٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
74
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه الآية تدل على أن أقواماً من المنافقين، قالوا كلمات فاسدة، ثم لما قيل لهم إنكم ذكرتم هذه الكلمات خافوا، وحلفوا أنهم ما قالوا، والمفسرون ذكروا في أسباب النزول وجوهاً: الأول: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين. فقال الجلاس بن سويد: والله لئن كان ما يقوله محمد في إخواننا الذين خلفناهم في المدينة حقاً مع أنهم أشرافنا، فنحن شر من الحمير، فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس: أجل والله إن محمداً صادق، وأنت شر من الحمار. وبلغ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحضر الجلاس، فحلف بالله أنه ما قال، فرفع عامر يده وقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، فنزلت هذه الآية. فقال الجلاس: لقد ذكر الله التوبة في هذه الآية، ولقد قلت هذا الكلام وصدق عامر، فتاب الجلاس، وحسنت توبته. الثاني: روي أنها نزلت في عبد الله بن أبي لما قال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وأراد به الرسول صلى الله عليه وسلم. فسمع زيد بن أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول، فهم عمر بقتل عبد الله بن أبي، فجاء عبد الله وحلف أنه لم يقل، فنزلت هذه الآية. الثالث: روى قتادة أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار، فظهر الغفاري على الجهيني، فنادى عبد الله بن أبي: يا بني الأوس انصروا أخاكم، والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك. فذكروه للرسول عليه السلام، فأنكر عبد الله، وجعل يحلف. قال القاضي: يبعد أن يكون المراد من الآية هذه الوقائع وذلك لأن قوله: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ } إلى آخر الآية كلها صيغ الجموع، وحمل صيغة الجمع على الواحد، خلاف الأصل. فإن قيل: لعل ذلك الواحد. قال في محفل ورضي به الباقون. قلنا: هذا أيضاً خلاف الظاهر لأن إسناد القول إلى من سمعه ورضي به خلاف الأصل، ثم قال: بلى الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي: أن المنافقين هموا بقتله عند رجوعه من تبوك وهم خمسة عشر تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، وكان عمار بن ياسر آخذاً بالخطام على راحلته وحذيفة خلفها يسوقها، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح، فالتفت، فإذا قوم متلثمون. فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله، فهربوا. والظاهر أنهم لما اجتمعوا لذلك الغرض، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب والتصنع في ادعاء الرسالة، وذلك هو قول كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج. فأما قوله: {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ } فلقائل أن يقول: إنهم أسلموا، فكيف يليق بهم هذا الكلام؟ والجواب من وجهين: الأول: المراد من الإسلام السلم الذي هو نقيض الحرب، لأنهم لما نافقوا، فقد أظهروا الإسلام، وجنحوا إليه، فإذا جاهروا بالحرب، وجب حربهم. والثاني: أنهم أظهروا الكفر بعد أن أظهروا الإسلام. وأما قوله: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ } المراد إطباقهم على الفتك بالرسول، والله تعالى أخبر الرسول عليه السلام بذلك حتى احترز عنهم، ولم يصلوا إلى مقصودهم. وأما قوله: {وَمَا نَقَمُواْ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } ففيه بحثان: البحث الأول: أن في هذا الفضل وجهين: الأول: أن هؤلاء المنافقين كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة، وبعد قدومه أخذوا الغنائم وفازوا بالأموال ووجدوا الدولة، وذلك يوجب عليهم أن يكونوا محبين له مجتهدين في بذل النفس والمال لأجله. والثاني: روي أنه قتل للجلاس مولى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى. البحث الثاني: أن قوله: {وَمَا نَقَمُواْ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } تنبيه على أنه ليس هناك شيء ينقمون منه، وهذا كقول الشاعر: شعر : ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا تفسير : وكقول النابغة: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : أي ليس فيهم عيب، ثم قال تعالى: {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ } والمراد استعطاف قلوبهم بعد ما صدرت الجناية العظيمة عنهم، وليس في الظاهر إلا أنهم إن تابوا فازوا بالخير، فأما أنهم تابوا فليس في الآية، وقد ذكرنا ما قالوه في توبة الجلاس. ثم قال: {وَإِن يَتَوَلَّوْا } أي عن التوبة {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ } أما عذاب الآخرة، فمعلوم. وأما العذاب في الدنيا، فقيل: المراد به أنه لما ظهر كفرهم بين الناس صاروا مثل أهل الحرب، فيحل قتالهم وقتلهم وسبي أولادهم وأزواجهم واغتنام أموالهم. وقيل بما ينالهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب. وقيل: المراد عذاب القبر {وَمَا لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } يعني أن عذاب الله إذا حق لم ينفعه ولي ولا نصير.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} رُوي أن هذه الآية نزلت في الجُلاَس بن سُويد بن الصامت، ووديعة بن ثابت؛ وقعوا في النبيّ صلى الله عليه وسلم وقالوا: والله لئن كان محمد صادقاً على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير. فقال له عامر بن قيس: أجل! والله إن محمداً لصادق مصدَّق؛ وإنك لشر من حمار. وأخبر عامر بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم. وجاء الجُلاَس فحلف بالله عند منبر النبيّ صلى الله عليه وسلم إن عامراً لكاذب. وحلف عامر لقد قال، وقال: اللّهُمّ أنزل على نبيّك الصادق شيئاً، فنزلت. وقيل: إن الذي سمعه عاصم بن عدِيّ. وقيل حذيفة. وقيل: بل سمعه ولد ٱمرأته وٱسمه عمير بن سعد؛ فيما قال ابن إسحاق. وقال غيره: اسمه مصعب. فهمّ الجُلاَس بقتله لئلا يخبر بخبره؛ ففيه نزل: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ}. قال مجاهد: وكان الجُلاَس لما قال له صاحبه إني سأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولك همّ بقتله، ثم لم يفعل، عجز عن ذلك. قال، ذلك هي الإشارة