Verse. 1308 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

يٰۗاَيُّھَا النَّبِيُّ جَاہِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنٰفِقِيْنَ وَاغْلُظْ عَلَيْہِمْ۝۰ۭ وَمَاْوٰىہُمْ جَہَنَّمُ۝۰ۭ وَبِئْسَ الْمَصِيْرُ۝۷۳
Ya ayyuha alnnabiyyu jahidi alkuffara waalmunafiqeena waoghluth AAalayhim wamawahum jahannamu wabisa almaseeru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها النبيُّ جاهد الكفَّار» بالسيف «والمنافقين» باللسان والحجة «وأغلظ عليهم» بالانتهار والمقت «ومأواهم جهنم وبئس المصير» المرجع هي.

73

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنا ذكرنا أنه تعالى لما وصف المنافقين بالصفات الخبيثة وتوعدهم بأنواع العقاب، وكانت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم جارية بذكر الوعد مع الوعيد، لا جرم ذكر عقيبه وصف المؤمنين بالصفات الشريفة الطاهرة الطيبة، ووعدهم بالثواب الرفيع والدرجات العالية، ثم عاد مرة أخرى إلى شرح أحوال الكفار والمنافقين في هذه الآية فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } وفي الآية سؤال، وهو أن الآية تدل على وجوب مجاهدة المنافقين وذلك غير جائز، فإن المنافق هو الذي يستر كفره وينكره بلسانه ومتى كان الأمر كذلك لم يجز محاربته ومجاهدته. واعلم أن الناس ذكروا أقوالاً بسبب هذا الإشكال. فالقول الأول: أنه الجهاد مع الكفار وتغليظ القول مع المنافقين وهو قول الضحاك. وهذا بعيد لأن ظاهر قوله: {جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } يقتضي الأمر بجهادهما معاً، وكذا ظاهر قوله: {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } راجع إلى الفريقين. القول الثاني: أنه تعالى لما بين للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بالظاهر، قال عليه السلام: « حديث : نحن نحكم بالظاهر » تفسير : والقوم كانوا يظهرون الإسلام وينكرون الكفر، فكانت المحاربة معهم غير جائزة». والقول الثالث: وهو الصحيح أن الجهاد عبارة عن بذل الجهد، وليس في اللفظ ما يدل على أن ذلك الجهاد بالسيف أو باللسان أو بطريق آخر فنقول: إن الآية تدل على وجوب الجهاد مع الفريقين، فأما كيفية تلك المجاهد فلفظ الآية لا يدل عليها، بل إنما يعرف من دليل آخر. وإذا ثبت هذا فنقول: دلت الدلائل المنفصلة على أن المجاهدة مع الكفار يجب أن تكون بالسيف، ومع المنافقين بإظهار الحجة تارة، وبترك الرفق ثانياً، وبالانتهار ثالثاً. قال عبد الله في قوله: {جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } قال تارة باليد، وتارة باللسان، فمن لم يستطع فليكشر في وجهه، فمن لم يستطع فبالقلب، وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها. قال القاضي: وهذا ليس بشيء، لأن إقامة الحد واجبة على من ليس بمنافق، فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق، ثم قال: وإنما قال الحسن ذلك، لأحد أمرين، إما لأن كل فاسق منافق، وإما لأجل أن الغالب ممن يقام عليه الحد في زمن الرسول عليه السلام كانوا منافقين.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وتدخل فيه أُمّته من بعده. قيل: المراد جاهد بالمؤمنين الكفارَ. وقال ابن عباس: أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف، ومع المنافقين باللسان وشدّة الزجر والتغليظ. ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: جاهد المنافقين بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فاكْفَهِرّ في وجوههم. وقال الحسن: جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم وباللسان ـ وٱختاره قتادة ـ وكانوا أكثر من يصيب الحدود. ٱبن العربيّ: «أما إقامة الحجة باللسان فكانت دائمة، وأما بالحدود لأن أكثر إصابة الحدود كانت عندهم فدعوى لا برهان عليها، وليس العاصي بمنافق، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامِناً، لا بما تتلبس به الجوارح ظاهراً، وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين. الثانية ـ قوله تعالى: {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} الغِلظ: نقيض الرأفة، وهي شدّة القلب على إحلال الأمر بصاحبه. وليس ذلك في اللسان؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا زنت أَمَة أحدكم فلْيجلدها الحدّ ولا يُثَرِّب عليها»تفسير : . ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}تفسير : [آل عمران: 159]. ومنه قول النِّسوة لعمر: أنت أفظّ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى الغِلظ خشونة الجانب. فهي ضدّ قولِه تعالى: «واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين». {أية : وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ}تفسير : [الإسراء: 24]. وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح.

البيضاوي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ} بالسيف. {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } بإلزام الحجة وإقامة الحدود. {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } في ذلك ولا تحابهم. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } مصيرهم.

ابن كثير

تفسير : أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة، وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف: سيف للمشركين؛ {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 5] وسيف لكفار أهل الكتاب {أية : قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ} تفسير : [التوبة: 29] وسيف للمنافقين {جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ} وسيف للبغاة؛ {أية : فَقَـٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحجرات: 9] وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن مسعود في قوله تعالى: {جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ} قال: بيده، فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه. وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان، وأذهب الرفق عنهم، وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف، واغلظ على المنافقين بالكلام، وهو مجاهدتهم، وعن مقاتل والربيع مثله، وقال الحسن وقتادة: مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم، وقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال؛ لأنه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا، بحسب الأحوال، والله أعلم. وقوله: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ} قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي، وذلك أنه اقتتل رجلان: جهني وأنصاري، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال عبد الله للأنصار: ألا تنصروا أخاكم؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه، فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله فيه هذه الآية، وروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: فحدثني عبد الله بن الفضل: أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: حزنت على من أصيب بالحرة من قومي، فكتب إلي زيد بن أرقم - وبلغه شدة حزني - يذكر أنه سمع رسول الله يقول: «حديث : اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار» تفسير : وشك ابن الفضل في: أبناء أبناء الأنصار، قال ابن الفضل: فسأل أنس بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم، فقال: هو الذي يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أوفى الله له بإذنه» تفسير : قال: وذلك حين سمع رجلاً من المنافقين يقول، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب: لئن كان صادقاً، فنحن شر من الحمير، فقال زيد بن أرقم: فهو والله صادق، ولأنت شر من الحمار. ثم رفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجحده القائل، فأنزل الله هذه الآية تصديقاً لزيد، يعني قوله: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} الآية، رواه البخاري في صحيحه عن إسماعيل بن أبي أويس عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة - إلى قوله: - «حديث : هذا الذي أوفى الله له بإذنه» تفسير : ولعل ما بعده من قول موسى بن عقبة، وقد رواه محمد بن فليح عن موسى بن عقبة بإسناده: ثم قال: قال ابن شهاب فذكر ما بعده عن موسى عن ابن شهاب. والمشهور في هذه القصة أنه كانت في غزوة بني المصطلق، فلعل الراوي وهم في ذكر الآية، وأراد أن يذكر غيرها، فذكرها،والله أعلم. قال الأموي في مغازيه: حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذني قومي، فقالوا: إنك امرؤ شاعر، فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض العلة، ثم يكون ذنباً تستغفر الله منه، وذكر الحديث بطوله، إلى أن قال: وكان ممن تخلف من المنافقين ونزل فيه القرآن منهم ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم الجُلاس بن سُوَيد بن الصامت، وكان على أم عمير بن سعد، وكان عمير في حجره، فلما نزل القرآن، وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين، قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقاً فيما يقول، لنحن شر من الحمير ـ فسمعها عمير بن سعد، فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إليّ، وأحسنهم بلاء عندي، وأعزهم عليّ أن يصله شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن كتمتها لتهلكني، ولإحداهما أهون عليّ من الأخرى، فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قال الجلاس، فلما بلغ ذلك الجلاس، خرج حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فحلف بالله ما قال ما قال عمير بن سعد، ولقد كذب علي، فأنزل الله عز وجل فيه: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ} إلى آخر الآية، فوقفه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته، ونزع فأحسن النزوع. هكذا جاء هذا مدرجاً في الحديث متصلاً به، وكأنه والله أعلم من كلام ابن إسحاق نفسه، لا من كلام كعب بن مالك، وقال عروة بن الزبير: نزلت هذه الآية في الجلاس بن سويد بن الصامت، أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء، فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقاً، فنحن أشر من حمرنا هذه التي نحن عليها، فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وخفت أن ينزل فيّ القرآن، أو تصيبني قارعة، أو أن أخلط بخطيئته، فقلت: يا رسول الله أقبلت أنا والجلاس، من قباء، فقال: كذا وكذا، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة، ما أخبرتك، قال: فدعا الجلاس، فقال: «حديث : يا جلاس أقلت الذي قاله مصعب؟» تفسير : فحلف، فأنزل الله {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} الآية. وقال محمد بن إسحاق: كان الذي قال تلك المقالة فيما بلغني الجلاس بن سويد بن الصامت، فرفعها عليه رجل كان في حجره يقال له: عمير بن سعد، فأنكرها، فحلف بالله ما قالها، فلما نزل فيه القرآن، تاب ونزع، وحسنت توبته فيما بلغني، وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل شجرة فقال: «حديث : إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني الشيطان فإذا جاء فلا تكلموه» تفسير : فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : علام تشتمني أنت وأصحابك؟» تفسير : فانطلق الرجل فجاءه بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله عز وجل: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} الآية، وقوله: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} قيل: أنزلت في الجلاس بن سويد، وذلك أنه هم بقتل ابن امرأته حين قال: لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: في عبد الله بن أبي، هم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال السدي: نزلت في أناس أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي، وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ورد أن نفراً من المنافقين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في غزوة تبوك، في بعض تلك الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلاً، قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الآية، وذلك بين فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة من حديث محمد بن إسحاق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به، وعمار يسوق الناقة، أو أنا أسوقه وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة، فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، فصرخ بهم، فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هل عرفتم القوم؟» تفسير : قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال: «حديث : هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟» تفسير : قلنا: لا، قال: «حديث : أرادوا أن يزاحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة، فيلقوه منها» تفسير : قلنا: يا رسول الله أفلا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: «حديث : لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمداً قاتل بقوم، حتى إذا أظهره الله بهم، أقبل عليهم يقتلهم - ثم قال: - اللهم ارمهم بالدبيلة» تفسير : قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: «حديث : شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك» تفسير : وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يزيد، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، أمر منادياً فنادى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ العقبة، فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة، ويسوقه عمار، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عماراً وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل عمار رضي الله عنه يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: «حديث : قد قد» تفسير : حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما هبط نزل، ورجع عمار، فقال: «حديث : يا عمار هل عرفت القوم؟» تفسير : قال: لقد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: «حديث : هل تدري ما أرادوا؟» تفسير : قال: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : أرادوا أن ينفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فيطرحوه» تفسير : قال: فسأل عمار رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلاً، فقال: إن كنت منهم، فقد كانوا خمسة عشر قال: فعد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة، قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وهكذا روى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير نحو هذا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي، وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون وهم متلثمون، فأرادوا سلوك العقبة، فأطلع الله على مرادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر حذيفة، فرجع إليهم فضرب وجوه رواحلهم، ففزعوا ورجعوا مقبوحين، وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة وعماراً بأسمائهم وما كانوا هموا به من الفتك به صلوات الله وسلامه عليه، وأمرهما أن يكتما عليهم، وكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق، إلا أنه سمى جماعة منهم، فالله أعلم. وكذا قد حكي في معجم الطبراني، قاله البيهقي، ويشهد لهذه القصة بالصحة ما رواه مسلم: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أبو أحمد الكوفي، حدثنا الوليد بن جميع، حدثنا أبو الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك، فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم، فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرة يمشي فقال: إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد، فوجد قوماً قد سبقوه، فلعنهم يومئذ. وما رواه مسلم أيضاً من حديث قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عباد عن عمار بن ياسر قال: أخبرني حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : في أصحابي اثنا عشر منافقاً لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط: ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة؛ سراج من نار تظهر بين أكتافهم حتى ينجم في صدورهم» تفسير : ولهذا كان حذيفة يقال له: صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، أي: من تعيين جماعة من المنافقين، وهم هؤلاء، قد أطلعه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره، والله أعلم، وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة، ثم روي عن علي بن عبد العزيز عن الزبير بن بكار أنه قال: هم معتب بن قشيرة، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قيظي، والحارث بن سويد، وسعد بن زرارة، وقيس بن فهد، وسويد بن داعس من بني الحبلى، وقيس بن عمرو بن سهل، وزيد بن اللصيت، وسلالة بن الحمام، وهما من بني قينقاع أظهرا الإسلام. وقوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} أي: وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويمن سعادته، ولو تمت عليهم السعادة، لهداهم الله لما جاء به؛ كما قال صلى الله عليه وسلم للأنصار: «حديث : ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟» تفسير : كلما قال شيئاً، قالوا: الله ورسوله أمنّ. وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب؛ كقوله: {وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ} الآية. وقوله عليه السلام: «حديث : ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله» تفسير : ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة فقال: {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ} أي: وإن يستمروا على طريقهم، يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا، أي: بالقتل والهم والغم، والآخرة، أي بالعذاب والنكال والهوان والصغار، {وَمَا لَهُمْ فِى ٱلاَْرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي: وليس لهم أحد يسعدهم، ولا ينجدهم، لا يحصل لهم خيراً، ولا يدفع عنهم شراً.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّٰرَ } بالسيف {وَٱلْمُنَٰفِقِينَ } باللسان والحجة {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } بالانتهار والمقت {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } المرجع هي.

