Verse. 1307 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

وَعَدَ اللہُ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنٰتِ جَنّٰتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِہَا الْاَنْھٰرُ خٰلِدِيْنَ فِيْہَا وَمَسٰكِنَ طَيِّبَۃً فِيْ جَنّٰتِ عَدْنٍ۝۰ۭ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللہِ اَكْبَرُ۝۰ۭ ذٰلِكَ ہُوَالْفَوْزُ الْعَظِيْمُ۝۷۲ۧ
WaAAada Allahu almumineena waalmuminati jannatin tajree min tahtiha alanharu khalideena feeha wamasakina tayyibatan fee jannati AAadnin waridwanun mina Allahi akbaru thalika huwa alfawzu alAAatheemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن» إقامة «ورضوانُُ من الله أكبر» أعظم من ذلك كله «ذلك هو الفوز العظيم».

72

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد في الآية الأولى على سبيل الإجمال ذكره في هذه الآية على سبيل التفصيل، وذلك لأنه تعالى وعد بالرحمة، ثم بين في هذه الآية أن تلك الرحمة هي هذه الأشياء. فأولها قوله: {جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَـٰالِدِينَ فِيهَا } والأقرب أن يقال إنه تعالى أراد بها البساتين التي يتناولها المناظر لأنه تعالى قال بعده: {وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ } والمعطوف يجب أن يكون مغايراً للمعطوف عليه، فتكون مساكنهم في جنات عدن، ومناظرهم الجنات التي هي البساتين، فتكون فائدة وصفها بأنها عدن، أنها تجري مجرى الدار التي يسكنها الإنسان. وأما الجنات الآخرة فهي جارية مجرى البساتين التي قد يذهب الإنسان إليها لأجل التنزه وملاقاة الأحباب. وثانيها: قوله: {وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ } قد كثر كلام أصحاب الآثار في صفة جنات عدن. قال الحسن: سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن قوله: {وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً } فقالا: على الخبير سقطت، سألنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : هو قصر في الجنة من اللؤلؤ، فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً، على كل فراش زوجة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، وفي كل بيت سبعون وصيفة، يعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك أجمع » تفسير : وعن ابن عباس أنها دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر. وأقول لعل ابن عباس قال: إنها دار المقربين عند الله فإنه كان أعلم بالله من أن يثبت له داراً، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قلت يا رسول الله حدثني عن الجنة ما بناؤها فقال: « حديث : لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك الأذفر وترابها الزعفران وحصاؤها الدر والياقوت. فيها النعيم بلا بؤس والخلود بلا موت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه » تفسير : وقال ابن مسعود: جنات عدن بطنان الجنة، قال الأزهري: بطنانها وسطها، وبطنان الأودية المواضع التي يستنفع فيها ماء السيل واحدها بطن، وقال عطاء عن ابن عباس: هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، وسائر الجنات حولها وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأذفر. وقال عبد الله بن عمرو: إن في الجنة قصراً يقال له عدن، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد، وأقول حاصل الكلام إن في جنات عدن قولان: أحدهما: أنه اسم علم لموضع معين في الجنة، وهذه الأخبار والآثار التي نقلناها تقوي هذا القول. قال صاحب «الكشاف»: وعدن علم بدليل قوله: { أية : جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ } تفسير : [مريم: 61]. والقول الثاني: أنه صفة للجنة قال الأزهري: العدن مأخوذ من قولك عدن فلان بالمكان إذا أقام به، يعدن عدونا. والعرب تقول: تركت إبل بني فلان عودان بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه ولا تبرحه، ومنه المعدن وهو المكان الذي تخلق الجواهر فيه ومنبعها منه، والقائلون بهذا الاشتقاق قالوا: الجنات كلها جنات عدن. والنوع الثالث: من المواعيد التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية قوله: {وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } والمعنى أن رضوان الله أكبر من كل ما سلف ذكره، واعلم أن هذا هو البرهان القاطع على أن السعادات الروحانية أشرف وأعلى من السعادات الجسمانية، وذلك لأنه إما أن يكون الابتهاج بكون مولاه راضياً عنه، وأن يتوسل بذلك الرضا إلى شيء من اللذات الجسمانية أو ليس الأمر كذلك، بل علمه بكونه راضياً عنه يوجب الابتهاج والسعادة لذاته من غير أن يتوسل به إلى مطلوب آخر، والأول باطل، لأن ما كان وسيلة إلى الشيء لا يكون أعلى حالاً من ذلك المقصود، فلو كان المقصود من رضوان الله أن يتوسل به إلى اللذات التي أعدها الله في الجنة من الأكل والشرب لكان الابتهاج بالرضوان ابتهاجاً بحصول الوسيلة. ولكان الابتهاج بتلك اللذات ابتهاجاً بالمقصود، وقد ذكرنا أن الابتهاج بالوسيلة لا بد وأن يكون أقل حالاً من الابتهاج بالمقصود. فوجب أن يكون رضوان الله أقل حالاً وأدون مرتبة من الفوز بالجنات والمساكن الطيبة، لكن الأمر ليس كذلك، لأنه تعالى نص على أن الفوز بالرضوان أعلى وأعظم وأجل وأكبر، وذلك دليل قاطع على أن السعادات الروحانية أكمل وأشرف من السعادات الجسمانية. واعلم أن المذهب الصحيح الحق وجوب الإقرار بهما معاً كما جمع الله بينهما في هذه الآية. ولما ذكر تعالى هذه الأمور الثلاثة قال: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } وفيه وجهان: الأول: أن الإنسان مخلوق من جوهرين، لطيف علوي روحاني، وكثيف سفلي جسماني وانضم إليهما حصول سعادة وشقاوة، فإذا حصلت الخيرات الجسمانية وانضم إليها حصول السعادات الروحانية كانت الروح فائزة بالسعادات اللائقة بها، والجسد واصلاً إلى السعادات اللائقة به، ولا شك أن ذلك هو الفوز العظيم. الثاني: أنه تعالى بين في وصفه المنافقين أنهم تشبهوا بالكفار الذين كانوا قبلهم في التنعم بالدنيا وطيباتها. ثم إنه تعالى بين في هذه الآية وصف ثواب المؤمنين، ثم قال: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } والمعنى: أن هذا هو الفوز العظيم، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا. وروي أنه تعالى يقول لأهل الجنة: «حديث : هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول أما أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا وأي شيء أفضل من ذلك. قال أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً»تفسير : واعلم أن دلالة هذا الحديث على أن السعادات الروحانية أفضل من الجسمانية كدلالة الآية وقد تقدم تقريره على الوجه الكامل.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ} أي بساتين {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي من تحت أشجارها وغرفها الأنهار. وقد تقدّم في «البقرة» أنها تجري منضبطة بالقدرة في غير أُخدود. {خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} قصور من الزبرجد والدّرّ والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام. {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي في دار إقامة. يقال: عَدَن بالمكان إذا أقام به؛ ومنه المَعْدِن. وقال عطاء الخُرَاسانِيّ: «جنات عدن» هي قصبة الجنة، وسقفُها عرش الرحمن جل وعز. وقال ابن مسعود: هي بُطْنان الجنة، أي وسطها. وقال الحسن: هي قصر من ذهب لا يدخلها إلا نبيّ أو صدّيق أو شهيد أو حَكَمٌ عَدْل؛ ونحوه عن الضحاك. وقال مُقاتل والكلْبِيّ: عدن أعلى درجة في الجنة، وفيها عين التسنيم، والجنان حولها محفوفة بها، وهي مغطاة من يوم خلقها الله حتى ينزلها الأنبياء والصدّيقون والشهداء والصالحون ومن يشاء الله. {وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي أكبر من ذلك. {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.