بقوله، {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ}. وقيل: إنها نزلت في عبد الله بن أُبَيّ، رأى رجلاً من غِفار يتقاتل مع رجل من جُهينة، وكانت جُهينة حلفاء الأنصار، فعلا الغِفارِيُّ الجُهَنِيّ. فقال ٱبن أُبيّ: يا بني الأَوْسِ والخزرج، انصروا أخاكم! فوالله ما مَثَلُنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: «سَمِّن كَلْبَك يأكلك»، ولئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنّ الأعزُّ منها الأذَلَّ. فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فجاءه عبد الله بن أُبيّ فحلف أنه لم يقله؛ قاله قتادة. وقول ثالث أنه قول جميع المنافقين؛ قاله الحسن. ٱبن العربيّ: وهو الصحيح؛ لعموم القول ووجود المعنى فيه وفيهم، وجملة ذلك اعتقادهم فيه أنه ليس بنبيّ. الثانية ـ قوله تعالى: {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ} قال النقاش: تكذيبهم بما وعد الله من الفتح. وقيل: «كلمة الكفر» قول الجُلاس: إن كان ما جاء به محمد حقاً لنحن أشر من الحمير. وقول عبد الله بن أُبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل. قال القشيريّ: كلمة الكفر سبُّ النبيّ صلى الله عليه وسلم والطعنُ في الإسلام. {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} أي بعد الحكم بإسلامهم. فدلّ هذا على أن المنافقين كفار، وفي قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا}تفسير : [المنافقون: 3] دليل قاطع. ودلّت الآية أيضاً على أن الكفر يكون بكل ما يناقض التصديق والمعرفة؛ وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إلۤه إلا الله دون غيره من الأقوال والأفعال إلا في الصلاة. قال إسحاق ابن رَاهْوَيه: ولقد أجمعوا في الصلاة على شيء لم يجمعوا عليه في سائر الشرائع؛ لأنهم بأجمعهم قالوا: من عُرف بالكفر ثم رأُوه يصلي الصلاة في وقتها حتى صلّى صلوات كثيرةً، ولم يعلموا منه إقراراً باللسان أنه يحكم له بالإيمان، ولم يحكموا له في الصوم والزكاة بمثل ذلك. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} يعني المنافقين من قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك، وكانوا اثني عشر رجلاً. حديث : قال حذيفة: سمّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عدّهم كلهم. فقلت: ألاَ تبعثُ إليهم فتقتلَهم؟ فقال: «أكره أن تقول العرب لمّا ظفِر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيهم الله الدُّبَيْلة». قيل: يا رسول الله وما الدُّبيلة؟ قال: «شهاب من جهنم يجعله على نِياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه». فكان كذلكتفسير : . خرّجه مسلم بمعناه. وقيل هَمّوا بعقد التاج على رأس ابن أُبَيّ ليجتمعوا عليه. وقد تقدّم قول مجاهد في هذا. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} أي ليس ينقمون شيئاً؛ كما قال النابغة:شعر : ولا عَيْبَ فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فُلول من قِراع الكتائب تفسير : ويقال: نَقَم ينقِم، ونَقِم ينقَم، قال الشاعر في الكسر:شعر : ما نقِموا من بني أُميّة إلا أنهم يحلمُون إن غضبوا تفسير : وقال زهير:شعر : يؤخّرْ فيوضع في كتاب فَيُدَّخَرْ ليوم الحساب أو يُعَجّلْ فينقَمِ تفسير : ينشد بكسر القاف وفتحها. قال الشعبِيّ: كانوا يطلبون دِيَّةً فيقضي لهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغنوا: ذكر عكرمة أنها كانت اثني عشر ألفاً. ويقال: إن القتيل كان مَوْلَى الجُلاَس. وقال الكلبيّ: كانوا قبل قدوم النبيّ صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ٱستغنَوْا بالغنائم. وهذا المثل مشهور (ٱتق شر من أحسنت إليه). قال القشيرِيّ أبو نصر: قيل للبَجَليّ أتجد في كتاب الله تعالى اتق شر من أحسنت إليه؟ قال نعم، {وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}. الخامسة ـ قوله تعالى: {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ} روي أن الجلاس قام حين نزلت الآية فاستغفر وتاب. فدل هذا على توبة الكافر الذي يُسِر الكفر ويُظهر الإيمان؛ وهو الذي يسميه الفقهاء الزنديق. وقد ٱختلف في ذلك العلماء؛ فقال الشافعيّ: تقبل توبته. وقال مالك: توبة الزنديق لا تعرف؛ لأنه كان يظهر الإيمان ويُسِرّ الكفر، ولا يعلم إيمانه إلا بقوله. وكذلك يُفعل الآن في كل حين، يقول: أنا مؤمن وهو يضمر خلاف ما يظهر؛ فإذا عثر عليه وقال: تبت، لم يتغيّر حاله عما كان عليه. فإذا جاءنا تائباً من قِبل نفسه قَبْل أن يعثر عليه قُبلت توبته؛ وهو المراد بالآية. والله أعلم. السادسة ـ قوله تعالى: {وَإِن يَتَوَلَّوْا} أي يعرضوا عن الإيمان والتوبة {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً} في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار. {وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ} أي مانع يمنعهم {وَلاَ نَصِيرٍ} أي معين. وقد تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} روي أنه صلى الله عليه وسلم أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المتخلفين فقال الجلاس بن سويد: لئن كان ما يقول محمد لإخواننا حقاً لنحن شر من الحمير، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحضره فحلف بالله ما قاله فنزلت فتاب الجلاس وحسنت توبته. {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ } وأظهروا الكفر بعد إظهار الإِسلام. {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ } من فتك الرسول، وهو أن خمسة عشر منهم توافقوا عند مرجعه من تبوك أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذ تسنم العقبة بالليل، فأخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح فقال إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا، أو إخراجه وإخراج المؤمنين من المدينة أو بأن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَمَا نَقَمُواْ } وما أنكروا أو ماوجدوا ما يورث نقمتهم. {إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } فإن أكثر أهل المدينة كانوا محاويج في ضنك من العيش، فلما قدمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أثروا بالغنائم وقتل للجلاس مولى فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى. والاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل أو العلل. {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ} وهو الذي حمل الجلاس على التوبة والضمير في {يَكُ } للتوب. {وَإِن يَتَوَلَّوْا} بالإِصرار على النفاق. {يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ } بالقتل والنار. {وَمَا لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} فينجيهم من العذاب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَحْلِفُونَ } أي المنافقون {بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ } ما بلغك عنهم من السبّ {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ } أظهروا الكفر بعد إظهار الإِسلام {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ } من الفتك بالنبيّ ليلة العقبة عند عودته من تبوك وهم بضعة عشر رجلاً، فضرب عمار بن ياسر وجوه الرواحل لما غشوه فردّوا {وَمَا نَقَمُواْ } أنكروا {إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } بالغنائم بعد شدّة حاجتهم المعنى: لم ينلهم منه إلا هذا وليس مما يُنْقَمُ {فَإِن يَتُوبُواْ } عن النفاق ويؤمنوا بك {يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا } عن الإِيمان {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا } بالقتل {وَٱلأَخِرَةِ } بالنار {وَمَا لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ } يحفظهم منه {وَلاَ نَصِيرٍ } يمنعهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَحْلِفُونَ} نزلت في ابن أُبَي لما قال: {أية : لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ} تفسير : [المنافقون: 8]، أو قال الجلاس بن سويد إن كان ما جاء به محمد حقاً فنحن شر من الحمير ثم حلف بالله ما قال، أو قال ذلك جماعة من اليهود. {كَلِمَةَ الْكُفْرِ} هو ما حلفوا أنهم ما قالوه فأكذبهم الله، أو قولهم محمد ليس بنبي. {وَهَمُّواْ} بقتل الرسول في غزاة تبوك، أو بإخراج الرسول بقولهم {أية : لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ}تفسير : [المنافقون: 8] أو هَمُّوا بقتل الذي أنكر عليهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك قال "لما نزل القرآن فيه ذكر المنافقين قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقاً لنحن شر من الحمير. فسمعه عمير بن سعد فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إليَّ وأحسنهم عندي أشراً وأعزهم علي أن يدخل عليه شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن سكت عنها لتهلكني، ولأحدهما أشد عليَّ من الأخرى. فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قال، فأتى الجلاس فجعل يحلف بالله ما قال، ولقد كذب على عمير فأنزل الله {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} الآية". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال "كان الجلاس بن سويد بن الصامت ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وقال: لئن كان هذا الرجل صادقاً لنحن شر من الحمير. فرفع عمير بن سعد مقالته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلف الجلاس بالله لقد كذب عليَّ وما قلت. فأنزل الله {يحلفون بالله ما قالوا} الآية. فزعموا أنه تاب، وحسنت توبته". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال "سمع زيد بن أرقم رضي الله عنه رجلاً من المنافقين يقول - والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب - : إن كان هذا صادقاً لنحن شر من الحمير. فقال زيد رضي الله عنه: هو - والله - صادق ولأنت أشر من الحمار، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجحد القائل، فأنزل الله {يحلفون بالله ما قالوا...} الآية. فكانت الآية في تصديق زيد". وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل شجرة فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه. فلم يلبثوا إلا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، وأنزل الله {يحلفون بالله ما قالوا...} الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال "ذكر لنا أن رجلين اقتتلا، أحدهما من جهينة والآخر من غفار، وكانت جهينة حلفاء الأنصار، فظهر الغفاري على الجهني فقال عبد الله بن أبي للأوس: انصروا أخاكم، والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك. والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر...} الآية". وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} قال: نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عروة حديث : أن رجلاً من الأنصار يقال له الجلاس بن سويد قال ليلة في غزوة تبوك "والله لئن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شر من الحمير. فسمعه غلام يقال له عمير بن سعد وكان ربيبه فقال له: أي عم، تب إلى الله. وجاء الغلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه فجعل يحلف ويقول: والله ما قلت يا رسول الله. فقال الغلام: بلى، والله لقد قلته فتب إلى الله، ولولا أن ينزل القرآن فيجعلني معك ما قلته، فجاء الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا فلا يتحركون إذا نزل الوحي، فرفع عن النبي فقال {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} إلى قوله {فإن يتوبوا يك خيراً لهم} فقال: قد قلته وقد عرض الله عليّ التوبة فأنا أتوب، فقبل ذلك منه، وقتل له قتيل في الإِسلام فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه ديته فاستغنى بذلك وكان همَّ أن يلحق بالمشركين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للغلام: وعت أذنك" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين رضي الله عنه قال: حديث : لما نزل القرآن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذن عمير فقال "وعت أذنك يا غلام وصدقك ربك" . تفسير : وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن سيرين رضي الله عنه قال: حديث : قال رجل من المنافقين: لئن كان محمد صادقاً فيما يقول لنحن شر من الحمير. فقال له زيد بن أرقم رضي الله عنهما: إن محمداً صادق ولأنت شر من الحمار. فكان فيما بينهما في ذلك كلام، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأتاه الآخر فحلف بالله ما قال، فنزلت {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن أرقم "وعت أذناك" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: قال أحدهم: إن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شر من الحمير. فقال رجل من المؤمنين: فوالله إن ما يقول محمد لحق، ولأنت شر من الحمار. فهمَّ بقتله المنافق، فذلك همهم بما لم ينالوا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {يحلفون بالله ما قالوا} قال "هم الذين أرادوا أن يدفعوا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وكانوا قد أجمعوا أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم معه في بعض أسفاره، فجعلوا يلتمسون غرته حتى أخذ في عقبة، فتقدم بعضهم وتأخر بعضهم وذلك ليلاً قالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي، فسمع حذيفة رضي الله عنه وهو يسوق النبي صلى الله عليه وسلم وكان قائده تلك الليلة عمار، وسائقه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، فسمع حذيفة وقع اخفاف الابل، فالتفت فإذا هو بقوم متلثمين: فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله فأمسكوا. ومضى النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل منزله الذي أراد، فلما أصبح أرسل إليهم كلهم فقال: أردتم كذا وكذا؟ فحلفوا بالله ما قالوا ولا أرادوا الذي سألهم عنه، فذلك قوله {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} الآية". وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وهموا بما لم ينالوا} قال: همَّ رجل يقال له الأسود بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة رضي الله عنه قال "حديث : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلاً من تبوك إلى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق مَكَرَ برسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق، فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه، فلما غشيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر خبرهم فقال: من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة، وأخذ الناس ببطن الوادي إلا النفر الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا ذلك استعدوا وتلثموا وقد هموا بأمر عظيم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وعمار بن ياسر رضي الله عنه فمشيا معه شيئاً، فأمر عمار أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة بسوقها. فبينما هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر حذيفة أن يردهم، وأبصر حذيفة رضي الله عنه غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع ومعه محجن، فاستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضرباً بالمحجن، وأبصر القوم وهم متلثمون لا يشعرون إنما ذلك فعل المسافر، فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة رضي الله عنه وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناس وأقبل حذيفة رضي الله عنه حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أدركه قال: اضرب الراحلة يا حذيفة وامشِ أنت يا عمار، فأسرعوا حتى استووا بأعلاها، فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة: هل عرفت يا حذيفة من هؤلاء الرهط أحداً؟ قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان، وقال: كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثمون. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل علمتم ما كان شأنهم وما أرادوا؟ قالوا: لا والله يا رسول الله...! قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا طلعت في العقبة طرحوني منها. قالوا: أفلا تأمر بهم يا رسول الله فنضرب أعناقهم؟ قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولوا: إن محمد وضع يده في أصحابه فسماهم لهما، وقال: اكتماهم ". تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن إسحق نحوه وزاد بعد قوله لحذيفةحديث : "هل عرفت من القوم أحدا" فقال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله قد أخبرني بأسمائهم وأسماء آبائهم وسأخبرك بهم إن شاء الله عند وجه الصبح، فلما أصبح سماهم له: عبد الله بن أبي سعد، وسعد بن أبي سرح، وأبا حاصر الأعرابي، وعامراً، وأبا عامر، والجلاس بن سويد بن صامت، ومجمع بن حارثة، ومليحاً التيمي، وحصين بن نمير، وطعمة بن أبيرق، وعبد الله بن عيينة، ومرة بن ربيع. فهم اثنا عشر رجلاً حاربوا الله ورسوله وأرادوا قتله، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وذلك قوله عز وجل {وهموا بما لم ينالوا} وكان أبو عامر رأسهم، وله بنوا مسجد الضرار وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة" . تفسير : وأخرج ابن سعد عن نافع بن جبير بن مطعم قال: لم يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسماء المنافقين الذين تحسوه ليلة العقبة بتبوك غير حذيفة رضي الله عنه، وهم اثنا عشر رجلاً ليس فيهم قرشي، وكلهم من الأنصار ومن حلفائهم. وأخرج البيهقي في الدلائل حديث : عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوقه أو أنا أسوقه وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوا فيها قال: فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "هل عرفتم القوم؟ قلنا لا يا رسول الله كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب. قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة. هل تدرون ما أرادوا؟ قلنا: لا. قال: أرادوا أن يزحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة فيلقوه منها. قلنا يا رسول الله، ألا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: لا، إني أكره أن تحدث العرب بينها: أن محمداً قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال: اللهمَّ ارمهم بالدبيلة. قلنا يا رسول الله، وما الدبيلة؟ قال: شهاب من نار يوضع على نياط قلب أحدهم فيهلك" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله {وهموا بما لم ينالوا} قال: أرادوا أن يتوّجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج أبو الشيخ عن أبي صالح {وهموا بما لم ينالوا} قال: هموا أن يتوجوا عبد الله بن أبي بتاج. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه. أن مولى لبني عدي بن كعب قتل رجلاً من الأنصار، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدية اثني عشر ألفاً، وفيه نزلت {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} . وأخرج ابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قتل رجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ديته اثني عشر ألفاً، وذلك قوله {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} قال: بأخذهم الدية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} قال: كانت له دية قد غلب عليها فأخرجها له رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال: كان جلاس يحمل حمالة أو كان عليه دين فأدى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} . وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: ثم دعاهم إلى التوبة فقال {فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة} فاما عذاب الدنيا فالقتل، وأما عذاب الآخرة فالنار. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ان قوماً قد هموا بهم سوءاً وأرادوا أمراً فليقوموا فليستغفروا فلم يقم أحد ثلاث مرار، فقال: قم يا فلان قم يا فلان. فقالوا: نستغفر الله تعالى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لانا دعوتكم إلى التوبة والله أسرع إليكم بها وأنا أطيب لكم نفساً بالاستغفار أخرجوا ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: احفظ عني كل شيء في القرآن {وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} فهي للمشركين، فأما المؤمنون فما أكثر شفعاءهم وأنصارهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ}. تَسَتَّروا بأَيْمانِهم فَهتَكَ اللهُ أستارهم وكشف أسرارهم. قوله: {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ}: وهي طَعْنُهُم في نُبوَّةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكلُّ مَنْ وَصَفَ المعبودَ بصفاتِ الخَلْق أو أضاف إلى الخلْق ما هو من خصائص نعت الحقِّ فقد قال كلمة الكفر. قوله جلّ ذكره: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}. أي أظهروا من شعار الكفر ما دَلَّ على جُحْدِهم بقلوبهم بعد ما كانوا يُظْهِرون الموافقة والاستسلامَ، وهمُّوا بما لم ينالوا من قتلٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سوَّلت أنفسهم أنه يُخْرِج الأَعَزُّ منها الأذلَّ، وغير ذلك. يقال تمنوا زوالَ دولةِ الإسلام فأبى اللهُ إلا إعلاء أمْرِها. ثم قال: {وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}: أي ما عابوه إلا بما هو أَجَلّ خصاله، فلم يحصلوا من ذلك إلا على ظهور شأنهم للكافة بما لا عذر لهم فيه. قوله جلّ ذكره: {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. وأقوى أركان التوبة حلُّ عقْدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بجميع حقِّ الأمر على وجه الاستقصاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {يحلفون بالله ما قالوا} -روى- ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اقام فى غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمعه من كان منهم معه عليه السلام فقال الجلاس ابن سويد منهم لئن كان ما يقول محمد حقا لاخواننا الذين خلفناهم وهم ساداتنا واشرافنا فنحن شر من الحمير فقال عامر بن قيس الانصارى للجلاس اجل والله والله ان محمدا لصادق وانت شر من الحمير فبلغ ذلك رسول الله فاستحضره فحلف بالله ما قال فرفع عامر يده فقال اللهم انزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم والمؤمنون {أية : آمين} تفسير : فنزل جبريل قبل ان يتفرقوا بهذه الاية وصيغة الجمع فى قالوا مع ان القائل هو الجلاس للايذان بان بقيتهم لرضاهم بقوله صاروا بمنزلة القائل {ولقد قالوا كلمة الكفر} هى ما حكى آنفا {وكفروا بعد اسلامهم} اى واظهروا ما فى قلوبهم من الكفر بعد اظهارهم الاسلام {وهموا بمالم ينالوا} الهم بالشيء فى اللغة مقارنته دون الوقوع فيه اى قصدوا الى ما لم يصلوا الى ذلك من قتل الرسول وذلك ان خمسة عشر منهم توافقوا عند مرجعه عليه السلام من تبوك على ان يفتكوا به فى العقبة التى هى بين تبوك والمدينة فقالوا اذا اخذ فى العقبة دفعناه عن راحلته الى الوادى فاخبر الله تعالى رسوله بذلك فلما وصل الجيش الى العقبة نادى منادى رسول الله ان رسول الله يريد ان يسلك العقبة فلا يسلكها احد واسلكوا بطن الوادى فانه اسهل لكم واوسع فسلك الناس بطن الوادى وسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة فلما سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا وسلكوا العقبة وامر عليه السلام عمار بن ياسر رضى الله عنه ان يأخذ بزمام الناقة يقودها وامر حذيفة بن اليمان رضى الله عنه ان يسوقها من خلفها فبينما هما كذلك اذ سمع حذيفة بوقع اخفاف الابل وبقعقعة السلاح فرجع اليهم ومعه محجن فجعل يضرب به وجوه رواحلهم وقال إليكم إليكم يا اعداء الله اى تمنعوا عن رسول الله وتنحوا فهربوا حديث : وفى رواية انه عليه السلام خرج بهم فولوا مدبرين فعلموا انه عليه السلام اطلع على مكرهم فانحطوا من العقبة مسرعين الى بطن الوادى واختلطوا بالناس فرجع حذيفة يضرب الناقة فقال عليه السلام "هل عرفت احد من الركب الذين رددتهم" قال لا كان القوم ملثمين والليلة مظلمة فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء اليه اسيد بن حفير رضى الله عنه فقال يا رسول الله ما منعك البارحة من سلوك الوادى فقد كان اسهل من سلوك العقبة فقال "أتدرى ما اراد المنافقون" وذكر له القصة فقال يا رسول الله قد نزل الناس واجتمعوا فمر كل بطن ان يقتل الرجل الذى هم بهذا فان احببت بين باسائهم والذى بعثك بالحق لا ابرح حتى آتيك برؤسهم فقال "انى اكره ان يقول الناس ان محمدا قاتل بقوم حتى اذا اظهره الله بهم اقبل عليهم يقتلهم" فقال يا رسول الله هؤلاء ليسوا باصحاب فقال عليه السلام "أليس يظهرون الشهادة" ودعا عليهم رسول الله فقال "اللهم ارمهم بالدبيلة" وهى سراج من نار يظهر بين اكتافهم حتى ينجم من صدورهمتفسير : . وفى لفظ شهاب من نار يقع على نياط قلب احدهم فيهلكه {وما نقموا} قال فى