الشوكاني

.تفسير : الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بهذا الجهاد أمر لأمته من بعده، وجهاد الكفار يكون بمقاتلتهم حتى يسلموا. وجهاد المنافقين يكون بإقامة الحجة عليهم، حتى يخرجوا عنه ويؤمنوا بالله، وقال الحسن: إن جهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، واختاره قتادة. قيل في توجيهه: إن المنافقين كانوا أكثر من يفعل موجبات الحدود. قال ابن العربي: إن هذه دعوى لا برهان عليها، وليس العاصي بمنافق، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق دائماً، لا بما تتلبس به الجوارح ظاهراً، وأخبار المحدودين تشهد بسياقتها أنهم لم يكونوا منافقين. قوله: {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } الغلظ: نقيض الرأفة، وهو شدّة القلب وخشونة الجانب، قيل: وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح، ثم ذكر من خصال المنافقين أنهم يحلفون الأيمان الكاذبة، فقال: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ }. وقد اختلف أئمة التفسير في سبب نزول هذه الآية، فقيل نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، ووديعة بن ثابت، وذلك أنه كثر نزول القرآن في غزوة تبوك في شأن المنافقين وذمهم، فقالا: لئن كان محمد صادقاً على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا لنحن شرّ من الحمير، فقال له عامر بن قيس: أجل، والله إن محمداً لصادق مصدّق، وإنك لشرّ من الحمار، وأخبر عامر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء الجلاس فحلف بالله أن عامراً لكاذب، وحلف عامر لقد قال، وقال: اللهم أنزل على نبيك شيئاً فنزلت، وقيل: إن الذي سمع ذلك عاصم بن عدي، وقي: حذيفة، وقيل: بل سمعه ولد امرأته: أي امرأة الجلاس، واسمه عمير بن سعد، فهم الجلاس بقتله لئلا يخبر بخبره. وقيل: إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين لما قال: ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: «سمن كلبك يأكلك»، و {أية : لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ } تفسير : [المنافقون: 8] فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فجاء عبد الله بن أبيّ، فحلف أنه لم يقله. وقيل: إنه قول جميع المنافقين، وأن الآية نزلت فيهم، وعلى تقدير أن القائل واحد أو اثنان فنسبة القول إلى جميعهم هي باعتبار موافقة من لم يقل، ولم يحلف من المنافقين لمن قد قال وحلف. ثم ردّ الله على المنافقين وكذبهم وبين أنهم حلفوا كذباً، فقال: {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ } وهي ما تقدّم بيانه على اختلاف الأقوال السابقة {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ } أي: كفروا بهذه الكلمة بعد إظهارهم للإسلام، وإن كانوا كفاراً في الباطن. والمعنى: أنهم فعلوا ما يوجب كفرهم على تقدير صحة إسلامهم. قوله: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ } قيل: هو همهم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك. وقيل: هموا بعقد التاج على رأس عبد الله بن أبيّ. وقيل: هو همّ الجلاس بقتل من سمعه يقول تلك المقالة، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: {وَمَا نَقَمُواْ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } أي: وما عابوا وأنكروا إلا ما هو حقيق بالمدح والثناء، وهو إغناء الله لهم من فضله، والاستثناء مفرّغ من أعمّ العامّ، وهو من باب قول النابغة:شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب تفسير : ومن باب قول الشاعر:شعر : ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا تفسير : فهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم. وقد كان هؤلاء المنافقون في ضيق من العيش، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة اتسعت معيشتهم، وكثرت أموالهم. قوله: {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ } أي: فإن تحصل منهم التوبة والرجوع إلى الحق يكن ذلك الذي فعلوه من التوبة خيراً لهم في الدين والدنيا، وقد تاب الجلاس بن سويد، وحسن إسلامه، وفي ذلك دليل على قبول التوبة من المنافق والكافر. وقد اختلف العلماء في قبولها من الزنديق، فمنع من قبولها مالك وأتباعه، لأنه لا يعلم صحة توبته إذ هو في كل حين يظهر التوبة والإسلام {وَإِن يَتَوَلَّوْا } أي: يعرضوا عن التوبة والإيمان {يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا } بالقتل والأسر، ونهب الأموال "و" في {ٱلآخِرَةَ } بعذاب النار {وَمَا لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مِن وَلِيّ } يواليهم {وَلاَ نَصِيرٍ } ينصرهم. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن كعب بن مالك، قال: لما نزل القرآن فيه ذكر المنافقين قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقاً لنحن شرّ من الحمير، فسمعها عمير بن سعد، فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إليّ وأحسنهم عندي أثراً، وأعزّهم عليّ أن يدخل عليه شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن سكت عنها لتهلكني، ولإحداهما أشدّ عليّ من الأخرى، فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ما قال الجلاس، فحلف بالله ما قال ولكن كذب عليّ عمير، فأنزل الله: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن أنس بن مالك قال: سمع زيد بن أرقم رجلاً من المنافقين يقول والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب: إن كان هذا صادقاً لنحن شرّ من الحمير؛ قال زيد: هو والله صادق، وأنت شرّ من الحمار، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجحد القائل، فأنزل الله: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ } الآية. وأخرج ابن جرير، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظلّ شجرة فقال: "حديث : إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاءكم فلا تكلموه"تفسير : ، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "علام تشتمني أنت وأصحابك"، فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، وأنزل الله: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا، أحدهما من جهينة والآخر من غفار، وكانت جهينة حلفاء الأنصار، فظهر الغفاري على الجهني، فقال عبد الله بن أبيّ للأوس: انصروا أخاكم، والله، ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: «سمن كلبك يأكلك» والله {أية : لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ } تفسير : [المنافقون: 8] فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ } الآية، وفي الباب أحاديث مختلفة في سبب نزول هذه الآية، وفيما ذكرناه كفاية. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ } قال: همّ رجل يقال له الأسود بقتل النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ } قال: أرادوا أن يتوّجوا عبد الله بن أبيّ بتاج. وأخرج ابن ماجه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، قال: قتل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ديته اثني عشر ألفاً، وذلك قوله: {وَمَا نَقَمُواْ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } قال: بأخذهم الدية.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} أما جهاد الكفار فبالسيف وأما جهاد المنافقين ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: جهادهم بيده، فإن لم يستطع فبلسانه وقلبه، فإن لم يستطع فليكفهر في وجوههم، قاله ابن مسعود. والثاني: جهادهم باللسان، وجهاد الكفار بالسيف، قاله ابن عباس. والثالث: أن جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، قاله الحسن وقتادة. وكانوا أكثر من يصيب الحدود. {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمُ} يحتمل وجهين: أحدهما: تعجيل الانتقام منهم. والثاني: ألا يصدق لهم قولاً، ولا يبر لهم قسماً. قوله عز وجل {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ} فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الجلاس بن سويد بن الصامت، قال: إن كان ما جاء به محمد حقاً فنحن شر من الحمير، ثم حلف أنه ما قال، وهذا قول عروة ومجاهد وابن إسحاق. والثاني: أنه عبد الله بن أبي بن سلول. قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قاله قتادة. والثالث: أنهم جماعة من المنافقين قالوا ذلك، قاله الحسن. {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ} يعني ما أنكروه مما قدمنا ذكره تحقيقاً لتكذيبهم فيما أنكروه وقيل بل هو قولهم إن محمداً ليس بنبي. {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم} يحتمل وجهين: أحدهما: كفروا بقلوبهم بعد أن آمنوا بأفواههم. والثاني: جرى عليهم حكم الكفر بعد أن جرى عليهم حكم الإيمان. {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المنافقين هموا بقتل الذي أنكر عليهم، قاله مجاهد. والثاني: أنهم هموا بما قالوه {لَئِن رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينةِ ليُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنهَا الأَذَلَّ} وهذا قول قتادة. والثالث: أنهم هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مروي عن مجاهد أيضاً وقيل إنه كان ذلك في غزوة تبوك.

ابن عطية

تفسير : قوله {جاهد} مأخوذ من بلوغ الجهد وهي مقصود بها المكافحة والمخالفة، وتتنوع بحسب المجاهد فجهاد الكافر المعلن بالسيف، وجهاد المنافق المتستر باللسان والتعنيف والاكفهرار في وجهه، ونحو ذلك، ألا ترى أن من ألفاظ الشرع قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله" تفسير : ، فجهاد النفس إنما هو مصابرتها باتباع الحق وترك الشهوات، فهذا الذي يليق بمعنى هذه الآية لكنا نجلب قول المفسرين نصاً لتكون معرضة للنظر، قال الزجّاج: وهو متعلق في ذلك بألفاظ ابن مسعود: أمر في هذه الآية بجهاد الكفار والمنافقين بالسيف، وأبيح له فيها قتل المنافقين، قال ابن مسعود: إن قدر وإلا فباللسان وإلا فبالقلب والاكفهرار في الوجه. قال القاضي أبو محمد : والقتل لا يكون إلا مع التجليح ومن جلح خرج عن رتبة النفاق، وقال ابن عباس: المعنى" جاهد المنافقين " باللسان، وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، قال: وأكثر ما كانت الحدود يومئذ تصيب المنافقين. قال القاضي أبو محمد : ووجه ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم المنافقين بالمدينة أنهم لم يكونوا مجلحين بل كان كل مغموص عليه إذا وقف ادعى الإسلام، فكان في تركهم إبقاء وحياطة للإسلام ومخافة أن تنفر العرب إذا سمعت أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل من يظهر الإسلام، وقد أوجبت هذا المعنى في صدر سورة البقرة، ومذهب الطبري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرفهم ويسترهم، وأما قوله تعالى : {واغلظ عليهم } فلفظة عامة تتصرف الأفعال والأقوال واللحظات، ومنه قوله تعالى: {أية : ولو كنت فظاً غليظ القلب} تفسير : [آل عمران:159] ومنه قول النسوة لعمر بن الخطاب: أنت أفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى الغلظ خشن الجانب فهي ضد قوله تعالى: {أية : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} تفسير : [الشعراء:215] ثم جرت الآية المؤمنين عليهم في عقب الأمر بإخباره أنهم في جهنم، والمعنى هم أهل لجميع ما أمرت أن تفعل بهم، و"المأوى " حيث يأوي الإنسان ويستقر، وقوله {يحلفون بالله ما قالوا} الآية، هذه الآية نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، وذلك كأنه كان يأتي من قباء ومعه ابن امرأته عمير بن سعد فيما قال ابن إسحاق، وقال عروة اسمه مصعب، وقال غيره وهما على حمارين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمى قوماً ممن اتهمهم بالنفاق،وقال إنهم رجس، فقال الجلاس للذي كان يسير معه: والله ما هؤلاء الذين سمى محمد إلا كبراؤنا وسادتنا، ولئن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شر من حمرنا هذه فقال له ربيبة أو الرجل الآخر؟ والله إنه لحق، وإنك لشر من حمارك، ثم خشي الرجل من أن يلحقه في دينه درك، فخرج وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصة فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم في الجلاس فقرره فحلف بالله ما قال، فنزلت هذه الآية، والإشارة بـ {كلمة الكفر } إلى قوله: إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شر من الحمر، إن التكذيب في قوة هذا الكلام، قال مجاهد وكان الجلاس لما قال له صاحبه إني سأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولك هم بقتله، ثم لم يفعل عجزاً عن ذلك فإلى هذا هي الإشارة بقوله {وهموا بما لم ينالوا}، وقال قتادة بن دعامة: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك أن سنان بن وبرة الأنصاري والجهجاه الغفاري كسع أحدهما رجل الآخر في غزوة المريسيع، فثاروا، فصاح جهجاه بالأنصار وصاح سنان بالمهاجرين، فثار الناس فهدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: ما أرى هؤلاء إلا قد تداعوا علينا، ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقفه فحلف أنه لم يقل ذلك، فنزلت الآية مكذبة له، والإشارة بـ {كلمة الكفر} إلى تمثيله: سمن كلبك يأكلك، قال قتادة والإشارة بـ {هموا} إلى قوله لئن رجعنا إلى المدينة، وقال الحسن هم المنافقون من إظهار الشرك ومكابرة النبي صلى الله عليه وسلم بما لم ينالوا، وقال تعالى: {بعد إسلامهم } ولم يقل بعد إيمانهم لأن ذلك لم يتجاوز ألسنتهم، وقوله تعالى: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله}، معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفذ لعبد الله بن أبي ابن سلول دية كانت قد تعطلت له، ذكر عكرمة أنها كانت اثني عشر ألفاً، وقيل بل كانت للجلاس. قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب الخلاف المتقدم فيمن نزلت الآية من أولها، وتقدم اختلاف القراء في {نقموا } في سورة الأعراف، وقرأها أبو حيوة وابن أبي عبلة بكسر القاف، وهي لغة، وقوله {إلا أن أغناهم الله} استثناء من غير الأول كما قال النابغة: شعر : ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : فكأن الكلام وما نقموا إلا ما حقه أن يشكر، وقال مجاهد في قوله {وهموا بما لم ينالوا} إنها نزلت في قوم من قريش أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد : وهذا لا يناسب الآية، وقالت فرقة إن الجلاس هو الذي هم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يشبه الآية إلا أنه غير قوي السند، وحكى الزجّاج أن اثني عشر من المنافقين هموا بذلك فأطلع الله عليهم، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في إغنائهم من حيث كثرت أموالهم من الغنائم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سبب في ذلك وعلى هذا الحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار "حديث : كنتم عالة فأغناكم الله بي" تفسير : ، ثم فتح عز وجل لهم باب التوبة رفقاً بهم ولطفاً في قوله {فإن يتوبوا يك خيراً لهم}. وروي أن الجلاس تاب من النفاق فقال إن الله قد ترك لي باب التوبة فاعترف وأخلص، وحسنت توبته، و" العذاب الأليم " اللاحق بهم في الدنيا هو المقت والخوف والهجنة عند المؤمنين.

ابن عبد السلام

تفسير : {جَاهِدِ الْكُفَّارَ} بالسيف {وَالْمُنَافِقِينَ} بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فليكفهر في وجوههم، أو يجاهدهم باللسان، أو بإقامة الحدود وكانوا أكثر من يصيب الحدود.