البيضاوي

تفسير : {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً} تستطيبها النفس أو يطيب فيها العيش وفي الحديث أنها قصور من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت الأحمر. {فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } إقامة وخلود. وعنه عليه الصلاة والسلام عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة النبيون والصديقون والشهداء يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك. ومرجع العطف فيها يحتمل أن يكون إلى تعدد الموعود لكل واحد أو للجميع على سبيل التوزيع، أو إلى تغاير وصفه فكأنه وصفه أولاً بأنه من جنس ما هو أبهى الأماكن التي يعرفونها لتميل إليه طباعهم أول ما يقرع أسماعهم، ثم وصفه بأنه محفوف بطيب العيش معرى عن شوائب الكدورات التي لا تخلو عن شيء منها أماكن الدنيا وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، ثم وصفه بأنه دار إقامة وثبات في جوار عليين لا يعتريهم فيها فناء ولا تغير، ثم وعدهم بما هو أكبر من ذلك فقال تعالى: {وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } لأنه المبدأ لكل سعادة وكرامة والمؤدي إلى نيل الوصول والفوز باللقاء، وعنه صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يقول لأهل الجنة هل رضيتم فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وأي شيء من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً. {ذٰلِكَ} أي الرضوان أو جميع ما تقدم. {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } الذي تستحقر دونه الدنيا وما فيها.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به والمؤمنات من الخيرات والنعيم المقيم في {جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ} أي: ماكثين فيها أبداً {وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةً} أي: حسنة البناء، طيبة القرار؛ كما جاء في الصحيحين من حديث أبي عمران الجوني عن أبي بكر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جنتان من ذهب؛ آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة؛ آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» تفسير : وبه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلاً في السماء للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم، لا يرى بعضهم بعضاً» تفسير : أخرجاه في الصحيحين، وفيهما أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان، فإن حقاً على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو حبس في أرضه التي ولد فيها» تفسير : قالوا: يا رسول الله أفلا نخبر الناس؟ قال: «حديث : إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن» تفسير : وعند الطبراني والترمذي وابن ماجه من رواية زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، فذكر مثله. وللترمذي عن عبادة بن الصامت مثله. وعن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما ترون الكوكب في السماء»تفسير : أخرجاه في الصحيحين، ثم ليعلم أن أعلى منزلة في الجنة مكان يقال له: الوسيلة؛ لقربه من العرش، وهو مسكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنة؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان عن ليث عن كعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا صليتم عليّ، فسلوا الله لي الوسيلة» تفسير : قيل: يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال: «حديث : أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو»تفسير : وفي صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة: عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ؛ فإنه من صلى علي صلاة واحدة، صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون هو، فمن سأل الله لي الوسيلة، حلت عليه الشفاعة يوم القيامة» تفسير : وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة» تفسير : رواه الطبراني. وفي مسند الإمام أحمد من حديث سعد بن مجاهد الطائي عن أبي المدله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله حدثنا عن الجنة، ما بناؤها؟ قال: «حديث : لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه»تفسير : وروي عن ابن عمر مرفوعاً نحوه، وعند الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن في الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها» تفسير : فقام أعرابي فقال: يا رسول الله لمن هي؟ فقال: «حديث : لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» تفسير : ثم قال: حديث غريب، ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو وأبي مالك الأشعري كل منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وكل من الإسنادين جيد وحسن، وعنده أن السائل هو أبو مالك الأشعري، فالله أعلم. وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا هل من مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية» تفسير : قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال: «حديث : قولوا: إن شاء الله» تفسير : فقال القوم: إن شاء الله، رواه ابن ماجه. وقوله تعالى: {وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي: رضا الله عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم؛ كما قال الإمام مالك رحمه الله: عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً» تفسير : أخرجاه من حديث مالك، وقال أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي: حدثنا الفضل الرجائي، حدثنا الفريابي عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله عز وجل: هل تشتهون شيئاً فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا ما خير مما أعطيتنا؟ قال: رضواني أكبر» تفسير : ورواه البزار في مسنده من حديث الثوري، وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه صفة الجنة: هذا عندي على شرط الصحيح، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ } إقامة {وَرِضْوٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } أعظم من ذلك كله {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَسَاكِنَ طَيِّبةً} قصور مبنية باللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، أو يطيب العيش بسكناها وهو محتمل. {عَدْنٍ} خلود وإقامة، والمعدن لإقامة الجوهر فيه، أو كروم وأعناب بالسريانية، أو عدن اسم لبطنان الجنة ووسطها، أو اسم قصر في الجنة، أو جنة في السماء العليا لا يدخلها إلا نبي، أو صدِّيق، أو شهيد، أو إمام عدل، أو محكَّم في نفسه. وجنة المأوى في السماء الدنيا تأوي إليها أرواح المؤمنين.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}[التوبة:72]. والأقرب أنه تعالى أراد بها البساتين التي تبنى فيها المناظر؛ لأنَّهُ تعالى قال بعده {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} والمعطوفُ يجبُ أن يكون مغايراً للمعطوف عليه فتكون مساكنهم في جنَّات عدنٍ ومناظرهم التي هي البساتين، وتكون فائدة وصفها بأنَّها عدنٌ، أنَّها تجري مجرى دار السَّكن والإقامة. وقوله: "خَالِدِينَ" حالٌ مقدَّرة، كما تقدَّم. وقوله: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} أي: منازل طيبة {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي: خلد وإقامة، وفي "عدن" قولان: أحدهما: أنَّهُ اسم علم لموضع معين في الجنَّةِ. قال عبدُ الله بنُ عمرو "إنَّ في الجنَّة قصراً يقال له عدنٌ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كلِّ باب خمسة ألاف حرة، لا يدخله إلاَّ نبيٌّ، أو صديقٌ أو شهيدٌ". قال الزمخشريُّ: و "عدن" علم بدليل قوله {أية : جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ}تفسير : [مريم:61]. والقول الثاني: أنه صفة للجنة. قال الأزهريُّ: "العَدْنُ" مأخوذ من قولك: عَدَنَ بالمكان إذا أقام به، يَعْدِنُ عُدوناً. وتقول: تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه، ومنه المعدن، لمُسْتقرِّ الجواهر. يقال: عدن عُدُوناً، فله مصدران. هذا أصلُ هذه اللفظة لغة. وذكر المفسِّرون لها معان كثيرة وقال الأعشى في معنى الإقامة [المتقارب] شعر : 2814- وإنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ يُضَافُوا إلى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ تفسير : أي: ثَبَتَ واستقرَّ. ومنه "عدن" لمدينة باليمن، لكثرة المقيمين بها. قوله: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} التَّنكيرُ يفيدُ التقليل، أي: أقلُّ شيء من الرضوان أكبر من جميع ما تقدَّم من الجنَّات ومساكنها. ثم قال: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي: هذا هو الفوزُ العظيمُ، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا. روى أبو سعيدٍ الخدريُّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لأهل الجنَّة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: "أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً" . تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} الآية. لمَّا وصف المنافقين بالصِّفاتِ الخبيثةِ، وتوعدهم بأنواع العقاب، ثمَّ ذكر المؤمنين بالصفات الحسنة، ووعدهم بالثَّوابِ، عاد إلى شرح أحوال الكُفَّارِ والمنافقين في هذه الآية. فإن قيل: مجاهدة المنافقينَ غيرُ جائزة، فإنَّ المنافق يستر كفره وينكره بلسانه. فالجوابُ من وجوه: أحدها: قال الضحاكُ: مجاهدة المنافق: تغليظُ القول، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ ظاهر قوله {جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} يقتضي الأمر بجهادهما معاً، وكذا ظاهر قوله: {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} راجع إلى الفريقين. وثانيها: أنَّ الجهاد عبارة عن بذل الجهد وليس في اللفظ ما يدلُّ على أنَّ الجهاد بالسَّيف أو باللِّسانِ أو بطريق آخر. فقال ابن مسعودٍ: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لَمْ يَسْتَطعْ فبقَلبِهِ. وقال: لا يلقى المنافق إلاَّ بوجه مكفهر. وقال ابنُ عبَّاسٍ: باللِّسانِ وترك الرفق. وثالثها: قال الحسنُ وقتادةُ: بإقامةِ الحدودِ عليهم قال القاضي: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ إقامة الحدود واجبةٌ على من ليس بمُنافقٍ. قوله: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} قال أبُو البقاءِ: إن قيل كيف حسنتِ الواوُ هنا والفاء أشبه بهذا الموضع؟ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ الواو واو الحالِ والتقدير: افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنَّم، وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم. والثاني: أنَّ الواو جيء بها تنبيهاً على إرادة فعل محذوف، تقديره: واعلمْ أنَّ مأواهم جهنم. الثالث: أنَّ الكلام حمل على المعنى والمعنى أنَّه قد اجتمع لهم عذابُ الدُّنيا بالجهاد والغلظة، وعذابُ الآخرة بجعل جهنَّم مأواهم. ولا حاجة إلى هذا كُلِّه، بل هي جملةُ استثنافية. قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} الآية. قال ابنُ عبَّاسٍ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظلِّ شجرةٍ، فقال: "حديث : إنهُ سيَأتِيكُمْ إنْسانٌ ينْظرُ إليْكُمْ بعيْنِ الشَّيطانِ، فإذا جَاءَ فلا تُكَلِّمُوهُ" تفسير : فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : عَلامَ تَشْتمُنِي أنْتَ وأصْحَابُكَ" تفسير : فانطلق الرَّجُل؛ فجاء بأصحابه، فحلفُوا بالله ما قالوا، فأنزل الله عز وجل الآية. وقال الكلبيُّ: حديث : نزلت في جلاس بن سويدٍ، وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين، فسمَّاهم رجْساً وعابهم، فقال جلاسٌ: لئن كان محمد صادقاً، لنحنُ شرٌّ من الحمير فلمَّا انصرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس، وأخبره بما قال جلاس، فقال الجلاس: كذب يا رسول الله؛ فأمرهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يحلفا عند المنبر؛ فقام الجلاسُ عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو ما قاله، ولقد كذب عليَّ عامر، فقام عامرٌ فحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد قاله، وما كذبتُ عليه، ثم رفع عامرٌ يديه إلى السَّماء فقال: اللَّهُمَّ انزلْ على نبيِّكَ تصديق الصادقِ منَّا. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون:آمين، فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتَفرَّقُوا بهذه الآية، حتى بلغ {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ}، فقام الجلاسُ، فقال: يا رسول الله أسمعُ الله قد عرض عليَّ التوبة، صدق عامرُ بن قيس فيما قاله، لقد قُلْتُه وأنا أسْتغفرُ الله، وأتوب إليه، فقبلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه، ثم تاب وحَسُنَتْ توبتُه. تفسير : وقيل: نزلت في عبد الله بن أبيّ لما قال {أية : لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ}تفسير : [المنافقون:8]. وأراد به الرسول - عليه الصَّلاة والسلام -، فسمع زيدُ بنُ أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام -، فهمَّ عمرُ بقتل عبد الله بن أبيّ، فجاء عبد الله وحلف أنَّهُ لم يقل فنزلت الآية. وقال القاضي: الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي أنَّ المنافقين همُّوا بقتله عند رجوعه من تبوك، وهم خسمة عشر رجلاً تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي باللَّيل، وكان عمَّار بن ياسر آخذاً بخطام راحلته وحذيفة خلفها يسوقها، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، وقعقة السلاح، فالتفت، فإذا قوم متلثمُون. فقال: إليكم يا أعداء الله، فهربوا والظَّاهر أنهم لمَّا اجتمعوا لذلك الغرض، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب في ادِّعاءِ الرسالة، وذلك هو قولهم كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج. فإن قيل: قوله: {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} يدلُّ على أنَّهم أسلمُوا من قبل، وهم لم يكونوا مسلمين. فالجوابُ: أنَّ المراد من الإسلام السلم الذي هو ضد الحرب؛ لأنَّهم لمَّا نافقوا، فقد أظهروا الإسلام، وقوله: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} المراد إطباقهم على الفتك بالرسول عليه الصلاة والسلام والله تعالى أخبر الرسول بذلك حتى احترز عنهم، ولم يصلُوا إلى مقصودهم وقال السُّديُّ: "هو قولهم إذا قدمنا المدينة؛ عقدنا على رأس عبد الله بن أبيّ تاجاً فلم يصلوا إليه". قوله: {وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}. في الاستثناء وجهان: أحدهما: أنَّهُ معفول به، أي: وما كرهُوا وعابُوا إلاَّ إغناءَ الله إيَّاهم وهو من باب قولهم: ما لي عندك ذنبٌ إلاَّ أن أحسنت إليك، أي: إن كان ثم ذنبٌ فهو هذا، فهو تهكمٌ بهم؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2815- ولا عَيْبَ فينَا غَيْرَ عِرْقٍ لِمَعْشَرٍ كرامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النَّمْلِ تفسير : وقول الآخر: [المنسرح] شعر : 2816- مَا نَقمُوا مِنْ بَنِي أمَيَّة إلْـ ـلا أنَّهُم يَحْلُمُون إن غضبُوا وأنَّهُمْ سَادَةُ الملُوك ولا يَصْلحُ إلاَّ عليهمُ العربُ تفسير : والثاني: أنَّهُ مفعولٌ من أجله، وعلى هذا فالمفعولُ به محذوف، تقديره: وما نقموا منهم الإيمان إلاَّ لأجل إغناء الله إيَّاهم. وقد تقدَّم الكلامُ على "نَقِمَ" [الأعراف:126]. قيل: إن مولى الجلاس قتل، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى. وقال الكلبيُّ: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنكٍ من العيشِ فلمَّا قدمَ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم. قوله: {فَإِن يَتُوبُواْ} أي: من نفاقهم: {يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا} أي: يعرضوا عن التوبة {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا} بالخزي، وفي "الآخرةِ" بالنَّارِ "وَمَا لَهُمْ" في الأَرض {مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي: أنَّ عذاب الله إذا حق لم ينفعه وليّ ولا نصير. قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} الآية. "عاهد الله" فيه معنى القسم، فلذلك أجيب بقوله: "لنصَّدقنَّ"، وحذف جوابُ الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، و "اللاَّم" للتوطئةِ، ولا يمتنع الجمعُ بين القسم واللاَّم الموطئة له. وقال أبُو البقاءِ: فيه وجهان: أحدهما: تقديره: "عاهد، فقال: لئِنْ آتَانَا". والثاني: أن يكون "عاهد" بمعنى: قال، فإنَّ العهد قول. ولا حاجة إلى هذا. قوله: {لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ} قرأهما الجمهور بالنُّون الثقيلة. والأعمش بالخفيفة. قال الزجاج الأصل: "لنتَصدَّقنَّ"، ولكن التَّاء أدغمت في الصَّاد، لقربها منها. قال الليثُ: المُتصدق: المعطي، والمُتصدق: السائل. قال الأصمعيُّ، والفرَّاءُ: هذا خطأ، فالمتصدق هو المعطي، قال تعالى: {أية : وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} تفسير : [يوسف:88] واعلم أنَّ هذه السورة نزل أكثرها في شرح أحوال المنافقين؛ فلهذا ذكرهم على التفصيل فقال:{أية : وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ}تفسير : [التوبة:62]{أية : وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ}تفسير : [التوبة:58]{أية : وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي}تفسير : [التوبة:49] {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ} [التوبة:75]. والمشهور في سبب نزول هذه الآية: ما روى أبو أمامة قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطبٍ الأنصاريُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يرزقني مالاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ويحْكَ يا ثعلبةُ قليلٌ تُؤدِّي شُكرَهُ خيرٌ من كثيرٍ لا تُطِيقهُ" تفسير : ثمَّ أتاهُ بعد ذلك فقال: "حديث : أمَا لكَ في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ؟ والذي نفسي بيدهِ لوْ أردتُ أن تسيرَ الجبالُ معي ذهباً وفضةً لسَارَتْ " تفسير : ثمَّ راجعه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله: ادعُ الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحقِّ لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللَّهُمَّ ارزقْ ثعلبةَ مالاً"تفسير : قال: فاتَّخذ غنماً؛ فنمت كما ينمو الدُّودُ، حتى ضاقَتْ بها المدينةُ فتنحَّى عنها، ونزل وادياً من أوديتها، وكان يصلي مع رسول الله الظهر والعصر، ويصلي في غنمة سائر الصلوات، ثم كثُرتْ ونمتْ، فتباعد حتى كان لا يشهدُ جمعةً ولا جماعة؛ فكان إذا كان يوم الجمعة خرجَ يتلقَّى النَّاس يسألهم عن الأخبار، فذكرهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: "حديث : ما فعل ثعلبةُ؟ " تفسير : قالوا: يا رسول الله؛ اتَّخذَ غنماً ما يسعها وادٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا ويْحَ ثَعلبةَ" تفسير : فأنزل الله تعالى آية الصدقات؛ فبعث رسُول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني سليم، ورجلاً من جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة كيف يأخذانها، وقال لهما: "حديث : مُرَّا بثعلَبَة بنِ حاطبٍ، وبرجُلٍ من بنِي سليمٍ، فخذا صدقاتهما" تفسير : فخرجا حتى أتيا ثعلبة؛ فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هذه إلاَّ الجزية، ما هذه إلاَّ أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا وسمع بهما السُّلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصَّدقة، ثم استقبلهما بها، فلمَّا رأياها قالا: ما هذه عليك؛ قال خذاه فإنَّ نفسي بذلك طيبة، فمرَّا على الناس، وأخذَا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما؛ فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلاَّ أختُ الجزية، اذهبا حتَّى أرى رأيي، قال فأقبلا، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلماه: يا ويْحَ ثعلبةَ، ثُمَّ دعا للسلميّ بخيرٍ؛ فأخبراه بالذي صنع ثعلبة؛ فأنزل الله - عزَّ وجلَّ - {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} الآية على قوله: {وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ}[التوبة:77] وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من أقارب ثعلبةَ؛ فسمع ذلك، فخرج حتَّى أتاهُ فقال: ويْحَكَ يا ثعلبة، قد أنزل الله عزَّ وجلَّ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل صدقته، فقال: حديث : إنَّ الله مَنَعنِي أن أقبلَ مِنْكَ صدقَتكَ تفسير : ؛ فجعل يَحثُو التُّرابَ على رأسِهِ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قد أمرتُك فلمْ تُطِعْنِي"تفسير : ؛ فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتى أبا بكر بصدقته؛ فلم يقبلها اقتداء بالرسول - عليه الصلاة والسلام - فقبض أبو بكر، ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثمَّ لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبةُ في خلافة عثمان. وقال ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بن جبير، وقتادةُ: أتى ثعلبة مشهداً من الأنصار؛ فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فمات ابن عمٍّ له، فورث منه مالاً، فلم يف بما قال؛ فأنزل الله هذه الآية. وقال الحسن ومجاهدٌ: نزلت في ثعلبةَ بن حاطبٍ، ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف قد جاءا على ملأ قعوداً وقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقنَّ، فلما رزقهما بخلا به. والمشهورُ الأول. فإن قيل: إنَّ الله أمره بإخراج الصَّدقة؛ فكيف يجوزُ للرسول أن لا يقبلها منه؟. فالجواب: لا يبعد أن يقال: إنَّ الله تعالى منع الرسول - عليه الصلاة والسلام - من قبول الصدقة منه إهانة له ليعتبر غيره؛ فلا يمتنع عن أداء الصدقات، أو أنَّه أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص، وأعلم الله الرسول بذلك؛ فلذلك لم يقبل تلك الصدقة، ويحتمل أيضاً أن الله تعالى لما قال:{أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}تفسير : [التوبة:103] كان هذا غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه؛ فلهذا امتنع الرَّسولُ - عليه الصلاة والسلام - من أخذ تلك الصَّدقةِ. فإن قيل: المنافق كافرٌ، والكافر لا يمكنه أن يعاهد الله. فالجواب: أنَّ المنافق قد يكون عارفاً بالله، إلاَّ أنه كان منكراً لنبوةِ محمدٍ عليه الصلاة والسلام؛ فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله، ولكونه منكراً لنبوة محمد - عليه الصلاة والسلام -، كان كافراً. وكيف لا أقول ذلك وأكثر العالم مقرون بوجود الصانع؟ أو لعله حين عاهد الله كان مسلماً، ثم لمَّا بخل بالمال، ولم يف بالعهدِ صار منافقاً، ولفظ الآية يدلُّ على ذلك لقوله: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً} [التوبة:78]. فإن قيل: هل من شرط المعاهدة أن يتلفظ بها باللسان، أو يكفي النِّيَّة؟. فالجواب: قال بعضهم: تكفي النيةُ، وأن قوله: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} [التوبة:75] كان شيئاً نووه في أنفسهم لقوله: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [التوبة:78]. وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بالتَّلفظ باللسان، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : إنَّ الله عفا لأمَّتي ما حدَّثتْ به أنفُسهَا ما لم تتكلَّم به أو تعمل" تفسير : وأيضاً فقول {لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} يشعر ظاهره بالقول باللسانِ. فإن قيل: المراد من الصدقة إخراج المال، وهو على قسمين واجبٌ وغير واجب والواجبُ قسمان: قسم واجبٌ بأصل الشرع كالزَّكاة، والنفقات الواجبةِ. وقسم لم يجب إلاَّ إذا التزمه العبد كالنذور. فقوله: "لنصَّدَّقنَّ" هل يتناولُ الأقسام الثلاثة، أو لا؟ فالجوابُ: أنَّ الصَّدقات الَّتي ليست واجبة، غير داخلة في الآية، لقوله: "بخلوا به" والبخل في عرف الشَّرْعِ عبارة عن منع الواجب؛ ولأنَّه تعالى ذمَّهُم بهذا الترك، وتارك المندوب لا يذم. بقي القسمان الواجبان؛ فالواجب بأصل الشرع داخل في الآية، لا محالة بقي الواجب بالنَّذر، والظَّاهر أن اللفظ لا يدلُّ عليه؛ لأنه ليس في الآية إلاَّ قوله {لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} وهذا ليس فيه إشعارٌ بالنَّذر، لأنَّ الرجل قد يعاهدُ ربَّهُ في أن يقوم بما يلزمه من الزَّكوات والنفقات الواجبة إن وسَّعَ اللهُ عليه. فإن قيل: لفظ الآية يدلُّ على أنَّ الذي لزمهم إنَّما بسبب هذا الالتزام، والزكاةُ لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزمُ بملك النصاب وحلول الحولِ. فالجوابُ: قوله: "لنصَّدقنَّ" لا يوجبُ أن يفعلوا ذلك على الفور؛ لأنَّهُ إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا النذر لا يوجبُ الفور؛ فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقته كما قالوا: {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي: في أوقات لزوم الصَّلاة؛ فثبت بما قرَّرْنَا أنَّ الدَّاخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال الواجبة بأصل الشَّرع، ويؤكد هذا ما روي في سبب النُّزولِ أنَّ الآية إنَّما نزلت في حق من امتنع من أداة الزَّكاةِ. فصل المرادُ من "الفضل" ههنا: إيتاء المالِ بأي طريق كان، إمَّا بتجارة، أو غنيمةٍ أو غير ذلك. والمرادُ بـ "الصَّالحينَ": الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عمَّن بخل بما يلزمه في التكليف، فالصَّالح: من يعملُ بعمل أهل الصَّلاحِ من صلة الرَّحمِ والنَّفقةِ في الخير، ونحو ذلك. ثم قال تعالى: {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ}. قال الليثُ: يقال: أعقب فلاناً ندامةٌ، إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، قال الهذليُّ: [الكامل] شعر : 2817- أودى بنيَّ وأعقبُوني حَسْرَةً بَعْد الرُّقادِ وعبْرَةٌ لا تُقْلِعُ تفسير : ويقال: أكل فلانٌ أكلةً فأعقبتهُ سُقْماً، وأعقبه الله خيراً، والمعنى: أخلفهم في قلوبهم أي: صير عاقبة أمورهم النفاق، عاقبهم بنفاق في قلوبهم، يقال: عاقبته وأعقبته بمعنى. فصل "فأعقبهم" فعل، ولا بد من إسناده إلى شيء تقدَّم ذكره، والذي تقدَّم ذكره هو الله تعالى، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض، ولا يجوزُ إسناد إعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التَّصدق أو الصلاح، لأنَّ هذه الثلاثة أعمال الخير؛ فلا يجوز جعلها مؤثرة في حصول النفاق في القلب؛ لأنَّ النفاقَ عبارة عن الكُفْرِ، وهو جهل وترك بعض الواجب لا يكون مؤثراً في حصول الجهلِ في القلب؛ لأنَّ ترك الواجب عدمٌ، والجهل وجود، والعدم لا يكون مؤثراً في الوجود؛ لأنَّ البخل والتولي والإعراض، قد يوجدُ في كثير من الفُسَّاقِ، مع أنَّهُ لا يحصلُ معه النفاق؛ ولأنَّ هذا الترك لو أوجب حصول الكفرِ في القلب لأوجبه، سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو محرماً شرعاً؛ لأنَّ سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً؛ ولأنه تعالى قال: {بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} [التوبة:77] فلو كان فعل الإعقاب مسنداً إلى البخل، والتولي، والإعراض لصار تقدير الآية: فأعقبهم ببخلهم وتوليهم وإعراضهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفُوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز؛ لأنَّه فرق بين التَّولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي، ومعلومٌ أنه كلام باطل؛ فثبت بهذه الوجوه أنَّهُ لا يجوز إسناد الإعقاب إلى شيء من الأشياءِ المتقدم ذكرها إلاَّ إلى الله تعالى؛ فوجب إسناده إليه؛ فصار المعنى: أنَّ الله تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدلُّ على أنَّ خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قاله الزجاجُ، إنَّ معناه: أنَّهُم لمَّا ضلُّوا في الماضي فهو تعالى أضلَّهُم عن الدِّين في المستقبل، ويؤكدُ ذلك قوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} فالضميرُ في قوله: "يَلقَوْنَهُ" عائد إلى الله تعالى فكان الأولى أن يكون قوله: "فأعْقَبَهُمْ" مسنداً إلى اللهِ تعالى. قال القاضي "المرادُ من قوله: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ} أي: فأعقبهم العقوبة على النفاق وتلك العقوبة هي: حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذُّل والذنب ويدوم بهم ذلك إلى الآخرة". وهذا بعيدٌ؛ لأنه عدولٌ عن الظَّاهر من غير دليل فإن ذكروا دليلاً عقلياً، قوبلوا بدليل عقلي. والله أعلم. فصل ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّ نقض العهد، وخلف الوعد، يورثُ النِّفاقَ، فيجب على المسلم الاحتراز عن ذلك، ويجتهد في الوفاءِ. ومذهب الحسنِ البصري: أنَّه يوجب النفاق لا محالة لهذه الآية، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : ثلاثٌ من كُنَّ فيه كان مُنافقاً وإن صلَّى وصامَ وزعمَ أنَّهُ مؤمنٌ، إذا حدَّث كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خَانَ ". تفسير : ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجلٌ فقال له: إن أولاد يعقوب حدَّثُوه في قولهم {أية : فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ}تفسير : [يوسف:17] فكذبوهُ، ووعدوه في قولهم: {أية : وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [يوسف:12] فأخلفوه، وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه، فهل نحكمُ بكونهم منافقين؟ قيل: فتوقف الحسن في مذهبه. وفسَّر عمرو بن عبيد الحديث فقال "إذا حدَّث عن الله كذب عليه، وعلى دينه، وعلى رسوله وإذا وعد أخلف كما ذكر الله فيمن عاهد الله، وإذا ائتمن على دين الله خان في السرِّ فكان قلبه على خلاف لسانه". قوله: {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} قال الجبائيُّ "تمسَّكُوا في إثبات رُؤية الله بقوله تعالى: {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ}تفسير : [الأحزاب:44] قال: واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل قوله في صفة المنافقين {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} وأجمعوا على أنَّ الكفَّار لا يرونه؛ فدلَّ على أنَّ اللقاء ليس عبارة عن الرؤية. ويؤيدُه قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : من حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ ليقتطع بهَا حق امرئ مُسلمٍ لقيَ الله وهُو عليه غَضبَانُ" تفسير : وأجمعوا على أنَّ المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا". قال ابن الخطيب "وهذا دليلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّا إذا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرُّؤيةِ في هذه الآية، وفي الخبر لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا ذلك في سائر الصُّور، كما إذا أدخلنا التَّخصيصَ في بعض العمومات لدليل منفصل؛ فلا يلزمنا أن نُخَصّصَ جميع العمومات من غير دليل فكما لا يلزمنا هذا لا يلزمنا ذلك". قوله: {بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} أي: أنَّ الله أعقبهم ذلك النِّفاق في قلوبهم لأجل إخلافهم الوعد، وعلى كذبهم. وقرأ الجمهور "يَكْذبُونَ" مخففاً، وأبو رجاء مثقلاً. قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} الآية. قرأ الجمهور "يَعْلمُوا" بالياء من تحت. وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ، والحسنُ، والسلمي بالخطاب، التفاتاً للمؤمنين دون المنافقين والسِّر: ما ينطوي عليه صدورهم والنَّجْوَى: ما يفاوضُ فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم، مأخوذ من "النَّجْوِ" وهو الكلام الخفي كأنَّ المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا}تفسير : [مريم:52] وقوله تعالى:{أية : فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً}تفسير : [يوسف:80] وقوله: {أية : فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ}تفسير : [المجادلة:9]، والمعنى: أنَّ الله تعالى يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرَّءون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتَّناجي فيما بينهم، مع علمهم بأنَّهُ تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم الظَّاهر، وأنَّهُ يعاقب عليه كما يعاقب على الظَّاهر. قال: {وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} والعَلاَّمُ: مبالغة في العالم، والغيب: ما كان غَائِباً عن الخلق. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} الآية. في "ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ" أوجه: أحدها: أنه مرفوعٌ على إضمار مبتدأ، أي: هم الذين. الثاني: أّنَّه في محل رفع بالابتداء، و "مِنَ الُمؤمنينَ" حالٌ من "المطَّوِّعين". و "في الصَّدقاتِ" متعلق بـ "يَلْمِزُونَ"، و "الَّذِينَ لا يَجِدُونَ" نسقٌ "المُطَّوِّعينَ" أي: يَعيبُونَ المياسير، والفقراء. وقال مكيٌّ: "والَّذينَ" خفضٌ، عطفاً على "المُؤمنينَ" ولا يَحْسُن عطفهُ على "المُطَّوِّعين"؛ لأنه لمْ يتمَّ اسماً يعد؛ لأنَّ "فَيَسْخَرُونَ" عطف على "يَلْمِزُونَ" هكذا ذكره النَّحاسُ في الإعراب له، وهو عندي وهمٌ منه. قال شهابُ الدِّين: "والأمر فيه كما ذكر، فإنَّ "المُطَّوِّعينَ" قد تمَّ من غير احتياجٍ لغيره". وقوله: "فَيَسْخرُونَ" نسقٌ على الصِّلةِ، وخبر المبتدأ: الجملةُ من قوله "سَخِرَ اللهُ منهُمْ" هذا أظهرُ إعراب قيل هنا. وقيل: "والَّذينَ لا يَجِدُونَ" نسقٌ على "الَّذِينَ يَلْمِزُونَ"، ذكره أبُو البقاءِ وهذا لا يجُوزُ؛ لأنَّهُ يلزمُ الإخبارُ عنهم بقوله: {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ}، وهذا لا يكون، إلاَّ بأنْ كان "الَّذِينَ لا يَجِدُون" مُنافقينَ، وأمَّا إذَا كانُوا مؤمنين، كيف يسخرُ الله منهم؟. وقيل: "والَّذِينَ لا يَجِدُونَ" نسقٌ على "المُؤمنينَ"، قاله أبُو البقاءِ. قال أبُو حيَّان: "وهُو بعيدٌ جدّاً". ووجهُ بعده: أنَّه يفهمُ أنَّ "الَّذِينَ لا يجدُونَ" ليسوا مؤمنين؛ لأن أصل العطف الدلالةُ على المُغايرةِ، فكأنَّهُ قيل: يَلْمِزُونَ المطَّوِّعينَ من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدُونَ؛ فيكون "الَّذِينَ لا يجدون" مطَّوِّعين غير مؤمنين. وقال أبُو البقاءِ: "فِي الصَّدقاتِ" متعلقٌ بـ "يَلمِزُونَ"، ولا يتعلَّق بـ "المُطَّوِّعينَ" لئلاَّ يفصل بينهما بأجنبي. وهذا فيه نظر؛ إذ قوله "مِنَ المؤمنينَ" حال، والحالُ ليست بأجنبيّ، وإنَّما يظهر في ردِّ ذلك أن "يطَّوَّع" إنَّما يتعدى بالياءِ، لا بـ "في" وكون "في" بمعنى "الباء" خلاف الأصل. وقيل: "فَيَسْخَرُونَ" خبرُ المبتدأ ودخلتِ الفاءُ، لمَا تضمَّنهُ المبتدأ من معنى الشرط، وفي هذا الوجه بُعدٌ من حيثُ إنَّه يقرُب من كون الخبر في معنى المبتدأ فإنَّ من عاب إنساناً وغمزهُ علم أنَّهُ يسخرُ منه فيكون كقولهم: "سَيِّدُ الجاريةِ مالِكُهَا". الثالث: أن يكون محلُّه نصباً على الاشتغال، بإضمار فعل يُفسِّره "سَخِرَ اللهُ منهُم" من طريق المعنى، نحو: عاب الذين يلمزُون، سخر الله منهم. الرابع: أنْ ينصب على الشتم. الخامس: أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في "سِرَّهُم ونجْواهُمْ". وقرئ "يلْمُزون" بضم الميم، وقد تقدَّم أنَّها لغة، وقرأ الجمهور "جُهْدَهم" بضمِّ الجيمِ. وقرأ ابنُ هرمز وجماعة "جَهْدهم" بالفتح. فقيل: لغتان بمعنى واحد. وقيل المفتوحُ المشقَّةُ والمضمومُ: الطَّاقةُ، قالهُ القتيبيُّ، وقيل: المضمومُ شيءٌ قيلٌ يعاشُ به والمفتوحُ: العملُ. وقوله: {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} يحتملُ أن يكون خبراً محضاً، وأن يكون دعاءً. فصل اعلم أنَّ هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصَّدقاتِ. قال المفسِّرون: حثَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الصَّدقةِ؛ فجاء عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ بأربعة آلافِ درهم، فقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي. فقال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أعْطيْتَ، وفيمَا أمْسَكْتَ"تفسير : . فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن، حتَّى إنَّهُ خلف امرأتين يوم أن مات؛ فبلغ ثمنُ ماله لهما مائة وستون ألفاً وتصدق يومئذ عاصمُ بن عدي العجلاني بمائة وسْقٍ من تمر. وجاء أبُو عقيلٍ الأنصاري واسمه الحبحاب، بصاعٍ من تمرٍ، وقال: يا رسُول الله بتُّ ليلتي أجر بالجرير حتى نلتُ صاعين من تمرٍ؛ فأمسكتُ أحدهما لعيالي، وجئتُ بالآخر؛ فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره على الصَّدقاتِ؛ فلمزهم المنافقُون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنَّهُ أحب أن يزكي نفسه ليعطى من الصَّدقات؛ فأنزل الله تعالى: "الَّذِينَ يلْمِزُون" أي: يعيبون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات، يعني: عبد الرحمن بن عوف وعاصماً، {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} أي: طاقتهم. والجُهْدُ: شيء قليلٌ يعيش به المقلُّ، والجهد بالفتح، والجُهْد بالضمِّ بمعنى واحد يعني: أبا عقيل: "فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ" يستهزئون منهم، {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} أي: جازاهم على السخرية، وقال الأصمُّ: المرادُ أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروهُ من أعمال البرِّ مع أنَّهُ لا يثيبهم عليها؛ فكان ذلك كالسخرية، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. قوله تعالى: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية. قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ عند نزول الآية في المنافقين، قالوا: يا رسول الله، استغفر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سأسْتغفرُ لَكُمْ"تفسير : ؛ فنزل قوله تعالى: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة:80] لفظه أمر، ومعناه خبر، تقديره: استغفرت لهم، أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم. قال الضحاك: حديث : لما نزلت هذه الآيةُ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله قد رخَّص لي فلأزيدنَّ على السبعين لعلَّ الله أن يغفر لهُمْ" تفسير : فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ}تفسير : [المنافقون:6] {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ}. قوله: "سَبْعينَ مرَّةً" منصوبٌ على المصدر، كقولك: ضربته عشرين ضربة؛ فهو لعدد مرَّاته وقوله: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} قد تقدَّم الكلام على هذا عند قوله: {أية : قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ}تفسير : [التوبة:53]؛ وأنَّهُ نظيرُ قوله: [الطويل] شعر : 2818- أسِيئِي بِنَا أوْ أحْسِني لا مُسِيئةٌ لدَينَا ولا مقليَّةٌ إنْ تقَلَّتِ

