٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
71
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بالغ في وصف المنافقين بالأعمال الفاسدة والأفعال الخبيثة، ثم ذكر عقيبه أنواع الوعيد في حقهم في الدنيا والآخرة، ذكر بعده في هذه الآية كون المؤمنين موصوفين بصفات الخير وأعمال البر، على ضد صفات المنافقين، ثم ذكر بعده في هذه الآية أنواع ما أعد الله لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم، فأما صفات المؤمنين فهي قوله: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ }. فإن قيل: ما الفائدة في أنه تعالى قال في صفة المنافقين و {ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ} وههنا قال في صفحة المؤمنين: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } فلم ذكر في المنافقين لفظ {مِنْ } وفي المؤمنين لفظ {أَوْلِيَاء }. قلنا: قوله في صفة المنافقين {بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } يدل على أن نفاق الأتباع، كالأمر المتفرع على نفاق الأسلاف، والأمر في نفسه كذلك، لأن نفاق الأتباع وكفرهم حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر، وبسبب مقتضى الهوى والطبيعة والعادة، أما الموافقة الحاصلة بين المؤمنين فإنما حصلت لا بسبب الميل والعادة، بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية، فلهذا السبب قال تعالى في المنافقين: {بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } وقال في المؤمنين: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ }. واعلم أن الولاية ضد العداوة، وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأصل في لفظ الولاية القرب، ويتأكد ذلك بأن ضد الولاية هو العداوة، ولفظة العداوة مأخوذة من عدا الشيء إذا جاوز عنه. واعلم أنه تعالى لما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض، ذكر بعده ما يجري مجرى التفسير والشرح له فقال: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وويؤتون الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللهَ ورسولهُ} فذكر هذه الأمور الخمسة التي بها يتميز المؤمن من المنافق، فالمنافق على ما وصفه الله تعالى في الآية المتقدمة يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف، والمؤمن بالضد منه. والمنافق لا يقوم إلى الصلاة إلا مع نوع من الكسل والمؤمن بالضد منه. والمنافق يبخل بالزكاة وسائر الواجبات كما قال: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } والمؤمنون يؤتون الزكاة، والمنافق إذا أمره الله ورسوله بالمسارعة إلى الجهاد فإنه يتخلف بنفسه ويثبط غيره كما وصفه الله بذلك، والمؤمنون بالضد منهم. وهو المراد في هذه الآية بقوله: {وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } ثم لما ذكر صفات المؤمنين بين أنه كما وعد المنافقين نار جهنم فقد وعد المؤمنين الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة، فلذلك قال: {أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ } وذكر حرف السين في قوله: {سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ } للتوكيد والمبالغة كما تؤكد الوعيد في قولك سأنتقم منك يوماً، يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونظيره { أية : سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } تفسير : [مريم: 96] { أية : لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } تفسير : [الضحى: 5] { أية : سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } تفسير : [النساء: 152]. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } وذلك يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب لأن العزيز هو من لا يمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة، والحكيم هو المدبر أمر عباده على ما يقتضيه العدل والصواب.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي قلوبهم متّحدة في التوادّ والتحابّ والتعاطف. وقال في المنافقين «بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ» لأن قلوبهم مختلفة ولكن يضم بعضهم إلى بعض في الحكم. الثانية ـ قوله تعالى: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي بعبادة الله تعالى وتوحيده، وكل ما أتبع ذلك. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} عن عبادة الأوثان وكل ما أتبع ذلك. وذكر الطبري عن أبي العالية أنه قال: كل ما ذكر الله في القرآن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين. وقد مضى القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سورة المائدة وآل عمران، والحمد لله. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} تقدّم في أول «البقرة» القول فيه. وقال ابن عباس: هي الصلوات الخمس، وبحسب هذا تكون الزكاة هنا المفروضة. ابن عطيّة: والمدح عندي بالنوافل أبلغ؛ إذ من يقيم النوافل أحْرَى بإقامة الفرائض. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ} في الفرائض {وَرَسُولَهُ} فيما سنّ لهم. والسين في قوله: {سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ} مُدْخِلةٌ في الوعد مُهْلةً لتكون النفوس تتنعم برجائه؛ وفضلهُ تعالى زعيمٌ بالإنجاز.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} في مقابلة قوله المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} في سائر الأمور. {أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ} لا محالة فإن السين مؤكدة للوقوع. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب على كل شيء لا يمتنع عليه ما يريده. {حَكِيمٌ} يضع الأشياء مواضعها.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة، عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي: يتناصرون، ويتعاضدون؛ كما جاء في الصحيح: «حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» تفسير : وشبك بين أصابعه، وفي الصحيح أيضاً: «حديث : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» تفسير : وقوله: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} كقوله تعالى: {أية : وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [آل عمران: 104] الآية، وقوله: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} أي: يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه {وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: فيما أمر، وترك ما عنه زجر {أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ} أي: سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} أي: عز من أطاعه؛ فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين {حَكِيمٌ} في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإنه له الحكمة في جميع ما يفعله تبارك وتعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَٱئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } لا يُعجزه شيء عن إنجاز وعده ووعيده {حَكِيمٌ } لا يضع شيئاً إلا في محله.
الشوكاني
تفسير : قوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } أي: قلوبهم متحدة في التوادد، والتحبابب، والتعاطف بسبب ما جمعهم من أمر الدين وضمهم من الإيمان بالله، ثم بيّن أوصافهم الحميدة كما بيّن أوصاف من قبلهم من المنافقين فقال: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } أي: بما هو معروف في الشرع غير منكر، ومن ذلك توحيد الله سبحانه وترك عبادة غيره {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } أي: عما هو منكر في الدين غير معروف، وخصص إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر من جملة العبادات؛ لكونهما الركنين العظيمين فيما يتعلق بالأبدان والأموال، وقد تقدّم معنى هذا. {وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ } في صنع ما أمرهم بفعله أو نهاهم عن تركه، والإشارة بـ {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المؤمنين والمؤمنات المتصفين بهذه الأوصاف، والسين في {سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ } للمبالغة في إنجاز الوعد {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } لا يغالب {حَكِيمٌ } في أقواله وأفعاله. ثم ذكر تفصيل ما يدخل تحت الرحمة إجمالاً باعتبار الرحمة في الدار الآخرة، فقال: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } والإظهار في موقع الإضمار لزيادة التقرير؛ ومعنى جري الأنهار من تحت الجنات: أنها تجري تحت أشجارها وغرفها، وقد تقدّم تحقيقه في البقرة {وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً } أي: منازل يسكنون فيها من الدرّ والياقوت، و {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } يقال: عدن بالمكان: إذا أقام به، ومنه: المعدن. قيل: هي أعلى الجنة. وقيل: أوسطها، وقيل: قصور من ذهب لا يدخلها إلا نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد. وصف الجنة بأوصاف، الأوّل: جري الأنهار من تحتها، والثاني: أنهم فيها خالدون، والثالث: طيب مساكنها، والرابع: أنها دار عدن: أي إقامة غير منقطعة، هذا على ما هو معنى عدن لغة. وقيل: هو علم، والتنكير في {رضوان} للتحقير، أي {ورضوان} حقير يستر "من" رضوان {ٱللَّهِ أَكْبَرُ } من ذلك كله الذي أعطاهم الله إياه، وفيه دليل على أنه لا شيء من النعم، وإن جلت وعظمت، يماثل رضوان الله سبحانه، وأن أدنى رضوان منه لا يساويه شيء من اللذات الجسمانية، وإن كانت على غاية ليس وراءها غاية، اللهم ارض عنا، رضا لا يشوبه سخط، ولا يكدّره نكد، يا من بيده الخير كله دقه وجله، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم مما وعد الله به المؤمنين والمؤمنات {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } دون كل فوز مما يعدّه الناس فوزاً. وقد أخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: يدعون إلى الإيمان بالله ورسوله، والنفقات في سبيل الله، وما كان من طاعة الله {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } عن الشرك والكفر قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من فرائض الله كتبها الله على المؤمنين. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } قال: إخاؤهم في الله يتحابون بجلال الله والولاية لله، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأحاديث ما هو معروف. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين، وأبا هريرة عن تفسير قوله تعالى: {وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ } قالا: على الخبير سقطت، سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : قصر من لؤلؤة في الجنة، في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمرّدة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون، على كل فراش امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، في كل مائدة سبعون لوناً من كل طعام، في كل بيت سبعون وصيفاً ووصيفة، فيعطى المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك كله"تفسير : . وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله: {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } قال: معدن الرجل الذي يكون فيه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه، قال: معدنهم فيها أبداً. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله: {وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } يعني: إذا أخبروا أن الله عنهم راض، فهو أكبر عندهم من التحف والتسنيم. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، من حديث أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: يا ربنا وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً".