النسفي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ } بالسيف {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } بالحجة {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } في الجهادين جميعاً ولا تحابهم، وكل من وقف منه على فساد في العقيدة فهذا الحكم ثابت فيه يجاهد بالحجة وتستعمل معه الغلظة ما أمكن منها {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } جهنم. أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمع من معه. منهم الجلاس بن سويد فقال: والله لئن كان ما يقول محمد حقاً لأخواننا الذين خلّفناهم وهم سادتنا فنحن شر من الحمير. فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس: أجل والله إن محمداً صادق وأنت شر من الحمار. وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحضر فحلف بالله ما قال، فرفع عامر يده فقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب فنزل {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ } يعني إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شر من الحمير، أو هي استهزاؤهم فقال الجلاس: يا رسول الله والله لقد قلته وصدق عامر فتاب الجلاس وحسنت توبته {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ } وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام، وفيه دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد لأنه قال {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ } {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ } من قتل محمد عليه السلام أو قتل عامر لرده على الجلاس. وقيل: أرادوا أن يتوجوا ابن أبي وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا نَقَمُواْ } وما أنكروا وما عابوا {إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة، فآثروا بالغنائم وقتل للجلاس مولى فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى {فَإِن يَتُوبُواْ } عن النفاق {يَكُ } التوب {خَيْراً لَّهُمْ } وهي الآية التي تاب عندها الجلاس {وَإِن يَتَوَلَّوْا } يصروا على النفاق {يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأخِرَةِ } بالقتل والنار {وَمَا لَهُمْ فِى ٱلأرْضِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } ينجيهم من العذاب. {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ } روي أن ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله ادع الله يرزقني مالاً فقال عليه السلام: «حديث : يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه»تفسير : فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه. فدعا له فاتخذ غنماً فنمت كما ينمى الدود حتى ضاقت بها المدينة، فنزل وادياً وانقطع عن الجمعة والجماعة، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: كثر ماله حتى لا يسعه وادٍ فقال: «حديث : يا ويح ثعلبة»تفسير : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدّقين لأخذ الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم، ومرا بثعلبة فسألاه الصدقة فقال: ما هذه إلا جزية وقال: ارجعا حتى أرى رأيي، فلما رجعا قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلماه: «يا ويح ثعلبة» مرتين، فنزلت فجاء ثعلبة بالصدقة فقال: إن الله منعني أن أقبل منك فجعل التراب على رأسه، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبلها، وجاء بها إلى عمر رضي الله عنه في خلافته فلم يقبلها، وهلك في زمان عثمان رضي الله عنه {لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ } أي المال {لَنَصَّدَّقَنَّ } لنخرجن الصدقة والأصل «لنتصدقن» ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } بإخراج الصدقة {فَلَمَّا ءاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ } أعطاهم الله المال ونالوا مناهم {بَخِلُواْ بِهِ } منعوا حق الله ولم يفوا بالعهد {وَتَوَلَّواْ } عن طاعة الله {وَّهُم مُّعْرِضُونَ } مصرون على الإعراض. {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ } فأورثهم البخل نفاقاً متمكناً في قلوبهم لأنه كان سبباً فيه {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } أي جزاء فعلهم وهو يوم القيامة {بِمَا أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } بسبب إخلافهم ما وعدوا الله من التصدق والصلاح وكونهم كاذبين، ومنه جعل خلف الوعد ثلث النفاق. {أَلَمْ يَعْلَمُواْ } يعني المنافقين {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ } ما أسروه من النفاق بالعزم على إخلاف ما وعدوه {وَنَجْوٰهُم } وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية وتدبير منعها {وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } فلا يخفى عليه شيء {ٱلَّذِينَ } محله النصب أو الرفع على الذم، أو الجر على البدل من الضمير في {سِرَّهُمْ وَنَجْوٰهُم } {يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ } يعيبون المطوعين المتبرعين {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـٰتِ } متعلق بـ {يَلْمِزُونَ }. رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: كان لي ثمانية آلاف فأقرضت ربي أربعة وأمسكت أربعة لعيالي فقال عليه السلام: «حديث : بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت»تفسير : فبارك الله له حتى صولحت تماضر امرأته عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً، وتصدق عاصم بمائة وسق من تمر {وَٱلَّذِينَ } عطف على {ٱلْمُطَّوّعِينَ } {لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ } طاقتهم. وعن نافع {جَهْدَهُمْ } وهما واحد. وقيل: الجهد الطاقة والجهد المشقة وجاء أبو عقيل بصاعٍ من تمر فقال: بت ليلتي أجر بالجرير على صاعين فتركت صاعاً لعيالي، وجئت بصاع فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء، وأما صاع أبي عقيل فالله غني عنه {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ } فيهزءون {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ } جازاهم على سخريتهم وهو خبر غير دعاء {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم. ولما سأل عبد الله بن عبد الله بن أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لأبيه في مرضه نزل {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } وقد مر أن هذا الأمر في معنى الخبر كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } والسبعون جارٍ مجرى المثل في كلامهم للتكثير وليس على التحديد والغاية، إذ لو استغفر لهم مدة حياته لن يغفر لهم لأنهم كفار والله لا يغفر لمن كفر به، والمعنى وإن بالغت في الاستغفار فلن يغفر الله لهم. وقد وردت الأخبار بذكر السبعين وكلها تدل على الكثرة لا على التحديد والغاية، ووجه تخصيص السبعين من بين سائر الأعداد أن العدد قليل وكثير، فالقليل ما دون الثلاث، والكثير الثلاث فما فوقها، وأدنى الكثير الثلاث وليس لأقصاه غاية. والعدد أيضاً نوعان: شفع ووتر، وأول الإشفاع اثنان، وأول الأوتار ثلاثة، والواحد ليس بعدد، والسبعة أول الجمع الكثير من النوعين لأن فيها أوتاراً ثلاثة وأشفاعاً ثلاثة، والعشرة كمال الحساب لأن ما جاوز العشرة فهو إضافة الآحاد إلى العشرة كقولك «اثنا عشر وثلاثة عشرة» إلى «عشرين»، والعشرون تكرير العشرة مرتين، والثلاثون تكريرها ثلاث مرات وكذلك إلى مائة، فالسبعون يجمع الكثرة والنوع والكثرة منه، وكمال الحساب والكثرة منه، فصار السبعون أدنى الكثير من العدد من كل وجه ولا غاية لأقصاه فجاز أن يكون تخصيص السبعين لهذا المعنى والله أعلم {ذٰلِكَ } إشارة إلى اليأس من المغفرة {بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم {كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } ولا غفران لكافرين {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } الخارجين عن الإيمان ما داموا مختارين للكفر والطغيان {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ } المنافقون الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لهم وخلّفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان {بِمَقْعَدِهِمْ } بقعودهم عن الغزو {خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ } مخالفة له وهو مفعول له، أو حال أي قعدوا لمخالفته أو مخالفين له {وَكَرِهُواْ أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي لم يفعلوا ما فعله المؤمنون من بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل الله، وكيف لا يكرهونه وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى ٱلْحَرّ } قال بعضهم لبعض أو قالوا للمؤمنين تثبيطاً {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } استجهال لهم لأن من تصوّن من مشقة ساعة فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار} يعني بالسيف والمحاربة والقتال {والمنافقين} يعني وجاهد المنافقين واختلفوا في صفة جهاد المنافقين وسبب هذا الاختلاف أن المنافق هو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام ولما كان الأمر كذلك لم تجز مجاهدته بالسيف والقتال لإظهاره الإسلام فقال ابن عباس: أمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وإذهاب الرفق عنهم وهذا قول الضحاك أيضاً وقال ابن: مسعود بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه. وقال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم يعني إذا تعاطوا أسبابها وهذا القول فيه بعد لأن إقامة الحدود واجبة على من ليس بمنافق فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق وإنما قال الحسن وقتادة ذلك لأن غالب من كان يتعاطى أسباب الحدود فتقام عليهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم المنافقون. قال الطبري: وأولى الأقوال قول ابن مسعود لأن الجهاد عبارة عن بذل الجهد وقد دلت الآية على وجوب جهاد المنافقين وليس في الآية ذكر كيفية ذلك الجهاد فلا بد من دليل آخر وقد دلت الدلائل المنفصلة أن الجهاد مع الكفار إنما يكون بالسيف ومع المنافقين بإظهار الحجة عليهم تارة وبترك الرفق بهم تارة وبالانتهار تارة وهذا هو قول ابن مسعود {واغلظ عليهم} يعني شدد عليهم بالجهاد والإرهاب {ومأواهم جهنم وبئس المصير} بمعنى أن جهنم مسكنهم وبئس المصير مصيرهم إليها. فإن قلت كيف ترك النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين بين أظهر أصحابه مع علمه بهم وبحالهم. قلت: إنما أمر الله عز وجل نبيه سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بقتال من أظهر كلمة الكفر وأقام على إظهارها. فأما من تكلم بالكفر في السر فإذا اطلع عليه أنكره ورجع عنه وقال: إني مسلم فإنه يحكم بإسلامه في الظاهر في حقن دمه وماله وولده وإن كان معتقداً غير ذلك في الباطن لأن الله سبحانه وتعالى أمر بإجراء الأحكام على الظواهر فلذلك أجرى النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين على ظواهرهم ووكل سرائرهم إلى الله سبحانه وتعالى لأنه العالم بأحوالهم وهو يجازيهم في الآخرة بما يستحقون. قوله عز وجل: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية فقال عروة بن الزبير: نزلت في الجلاس بن سويد أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء. فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقاً لنحن شر من حمرنا هذه التي نحن عليها فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلت وخفت أن ينزل في القرآن أو أن تصيبني قارعة أو أن أخلط بخطيئته فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أقبلت أنا والجلاس من قباء فقال كذا وكذا ولولا مخافة أن أخلط بخطيئته أو تصيبني قارعة ما أخبرتك. قال فدعا الجلاس، فقال له: يا جلاس أقلت ما قال مصعب؟ فحلف ما قال، فأنزل الله عز وجل: يحلفون بالله ما قالوا: الآية. وروي عن مجاهد ونحوه. وقال ابن عباس: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل حجرة فقال:"إنه سيأتينكم إنسان فينظر إليكم بعين الشيطان فإذا جاء فلا تكلموه"، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "علام تشتمني أنت وأصحابك"؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا وما فعلوا حتى تجاوز عنه فأنزل الله عز وجل: يحلفون بالله ما قالواتفسير : . ثم نعتهم جميعاً إلى آخر الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار وكانت جهينة حلفاء الأنصار فظهر الغفاري على الجهني فقال عبد الله بن أبي سلول للأوس: انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فسأله فحلف بالله ما قال فأنزل الله هذه الآية، هذه روايات الطبري. وذكر البغوي عن الكلبي قال: نزلت في الجلاس بن سويد وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك فذكر المنافقين وسماهم رجساً وعابهم فقال الجلاس: لئن كان محمد صادقاً لنحن شر من الحمير فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس. فقال الجلاس: كذب يا رسول الله عليّ فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلفا عند المنبر فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قاله ولقد كذب على عامر ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد قاله وما كذبت عليه ثم رفع عامر يده إلى السماء فقال: اللهم أنزل على نبيك تصديق الصادق منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون آمين فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ فإن يتوبوا يك خيراً لهم فقام الجلاس فقال: يا رسول الله أسمع الله قد عرض علي التوبة صدق عامر بن قيس فيما قاله لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه فتاب وحسنت توبته فذلك قوله سبحانه وتعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} يعني أظهروا كلمة الكفر بعد إسلامهم وتلك الكلمة هي سب النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: هي كلمة الجلاس بن سويد لئن كان محمد صادقاً لنحن شر من الحمير وقيل هي كلمة عبد الله بن أبي بن سلول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وستأتي القصة في موضعها في سورة المنافقين إن شاء الله تعالى. قوله سبحانه وتعالى: {وهموا بما لم ينالوا} قال مجاهد: همَّ الجلاس بقتل الذي سمع مقالته خشية أن يفشيها عليه وقيل همَّ عبد الله بن أبي ابن سلول وكان همه قوله لئن رجعنا إلى المدينة فلم ينله وقيل: همَّ اثنا عشر رجلاً من المنافقين بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقفوا على العقبة وقت رجوعه من تبوك ليقتلوه فجاء جبريل عليه السلام فأخبره وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم فأرسل حذيفة لذلك. وقال السدي: قال المنافقون إذا رجعنا إلى المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي بن سلول تاجاً فلم يصلوا إليه {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} يعني وما أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله والمعنى أن المنافقين علموا بضد الواجب فجعلوا موضع شكر النبي صلى الله عليه وسلم أن نقموا عليه وقيل إنهم بطروا النعمة فنقموا أشراً وبطراً وقال ابن قتيبة: معناه ليس ينقمون شيئاً ولا يتعرفون إلا الصنع وهذا كقول الشاعر: شعر : ما نقم الناس من أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا تفسير : وهذا ليس مما ينقم وإنما أراد أن الناس لا ينقمون عليهم شيئاً فهو كقول النابغة: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنَّ فلول من قراع الكتائب تفسير : أي ليس فيهم عيب. قال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم. فعلى هذا القول يكون الكلام عاماً. وقال عروة: كان الجلاس قتل له مولى فأمر له النبي صلى الله عليه وسلم بديته فاستغنى. وقال قتادة: كانت لعبد الله ابن أبي دية فأخرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم له. وقال عكرمة إن مولى لبني عدي قتل رجلاً من الأنصار فقضى له النبي صلى الله عليه وسلم بالدية اثني عشر ألفاً وفيه نزلت {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} {فإن يتوبوا يك خيراً لهم} يعني: فإن يتوبوا من كفرهم ونفاقهم يك ذلك خيراً لهم في العاجل والآجل {وإن يتولوا} يعني وإن يعرضوا عن الإيمان والتوبة ويصروا على النفاق والكفر {يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا} يعني بالخزي والإذلال {والآخرة} أي ويعذبهم في الآخرة بالنار {وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} يعني وليس لهم أحد يمنعهم من عذاب الله أو ينصرهم في الدنيا والآخرة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ }: أي: بالسيف و{ٱلْمُنَـٰفِقِينَ }، أي: باللسان والتعنيفِ وٱلاكْفِهْرَارِ في الوجْه، وبإِقامة الحدود عليهم. قال الحَسَن: وأكثر ما كَانَتِ الحدودُ يومئذٍ تصيبُ المنافقين، ومذْهَبُ الطبريِّ؛ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يعرفهم ويسترهم، وأما قوله: {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ }، فلفظةٌ عامَّة في الأفعال والأقوال، ومعنى الغِلَظِ: خَشَنُ الجانب، فهو ضدُّ قوله تعالى: { أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الشعراء:215]، وقولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ...} الآية، نزلَتْ في الجُلاَسِ بْنِ سُوَيْدٍ، وقوله: لَئِنْ كَانَ مَا يَقُولُ محمَّد حقًّا، لَنَحْنُ شر مِنَ الحُمُر، فسمعها منه رَبِيبُهُ أو رَجُلٌ آخر، فأخبر النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فجاء الجُلاسُ، فَحَلَفَ باللَّه؛ مَا قالَ هذه الكلمة، فنزلَتِ الآية، فكلمة الكُفْر: هي مقالته هذه؛ لأن مضمنها قَوِيٌّ في التكذيب، قال مجاهد: وقوله: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ }: يعني: أنَّ الجُلاَس قد كان هَمَّ بقَتْل صاحبه الذي أخبر النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة: نزلَتْ في عبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيٍّ ٱبْنِ سَلُولَ، وقوله في غزوة المُرَيْسِيعِ: مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ إِلاَّ كَمَا قَالَ الأَوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، و { أية : لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ } تفسير : [المنافقون:8]، فبلَغَ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فوقفه، فَحَلفَ أَنَّه لم يقُلْ ذلك، فنزلَتِ الآية مكذِّبة له. * ت *: وزاد ابن العربيِّ في «أحكامه» قولاً ثالثاً؛ أنَّ الآية نزلَتْ في جماعة المنافقين؛ قاله الحسن، وهو الصحيحُ؛ لعموم القول ووجود المعنَى فيه، وفيهم، انتهى. وحدَّث أبو بَكْرٍ بْنُ الخَطِيبِ بسنده، قال: سُئِلَ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الهَمِّ: أيؤاخَذُ به صاحِبُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَانَ عَزْماً؛ أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قوله تعالى: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ...} الآية، إِلى قوله: {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ}، فجعل عليهم فيه التَّوْبَةِ، قال سفيانُ: الهَمُّ يسوِّد القلْبَ انتهى. قال * ع *: وعلى تأويل قتادة، فالإِشارة بـــ {كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ } إِلى تمثيل ابنِ أُبَيٍّ «سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ». قال قتادة: والإِشارة بـــ {هَمُّواْ} إِلى قوله: { أية : لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ } تفسير : [المنافقون:8]. وقال الحَسَنُ: هُمَّ المنافِقُونَ من إِظهار الشرك ومكابرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم بما لم ينالوا، وقال تعالَى: {بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ}، ولم يقل: «بعد إِيمانهم»؛ لأن ذلك لم يتجاوزْ ألسنتهم. وقوله سبحانه: {وَمَا نَقَمُواْ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ...} الآية: كأَنَّ الكلامَ، وما نقموا إِلا ما حقُّه أنْ يُشْكَرَ، وذُكِرَ رسولُ اللَّه في إِغنائهم منْ حَيْثُ كَثُرَتْ أموالهم من الغنائِمِ، ورسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبَبٌ في ذلك، وعلى هذا الحَدِّ حديث : قال عليه السلام للأنصارِ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: « كُنْتُمْ عَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ »تفسير : ، قال العراقيُّ: {نَقَمُواْ}: أي: أنْكَرُوا. وقال * ص *: {إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ}: إِنْ وصلْتَها: مفعولُ {نَقَمُواْ}: أي: ما كرهوا إِلا إِغْنَاء اللَّه إِياهم، وقيل: هو مفعولٌ من أجله، والمفعولُ به محذوفٌ، أي: ما كرهوا الإِيمانَ إِلاَّ للإِغناء. انتهى. ثم فتح لهم سبحانَهُ بابَ التَّوْبةِ؛ رفقاً بهم ولطفاً، فروي أن الجُلاَسَ تَابَ من النفاقِ، وقال: إِن اللَّه قَدْ تَرَكَ لي بَابَ التَّوْبَة، فٱعْتَرَفَ وأخْلَصَ، وحَسُنت توبته.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ‏{‏يا أيها النبي جاهد الكفار‏}‏ قال‏:‏ بالسيف ‏{‏والمنافقين‏} ‏ قال‏:‏ باللسان ‏ {‏واغلظ عليهم‏} ‏ قال‏:‏ اذهب الرفق عنهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله ‏ {‏جاهد الكفار والمنافقين‏} ‏ قال‏:‏ بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليلقه بوجه مكفهر‏. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال‏:‏ لما نزلت ‏ {‏يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين‏} ‏ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجاهد بيده، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فليلقه بوجه مكفهر‏. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏جاهد الكفار‏} ‏ قال‏:‏ بالسيف ‏ {‏والمنافقين‏} ‏ بالقول باللسان ‏ {‏واغلظ عليهم‏} ‏ قال‏:‏ على الفريقين جميعاً، ثم نسخها فأنزل بعدها ‏{أية : ‏قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة‏}‏ ‏تفسير : [‏التوبة: 123‏]‏‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال‏:‏ أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار بالسيف، ويغلظ على المنافقين في الحدود‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ} أي المجاهرين منهم بالسيف {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ} بالحجة وإقامة الحدود {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} في ذلك ولا تأخُذْك بهم رأفة. قال عطاء: نسَخت هذه الآيةُ كلَّ شيء من العفو والصفح {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} جملةٌ مستأنفةٌ لبـيان آجل أمرِهم إثرَ بـيانِ عاجلِه، وقيل: حالية {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} تذيـيلٌ لما قبله والمخصوصُ بالذم محذوف {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} استئنافٌ لبـيان ما صدر عنهم من الجرائمِ الموجبةِ لما مر من الأمر بالجهاد والغِلظة عليهم ودخولِ جهنم. (روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام في غزوة تبوكَ شهرين ينزلِ عليه القرآنُ ويَعيب المنافقين المتخلّفين فيسمعه مَنْ كان منهم معه عليه الصلاة والسلام فقال الجُلاَّس بنُ سويد منهم: لئن كان ما يقول محمد حقاً لإخواننا الذين خلّفناهم وهم سادتُنا وأشرافنا فنحن شرٌّ من الحمير)، فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس: أجل والله إن محمداً لصادقٌ وأنت شرٌّ من الحمار، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستُحضر فحلف بالله ما قال فرفع عامرٌ يده فقال: اللهم أنزِل على عبدك ونبـيِّك تصديقَ الصادق وتكذيبَ الكاذب فنزل. وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ في يحلفون لاستحضار الصورةِ أو للدلالة على تكرير الحلف، وصيغةُ الجمعِ في قالوا مع أن القائلَ هو الجلاس للإيذان بأن بقيتَهم برضاهم بقوله: صاروا بمنزلة القائل. {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ} هي ما حُكي آنفاً والجملةُ مع ما عطف عليها اعتراضٌ {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ} أي وأظهروا ما في قلوبهم من الكفر بعد إظهارِهم الإسلامَ {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} هو الفتكُ برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وذلك أنه (توافقَ خمسةَ عشرَ منهم على أن يدفعوه عليه الصلاة والسلام عن راحلته إذا تسنّم العقبةَ بالليل وكان عمارُ بنُ ياسر آخذاً بخِطام راحلته يقودها وحذيفةُ بنُ اليمان خلفها يسوقُها فبـينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفافِ الإبل وبقعقعة السلاحِ فالتفت فإذا قومٌ متلثّمون فقال: إليكم إليكم يا أعداءَ الله فهربوا). وقيل: هم المنافقون همّوا بقتل عامر لرده على الجلاس، وقيل: أرادوا أن يتوِّجوا عبدَ اللَّه بنَ أبـيِّ بنِ سَلول وإن لم يرضَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا نَقَمُواْ} أي وما أنكروا وما عابوا أو ما وجدوا ما يورث نَقِمتَهم {إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} سبحانه وتعالى وذلك أنهم كانوا حين قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ في غاية ما يكون من ضنْك العيشِ لا يركبون الخيلَ ولا يحوزون الغنيمة فأثروا بالغنائم وقُتل للجلاس مولى فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشَرَ ألفَ درهم فاستغنى، والاستثناء مفرَّغٌ من أعم المفاعيل أو من أعم العلل أي وما أنكروا شيئاً من الأشياء إلا إغناءَ الله تعالى إياهم أو وما أنكروا لعلة من العلل إلا لإغناء الله إياهم {فَإِن يَتُوبُواْ} عما هم عليه من الكفر والنفاق {يَكُ خَيْراً لَّهُمْ} في الدارين. قيل: لما تلاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال الجلاس: يا رسول الله لقد عرض الله عليّ التوبةَ والله لقد قلت وصدق عامرٌ فتاب الجلاسُ وحسُنت توبته {وَإِن يَتَوَلَّوْا} أي استمروا على ما كانوا عليه من التولي والإعراض عن الدين أو أعرضوا عن التوبة بعد هذا العرض {يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا} بالقتل والأسرِ والنهب وغيرِ ذلك من فنون العقوبات {وَٱلأَخِرَةِ} بالنار وغيرها من أفانين العقاب {وَمَا لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ} مع سعتها وتباعُدِ أقطارِها وكثرة أهلِها المصحّحة لوجدان ما نُفيَ بقوله عز وجل: {مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} ينقذهم من العذاب بالشفاعة أو المدافعة.