القاموس نقم الامر كرهه اى وما كرهوا وما عابوا وما انكروا شيأ من الاشياء {الا ان اغنيهم الله ورسوله من فضله} سبحانه وتعالى وذلك انهم كانوا حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فى غاية ما يكون من شدة العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فآثروا بالغنائم اى استغنوا وكثرت اموالهم وقتل للجلاس مولى فامر رسول الله بديته اثنى عشر الف درهم فاستغنى. قال سعدى جلبى يجوز ان يكون زيادة الالفين شنقا اى تكرما لانهم كانوا يعطون الدية ويتكرمون بزيادة عليها ويسمونها شنقا انتهى. وهذا الكلام من قبيل قولهم مالى عندك ذنب الا احسانى اليك اى ان كان ثمة ذنب فهذا هو تهكم بهم وتوبيخ وقيل الضمير فى اغناهم للمؤمنين اى غاظهم اغناؤه للمؤمنين كذا قال ابن عبد السلام {فان يتوبوا} عماهم عليه من الكفرة والنفاق {يك} ذلك التوب {خيرا لهم} فى الدارين قيل لما تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جلاس يا رسول الله لقد عرض الله على التوبة والله لقد قبلت وصدق عامر بن قيس فتاب جلاس وحسنت توبته {وان يتولوا} اى استمروا على ما كانوا عليه من التولى والاعراض عن الدين {يعذبهم الله عذابا اليما فى الدنيا} بالقتل والاسر والنهب وغير ذلك من فنون العقوبات {والآخرة} بالنار وغيرها من افانين العقاب {وما لهم فى الارض} مع سعتها وتباعد اقطارها وكثرة اهلها المصححة لوجدان ما نفى بقوله تعالى {من ولى} [دوستى كه دست كيرد] {ولا نصير} [ونه يارى كه عذاب ايسان باز دارد] اى ينقذهم من العذاب بالشفاعة والمدافعة فالعاصى لا ينجو من العذاب وان كان سلطانا ذا منعة الا بالاستغفار من الذنوب واخلاص التوحيد والتوجه الى علام الغيوب -حكى- عن محمد بن جعفر انه قال كنت مع الخليفة فى زورق فقال الخليفة انا واحد وربى واحد فقلت له اسكت يا امير المؤمنين لو قلت ما قلت مرة اخرى لنغرق جميعا قال لم قلت لانك لست بواحد انما انت اثنان الروح والجسد من الاثنين الاب والام فى الاثنين الليل والنهار بالاثنين الطعام والشراب مع الاثنين الفقر والعجز والواحد هو الله الذى لا اله الا هو. وقال حكيم لاصحاب الجنة ثلاثة اشياء يدخلون بها الجنة قوله لا اله الا الله محمد رسول الله والاستغفار من الذنوب والندم عليها وتحميد الله تعالى فى الدنيا وان اول ما يقولون اذا دخلوا الجنة الحمد لله الذى اذهب عنا الحزن اى حزن القبر والكتاب والنيران ان ربنا لغفور للذنوب والمعصية شكور لقليل العمل والطاعة وفى الحديث "حديث : امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله " .تفسير : قال المولى الجامى قدس سره شعر : دلت آيينه خداى نماست روى آيينه توتيره جراست صيقلى وار صيقلى ميزن باشد آيينه آت شود روشن صيقل آن اكرنه آكاه نيست جز لا اله الا الله تفسير : وفى قوله {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد اسلامهم} اشارة الى ان بعض المريدين عند استيلاء النفوس وغلبة هواها وظفر الشيطان بهم شأنهم ان ينكروا على مشايخهم ويقولوا فى حقهم كلمة الكفر اى كلمة الانكار والاعتراض ويعرضوا عنهم بقلوبهم بعد الارادة والاستسلام فاذا وقف المشايخ على احوال ضمائرهم وخلل الارادة فى سرائرهم {يحلفون بالله} انهم {ما قالوا} وما انكروا {وهموا بما لم ينالوا} يعنى وهم بعضهم ان يثبت لنفسه مرتبة الشيخوخة قبل اوانها ويظهر الدعوة الى نفسه وان لم ينلها {وما نقموا الا ان اعنيهم الله ورسوله من فضله} اى وما انكروا على الشيخ وخرجوا من امره الا كون الشيخ غنى بلبان فضل الله عن حلمة الولاية ليروا آثار الرشد على انفسهم فلم يحتلموا لضيق حوصلة الهمة فزين لهم الشيطان سوء اعمالهم فاصمهم بذلك واعمى ابصارهم {فان يتوبوا} يرجعوا الى ولاية الشيخ بطريق الالتجاء {يك خيرا لهم} بان يتخلصوا من غير الولاية وردها فانها مهلكة ويتمسكوا بحبل الارادة فانها منجية {وان يتولوا} اى يعرضوا عن ولاية الشيخ {يعذبهم الله عذابا اليما فى الدنيا والآخرة} بعد رد الولاية فان مرتد الطريقة اعظم ذنبا من مرتد الشريعة. قال الجنيد لو اقبل صديق على الله الف سنة ثم اعرض عنه لحظة فان ما فاته اكثر مما ناله فاما عذابه فى الدنيا فبسلب الصدق والرد على باب الطلب وارخاء الحجاب وذله وتقوية الهوى وتبديل الاخلاص بالرياء والحرص على الدنيا وطلب الرفعة والجاه واما عذابه فى الآخرة فباشتعال نيران الحسرة والندامة على قلبه المعذب بنار القطيعة وهى نار الله الموقدة التى تطلع على الافئدة {وما لهم فى الارض من ولى ولا نصير} يشير الى ان من ابتلى برد ولاية شيخ كامل ولو امتلأت الارض بالمشايخ وارباب الولاية وهو يتمسك بذيل ارادتهم غير ان شيخه رده لا يمكن لاحدهم اعانته واخراجه من ورطة الرد الا ما شاء الله كما فى التأويلات النجمية
الطوسي
تفسير : اختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقال عروة وابن اسحاق ومجاهد: إنها نزلت في الخلاس بن سويد بن الصامت بأنه قال: فان كان ما جاء به محمد حقاً لنحن شرّ من الحمير، ثم حلف بالله أنه ما قال. وقال قتادة: نزلت في عبد الله بن ابي بن سلول حين قال {أية : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} تفسير : وقال الحسن: كان ذلك في جماعة من المنافقين. وقال الواقدي والزجاج: نزلت في اهل العقبة فانهم ائتمروا أن يغتالوا رسول الله في عقبة في الطريق عند مرجعهم من تبوك. وأرادوا ان يقطعوا اتساع راحلته، واطلعه الله على ذلك. وكان ذلك من معجزاته صلى الله عليه وآله لأنه لا يمكن معرفة مثل ذلك إلا بوحي من الله تعالى، فسار رسول الله في العقبة وحده وأمر الناس كلهم بسلوك بطن الوادي وكانوا اثني عشر رجلا أو خمسة عشر رجلا على الخلاف فيه. وعرفهم واحداً واحداً عمار بن ياسر وحذيفة، وكان احدهما يقود ناقة رسول الله والآخر يسوقها، والحديث مشروح في كتاب الواقدي. وقال ابو جعفر عليه السلام كانوا ثمانية من قريش واربعة من العرب وقوله {وهموا بما لم ينالوا} قيل فيه ثلاثة اقوال: احدها - قال مجاهد: هم المنافقون بما لم يبلغوه من التنفير برسول الله. الثاني - قال قتادة: هموا بما ذكر في قوله {ليخرجن الأعز منها الأذل} فلم يبلغوا ذلك. والثالث - عن مجاهد أنهم هموا بقتل من أنكر عليهم ذلك. وقال بعضهم: كان المنافقون قالوا: لو رجعنا وضعنا التاج على رأس عبد الله ابن ابي، فلما اوقفوا على ذلك حلفوا