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {والمؤتفكات} قال: قوم لوط، ائتفكت بهم أرضهم فجعل عاليها سافلها. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} يدعون إلى الإِيمان بالله ورسوله والنفقات في سبيل الله وما كان من طاعة الله {وينهون عن المنكر} ينهون عن الشرك والكفر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من فرائض الله كتبها الله على المؤمنين. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} قال: اخاؤهم في الله يتحابون بجلال الله والولاية لله. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب قضاء الحوائج والطبراني عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة"تفسير : وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبي عثمان مرسلاً. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي موسى "حديث : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: إن المعروف والمنكر خليقتان ينصبان يوم القيامة، فأما المعروف فيبشر أهله ويعدهم الخير، وأما المنكر فيقول لأصحابه: إليكم وما تستطيعون له إلا لزوماً . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأس العقل بعد الإِيمان بالله مداراة الناس، ولن يهلك رجل بعد مشورة، وأهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة، أن الله ليبعث المعروف يوم القيامة في صورة الرجل المسافر، فيأتي صاحبه إذا انشق قبره فيمسح عن وجهه التراب ويقول: ابشر يا ولي الله بأمان الله وكرامته، لا يهولنَّك ما ترى من أهوال يوم القيامة. فلا يزال يقول له: احذر هذا واتق هذا يسكن بذلك روعه حتى يجاوز به الصراط، فإذا جاوز به الصراط عدل ولي الله إلى منازله في الجنة، ثم يثنى عنه المعروف فيتعلق به فيقول: يا عبد الله من أنت خذلني الخلائق في أهوال القيامة غيرك فمن أنت؟ فيقول له: أما تعرفني؟! فيقول: لا. فيقول: أنا المعروف الذي عملته في الدنيا، بعثني الله خلقاً لأجازيك به يوم القيامة ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اطلبوا المعروف من رحماء أمتي تعيشوا في أكنافهم، ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم، فإن اللعنة تنزل عليهم، يا علي إن الله خلق المعروف وخلق له أهلاً، فحببه إليهم وحبب إليهم فعاله، ووجه إليهم طلابه كما وجه الماء في الأرض الجدبة لتحيا به ويحيى به أهلها، إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن علي قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اطلبوا المعروف من رحماء أمتي تعيشوا في أكنافهم ". تفسير : وأخرج الحاكم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والآخرين، ثم أمر منادياً ينادي: ألا ليقم أهل المعروف في الدنيا. فيقومون. حتى يقفوا بين يدي الله، فيقول الله: أنتم أهل المعروف في الدنيا؟ فيقولون: نعم. فيقول: وأنتم أهل المعروف في الآخرة فقوموا مع الأنبياء والرسل فاشفعوا لمن أحببتم فادخلوه الجنة حتى تدخلوا عليهم المعروف في الآخرة كما أدخلتم عليهم المعروف في الدنيا ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب قضاء الحوائج عن بلال قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل معروف صدقة، والمعروف يقي سبعين نوعاً من البلاء ويقي ميتة السوء، والمعروف والمنكر خلقان منصوبان للناس يوم القيامة، فالمعروف لازم لأهله والمنكر لازم لأهله، يقودهم ويسوقهم إلى النار ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أحب عباد الله إلى الله عز وجل من حبَّب إليه المعروف وحبَّب إليه فعاله ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله جعل للمعروف وجوهاً من خلقه، وحبب إليهم فعاله ووجه طلاب المعروف إليهم، ويسر عليهم إعطاءه كما يسر الغيث إلى الأرض الجدبة ليحييها ويحيي به أهلها، وإن الله جعل للمعروف أعداء من خلقه بغض إليهم المعروف وبغض إليهم فعاله، وحظر عليهم اعطاءه كما يحظر الغيث عن الأرض الجدبة ليهلكها ويهلك بها أهلها، وما يعفو الله أكثر ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : عليكم باصطناع المعروف فإنه يمنع مصارع السوء، وعليكم بصدقة السر فإنها تطفىء غضب الله عز وجل ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل معروف صدقة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والقضاعي والعسكري وابن أبي الدنيا من طريق محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل معروف صدقة، وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له به صدقه، وما وقى به عرضه كتب له به صدقة، وقد قيل لمحمد بن المنكدر ما يعني ما وقى به عرضه؟ قال: الشيء يعطى الشاعر وذا اللسان المتقى ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار والطبراني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كل معروف يصنعه أحدكم إلى غني فقير فهو صدقة ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل معروف صدقة ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن جابر الجعفي رفعه قال: المعروف خلق من خلق الله تعالى كريم. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن تفسير {ومساكن طيبة في جنات عدن} قالا: على الخبير سقطت. سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : قصر من لؤلؤة في الجنة، في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون، على كل فراش امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، في كل مائدة سبعون لوناً من كل طعام، في كل بيت سبعون وصيفاً ووصيفة، فيعطى المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك كله ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سليم بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الجنة مائة درجة: فأولها من فضة أرضها فضة، ومساكنها فضة، وآنيتها فضة، وترابها مسك. والثانية من ذهب أرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها مسك. والثالثة لؤلؤ أرضها لؤلؤ، وآنيتها لؤلؤ، وترابها مسك. وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حازم قال: إن الله ليعد للعبد من عبيده في الجنة لؤلؤة مسيرة أربعة برد، أبوابها وغرفها ومغاليقها ليس فيها قضم ولا قصم، والجنة مائة درجة: فثلاث منها ورق وذهب ولؤلؤ وزبرجد وياقوت، وسبع وتسعون لا يعلمها إلا الذي خلقها. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل له ألف قصر، ما بين كل قصرين مسيرة سنة، يرى أقصاها كما يرى أدناها، في كل قصر من الحور العين والرياحين والولدان ما يدعو شيئاً إلا أتى به. وأخرج ابن أبي شيبة عن مغيث بن سمي قال: إن في الجنة قصوراً من ذهب، وقصوراً من فضة، وقصوراً من ياقوت، وقصوراً من زبرجد، جبالها المسك، وترابها الورس والزعفران. وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: إن في الجنة ياقوتة ليس فيها صدع ولا وصل، وفيها سبعون ألف دار في كل دار سبعون ألفاً من الحور العين لا يدخلها إلا نبي، أو صديق، أو شهيد، أو إمام عادل، أو محكم في نفسه. قيل لكعب: وما المحكم في نفسه؟ قال: الرجل يأخذه العدوّ فيحكمونه بين أن يكفر أو يلزم الإِسلام فيقتل، فيختار أن يلزم الإِسلام. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {جنات عدن} قال: معدن الرجل الذي يكون فيه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {جنات عدن} قال: معدنهم فيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان قال: إن الله خلق في الجنة جنة عدن دملج لؤلؤة، وغرس فيها قضيباً ثم قال لها: امتدي حتى أرضى. ثم قال لها: أخرجي ما فيك من الأنهار والثمار ففعلت. فقالت {أية : قد أفلح المؤمنون} تفسير : [المؤمنون: 1]. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله {ورضوان من الله أكبر} يعني إذا أخبروا أن الله عنهم راض فهو أكبر عندهم من التحف والتسليم. وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله: هل تشتهون شيئاً فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا وهل بقي شيء إلا قد أنلتناه؟! فيقول: نعم. رضائي فلا أسخط عليكم أبداً ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبد الملك الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لنعيم أهل الجنة برضوان الله عنهم أفضل من نعيمهم بما في الجنان ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن شمر بن عطية قال: يجيء القرآن يوم القيامة في صورة الرجل الشاحب حين ينشق عنه قبره فيقول: أبشر بكرامة الله تعالى. قال: فله حلة الكرامة. فيقول: يا رب زدني. فيقول: رضواني ورضوان من الله أكبر. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك يا ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا، وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟! قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن قال: بلغني أن أبا بكر الصديق كان يقول في دعائه: اللهمَّ أسألك الذي هو خير في عاقبة الخير، اللهمَّ اجعل آخر ما تعطيني الخير رضوانك والدرجات العلى في جنات النعيم.
التستري
تفسير : قوله: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}[71] قال: موالاته مع المؤمنين كف الأذى عنهم. قال: واعلموا أن العبد لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يكون لعباد الله كالأرض، إذ هم عليها ومنافعهم منها. وقال: الأصول عندنا سبع: التمسك بكتاب الله، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [الآية: 71]. قال أبو عثمان: المؤمنون أيضًا يتعاونون على العبادة، ويتبادرون إليها، كل واحد منهم يشد ظهر صاحبه ويعينه على سبيل نجاته، ألا ترى النبى صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ". تفسير : وقال النبى صلى الله عليه وسلم: " حديث : المؤمنون كالجسد الواحد ". تفسير : وقال الله تعالى: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} قال أبو بكر الوراق: المؤمن يوالى المؤمن طبعًا وسجية.
القشيري
تفسير : يُعين بعضُهم بعضاً على الطاعات، ويتواصَوْن بينهم بترك المحظورات؛ فَتَحَابُّهم في الله، وقيامُهم بحقِّ الله، وصحبتُهم لله، وعداوتُهم لأجْلِ الله؛ تركوا حظوظَهم لحقِّ الله؛ وآثروا على هواهم رِضاءَ الله. أولئك الذين عَصَمَهم اللهُ في الحالِ، وسيرحمهم في المآل.