البقاعي

تفسير : ولما ختم الآية بوصف العزة والحكمة المناسب لافتتاحها بالموالاة وتعقيبها بآية الجهاد، وذلك بعد الوعد بالرحمة إجمالاً، أتبعها بما هو أشد التئاماً بها بياناً للرحمة وتفصيلاً لها ترغيباً للمؤمنين بالإنعام عليهم بكل ما رامه المنافقون بنفاقهم في الحياة الدنيا، وزادهم بأنه دائم، وأخبر بأن ذلك هو الفوز لا غيره فقال: {وعد الله} أي الصادق الوعد الذي له الكمال كله {المؤمنين والمؤمنات} أي الراسخين في التصديق بكل ما أتاهم به الرسول صلى الله عليه وسلم {جنات تجري من تحتها الأنهار} أي فهى لا تزال خضرة ذات بهجة نضرة؛ ولما كان النعيم لا يكمل إلا بالدوام، قال: {خالدين فيها} كانت الجنان لا تروق إلا بالمنازل والدور الفسيحة والمعازل قال: {ومساكن طيبة} ولما كان بعض الجنان أعلى من بعض، وكان أعلاها ما شرف بوصف العندية المؤذن بالقرب من بنائه مما يؤكد معنى الدوام، قال: {في جنات عدن} أي إقامة دائمة وهناء وصحة جسم وطيب مقر وموطن ومنبت، وذلك كما قال في حق أضدادهم {عذاب مقيم} وما أنسب ذكر هذه الجنة في سياق التعبير بالوصف المؤذن بالرسوخ فإنه ورد في الحديث أنها خاصة بالنبيين والصديقين والشهداء. ولما كان ذلك لا يصفو عن الكدر مع تجويز نوع من الغضب قال مبتدئاً إشارة إلى أنهى التعظيم -: {ورضوان} أي رضى لا يبلغه وصف واصف بما تشير إليه صيغة المبالغة ولو كان على أدنى الوجوه بما أفاده التنوين - {من الله} أي الذي لا أعظم منه عندهم {أكبر} أي مطلقاً، فهو أكبر من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز، ولا يقع السرور الذي هو أعظم النعيم إلا برضى السيد، وإذا كان القليل منه أكبر فما ظنك بالكثير. ولما تم ذلك على أحسن مقابلة بما وصف به أضدادهم، قال يصفه زيادة في الترغيب فيه: {ذلك} أي الأمر العالي الرتبة {هو} أي خاصة لا غيره {الفوز العظيم*} أي الذي يستصغر دونه كل شيء من أمور الدنيا والآخرة، وفي كون ذلك وعداً لمن اتصف لأجل ما اتصف به ترغيب في الجهاد المأمور به بعدها لكونه من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والداعي الأعظم إلى الموالاة. ولما ثبتت موالاة المؤمنين ومقاطعتهم للمنافقين والكافرين، وكان ما مضى من الترغيب والترهيب كافياً في الإنانة، وكان من لم يرجع بذلك عظيم الطغيان غريقاً في الكفران، أتبع ذلك الأمر بجهادهم بما يليق بعنادهم فقال آمراً لأعظم المتصفين بالأوصاف المذكروة مفخماً لمقداره بأجل أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {يا أيها النبي} أي العالي المقدار بما لا يزال يتجدد له منا من الأنباء وفينا من المعارف؛ ولما كان الجهاد أعرف في المصارحين، وكانوا أولى به لشدة شكائمهم وقوة نفوسهم وعزائمهم بدأ بهم فقال؛ {جاهد الكفار} أي المجاهرين {والمنافقين} أي المسائرين كلاًّ بما يليق به من السيف واللسان. ولما كان صلى الله عليه وسلم مطبوعاً على الرفق موصى به، قال تعالى: {واغلظ عليهم} أي في الجهادين ولا تعاملهم بمثل ملا عاملتهم به من اللين عند استئذانهم في العقود، وهذا بخلاف ما مضى في وعيد المنافقين حيث قدمهم فقال {المنافقين والمنافقات والكفار} فقدم في كل سياق الأليق به؛ ولما كان المعنى: فإنك ظاهر عليهم وقاهر لهم وهم طعام السيف وطوع العصا، عطف عليه قوله: {ومأواهم} أي في الآخرة {جهنم وبئس المصير*}. ولما أتى بالدليل العام على إجرمهم، أتبعه الدليل الخاص عليه وهو أيضاً دليل على دليل فقال: {يحلفون بالله} أي الملك الأعلى الذي لا شيء أعظم منه قدراً {ما قالوا} أي ما وقع منهم قول، فقصر الفعل تعميماً للمفعول إعلاماً بأنهم مهما عنفوا على قول كائناً ما كان بادروا إلى الحلف على نفيه كذباً لأنهم مردوا على النفاق فتطبعوا بأعلى الكذب ومرنوا على سيىء الأخلاق، فصار حاصل هذا أنهم أطعموا في العفو وحذروا من عذاب الباقين بسبب إجرامهم لأنهم يأمرون بالمنكر وما يلائمه مقتفين آثار من قبلهم في الانهماك في الشهوات غير مقلعين خوفاً من الله أن يصيبهم بمثل ما أصابهم ولا رجاء له أن ينيلهم مما أعد للمؤمنين مجترئين على الأيمان الباطلة بأعظم الحلف على أيّ شيء فرض سواء كان يستحق اليمين أو لا غير خائفين من الله أن يهتكهم كما هتك غيرهم ممن فعل مثل أفعالهم؛ ثم دل على عظيم إجرامهم وما تضمنه قوله {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} - الآية، من كبائر آثامهم، ويجوز أن تكون هذه الاية واقعة موقع التعليل للآية التي قبلها بأنهم يقدمون على ما يستحقون به الجهاد والغلظة والنار من الحلف كذباً على نفي كل ما ينقل عنهم استخفافاً بالله وبأسمائه {أية : اتخذوا أيمانهم جنة } تفسير : [المجادلة: 6] فتكون جواباً لمن كأنه قال: أما جهاد الكفار فالأمر فيه واضح، وأما المنافقون فكيف يجاهدون وهم يتكلون بلفظ الإيمان ويظهرون أفعال أهل الإسلام فقال: لأنهم يحلفون {ولقد} أي والحال أنهم كاذبون لقد {قالوا كلمة الكفر} أي الذي لا أكبر في الكفر منه، وهي تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم. ولما كان هذا السيافق لصنف يجددون الاستخفاف بالله تعالى - بما دل عليه المضارع كل وقت، دل على أن إقرارهم بالإيمان كذب وأفعالهم صور لا حقائق لها، فعبر بالإسلام فقال: {وكفروا} أي اظهروا الكفر {بعد إسلامهم} أي بما ظهر من أفعالهم وأقوالهم، وذلك غاية الفجور؛ ولما كان أعلى شغف الإنسان بشيء ان تحدثه نفسه فيه بما لا يصل إليه، فيكون ذلك ضرباً من الهوس قال: {وهموا بما لم ينالوا} أي من قتل الرسول صلى الله عليه وسلم أو إخراجه من المدينة، فجمعوا بين أنواع الكفر القول والفعل والاعتقاد، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في {مأواهم} والتقدير على هذا: يدخلون جهنم حالفين بالله: ما قالوا كلمة الكفر، ولقد قالوها، فيكون كقوله {أية : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين}تفسير : [الأنعام: 23]. ولما بين من أحوالهم التي لا يحمل على فعلها إلا أمر عظيم، قال: {وما} أي قالوا وفعلوا والحال انهم ما {نقموا} أي كرهوا شيئاً من الأشياء التي أتتهم من الله {إلا أن أغناهم الله} أي الذي له جميع صفات الكمال وهو غني عن العالمين {ورسوله} أي الذي هو أحق الخلق بأن يجوز عظمة الإضافة إليه سبحانه، وكان أذاهم هذا النبي صلى الله عليه وسلم وهمهم بقتله مع إعطائه لهم ما أغناهم بخلاف الآية السابقة، فكان الأقعد في ذمهم تأخير قوله: {من فضله} فهو من باب: ولا عيب فيهم. ولما نبه على أن هذه المساوىء قابلوا بها المحسن إليهم، رغبهم بأنه قابل المتاب عليهم، ورهبهم بأنه لا مرد لما يريد من العذاب بقوله: {فإن يتوبوا} ولما كان المقام جديراً بأن يشتد تشوف السامع إلى معرفة حالهم فيه، حذف نون الكون اختصاراً تنبيهاً على ذلك فقال {يك} أي ذلك {خيراً لهم} من إصرارهم. ولما كان للنفوس من أصل الفطرة الأولى داعية شديدة إلى المتاب، وكان القرآن في وعظه زاجراً مقبول العتاب عظيم الأخذ بالقلوب والعطف للألباب، أشار إلى ذلك بصيغة التفعيل فقال: {وإن يتولوا} أي يكلفوا أنفسهم الإعراض عن المتاب {يعذبهم الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً بحوله وقوته {عذاباً أليماً} أي لا صبر لهم عليه {في الدنيا} أي بما هم فيه من الخوف والخزي والكلف وغيرها {والآخرة} أي بالعذاب الأكبر الذي لا خلاص لهم منه {وما لهم في الأرض} أي التي لا يعرفون غيرها لسفول هممهم {من وليّ } أي يتولى أمورهم فيصلح ما أفسد العذاب منهم أو يشفع لهم {ولا نصير*} أي ينقذهم؛ وأما السماء فهم أقل من أن يطمعوا منها بشيء ناصر أو غيره وأغلظ أكباداً من أن يرتقي فكرهم إلى ما لها من العجائب وما بها من الجنود؛ وسبب نزول الآية على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً في ظل شجرة فقال: سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع رجل أرزق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله. ما قالوا، فأنزل الله الآية؛ وقال الكلبي: نزلت في الجلاس بن سويد، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك فذكر المنافقين فسماهم رجساً وعابهم فقال الجلاس: لئن كان محمداً صادقاً لنحن شر من الحمير، فسمعه عامر بن قيس فقال: أجل، إن محمداً لصادق وأنتم شر من الحمير، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قاله الجلاس، فقال الجلاس: كذب عليّ يا رسول الله! فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلفا عند المنبر فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قاله ولقد كذب علي عامر، وقام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد قاله وما كذبت عليه، ثم رفع عامر رضي الله عنه يديه إلى السماء فقال: اللهم! أنزل على نبيك تصديق الصادق منا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون: آمين! فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ {فإن يتوبوا يك} أي التوب {خيراً لهم} فقام الجلاس فقال: يا رسول الله! أسمع الله قد عرض عليّ التوبة، صدق عامر بن قيس فيما قاله، لقد قلته، وانا أستغفر الله وأتوب إليه، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه ثم تاب وحسنت توبته. ولا مانع من أن يكون كل ذلك سبباً لها كما تقدم ويأتي، والأوفق لها في السببية الخبر الأول للتعبير في الكفر بـ"أل" المؤذنة بالكمال، ومن شتم نبينا صلى الله عليه وسلم فقد ارتكب كل كفر، وفي الاية دليل على قبول توبة الزنديق المسر للكفر المظهر للايمان - كما قال أبو حيان وقال: وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: لا تقبل، فإن جاء تائباً من قبل نفسه من قبل أن يعثر عليه قبلت توبته.