بأنهم ما قالوا ذلك ولا هموا به، فاخبر الله تعالى عن حالهم انهم يحلفون بالله ما قالوا، ثم اقسم تعالى بانهم قالوا ذلك، لان لام لقد لام القسم وانهم قالوا كلمة الكفر، وهي كل كلمة فيها جحد لنعم الله او بلغت منزلتها في العظم، وكانوا يطعنون في الاسلام والنبوة، وأخبر انهم هموا بما لم يبلغوه. والهم مقاربة الفعل بتغليبه في النفس تقول: هم بالشيء يهم هماً، ومنه قوله {أية : ولقد همت به وهم بها لولا أن رءا} تفسير : وليس الهم من العزم في شيء إلا ان يبلغ نهاية العزم في النفس. والنيل لحوق الأمر. ومنه قوله (نال السيف ونال ما اشتهى او قدر او تمنى) فهؤلاء قدّروا في انفسهم من كيد الاسلام ما لم يبلغوه. وقوله {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} يعني ما فتح الله عليهم من الفتوح وأخذ الغنائم واستغنوا بعد أن كانوا محتاجين وقيل في معناه قولان: احدهما - انهم عملوا بضد الواجب فجعلوا موضع شكر الغنى أن نقموا قال الشاعر: شعر : ما نقموا من بني أمية إلا انهم يحلمون ان غضبوا تفسير : والآخر - انهم بطروا النعمة بالغنى فنقموا بطراً واشراً فهم لا يفلحون بهذه الحال ولا بعدها. والفضل الزيادة في الخير على مقدار ما. والتفضل هو الزيادة من الخير الذي كان للقادر عليه ان يفعله وأن لا يفعله. ثم قال تعالى {فإن يتوبوا} هؤلاء المنافقون ويرجعوا إلى الحق {يك خيراً لهم} في دينهم ودنياهم فانهم ينالون بذلك رضى الله ورسوله والجنة {وإن يتولوا} اي يعرضوا عن الرجوع إلى الحق وسلوك الطريق الصحيح {يعذبهم الله عذاباً أليماً} اي مؤلماً {في الدنيا} بما ينالهم من الحسرة والغم وسوء الذكر وانواع المصائب وفي {الآخرة} بعذاب النار {وما لهم في الأرض} اي ليس لهم في الارض {من ولي اي محب {ولا نصير} يعني من ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله. وقيل: إن خلاساً تاب بعد ذلك، وقال: استثنى الله تعالى لي التوبة فقبل الله توبته.
الجنابذي
تفسير : {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ} قابل حلفهم بالحلف المستفاد من اللاّم {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} نزلت فى الّذين تحالفوا وتعاهدوا فى مكّة بعد ان علموا انّ محمّداً (ص) يريد ان يجعل الخلافة لعلىّ (ع) على ان لا يردّوا هذا الامر فى بنى هاشم او فى الّذين قالوا بغدير خمّ: الا ترون عينيه كأنّهما عينا مجنونٍ، او فى الّذين تحالفوا على قتله فى العقبة بعد رجوعهم من تبوك والكلّ مروىٌّ {وَمَا نَقَمُوۤاْ} اى ما كافئوا بالعقوبة او ما كرهوا او ما انكروا {إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ} مستثنى مفرّغ عن مفعول به عامّ او علّة عامّة اى ما نقموا منهم لشيءٍ الاّ لاغناء الله لانّ الانسان ليطغى ان رآه استغنى او ما نقموا منهم شيئاً الاّ اغناءهم الله {وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} من قبيل قول الشّاعر: شعر : ولا عيب فيهم غير انّ سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب تفسير : {فَإِن يَتُوبُواْ} عن النّفاق ولوازمه {يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا} عن التّوبة او عن الرّسول (ص) {يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} قد مضى مراراً انّ الولىّ هو النّبىّ (ص) او خليفته او المجاز منه بلا واسطة او بواسطة من جهة تربية القلب وتعليم احكامه والنّصير كلّ واحد منهم من جهة الرّسالة وتربية القالب.
الهواري
تفسير : قوله: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ}. ذكروا عن الحسن قال: حديث : قال رجل من المنافقين لرجل من المسلمين: إن كان ما يقول محمد حقاً لنحن أشرُّ من الحمير. فقال المسلم: فأنا أشهد أن ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم حق وإنك شر من حمار. ثم أتى النبي عليه السلام فأخبره بذلك. فأرسل النبي إلى المنافق فقال:أَقُلتَ كذا وكذا فقال: [والله] يا رسول الله ما قلته، [وحلف المسلم لقد قاله] فأنزل الله: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} تفسير : أي بعد إقرارهم وتوحيدهم. { وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} قال مجاهد: هو المنافق الذي قال ما قال، أراد أن يقتل المسلم الذي أخبر النبي عليه السلام يقول المنافق للمؤمن: إن كان ما يقوله محمد حقاً فنحن أشر من الحمير. قال بعضهم: بإظهار النفاق. وكان يقول: كانوا نفراً، وكان الرجل الذي أخبر النبي عليه السلام حاضرَهم حين قال بعضهم: لئن كان ما يقول محمد حقاً لنحن أشر من الحمير؛ فلم يفطنوا بمكان الرجل، فأرعب الله قلوبهم، فقال في سورة الأحزاب: (أية : لَئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ) تفسير : [الأحزاب:60] بالنبي وأصحابه، وهم المنافقون، يقولون: يهلك محمد وأصحابه، ونرجع إلى دين مشركي العرب. وقال بعضهم: نزل هذا حين قالوا: (أية : لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ) تفسير : [المنافقون:8] فقال الله لئن لم ينتهوا عن إرجافهم وإظهارهم نفاقَهم {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} أي لنسلِطنَّك عليهم فتقتلهم، (أية : ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً)تفسير : [الاحزاب:60]. وقال بعضهم: {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} أي: حين قالوا {لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ}. قوله: {وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} يقول: لم ينقموا من الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أنهم أصابوا الغنى في الدنيا، ولو تمسّكوا به لأصابوا الجنة في الآخرة. وهو كقوله: (أية : وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمُ إِلاَّ أَن يُّؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ) تفسير : [البروج:8] وكقوله: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ}. قوله: { فَإِن يَتُوبُوا} أي: يرجعوا عن نفاقهم { يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا} عن التوبة، ويباينوا بالنفاق { يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا} بالسيف { وَالأَخِرَةِ} بالنار { وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ} يمنعهم من عذاب الله { وَلاَ نَصِيرٍ}.