اسماعيل حقي
تفسير : {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض} اى بعضهم على دين بعض فى الحق اى متفقون فى التوحيد وبعضهم معين بعض فى امر دينهم ودنياهم وبعضهم موصل بعض الى الدرجات العالية بسبب التربية وتزكية النفس وهم المرشدون فى طريق الله تعالى {يأمرون بالمعروف} اى جنس المعروف الشامل لكل خير ومنه الايمان والطاعة ويهيج بعضهم بعضا فى طلب الله وهو المعروف الحقيقى كما قال (فأحببت أن أعرف) {وينهون عن المنكر} اى جنس المنكر المنتظم لكل شر ومنه الكفر والمعاصى التى تقطع العبد عن الله من الدنيا وغيرها {ويقيمون الصلاة} فلا يزالون يذكرون الله تعالى ويديمون مراقبة القلب وحضوره مع الله بحيث لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وهم ارباب المكاشفة واصحاب القلوب وهذا بمقابلة ما سبق قوله نسوا الله {ويوتون الزكوة} بمقابلة قوله تعالى {ويقبضون ايديهم} فهم يؤدون الزكاة الواجبة بل ينفقون ما فضل عن كفافهم الضرورى ويطهرون انفسهم عن محبة الدنيا بالانفاق {ويطيعون الله ورسوله} اى فى كل امر ونهى وهو بمقابلة وصف المنافقين بكمال الفسق والخروج عن الطاعة. قال فى التأويلات النجمية يشير الى الاخلاص فى معاملتهم فان المنافقين يقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ولكن لا يطيعون الله ورسوله فى ذلك وانما يطيعون النفس والهوى رعاية لمصالح دنياهم {اولئك} الموصوف بهذه الاوصاف الكريمة {سيرحمهم الله} اى يفيض عليهم آثار رحمته من التأييد والنصرة البتة وينجيهم من العذاب الاليم سواء كان عذاب النار او عذاب البعد من الملك الجبار بالادخال الى الجنة والايصال الى القربه والوصلة. وعن بعض اهل الاشارة {سيرحمهم الله} فى خمسة مواضع عند الموت وسكراته يهون عيهم سكرات الموت ويحفظ ايمانهم من الشيطان وفى القبر وظلماته ينور قبورهم ويحفظهم من العذاب القبر وعند قراءة الكتاب وحسراته يؤتيهم كتابهم بيمينهم ويمحو سيآتهم من كتابهم كيلا يتحسروا على سيآتهم وعند الميزان وندماته يثقل موازينهم وعند الوقوف بين يدى الله وسؤالاته يسهل عليهم جوابهم ولا يؤاخذهم بعيوبهم وفى الحديث "حديث : من صلى صلاة الفجر هان عليه الموت وغصته ومن صلى صلاة الظهر هان عليه القبر وضمته ومن صلى صلاة العصر هان عليه سؤال منكر ونكير وهيبته ومن صلى صلاة المغرب هان عليه الميزان وخفته ومن صلى صلاة العشاء هان عليه الصراط ودقته" تفسير : {إن الله عزيز} تعليل الوعد اى قوى قادر على اعزاز اوليائه وقهر اعدائه ذو النعمة لمن يطيعه {حكيم} بنى احكامه على اساس الحكمة الداعية الى ايصال الحقوق من النعمة والنقمة الى مستحقيها من اهل الطاعة واهل المعصية حكم للمؤمنين بالجنة فى مقابلة تصديقهم واقرارهم وللمحسنين بالوصلة فى مقابلة طلبهم فى جميع الحال رضى الله وتركهم ما سواه وحكم للكافرين والمنافقين بالنار لانكارهم وتكذيبهم الانبياء وعبادتهم للاوثان والاصنام
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {والمؤمنون والمؤمناتُ بعضهم أولياءُ} أي: أصدقاء {بعضٍ}، هذا في مقابلة قوله: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض}، وحض المؤمنين بالوصف بالولاية، {يأمرون بالمعروف وينهَونَ عن المنكر}؛ ضد ما فعله المنافقون، {ويُقيمون الصلاة وَيُؤتون الزكاة}؛ ضد قوله: {وَيَقْبِضُون أَيْدِيَهُمْ}، {ويُطيعون الله ورسوله} في سائر الأمور، ضد قوله: {نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ}، {أولئك سيرحمهم الله} لا محالة؛ لأن السين مؤكدة للوقوع، {إن الله عزيزٌ}؛ غالب على كل شيء، ولا يمتنع عليه ما يريده، {حكيم} يضع الأشياء مواضعها. ثم ذكر ما أعد لهم فقال: {وَعَدَ اللَّهُ المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها ومساكن طيبةً} أي: تستطيبها النفس، أو يطيب فيها العيش. وفي الحديث: "حديث : إنها قصور من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت الأحمر".تفسير : وفي حديث آخر: "حديث : إنَّ في الجنَّة غُرفاً يُرى ظَاهِرُها من بَاطنِها وباطنها مِنْ ظَاهِرهَا، أَعَدَّها اللَّهُ لِمَنْ أَطعَمَ الطَّعَام، وأَلانَ الكَلامَ، وبذَل السَّلام، وتَابَعَ الصِّيام، وصلَّى باللَّيلِ والناس نِيامٌ ". تفسير : وذلك {في جنات عَدنْ}، أي: إقامةٍ وخلود. وعنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "جنات عدن: دار الله، التي لم ترها عين، ولا تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاث: النبيون، والصديقون، والشهداء. يقول الله تعالى: {طوبى لمن دخلك} قاله البيضاوي. ثم قال: ومرجع العطف فيها ـ أي: في قوله: {ومساكن طيبة} ـ يحتمل أن يكون لتعدد الموعود لكل واحد له، أي: فكل مؤمن ومؤمنة له جنات ومساكن، أو للجميع؛ على سبيل التوزيع، أي: فالجنات والمساكن معدة للجميع، ثم يقسمونها على حسب سعيهم في الدنيا، أو إلى تغاير وصفه ـ أي: الموعود ـ فكأنه وصفه أولاً بأنه جنس ما هو أبهى الأماكن التي يعرفونها؛ لتميل إليه طبائعهم أول ما يقرع أسماعهم، ثم وصفه بأنه محفوف بطيب العيش، معرى عن شوائب الكدرات التي لا تخلو عن شيء منها أماكن الدنيا، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ثم وصفه بأنه دار إقامة وثبات في جوار رب العالمين، لا يعتريهم فيها فناء ولا تغيير. ثم وعدهم بما هو أكبر من ذلك فقال: {ورضوانٌ من الله أكبرُ}؛ لأنه المَبدأ لكل سعادة وكرامة، والمؤدي إلى نيل الوصول والفوز باللقاء. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ اللَّهَ تعالى يَقُولُ لأَهْلِ الجَنَّةِ: هَلْ رَضيتُم؟تفسير : فَيَقُولونَ: وَما لَنَا لا نَرضى وَقَد أعطيتَنا ما لم تُعطِ أحداً مَنْ خَلقِكَ، فيَقُول: أَنَا أُعطِيكُم أفضل مَنْ ذَلِكَ. قالوا: أَيّ شَيء أَفضَلُ مَنْ ذلِكَ؟ قال: حديث : "أُحِلَ عَلَيكُم رِضوَاني فَلاَ أسخَطُ عَلَيكُم أَبَداً". تفسير : {ذلك} أي: الرضوان، أو جميع ما تقدم، {هو الفوزُ العظيم} الذي تستحقر دونه الدنيا وما فيها. هـ. الإشارة: قد أعد الله لأهل الإيمان الحقيقي؛ الذين بذلوا مهجهم وأموالهم في مرضاته، جنات المعارف، تجري من تحت أفكارهم أنهار العلوم والحِكَم، ومساكن طيبة، وهي: عكوف أرواحهم في الحضرة، متلذذين بحلاوة الفكرة والنظرة، في محل المشاهدة والمكالمة، والمساررة والمناجاة، ورضوان من الله، الذي هو نعيم الأرواح، أكبر من كل شيء؛ لأن نعيم الأرواح أجل وأعظم من نعيم الأشباح، حتى أن المقربين ليضحكون على أهل اليمين، حين يرونهم يلعبون مع الولدان والحور، كما ذكر الغزالي. وأما المقربون فيشاركونهم في ذلك، ويزيدون عليهم بلذة الشهود. قال القشيري، عند قوله تعالى: {أية : إنَّ أصحبَ الجنَّة اليومَ في شُغُلٍ فَكِهُون} تفسير : [يس: 55]: إنه لا تنافي بين اشتغالهم بلذاتهم مع أهليهم وبين شهود أمرهم، كما أنهم اليومَ مستلذون بمعرفته بأي حالةٍ هم فيها، ولا يَقْدَحُ اشتغالهم بحُظُوظِهِم في معارفهم. انتهى لفظه، وهو حسن. والله تعالى أعلم. ثم أمر نبيه بالإغلاظ على المنافقين، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ}.
الطوسي
تفسير : لما ذكر الله تعالى المنافقين ووصفهم بأن بعضهم من بعض بالاتفاق والتعاضد اقتضى ان يذكر المؤمنين. ويصفهم بضد أوصافهم، فقال تعالى {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} أي يلزم كل واحد منهم نصرة صاحبه وان يواليه وقال الرماني: العقل يدل على وجوب موالاة المؤمنين بعضهم بعضاً، لأنها تجري مجرى استحقاق الحمد على طاعة الله والذم على معصيته. ولا يجوز ان يرد الشرع بخلاف ذلك. وإذا قلنا: المؤمن ولي الله معناه أنه ينصر أولياء الله وينصر دينه، والله وليه بمعنى أولى بتدبيره وتصريفه وفرض طاعته عليه. ثم قال {يأمرون بالمعروف} يعني المؤمنين يأمرون بما اوجب الله فعله أو رغب فيه عقلا أو شرعاً وهو المعروف {وينهون عن المنكر} وهو ما نهى الله تعالى عنه وزهد فيه إما عقلاً أو شرعاً. ويضيفون إلى ذلك إقامة الصلاة اي إتيانها بكمالها والمداومة عليها ويخرجون زكاة اموالهم حسب ما أوجبها الله عليهم، ويضعونها حيث امر الله بوضعها فيه ويطيعون الله ورسوله اي يمتثلون امرهما ويتبعون ارادتها ورضاهما. ثم قال {أولئك سيرحمهم الله} يعني المؤمنين الذين وصفهم ان ستنالهم في القيامة رحمته. ثم اخبر عن نفسه فقال {إن الله عزيز حكيم} فالعزيز معناه قادر لا يغلبه احد من الكفار والمنافقين، حكيم في عقاب المنافقين واثابة المؤمنين. وغير ذلك من الافعال. وإنكار المنكر يجب بلا خلاف سمعاً وعليه الاجماع وكذلك الأمر بالمعروف واجب، فأما العقل فلا يدل على وجوبهما أصلا. لانه لو أوجب ذلك لوجب ان يمنع الله من المنكر، لكن يجب على المكلف اظهار كراهة المنكر الذي يقوم مقام النهي عنه. وفي الآية دلالة على ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الاعيان لان الله تعالى جعل ذلك من صفات المؤمنين، ولم يخص قوماً دون قوم.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} هذا فى مقابله قوله: المنافقون والمنافقات (الآية) وغيّر الاسلوب تنشيطاً للسّامع واشارة الى ان لا ولاية حقيقة بين الكفّار والمنافقين وما يتراءى بحسب الصّورة انّه ولاية فهو عداوة حقيقة الاخّلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدوّ، والى انّ المنافقين من حيث نفاقهم ينشأ بعضهم من بعض، بخلاف المؤمنين فانّهم من حيث ايمانهم ينشأون كلّهم من صاحب الايمان وهو النّبىّ (ص) او الولىّ (ع) وان كان ازدياد ايمانهم ناشئاً لبعضهم من بعض {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} فى مقابل يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} فى مقابل يقبضون ايديهم، ولمّا كان اليد اعمّ من اليد الصّوريّة والمعنويّة وقبضها اعمّ من القبض عن الاعطاء والقبض عن الابتهال وجذب الخيرات الاخرويّة والتّفضّلات الآلهيّة ويعبّر عن ضدّ الاوّل بالاعطاء، وايتاء الزّكاة اعمّ من الاعطاء من الاموال والابدان والقوى الشّهويّة والغضبيّة والمحرّكة وعن ضدّ الاخير بالصّلاة بمراتبها، اتى فى مقابلة قبض اليد بالصّلاة والزّكاة جميعاً افادة لبسط اليد مع تفصيله لاظهار مدائح المؤمنين {وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فى مقابل نسوا الله وضدّ نسيان الله تذكّر الله ولازمة المقصود منه اطاعته فى اوامره ونواهيه واطاعته فى اوامره ونواهيه لا تتصوّر الاّ باطاعة رسوله (ص) فظهر وجه العدول عن يذكرون الله والاختلاف بالمضىّ والمضارعة للاشارة الى انّ النّسيان منهم قد وقع من غير تجدّد، فانّ تجدّده يستلزم التّذكّر بخلاف الطّاعة من المؤمنين فانّها مستمرّة التّجدّد منهم {أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ} فى مقابل: انّ المنافقين هم الفاسقون، وظاهر المقابلة يقتضى ان يقول: انّ المؤمنين هم العادلون، او هم المرحومون، او يقول هناك: اولئك سيعذّبهم لكن لمّا كان السّورة والآية لتوعيد اهل الوعيد ووعد المؤمنين وكلّ ما ذكر فيها كان لتقريع اهل الوعيد ولزيادة حسرتهم والمناسب لمقام الغضب والوعيد التّسجيل بالوعيد والتّغليظ بالتّأكيد والتّطويل، وكان النّفاق اصل جملة الشّرور والفسوق ومورث جملة العقوبات وكان نسبة الغضب الى الله بالعرض ونسبة الرّحمة اليه بالّذات، وكان المناسب لمقام الوعد التّسامح فيه والاتيان بعسى ولعلّ واداة التّسويف، والايمان وان كان اساس جملة الخيرات لكن قد ينفكّ الخيرات عنه كما قال {أية : أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً} تفسير : [الأنعام:158] اتى فى الاوّل بجملة اسميّة مؤكّدة بالمؤكّدات الاربعة مفيدة للتّسجيل غير مصرّحة بنسبة الغضب اليه، وفى الثّانى بجملة مصدّرة باسم الاشارة البعيدة تفخيماً واحضاراً للاوصاف المذكورة للمؤمنين مختتمة بالجملة الفعليّة المصدّرة باداة التّسويف المصرّحة بنسبة الرّحمة اليه تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} لا يعجز عن انجاز وعده ووعيده ولا يمنعه منه مانع {حَكِيمٌ} لا يعد الاّ على وفق حكمته الّتى تقتضى الاعطاء والمنع بحسب القابليّات.