ابو السعود

تفسير : {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} تفصيلٌ لآثار رحمتِه الدنيوية، والإظهارُ في موقع الإضمارِ لزيادة التقريرِ والإشعارِ بعلية وصفِ الإيمان لحصول ماتعلق به الوعدُ، وعدمُ التعرض لذكر ما مر من الأمر بالمعروف وغيرِ ذلك للإيذان بأنه من لوازمه ومستتبِعاته أي وعَدهم وعداً شاملاً لكل أحدٍ منهم على اختلاف طبقاتِهم في مراتب الفضل كيفاً وكماً {جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَـٰالِدِينَ فِيهَا} فإن كلَّ أحد منهم فائزٌ بها لا محالة {وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً} أي وعد بعضَ الخواصِّ الكمل منهم منازل تستطيبها النفوس أو يطيب فيها العيش. في الخبر (أنها قصورٌ من اللؤلؤ والزبرجدِ والياقوتِ الأحمر) {فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍ} هي أبهى أماكنِ الجناتِ وأسناها. عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : عدْنٌ دارُ الله لم ترها عينٌ ولم تخطُرْ على قلب بشر لا يسكنها غيرُ ثلاثة النبـيون والصديقون والشهداء يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك» تفسير : وعن ابن عمرو رضى الله عنهما إن في الجنة قصراً يقال له عدْن حوله البروج والمروج وله خمسةُ آلاف باب على كل باب خمسةُ آلافِ حَوْراء لا يدخُله إلا نبـيٌّ أو صدّيقٌ أو شهيد، وعن ابن مسعود رضى الله عنه هي بُطنانُ الجنة وسُرَّتُها. فعدن على هذا عَلَم. وقيل: هو بمعناه اللغوي أعني الإقامة والخلود فمرجِعُ العطفِ إلى اختلاف الوصفِ وتغايُرِه فكأنه وصَفه أولاً بأنه من جنس ما هو أشرفُ الأماكنِ المعروفة عندهم من الجنات ذاتِ الأنهار الجارية ليميل إليها طباعُهم أولَ ما يقرع أسماعَهم، ثم وصفه بأنه محفوفٌ بطيب العيشِ مُعرّى عن شوائب الكدوراتِ التي لا تكاد تخلو عنها أماكنُ الدنيا وفيها ما تشتهي الأنفسُ وتلذ الأعينُ ثم وصفه بأنه دارُ إقامةٍ وثباتٍ في جوار العلّيـين لا يعتريهم فيها فناءٌ ولا تغيُّرٌ ثم وعدهم بما هو أعلى من ذلك كله فقال: {وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ} أي وشيء يسيرٌ من رضوانه تعالى {أَكْبَرُ} إذ عليه يدور فوزُ كل خيرٍ وسعادة وبه يُناط نيلُ كلِّ شرفٍ وسيادة ولعل عدمَ نظمِه في سلك الوعد مع عزته في نفسه لأنه متحققٌ في ضمن كل موعودٍ ولأنه مستمرٌّ في الدارين. روي أنه تعالى يقول لأهل الجنة: (هل رضِيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضىٰ وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك فيقول: أنا أُعطيكم أفضلَ من ذلك قالوا: وأيُّ شيء أفضلُ من ذلك قال: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخطُ عليكم أبداً. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما سبق ذكرُه وما فيه من معنى البعد للإيذان ببُعدِ درجتِه في العِظَم والفخامة {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} دون مايعده الناس فوزاً من حظوظ الدنيا فإنها مع قطع النظرِ عن فنائها وتغيُّرِها وتنغُّصِها وتكدّرِها ليست بالنسبة إلى أدنى شيءٍ من نعيم الآخرة بمثابة جناحِ البعوض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو كانَتِ الدنيَا تَزِنُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ما سَقَىٰ الكافرَ منها شربة ماء» تفسير : ونِعِمّا قال من قال: شعر : تالله لو كانت الدنيا بأجمعها تبقي علينا ويأتي رزقُها رغَدا ما كان من حق حرٍ أن يذِلّ بها فكيف وهي متاعٌ يضمحلّ غدا

القشيري

تفسير : وَعَدَهُم جميعاً الجنةَ، ومساكنَ طيبة، ولا يطيب المَسْكَنُ إلا برؤيةِ المحبوبِ، وكلُّ مُحِبٍ يطيب مَسْكَنُه برؤية محبوبه، ولكنهم مختلفون في الهمم؛ فَمِنْ مربوطٍ بحظِّ مردودٍ إلى الخَلْق، ومِنْ مجذوب بحقِّ موصول بالحق، وفي الجملة كما يقال: شعر : أجيرانَنَا ما أوحشَ الدارَ بَعْدَكُم إذا غِبْتُمُ عنها ونحن حضورُ! تفسير : ويقال قومٌ يطيب مسكنُهم بوجودِ عَطَائِه، وقومٌ يطيب مسكنُهم بشهود لقائه، وأنشدوا: شعر : وإنِّي لأَهْوى الدارَ لا يستقرُّ لي بها الودُّ إلا أَنَّها من دِيارِكا تفسير : ثم قال: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}: وأمارةُ أهلِ الرضوانِ وجدانُ طَعْمِه؛ فهم في روْح الأُنْسِ، وروْح الأنْسِ لا يتقاصر عن راحة دار القُدْس بل هو أتمُّ وأعظم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} ان الله سبحانه وعد اعلى شهود الغيب من الموقنين الصادقين فى رؤية الاخرة واللحوق بالله وهذا الوعد منه تعالى وصول نقد لان الخبر منا معاينة حيث يهيب روايح قدسه لاهل الانس وينشقها مع طيبها ارواحهم وقلوبهم لاجل ذلك هاموا فى شوقه وغابوا فى حبه وطاروا من الفرح بوصاله وما قرن هذا الوعد بشرط من شروط العبودية فى نفس الاية يدل عنه فضل بلا علة ووصول الها الى معادنها لان تراب اهل العرفان من معدن الرضوان قال تعالى ان الذى فرض عليك القرآن لرادّك الى معاد اصطفاهم الله فى الازل لحضرته وسماهم المؤمنين اى الصادقين فيما راوا بقلوبهم انوار الغيب والمؤمن اذا كان صادقا فهو صالح وشهيد لانه اتبع ببذل نفسه وروحه بمن استنشق من الغيب من نسيم الوصاف وهو مقبول بحبه بمشاهدة الجمال ولا يبالى الله بما جرى على صورته من الزلات فان المؤمن اذا باشر معصية ندم وعض بتلك المعصية له وصار حرامه منغصا بندامته ويذوب قلبه رجاء ربه وكأن معصيته طاعة وعدهم بالجنات وقلوبهم فى جنات المشاهدة فكيف يلتفتون الى الجنة ووعدهم بالمساكن الطيبة وهم ساكنون بارواحهم فى مشاهدة جماله وقربه ووصاله ويجرى عليهم واردات لذة خطابه ولذايذ لطائف مما طابت نفوسهم فى مساكن طاعاته باسترواحهم بنسيم مروحة رجاء وصاله وطابت عقولهم بدورانها فى انوار اياته وطابت قلوبهم بشهودها على مشارب صفاته فتشرب منها شربات المحبة وتشكر برويتها بنعت === وطابت ارواحهم بطيرانها فى سبحات ذاته بأجنحة رضوانه فهى تعلق ابدا الى مساكن كشف قدمه وجلال سرمدية رضوانه الاكبر بتسم صبح الصفات فى وجوه الهائمين فى محبة مشاهدة الذات يا اخى هؤلاء فى الدّنيا فى طيب مساكن الوصلة وجنات عدن القربة وما داموا ههنا فى هذه الغربة وجدوا ما يعاين لاهل الوعد فلا ينابون بالغرفان قلب جميع المساكن لا يكون الا برؤيته وجماله ومن ادرك ذلك كيف يلتفت الى حسن النظر وطيب المسكن وان كان فى موضع وحش وانشد شعر : تمنيت من حبى يثينه اثناً على مدمت فى البحر ليس لنا وقر وفي كل موضع لم يكن مما وصفنا به اثر فهو خراب مستوحش وان كان الجنة اجيراننا ما اوحش الدار بعدكم اذا عتتم عنها ونحن محضور ويقال قوم يطيب مسكنه لوجود عطائه وقوم يطيب مسكنه بشهود لقائه وانى لاهوى الدار لا يشعرنى بها الرد الا انها من دياركا تفسير : وقال الاستاد اماراة هذا الرضوان وجدان طعمه فقدان فهو فى روح الانس وروح الانس لا === عن راحة دار القدس بل هو اتم واعظم ثم حث نبيه عليه السّلام بجهاد من خاله يخالف حال هؤلاء حتى تطهر وجه الارض من الغيار وذلك من غيرة الجبار على اهل تلك الدار بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} الكفار النفوس الامارة وجهادها اماتة شهواتها والمنافقين هم ابليس وجنوده وجهادهم تصايقهم طريق الوسواس بالجوع الدائم والحزن القائم والزجر الغليظ عليهم يكون من القلب الروحانى المملو من نور الربانى وفيه رخصة زجر المدعين فيجوز الصادق ان يزجرهم ويعرض عنهم قال محمد بن على جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وقال سهل النفس كافرة فجاهدها بسيف المخالفة واحملها حمولات الندم وسيرها فى مفاوز الخوف لعلك تردها الى طريق التوبة والانابة ولا يصح التوبة الا لمتحير فى امره مبهوت فى شأنه واله القلب مما جرى عليه قال الله حتى اذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت ثم وصف الله اهل النفاق بنقض العهود وفسخ العقود وشح النفوس بقوله { وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} هذا وصف المغرورين الذين ما ذاقوا لهم محبة الله ولو وجدوا لذة منها بقدر راس ابره ليدلوا وجودهم لشوق حمله قال النصرابادى الفضل فى رؤية الاحسان راوا من انفسهم احساناً لم يعملوه بعد وصدقة لم يتصدقوا بها === لانفسهم افعالا بقوله لتصدقن فنقضوا العهد لما ظهر لهم ما سألوه فتولد لهم من ذلك البخل الذى قال النبى صلى الله عليه وسلم اى داء ادوى من البخل والتولى من سبيل الرشد والاعراض عن مناهج الحق وذلك انهم اخلفوا وعدهم فى السخاء فلزم عليهم الخيانة والبخل والكذب بقوله {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ} ثم ان الله سبحانه وصفهم بتمام الحرمان عن السعادة والسخاوة بقوله {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ} زاد نفاقهم جزاءا لبخلهم قيل هو ميراث البخل وهو الكذب والخلف والخيانت سئل ابو حفص ما البخل قال ترك الايثار عند الحاجة اليهم ثم ان الله سبحانه اعلم انه مطلع على عقودهم الفاسدة وعهودهم الكاذبة فى قلوبهم لمعرفة === المجبولة بالبخل والنفاق بقوله {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} اعلمنا وصف علمه المحيط بالسراير والضمائر وخوفنا من عظيم مراقبته وارتصاده بمراصد الملكوت والجبروت وعرفنا ==== منه واجلال له والخوف من عظمته حيث انه علام على خطرات قلوبنا وحركات اسرار ما ذكر السر والنجوى والستر ما هو يعلم من نفسك ولا تعلم ذلك من نفسك والنجوى ما هو يعلم من نفسك ولا == ذلك من نفسك ايضا ولا تعلم منك احد غير الله النجوى سر واالسر غير النجوى سر السر قيل السر مالا يطلع عليه الا اعلم الاسرار والنجوى ما يطلع عليه الحفظ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وعد الله المؤمنين والمؤمنات} اى وعدهم وعدا شاملا لكل واحد منهم على اختلاف طبقاتهم فى مراتب الفضل كيفما وكما والوعد عبارة عن الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها {جنات} جمع جنة وهى الحديقة ذات النخل والشجر {تجرى من تحتها} اى اشجارها وغرفها {الانهار} انهار الماء والعسل والخمر واللبن {خالدين فيها} اى مقدرا خلودهم ودوامهم فيها فكل واحد من المؤمنين فائز بهذه الجنات لا محالة {ومساكن طيبة} اى وعد بعض الخواص الكمل منهم منازل تستطيبها او يطيب فيها العيش وفى الخبر انها قصور من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت الاحمر {فى جنات عدن} هلى ابهى اماكن الجنات. واسناها عن النبى عليه السلام "حديث : عدن دار الله لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاث النبيون والصديقون والشهداء طوبى لمن ادخلها" تفسير : -روى- ان الله تعالى خلق جنة عدن بيده من غير واسطة وجعلها له كالقلعة للملك وجعل فيها الكثيب مقام تجلى الحق سبحانه وفيها مقام الوسيلة مقام المصطفى صلى الله عليه وسلم وغرس شجرة طوبى بيده فى جنة عدن واطالها حتى علت فروعها سور جنة عدن ونزلت مظللة على سائر الجنات كلها وليس فى اكمامها ثمر الا الحلى والحلل لباس اهل الجنة وزينتهم زائدة فى الحسن والبهاء لها اختصاص فضل لكونها خلقها الله بيده وهى اجمع الحقائق الجنانية نعمة واتمها بركة فانها اصل لجميع اشجار الجنة كآدم عليه السلام لما ظهر منه من البنين وما فى الجنة نهر الا وهو يجرى من اصل تلك الشجرة وهى محمدية المقام وهى فى الدار النبى عليه السلام يقال عدن بالمكان اذا اقام به ومنه المعدن لمستقر الجواهر {ورضوان من الله} اى وشئ يسير من رضوانه تعالى {أكبر} واعظم من الجنان ونعيمها لانه مبدأ جميع السعادات ومنشأ تمام الكمالات [محققان راه وعارفان آكاه را دركاه وبيكاه جز رضاى حضرت الله مطلوبى نيست] شعر : يكى مى خواهد از توجنت وحور يكى خواهد كه ازدوزخ شود دور وليكن مانخواهيم اين وآن جست مراد ما همين خشنودى تست جوتو خشنود كردى در دوعالم همين مقصود بس والله اعلم تفسير : قال الحافظ شعر : صحبت حورنخواهم كه بود عين قصور با خيال تو اكر با دكرى بردازم حديث : -روى- انه تعالى يقول لاهل الجنة "هل رضيتم فيقولون ما لنا لا نرضى وقد اعطيتنا ما لم تعط احدا من خلقك فيقول انا اعطيكم افضل من ذلك فيقولون وأى شئ افضل من ذلك فيقول احل عليكم رضوانى فلا اسخط عليكم ابدا . تفسير : {ذلك} المذكور من النعيم والرضى {هو الفوز العظيم} دون ما يعده الناس فوزا من حظوظ الدنيا فانها مع قطع النظر عن فنائها وتغيرها وتنغصها وتكدرها ليست بالنسبة الى ادنى شئ من نعيم الآخرة الا بمثابة جناح البعوض قال عليه السلام "حديث : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء" تفسير : قال يحيى بن معاذ الدنيا دار خراب واخرب منها قلب من يعمرها والآخرة دار عمران واعمر منها قلب من يطلبها. وقال ايضا فى الدنيا جنة من دخلها لم يشتق الى الجنة قيل وما هى قال معرفة الله تعالى وهى الجنة المعنوية. قال ابو يزيد البسطامى حلاوة المعرفة الالهية خير من جنة الفردوس واعلى عليين لو فتحوا لى ابواب الجنان الثمانى واعطونى الدينا والاخرة لم تعدل انينا وقت السحر. فعلى العاقل الاجتهاد والتوجه الى الحضرة العليا والاعراض عن الدنيا والفوز بالمطلب الاعلى والمقصد الاسنى نسأل الله الدخول الى حرم الوصول

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى بأنه كما وعد المنافقين بنار جهنم والخلود فيها كذلك {وعد الله المؤمنين} المعترفين بوحدانيته وصدق رسله وكذلك {المؤمنات جنات} يعني بساتين يجنها الشجر {تجري من تحتها الأنهار} وتقديره تجري من تحت اشجارها الأنهار. وقيل: أنهار الجنة أخاديد في الأرض. فلذلك قال {من تحتها} وانهم فيها خالدون اي دائمون {ومساكن طيبة} معناه وعدهم مساكن طيبة. والمسكن الموضع الذي يسكن وروى الحسن انها قصور من اللؤلؤ والياقوت الاحمر والزبرجد الاخضر مبنية بهذه الجواهر. وقوله {في جنات عدن} فالعدن الاقامة والخلود، ومنه المعدن قال الاعشى: شعر : وان يستضافوا إلى حكمه يضافوا إلى راجح قد عدن تفسير : وروي أنها جنة لا يسكنها إلا النبيون والشهداء والصالحون. وقوله {ورضوان من الله أكبر} قال الرماني: الرضوان معنى يدعو إلى الحمد بالاجابة يستحق مثله بالطاعة فيما تقتضيه الحكمة. وانما رفع {رضوان} لأنه استأنفه للتعظيم كما يقول القائل: اعطيتك ووصلتك ثم يقول: وحسن رأي فيك ورضاي عنك خير من جميع ذلك. وقوله {ذلك هو الفوز العظيم} معناه هذا النعيم الذي وصفه هو النجاح العظيم الذي لا شيء فوقه ولا اعظم منه.