التستري

تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ}[73] قال: جاهد نفسك بسيف المخالفة وحملها حمولات الندم، وسيرها في مفاوز الخوف، لعلك تردها إلى طريق التوبة والإنابة، ولا تصح التوبة إلا من متحير في أمره، مبهوت في شأنه، واله القلب مما جرى عليه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [الآية: 73]. قال محمد بن على: جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان. قال سهل: النفس كافرة فجاهدها بسيف المخالفة، وحملها حمولات الندم وسيرها فى مفاوز الخوف، لعلك تردها إلى طريق التوبة والإنابة، ولا تصح التوبة إلا لمتجبر فى أمره مبهوت فى شأنه، والِهِ القلب مما جرى عليه، قال الله جل وعز: {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} [التوبة: 118].

القشيري

تفسير : دعا نَبِيُّنا - صلى الله عليه وسلم - كافةَ الخَلْقِ إلى حُسْن الخُلُق. قال لموسى عليه السلام: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً}تفسير : [طه: 44]. وقال لنبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -: {أية : وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ}تفسير : [التحريم: 9] ويقال إنما هذا بعد إظهار الحجج، وبعد أن أزاح عُذْرَهُم بأيام المهلة؛ ففي الأول أَمَرَه بالرِّفق حيث قال: {أية : إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ}تفسير : [سبأ: 46]، فلما أصروا واستكبروا أَمَرَه بالغِلظة عليهم. والمجاهدة أولها اللسان لشرح البرهان، وإيضاح الحجج والبيان، ثم إنْ حَصَلَ من العدوِّ جُحْدٌ بعد إزاحة العذر، فبالوعيد والزجر، ثم إنْ لم ينجعْ الكلامُ ولم ينفع الملامُ فالقتالُ والحربُ وبَذْلُ الوسعِ في الجهاد.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها النبى} اعلم ان الله تعالى خاطب الانبياء عليهم السلام باسمائهم الشريفة مثل يا آدم ويا نوح ويا موسى ويا عيسى وخاطب نبينا صلى الله تعالى وسلم بالالقاب الشريفة مثل يا ايها النبى ويا ايها الرسول وذلك يدل على علو جنابه عليه السلام مع ان كثرة الالقاب والاسماء تدل على شرف المسمى ايضا. قال ابو الليث فى آخر سورة النور عند قوله تعالى {أية : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} تفسير : [النور: 63] اى لا تدعوا محمدا صلى الله عليه وسلم باسمه ولكن وقروه وعظموه فقولوا يا رسول الله ويا نبى الله ويا ابا القاسم. وفى الآية بيان توقير معلم الخير فامر الله تعالى بتوقيره وتعظيمه. وفيه معرفة حق الاستاذ. وفيه معرفة حق اهل الفضل ا هـ. اقول ولذا يطلق على اهل الارشاد عند ذكرهم الفاظ دالة على تعظيمهم على أى لغة كانت لانه اذا ورد النهى عن التصريح باسماء الآبا الصورية لكونه سوء ادب فما ظنك بتصريح اسماء الآباء المعنوية: والمعنى يا ايها المبلغ عن الله والمخبر أو يا صاحب علو المكانة والزلفى لان لفظ النبى ينبئ عن الانباء والارتفاع {جاهد الكفار} اى المجاهرين منهم بالسيف والجهاد عبارة عن بذل الجهد فى صرف المبطلين عن المنكر وارشادهم الى الحق (والمنافقين) بالحجة واقامة الحدود فانهم كانوا كثيرى التعاطى للاسباب الموجبة للحدود ولا تجوز المحاربة معهم بالسيف لان شريعتنا تحكم بالظاهر وهم يظهرون الاسلام وينكرون الكفر {واغلظ عليهم} اى على الفريقين جميعا فى ذلك واعنف بهم ولا ترفق شعر : هست نرمى آفت جان سمور وزدرشتى ميبردجان خاربشت تفسير : قال عطاء نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح لان كل وقت حكما {ومأويهم جهنم} جملة مستأنفة لبيان آجر امرهم اثر بيان عاجله {وبئس المصير} اى بئس الموضع موضعهم الذى يصيرون اليه ويرجعون. والفرق بين المرجع والمصير ان المصير يجب ان يخالف الحالة الاولى ولا كذلك المرجع وفى الحديث "حديث : اوصيك بتقوى الله فانها رأس امرك" تفسير : يعنى اصل الطاعة وهو الخوف من الله تعالى فان المرء لا يميل الى الطاعة ولا يرغب عن المعصية الا بالتقوى فاذا غرس شجرة التقوى فى القلب تميل اطراف الانسان الى جانب الحسنات ولا يقدم على ارتكاب السيآت "حديث : وعليك بالجهاد فانه رهبانية امتى" تفسير : الرهبانية الخصال المنسوبة الى الرهبان من التعبد فى الصوامع والغيران وترك اكل اللحم والطيبات ولبس الخلل من الثياب فقد افاد النبى عليه السلام ان الثواب الذى يحصل للامم السالفة بالرهبانية يحصل لهذه الامة المرحومة بالغزو وان لم يترهبوا بل رب آكل ما يشتهيه خير من صائم نبت حب الدنيا فيه: قال السعدى قدس سره شعر : خورنده كه خيرى برآيد ردست به از صائم الدهر دنيا برست تفسير : قال الاوزاعى خمس كان عليها اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لزوم الجماعة وابتاع السنة وعمارة المسجد وتلاوة القرآن والجهاد فى سبيل الله وفى الحديث "حديث : افضل رجال امتى الذين يجاهدون فى سبيل الله وافضل نساء امتى اللاتى لا يخرجن من البيوت الا لامر لا بد لهن منه " .تفسير : وفى الحديث "حديث : اتقوا اذى المجاهدين فى سبيل الله فان الله تعالى يغضب لهم كما يغصب للرسل ويستجيب لهم كما يستجيب للرسل " .تفسير : وفى الحديث "حديث : اذا اخذتم اذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا الى دينكم " .تفسير : دل هذا على ان ترك الجهاد والاعراض عنه والسكون الى الدنيا خروج من الدين وكفى بهذا اثما وذنبا مبينا. وفى الآية اشارة الى القلب الذى نبأ من مقام الانبياء يأمره بالجهاد مع كفار النفس وصفاتها وهذا مقام المشايخ يجاهدون مع نفوسهم او نفوس مريدهم كما قال عليه السلام "حديث : الشيخ فى قومه كالنبى فى امته ".تفسير : : قال فى المثنوى شعر : كفت بيغمبركه شيخى رفته ببش جون نبى باشدميان قوم خويش تفسير : فامر بالجهاد مع كافر النفس وصفاتها بسيف الصدق فجهاد النفوس بمنعها عن شهواتها واستعمالها فى عمل الشريعة على خلاف الطبيعة والنفوس بعضها كفار لم يسلموا اى لم يستسلموا للمشايخ فى تربيتها فجهادها بالدعوة الى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وبعضها منافقون وهم الذين ادعوا الارادة والاستسلام للمشايخ فى الظاهر ولم يعرفوا بما عاهدوا عليه فجهادها بالزامها مقاساة شدائد الرياضات فى التزكية على قانونها ممتثلة اوامر الشيخ ونواهيه ولو يرى عليها الاباء والامتناع فلا ينفعها الا التشديد والغلظة كما قال تعالى {واغلظ عليهم} فالواجب ان يبالغ فى خالفتها ومؤاخذتها فى احكام الطريقة فان فاءت الى امر الله فهو المراد والا استوجبت لما خلقت له {ومأواهم جهنم} اى مرجعهم جهنم البعد ونار القطيعة وبئس البصير مرجعهم كذا فى التأويلات النجمية. فعلى السالك ان يجاهد مع هواه اولا فان السلطان يلزم عليه ان يحارب البغاة الذين فى مملكته ثم الذين وراءهم من الكفار نسأل الله تعالى ان يقوينا وينصرنا على القوم الكافرين اياما كانوا

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا أيها النبيُّ جاهد الكفار} بالسيف، {والمنافقين} باللسان؛ بإلزام الحجة وبإقامة الحدود؛ ما لم يظهر عليهم ما يدل على كفرهم، فإن ظهر عليهم ذلك فحكمهم كحكم الزنديق، فيقتل على المشهور. {واغْلظْ عليهم} بالقول والفعل، إن استوجبوا ذلك، ولا تراقبهم، {ومأواهم جهنُم وبئس المصير} أي: المرجع، مصيرهم. {يحلفون بالله ما قالوا}، رُوي: أنه صلى الله عليه وسلم أقام في غزوة تبوك شهرين، ينزل عليه القرآن، ويعيب المختلفين فقال الجُلاس بن سُويد: لئن كان ما يقول محمد في إخواننا حقاً لنحن شرٌّ من الحمير، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فاستحضره، فحلف بالله ما قال، فنزلت، فتاب الجُلاس، وحسُنَت توبته. قال تعالى: {ولقد قالوا كلمة الكفر}، يعني: ما تقدم من قول الجُلاس، أو قول ابن أُبيّ: سَمِّن كَلبَك يأكُلك، أو: {لئن رجعنا إلى المدينة}... الآية. {كفروا بعد إسلامهم}؛ وأظهروا الكفر بعد إظهار الإسلام، ولم يقل بعد إيمانهم، لأنهم يقولون بألسنتهم: آمنا، ولم يدخل في قلوبهم، {وهَمُّوا بما لم ينالوا} من قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو: أن خمسة عشر منهم توافقوا عند مَرْجِعِه من تبوك، أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي، إذا وصل إلى العَقَبة بالليل، فأخذ عمَّار بن ياسر بخطام راحلته يقودها، وحُذيفة خلفها يسوقها، فبينما هم كذلك إذ سمع حُذَيفة تقعقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح، فقال: إليكم إليكم إليكم يا أعداء الله، فهربوا. أو: هموا بإخراجه من المدينة، أو إخراج المؤمنين، أو هموا بأن يُتَوجُوا عبد الله بن أُبي، وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينالوا شياً من ذلك. {وما نَقَمُوا} أي: وما عابوا وكرهوا {إلا أن أغناهم الله ورسولُهُ من فضله} الذين حقهم أن يشكروا عليه، وذلك أن اكثر أهل المدينة كانوا محاويج، في ضَنَكٍ من العيش، فلما قَدِمَهم رسول الله صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم، وقُتِل للجُلاَس مولى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثنى عشر ألفاً، فأُعطيت له، فاستغنى. {فأن يتوبُوا يَكُ خيراً لهم}، وهذا حمل الجلاس على التوبة، والضمير يعود على الرجوع المفهوم من التوبة، {وإن يتولوا} عنك؛ بالإصرار على النفاق، {يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة}؛ بالقتل والنار، {وما لهم في الأرض من وليِّ ولا نصير} ينجيهم من العذاب. الإشارة: كفار الخصوصية على القسمين: قسم أظهروا الإنكار على أهلها، وقسم أبطنوه وأظهروا الوفاق، ففيهم شبه بأهل النفاق، فينبغي الإعراض عن الجميع، والاشتغال بالله عنهم، وهو جهادهم والإغلاظ عليهم، فعداوة العدو حقاً هو اشتغالك بمحبة الحبيب حقاً. وقد تَصْدر عنهم في جانب أهل الخصوصية مقالات ثم ينكرونها، وقد يَهمُّوا بما لم ينالوا من إذايتهم وقتلهم، لو قدروا. والله يتولى الصالحين. ونزل في ثعلبة بن حاطب، قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ}.