اطفيش
تفسير : {والمؤمِنُون والمؤمِناتُ بعْضُهم} بدل اشتمال أو مبتدأ ثان {أولياءُ بعْضٍ} بالنصر والمعونة والموافقة، وهذا مع ما بعده مقابل لقوله: {أية : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} تفسير : الخ، لكن قال فيهم: {أية : بعضهم من بعض} تفسير : لأن كفرهم حصل باتباع الأكابر، ومقتضى الطبيعة، بخلاف المؤمنين فإيمانهم بتوفيق الله، لا بمقتضى الطبيعة. {يأمُرونَ بالمعْروفِ} المستحبات والواجبات، {وينْهوْنَ عنِ المنْكَر} المعاصى والكفر، ذكر الطبرى عن أبى العالية أنه كلما ذكر الله فى القرآن من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فأمر بعبادة الله وتوحيده، وكل ما اتبع ذلك ونهى عن عبادة الأصنام والشياطين. {ويُقيمُون الصَّلاة} المفروضة وهى المناسبة لقوله: {ويؤتُونَ الزَّكاةَ} بطيب نفس، ولو قيل: المراد النوافل لصح إذ المدح بالنوافل أبلغ لأن مقيمها أحرى لإقامة الفرض {ويطِيعُونَ اللهَ ورَسُولَه} فى سائر الأمور. {أولئك سَيرْحمُهم اللهُ} أى سيثيبهم فى الدنيا بالغلبة الكاملة والنصر، وفى الآخرة بالجنة، فالسين لمجرد الاستقبال كذا قيل، وقال جار الله: السين مفيدة، وجود الرحمة لا محالة، فهى تؤكد الوعد كما تؤكد الوعد فى قوله: سأنتقم منك يوما، أى لا تفوتنى وإن تباطأ عنك ذلك، قال ابن هشام: زعم الزمخشرى أنها إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة، ولم آمر من فهم وجه ذلك، ووجهه أنها تفيد الوعد بحصول الفعل بدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد، وتقتضى توكيده، وتثبت معناه، أومأ إلى ذلك فى البقرة وصرح به فى براءة. {إنَّ اللهَ عَزيزٌ} غير مغلوب عما أراد من ثواب وعقاب وغيرهما {حَكيمٌ} واضعا كلا موضعه.
اطفيش
تفسير : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} إِلخ. قال هنا أَولياءُ بعض وهنالك بعضهم من بعض، لأَن اتصال هؤلاءِ بمقتضى الطبع واتصال المؤمنين بالدين الواحد المنافى لمخالفة المقتضى للمعاونة والتناصر {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} الواجب وغير الواجب وهو مقابل للأَمر بالمنكر {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} الكبير والصغير، وهو مقابل للنهى عن المعروف. وكذلك يجب على الفاسق الأَمر بالمعروف ولو كان لا يفعله والنهى عن المنكر ولو كان يفعله، والممتثل يكون أَمره ونهيه أَشد تأْثيرا فى غيره قال بعض المغاربة: شعر : أَخذت بأَعضادهم إِذا ناوا وخلفك القوم إِذ ودعوا فكم أنت تنهى ولا تنتهى وتسمع وعظا ولا تسمع فيا حجر السن حتى متى تسن الحديد ولا تقطع تفسير : {وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} الواجبة وغير الواجبة وهو مقابل لنسيان الله. {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} مقابل لقبض الأَيدى {وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} فى كل أَمر ونهى، وهو مقابل لكمال الفسق والخروج عن الطاعة {أُولَئِكَ} المتصفون بصفات الخير {سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ} مقابل لقوله تعالى فنسيهم. السني للتأْكيد والقطع. وهو من معانى السين كما تشعر به عبارات الفصحاء لا كما قيل إِن ذلك مستفاد من المقام، أَما إِذا أُريد بالرحمة ما حضر منها دينا ودنيا لأَنه غير مستقبل، وقد ذكر خير الآخرة فى قوله وعد الله فالمضارع للحال المستمر. فأَما إِذا أُريد رحمة الآخرة والمقام مقام تبشير، فالاستقبال غير مراد بالسين فهى لمجرد التأْكيد، ويجوز جمع الوجهين، فهى كذلك لِلتأْكيد، فالرحمة حاضرة مستمرة متصلة بعضها فى الحياة وبعضها فى الموت وما بعده، ولا مانع من إِبقاءِ المضارع والسين على الاستقبال والرحمة رحمة الآخرة {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ} لا يغلب عما أَراد فهو منجز لوعده ووعيده لأَهلهما {حَكِيمٌ} يضع الأَشياءَ فى مواضعها.
الالوسي
تفسير : {وَالْمُؤْمنُونَ وَالمُؤْمنَاتُ} بيان لحسن حال المؤمنين والمؤمنات حالاً ومآلاً بعد بيان حال أضدادهم عاجلاً وآجلاً، وقوله سبحانه: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} يقابل قوله تعالى فيما مر: {أية : بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } تفسير : [التوبة: 67]، وتغيير الأسلوب للإشارة إلى تناصرهم وتعاضدهم بخلاف أولئك؛ وقوله عز وجل: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} ظاهر المقابلة ليأمرون بالمنكر الخ والكلام في المنكر والمعروف معروف، وقوله جل وعلا: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ} في مقابلة {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [التوبة: 67] وقوله تعالى جده: {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} في مقابلة {أية : يقبضون أَيْدِيهِمْ } تفسير : [التوبة: 67] وقوله تبارك وتعالى: {وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي في سائر الأمور في مقابلة وصف المنافقين بكمال الفسق والخروج عن الطاعة وقيل: هو في مقابلة {نَسُواْ ٱللَّهَ}، وقوله سبحانه: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ} زيادة مدح، وقوله تعالى شأنه: {أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ} في مقابلة {أية : فَنَسِيَهُمْ } تفسير : [التوبة: 67] المفسر بمنع لطفه ورحمته سبحانه، وقيل: في مقابلة {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} تفسير : [التوبة: 67] لأنه بمعنى المتقين المرحومين، والإشارة إلى المؤمنين والمؤمنات باعتبار اتصافهم بما سلف من الصفات الجليلة، والإتيان بما يدل على البعد لما مر غير مرة. والسين على ما قال الزمخشري وتبعه غير واحد لتأكيد الوعد وهي كما تفيد ذلك تفيد تأكيد الوعيد، ونظر فيه صاحب «التقريب» ووجه ذلك بأن السين في الإثبات في مقابلة لن في النفي فتكون بهذا الاعتبار تأكيداً لما دخلت عليه ولا فرق في ذلك بين أن يكون وعداً أو وعيداً أو غيرهما. وقال العلامة ابن حجر: ما زعمه الزمخشري من أن السين تفيد القطع بمدخولها مردود بأن القطع إنما فهم من المقام لا من الوضع وهو توطئة / لمذهبه الفاسد في تحتم الجزاء ومن غفل عن هذه الدسيسة وجهه، وتعقبه الفهامة ابن قاسم بأن هذا لا وجه له لأنه أمر نقلي لا يدفعه ما ذكر ونسبة الغفلة للأئمة إنما أوجبه حب الاعتراض، وحينئذ فالمعنى أولئك المنعوتون بما فصل من النعوت الجليلة يرحمهم الله تعالى لا محالة. {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} قوي قادر على كل شيء لا يمتنع عليه ما يريده {حَكِيمٌ} يضع الأشياء مواضعها ومن ذلك النعمة والنقمة؛ والجملة تعليل للوعد.
