤلاء. وحين ينفى النفي في أمر فالمراد إثبات الأمر، وأنت لا تستفهم الاستفهام الإنكاري، إلا وأنت واثق من أن الجواب عند من تسأله هو: "نعم"، فحين تقول لإنسان: أنت تخليت عني في محنتي. فيقول: ألم أزرك في يوم كذا؟ ألم أعطك كذا؟ ألم أصنع مع ابنك كذا؟ فهو واثق أنك لا تستطيع إنكار شيء من هذا لأنه ثابت ثبوتاً حقيقيّاً. ونلحظ هنا أن الحق جاء بالخطاب للغيبة فقال: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ} ولم يقل: "أَلَمْ يَأْتِكمْ"، فسبحانه يخاطبهم ترقيقاً لهم، ثم يتكلم عنهم مرة ثانية وكأنهم غائبون. وكأن هذا أيضاً مزيد من حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم في غيبتهم، فهو صلى الله عليه وسلم حريص على هدايتهم. {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} والنبأ: هو الخبر الهام. ونحن لا نقول عن كل خبر: نبأ، بل نقول عن الخبر الهام فقط إنه نبأ، والنبأ أصله من النبوة، والنبوة واضحة ظاهرة وليست مطموسة؛ ولذلك فكل شيء هام ظاهر قد حدث يقال عنه نبأ. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ * ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} تفسير : [النبأ: 1-3]. ولا يوجد نبأ أعظم من نبأ يوم القيامة. وقد جاء الحق سبحانه وتعالى بالقضية الأولى التي كان الخطاب فيها مباشراً كقضية عامة، وجاء بالقضية الثانية التي تكلم فيها عنهم غَيْباً كقضية خاصة. ثم حدد الحق سبحانه المقصود بالذين من قبلهم، وهم قوم نوح الذين أغرقهم الله بالطوفان. وكان قوم نوح كلما مروا عليه وهو يصنع السفينة سخروا منه، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى ردّاً على من سخروا من نوح: {أية : إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} تفسير : [هود: 38]. أي أنتم يا من تسخرون من نوح عليه السلام جاهلون بالغيب، ولكن الله أعلم نوحاً وقومه بما سوف يكون، ولذلك فالسخرية الحقيقية هي من أولئك الذين رفضوا الإيمان، ولم يعلموا بما أعده الله لهم. ثم ذكر الحق بعد ذلك عاداً وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين وهم قوم شعيب، والمؤتفكات أي قوم لوط. ومعنى المؤتفك أي المنقلب. وقد جعل الله عاليها سافلها. ويقول الحق سبحانه: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ} تفسير : [النجم: 53-54]. أي: كانت عالية فأنزلها للهاوية. والإفك هو الصرف عن الحقيقة، كما قالوا لإبراهيم: {أية : أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [الأحقاف: 22]. أي: لتصرفنا عنهم. ما قصة هؤلاء الأنبياء وأقوامهم؟ يقول الحق سبحانه وتعالى: {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي أن قوم نوح وقوم إبراهيم وغيرهم أتتهم رسالات السماء ولم تأتهم الرسالة كمنهج فقط، بل جاءتهم معجزات تثبت صدق بلاغ الرسل عن ربهم، فكأنه لا حجة لهم أن ينصرفوا عن منهج السماء أو أن يكذبوا به؛ لأن كل منهج مُؤيَّد بمعجزة تثبت صدق الرسول في رسالته. وقد تتابع هؤلاء الرسل على البشر ليهدوهم إلى منهج السماء، ويبينوا لهم طريق الحق. وكان تعدد الرسالات في أول الخلق؛ لأن العالم كان منعزلاً عن بعضه البعض، حتى إن أقواماً عاشوا على الأرض في زمن واحد وأماكن متفرقة؛ ولم يعلم أحد منهم عن الآخر شيئاً، ولكن العالم الآن اتصل ببعضه البعض، بحيث إذا وقعت الحادثة في مكان، نراها عن طريق الأقمار الصناعية في ثوان، وربما في نفس الوقت الذي تحدث فيه؛ إن كان الحادث مُعدًّا له مسبقاً، وقد رأى العالم كله أول إنسان ينزل فوق سطح القمر في نفس اللحظة التي نزل فيها. وعندما كان العالم يعيش في انعزال، كانت كل بيئة لها لون من المعصية والفساد، فكان الرسول يأتي ليحارب هذا اللون من المعصية والفساد الموجود في في بيئة معينة، ولا يوجد هذا اللون من المعصية والفساد في بيئة أخرى. ولكن عندما توحد العالم توحدت الداءات؛ فالداء يظهر في أمريكا مثلاً، وبعد فترة قصيرة جدّاً يظهر في أوروبا أو في مصر. ولذلك كان لا بد أن يأتي رسول واحد؛ لأن الداءات أصبحت واحدة، واقتضى الأمر وحدة المعالجة؛ لذلك كانت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة عامة لكل الأزمان وكل الأمكنة. وحين يقول سبحانه: {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} فالبينات هي الشيء الذي يبين لك ما هو الحق، والمعجزات التي صاحبت الرسالات السماوية بيَّنتْ وأكَّدتْ أن الرسول مُبلِّغ عن ربه، وكانت المعجزة واضحة تماماً ليراها كل قوم رؤية تسمح باستيعابها. ولذلك كان كل رسول يأتي بآية يُجمع الكل على أنها معجزة. فأنت قد تأتي بشيء عجيب، ولكن لا يُجمع الناس على أنه معجزة، فعندما اختُرع الفانوس السحري، قال بعض الناس: إنه شيء عجيب. وبعضهم قال: إنه خداع نظر. ولكن معجزات الرسل لا بد أن تستوعبها كل مستويات العقول، يستوعبها المتعلم والذي لم يقرأ حرفاً في حياته؛ لأن الدين دين فطرة يخاطب أكبر العقول وأكثرها علماً كما يخاطب عقل البدوي الذي يقضي حياته كلها في الصحراء؛ لا يعرف شيئاً ولم يَعِشْ حضارة ولم يدرس علماً. إذن: فالمعجزات لا بد أن تكون واضحة لكل المستويات؛ حتى لا يكون هناك عذر لأحد. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ}، وهذا دليل على أن الحق سبحانه وتعالى يحاسبهم على قدر استيعابهم للمعجزة، فكأن كل العقول قد فهمت وأيقنت أن هناك معجزة. والذين استقبلوا المعجزة بالكفر ظلموا أنفسهم؛ لأنهم بعد أن استوعبوا المعجزة، وتحققوا أنها خَرْقٌ لقوانين الكون ولا يمكن أن يأتي به إلا الله سبحانه وتعالى، ولكنهم رغم ذلك رفضوا الإيمان. ويقول الحق عنهم: {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} والظلم أنك تأخذ حقّاً وتنقله إلى الباطل. ولكن الحقوق مختلفة، فأيُّ حق ذلك الذي نقلته إلى الباطل؟ إنه حق الوجود الأعلى الواجب الإيمان به وعبادته. وكيف يظلم الإنسان نفسه؟ يظلم الإنسان نفسه حين تُزيِّن له النفس شهوة فيرتكبها؛ ليأخذ لذة عاجلة ويحرمها من نعيم دائم. وهناك من يظلم نفسه بظلم غيره، مثل شاهد الزور؛ هذا الذي ينصر صاحب باطل على صاحب حق. ومن يشهد الزور يسقط حتى في عين ذلك الذي شهد له. فإن جاء ليشهد أمامه في قضية، فهو لا يقبل شهادته وينظر إليه باحتقار، وكان يجب على من يطلب من إنسان شهادة زور أن يضربه؛ لأنه يريد أن يسقطه في نظر الناس، وفي نظر هذا الذي شهد من أجله؛ لأن شاهد الزور حين أعان إنساناً على خَصْمه، فالكل ينظر إلى مثل هذا الشاهد بالاحتقار. ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلْمُؤْتَفِكَاتِ} وهُم قَومُ لُوطٍ إِئتَفكَتْ بِهِم الأَرضُ معناهُ إنفكتْ بِهِم.
الجيلاني
تفسير : {أَ} يصر المنافقون على النقاق والشقاق و{لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ} أي: خبر إهلاك القوم {ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِهِمْ} كيف يهلكهم الله بظلمهم وذنوبهم مثل {قَوْمِ نُوحٍ} كيف استؤصلوا بالطوفان {وَعَادٍ} بالريح {وَثَمُودَ} بالرجفة {وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ} بالبعوض {وَأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ} أي: قوم شعيب أُهلكوا بالنار النازلة عليهم من السماء يوم الظلة {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ} قرى قوم لوط هلكوا بالزلزلة وإمطار الأحجار إلى حيث يجعل عاليها سافلها، كل من أولئك الهالكين {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} الواضحة الدالة على صدقهم ودعواهم فكذبوهم؛ عناداً ومكابرةً، فلحقهم ما لحقهم بشؤم تكذيبهم {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ} المصلح لأحوال عباده {لِيَظْلِمَهُمْ} أي: لم تكن من سنته سبحانه الانحراف عن القسط إلى حيث يؤدي إلى الظلم؛ إذ هو سبحانه مستوٍ على العدل القويم {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [التوبة: 70] بالخروج عن مقتضى العدل الإلهي الموضوع، فيهم من قبل الحق بنيابة رسله. ثم لمَّا ذكر سبحانه أحوال المنافقين والمنافقات، ومظاهرتهم ومعاونتهم عقب أحوالهم بأحوال المؤمنين جرياً على السنة المستمرة، فقال: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} الموقنون بتوحيد الله، المصدقون لرسله {وَٱلْمُؤْمِنَاتُ} الملحقات بهم، المتفرعات عليهم {بَعْضُهُمْ} في الأمور الدينية {أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} بالمظاهرة والموالاة {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} على مقتضى ما وصل إليه من رسلهم {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} المفروضة المصفية لبواطنهم على الميل إلى غير الحق {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} المطهرة لظواهرهم عن الاشتغال بما سواه سبحانه {وَ} بالجلمة: {يُطِيعُونَ ٱللَّهَ} في جميع حالاتهم إطاعة تفويض وتسليم {وَ} ينقادون {رَسُولَهُ} في جميع ما جاء به ودعا إليه {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المفوضون أمورهم إلى الله، المنقادون لرسوله {سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ} الرقيب عليهم من فضله ولطفه {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبر لأمور عباده {عَزِيزٌ} غالب قادر على جميع ما أراد بهم {حَكِيمٌ} [التوبة: 71] متقن في جزائهم حسب أعمالهم واستعدادهم لذلك.
همام الصنعاني
تفسير : 1109- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: {وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتِ}: [الآية: 70]، قوم لوط: ائتفكت بهم أرضوهم فجعل عاليها سافلها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):