الطوسي

تفسير : امر الله تعالى في هذه الآية نبيه صلى الله عليه وآله أن يجاهد الكفار والمنافقين والجهاد هو ممارسة الأمر الشاق والجهاد يجب باليد واللسان والقلب، فمن امكنه الجميع وجب عليه جميعه. ومن لم يقدر باليد فباللسان فان لم يقدر فبالقلب. واختلفوا في كيفية جهاد الكفار والمنافقين. فقال ابن عباس: جهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين باللسان والوعظ والتخويف، وهو قول الجبائي. وقال الحسن وقتادة: جهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين باقامة الحدود عليهم. وكانوا اكثر من يصيب الحدود. وقال ابن مسعود: هو بالانواع الثلاثة حسب الامكان فان لم يقدر فليكفهر في وجوههم وهو الاعم. ووري في قراءة اهل البيت عليهم السلام {جاهد الكفار بالمنافقين}. وقوله {واغلظ عليهم} امر منه تعالى لنبيه ان يقوي قلبه على احلال الالم بهم واسماعهم الكلام الغليظ الشديد ولا يرق عليهم. ثم قال {ومأواهم جهنم} اي منزلهم جهنم ومقامهم. والمأوى منزل مقام، لا منزل ارتحال. ومثله المثوى والمسكن وقوله {وبئس المصير} اخبار منه تعالى ان مرجع هؤلاء ومآلهم بئس المرجع والمآل.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ} بالجهاد الصّورىّ والقتال بنفسك {وَٱلْمُنَافِقِينَ} بمظاهرك واوصيائك فانّه لم يقاتل المنافقين ومن هنا علم وجه تأخير المنافقين هنا مع انّ المقام للتّغليظ على المنافقين وذكر الكفّار لمحض بيان مساواة المنافقين لهم لذمّ آخر للمنافقين، ولذا اخّر الكفّار فى الآية السّابقة او جاهد الكفّار والمنافقين فى العالم الكبير والصّغير بنفسك او باوصيائك او باتباعك المؤمنين، فانّ المؤمنين ايضاً مأمورون بالجهاد مع كفّار وجودهم ومنافقيه بالقتال الصّورىّ والمعنوىّ وبالمحاجّة والمجادلة الحسنة وبالمداراة وحسن العشرة وبادخالهم تحت سلطنتك واخذ الجزية والزام الفرائض والحدود على منافقى امّتك، فما ورد فى الاخبار فى تفسير الآية مع اختلافها غير مختلف معنى {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} امّا جملة دعائيّة او ذمّيّة فلا اشكال فى عطفها على الانشاء ولا فى عطف ما بعدها عليها ايضاً، او جملة خبريّة وحينئذٍ فالعطف امّا بتوهّم جملة معطوف عليها او بتقديرها باعتبار المعنى، فانّ الامر بالقتال والغلظة مشعر بانّهم لا خير فيهم فكأنّه قال انّهم لا خير فيهم ومأويهم جهنّم والتّعاطف بين غير المتناسبين بحسب اللّفظ والمفهوم المطابقىّ بلحاظ المقصود، والمعنى الالتزامىّ كثير شائع فى كلامهم، ومن جوّز عطف الانشاء على الخبر وبالعكس نظر الى ظاهر ما ورد فى الكتاب وظاهر ما رأى فى كلامهم مع الغفلة عن اللّطائف المندرجة فى العطف والقطع الملحوظة للفصحاء فى كلامهم {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} ان كان الاولى ذميّةً او دعائيّة فلا اشكال فى العطف وان كانت خبريّةً فالعطف بلحاظ ذمّ مستفاد منها.

الهواري

تفسير : قوله: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} أي جاهد الكفار المشركين بالسيف، واغلظ على المنافقين بالحدود، وهو تفسير الحسن. وقال الحسن: كان أكثرُ من يصيب الحدود يومئذٍ المنافقين. قال الكلبي: وَاغلظ على المنافقين، أي: بالقول. قال: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي: ومصيرهم، أي منزلهم، جهنم. {وَبِئْسَ المَصِيرُ}.

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها النَّبى جاهِدِ الكُفَّارَ} بالسيف والسلاح {والمنافِقِينَ} بإقامة الحدود، قال الحسن، وقتادة: كان أكثر من يصيب الحدود يومئذ المنافقين، ولذلك خصوا بالذكر بإقامة الحد وإلزام الحجة، وقال ابن عباس، والضحاك: باللسان، وإذهاب الرفق عنهم، وقال ابن مسعود: بالسيف إن قدرت، وإلا فباللسان، وإلا فبالقلب، وإظهار الغضب فى الوجه عليهم، واختاره الطبرى، لأن الجهاد عبارة عن بلوغ الجهد، وبذله ما أمكن ولو بالانتهار، ولكن القتل لا يكون إلا مع إظهار ما يخالف الإيمان، مع إصرار وإقرار، ولذلك تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة، لأنهم يدعون الإيمان، وإذا ظهر من واحد خلافه أنكر واعتذر، وكان فى تركهم حياطة للإسلام، وأن لا تنفر العرب بقتل من يظهر الإسلام. {واغْلُظْ عَليهِم} على كلا الفريقين فى جهاده، وعن الكلبى: اغلظ على المنافقين بالقول {ومأوَاهُم} مرجعهم {جَهنَّم وبئسَ المصِيرُ} مصيرهم، أو مأواهم، أو جهنم، والمقصد واحد، وقد مر أن الجلاس ابن سويد وغيره قالوا بحضرة عامر بن قيس، مستحقرين له لصغره: لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير، فأخبره عامر، وانكروا وحلفوا فنزل: {يحْلفُونَ باللهِ ما قالُوا ...}.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ} بالقتال {وَالْمُنَافِقِينَ} بإِقامة الحجة والوعظ وإِقامة الحدود كالجلد والرجم والقطع، ومن لم يطق فبالقلب، فالجهاد مستعمل فى حقيقته الشرعية وهى القتال ومجازه الشرعى وهو مطلق الدفع عما لا يرضى بإِقامة الحجة وما بعدها، وعلى منع الجمع بينهما يفسر بمطلق المعنى الموجود فيهما الصادق بهما، وهو بذل الجهد فى دفع مالا يرضى بالقتال للكفار وإِقامة الحجة وما بعدها فى المنافقين، فالآية على العموم وبينت السنة من يقتل وهو مظهر الشرك، ومن يقتصر فيه على ما دون القتل وهو مظهر الإِسلام مضمر الشرك، وكذا من لم يضمره وزعم بعض أَن الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز إِجماعا، إِذا كان المجاز عقليا وهو باطل. وعن الحسن: جاهد المنافقين بإِقامة الحدود ولا حصر لها فيهم، ولكن هم أَكثر من يعمل موجبها على عهده صلى الله عليه وسلم، فالحسن كأَصحابنا يطلق النفاق على فعل الكبيرة وهو حق، إِلا أَن التعميم فيهم بإِقامة الحجة والحدود أَولى فى الآية. ولا دليل فى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : آية المنافق ثلاث: إِذا حدث كذب، وإِذا وعد أَخلف، وإِذا أُؤْتمن خان"تفسير : ويروى أَربع إِذا خاصم فجر لأَنه صلى الله عليه وسلم لم يجعلهن نفاقا بل علامة نفاق هو إِضمار شرك إِلا أَن الأَمر سهل لأَنا نسميهن نفاقا، ولو لم يضمر شركا، وقومنا يقولون: المراد أَنه شبيه بمضمر الشرك، وقال بعض قومنا: إِن غلبت عليه ولم يكترث سمى منافقا ولو لم يضمر شركا لأَنه غير بعيد أَن يضمره، وزعموا أَن الحسن رجع إِلى أَن المنافق من أَضمر الشرك. {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} بكلام السوءِ والانتهار وسوءِ النظر والتعبس فى وجوههم ولا تلن لهم {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} هى.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ} ظاهره يقتضي مقاتلة المنافقين وهم غير مظهرين للكفر ولا نحكم بالظاهر لأنا نحكم بالظاهر كما في الخبر ولذا فسر ابن عباس والسدى ومجاهد جهاد الأولين بالسيف والآخرين باللسان وذلك بنحو الوعظ وإلزام الحجة بناء على أن الجهاد بذل الجهد في دفع ما لا يرضى وهو أعم من أن يكون بالقتال أو بغيره فإن كان حقيقة فظاهر وإلا حمل على عموم المجاز. وروي عن الحسن وقتادة أن جهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم. واستشكل بأن إقامتها واجبة على غيرهم أيضاً فلا يختص ذلك بهم. وأشار في «الأحكام» إلى دفعه بأن أسباب الحد في زمنه صلى الله عليه وسلم أكثر ما صدرت عنهم، وأما القول بأن المنافق بمعنى / الفاسق عند الحسن فغير حسن. وروي ـ والعهدة على الراوي ـ أن قراءة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم (جاهد الكفار بالمنافقين) والظاهر أنها لم تثبت ولم يروها إلا الشيعة وهم بيت الكذب. {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} أي على الفريقين في الجهاد بقسميه ولا ترفق بهم. عن عطاء نسخت هذه الآية كل شيء من العغو والصفح {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} استئناف لبيان أجل أمرهم إثر بيان عاجله. وذكر أبو البقاء في هذه الثلاثة أوجه: أحدها أنها واو الحال والتقدير افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنم وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم، والثاني أنها جيء بها تنبيهاً على إرادة فعل محذوف أي واعلم أن مأواهم جهنم، والثالث أن الكلام محمول على المعنى وهو أنه قد اجتمع لهم عذاب الدنيا بالجهاد والغلظة وعذاب الآخرة بجعل جهنم مأواهم {وَبِئْسَ المَصِير} تذييل لما قبله والمخصوص بالذم محذوف أي مصيرهم.