الجنابذي

تفسير : {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} فى مقابل وعد الله المنافقين (الى آخرها) {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} اى جنّات الاقامة وهى منتهى مراتب الجنان الّتى لا يتجاوز عنها بخلاف سائر مراتبها، فانّها يتجاوز عنها وهى مقام آل محمّد (ص) واتباعهم {وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} لمّا كان وعد الخير منبئاً عن الرّضا فكأنّه قال: فلهم رضوان من الله ورضوان من الله اكبر من كلّ ذلك، او المقصود انّ هذا النّوع من الموعود اكبر من غير التفات الى التّفضيل {ذٰلِكَ} الرّضوان {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} اعلم، انّ اعلى مقامات السّالكين الى الله هو مقام الرّضا كما سبق ولذا لم يذكره تعالى فى الاغلب الاّ وعقّبه بما يدلّ على تفخيمه.

الهواري

تفسير : قوله: { وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ} أهل الصدق والوفاء { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}. وقد فسّرنا الأنهار في غير هذا الموضع. { خَالِدِينَ فِيهَا} أي في الجنة { وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً}. ذكر الحسن قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة آخرهم دخولاً. فيقال له: انظر ما أعطاك الله، فيفسح له في بصره. فينظر مسيرة مائة ألف سنة كله له، فليس فيه موضع شبر إلا وهو عامر قصور الذهب والفضة، وخيام اللؤلؤ والياقوت. فيها أزواجه وخدمه، يُغدَى عليه كل يوم بسبعين ألف صَحْفَة من الذهب، ويُراح عليه بمثلها. في كل واحدة منها لون من الطعام ليس في صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها. لو نزل عليه الجن والإِنس في غداء واحد وسعهم، ولا ينقص ذلك مما عنده شيئاً. وذكروا عن ابن عباس قال: الخيمة درّة مجوّفة، فرسخ في فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب. ذكروا عن أبي موسى الأشعري قال: إن الرجل من أهل الجنة لتكون له الخيمة طولها في السماء سبعون ميلاً، وإن له فيها لأهلاً يطوف عليهم ولا يشعر بهم الآخرون. وقال: { فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} قال الحسن: عدن اسم من أسماء الجنة. وقال بعضهم: هي أشرف الجنان. ذكروا عن ابن عباس قال: عدن: بطنان الجنة. وقال: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ} أي أعظم مما هم فيه من ملك الجنة. قال الحسن: وصل إلى قلوبهم من رضوان الله من اللذة والسرور ما هو ألذ عندهم وأقر لأعينهم من كل شيء أصابوه من لذة الجنة. ذكروا عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة فرأوا ما فيها قال الله عزّ وجلّ لهم: لكم عندي أفضل من هذا. قالوا: ربنا ليس شيء أفضل من الجنة. قال: بلى، أحلّ عليكم رضواني تفسير : قوله: { ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ}. قال الحسن: النجاة العظيمة. وقال بعضهم: فازوا من النار إلى الجنة. وقد قال: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ} أي نجا من النار (أية : وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)تفسير : [آل عمران:185] أي فقد سعد.

اطفيش

تفسير : {وَعَدَ اللهُ المؤمِنينَ والمؤمِناتِ} هذا ذكر لوعد المؤمنين، كما ذكر وعيد غيرهم {جَنَّاتٍ تَجرى مِنْ تَحْتها} أى من أشجارها، أو من تحت علياتها، أو تحت مجالسها وفرشها {الأنهارُ} فإن ماء الجنة يطلع إلى فوق ولا يتفسح، ويجرى تحت الفراش، أعنى قربه ولا يبله، وإذا أراده السعيد طلع إليه فى فراشه. {خَالدينَ فِيها ومَسَاكن طَيِّبةً} تستطيبها النفس، أو يطيب فيها العيش، قال الحسن: سألت عنها عمران بن الحصين وأبا هريرة فقالا: على الخبير سقطت، سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : لكل مؤمن قصر من لؤلؤ فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء، فى كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء، فى كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل فراش زوجة من الحور العين، وفى كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا من طعام، وفى كل بيت سبعون وصيفة، ويعطى المؤمن من القوة ما يأتى على ذلك كله أجمع ". تفسير : وعن ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ فى فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب، وعن أبى موسى الأشعرى: أن الرجل من أهل الجنة تكون له الخيمة طولها فى السماء سبعون ميلا، وأن له فيها لأهل يطوف عليهم لا يشعر بهم الآخرون، وعن الحسن: أدنى أهل الجنة آخرهم دخولا، فينظر مسيرة مائة ألف سنة كلها له معمورة، قصور ذهب وفضة، وخيام لؤلؤ وياقوت، فيها أزواجه وخدمه، يُغْدَى عليه كل صباح ورواح بسبعين ألف صحيفة ذهب، فى كل منها لون ليس فى الأخرى، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، لو نزل عليه الجن والإنس فى غداء واحد لوسعهم، ولم ينقص شيئا. والآية تحتمل أن لكل مؤمن أو مؤمنة جنات ومساكن، وتحتمل أن لهم ذلك موزعا، بينهم لكل منهم نصيبه، ويكون أيضا لكل واحد جنات ومساكن، بدليل الأحاديث، فالمقصد واحد، ولو اختلف المقصدان، وأجاز بعضهم أن يكون المراد بالجنات ما يشبه المساكن، أو بالمساكن ما يشمل الجنات، فيكون العطف لتغاير وصف الجنان، ووصف المساكن، وأولى خلافه، والتغاير موجود وجودا بينا على خلاف ذلك. وعلى كل فوصف الموعود به أولا لما يميل إليه الطبع أول السماع وهو الجنان، ثم ذكر أنه فى أماكن طيبة العيش، عارية عما يكون فى الدنيا، ويجوز أن يكون طيبة نعمتان لجنات ومساكين جميعا، ثم ذكر أن ذلك فى دار إقامة وثبات لا رحيل فيها ولا زوال، إذ قال: {فى جَنَّاتٍ عَدْنٍ} أى إقامة وخلود، ثم ذكر ما هو أكبر من ذلك كله وهو الرضوان، قال أبو الدرداء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عدن دار الله التى لم ترها عين، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيون والصديقون والشهداء، يقول الله سبحانه وتعالى: طوبى لمن دخلك" تفسير : قال عبد الله بن عمرو بن العاص: هو قصر حوله بروج ومروج، له خمسة آلاف باب، وعن الضحاك: جنات عدن هى مدينة الجنة، فيها الأنبياء، والعلماء، والشهداء، وأئمة العدل، والناس حولهم بعد، والجنات حولها. وعن الحسن: عدن قصر فى الجنة لا يدخله إلا نبى، أو صديق، أو شهيد، أو حاكم عدل، ومد بها صوته، قال ابن مسعود: بطنان الجنة أى وسطها، وقال عطاء: نهر فى الجنة جنانه على حافتيه، وقال الكلبى: أعلى درجة فى الجنة فيها عين التسنيم والجنان حولها، وهى مغطاة من حين خلقت حتى ينزلها أهلها، وهم الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، ومن شاء الله، فيها قصور الدرر، والياقوت، والذهب، تهب ريح طيبة فتدخل كثبان المسك الأبيض وتأتيهم. وقيل: الآية تأبى التخصيص، إذ وعد الله بها جميع المؤمنين، والجنان كلها جنات عدن، أى إقامة، إذ الإفناء لواحدة، ولا رحيل فيها وهو الواضح، ولو اشتهر الأول، بل قيل: جنات عدن علم بدليل الوصف بالمعرفة فى قوله تعالى: {أية : جنات عدن التى وعد الرحمن عباده} تفسير : ولا دليل فيه لجواز البدلية. {ورِضْوانٌ مِنَ الله أكْبرُ} من ذلك كله، لأنه مبتدأ كل سعادة وكرامة وقول، ولأن النعم تتم به، إذ لا لذة لعبد فى نعمة تنغصت عنه بغضب مولاه، فهو فى نفسه أكبر، ولأنه تعالى يوصل إلى قلوبهم بواسطة علمهم برضاه ما هو الذى عندهم من جميع النعم، وأقر لأعينهم من كل شىء كما روى عن الحسن. وفى الحديث، عن جابر بن عبد الله، وأبى سعيد الخدرى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله جل جلاله: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير فى يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: يا ربنا ما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من هذا؟: وفى رواية سأعطيكم، فيقولون: أى شىء أفضل من هذا؟ فيقول: أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم أبدا" تفسير : وتنكير الرضوان للتعظيم أو الواحدة، أى رضوة واحدة من جنس رضاه أكبر من ذلك كله. {ذلك} الرضوان أو المذكور كله {الفَوْز} الخلاص من كل مكروه، والاتصال بكل محبوب {العَظيمُ} الذى تستحقر دونه الدنيا وما فيها.