ابن عاشور
تفسير : هذه تقابل قوله: {أية : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض}تفسير : [التوبة: 67] لبيان أنّ الطائفة التي ينالها العفو هي الملتحقة بالمؤمنين. فالجملة معطوفة على جملة: {أية : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض}تفسير : [التوبة: 67] وما بينهما جمل تسلسل بعضها عن بعض. وقوله: {بعضهم أولياء بعض} مقابل قوله: في المنافقين {أية : بعضهم من بعض}تفسير : [التوبة: 67]. وعبّر في جانب المؤمنين والمؤمنات بأنّهم أولياء بعضٍ للإشارة إلى أنّ اللحمة الجامعة بينهم هي وَلاية الإسلام، فهم فيها على السواء ليس واحد منهم مقلّداً للآخر ولا تابعاً له على غير بصيرة لما في معنى الولاية من الإشعار بالإخلاص والتناصر بخلاف المنافقين فكأنّ بَعضَهم ناشىء من بعض في مذامّهم. وزيد في وصف المؤمنين هنا {يقيمون الصلاة} تنويهاً بأنّ الصلاة هي أعظم المعروف. وقوله: {ويؤتون الزكاة} مقابل قوله في المنافقين {أية : ويقبضون أيديهم}تفسير : [التوبة: 67]. وقوله {ويطيعون الله ورسوله} مقابل قوله في المنافقين {أية : نسوا الله}تفسير : [التوبة: 67] لأنّ الطاعة تقتضي مراقبة المطاع فهي ضدّ النسيان. وقوله: {أولئك سيرحمهم الله} مقابل قوله في المنافقين {أية : فنسيهم}تفسير : [التوبة: 67]. والسين لتأكيد حصول الرحمة في المستقبل، فحرف الاستقبال يفيد مع المضارع ما تفيد (قد) مع الماضي كقوله: {أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى}تفسير : [الضحى: 5]. والإشارةُ للدلالة على أنّ ما سيرد بعد اسم الإشارة صاروا أحرياءَ به من أجلِ الأوصاف المذكورة قبل اسم الإشارة. وجملة: {إن الله عزيز حكيم} تعليل لجملة {سيرحمهم الله} أي: أنّه تعالى لعزّته ينفع أولياءه وأنّه لحكمته يضع الجزاء لمستحقّه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: والمؤمنون: أي الصادقون في إيمانهم بالله ورسوله ووعد الله ووعيده. أولياء بعض: أي يتولّى بعضهم بعضاً في النّصرة والحماية والمحبة والتأييد. ويقيمون الصلاة: أي يؤدونها في خشوع وافية الشروط والأركان والسنن والآداب. ويؤتون الزكاة: أي يخرجون زكاة أموالهم الصامتة كالدراهم والدنانير والمعشرات، والناطقة كالأنعام: الإِبل والبقر والغنم. في جنات عدن: أي إقامة دائمة لا يخرجون منها ولا يتحولون عنها. ورضوان من الله أكبر: أي رضوان الله الذي يحله عليهم أكبر من كل نعيم في الجنة. معنى الآيتين: بمناسبة ذكر المنافقين وبيان سلوكهم ونهاية أمرهم ذكر تعالى المؤمنين وسلوكهم الحسن ومصيرهم السعيد فقال {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ} أي المؤمنون بالله ورسوله ووعده ووعيده والمؤمنات بذلك {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي يوالي بعضهم بعضاً محبة ونصرة وتعاوناً وتأييداً {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} وهو ما عرفه الشرع حقاً وخيراً من الإيمان وصالح الأعمال، {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} وهو ما عرفه الشرع باطلاً ضاراً فاسداً من الشرك وسائر الجرائم فالمؤمنون والمؤمنات على عكس المنافقين والمنافقات في هذا الأمر وقوله تعالى {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} والمنافقون لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى فهم مضيعون لها غير مقيمن لها، ويقبضون أيديهم فلا ينفقون، والمؤمنون يطيعون الله ورسوله، والمنافقون يعصون الله ورسوله، المؤمنون سيرحمهم الله، والمنافقون سيعذبهم الله، {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب سينجز وعده ووعيده {حَكِيمٌ} يضع كل شيء في موضعه اللائق به فلا يعذب المؤمنين وينعّم المنافقين بل ينعّم المؤمنين ويعذب المنافقين. وقوله تعالى في الآية الثانية [72] {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي من خلال قصورها وأشجارها {خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ} أي قصوراً طيبة في غاية النظافة وطيب الرائحة {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي إقامة، وقوله {وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ} أي يحله عليهم أكبر من الجنات والقصور وسائر أنواع النعيم. وقوله {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} ذلك المذكور من الجنة ونعيمها ورضوان الله فيها هو الفوز العظيم. والفوز هو السلامة من المرهوب والظفر بالمرغوب. هذا الوعد الإلهي الصادق للمؤمنين والمؤمنات يقابله وعيد الله تعالى للمنافقين والكفار في الآيات السابقة، ونصه {أية : وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} تفسير : [الآية: 68]. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- بيان صفات المؤمنين والمؤمنات والتي هي مظاهر إيمانهم وأدلته. 2- أهمية صفات أهل الإِيمان وهي الولاء لبعضه بعضاً، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، طاعة الله ورسوله. 3- بيان جزاء أهل الإِيمان في الدار الآخرة وهو النعيم المقيم في دار الإِسلام. 4- أفضلية رضا الله تعالى على سائر النعيم. 5- بيان معنى الفوز وهو النجاة من النار، ودخول الجنة.
القطان
تفسير : جنات عدن: جنات الخلود. رضوان من الله: رضى من الله. بعد ان ذكرا لله تعالى افعال المنافقين وصفاتِهم المنكرة، وذكر ما أعدَّه لهم من العذاب في الدنيا والآخرة - بيّنَ لنا صفة المؤمنين والمؤمنات، الصادقين في ايمانهم، الذين هُدُوا الى الطّيب من القول، وساروا على الصراط المستقيم. {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ}. إنهم نصراء بعضٍ يتّجهون بهذه الوَلاية الى الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكر، لتحقيق الخير ودفع الشر، مع التضامن والتعاون لإعلاء كملة الله. وهم "يقيمون الصلاة" في اوقاتها، وهي الصلة التي تربطهم بالله، "ويؤتون الزكاة" تلك الفريضة العظيمة التي تربط بين جماعة المسلمين، وتحقّقِ الصورة الماديّةَ والروحية للولاية والتضامن، "ويطيعون اللهَ ورسولَه" بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي. ماذا اعد الله لِلذين يتّصفون بهذه الصفات السامية؟ {أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ}. ان الله يتعهدهم برحمته في الدنيا والآخرة. فهذه الصفات الأربع في المؤمنين: الأمر بالمعروف. والنهي عن المنكر، واقامة الصلاة، وايتاء الزكاة - تقابلُ من صفاتِ المنافقين: الأمرَ بالمنكر، والنهيَ عن المعروف، ونسيانَ الله، وقبضَ الأيدي، وصفاتُ المؤمنين هي التي وعدهم اللهُ عليها بالنصر والتمكين في الأرض، {ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }. وبعد ان بيّن رحمتَه للمؤمنين ونصره لهم إجمالاً بيّن ثانيةً ما وعدَهم به من الجزاء المفسِّر لرحمته تفصيلاً فقال: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ}. لقد وعدهم اللهُ الجنةَ خالدين في نعيمها، وأعدَّ لهم مساكنَ تَطيبُ بها نفوسُهم في دار الاقامة والخلود. ولهم فوقها ما هو اكبر واعظم. {وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}. وإن الجنةَ بكل ما فيها من نعيمٍ لَتتضاءل أمام ذلك الرضوان الكريم. {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. وذلك الوعدُ بالنعيم الجسمانّي والروحاني هو الفوزُ العظيم الذي يُجزى به المؤمنون المخلصون.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} {ٱلصَّلاَةَ} {ٱلزَّكَاةَ} {أُوْلَـٰئِكَ} (71) - المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَيْنَهُمْ أُخُوَّةٌ، وَمَوَدَّةٌ، وَتَعَاوُنٌ، وَتَرَاحُمٌ، وَيَتَّصِفُونَ بِالصِّفَاتِ الحَمِيدَةِ التِي يَأْمُرُهُمْ بِهَا دِينُهُمْ: فَيَتَنَاصَرُونَ وَيَتَعَاضَدُونَ وَيَفْعَلُونَ الْخَيْرَ، وَيَأْمُرُونَ بِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَنِ المُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ، وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤَدُّونَهَا حَقَّ أَدَائِهَا، وَيُؤَدُّونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا، وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَمَرَ، وَيَتْرُكُونَ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ. وَالْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الطَّيِّبَةِ الْكَرِيمَةِ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ عَزِيزُ الجَانِبِ، يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي قِسْمَتِهِ الصِّفَاتِ بَيْنَ خَلْقِهِ، فَجَعَلَ المُؤْمِنِينَ يَخْتَصُّونَ بِالصِّفَاتِ الحَمِيدَةِ، وَالمُنَافِقِينَ يَخْتَصُّونَ بِالصِّفِاتِ الذَمِيمَةِ المُنْكَرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : جاءت هذه الآية بعد آية سابقة وُصِفَ فيها المنافقون في قوله تعالى: {أية : ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ ...} تفسير : [التوبة: 67]. فناسب أن يقابلهم بالمؤمنين والمؤمنات، وتلك مناسبة الضد بالضد؛ لأن قياس الضد إلى ضده يُظهر الأمرين معاً. والمثال قول الشاعر حين يمدح محبوبته فيقول: شعر : فالوَجْهُ مثْلُ الصبح مُبيضٌ والشَّعْر مثل الليل مُسْودُّ ضِدَّان لما استجمعا حَسُنَا والضِّدُّ يُظهِر حُسْنه الضِّدُّ تفسير : وبعد أن ذكر الحق فضائح المنافقين ومعايبهم، وحنثهم فيما يحلفون، وخلفهم فيما يعاهدون، أراد أن يجعل تقابلاً بينهم وبين المؤمنين والمؤمنات. لكن التقابل هنا اختلف في شيء؛ لأنه سبحانه قال في المنافقين: {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ}، وحين تكلم عن المؤمنين قال: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} فالمنافقون والمنافقات وصفهم الحق {بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} أي أنهم كلهم متشابهون وسلوكهم مبني على التقليد والاتباع، فهم يقلدون بعضهم بعضاً. وبما أنهم قد أقاموا عقيدتهم على الشر، فكلهم شر، ولا يوجد بينهم من ينصحهم بالخير أو يحاول رَدَّهم عن النفاق، بل هم يمضون في تيار الشر إلى آخر مدى. أما المؤمن فعقيدته مبنية على الاقتناع وعلى الخير. فإن وُجد في مؤمن شر؛ فَوليُّه من المؤمنين يبعده عن الشر ويعيده إلى طريق الخير؛ ذلك لأن النفس البشرية لها أغيار متعددة، ولا يسلك كل مؤمن السلوك الملتزم تمام الالتزام بمنهج الله في كل شيء. بل هناك خصلة ضعف في كل نفس بشرية. فإن وُجِدَ في المؤمن ضعف فأولياؤه من المؤمنين يُبيِّنون له نقطة ضعفه ويُبصِّرونه وينصحون له، ويُرد في نقطة ضعفه، والمؤمن أيضاً يُنبِّه غيره ويُبصِّره، وهكذا نجد أنه في المجتمع المؤمن، كل واحد يرد الآخر في نقطة ضعفه، وكل منهم ينصح الآخر ويعظه، ليكتمل إيمان الجميع، ومَنْ يقصر في شيء يجد القريب منه؛ وهو يسد الثغرة الطارئة في سلوكه. أما المنافقون فيصفهم الحق {بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} أي: أنهم جميعاً من بعض، فلا يتناهَوْنَ عن منكر فعلوه، ولا يوجد بينهم ناصح. وقول الحق سبحانه وتعالى: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} لم يبين لنا من المولى ومن الموَالَى، فكل مؤمن وهو ولى وهو موال؛ لأن الولاية مأخوذة من "يليه"، أي صار قريباً، وضدها عاداهُ أي بَعُدَ عنه وتركه. إذن: فالموالاة ضدها العداوة. وفائدة القرب أن يكون الولي نصير أخيه المؤمن في الأمر الذي هو ضعيف فيه. فإذا كنت ضعيفاً في أمر ما، فأخي المؤمن ينصرني فيه. وما دام أخي المؤمن ينصرني في أمر ما، فإن صار هو ضعيفاً في شيء أنصره أنا فيه، فنتفاعل ونتكامل ويصبح كل منا ولياً ومُوَالَى. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 1-3]. ولو قيل: "وصَّوْا" لكان هناك أناس يوصون وأناس يتواصون، لكن الحق قال: {وَتَوَاصَوْاْ} ومعناها أن كل مؤمن عليه أن يوصي أخاه المؤمن. فإن كان عندي نقطة ضعف فأنت توصيني وتقول: اعدل عن هذا ولا تفعله فأنت مؤمن. وإن كانت فيك نقطة ضعف أقول لك: لا تفعل هذا فأنت مؤمن. إذن: فكل واحد منا مُوص ومُوصىً. كذلك الولاية فأنت وليي، أي قريب مني تنصرني في ضعفي، وأنا وليُّك، أي قريب منك، أنصرك في ضعفك لأننا أبناء أغيار؟ وكل واحد منا فيه نقطة ضعف تختلف عن نقطة ضعف الآخر. والوَلاية تكون أيضاً في الحق، فقد أميل إلى الباطل في نقطة فيقول لي أخي المؤمن: اعدل. وقد يميل هو إلى الباطل فأقول له: اعدل. وهكذا يتكامل الإيمان، ولذلك تجد كلمة الوَلاية بمعنى القرب والنصرة في قول الحق في ذاته: {أية : هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ ...} تفسير : [الكهف: 44]. أي: أن النصر الحقيقي والقرب الحقيقي لله؛ لأننا نعيش في عالم أغيار، فقد تطلب النصر عندي فتكون قوتي قد ذهبت، أو يكون مالي قد فنى، أو يكون نفوذي قد انتهى، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو وحده القوي دائماً، والغني دائماً، الذي يُغيِّر ولا يتغير، وعندما ينصرك الله فهذا هو النصر الحقيقي الدائم لا نصر الأغيار. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [يونس: 62]. أي: أن الحق سبحانه وتعالى جعل أولياء لله. وكذلك يقول تبارك وتعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ...} تفسير : [البقرة: 257]. إذن: فالحق سبحانه وتعالى مرة يكون موالياً. ومرة يكون مُوَالىً، فإن واليت الله بطاعتك يواليك سبحانه بنصره. ويقول تعالى: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} تفسير : [محمد: 7]. أي: إذا تقربت إلى الله بطاعته ونصرة منهجه، فهو يقرب منك في أزماتك وينصرك ويُثبِّت أقدامك. إذن: فالولاية في الأصل هي القرب والتناصر، وما دام هناك تناصر فلا بد أن تكون هناك نقطة ضعف في مؤمن، ونقطة قوة في مؤمن آخر، ولكن مَن الذي سيكون في ضعف دائماً، أو في قوة دائماً؟ لا أحد. إذن: فكل واحد يَنصر، وكل واحد يُنصر. وما دام الحق سبحانه وتعالى قد قال: {أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} ولم يعين البعض؛ فكل واحد صالح لأن يكون ناصراً ومنصوراً. ولكي يتضح المعنى اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. إذن: فقد اعترف الكفار بصدق القرآن وإعجازه ولكنهم لا يؤمنون؛ لأن القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل على أحد من زعماء قريش، فيرد الله سبحانه وتعالى عليهم: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً...} تفسير : [الزخرف: 32]. وشاء الحق سبحانه وتعالى أن يجعل منكم السادة والعبيد، ويجعل منكم الأغنياء والفقراء، وذلك في أمور الدنيا، فإن كنتم تريدون أن تُقسموا أمور الدين، فاقسموا أولاً معايشكم؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو الذي قسمها بينكم، وحياتكم في الدنيا تتبع قوانين الأسباب، ومن السهل عليكم أن تقسموها بدلاً من أن تأتوا لتقسموا رحمة الله التي هي حق لله سبحانه وتعالى وحده. ونلاحظ في قول الحق سبحانه وتعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} أن البعض مرفوع والبعض الآخر مرفوع عليه، وما دامت كلمة {بَعْضٍ} مبهمة، فإن كلاً منا مرفوع ومرفوع عليه. ولا يوجد واحد من البشر مرفوع على الجميع، بحيث يكون وحده مجموعة متكاملة من المواهب. ولكن كلاّ منا متميز في ناحية وغير متميز في ناحية أخرى، حتى يكون التلاحم في الكون تلاحم ضرورة حياة وليس تفضلاً؛ ولذلك فإن الإنسان المؤمن إذا كان مرفوعاً عليه في شيء فلا بد أن يسأل نفسه: في أي الأشياء أنا مرفوع فيه؟ وفي أي الأشياء الناس أحسن مني؟ ونقول له: أنت تتقن عملاً معيناً ولذلك أنت مرفوع فيه، ولكن في باقي الأشياء لا تعلم شيئاً، فأنت مرفوع عليك. إذن: فأنا في الشيء الذي لا أجيده مرفوع عليّ، وفي الشيء الذي أجيده مرفوع على الناس؛ ولذلك تجد كل واحد في كون الله مرفوعاً مرة ومرفوعاً عليه مرة، وهذا هو معنى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ}. ولكن الآفة أننا لا ننظر في الرفعة إلا إلى مجال واحد؛ هذا غني وهذا فقير، ولكننا لا ننظر إلى الصحة، أو العلم، أو الأولاد، أو صلاح الزوجة أو البركة في الحياة، وزوايا كثيرة، وبعضنا إذا أخذ درجة عالية في زاوية، فإنه قد يأخذ صفراً في زاوية أخرى. ومجموع كل إنسان في نهاية الأمر يساوي مجموع أي إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى. فإن رأيت واحداً متفوقاً عليك في شيء. فإياك أن تحسده, ولكن اسأل نفسك في أي مجال أنت تتفوق عليه، وستجد هناك مجالات وزوايا أخرى تكون فيها أفضل من غيرك. إذن: فكل منا مرفوع ومرفوع عليه، ولا بد أن نفهم أن كل صاحب موهبة يفيد المجتمع بموهبته، وربما كان نفعه للمجتمع خيراً من نفعه لنفسه. انظر إلى النجار مثلاً تجده يتقن عمل الأبواب والنوافذ للناس، أما لنفسه فلا يتقنها، لماذا؟ لأن الباب الذي يصنعه لنفسه هو الباب الوحيد الذي لا يتقاضى عليه أجراً. ولقد ضربنا مثلاً باليد اليمنى واليد اليسرى، فعند غالبية الناس نجد أن اليد اليمنى تؤدي الأعمال بسهولة، واليسرى تزاولها ببطء وتعثر، فإذا أردت أن تقص أظافر يديك مثلاً، فأنت تمسك المقص بيمينك وتقص أظافر اليد اليسرى بسهولة، ثم تمسك المقص بشمالك وتتعثر في قَصِّ أظافر اليد اليمنى. وهكذا نرى أنه لا يوجد إنسان يستمتع بالمواهب المكتملة. بل هو يتقن شيئاً ولا يتقن أشياء، ولكن مجموع مواهب كل إنسان، تساوي مجموع مواهب كل إنسان آخر. والعدل الإلهي يتدخل هنا، فنجد - على سبيل المثال - الرجل الغني الذي يأكل خبزاً من الدقيق الأبيض الفاخر، ثم يأتي عليه وقت من الأوقات لا يستطيع أن يأكل إلا الدقيق الأسود أو السّن. وتجد من يسرف في الطعام؛ لا بد أن يأتي عليه وقت ويحرمه الأطباء من الطعام؛ لأنه أخذ منه أكثر من حقه. وتكون صحته في أن يُحرم. والحق سبحانه وتعالى وضع نظاماً كونياً يتساند فيه الجميع؛ لكي يلتحم الجميع. فأنت تحتاج لي فيما أتقنه وأنا أحتاج إليك فيما تتقنه، وهكذا يتساند الناس ويتكون المجتمع السليم. ولذلك يقال: الناس بخير ما تباينوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا وأصبحوا أصحاب موهبة واحدة أو عمل واحد لفسد الكون، كأن نكون كلنا قضاة مثلاً، فمن الذي يعالج المريض؟ ومن الذي يحفر الأرض؟ ومن الذي يحمل الطوب؟ ومن الذي ينظف الطريق؟ إننا لو تشابهنا في الموهبة أو الثراء أو العمل فلن نجد أحداً يقوم بهذه الأعمال؛ لأننا لو كنا كلنا أطباء أو مهندسين أو صيادلة أو قضاة أو مشرعين لما استطعنا أن نعيش، بل لا بد أن نختلف لأكون أنا محتاجاً لك وأنت محتاج لي. وبذلك يتماسك المجتمع، وتُقضَى مصالح الكون بسبب الحاجة، وليس بالتفضل بين الناس. ويصف الحق سبحانه المؤمنين بأنهم: {يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} فإذا فعل مؤمن منكراً؛ جاء أخوه المؤمن فنهاه عنه، وإذا لم يفعل معروفاً جاء أخوه المؤمن وأمره بالمعروف, وكل واحد منا ناهٍ عن منكر، ومنهي عن منكر. وأنت لا يمكن أن تأمر بمعروف وأنت تفعل عكسه، أو أنت بعيد عنه، فلا يمكن أن تكون في يدك كأس من الخمر؛ ثم تطلب من إنسان آخر يمسك كأس خمر أن يحطم الكأس التي في يده، لا يمكن إذن أن تنهى عن منكر وأنت تفعله؛ والذي يأمر بمعروف لا بد أن يكون فاعله، والذي ينهى عن المنكر لا بد أن يكون بعيداً عنه. فكل مؤمن آمر ومأمور بالمعروف. وناهٍ عن المنكر. ويضيف الحق وصفاً للمؤمنين: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ} وإقامة الصلاة هي إعلان الولاء للخالق الأعلى، ومن له ديمومة لا نهاية لها. والمؤمنون أولياء بعض، ولكن مَنْ وليُّهم جميعاً؟ إنه الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن يلتحموا بمنهج الولي الأعلى الذي لا نستغني عنه جميعاً. والله سبحانه وتعالى حين وصف المؤمنين أولياء بعض، قال لنا: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ...} تفسير : [محمد: 7]. إذن: فلا بد أن نتجه جميعاً إلى الوالي الكبير. فهو سبحانه فوق أسبابنا، وفوق قوتنا وهو الذي ينصرنا إنْ عزَّتْ ولاية الأفراد المؤمنين لبعضهم البعض، فنلجأ للولي الكبير. وما دامت الولاية لله الحق، فلا بد أن نستديم في ولائنا له سبحانه وتعالى. واستدامة الولاء لا تكون إلا بالصلاة. وساعة تسمع المؤذن يقول: "الله أكبر" تسرع إلى الصلاة. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى - وهو ربك وصانعك ووليك - قد دعاك إلى الصلاة، فلا بد أن تجيب الدعوة. فإذا أحببت أن تزيد على الصلوات الخمس وتكون في معية الله دائماً فافعل، بعد أن تكون قد أدَّيْتَ ما فرضه سبحانه عليك من خمس صلوات في اليوم الواحد، وحين تُعْرَض الصنعة على صانعها خمس مرات كل يوم ففي هذا صلاح الإنسان. وأنت إنْ جئتَ بأي آلة وجعلتَ المهندس الذي صنعها يراها كل يوم خمس مرات فلن تعطب أبداً. كذلك الإنسان وهو صنعة الله، إذا عرض نفسه على الله خمس مرات كل يوم فإن العطب لا يدخل إلى نفسه. والصانع من البشر حين تعرض عليه الآلة فيصلحها بماديات، سواء كان باكتشاف نقص في الوصلات الكهربية أو كسر في أي شيء، فالمادة تصلح بالمادة، ولكن الله سبحانه غيب، ولذلك فهو يصلحنا بالغيب، فلا تعرف ماذا فعل بك وأنت واقف أمامه تصلي. لكنك تشعر بلا شك أن شيئاً فيك قد انصلح. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر - أي كان هذا الأمر فوق طاقته - قام إلى الصلاة؛ لأن أسبابه لم تستطع أن تفعل شيئاً فيتجه إلى المسبب، ويقف بين يديه؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يملك الحل. ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول لبلال: أرحنا بها يا بلال كأن الراحة بها، أي اجعل ملكاتنا تعتدل بالصلاة. لذلك كان لا بد أن يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ} لأن الصلاة استدامة الولاء لله، والحق تبارك وتعالى يريدنا أن نكون موصولين به سبحانه، وهذه الصلة تتم بالصلاة فرضاً خمس مرات في اليوم، وترك سبحانه الباب مفتوحاً لتطوعك، فلا تترك ساعة تستطيع أن تكون فيها بين يدي الله إلا فعلت. ولكي تعرف الفرق بين سيادة الله وسيادة البشر، فإنك إذا ضعفت أسبابك أمام شيء، فإنك تطلب أن تقابل من هو أعلى منك مركزاً، فهو يملك أسباباً لقضاء حاجتك، فإذا طلبت مقابلته قد يقول نعم، وقد يقول لا.. فإذا قال نعم، يسألك عم ستتكلم فيه.. فإذا قلت: إنك ستتكلم في كذا، حدد لك الساعة واليوم والمكان ومدة المقابلة. ولكن الحق سبحانه وتعالى لا يفعل هذا. أنت تذهب له في أي وقت تشاء، وفي أي مكان تشاء، وتتكلم فيما تريد، وهو سبحانه لا ينهي المقابلة أبداً، أنت الذي تنهي المقابلة مع ربك. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يمل الله حتى تملوا ". تفسير : والحق جل جلاله لا يشغله شيء عن شيء؛ ولذلك فهو يقابل كل عباده في وقت واحد، ويستمع إليهم في وقت واحد، ويُجيبهم إلى ما يطلبون في وقت واحد. ويقول سبحانه: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ} والصلاة تأتي مع الزكاة باستمرار؛ لأن في الصلاة استدامة ولاء لله المعطي، وفي الزكاة استبقاء حياة من يستحق أن تعطيه، فأنت تعطيه لتستبقي له حياته فيواصل الولاء لله معك؛ لأنه لا ولاء إلا بحياة، وأنت تساعده على استبقاء هذه الحياة؛ ولأن الزكاة إعطاء مال للفقير، والمال يأتي بالعمل، والعمل يحتاج إلى وقت، إذن: فأنت ضحيت بجزء من وقتك لتتصدق به، وفي الصلاة ضحيت بوقتك في أوقات محددة. وفي الأوقات التي تعمل فيها هناك استدامة الولاء، بأن تخصص جزءاً من أثر هذا الوقت للزكاة، فلا يكون كل وقتك للعمل، وإنما يكون وقتك فيه عمل وفيه عبادة، فحين تخصص جزءاً من مالك الذي سيأتيك من العمل للزكاة تكون قد زكَّيت الوقت بالصلاة، وزكيت المال بالعطاء. ويقول الحق: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}. وقد ذكر الحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وهذه كلها طاعة لله بإقامة أركان الإسلام، فلماذا يقول سبحانه: {وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ}؟ نقول: الله سبحانه ينبهنا إلى أن أركان الإسلام الخمسة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، هذه الأركان ليست هي كل الإسلام. بل هي القواعد التي بُني عليها الإسلام؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس". إذن: فهذه هي الأعمدة أو الأسس التي بُني عليها الإسلام. ولكن الإسلام هو كل حركة في الحياة تصلح ولا تفسد، وتسعد ولا تشقى، ولذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن نفهم أن الإسلام ليس فقط بالأسس التي وضعت، ولكن لا بد من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمرنا به في كل حركة الحياة. وحركات الحياة كلها متكاملة، وإذا نظرت للشيء الذي تستفيد به تجده وليد حركات متعاقبة ممن سبقوك حتى آدم عليه السلام، فإذا أخذنا أبسط الأشياء وهي وضع خميرة في عجينة الخبز؛ وكيف عرفنا هذا؟ نجد أننا أخذناها جيلاً عن جيل. والذي بدأها ألهمه الله بحادث يقع أو بخطأ يتم إلى أن وصل إلى قيمة وضع الخميرة في العجين ليكسب الخبز طعماً، ومعظم مبتكرات الحياة قد أتت بالصدفة أو نتيجة أخطاء. فالبنسلين - على سبيل المثال - اكتُشِف نتيجة خطأ. وقاعدة أرشميدس التي بنيت عليها نظريات الغواصات اكتشفت نتيجة ملاحظة ألهمها الله لأرشميدس. وحين يأتي ميلاد كشف جديد للبشرية، فسبحانه يهدي خلقه إلى هذا الكشف ولو كان بخطأ يقع منهم. ومثال آخر: ما الذي جعلك تفهم أن اللحم حين ينضج على النار أو يُشوى يكون طعمه أحلى؟ ما الذي جعلك تطهو بعض أنواع الخضراوات ولا تطهو أنواعاً أخرى. كل هذا هدانا إليه الله. {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 2-3]. إذن: فكل ما ننتفع به في حركة الحياة، قد أتانا من أجيال مضت؛ ولذلك من يأتي ليقول: سأنقطع للعبادة صلاة وصوماً؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]. نقول: سنوافقك على انقطاعك للصلاة والصوم فقط. ولكنك لكي تصلي؛ أنت تحتاج إلى طعام يعطيك القوة والقدرة لتصلي وإلا فسيستحيل عليك أداء الصلاة. هَبْ أنك ستأكل رغيفاً من الخبز فقط، من أين تأتي بهذا الرغيف؟ من البقال. ومن أين أتى به البقال؟ من المخبز. ومن أين جاء المخبز بالدقيق؟ من المطحن. ومن أين جاء المطحن بالقمح؟ من مخزن الغلال. ومن أين جاء المخزن بالقمح؟ من المزارع. والمزارع أتى بمحاريث وآلات من المصانع لكي يحرث الأرض، وجاء بآلات لكي يسقي. إذن: فأنت لا تستطيع الانقطاع للعبادة إلا إذا استفدْتَ بحركة غيرك، وكل عمل ذكرت فيه الله هو عبادة، وكل حركة في الحياة تعينك على أداء العبادة هي عبادة. ومثال آخر: لكي تصلي لا بد أن تستر عورتك في الصلاة، إذن: فأنت تحتاج إلى قماش تأتي به من التاجر، والتاجر أتى به من مصنع النسيج، ومصنع النسيج أتى به من مصنع الغزل، ومصنع الغزل أتى بالقطن من المحلج، والمحلج جاء به من الحقل، والحقل جُنِّدَتْ له معامل الدنيا ليعطيك أوفر محصول، ويقي القطن من الآفات. كل هذه هي من حركات الحياة التي مكَّنتْكَ أن تستر عورتك في الصلاة، وكل منها عبادة. إذن: كان من الضروري أن يقول {وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}. بعد {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ} ... فبعد أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة عليهم أن يطيعوا الله في الإسلام الذي بني على هذه الأركان. ثم يقول الحق: {أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ} وأولئك إشارة إلى كل المؤمنين والمؤمنات الذين هم أولياء بعض، والذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة، والذين يؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، هؤلاء سيرحمهم الله. وأيهما أبلغ: أن يقال أولئك يرحمهم الله، أو يقال سيرحمهم الله؟ الأبلغ أن يقال: {سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ} لأن السين تهتك ستار الزمن؛ وبذلك يحيا المؤمن دائماً في رحمة الله التي لا تنقطع. ولذلك حكى الحق سبحانه وتعالى عن المؤمنين الذين يعملون الصالحات فقال: {أية : سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} تفسير : [مريم: 96]. أي أن الود سيكون مستمرّاً، حتى لمن استمع إلى هذه الآية ثم مات، إنه أيضاً ينتفع بود الله. وأيضاً قال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 5]. ولم يقل: يعطيك ربك، بل جاء بـ {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ} لترى عطاء الحق مستمرّاً. وأنت حين تهدد أحداً لا تقل له: أنا أنتقم منك، بل تقول: سأنتقم منك، أي: أن الانتقام سيستمر مع الزمن. وقول الحق سبحانه وتعالى: {سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ} تعطي أن صفة الرحمة في حق الله سبحانه أعلى من صفة الرحمة في المخلوق؛ لأن التراحم من الخلق على قدر الأسباب، أما الرحمة من الحق سبحانه فتكون بصفات الكمال التي لا تتناهى ولا تنتهي. ومن الرحمة ألا يقع داء، والشفاء أن يوجد داء فيشفى؛ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ ...} تفسير : [الإسراء: 82]. والاثنان يؤديان إلى سلامة المجتمع من الأمراض الاجتماعية التي تُشْقي الإنسان، وهناك سلامة من أول الأمر. وهناك سلامة ليست من أول الأمر. ومن عنده خصلة سيئة - وهي داء - يشفيه منها القرآن، أما الرحمة فهي ألا يأتي داء ابتداء، ولذلك فالرحمة ممتدة. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ومعنى عزيز: أنه غالب على أمره، وما يريده يقع؛ ولا يُغلب. ولكن إياك أن تفهم أن ذلك عن جبروت ظالم، لا؛ لأنه سبحانه لا يظلم أحداً، ولأنه عزيز بحكمة. وهناك عزيز بلا حكمة، تغريه عزته أن يطغى. لكن الله عزيز حكيم، وعزته ليس فيها ظلم ولا طغيان، ولكنها بحكمة إلهية. ويأتي بعد ذلك وعد الله للمؤمنين والمؤمنات بالجزاء والنعيم في الآخرة، فيقول الله سبحانه وتعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أحوال المؤمنين والمؤمنات وأوصافهم بقوله تعالى: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] الآيتين: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}؛ لأن ائتلافهم من نتائج تعارف الأرواح قبل تعلقها بالأشباح للمناسبة الفطرية؛ إذ الأرواح لما كانت مجندة فما كان منها في صف واحد كانت بينهم مناسبة الجنسية صاروا نفساً واحدة بمد بعضهم بعضاً، وكانوا كالبنيان يشد بعضه بعضاً فلهذا يأمرون بالمعروف أي: ينصح بعضهم بعضاً في طلب الله وهو المعروف الحقيقي، كما قال: "حديث : فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف"؛تفسير : والمعنى: {يَأْمُرُونَ} [التوبة: 71] بطلب، {بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} [التوبة: 71] وهو ما يقطع العبد عن الله تعالى من الدنيا وغيرها. {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} [التوبة: 71] يشر إلى مراقبة القلب وحضوره مع الله تعالى، {وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} [التوبة: 71] يشير إلى إنفاق ما فضل عن كفافهم الضروري، {وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 71] يشير إلى الإخلاص في معاملاتهم، فإن المنافقين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة؛ ولكن لا يطعيون الله ورسوله في ذلك، إنما يطيعون النفس والهوى لمصالح دنياهم، {أُوْلَـٰئِكَ} [التوبة: 71] هم يعني: المخلصين، {سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ} [التوبة: 71] بنظره إليهم بنظر الرحمة، ويخرجهم من ظلمات النفسانية إلى أنوار الصفات الروحانية الربانية. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} [التوبة: 71] اي: منيع لا يصل إليه لعزته إلا المخلصون في عبوديته، {حَكِيمٌ} [التوبة: 71] يختار بحكمته من يشاء من عباده لمعرفته وقربته. ثم قال تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ} [التوبة: 72] يعني: أهل المقامات والكرامات الذين هم من {ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} [التوبة: 72] والموصوفين بما ذكره، {جَنَّاتٍ} [التوبة: 72] مقامات رفيعة. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [التوبة: 72] أي: الأسرار والحكم، {خَالِدِينَ فِيهَا} [التوبة: 72] أي: مقيمين في تلك الأحوال متمكنين لا متلونين، {وَمَسَاكِنَ} [التوبة: 72] أي: مقامات، {طَيِّبَةً} [التوبة: 72] على قدر مراتب النفوس المطمئنة الطاهرة، فإن الطيبات للطيبين، {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: 72] أي: مقامات علية قريبة. {وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72] يعني: أكبر من جميع هذه المقامات؛ لأن الرضا باب الله الأعظم، والرضا من الله يوجب رضا العبد كما قال الله تعالى: {أية : رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}تفسير : [التوبة: 100] والعبد لا يرضى من الله تعالى إلا بنيل كمال مقصوده منه، ولهذا منَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكرامة السنية. وقال تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ}تفسير : [الضحى: 5] الحبيب لا يرضى من الحبيب بشيء دونه، وأيضاً ورضوان من الله أكبر؛ لأنه من صفاته وما دونه من أفعاله والأفعال محدثة والصفات قديمة، {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [التوبة: 72]؛ لأنه هو الفوز بصفات الله العظيم. ثم أخبر عن الجهاد مع أهل العناد بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} [التوبة: 73] يشير إلى القلب الذي له بناء من مقام الأنبياء، ويأمره بالجهاد مع كفار النفس وصفاتها، وهذا مقام المشايخ أن يجاهدوا مع نفوسهم أو نفوس مريديهم كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الشيخ في قومه كالنبي في أمته"تفسير : فأمر بالجهاد مع كافر النفس وصفاتها بسيف الصدق، فجهاد النفوس بمنعها عن شهواتها واستعمالها في حمل الشريعة على اخلاف الطبيعة، فالنفوس بعضها كفار لم تسلم أي: لم يستسلموا للمشايخ في تربيتها في هداها بالدعوى إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وبعضها المنافقون وهم الذين أدعوا الإرادة والاستسلام إلى المشايخ في الظاهر، ولم يوفوا بما عاهدوا عليه فجهادها بإلزامها مقاساة شدائد الرياضات في التزكية على متمثل أمر الشيخ ونواهيه ولو يرى عليها الإباء والامتناع فلا يفنيها إلا التشديد والغلظة. كما قال تعالى: {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73] فالواجب عليه أن يبالغ في مخالفاتها ومؤاخذتها في أحكام الطريقة، فإن فاءت إلى أمر الله فهو المراد وإلا استوجبت لما خلقت له، {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [التوبة: 73] أي: مرجعهم جهنم البعد ونار القطيعة، {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [التوبة: 73] مرجعهم. وفي قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} [التوبة: 74] إشارة إلى أحوال بعض المريدين عند استيلاء النفوس وغلبة هواها، وظفر الشيطان أن ينكروا على مشايخهم ويقولوا في حقهم كلمة الكفر كلمة الإنكار والاعتراض، ويعرضوا عنهم بقلوبهم بعد الإرادة والاستسلام، فإذا وقف المشايخ عن أحوال ضمائرهم وعلل الإرادة في سرائرهم يحلفون بالله لهم ما قالوا وما أنكروا. {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} [التوبة: 74] يعني: وهمَّ بعضهم أن يثبت له مرتبة الشيخوخة قبل أوانها، ويظهر الدعوى إلى نفسه وإن لم ينلها، {وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 74] وما أنكروا على الشيخ وخرجوا عن أمره إلا أن الشيخ نبأهم بلبان فضل الله عن حكمة الولاية؛ ليروا آثار الرشد على أنفسهم، فلم يحتملوا الضيق حوصلة الهمة، فزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فأصمهم بذلك وأعمى أبصارهم. {فَإِن يَتُوبُواْ} [التوبة: 74] يرجعوا إلى ولاية الشيخ بطريق الالتجاء {يَكُ خَيْراً لَّهُمْ} [التوبة: 74] بأن يتخلصوا من غيره الولاية وردها فإنها مهلكة ويتمسكوا بحبل الولاية فإنها منجية {وَإِن يَتَوَلَّوْا} [التوبة: 74] أي: يعرضوا عن ولاية الشيخ {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} [التوبة: 74] بعذاب رد الولاية، فإن مرتد الطريقة أعظم ذنباً من مرتد الشريعة. قال الجنيد رحمه الله: لو أقبل صديق على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، فأما عذابه في الدنيا فبسلب الصدق والرد على باب الطلب وإرخاء الحجاب وذله وتقوية الهوى وتبديل الإخلاص بالرياء، والحرص على الدنيا وطلب الرفعة والجاه، وأما عذابه في الآخرة فباشتعال نيران الحسرة والندامة على قلبه المعذب بنار القطيعة وهي نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة. {وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [التوبة: 74] يشير إلى أن من ابتلي برد ولاية شيخ كامل ولو امتلأت الأرض بالمشايخ وأرباب الولاية وهو يتمسك بذيل إرادتهم غير أن شيخه رده لا يمكن لأحدهم إعانته وإخراجه من ورطة الرد إلا ما شاء الله تعالى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر أن المنافقين بعضهم أولياء بعض ذكر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ووصفهم بضد ما وصف به المنافقين، فقال: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ } أي: ذكورهم وإناثهم { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } في المحبة والموالاة، والانتماء والنصرة. { يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ } وهو: اسم جامع، لكل ما عرف حسنه، من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، وأول من يدخل في أمرهم أنفسهم، { وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } وهو: كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة. { وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي: لا يزالون ملازمين لطاعة اللّه ورسوله على الدوام. { أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ } أي: يدخلهم في رحمته، ويشملهم بإحسانه. { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي: قوي قاهر، ومع قوته فهو حكيم، يضع كل شيء موضعه اللائق به الذي يحمد على ما خلقه وأمر به. ثم ذكر ما أعد اللّه لهم من الثواب فقال: { وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } جامعة لكل نعيم وفرح، خالية من كل أذى وترح، تجري من تحت قصورها ودورها وأشجارها الأنهار الغزيرة، المروية للبساتين الأنيقة، التي لا يعلم ما فيها من الخيرات والبركات إلا اللّه تعالى. { خَالِدِينَ فِيهَا } لا يبغون عنها حِوَلا { وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ } قد زخرفت وحسنت وأعدت لعباد اللّه المتقين، قد طاب مرآها، وطاب منزلها ومقيلها، وجمعت من آلات المساكن العالية ما لا يتمنى فوقه المتمنون، حتى إن اللّه تعالى قد أعد لهم غرفا في غاية الصفاء والحسن، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها. فهذه المساكن الأنيقة، التي حقيق بأن تسكن إليها النفوس، وتنزع إليها القلوب، وتشتاق لها الأرواح، لأنها في جنات عدن، أي: إقامة لا يظعنون عنها، ولا يتحولون منها. { وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ } يحله على أهل الجنة { أَكْبَرُ } مما هم فيه من النعيم، فإن نعيمهم لم يطب إلا برؤية ربهم ورضوانه عليهم، ولأنه الغاية التي أمَّها العابدون، والنهاية التي سعى نحوها المحبون، فرضا رب الأرض والسماوات، أكبر من نعيم الجنات. { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } حيث حصلوا على كل مطلوب، وانتفى عنهم كل محذور، وحسنت وطابت منهم جميع الأمور، فنسأل اللّه أن يجعلنا معهم بجوده.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):