ابن عاشور

تفسير : لمّا أشعر قوله تعالى في الآية السابقة {أية : وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم}تفسير : [التوبة: 68]. بأنّ لهم عذابين عذاباً أخروياً وهو نار جهنم، تعيَّن أنّ العذاب الثاني عذاب دنيوي وهو عذاب القتل، فلمّا أعقب ذلك بشنائع المنافقين وبضرب المثل لهم بالأمم البائدة، أمر نبيئَهُ بجهاد المنافقين وهذا هو الجهاد الذي أنذروا به في سورة الأحزاب (60، 61) في قوله: {أية : ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً} تفسير : فبعد أن أنذرهم الله بذلك فلم يرتدعوا ومضى عليهم من المدّة ما كُشفت فيه دخيلتُهم بما تكرّر منهم من بوادر الكفر والكيد للمسلمين، أنجز الله ما أنذرهم به بأن أمر رسوله بجهادهم. والجهاد القتال لنصر الدين، وتقدّم في قوله تعالى: {أية : يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لآئم} تفسير : في سورة العقود (54). وقُرن المنافقون هنا بالكفار: تنبيهاً على أنّ سبب الأمر بجهاد الكفار قد تحقّق في المنافقين، فجهادهم كجهاد الكفار، ولأنّ الله لمّا قرنهم في الوعيد بعذاب الآخرة إذ قال: {أية : وعد الله المنافقين والمنافقات والكفّار نار جهنم}تفسير : [التوبة: 68] وأومأ قوله هنالك بأنّ لهم عذاباً آخرَ، لا جرم جَمعَهم عند شرع هذا العذاب الآخرِ لهم. فالجهاد المأمور للفريقين مختلف، ولفظ (الجهاد) مستعمل في حقيقتِه ومجازه. وفائدة القرن بين الكفّار والمنافقين في الجهاد: إلقاء الرعب في قلوبهم، فإنّ كلّ واحد منهم يخشى أن يظهر أمره فيعامَلَ معاملة الكفار المحاربين فيكون ذلك خاضداً شوكتَهم. وأمّا جهادهم بالفعل فمتعذر، لأنّهم غير مظهرين الكفر، ولذلك تأوّل أكثر المفسّرين الجهادَ بالنسبة إلى المنافقين بالمقاومة بالحجّة وإقامةِ الحدود عند ظهور ما يقتضيها، وكان غالبُ من أقيم عليه الحدّ في عهد النبوءة من المنافقين. وقال بعض السلف جهادهم ينتهي إلى الكشر في وجوههم. وحملها الزجّاج والطبري على ظاهر الأمر بالجهاد، ونسبه الطبري إلى عبد الله بن مسعود، ولكنّهما لم يأتيا بمقنع من تحقيق المعنى. وهذه الآية إيذان للمنافقين بأنّ النفاق يوجب جهادهم قطعاً لشأفتهم من بين المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعلمهم ويعرّفهم لحذيفةَ بن اليَمان، وكان المسلمون يعرفون منهم مَن تكرّرت بوادر أحواله، وفلتات مقاله. وإنّما كان النبي ممسكاً عن قتلهم سَدّا لذريعة دخول الشكّ في الأمان على الداخلين في الإسلام كما قال لعُمر: «لا يتحدّث الناس أنّ محمّداً يقتل أصحابه» لأنّ العامّة والغائبين عن المدينة لا يَبْلغون بعلمهم إلى معرفة حقائق الأمور الجارية بالمدينة، فيستطيع دعاة الفتنة أن يشوّهوا الأعمال النافعة بما فيها من صورة بشيعة عند من لا يعلم الحقيقة، فلمّا كثر الداخلون في الإسلام واشتهر من أمان المسلمين ما لا شكّ معه في وفاء المسلمين، وشاع من أمر المنافقين وخيانتهم ما تسامعتْه القبائل وتحقّقه المسلم والكافر، تمحّضت المصلحة في استئصال شافتهم، وانتفت ذريعة تطرّق الشكّ في أمان المسلمين، وعلم الله أنّ أجل رسوله عليه الصلاة والسلام قد اقترب، وأنّه إن بقيت بعده هذه الفئة ذات الفتنة تفاقم أمرها وعسر تداركها، واقتدى بها كلّ من في قلبه مرض، لا جرم آذنهم بحرب ليرتدعوا ويقلعوا عن النفاق. والذي يوجب قتالهم أنّهم صرّحوا بكلمات الكفر، أي صرّح كلّ واحد بما يدلّ على إبطانه الكفر وسمعها الآخرون فرضوا بها، وصدرت من فريق منهم أقوال وأفعال تدلّ على أنّهم مستخفون بالدين، وقد توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرب نزول هذه الآية. ولعلّ من حكمة الإعلام بهذا الجهاد تهيئةَ المسلمين لِجهاد كلّ قوم ينقضون عُرى الإسلام وهم يزعمون أنّهم مسلمون، كما فعل الذين منعوا الزكاة وزعموا أنّهم لم يكفروا وإنّما الزكاة حقّ الرسول في حياته، وما ذلك إلاّ نفاقٌ من قادَتهم اتَّبعه دَهماؤهم، ولعلّ هذه الآية كانت سبباً في انزجار معظم المنافقين عن النفار وإخلاصِهم الإيمانَ كما ورد في قصّة الجُلاَس بن سُويد. وكان قد كفَى الله شرّ متولّي كِبْر النفاق عبدِ اللَّه بنِ أبي بنِ سَلول بموته فكان كلّ ذلك كافياً عن إعمال الأمرِ بجهادهم في هذه الآية {أية : وكفى الله المؤمنين القتال}تفسير : [الأحزاب: 25]. وهذه الآية تدلّ على التكفير بما يدلّ على الكفر من قائله أو فاعله دلالةً بيّنة، وإن لم يكن أعلن الكفر. {واغلظ عليهم} أمر بأنْ يكون غليظاً معهم. والغلظة يأتي معناها عند قوله: {أية : وليجدوا فيكم غلظة} تفسير : في هذه السورة (123). وإنّما وجه هذا الأمر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لأنّه جُبل على الرحمة فأمر بأن يتخلّى عن جبلّته في حقّ الكفار والمنافقين وأن لا يغضي عنهم كما كان شأنه من قبل. وهذه الآية تقتضي نسخ إعطاء الكفارِ المؤلّفةِ قلوبهم على الإسلام وإنّما يبقى ذلك للداخلين في الإسلام حديثاً. وجملة: {وبئس المصير} تذييل. وتقدّم نظيره مرات. والمأوى ما يأوي إليه المرء من المكان، أي يرجع إليه. والمصير المكان الذي يصير إليه المرء، أي يرجع فالاختلاف بينه وبين المأوى بالاعتبار، والجمع بينهما هنا تفنّن.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: جاهد الكفار: ابذل غاية جهدك في قتال الكفار والمنافقين. واغلظ عليهم: أي في القول والفعل أي شدد عليهم ولا تلن لهم. كلمة الكفر: أي كلمة يكفر بها من قالها وهي قول الجلاس بن سويد: إن كان ما جاء به محمد حقاً لنحن شرّ من الحمير. وهموا بما لم ينالوا: أي هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم في مؤامرة دنيئة وهم عائدون من تبوك. وما نقموا إلا أن أغناهم: أي ما أنكروا أو كرهوا من الإِسلام ورسوله إلا أن أغناهم الله بعد فقر أعلى مثل هذا يهمون بقتل رسول الله؟ معنى الآيتين: يأمر تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين فيقول {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} وجهاد الكفار يكون بالسلاح وجهاد المنافقين يكون باللسان، وقوله تعالى {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} أي شدد عملك وقولك، فلا هوادة مع من كفر بالله ورسوله، ومع من نافق الرسول والمؤمنين فأظهر الإِيمان وأسر الكفر وقوله تعالى {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي جهنم يريد ابذل ما في وسعك في جهادهم قتلاً وتأديباً هذا لهم في الدنيا، وفي الآخرة مأواهم جهنم وبئس المصير، وقوله تعالى في الآية الثانية [74] {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} هذا الكلام علّة للأمر بجهادهم والإِغلاظ عليهم لقول الجلاس بن سويد المنافق: لئن كان ما جاء به محمد حقاً لنحن شر من الحمير سمعه منه أحد المؤمنين فبلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء الجلاس يعتذر ويحلف بالله ما قال الذي قال فأكذبه الله تعالى في قوله في هذه الآية {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} والسياق دال على تكرر مثل هذا القول الخبيث وهو كذلك. قوله تعالى {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} يعني المنافقين الذين تآمروا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم عند عودته من تبوك في عقبة في الطريق إلا أن الله فضحهم وخيّب مسعاهم ونجى رسوله منهم حيث بعث عمار بن ياسر يضرب وجوه الرواحل لما غشوه فردوا وتفرقوا بعد أن عزموا على أن يزاحموا رسول الله وهو على ناقته بنوقهم حتى يسقط منها فيهلك أهلكهم الله. وقوله تعالى {وَمَا نَقَمُوۤاْ} أي وما كرهوا من رسول الله ولا من الإِسلام شيئاً إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله وهل الغنى بعد الفقر مما ينقم منه، والجواب لا ولكنه الكفر والنفاق يفسد الذوق والفطرة والعقل أيضاً. ومع هذا الذي قاموا به من الكفر والشر والفساد يفتح الرب الرحيم تبارك وتعالى باب التوبة في وجوههم ويقول {فَإِن يَتُوبُواْ} من هذا الكفر والنفاق والشر والفساد يك ذلك {خَيْراً لَّهُمْ} حالاً ومآلاً أي في الدنيا والآخرة، {وَإِن يَتَوَلَّوْا} عن هذا العرض ويرفضوه فيصرون على الكفر والنفاق {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً} أي موجعاً في الدنيا بالقتل والخزي، وفي الآخر بعذاب النار، {وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ} يتولاهم ولا ناصر ينصرهم، أي وليس لهم في الدنيا من ولي يدفع عنهم ما أراد الله أن ينزله بهم من الخزي والعذاب وما لهم من ناصر ينصرهم بعد أن يخذلهم الله سبحانه وتعالى. هداية الأيتين من هداية الآيتين: 1- بيان آية السيف وهي {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ}. 2- تقرير مبدأ الردة وهي أن يقول المسلم كلمة الكفر فيكفر بها وذلك كالطعن في الإِسلام أو سب الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو التكذيب بما أمر الله تعالى بالإِيمان به والتصديق بضده أي بما أمر الله بتكذيبه. 3- تقرير مبدأ التوبة من كل الذنوب، وأن من تاب تقبل توبته. 4- الوعيد الشديد لمن يصر على الكفر ويموت عليه.