اطفيش

تفسير : {وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} مقتضى الظاهر وعدهم بالإِضمار لكن أَظهر ليشعر بأَن الإِيمان علة للوعد، وهذا وما بعده مقابل لوعيد المنافقين المعبر عنه بالوعد تهكماً على تبادر الخير من لفظ الوعد وإِلا فالوعد يكون فى الخير ويكون فى الشر. {جَنَّاتٍ} نخلاً وأَشجاراً من كل نوع {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ} بيوتاً ودوراً وقصوراً {طَيِّبَةً} من اللؤْلُؤِ والزبرجد والياقوت الأَحمر كما فى الحديث، طيبة فى نفسها ويطيب العيش فيها لسكانها، لا يلحقهم كدر كما فى الدنيا {فِى جَنَّاتِ عَدْنِ} هن ثمان كما أَن النار سبع وكلهن للعدن أَى للإِقامة لا خروج عنهن كما يخرج عما فى الدنيا كما قال الله عز وجل: "أية : خالدين فيها" تفسير : [التوبة: 68] وقال تعالى: "أية : لا يبغون عنها حولا"تفسير : [الكهف: 108] وقد تخص جنة عدن بواحدة من الثمانى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث : عدن دار الله التى لم ترها عين قط ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيون والصديقون والشهداء، يقول الله طوبى لمن دخلكتفسير : . رواه أَبو الدرداء، وزاد عبد الله بن عمرو بن العاص حولها البروج والمروج لها خمسة آلاف باب. ولفظ الطبرانى عن عمران ابن حصين وأَبى هريرة: سئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {ومساكن طيبة فى جنات عدن} قال حديث : قصر من لؤْلؤه فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراءَ فى كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراءَ فى كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون، على كل فراش زوجة من الحور العينتفسير : . وفى رواية حديث : فى كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام، وفى كل بيت سبعون وصيفة، ويعطى المؤمن من القوة ما يأْتى على ذلك كلهتفسير : ، وعن الحسن: سأَلت عمران ابن حصين وأَبا هريرة فقالا: على الخبير سقطت، سأَلنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : قصر من لؤلؤَةتفسير : إِلى آخر ما مر، ويجوز أَن يكون جنات تجرى من تحتها الأَنهار والمساكن الطيبة شيئاً واحداً هو دار أَولياء الله المتصفة بأَنها مشتملة على البساتين وعلى المساكن الطيبة، وكلها عادنة أَى مقيمة، يقال إِبل فلان عادنة بموضع كذا، أَى لازمة له رغبة فيه، وعدن الجنة عدم فنائِها وعدن أَهلها عدم خروجهم عنها، ويجوز أَن يراد أَن لبعضهم بساتين ولبعضهم مساكن وهو ضعيف لأَن أَهل المساكن يحتاجون أَيضاً إِلى البساتين ولو لم يحتج أَهل البساتين إِلى المساكن المبنية بأَن تكون أَشجارهم مظللة عليهم كالبيوت، ويجاب بأَن أَهل المساكن يؤتؤن من الله عز وجل بالثمار، والوصف بالخلود فى البساتين غير الوصف بخلود دار أَولياء الله فلا تكرار {وَرِضْوَانٌ} نكرة للتعظيم لا للتبعيض لأَن رضوانه لا يتبعض لأَن هنا صفة ذات فلا تهم. {مِن اللهِ أَكْبَرُ} نفعاً وشأْنا من الجنات والمساكن، والرضوان أَزلى، ذكرهم ما قد يغفلون عنه وقد يغفلون عن أَنه يدوم مع أَنهم عارفون به وبدوامه، وكأَنه قال: رضوانى أَلذ لكم وأَنفع مما فرحتم به من الجنات والمساكن لدوامه وكونه سبباً لكل خير ومنشئاً لتلك الجنات والمساكن ولقائه. يقول الله عز وجل: حديث : هل رضيتم؟ فيقولون: يا ربنا ما لنا لا نرضى وقد أَعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك. فيقول: لكم عندى أَفضل. فيقولون: وأَى شىءٍ أَفضل من ذلك؟ فيقول أُحل عليكم رضوانى فلا أَسخط عليكم أَبداًتفسير : . رواه البخارى ومسلم وأَحمد والترمذى عن أَبى سعيد الخدرى، ومعنى أُحل عليكم رضوانى أُخبركم به أَو بدوامه، فإِن الصفة الذاتية ولو كانت لا تقبل الفناءَ لكن فى الإِخبار تلذيذ، ويجوز أَن يراد بالرضوان شىءٌ من نعم الله على أَنه غير صفة وقوله: لا أَسخط عليكم أَبدا يناسب غير هذا. وعن بعض المعتزلة لا تطمح عينى ولا تنازع نفسى إِلى شىءٍ مما وعد الله فى دار الكرامة كما تطمح وتنازع إلى رضاه عنى وأَن أُحشر فى زمرة المهديين المرضيين عنده، وإِنما لم يقل ورضوانا أَكبر بنصبهما عطفا على جنات تجرى لأَن الرضوان فى ضمن كل ما ذكر {ذَلِكَ} المذكور من الرضوان والبساتين والمساكن، أَو ذلك الرضوان، قيل: أَو الدنيا ونعيمها والجنة وما فيها. {هُوَ الْفَوْزُ} أَى المفوز به، فهو مصدر بمعنى المفعول أَو يقدر المضاف أَى نيل ذلك هو الفوز {العَظِيمُ} الذى تحقر فى مقابلته نعم الدنيا كلها.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} في مقابلة الوعيد السابق للمنافقين المعبر عنه بالوعد تهكماً كما مر، ويفهم من كلام البعض أن قوله سبحانه: {أية : سَيَرْحَمُهُمُ } تفسير : [التوبة: 71] بيان لإفاضة آثار الرحمة الدنيوية من التأييد والنصر وهذا تفصيل لآثار رحمته سبحانه الأخروية، والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير والأشعار بعلية الإيمان لما تعلق به الوعد، ولم يضم إليه باقي الأوصاف للإيذان بأنه من لوازمه ومستتبعاته، والكلام في ـ خالدين ـ هنا كالكلام فيما مر {وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً} أي تستطيبها النفوس أو يطيب فيها العيش فالإسناد إما حقيقي أو مجازي. وأخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن تفسير {وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً} فقالا: على الخبير سقطت سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : قصر من لؤلؤة في الجنة في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون على كل فراش امرأة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة في كل مائدة سبعون لوناً من كل طعام في كل بيت سبعون وصيفاً ووصيفة فيعطى المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك كله» تفسير : . {فِي جَنَّـٰتِ عَدْنٍ} قيل: هو علم لمكان مخصوص بدليل قوله تعالى: {أية : جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ } تفسير : [مريم: 61] حيث وصف فيه بالمعرفة، ولما أخرجه البزار والدارقطني في «المختلف والمؤتلف» وابن مردويه من حديث أبـي الدرداء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عدن دار الله تعالى لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة: النبيون والصديقون والشهداء يقول الله سبحانه طوبى لمن دخلك» تفسير : وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب لا يدخله إلا نبـي أو صديق أو شهيد. وعن ابن مسعود أنها بطنان الجنة وسرتها. وقال عطاء بن السائب: عدن نهر في الجنة جناته على حافاته. وقيل: العدن في الأصل الاستقرار والثبات ويقال: عدن بالمكان إذا أقام. والمراد به هنا الإقامة على وجه الخلود لأنه الفرد الكامل المناسب لمقام المدح أي في جنات إقامة وخلود، وعلى هذا الجنات كلها جنات عدن لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً والتغاير بين المساكن والجنات المشعر به العطف إما ذاتي بناء على أن يراد بالجنات غير عدن وهي لعامة المؤمنين وعدن للنبيين عليهم الصلاة والسلام والصديقين والشهداء أو يراد بها البساتين أنفسها وهي غير المساكن كما هو ظاهر، فالوعد حينئذ صريحاً بشيئين والمساكن فلكل أحد جنة ومسكن وإما تغاير وصفي فيكون كل منهما عاماً ولكن الأول باعتبار اشتمالها على الأنهار والبساتين والثاني لا بهذا الاعتبار، وكأنه وصف ما وعدوا به / أولاً بأنه من جنس ما هو أشرف الأماكن المعروفة عندهم من الجنات ذات الأنهار الجارية لتميل إليه طباعهم أول ما يقرع أسماعهم ثم وصفه بأنه محفوف بطيب العيش معرى عن سوائب الكدورات التي لا تكاد تخلو عنها أماكن الدنيا وأهلها وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ثم وصف بأنه دار إقامة بلا ارتحال وثبات بلا زوال ولا يعد هذا تكراراً لقوله سبحانه: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} كما لا يخفى ثم وعدهم جل شأنه كما يفهم من الكلام هو ما أجل وأعلى من ذلك كله بقوله تبارك وتعالى: {وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ} أي وقدر يسير من رضوانه سبحانه {أَكْبَرُ} ولقصد إفادة ذلك عدل عن رضوان الله الأخصر إلى ما في النظم الجليل، وقيل: إفادة العدول كون ما ذكر أظهر في توجه الرضوان إليهم، ولعله إنما لم يعبر بالرضا تعظيماً لشأن الله تعالى في نفسه لأن في الرضوان من المبالغة ما لا يخفى ولذلك لم يستعمل في القرآن إلا في رضاء الله سبحانه، وإنما كان ذلك أكبر لأنه مبدأ لحلول دار الإقامة ووصول كل سعادة وكرامة وهو غاية أرب المحبين ومنتهى أمنية الراغبين. وقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبـي سعيد الخدري قال:حديث : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك يا ربنا؟ فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً"تفسير : ولعل عدم نظم هذا الرضوان في سلك الوعد على طرز ما تقدم مع عزته في نفسه لأنه متحقق في ضمن كل موعود ولأنه مستمر في الدارين. {ذٰلِكَ} أي جميع ما ذكر {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} دون ما يعده الناس فوزاً من حظوظ الدنيا فإنها مع قطع النظر عن فنائها وتغيرها وتنغصها بالآلام ليست بالنسبة إلى أدنى شيء من نعيم الآخرة إلا بمثابة جناح البعوض، وفي الحديث «حديث : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء» تفسير : ولله در من قال:شعر : تالله لو كانت الدنيا بأجمعها تبقى علينا وما من رزقها رغدا ما كان من حق حر أن يذل بها فكيف وهي متاع يضمحل غدا تفسير : وجوز أن تكون الإشارة إلى الرضوان فهو فوز عظيم يستحقر عنده نعيم الدنيا وحظوظها أيضاً أو الدنيا ونعيمها والجنة وما فيها، وعلى الاحتمالين لا ينافي قوله سبحانه: {أية : أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } تفسير : [التوبة: 89] فقد فسر فيه ـ العظيم ـ بما يستحقر عنده نعيم الدنيا فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الجملة بعد قوله: {أية : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}تفسير : [التوبة: 71]، كموقع جملة: {أية : وعد الله المنافقين والمنافقات}تفسير : [التوبة: 68] بعد قوله: {أية : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض}تفسير : [التوبة: 67] الآية. وهي أيضاً كالاستئناف البياني الناشىء عن قوله: {أية : أولئك سيرحمهم الله}تفسير : [التوبة: 71] مثل قوله في الآية السابقة {أية : يبشرهم ربهم برحمةٍ منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم}تفسير : [التوبة: 21] الآية. وفعل المضي في قوله: {وعَد الله} إمّا لأنّه إخبار عن وَعد تقدّم في آي القرآن قُصد من الإخبار به التذكيرُ به لتحقيقه، وإمّا أن يكون قد صيغ هذا الوعد بلفظ المضي على طريقة صِيَغ العقود مثل بِعتُ وتَصدّقتُ، لكون تلك الصيغة معهودة في الالتزام الذي لا يَتخلّف. وقد تقدّم نظيره آنفاً في قوله: {أية : وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم}تفسير : [التوبة: 68]. والإظهار في مقام الإضمار دون أن يقال: وعَدهم الله: لتقريرهم في ذهن السامع ليتمكّن تعلّق الفعل بهم فضلَ تمكّن في ذهن السامع. وتقدّم الكلام على نحو قوله: {جنات تجري من تحتها الأنهار} عند قوله تعالى: {أية : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار} تفسير : في سورة البقرة (25). وعطفُ {ومساكن طيبة في جنات عدن} على {جنات} للدلالة على أنّ لهم في الجنّات قصوراً ومساكن طيّبة، أي ليس فيها شيء من خبث المساكن من الأوساخ وآثار علاج الطبخ ونحوه نظير قوله: {أية : ولهم فيها أزواج مطهرة}تفسير : [البقرة: 25]. و(العدن): الخلد والاستقرار المستمرّ، فجنّات عدن هي الجنات المذكورة قبلُ، فذكرها بهذا اللفظ من الإظهار في مقام الإضمار مع التفنّن في التعبير والتنويه بالجنّات، ولذلك لم يقل: ومساكن طيبة فيها. وجملة: {ورضوان من الله أكبر} معطوفة على جملة {وعد الله المؤمنين}. والرضوان ــــ بكسر الراء ــــ ويجوز ضمها. وكسرُ الراء لغة أهل الحجاز، وضمّها لغة تميم. وقرأه الجمهور ــــ بكسر الراء ــــ وقرأه أبو بكر عن عاصم بضمّ الراء ونظيره بالكسر قليل في المصادر ذات الألف والنون. وهو مصدر كالرضى وزيادة الألف والنون فيه تدلّ على قوته، كالغُفران والشكران. والتنكير في {رضوان} للتنويع، يدلّ على جنس الرضوان، وإنّما لم يقرن بلام تعريف الجنس ليتوسّل بالتنكير إلى الإشعار بالتعظيم فإنّ رضوان الله تعالى عَظيم. و{أكبرُ} تفضيل لم يذكر معه المفضَّل عليه لظهوره من المقام، أي أكبر من الجنّات لأنّ رضوان الله أصل لجميع الخيرات. وفيه دليل على أنّ السعادات الروحانية أعلى وأشرف من الجثمانية. و{ذلك} إشارة إلى جميع ما ذكر من الجنّات والمساكن وصفاتهما والرضوانِ الإلهي. والقصر في {هو الفوز العظيم} قصر حقيقي باعتبار وصف الفوز بعظيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} {وَمَسَاكِنَ} {وَرِضْوَانٌ} (72) - وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أَنَّهُ سَيُدْخِلُهُمْ فِي الآخِرَةِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، يُقِيمُونَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً، فِي مَسَاكِنَ طَيِّبَةٍ حَسَنَةِ الْبِنَاءِ، وَطَيِّبَةِ الْقَرَارِ فِي هَذِهِ الْجَنَّاتِ، وَوَعَدَهُمْ بِرِضْوَانٍ مِنْهُ أَكْبَرَ وَأَجَلَّ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ العَظِيمُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبُّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: وَأَيُّ شَيءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَداً"تفسير : . (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَمَالِكُ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والوعد: بشارة بخير يأتي زمانه بعد الكلام. والوعيد: إنذار بسوء يأتي بعد الكلام. الوعد يشجع السامع على أن يبذل جهده ويعمل؛ حتى يتحقق له الخير الذي وُعِد به. والوعيد يعطي السامع فرصة أن يمتنع عما يغضب الله فلا يناله عذاب الله. على أننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ} ثم ذكر العذاب الذي ينتظرهم، وبعد ذلك قال: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} ثم وصف النعيم الذي ينتظرهم، مع أن الشائع في اللغة أن الوعد يكون بالخير والوعيد يكون بالشر، فكان من المناسب في عرف البشر أن يقول الحق سبحانه وتعالى: "أوعد الله المنافقين"؛ لأن الذي سيأتي بعد ذلك عذاب ونار وشر، وأن يقول في المؤمنين: وَعَدَ اللهُ لأن الذي سيأتي بعد ذلك جنة ونعيم وخير. ولكن الأسلوب جاء مخالفاً للعرف البشري، فجاء بكلمة "وعد"، وهي تقال دائماً للخير في حديثه سبحانه وتعالى عن المنافقين والمؤمنين، واستخدام وعد بالنسبة للمؤمنين والمؤمنات موافق للمنطق البشري؛ لأنه وعد بخير. ولكن بالنسبة للمنافقين فقد جاء الحق سبحانه وتعالى بكلمة "وعد" مكان "أوعد". فالذي يتكلم هنا هو الحق سبحانه، فلا تَقِسْ كلام الله على كلام البشر؛ لأن البشر يفوتهم في كلامهم ملاحظ، ولكنها لا تفوت ولا تخفى على الله، والبشر يتفاوتون في الأداء وأساليبه ولكن الحق أسلوبه واحد. فلماذا جاء سبحانه - إذن - بكلمة "وعد" بدلاً من "أوعد"؟ نقول: إن الحق سبحانه وتعالى بعد أن عرَّف المنافقين والمنافقات، ثم تكلم عن جزائهم إن إصرُّوا على نفاقهم، كان ذلك تحذيراً حتى لا يصروا على النفاق مخافة العذاب الذي ينتظرهم؛ عَلَّهم يقلعون عن النفاق وينصرفون إلى الخير من الإيمان. إذن: فالحق سبحانه وتعالى حين حذرهم بالوعيد نصحهم، كما تقول لمن يهمل في دروسه: سترسب إذا أهملت دروسك. فتكون بذلك قد خدمت إقباله على المذاكرة. وأوصلته بالوعيد إلى أن يتجنب الأمر الذي أوعد به؛ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 35-36]. هل الشواظ من النار نعمة حتى يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي: فبأي نعم ربك تكذب؟ نقول: نعم إنه نعمة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى حين يوضح لك: إن خالفت هذا فستذهب إلى النار، يكون قد قدم لك العظة والنصيحة، والعظة والنصيحة نعمة؛ لأنه يجعلك تتجنب طريق النار وتختار طريق الجنة. إذن: فحين يحذر الله المنافقين والمنافقات بالمصير الذي ينتظرهم، يكون هذا خيراً ونعمة؛ لأنهم إن اتعظوا وأقلعوا عن النفاق إلى الإيمان فهم ينجون أنفسهم من عذاب النار، وفي هذا خير عميم. ولذلك استخدم الحق سبحانه وتعالى كلمة "وعد" ولم يستخدم "أوعد"، وتكون الكلمة مؤدية للمعنى الذي أراده الله. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} والوعد كما قلنا بشارة بخير مستقبلي، والوعيد إنذار بشرٍّ يأتي في المستقبل، والوعد والإيعاد هما ميزان الوجود دنيا وآخرة؛ لأنك إن وعدت من يلتزم بمنهج الله خيراً، استحسن الناس جميعاً أن يصلوا إلى الخير باتباعهم المنهج، وإن أوعدتهم بشر إن خالفوا منهج الله؛ نفر الناس من المخالفة والمعصية خوفاً من العذاب وتجنبوا الشر. فإن صدق وعدك لأهل الخير بالخير، وصدق وعيدك لأهل الشر بالشر؛ استقام ميزان الحياة. ولذلك نقول للذي يذاكر: إنك ستنجح، فإن أتقنت المذاكرة حصلت على المجموع الذي يؤهلك لدخول الكلية التي تختارها، وإن أهملت دروسك رسبت وفُصِلْتَ من التعليم وضاع مستقبلك. هنا وعد ووعيد. إن وفَّيْتَ ما وعدت ووقيت ما توعدت، استقام ميزان الحياة. ولكن إذا جئت لإنسان لم يذاكر وأنجحته وأعطيته أعلى الدرجات مخالفاً بذلك وعيدك له، فأنت تهدم قضية كونية يترتب عليها مصالح الخلق كلهم. وإن وعدت من يحصل على 90% مثلاً أنه سيدخل كلية الطب، ثم أخلفت وعدك فدخل كلية الطب من حصل على 70% واستُبعِدَ الحاصل على 90% بسبب تدخل الأهواء تكون أيضاً قد اعتديت على حركة الحياة كلها وتفسد قضية العمل الجاد في حركة الحياة، وكل من لا يملك القدرة على تنفيذ ما وعد به أو أوعد به، لا يكون لكلامه وزن في حركة الحياة. على أنه إذا كان الوعد والوعيد من الحق سبحانه وتعالى فإنه مختلف مع منطق البشر؛ لأننا أهل أغيار، فقد أعد بخير لا استطيع تنفيذه، وقد أعد بعقاب ثم أضعف بسبب ظروف معينة فلا أقوى على التنفيذ. إذن: فلكي تستقيم حركة الحياة، لا بد أن يأتي الوعد والوعيد من القادر دائماً، القوي دائماً، الموجود دائماً؛ صاحب الكلمة العليا بحيث لا يوجد شيء يمكن أن يجعله لا يفي بوعده أو لا يُتِمُّ وعيده، فإذا قرأت سورة المسد تجد الحق سبحانه يقول فيها: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} تفسير : [المسد: 1-5]. وقد حكم الله سبحانه وتعالى في هذه السورة الكريمة؛ بأن أبا لهب وامرأته سيموتان كافرين وسيدخلان النار، ولكن كثيراً ممن كانوا كفاراً وقت نزول هذه السورة مثل: خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن العاص وغيرهم؛ آمنوا وحَسُنَ إسلامهم وجاهدوا في سبيل الله، فلماذا حكم رسول الله بأن أبا لهب وامرأته لن يؤمنا كما آمن عمرو، وكما آمن عكرمة، وكما آمن خالد بن الوليد وغيرهم؟ نقول: إن هذا ليس حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه الحق سبحانه وتعالى، وإذا حكم الله فإياك أن تشُكَّ في هذا الحكم؛ لأنه لا إله إلا الله وهو على كل شيء قدير. لذلك جاءت هذه السورة، وبعدها في المصحف الشريف في سورة الإخلاص: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} تفسير : [الإخلاص: 1-2]. وما دام الله أحداً فأمره نافذ حتى في الأمور الاختيارية في الحياة، فإذا قال الله: {لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ}. وإذا وعد بخير فإنه سيأتي لا محالة، وإذا أوعد بشرّ فسوف يقع حتماً. إذن: فلكي تستقيم موازين الحياة، كان لا بد أن يأتي الوعد والوعيد من الحق سبحانه وتعالى حتى نكون على يقين بأنه سيحدث؛ لأنه لا أحد يشارك الله في مُلْكه، ولا يوجد قوي إلا الله، ولا غالب إلا الله؛ لأنه هو الله أحد. وقد يأتي الحق سبحانه وتعالى بسنة كونية واقعة، فأنت حين تزرع الأرض وتُحسن حَرْثها، وريَّها ووضع البذور فيها يأتيك المحصول بخير عميم. وإذا أهملت الأرض وتركتها بلا حرث ولا زرع ولا بذور فهي لا تعطيك شيئاً. إذن: فالسُّنة الكونية هنا أعطت وعداً للذي يجدُّ في زراعة أرضه بالمحصول الوفير، وأعطتْ وعيداً للذي لا يُقبل على زراعة أرضه بأنه لا يحصل على ثمرة واحدة منها. ولو اختلف الأمر ووجدنا من زرع وحرث وسقي لم يحصل على الثمار، ومن لم يزرع ولم يفعل شيئاً أعطته الأرض من ثمارها الكثير، لانقلبت المعايير في الكون، وما وجدنا أحداً يزرع أرضه. إذن: فلكي تستقيم سنة الحياة، إما أن يكون الوعد والوعيد من قادر على التنفيذ لا يضعف ولا يتغير. وإما أن يكون بسنة كونية نراها أمامنا في كل يوم ولا يقع ما هو مخالف لها. فالذي يجتهد ينجح، والذي لا يذاكر يرسب. سُنة كونية. لو صدقت مع الواقع يعتدل ميزان الحياة. ولو لم تصدق مع الواقع وتدخلت الأهواء لتجعل من لا يذاكر ينجح ومن يذاكر يرسب؛ اختلف حركة الحياة المثمرة الناجحة. إذن: فميزان الوعد والوعيد هو دولاب حركة الحياة، فإن اختل هذا الميزان وجاء الوعد مكان الوعيد؛ أي كوفئ الذي لا يعمل وعوقب الذي يعمل فسد الكون. لماذا؟ لأن كل إنسان يحب النفع لنفسه، ولا يختلف في ذلك مؤمن أو عاصٍ أو كافر، ولكن العاصي والكافر يحبان نفسيهما حبّاً أحمق؛ فيحققان لها نفعاً قليلاً زمنه محدود؛ بعذاب مستمر زمنه بلا حدود. أما المؤمن فهو إنسان يمتاز بالذكاء وبُعْد النظر؛ لذلك فهو حرم نفسه من متعة عاجلة في زمن محدود، ليحقق لها متعة أكبر في زمن لا ينتهي. ولقد ضربنا مثلاً لذلك - ولله المثل الأعلى - فقلنا: هَبْ أن هناك أخوين: أحدهما يستيقظ من النوم مبكراً، فيصلي ويفطر ويأخذ كتبه ويذهب إلى المدرسة، ويحسن الإنصات للمدرسين ويعود إلى البيت ليذاكر دروسه. والآخر يظل نائماً يتمتع بالنوم، ويقوم عند الضحى، فيخرج ليتسكع في الشوارع، وحين تُحدِّثه نفسه بأي متعة فهو يحققها بصرف النظر عن منهج الله وقيم الحياة. إن كلا الأخوين يحب نفسه، لكن الأول أحب نفسه فأعطاها مشقة محتملة في سنوات الدراسة؛ لتعطيه راحة ومركزاً ومالاً بقية حياته، أما الأخ الثاني فقد أحب نفسه أيضاً وأعطاها المتعة العاجلة ولكنه أضاع مستقبله كله، فلم يَعُدْ يساوي شيئاً في المجتمع. إذن: فكل منا يحب نفسه، ولكن مقاييس الحب هي التي تختلف. فمنا مَنْ يأخذ المقياس السليم، فيتحمل مشقة قليلة ليأخذ نعيماً أبديّاً، ومنا من يعطي نفسه متعة عابرة ليفقد نعيماً مقيماً. والعجيب أنك تجد أن هذه هي سنة الحياة الدنيا، فلا تجد إنساناً ارتاح في حياته إلا إذا كان قد أجهد نفسه في سنواته الأولى؛ ليصل إلى الراحة بقية عمره، ولا تجد إنساناً فاشلاً عالة على المجتمع إلا إذا كان قد أخذ حظه من الحياة في أولها ليشقى بقية عمره. لذلك يقال دائماً: إنه لا يوجد من يأخذ حظه من الحياة مرتين أبداً، فالذي يتعب في أول حياته يرتاح بقية عمره، والذي يرتاح أول حياته يتعب بقية عمره. والمثل الشائع يقول: من جار على شبابه، أي: ضيَّعه فيما لا يفيد؛ جارت عليه شيخوخته. والقائمون على الأمر عليهم أن ينبهوا المقبلين على الحياة بالوعد والوعيد حتى يستقيم أمر حياتهم، وعليهم ألا يُؤجِّلوا الوعد إلى أن تنضج الثمرة. ولا الوعيد إلى أن يحدث الشر ويقع. وعلى كل ولي أمر؛ في أي مكان؛ أن يراقب حركة المقبلين على الحياة من أبنائه أو من يتولى أمرهم، فيشجع ويعد المجتهد، ولا ينتظر حتى ينجح، بل لا بد من الوعد لكي يتم الاجتهاد. ولا بد من الوعيد قبل أن يرسب الابن أو يضيع حياته، فلا ننتظر حتى يفسد الإنسان ثم بعد ذلك نتوعده؛ لأن الوعد والوعيد هما اللذان يَزِنَانِ حركة الحياة. ولكن إذا رأينا في مجتمع ما أن الذي يعمل لا يأخذ شيئاً، والذي لا يعمل يأخذ كل شيء، نعرف أن مقاييس العمل قد اختلت. وأن المتاعب قد بدأت في المجتمع؛ لأن الذي يعمل حين يجد أن العمل لا يوصله إلى شيء فهو يوجه حركة حياته إلى غير عمله، فيبذل جهده كله في النفاق والرياء، وقَلْب الحقائق وإرضاء الذي يملك الأمر. وتكون النتيجة هي فقدان المجتمع لقيمة العمل فيصبح المجتمع بلا عمل منتج، ويصير مجتمعاً بارعاً في النفاق والرياء وضياع الحق. وقد وضع الحق سبحانه وتعالى مقياس حركة الحياة في الوعد والوعيد؛ فلا تُعْطِ حافزاً إلا لمستحق، ولا مكافأة إلا لمجتهد؛ ولكنك إذا بعثرت الحوافز على المنافقين، والذين يحققون لك أهدافك الشخصية، كأن يخدموك في بيتك أو يقضوا لك مصالحك الخاصة، ومنعت الحوافز عن الذي يعمل في جد، تكون بذلك قد أفسدت حركة الوعد والوعيد؛ فتختل حركة الحياة في المجتمع؛ لأن حركة كل إنسان يتقن العمل ويجيده، هي حركة تنفع المجتمع كله، بصرف النظر عن صاحب الحركة نفسه، فإذا وُجد عامل نشيط أنجز مصالح عشرات الناس، أو موظف مخلص ارتاح كل من يتعاملون معه، فإن أضعْتَ أنت هؤلاء، فكأن المجتمع هو الذي خسر. لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف - ومعنى الكهف مغارة في جبل، والحقائق أيضاً لها كهوف - حين ضرب سبحانه وتعالى مثلاً عن ذي القرنين قال: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} تفسير : [الكهف: 83] فما هو الذكر الذي يعنيه الله سبحانه وتعالى هنا؟ بعض الناس يحاول أن يُدخلَ نفسه في متاهة بالسؤال عمَّنْ يكون ذو القرنين، هل هو قورش؟ أو الإسكندر الأكبر أو غيرهما؟ نقول: إن هذا لا يعنينا، بل ما يعنينا هو أن نلتفت إلى أن ذا القرنين هو إنسان مكَّنه الله في الأرض. وهذا ينطبق على كل إنسان مكَّنه الله في الأرض؛ في أي زمان، وفي أي مكان. ومهمة من يمكنه الله في الأرض ألا يكتفي بعطاء الله من الأسباب، بل عليه أن يُولد من الأسباب قوة؛ مصداقاً لقوله تعالى: {أية : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً} تفسير : [الكهف: 84-85]. مهمته - إذن - أن يثيب من يحسن عمله، ويعاقب من أساء عمله، وفي هذا يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} تفسير : [الكهف: 86-88]. وأول ما يجب أن يهتم به كل مُمكَّن في الأرض، بعد توليد الطاقة من الأسباب، هو معاقبة الظالم لتستقيم الأمور بالضرب على يده. وفي هذا إصلاح لحركة الحياة في الدنيا، أما في الآخرة فللظالم عذاب آخر، ذلك أن الذين يعيثون فساداً في الأرض لا يمكن أن نتركهم لعذاب الآخرة؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة. ولو تركناهم؛ ولم نضرب على أيديهم؛ لملأوا الأرض فساداً. والفساد في المجتمع لا يصيب المفسد فقط، ولكن يكتوي به المجتمع كله. إذن: فلا بد أن نُعجِّل لهم بالعقوبة في الدنيا، لنحمي المجتمع من الفساد، ثم يعذبهم الله في الآخرة، وهو سبحانه لم يؤمنوا به، ولم يحسبوا حساب لقائه يوم القيامة، وأما من آمن وأصلح في المجتمع وصلح المجتمع بإيمانه، فلا بد أن نجازيه خيراً ونشجعه. هذا هو قانون صلاح الكون، وتلك هي معاييره. وكما قلنا، يشترط فيمن يقوم بتنفيذ الوعد والوعيد القدرة الدائمة وعدم التغيير والوجود الدائم، فإذا كانت القدرة مطلوبة، فلا يوجد أقدر من الله، أما التغير فالله يُغير ولا يتغير، وأما البقاء فلا بقاء ولا دوام لغير الله؛ ولذلك نجد أن المؤمن الحق هو من يعلم أن وعد الله لا تمسُّه الأغيار، أما وعد البشر فهو عُرْضة للأغيار. لذلك يطلب منك الحق أن تقول: "إن شاء الله" حين تعد بشيء لتكون صادقاً. ويقول سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} تفسير : [الكهف: 23-24]. وليس معنى هذا أن نمتنع عن التخطيط ووضع خطط لعام قادم أو لخمس سنوات قادمة، ولكن قل: إن شاء الله سوف أفعل ذلك غداً، و: إن شاء الله سأفعل كذا في العام القادم؛ لأن الذي تَعِدُ به، قد يأتي وقت الوفاء ولا تجد عندك القدرة على أن تفعله. فإذا قلت - مثلاً - لإنسان: سنتقابل غداً في مسجد السيدة زينب رضي الله عنها ونتكلم في موضوع كذا. هل أملك أن أعيش لغد؟ أو يملك مَنْ وعدته أن يعيش لغد؟ أو أملك أن يظل سبب اللقاء موجوداً؟ يجوز أني كنت سأقابله لأقترض منه عشرة جنيهات، وجاءني مال في أثناء الليل، أو غيَّرت رأيي. إذن: فساعة تقول "سأفعل ذلك غداً"، قل: "إن شاء الله"؛ لأنك لا تملك شيئاً من أسباب الفعل. فكل فعل إنما يحتاج لفاعل وأنت لا تضمن بقاءك كفاعل. ويحتاج كل فعل إلى مفعول يقع عليه، وأنت لا تضمن بقاء المفعول، وكل فعل يحتاج إلى قوة ليتم، وأنت لا تضمن بقاء قوتك؛ فيجوز أن تمرض ولا تقدر على الحركة. كذلك يحتاج كل فعل إلى سبب كي تفعله، وقد يتغير السبب. إذن: فأنت لا تضمن شيئاً من أسباب الفعل؛ لذلك لا تقل سأفعل ذلك غداً؛ لأن الذي يملك أن يبقيك لغد، أو يُبقي السبب أو يُبقي القدرة هو الله، إذن: فكل شيء نقوله لا بد أن نقول: "إن شاء الله"؛ لأنه سبحانه وتعالى وحده الذي يملك عناصر الفعل. ولكن إذا كان الذي وعد هو الحق سبحانه وتعالى، فوعده محقق التنفيذ؛ لأنه باق لا يموت، قادر دائماً لا تضعف قدرته، فعَّال لما يريد. وبعد أن تكلم الحق جل جلاله عن المؤمنين والمؤمنات بأنهم أولياء بعض، وأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، وقد وعد سبحانه بأنه سيرحمهم. فكيف ستكون هذه الرحمة؟ لذلك يقول سبحانه وتعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} إذن: فالحق سبحانه وتعالى وعد المؤمنين والمؤمنات بالجنة، والجنة تطلق على البستان والأماكن الجميلة تملؤها الزهور والأشجار، وهذه عامة للمؤمنين يتمتعون بها جميعاً، ثم يأتي قوله تعالى: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} وهذه المساكن زيادة على هذه الجنة، وهنا وعد من الله لكل مؤمن بجنة خاصة بمفرده يكون له فيها مسكن طيب. إذن: فعندنا جنات، وهي لجميع المؤمنين، ثم مساكن طيبة، أي مسكن طيب لكل مؤمن، وما هو الطيب في هذه المساكن؟ لنا أن نلاحظ أن الإنسان يحب الشيوع أولاً، ثم يحب الانكماش ثانياً، وإذا أراد أن يملك فهو يريد أن يملك مكاناً متسعاً خاصاً به، ثم يخصص في هذا المكان مأوى طيباً خاصّاً به. وقول الحق سبحانه وتعالى: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} أي: ليس فيها ما يسيء أو يضايق، بل كل ما فيها يملأ النفس بالسرور والبهجة. وكلمة "جنة" هي المكان الذي فيه زروع وخضرة، وهذه الزروع تسترك وتخفيك عن الأعين، أو أنها تسترك فلا تحتاج إلى أن تخرج منها؛ لأن فيها كل مقومات حياتك من طعام وشراب. والحق سبحانه وتعالى أطلق لفظ "الجنة" على بساتين الأرض، فقال: {أية : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ...} تفسير : [البقرة: 266]. ويقول تعالى أيضاً: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ...} تفسير : [القلم: 17]. وعندما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا صورة الجنة في الآخرة؛ كيف بيَّنها لنا سبحانه مع أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟ نقول: الوجود المعروف في الكون هو الوجود الذي تراه أو تسمعه، وفي هذه الحالة يكون الوجود أوسع؛ لأنك ستسمع الذي رآه غيرك حين يقصه عليك. إذن: فالسماع أوسع من الرؤية لأنه يأخذ مجالك ومجال غيرك. فأنت إذا قلت: إنك ذهبت إلى نيويورك مثلاً تكون قد رأيت، فإذا لم تذهب ونقل إليك أحد أصحابك صورة هذه المدينة، تكون دائرة معلوماتك أوسع؛ لأنك أضفت إلى علمك ما رأيته وما رآه غيرك. وأما الأشياء التي لا تخطر على بال بشر، فهي أوسع كثيراً مما ترى وتسمع؛ لأنها أشياء فوق الحصر. والكلمات توضع لمعانٍ معلومة، فألفاظ اللغة لا بد أن توضع لمعانٍ مرت على العين، أو مرت على السمع، أو مرت على الخاطر. فقبل أنّ يخترع التليفزيون لم يكن له اسم، إذن: فلا يمكن أن يكون هناك اسم، إلا إذا كان هناك وجود أولاً، ولكن قبل الوجود لا يكون هناك في اللغة ما يعبر عن شيء غير موجود. ولكن الألفاظ تضاف إلى اللغة بعد وجود الشيء. وهذه مهمة المجامع اللغوية في العالم. فالأشياء توجد أولاً، ثم تجتمع هذه المجامع لتختار لها أسماء. ولكن الجنة في الآخرة سيكون فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، فليس عندنا ألفاظ تعبر عما في جنة الآخرة، فإذا أضفنا إلى ذلك "ولا خطر على قلب بشر" تكون اللغة عاجزة تماماً عن أن تعبر عما في جنة الآخرة. وسبحانه وتعالى حين يريد أن يعطينا صورة عن الجنة التي وعد بها المتقين فهو يوضح: أنتم لا تستطيعون أن تأخذوا هذه الصورة من لغتكم؛ لأن لغتكم قاصرة فأنتم لم تروا هذه الأشياء، ولم تسمعوا عنها ولا تستطيع عقولكم أن تستوعب ما في جنة الآخرة؛ لأن فيها ما لم يخطر على قلب بشر. ولذلك فهو سبحانه وتعالى يعطينا فقط مثلاً ليقرب لنا الصورة فلا يقول الجنة، وإنما يقول: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ...} تفسير : [محمد: 15]. أي: أن هذا مثل فقط يقرب الصورة، ولكنه ليس حقيقة ما هو موجود في الجنة. وهنا يقول سبحانه: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} و {جَنَّاتٍ} جمع "جنة". ومادة الجيم والنون هذه مأخوذة من الستر والتغطية. اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} تفسير : [الأنعام: 76]. يعني: ستر وأظلم، والجنون ستر العقل. والجنة تستر من فيها؛ لأن أشجارها كبرت ونمت وترعرعت. بحيث يكون من يسير فيها مستوراً بأغصان الشجر وأوراقه؛ فلا يراه أحد. ويكون مستوراً في كل مطلوبات حياته. فلا يحتاج أن يخرج منها؛ لأن فيها كل مطلوبات الحياة من الماء والطعام والمكان يجلس أو يتريض فيه، وغيرها من النعم التي أنعم الله بها عليه. فإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد وعد المؤمنين والمؤمنات جنات، فإن المؤمنين جماعة، والمؤمنات جماعة، والموعود به جنات جمع، وتقابل الجمع بالجمع يقتضي القسمة لآحاد، فيكون المعنى: أن الله وعد كل مؤمن جنة، ووعد كل مؤمنة جنة، والأفراد ستتكرر. إذن: فالموعود به جنات لا بد أن تتكرر، فإذا قسمناها عرفنا نصيب كل مؤمن ومؤمنة، تماماً مثلما يقول الأستاذ لتلاميذه، أخرجوا كتبكم. و "أخرجوا" أمر لجماعة، وكتبكم جمع، أي: أن يخرج كل تلميذ كتابه. وقول المعلم "أمسكوا أقلامكم" يعني: أن يمسك كل تلميذ قلمه. إذن: فقول الحق سبحانه {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ} أي: أن لكل واحد جنة. ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول في سورة الرحمن: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 46]. وهنا لا بد أن ننتبه لمعطيات الألفاظ في سياقها ومقامها؛ فسورة الرحمن لا تتكلم عن الإنس فقط، وإنما تتكلم عن الإنس والجن. فسبحانه وتعالى يقول: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ * وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} تفسير : [الرحمن: 14-15]. وكذلك قوله جل جلاله: {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ} تفسير : [الرحمن: 31]. إذن: فيكون للإنس جنة وللجن جنة؛ لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 46]. من خاف مقام ربه من الإنس له جنة، ومن خاف مقام ربه من الجن له جنة. ويمكن أن يكون المعنى أن لكل واحد جنتين؛ لأن الحق سبحانه وتعالى علم أزلاً ما سيصير إليه أمر عباده من التقوى أو الفجور، ولكنه تبارك وتعالى لم يخلق للمتقين جنات تكفيهم وحدهم، أو يخلق للكفار ناراً تكفيهم وحدهم، بل خلق لكل واحد من خلقه إلى أن تقوم الساعة جنة، ولكل واحد من خلقه إلى أن تقوم الساعة ناراً، فإذا دخل أهل الجنة الجنة؛ بقيت الجنات التي خلقت ولم يدخلها أحد؛ لأن أصحابها من أهل النار، فيقوم الحق بتوزيعها على المؤمنين أصحاب الجنة؛ مصداقاً لقوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الزخرف: 72]. أي: أنها لم تكن مخلوقة لكم، ولكنكم ورثتموها؛ لأن أصحابها من أهل النار. ونزيد الأمر هنا توضيحاً، فالقرآن الكريم له أسلوب مميز؛ لأن الذي يتكلم هو الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن كل لفظ من ألفاظ القرآن الكريم يأتي مطابقاً للمعنى تماماً. وفي اللغة، قبل أن تتكلم لا بد أن تكون عالماً بمعنى اللفظ. وأن يكون محدثك أيضاً عارفاً معناه حتى يستطيع أن يفهمك. فإذا قلت لإنسان مثلاً: أحضر لي كوباً من الماء لأشرب، فلا بد أن يكون عارفاً لمعنى الماء ومعنى الكوب، وإلا فإنه لن يفهم. إذن: فبالتخاطب توجد المعاني أولاً ثم توجد لها الألفاظ؛ ولذلك قبل أن يتم اختراع التليفزيون لم يكن المعنى موجوداً، وعندما اخترع وفهمنا معناه وضع له الاسم. فإذا وجدت لفظاً في اللغة، فاعلم أن المعنى قد وجد أولاً قبل أن يوضع اللفظ أو الاسم، ولعل هذا هو أكبر دليل لغوي ضد من ينكرون وجود الواجد الأعلى. نقول لهم: إن الله موجود في كل لغة؛ وبما أن المعنى في اللغة يوجد أولاً. فوجود الله سبحانه وتعالى سابق لمعرفتنا باسمه سبحانه وتعالى؛ لأن الاسم لا يمكن أن يوجد إلا بعد أن يوجد المعنى، وما دمت قد نطقت بالاسم، فهذا دليل على أن الله موجود. إذن: فقولك: إن الله غير موجود باطل؛ لأنك ما دمت قلت: "الله"، ووجد لفظ الجلالة في لغتك؛ فلا بد أن الله سبحانه وتعالى موجود قبل وجود لفظ الجلالة. والكفر طرأ على اللفظ، فحاول أن يستره؛ ولذلك سمى الكفر ستراً لوجود الله. والستر لا يكون إلا لموجود. إذن: فالذي كفر، ستر موجوداً؛ فأعطى دليل الإيمان؛ لأنك أيها الكافر - والعياذ بالله - تعرف لفظ الله في لغتك، ولو لم يكن الله موجوداً ما وُجد لفظ "الله" سبحانه وتعالى في اللغة. إذن: فوجود الله سابق لمعرفتنا اسم الله، ومحاولة ستر ذلك بالكفر إنما هي دليل على وجود الله، لأنك لا تستر إلا ما هو موجود. ولفظ الجنة في القرآن الكريم أطلق على معان كثيرة، في قوله تعالى: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} تفسير : [القلم: 17]. وقوله جل جلاله: {أية : جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ ...} تفسير : [الكهف: 32]. إذن: فالجنة أطلقت في القرآن على المكان الذي فيه زروع وثمار وأشجار، فهو يحجب من دخله، أو يمنع الإنسان بالخير الذي في داخله من الحاجة للخروج إلى مكان آخر؛ لأن فيه كل مقومات الحياة. وحين يريد الحق سبحانه وتعالى أن يبشرنا بشيء في الآخرة، لا بد أن يشبهه لنا بشيء نفهم معناه في الدنيا؛ لأن اللغة مكونة من ألفاظ وأسماء سبقتها مَعَانٍ حتى نستطيع أن نفهمها، ولذلك إياك أن تفهم أن جنة الدنيا هي جنة الآخرة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يستخدم اللفظ الذي تفهم أنت معناه. ولكن جنة الآخرة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولكن من أين نأتي بالألفاظ التي يمكن أن تعبر لنا عن ذلك؟ إن اللفظ لا يوجد إلا إذا كان المعنى موجوداً أولاً، ومن يستطيع أن يأتي بلفظ لم تره عين، ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر؟ مستحيل؛ لأن المعنى غير موجود. ولذلك ينبهنا الحق سبحانه إلى هذه النقطة، ويوضح لنا أنه يعطينا معنى تقريبيّاً حتى نستطيع أن نفهمه؛ فيقول سبحانه وتعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ...} تفسير : [محمد: 15]. أي: أنها ليست هي، ولكنه مثل فقط؛ يقرب المعنى إلى ذهنك. خذ صورة من المجتمع الذي تعيش فيه، أنت تحتاج إلى مسكن لتسكن وتستريح فيه من عناء الحياة. وهناك من عنده مسكن من حجرة واحدة، فإذا ترقى يكون المسكن من حجرة وصالة أو حجرتين وصالة، ثم بعد ذلك يزداد الرقي، فيبحث عن شقة واسعة، فإذا ارتقى كان له مسكن خاص (فيلا)، فإذا ارتقى جعل حول مسكنه حديقة، وهكذا يزداد الرقي. إذن: فالمسألة لم تَعُدْ مكاناً تأوي إليه فقط، بل ترتقي في الإيواء كلما ارتقيت في الحياة. فتتحقق لك المتعة في الإيواء، وهذا موضوع آخر. ولهذا يقول الحق سبحانه: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} أي: هناك جنات وهناك مساكن؛ لأن الإنسان يحب في بعض الأوقات أن يجلس بمفرده وحوله المتعة التي تخصه، وفي أحيان أخرى يحب أن يجلس مع الناس في مكان جميل؛ مثلما يحدث في الأعياد والمناسبات، عندما نخرج إلى الحدائق والبساتين، ونجلس معاً، فكأن الجنات هي للرفاهية الزائدة؛ عندما تحب أن تجتمع مع الناس؛ أتمتع بها أنا وأنت وغيرنا. أما المساكن فهي للخصوصية. فيكون لكل واحد مكان خاص يجلس فيه ويتمتع بما حوله. إذن: فالجنات صورة من البساتين، ولكنها ليست مصنوعة بالأسباب، بل هي من صناعة المسبب جل وعلا. ونحن حينما نذهب إلى بيت إنسان ثري، قد نجد أن للبيت حديقة؛ يشرف عليها بستاني متمكن من عمله؛ ويقوم بتنسيق الزهور والأشجار بشكل يناسب ثراء المالك. ويكون إعجابنا في هذه الحالة بالحديقة إعجاباً كبيراً، بحيث نجلس فيها، ونكره أن نغادرها، فإذا كان هذا هو ما يحدث بقدرات البشر، فكيف بهذه الحقائق التي صُنعت بقدرة الله سبحانه وتعالى؟ وكيف يكون جمالها وحلاوتها والمتعة فيها؟ إن الذي وعدنا بهذه الجنات هو الحق سبحانه وتعالى. وهو قادر على أن ينفذ ما وعدنا به، من جنات فيها من الكماليات والرفاهية مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وجعل هذه الجنات واسعة شاسعة، فيها زروع وأزهار وأشكال؛ تسرُّ العين بجمالها، وتمتع اللمس بنعومتها؛ وتملأ الأنوف برائحتها الزكية. ومن ميزات جمالها أن الأنهار تجري من خلالها، ولكنها لا تجري من فوقها بل تجري من تحتها، ومنابعها من مكان آخر، أو تحتها، ومنابعها ذاتية، أي ينبع من نفس المكان. وكأن كل نهر ينبع من تحت جنة خاصة به. وإذا أردت أن تعرف جمال هذه الأنهار؛ فهو جمال قد صنعه الحق سبحانه وتعالى. وإذا كنا في حياتنا نرى أن لكل نهر شاطئين، فإن أنهار الجنة تجري من غير شواطئ؛ وإنما يمسكها الذي أمسك السماء أن تقع على الأرض، ثم تجد الأنهار قد تشترك في المجرى؛ نهر اللبن، ونهر العسل، ونهر الماء، ونهر الخمر، وكلها تجري في مجرى واحد ولكنها لا تختلط ببعضها البعض، فكل منها منفصل؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو الصانع وتبارك من صنع. ويعطينا سبحانه وتعالى بعد كل ذلك، ميزة الخلود في هذه الجنات فيقول: {خَالِدِينَ فِيهَا} ونحن نعلم أن المتعة في الدنيا قد توجد للإنسان، ولكنها لا توجد خالدة أبداً؛ فقد تزول عنك النعمة وتذهب المتعة؛ كأن تصاب بكارثة مالية مثلاً أو تخسر خسارة كبيرة في تجارتك أو غير ذلك، وقد تزول أنت عن النعمة بالموت. ولكنك في جنات الآخرة تستمتع بقدر ما فيها من كمال وجمال، ويزيدك الله فيها بأن يعطيك الخلود، فلا تفارق النعمة ولا تفارقك؛ لأنه ليس هناك أغيار، وليس هناك موت. وكل إنسان في الدنيا يتمتع على قدر قدراته، وتصورات الخلق لأنواع النعيم تختلف باختلاف بيئاتها ومقاماتها، فقد تكون من الفلاحين؛ وكل متعتك أن تجلس على مصطبة أمام بيتك، وقد يكون عند إنسان آخر بيت فيه صالون كبير، والثالث له بيت فيه عدة صالونات، فكل واحد على قدر إمكاناته في الدنيا، ولكننا في الآخرة نتمتع كلنا على قدر قدرات الحق سبحانه وتعالى، ويكون متاعنا بقدرة لا تفوقها قدرة، ويكون الجزاء بقدر ما فعلْتَ من خير في الدنيا، واتبعت منهج الله. إذن: فأنت الذي تحدد المساحة التي لك في الجنة، وتحدد المسكن وأنواع النعيم بقدر عملك. ثم ما الذي يهددك في نعيم الدنيا؟ الذي يهدد الناس في الدنيا أحد شيئين: إما أن تزول عنهم النعمة فيفتقروا، وإما أن يزولوا هم عن النعمة بالموت. ولكن نعمة الآخرة ليس فيها هذا التهديد. إنها النعمة الخالدة وأهل الجنة فيها خالدون. لذلك يقال: يا أهل الجنة، خلود بلا موت ونعيم بلا بؤس. ولقد زاد الحق تبارك وتعالى في وصف الخلود فقال: {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} والخلود بقاء طويل جداً، والأبدية لا تنتهي. وسبحانه حين تكلم عن الخلود استثنى فيه، فقال سبحانه وتعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ...} تفسير : [هود: 108]. أيُّ سماء وأيُّ أرض تلك التي تحدَّث عنها الحق سبحانه وتعالى؟ هل هي السماء التي نراها؟ إننا نعلم أن الأرض التي نعيش عليها ستبدل وأن السماوات ستمور. ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يتحدث عن السماوات والأرض بالنسبة للآخرة. فهو يتحدث عن السماوات والأرض المبدلتين؛ مصداقاً لقوله تبارك وتعالى: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} تفسير : [إبراهيم: 48]. إذن: فما دامت السماوات والأرض ستتبدل، فالله سبحانه وتعالى يحدثنا عن السماوات والأرض في الآخرة؛ غير حديثه عن السماوات والأرض في الدنيا. ولكن بعض السطحيين يقول: إن القرآن يتحدث عن بقاء المؤمنين في الجنة ما دامت السماوات والأرض؛ ثم يقول: {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ * وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ} تفسير : [التكوير: 1-3]. فكأن هذه الأرض التي نعيش فيها، والسماء التي تظلنا ستُدمَّر يوم القيامة، فلماذا يقول الحق: {أية : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ ...} تفسير : [هود: 108]. فأين هو الخلود إذن؟ نقول لهؤلاء: اقرأوا القرآن كله لتعرفوا أن الحق سبحانه وتعالى قال: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَاتُ ...} تفسير : [إبراهيم: 48]. إذن: فهذه الأرض هي أرض معاش وما فوقها من سماء هي سماء معاش؛ ستتبدل بأرض مَعَاد؛ لأن الأرض التي نعيش عليها فيها مقومات الحياة بالأسباب، تزرع وتحصد وتصنع، أما في الآخرة فحياتك كلها بدون أسباب منك؛ ولذلك ساعة يخطر الشيء على بالك تجده أمامك دون أن تتحرك أو تحرث أو تزرع أو تتحمل أي مشقة. أما هنا في هذه الدنيا، الأرض أرض المعاش تنعم فيها وتأخذ منها بقدر إمكاناتك، ولكن أرض المعاد تأخذ منها بإمكانات الحق سبحانه وتعالى. ومهما ارتقت الدنيا وارتقت أسبابها، لا يمكن أن تصل إلى أنك يخطر على بالك الشيء فتجده أمامك. وسبحانه يقول: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} فكأنه استثنى بعض الناس من الخلود. {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ...} تفسير : [هود: 106-107]. أي: أن الجنة والنار لهما خطان، وبمجرد أن يحاسب الإنسان، إما إلى الجنة وإما إلى النار، فإن كان الذي يحاسب من الكفار أو المنافقين، يكون بدء خلوده من أول لحظة دخل فيها النار ويبقى فيها خالداً. وأما إن كان الذي يُحاسب مؤمناً عاصياً، فهو يدخل النار على قدر ما عمل من السيئات، ثم بعد ذلك يدخل الجنة. إذن: فالذي دخل النار أولاً حالتان: حالة أبدية وهم المنافقون والكفار، وحالة مؤقتة وهم عصاة المؤمنين، والخلود في النار بالنسبة لعصاة المؤمنين ناقص من الآخر، أما الذين عملوا الصالحات فهم يدخلون الجنة ابتداء وخلوداً، أما عصاة المؤمنين فلا يدخلون الجنة إلا بعد أن ينالوا جزاءهم من العقاب. وبذلك يكون خلود عصاة المؤمنين في الجنة ناقصاً من البداية؛ لأنهم لم يدخلوها بعد الحساب مباشرة، وخلودهم في النار ناقص من الآخر؛ لأنهم لم يخلدوا فيها: ويقول سبحانه: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي: أن مساكن المؤمنين في الجنة ستكون أيضاً جنات خاصة بها، وكلمة {عَدْنٍ}؛ مادتها العين والدال والنون معناها الإقامة. و "عَدَنَ في المكان"، أي أقام فيه. إذن: فهي جنات إقامة؛ لأن هناك فارقاً بين أن تسكن في فندق مثلاً، أو في مكان مؤقت، وبين أن تقيم خالداً. وحين يعطي الحق سبحانه للمؤمن بُشْرى بأشياء، فهو يريد دائماً ألا ننسى أنها منسوبة إلى قدرته سبحانه، والشيء يتناسب مع قدرة صاحبه أو فاعله. فالرجل الفقير حين يبني مسكناً يكون المسكن متواضعاً؛ مجرد حوائط تستر الإنسان، أما صاحب الإمكانات الضخمة فيبني قصراً كبيراً، فإن كان واجد الوجود الأعلى هو الذي صنع، فكل شيء إنما يتم على مقتضى قدرته وإمكاناته؛ فهو الذي يمسك الأمور كلها، ويأتي تنفيذه لأي شيء وفق ما يريد. إذن: فالخلود في جنات عدن خلود دائم، وهي جنات يعلو فيها التنعيم لدرجة من علوها لا يحب الإنسان أن يتركها أبداً؛ لأنها أعلى مراتب الجنة ولا يوجد أحسن منها. والإنسان حينما يكون بمكان فإنه لا ينتقل منه إلا إذا زهد ما فيه، فلو كان ما في جنات عدن مما يُزْهَدُ فيه بعد فترة ما وصفها الله بهذا الوصف. ولكي يصل الإنسان إلى النعيم لا بد من موجد لهذا النعيم وهو الله سبحانه وتعالى، وما يتمتع الإنسان به وهو الجنة، والمنْعَمُ عليهم بالنعمة، وهم المؤمنون والمؤمنات. ومن أطاع الله طمعاً في الحصول على نعيم الله في الآخرة، يأخذ هذا النعيم. والذي أطاع الله لذات الله، ولأنه سبحانه وتعالى يستحق أن يعبد لذاته ويطاع، يكون في الآخرة مع التعظيم والتكريم والمحبة واللقاء بالمُنْعِم. إذن: فكل إنسان لما عمل له، فإذا زادت عبادتك عما فرض الله عليك، وأحببت أن تكون دائماً في لقاء مع الله، بأن تقوم الليل وتتهجد، وتقرأ القرآن وتصلي والناس نيام، وتتقن العمل الذي ترتقي به حياتك وحياة غيرك، وتفعل ذلك محبة في الله الذي يستحق التعظيم، فأنت تستحق المنزلة الأعلى، وهي أن تكون في معيَّة الله. ويقول سبحانه: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22-23]. والحق سبحانه وتعالى يتجلى على أهل الجنة فترات، ويتجلى على أهل محبوبية ذاته دائماً، وعندما يتجلى الحق سبحانه على أهل الجنة ويقول: "حديث : يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا مالم تعط أحداً من خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً ". تفسير : ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى بعد أن تحدث عن المتعة والنعيم والجنات التي تجري من تحتها الأنهار، والمساكن الطيبة التي في جنات عدن. أوضح سبحانه أن هناك شيئاً أكبر من هذا كله، وهو رضوان الله في قوله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} فالذي عمل للجنة يعطيه الله الجنة، والذي عمل لذات الله يعيش في معية الله سبحانه. ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} فما هو المقصود بالفوز العظيم؟ لقد تقدمت أشياء كثيرة؛ تقدمت جنات تجري من تحتها الأنهار، وجنات عدن، ومساكن طيبة، ورضوان الله، فأيها هو الفوز العظيم؟ نقول: كلها فوز عظيم، فالذي فاز بالنعيم الأول في الجنة أخذ فوزاً عظيماً، والذي فاز بالمساكن الطيبة في جنات عدن أخذ فوزاً عظيماً، والذي أخذ رضوان الله يكون قد أخذ الفوز الكبير والعظيم. ونلحظ أن القرآن حين يعرض منهج الله، فهو لا يتحدث عن الجزاء في باب منفصل، والمنهج في باب منفصل، بل يجمع بين المنهج والجزاء وبين الوعد والوعيد؛ لأنه ساعة يصف لي الجنة وما فيها من نعيم، لابد أن ينبهني إلى المنهج الذي يوصلني إليها. وحين يعطيني صورة من المنزلة العالية التي تنتظر المؤمن في الآخرة، لا بد أن ينبهني - أيضاً - إلى العذاب الذي ينتظر المنافق والكافر؛ حتى أتجنب الطريق الذي يؤدي بي إلى النار والعياذ بالله. ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى بعد أن حدثنا عن جنته ورضوانه يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} معناه خُلدٌ وإِقَامةٌ.