القطان

تفسير : الغلظة: الخشونة والشدة في المعاملة. وهموا بما لم ينالوا: ارادوا ان يعملوا شيئا لم يستطيعوا. وما نقموا: ما انكروا وعابوا. بعد ان بيّن صفاتِ المؤمنين الصادقين، وصفةَ المنافقين الذين يدّعون الإيمان، اعاد الكرّة الى تهديد المنافقين وإنذارِهم بالجهاد كالكفار المجاهرين بكفرهم، فان هؤلاء المنافقين قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد اسلامهم، وهموا بأمر خيَّبهم الله فيه. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. يا ايها النبيّ ثابرْ على جهادِك في رَدْع الكفار عن كفرهم، والمنافقين عن نفاقهم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُلاينُ المنافقين، ويصفح عنهم كثيرا. لكن هذا كله لم يجد معهم، فأمره الله تعالى ان يعاملَهم بالشدّة والغِلظة لعلها تربيّهم وتردعهم، أما مآلُهم الذي أعدّه الله لهم في الآخرة فهو جنهم وبئس المصير. ثم ذكر الله سبحانه الجرائم الموجبةَ لجهادهم كالكفّار، وهي أنهم أظهروا الكفرَ بالقول وهموا بشرِّ ما يُغري به من الفعل، وهو الفتكُ برسول الله وهو عائد من تبوك. فقد تآمر بعض منهم على ان يفتكوا به عند عَقَبةٍ في الطريق، لكنه تنبّه وأخذَ الحَيْطة ونجّاه الله منهم. {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ}. يحلف المنافقون أمامك يا محمد بالله أنهم ما قالوا منكَراً مما بلغَك عنهم، لكنهم كاذبون في الإنكار، فقد قالوا كلمةَ الكفر التي رويتْ عنهم، وظهر كفرهم بعد ان كانوا يتظاهرون بالاسلام. بل إنهم همّوا بما لم ينالوا. وهذا ما رواه كثير من أئمة الحديث، حديث : أنهم أرادوا ان يغتالوا رسول الله في منصرَفَه من تبوك عند العقبة على الطريق، وقد احتاط الرسولُ لذلك وأمر عمّار بن ياسر وحُذَيفة بن اليمان ان يكونا معه حتى اجتاز المكان. ولما غِشِيَه المتآمرون كانا منتبهَين فنجا رسول الله. وقد عرفهم حذيفة، وكانوا اثني عشر رجلاً كما في صحيح مسلم. وحاول بعض الصحابة ان يقتلهم فلم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لا اريد ان يتحدّث الناس بأن محمداً قتل أصحابه . تفسير : {وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}. ما كان سبب نقمتهم على الرسول الا بَطَراً بالنعمة، بعد ان أغناهم الله ورسوله بما حَصَلوا عليه من الغنائم التي شاركوا فيها المسلمين. {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ}. فان يرجعوا الى الله بِتَرْكِ النفاق والندمِ على ما كان منهم يَقْبَلِ اللهُ توبتهم، ويكون ذلك خيراً لهم، وان يُعرضوا عن الإيمان يعذّبهم الله في الدنيا بمختلف ألوان البلاء، وفي الآخرة بنار جهنم. {وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. وليس في الأرض من يدافع عنهم او يشفع لهم وينصرهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {جَاهِدِ} {وَٱلْمُنَافِقِينَ} {وَمَأْوَاهُمْ} (73) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَبْذُلَ الْجَهْدَ فِي مُقَاوَمَةِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، الذِينَ يَعِيشُونَ بَيْنَ ظَهْراني المُسْلِمِينَ، مِثْلَما تَبْذُلُهُ هَاتَانِ الطَّائِفَتَانِ فِي عَدَاوَةِ الرَّسُولِ وَالْمُسْلِمِينَ، كَمَا يَأْمُرُهُ بِمُعَامَلَتِهِمَا بِالشِّدَّةِ وَالغلْظَةِ لِتَرْتَدِعَا، وَيَرْتَدِعَ مَنْ خَلْفَهُمَا. وَمُجَاهَدَةُ الْكُفَّارِ تَكُونُ بِِالسَّيْفِ، وَمُجَاهَدَةُ الْمُنَافِقِينَ تَكُونُ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، وَسَيَكُونُ مَصِيرُ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَيَخْلُدُونَ فِيهَا أَبَداً، وَبِذَلِكَ يَجْتَمِعُ لَهُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. اغْلُظْ عَلَيْهِمْ - شَدِّدْ عَلَيهِمْ، وَلاَ تَرْفِقْ بِهِمْ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ} بالسيف والقتال {وَٱلْمُنَافِقِينَ}. اختلفوا في صفة جهاد المنافقين، قال ابن مسعود: بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فاكفهر في وجهه. قال ابن عباس: باللسان وشدة الزجر بتغليظ الكلام، قال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم، ثم قال {وَمَأْوَاهُمْ} في الآخرة {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} قال [ابن مسعود وابن عباس] وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو [والصلح] والصفح. {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} قال ابن عباس: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل شجرة فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر اليكم بعينيّ شيطان، إذا جاء فلا تكلّموه، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ماقالوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. تفسير : وقال الضحاك: "حديث : خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك،وكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وطعنوا في الدين، فنقل ماقالوا حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي: يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم؟فحلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا بشيء من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذاباً لهم " تفسير : . وقال الكلبي: نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت [لأنّ] حديث : رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك وذكر المنافقين فسمّاهم رجساً وعابهم، فقال الجلاس: والله إن كان محمد صادقاً فيما يقول فنحن شر من الحمير فسمعه عامر بن قيس، فقال: أجل والله إن محمداً لصادق مصدق وأنتم شر من الحمير. فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس، فقال الجلاّس: كَذِب يا رسول الله عليّ، ما قلتُ شيئاً من ذلك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلفا عند المنبر بعد العصر، فحلف بالله الذي لا إله إلاّ هو ما قاله، وإنه كذب عليّ عامر، ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلاّ هو لقد قاله وما كذبت عليه، ثم رفع عامر بيديه إلى السماء فقال: اللهم أنزل على نبيك الصادق منا المصدّق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون: آمين، فنزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ} فقام الجلاس، فقال: يارسول الله أسمع الله قد عرض عليّ التوبة، صدق عامر بن قيس في ذلك، لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه ثم تاب فحسن توبته . تفسير : قال قتادة: ذُكر لنا أن رجلين اقتتلا: رجلا من جهينة، ورجلاً من غفار، وكانت جهينة حلفاء الأنصار، وظفر الغفاري على الجهيني، فنادى عبد الله بن أُبي: أيّها الأوس انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلاّ كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك. ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل صلى الله عليه وسلم إليه، فجعل يحلف بالله ما قال، فأنزل الله عز وجل: يحلفون بالله ما قالوا {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ}. قال مجاهد: هم المنافقون بنقل المؤمن الذي يقول لنحن شر من الحمير لكي لا يفشيه عليه. قال السدي: قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أُبي تاجاً يباهي به [............] إليه. وقال الكلبي: هم خمسة عشر رجلاً منهم عبد الله بن أُبي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أُبيرق والجلاس بن سويد وعامر بن النعمان وأبو الاحوص، همّوا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأخبر جبرائيل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: إنهم من قريش هموا في قتل النبي صلى الله عليه وسلم فمنعه الله عز وجل. جابر عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه في هذه الآية قال: هَمَّ رجل من قريش يقال له الاسود بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا نَقَمُوۤاْ} منه، ما أنكروا منه ولا (ينقمون) {إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِه} (ويقال: إنّ القتيل) مولى الجلاس قُتل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألفا فاستغنى، وقال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من عيشهم، لايركبون الخيل ولايحوزون الغنيمة، فلمّا قدم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم، وهذا مثل مشهور: اتّقِ شر من أحسنت إليه. ثم قال الله عز وجل {فَإِن يَتُوبُواْ} من نفاقهم وكفرهم {يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا} يعرضوا عن الإيمان {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا} بالقتل والخزي {وَٱلآخِرَةِ} بالنار {وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن: فبعد أن ذكر الحق لنا الجنة وما فيها، وما يجعل النفس مشتاقة إلى الجنة، فهو يُذكِّرنا بما يجب علينا أن نفعله لخدمة منهج الله - ولله المثل الأعلى - مثلما تقول لابنك: عندما تتخرج طبيباً ستكون لك عيادة كبيرة ثم مستشفى، وترتقي معه فيما ينتظره من مستقبل كبير، وتُذكِّره بضرورة أن يجتهد في المذاكرة حتى يصل إلى ما يتمناه. وبذلك تكون قد حبَّبته في الغاية التي سيصل إليها، ثم انتقلت لتحببه في الوسيلة التي ستوصله إلى هذه الغاية. وهنا يقول الحق سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} والحق جَلَّ وعلا يخص رسوله صلى الله عليه وسلم بالتكريم والتعظيم، فلم يُناده باسمه. بل قال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} وفي مواقع أخرى يناديه: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ}. ولكن النداء من الحق لباقي الأنبياء، يكون مثل قوله تعالى: {أية : وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ...} تفسير : [البقرة: 35]. وقوله تعالى: {أية : قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ ...} تفسير : [هود: 48]. ونادى الحق إبراهيم: {أية : يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ...} تفسير : [الصافات: 104-105]. ونادى الحق موسى: {أية : يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ ...} تفسير : [طه: 11-12]. وخاطب الحق سيدنا عيسى: {أية : يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ...} تفسير : [المائدة: 116]. فكل رسول ناداه الحق سبحانه وتعالى باسمه، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ناداه بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ}، و {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} تكريماً للرسول عليه الصلاة والسلام، ورفعاً لمقامه عند ربه. وهنا يطلب الحق من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار والمنافقين. ونحن نعلم أن السماء لا تتدخل لإرسال رسول إلا إذا فسد المجتمع فساداً عامّاً. ونعلم أن النفس الإنسانية فيها قد فُطِرتْ على محبة الخير، فإن لم يحكمها هواها فهي تفعل الخير وتحبه، فإن حكمها هواها ستر عنها الخير وفتح الهوى للنفس أبواب الشر. وقد يطيع الإنسان هواه في أمر من الأمور، ثم يفيق؛ فتلومه نفسه على ما فعل، هذه هي النفس اللوامة، التي تلوم صاحبها على الشر، وتدفعه إلى الخير. ولكن هناك نفس تتوقف فيها ملكات الخير فتفعل الشر، ولا تندم عليه، ثم ترتقي النفس في الشر فتصبح أمَّارة بالسوء، وتأبى ألا تكتفي بفعل الشر، بل تأمر به الناس وتُحبِّبه لهم. إذن: فمراحل النفس البشرية كثيرة، فهناك النفس التي تطمئن لمنهج الله وتطيعه. وهذه هي النفس المطمئنة؛ التي يقول فيها الحق: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي} تفسير : [الفجر: 27-30]. وإذا وُجدت النفس المطمئنة والنفس اللوامة، فاعلم أن المجتمع بخير؛ لأن النفس المطمئنة تطيع، وتأمر بالطاعة، والنفس اللوامة تلوم صاحبها على الشر، ولكل مؤمن نقطة ضعف، فإذا ضعف مؤمن، يسرع له أخوه المؤمن ليلومه على ضعفه، ويصحح له مساره؛ ولأن نقط الضعف مختلفة، نجد أن المجتمع يستقيم كلما وُجد من يلتفت النظر إلى المنكر وينهى عنه، وهؤلاء هم الذين يقول الحق عنهم: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 3]. ولكن عندما تصدأ النفوس جميعاً، ولا يصبح هناك من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل تجد من ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر، حينئذ لا بد أن يتدخل الحق سبحانه ليعيد للحق مكانه في الدنيا. إذن: فرب العزة لا يتدخل في حالة وجود نفوس مطمئنة تطبق منهج الله وتأمر بطاعته، أو وجود نفوس لوامة، سواء في ذات النفس البشرية أو في المجتمع تراجع من يرتكب الإثم وتلومه، ولكن إذا عَمَّ الفساد في المجتمع، ولم يصبح هناك من ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف، وأصبح أهل الخير فيه عاجزين عن أن يفعلوا شيئاً، جاءت الرسل لتعيد منهج الحق لينظم حياة هذا المجتمع. وحين يأتي الرسول فهو يعلم أنه ما أُرسل إلا بعد أن عَمَّ الشر في الكون، وأن أهل الفساد هم الأغلبية، وهم أصحاب النفوذ والسلطان، وينتفعون بالفساد والانحراف المستشري في المجتمع. وهؤلاء إذا سمعوا بصيحة الحق؛ فلن يقفوا متفرجين، بل سيحاربون كل من يحمل منهج الحق إليهم. ولا بد للرسول من أن يصمد أمامهم، وأن يجاهدهم. و "جاهد" من "فاعل"، مثل "شارك"، فأنت تشارك فلاناً، ومثل: "قاتل" فأنت تقاتل فلاناً، إذن: فلا بد أن تحدث مفاعلة بين الرسول ومن اتبعوه، وبين أئمة الكفر والفساد في المجتمع. ولا بد أن يستعد الرسول والمؤمنون بمنهجه لتحمُّل الإيذاء من غير المؤمنين بالمنهج؛ لأن الكفار منتفعون بالفساد، ولكي يستمر هذا الانتفاع، لا بد أن يقف الكفار ضد حَمَلَة منهج الحق، وأن يقاوموهم ليضمنوا لأنفسهم استمرار الميزات التي يعطيها الباطل لهم. وينبه الله سبحانه وتعالى لرسوله إلى حقيقة هؤلاء الكفار المنتفعين بالفساد، وأنهم سيحاربونه. ولذلك لم يقل سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: اتحد معهم، ولكنه قال: {جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ}، أي: اصمد أمامهم في المعركة، وجاءت الكثير من الآيات التي يأمر فيها الله رسوله والمؤمنين بالصبر على الجهاد، والجهاد يقتضي المواجهة، لذلك قال سبحانه: {ٱصْبِرُواْ}. ولكن لنفرض أن عدوِّي صبر أيضاً في الحرب، إن أنا صبرت وعدوي صبر تساوت الكفتان؛ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ ...} تفسير : [آل عمران: 200]. أي: إن واجهكم عدوكم بالصبر، فليكن صبركم أقوى منه، فتغلبوه بالصبر والتحمل، فقف صابراً في مواجهتهم ومعك المؤمنون برسالتك، فمعسكر الإيمان لا بد أن يواجه معسكر الكفر والنفاق، والكافر هو الذي جحد الإيمان بقلبه وأعلن الكفر بلسانه، أما المنافق فهو من كفر في باطنه ويعلن الإيمان في ظاهره. وهذا هو الذي يجب أن نحذر منه أشد الحذر؛ لأننا لا نعرفه فنتقي شره مثل الكافر، فقد يطعنَّا المنافق من الخلف ونحن آمنون له مطمئنون إليه، فتكون طعنته مؤثرة وأليمة. ويوضح الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم: إن العداوة التي سيواجهها وهو يُبشِّر بمنهج الله ستأتيه من اثنين؛ من كافر أو منافق، أي من مجاهر بعدم الإيمان، أو ممن كفر بقلبه وتظاهر بالإيمان بلسانه. أما المنافق فإنه عدو صعب؛ لأنه يغشنا فلا نأمنه، رغم أن النفاق في حد ذاته بالنسبة لمنهج الله هو دليل قوة هذا المنهج؛ لأنه لا ينافَق إلا القوي، أما الضعيف فلا ينافقه أحد. ولذلك لم يكن هناك منافقون أثناء وجوده صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة؛ لأن المسلمين كانوا قلة ضعافاً، وكانوا مُعذَّبين مضطهدين. ولم يكن هناك ما يغري أحداً بنفاقهم؛ لأنه لا توجد استفادة من هذا النفاق، بل سيتعرض من يتعاطف معهم للتعذيب والاضطهاد. والمنافق في إظهاره غير ما يبطن إنما يحقق لنفسه مصلحة ذاتية. واختلف الحال بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وظهر المنافقون بعد أن أصبح للإسلام دولة وقوة. والمنافق في هذه الحالة إنما يعلن إيمانه زَيْفاً، ليستفيد من قوة المسلمين لصالحه. إذن: فالنفاق ظاهرة مرضية في المنافق، ولكنها دليل قوة للمؤمن الذي ينافقه. ونلحظ أنه سبحانه وتعالى قد قدَّم في هذه الآية ذكر الكفار على المنافقين. وقدَّم في آيات أخرى المنافقين على الكفار. والصدام - كما نعلم - قد حدث أولاً مع الكفار، ففي أول الدعوة لم يوجد هذا الصنف المنافق، بل كان هناك مؤمنون وكفار، وجهاد الكفار جاء على مراحل، وليس على مرحلة واحدة، وكانت أولى مراحل الجهاد هي الجهاد بالحجة؛ لأن المؤمنين في أول الأمر كانوا قلة ضعيفة لا يملكون قوة يواجهون بها هذا المد الكبير من الكفار. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض قضايا الإيمان بالحجة لإقناع العقل؛ لعل عقولهم تفيق فيؤمنون بمنهج الحق. فيسألهم مثلاً عمَّنْ خلق السماوات والأرض؟ وحين يديرها الكافر في عقله لا يجد أن أحداً ادعى - أو يستطيع أن يدعي - أنه خلق السماوات والأرض، فلا يكون جوابهم إلا أن الخالق هو الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأن الإنسان في تكوينه قد يدعي أشياء ليست له، ولكنه لا ينفي أمراً هو صاحبه. فمخترع أي شيء أو صانعه لا يمكن أن ينكر أنه صنع أو اخترع، بل يحب أن تعرف الدنيا كلها أنه اخترع أو صنع؛ ولهذا فأنت لا تجد شيئاً ينتفع به في الكون مهما كان تافهاً إلا وعرفنا تاريخه، ومن أين جاء، ومن الذي اخترعه أو اكتشفه أو صنعه، والمثال هو ما درسناه في المدارس عن الذي اكتشف الكهرباء، والذي صنع المصباح الكهربائي، ومن الذي طوره. وكذلك اختراع الطائرة، ومعروف لنا كيف نشأت فكرة الطيران بعباس بن فرناس؛ الذي حاول الطيران بذاته بواسطة أجنحة كبيرة، وهكذا كانت البداية. إذن: فكل شيء نافع في الكون معروف من الذي اكتشفه أو صنعه أو اخترعه. فإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للصناعات البشرية المحدودة، فما بالك بالنسبة للكون؟ وحين نسأل: من الذي أوجد الشمس؟ ألا يستحق خالقها أن نعرف من هو، خصوصاً ونحن نعرف من الذي اخترع مصباح الكهرباء وأوجده في حياتنا؟ وإذا كنا نملأ الدنيا بالحديث عن مخترع مصباح الكهرباء الذي ينير حجرة محدودة لوقت، وقامت مصانع كبيرة لتنتج هذا الاختراع، أفلا نستحق أن نعرف من الذي أوجد الشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية في نفس اللحظة؟ هذه الشمس التي تشرق منذ ملايين السنين، ولم تنطفئ مرة واحدة، ولا احتاجت قطعة غيار طوال هذ العمر الطويل، ولا بد أن يكون لها صانع؛ تتناسب قوته وقدرته مع ذلك الإعجاز الذي نراه سواء في الضوء، أو في خصائص هذا الضوء، أو في دقة الصنع؛ فهي لا تتأخر ثانية ولا تتقدم ثانية عن الظهور، ولا بد أن يكون صانعها له من القوة ما يتناسب مع عظمة هذا الخلق. فإذا جاء الرسول وأبلغنا أن الله هو الذي خلق الشمس، فإما أن يكون صادقاً؛ فنسلم جميعاً بأن الله هو الخالق والموجد. وإما أنه غير صادق، فنقول: لماذا لم يخرج إذن أحد يدعي أنه هو الذي خلقها. ولكن دقة وإعجاز الخلق الذي لا يمكن أن تصل إليه قوة بشرية مفردة، أو قوى بشرية متعددة متعاونة، جعل القضية محسومة له سبحانه وتعالى. وإلى أن يأتي من يدعي أنه خلق الشمس، ولن يأتي؛ فقضية الخلق محسومة لله سبحانه وتعالى، ولا يوجد هناك منازع. ويأتي رسول ليقول: إن خالق الأرض والشمس والسماوات والكون هو الحق سبحانه وتعالى، فلم يَأتِ أحد ويدَّعي أنه قد خلق شيئاً من هذا، مما يؤكد صحة دعوى الرسول، مما يؤكد أن من أوجد هذا الكون هو قوة بلا حدود، وقدرة بلا قيود، وهو الأحق بالعبادة من هذه الأصنام والآلهة التي يدعونها. وتمضي الدعوة بالمنطق ليسألهم من الذي خلقهم؟ مصداقاً لقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} تفسير : [الطور: 35]. فإذا كان الجواب: لا هذا ولا هذه، إذن: فلا بد أن هناك خالقاً وموجداً لنا، فإذا جاء لنا الرسول وأبلغنا: إن خالق هذا الكون وخالقنا هو الله، فلا بد أن نصدقه؛ لأنه لم يدَّعِ أحد ولا يستطيع أن يدعي أنه خلق هذا الكون أو خلق نفسه، تماماً كما نكون قد جلسنا في مكان. وبعد أن انصرفنا، وُجدَت حافظة نقود، فجاء صاحب المكان وسأل كل الذين كانوا حاضرين، فنفوا جميعاً ملكيتهم لحافظة النقود، عدا واحداً، حينئذ تكون حافظة النقود ملكه؛ لأنه هو وحده الذي ادعاها ولا يوجد معارض. وفي خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان لا يجرؤ بشر أن يعارض الحق سبحانه وتعالى؛ ويدعي أنه خلق. إذن: فالقضية محسومة تماماً لله. هذا هو جهاد الحجة حيث يقتنع العقلاء بالمنطق، أو يقتنع من يستمع إليه فيفهمه، فإذا وصلنا إلى أن الحق سبحانه وتعالى هو الخالق والموجد، يمكننا أن نتساءل: من الذي يضع المنهج للإنسان على الأرض؟ لا بد أن نُقدِّر أن من يضع المنهج للإنسان على الأرض هو خالقه وموجده، تماماً كما نثق أن صانع أي آلة هو الأقدر على وضع أسلوب عملها، فهو يعلم ما يصلحها وما يفسدها. والمثال: أن الإنسان منا يعطي ساعة يده لمن تخصص في إصلاح الساعات، ويستدعي المتخصص في إصلاح الثلاجة إن أصابها عطب، ويستدعي الإنسان كل متخصص لإصلاح الآلة التي درس تفاصيلها، وكل متخصص يعود إلى كتاب التصميم الذي وضعه مَنْ اخترع الآلة، وبيّن فيه ما يصلحها وما يفسدها، ولذلك فأنت لن تستدعي نجاراً ليصلح التليفزيون. إذن: فما دام سبحانه وتعالى قد وضع منهجاً فلا بد أن نتبعه؛ لأنه هو موجد هذا الكون وموجدنا، ويعلم ما يصلحنا وما يفسدنا. فإن فشل جهاد الحجة، يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} وبماذا يغلظ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم؟ إنه يغلظ لإيضاح المصير الذي ينتظرهم، وكل كافر هو عابد للدنيا ويخاف أن تضيع منه الدنيا لأنه لا يؤمن بالآخرة، فأنذره بالآخرة، وانذره بالعذاب الذي ينتظره، وقُلْ له: أنت لست خالداً في الدنيا، وما ينتظرك في الآخرة هول كبير. ولكن المؤمن يعرف أن الدنيا وراءها آخرة وجنة؛ ولذلك وجدنا المؤمن الذي يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرب: ادع لي يا رسول الله لأستشهد. ويقول آخر: أليس بيني وبين دخول الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فيقتلوني؟ فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فيلقي الرجل بتمرة كان يأكلها وينطلق إلى المعركة ويستشهد. هذا هو معنى الإيمان، ولو لم يكن المؤمن واثقاً تمام الثقة أنه سيذهب إلى نعيم ليس بعده نعيم، لما انطلق إلى المعركة طالباً الشهادة. إذن: وهم يُقْدمون على الشهادة بهذه الشجاعة تمتلئ أعماقهم بالإيمان وبأحكام الله فيه، وتدفعهم القناعة التامة - بأن هناك جنة في الآخرة - إلى الاستشهاد، وفي المقابل نعرف أن الذي ينتظر الكفار هو النار. وهكذا نفهم قوله الحق: {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} أي: أنذرهم بالعذاب الرهيب الذي ينتظرهم عَلَّهُمْ يفيقون. والشاعر يقول: شعر : أنَاةٌ فإنْ لَمْ تُغْنِ عقِّب وَعيداً فإنْ لَمْ يُغْنِ أغنَتْ عَزَائِمه وَمَا هُو إلاَّ السيف أو حَدُّ طَرْفِه يقيمُ زباه أخْدعَ كُلِّ مَائِلِ فَهذا دَوَاءُ الدَّاءِ منْ كُلِّ جَاهِل وذَاك دَواءُ الداءِ منْ كُلِّ عَاقِل تفسير : فمن آمن بالمنطق آمن، ومن لا يؤمن نقول له: دع كلمة الحق تُعلَنُ على الناس جميعاً، وأنت حر في أن تؤمن أو لا تؤمن، وإنْ أردتَ الحياة في كنف الأمة الإسلامية فأهلاً بك، ولا يهم أن تؤمن أو لا تؤمن؛ لأن الحق قال: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ...} تفسير : [الكهف: 29]. واعلم أنه يشترط في كل من يدخل الإسلام أن يكون مقتنعاً بهذا الدين، ومقتنعاً أيضاً بأنه الدين الحق. والذي لا يؤمن، يعيش في كنف الأمة الإسلامية وله حريته الكاملة في اتباع عقيدته، ولكن منهج الحياة وحركتها لا بد أن تسير وفقاً لمنهج الله، وما دام الإيمان هو الذي يسيطر على حركة الحياة {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}؛ فذلك لا يؤثر في حركة المجتمع المؤمن؛ ما دام المجتمع كله سائراً بالمنهج، وتسير الحياة كما أرادها الحق سبحانه وتعالى. والله هو خالق الإنسان، وهو الذي جعله خليفة في الأرض، وهو يغار على خلقه، تماماً كما تأتي لشيء جميل صنعه فنان أو عامل، وتحطم أنت هذا الشيء أمام صانعه. إن قلب الصانع - في هذه الحالة - يمتلئ بالغضب، ويسرع بعقابك. والحق سبحانه وتعالى عندما يرى إنساناً يفسد صنعته في الكون، ويحاول أن يحطمها، فسبحانه يغار على صنعته؛ لأن الله خلقنا مختارين، ولكي يكون الحساب عَدْلاً، لا بد من البلاغ أولاً، وأن تصل الدعوة إلى آذان الناس، فمتى وصلت الدعوة فهذا إتمام لرسالة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يختار الإنسان من بعد ذلك أن يؤمن أو لا يؤمن، لذلك طلب الحق من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار والمنافقين، وأن تكون الدعوة أولاً بالبرهان والإقناع. فإن لم يَأْتِ البرهان بنتيجة، وحاول أحدهم أن يقاوم الدعوة بالسلاح فَليُردع بالسلاح. لذلك يقول الحق سبحانه: {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} ولا تأخذك بهم رأفة؛ لأن الرأفة قد تغرى بالذنب؛ والمثال: حين يسرق الإنسان ثم تتركه بلا عقاب فقد يغريه ذلك ويغري غيره على السرقة. ولكن تنفيذ العقوبة ولو مرة واحدة، إنما يمثل رادعاً وحماية للمجتمع كله، ولذلك نجد أن عقاب القاتل بالقتل أنفى للقتل، وأنت حين تأتي بالقاتل وتقتله أمام عدد من الناس، فهذا العمل يمنع أي إنسان أن يفكر في القتل، أو أن يقتل. إذن: فنحن بالعقوبة نحمي المجتمع من أن تنتشر فيه الجرائم. وبعض السطحيين يقول لك: هل مَنْ يسرق تُقطع يده؟ نقول لهم: نعم؛ لأنني لو قطعت يد فرد لمنعت جريمة السرقة في المجتمع، فليس الهدف أن أقطع يداً. ولكن الهدف هو ألا يسرق أحد، وأنت حين تأتي بالعقوبة وتتأكد من الجريمة؛ إياك أن تأخذك الرحمة في تنفيذ العقاب. فلو أخذتك الرحمة في هذه اللحظة فأنت تشجع الجريمة. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النور: 2]. ولكن الحوار حول العقوبات في الإسلام لا يتوقف، ونقول لهؤلاء: هل هناك مجتمع ليس فيه تجريم أو عقوبات؟ وانظر إلى المجتمعات غير الدينية، ألا توجد بها جرائم وعقوبات؟ إن كل مجتمع إنما يحمي نفسه بتوصيف الأفعال التي تعتبر جرائم، ويضع لها عقوبات، ولا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص. إذن: فكل دولة وكل مجتمع لا بد أن تكون فيه عقوبات، وإلا أصبحت الحياة فوضى يستحيل معها العيش في أمان. فإذا كان حاكم أي دولة بسيطة قد وضع تجريماً وعقوبات، وهو يحكم فيما لا يملك، أفليس لله أن يضع التوصيف لما يرى أنه جرائم، وأن يُشرِّع العقوبة الملائمة لكل جريمة، وهو سبحانه يحكم فيما يملك؟ وإذا كان سبحانه قد حكم بقطع يد هو خالقها؛ فهو أراد ذلك ليمنع ملايين الأيدي من أن تمتد إلى مال الغير. ولذلك يجب ألا تطول الفترة بين تنفيذ العقوبة ووقت وقوع الجريمة؛ لأن الذي يتعب الناس في الدنيا، هو طول الإجراءات والأخذ والرد، فينسى الناس الجريمة، وتأخذهم الشفقة والرحمة بالمجرم، مع أنه لو وُقِّعتْ العقوبة فور حدوث الجريمة؛ لما طلب أحد الرأفة بالمجرم. والحق تبارك وتعالى يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} وقد عرفنا كيف يكون الجهاد مع الكافرين، فماذا يكون الجهاد مع المنافقين وهم الذين يتظاهرون بالإيمان؟ نقول: إن الجهاد معهم هو توقيع العقاب عليهم، وقد كان المنافقون يرتكبون الإثم، ويسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينكرونه، فيصفح عنهم، ويوضح الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: اغلظ عليهم إذا ارتكبوا إثماً، وقد وجدنا في سورة التوبة أن المنافقين يحلفون كذباً في كثير من الأمور، فيذكر الحق سبحانه: {أية : وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ...} تفسير : [التوبة: 56]. {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ ...} تفسير : [التوبة: 74]. {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ...} تفسير : [التوبة: 62]. وفي سورة المجادلة يقول سبحانه: {أية : وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الآية: 14] فكأنما كلما حلفوا صدَّقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم، ففضحهم الله بأنهم كاذبون، وطلب من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يُغلظ عليهم في العقوبة. ولكن هل غلظة الرسول صلى الله عليه وسلم معهم تعفيهم من عقاب الآخرة؟ نقول: لا لأن الغلظة عليهم في الدنيا لضمان سلامة حركة الحياة، وليعلم كل منافق أنه مفضوح من الله. ولكن هذا لا يعفي من عقاب الآخرة. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} والمصير هو المرجع الأخير لأي شيء، وكل عقوبة يكون لها مظنة ألا تمتد إلى الفترة المقررة لها، فالذي عاقب قد يعفو، وقد يخرج الإنسان قبل انتهاء مدة العقوبة؛ كأن يكون هناك إفراج صحي، أو بقضاء ثلاثة أرباع المدة أو غير ذلك. ولكن العقوبة للمنافقين تكون بلا خروج، وفي هذا ترهيب منها؛ لأنك لو علمت يقيناً أن العقوبة أبدية، فسوف تخشى الإقدام على الجريمة. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى عن الحلف والكذب الذي كان يفعله المنافقون؛ فيقول سبحانه: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} قال زيدُ بن علي عليهما السَّلام معناهُ جَاهدِ الكفارَ بالسَّيفِ. والمُنافقينَ: بالحُدُودِ معناهُ أقِم عَليهم حُدودَ الله تَعالى.

الأندلسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} لما ذكر وعيد غير المؤمنين وكانت السورة قد نزلت في المنافقين بدأ بهم في ذلك بقولهم: {أية : وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ}تفسير : [التوبة: 68] الآية، ولما ذكر أمر الجهاد وكان الكفار غير المنافقين أشد شكيمة وأقوى أسباباً في القتال وأنكاء بتصديهم للقتال قال: جاهد الكفار والمنافقين فبدأ بهم. قال ابن عباس: جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان. {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} الضمير عائد على المنافقين. وقيل: هو حلف الجلاس، وتقدمت قصته مع عامر بن قيس. {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} قال مجاهد: حديث : نزلت في خمسة عشر رجلاً هموا بقتله صلى الله عليه وسلم وتوافقوا على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنّم العقبة فأخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع اخفاف الإِبل وقعقعة السلاح فالتفت فإِذا قوم متلثمون فقال: إليكم يا أعداء الله فهربوا تفسير : . وكان منهم عبد الله بن أبيّ وعبد الله بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق والجلاس بن سويد وأبو عامر بن نعمان وأبو الأحوص. {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ} هذا إحسان منه تعالى ورفق بهم حيث فتح لهم باب التوبة بعد ارتكاب تلك الجرائم العظيمة، وكان الجلاس بعد حلفه وإنكاره أنه ما قال الذي نقل عنه قد تاب واعترف وصدق الناقل عنه وحسنت توبته، ولم يرد أن أحداً قبلت توبته منهم غير الجلاس. وقيل: وفي هذا دليل على قبول توبة الزنديق المسر للكفر المظهر للإِيمان، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك: لا تقبل فإِن جاء تائباً من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه قبلت توبته بلا خلاف يك خيراً لهم. اسم "يك" ضمير يعود على المصدر المفهوم في قوله: يتوبوا، تقديره هو أي الثواب خيراً لهم. {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} الآية، قال الضحاك: هم نبتل بن الحارث والجد بن قيس ومعتب بن متشير وثعلبة بن خاطب، وفيهم نزلت الآية. والظاهر أن الضمير في فأعقبهم هو عائد على الله تعالى عاقبهم على الذنب بما هو أشد منه. والظاهر عود الضمير في يلقونه على الله تعالى. وقيل: جزاء أفعالهم. {أَلَمْ يَعْلَمُواْ} هذا استفهام تضمن التوبيخ والتقريع. وقرأ على وأبو عبد الرحمن والحسن تعلموا ـ بالتاء ـ وهو خطاب للمؤمنين على سبيل التقرير وأنه تعالى فاضح المنافقين ومعلم المؤمنين أحوالهم التي يكتمونها شيئاً فشيئاً. {سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} هذا التقسيم عبارة عن إحاطة علمه تعالى بهم. والظاهر أن الآية في جميع المنافقين من عاهد وأخلف وغيره. {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ} الآية، حديث : نزلت فيمن عاب المتصدقين وكان رسول الله حث على الصدقة فتصدق عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف وامسك مثلها، فبارك له الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أعطى وفيما أمسك وتصدق عمر بنصف ماله، وعاصم بن عدي بمائة وسق، وعثمان بن عفان بصدقة عظيمة، وأبو عقيل الاراش بصاع تمر، وترك لعياله صاعاً وكان آجر نفسه لسقي نخل بهما، ورجل بناقة عظيمة، قال: هي وذو بطنها صدقة يا رسول الله وألقى إلى رسول الله خطامَها فقال المنافقون: ما تصدق هؤلاء إلاّ ريآء وسمعة، وما تصدق أبو عقيل إلا ليذكر مع الأكابر أو ليذكر بنفسه فيغطي من الصدقات والله غني عن صاعه. وقال بعضهم: تصدق بالناقة وهي خير منه. وكان الرجل أقصر الناس قامة وأشدهم سواداً فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: بل هو خير منك، ومنها يقوله ثلاثاً . تفسير : {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} هم مندرجون في المطوّعين ذكروا تشريفاً لهم حيث ما فاتتهم الصدقة بل تصدقوا بالشىء وإن كانوا أشد الناس إليه حاجة، وأتعبهم في تحصيل ما تصدقوا به كأبي عقيل وأبي خيثمة. وكان قد لُمِزَ في التصدق بالقليل ونظرائها الذين يلمزون: مبتدأ. وفي الصدقات: متعلق بيلمزون. والذين لا يجدون: معطوف على المطوعين، كأنه قيل: يلمزون الأغنياء وغيرهم. {فَيَسْخَرُونَ} معطوف على يلمزون وسخر منهم. وما بعده خبر عن الذين يلمزون.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ } أي: بالغ في جهادهم والغلظة عليهم حيث اقتضت الحال الغلظة عليهم. وهذا الجهاد يدخل فيه الجهاد باليد، والجهاد بالحجة واللسان، فمن بارز منهم بالمحاربة فيجاهد باليد، واللسان والسيف والبيان. ومن كان مذعنا للإسلام بذمة أو عهد، فإنه يجاهد بالحجة والبرهان ويبين له محاسن الإسلام، ومساوئ الشرك والكفر، فهذا ما لهم في الدنيا. { وَ } أما في الآخرة، فـ { مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } أي: مقرهم الذي لا يخرجون منها { وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }. { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ } أي: إذا قالوا قولا كقول من قال منهم { ليخرجن الأعز منها الأذل } والكلام الذي يتكلم به الواحد بعد الواحد، في الاستهزاء بالدين، وبالرسول. فإذا بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغه شيء من ذلك، جاءوا إليه يحلفون باللّه ما قالوا. قال تعالى مكذبا لهم: { وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ } فإسلامهم السابق -وإن كان ظاهره أنه أخرجهم من دائرة الكفر -فكلامهم الأخير ينقض إسلامهم، ويدخلهم بالكفر. { وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا } وذلك حين هموا بالفتك برسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقص اللّه عليه نبأهم، فأمر من يصدهم عن قصدهم. { وَ } الحال أنهم { مَا نَقَمُوا } وعابوا من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم { إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ } بعد أن كانوا فقراء معوزين، وهذا من أعجب الأشياء، أن يستهينوا بمن كان سببا لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومغنيا لهم بعد الفقر، وهل حقه عليهم إلا أن يعظموه، ويؤمنوا به ويجلوه؟" فاجتمع الداعي الديني وداعي المروءة الإنسانية. ثم عرض عليهم التوبة فقال: { فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ } لأن التوبة، أصل لسعادة الدنيا والآخرة. { وَإِنْ يَتَوَلَّوْا } عن التوبة والإنابة { يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } في الدنيا بما ينالهم من الهم والغم والحزن على نصرة اللّه لدينه، وإعزار نبيه، وعدم حصولهم على مطلوبهم، وفي الآخرة، في عذاب السعير. { وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ } يتولى أمورهم، ويحصل لهم المطلوب { وَلا نَصِيرٍ } يدفع عنهم المكروه، وإذا انقطعوا من ولاية اللّه تعالى، فَثَمَّ أصناف الشر والخسران، والشقاء والحرمان.

همام الصنعاني

تفسير : 1110- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ}: [الآية: 73]، قال: جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بالحدود، أقِمْ عليهم حُدُودَ اللهِ.