الجيلاني

تفسير : {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ} منتزهات من العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي: أنهار المعارف والمكاشفات المتجددة حسب تجددات التجليات الإلهية {خَالِدِينَ فِيهَا} أبداً لا يتحولون عنها أصلاً {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} أي: مقراً في مقام التوحيد، خالياً عن وصمة الكثرة، طاهراً عن لوث السّوى والأغيار مطلقاً {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ} بالجملة: {رِضْوَانٌ} وقبول {مِّنَ ٱللَّهِ} المستوي على العدل القويم، بحيث لا يسخط لهم أصلاً؛ لتحققهم بمقام التخلق بأخلاقه سبحانه، بحيث لا يبقى لهم شائبة انحراف عن صراطه المستقيم الذي هو صراط الله الأقوم الأعدل {أَكْبَرُ} من جميع ما ذكر من قبل من المدرجات العليَّة {ذٰلِكَ} الرضا من الله، والقبول من جانبه {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [التوبة: 72] واللطف الجسيم لأرباب الولاء، الواصلين إلى مرتبة الفناء فيه سبحانه والبقاء ببقائه، لذلك وعدوا من عنده بما لا يمكن التعبير عن كنهه إلا كوشف به وشوهد. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} الهادي لعباد الله إلى تلك المرتبة بإذن الله {جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ} المتمردين على الإطاعة الانقياد لإرشادك وتكميلك {وَٱلْمُنَافِقِينَ} الذين يحليون ويخدعون معك في إظهار الإيمان، وهم في سرهم وباطنهم على شركهم وكفرهم الأصلي متقررون ثابتون {وَ} بعدما أصروا على نفاقهم وشقاقهم {ٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} حسب إصرارهم وإعراضهم {وَ} لا تبال بهم؛ {مَأْوَاهُمْ} ومنقلبهم {جَهَنَّمُ} العبد والخذلان في الدنيا والآخرة {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [التوبة: 73] مصير أولئك المحرومين المطرودين عن ساحة عز القبول. ومن جملة نفاقهم وكفرهم: إنهم {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ} كذباً وميناً، إنهم {مَا قَالُواْ} من الطعن في كتاب الله وتكذيب رسوله صلى الله عليه وسلم {وَ} الحال أنهم {لَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ} أي: كلمة الطعن والتكذيب المستلزم للكفر، فحلفوا على عدم القول كذباً {وَ} هم في أنفسهم {كَفَرُواْ} بالحق وأعرضوا عنه {بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} أي: انقيادهم وتسليمهم؛ أي: اختاروا الكفر بعدما أظهروا الإسلام {وَ} لا يقتصرون على إظهار الكفر فقط، بل {هَمُّواْ} وقصدوا {بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} من قتبل الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتحام عليه بغتة في الليل بلا علم من أصحابه، او هموا بإخراجه ومن معه من أصحابه من المدينة {وَمَا نَقَمُوۤاْ} وقصدوا إهلاك رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخراجه {إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ} أي: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتح أبواب الرزق والمكاسب {وَرَسُولُهُ} بإعطاء الغنائم {مِن فَضْلِهِ} ففي مقام الشكر وإظهار المنة ينكرون له، ويكفرون نعمه وبعدما وقع ما وقع. {فَإِن يَتُوبُواْ} عمَّا صدر عنهم توبة صادرة عن محض الندامة والإخلاص {يَكُ خَيْراً لَّهُمْ} عند الله، يغفر لهم ويعفوا عن زلتهم {وَإِن يَتَوَلَّوْا} ويعرضوا عن التوبة، ويصروا على ما هم عليه من الكفر والنفاق {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ} المنتقم منهم {عَذَاباً أَلِيماً} مؤلماً فجيعاً {فِي ٱلدُّنْيَا وَ} بالقتل والسبي والإجلاء والإذلال، وأنواع العقوبات في {ٱلآخِرَةِ} بأضعاف ما في الدنيا والآفها؛ لانحطاطهم عن المرتبة الإنسانية، وقبول التكاليفات الإلهية المقتضية لإظهار الحكمة والكرامة المودعة في هياكلهم {وَ} إن استظهروا واستنصروا من أوليائهم {مَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} بعد انتشار دين الإسلام في أقطارها {مِن وَلِيٍّ} يعينهم ويولي أمورهم {وَلاَ نَصِيرٍ} [التوبة: 74] ينصرهم من باس الله وعذابه.