اطفيش
تفسير : {يحْلفُونَ باللهِ ما قالُوا} ما ذكر عنهم {ولَقَد قالُوا كَلمَة الكُفْر} هى قولهم: لئن كان ما يقول محمد حقا لأنه كناية عن كونه غير حق، أو شك فى كونه حقا وقيل: قالوا ذلك لأنهم لم يفطنوا بمكان عامر، وذلك أنه قام بغزوة تبوك شهرين، ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين، وخطب يوما بأنهم رجس، وقال الجلاس ذلك، وحلف بأمر رسول الله عند المنبر بعد العصر بالله الذى لا إله إلا هو ما قال، وإن عامرا كاذب علىّ، وحلف عامر كذلك أنه قال وما كذبت، فنزلت الآية إلى: {فإن يتُوبوا يكُ خيراً لهم} فقام الجلاس وقال: أسمع الله قد عرض علىَّ التوبة، صدق عامر، لقد قلت، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، وقبل ذلك منه وحسنت توبته. وقيل: أقبل الجلاس من قبائل معه ربيبه واسمه عمير بن سعد عند ابن إسحاق، وقال عروة: اسمه مصعب، وقيل: معه غيره وهما على حمارين، فقال: لئن كان ما يقول محمد فى إخواننا حقا لنحن شر من الحمر، وقيل: من حمرنا هذه إن هم إلا كبراؤنا وسادتنا، فأخبر الذى معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وخاف أن يخلط فى خطبته معه، فحلف فكذبته الآية. "حديث : وعن ابن عباس: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ظل حجرة فقال: "إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعينى شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه" فطلع رجل أزرق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علام تشتمنى أنت وأصحابك؟" فانطلق فجاء أصحابه فحلفوا بالله ما قالوا وفعلوا، حتى تجاوز عنهم"تفسير : ، فنزلت. وقال قتادة: نزلت فى عبد الله بن أبى سلول، وذلك أن سنان ابن وبرة حليف الأنصار، وكان من جهينة والجهجاه الغفارى، كسع أحدهما رِجْلَ الآخر فى غزوة المريسع فصاح الجهجاه: يا للأنصار! وصاح سنان: يا للمهاجرين! وقد ظهر الغفارى على الجهنى، فثار الناس، وقال عبد الله: انصروا أخاكم، فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وأسكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بينهم، وبلغتهم مقالة عبد الله، فدعاه فأنكر وحلف. "حديث : وقيل خَلوْا فى غزوة تبوك فسبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وطعنوا فى الدين فنقل ذلك حذيفة رضى الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أهل النفاق ما بلغنى عنكم؟" فحلفوا ما قالوا"تفسير : فنزلت، وكلمة الكفر على كل قول هو ما قال المنافقون. {وكَفَرُوا بَعْد إسْلامهم} أى أظهروا الكفر بعد الإسلام الذى فى ألسنتهم {وهمُّوا بما لَم يَنالُوا} هو ما مر أن اثنى عشر هموا بقتله ليلة العقبة فى مرجعه من تبوك، وقيل خمسة عشر توافقوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادى من العقبة، فقاد عمار راحلته وساقها حذيفة، وسمع حذيفة بأخفاف الإبل وقعقعة السلاح، فقال: إليكم إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا. وقيل: همَّ الجلاس بقتل من سمع مقالته لئلا يفشيها، وسند هذا القول ضعيف، وقيل: هو هم عبد الله بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من المدينة إذا رجعوا إليها، وقال السدى: هو هَمُّ المنافقين أن يعقدوا على رأس عبد الله تاجا إذا رجعوا إليها، وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن: همهم بإظهار الشرك، وقال مجاهد: همّ قوم من قريش بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقول: هذا لا يناسب الآية. {وما نَقمُوا} وقرأ ابن أبى عبلة بكسر القاف وهو لغة، وقد مر فى الأعراف والمعنى ما أنكروا وما عابوا {إلا أنْ أغْناهُم الله ورسُولُه مِنْ فَضْله} هذا الاستثناء من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وهو مفرغ، والتفريغ من محذوف عام إلى مفعول، أى ما نقموا شيئا إلا غناء الله ورسوله إياهم، أو إلى تعليل أى ما نقموا لشىء إلا لئن أغناهم، وكان عليهم أن يتذكروا ذلك الإغناء ونشكروه، وقابلوه بالكفران، المعنى أو ما وجدوا ما يورث نقمتهم إلا أن أغناهم الله ورسوله، كان أكثر أهل المدينة محاويج لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم تمولوا بالغنائم، وكانت للجلاس دية معطلة من مولى له قتله مولى من بنى عدى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه بديته اثنى عشر ألف درهم فاستقضاها، وقيل: كانت لعبد الله بن أبى، فأخرجها له. {فإنْ يتُوبُوا} من كفرهم ونفاقهم {يَكُ} التوب {خيراً لَهم} نفعا فى العاجل والآجل {وإنْ يتَولَّوا} يعرضوا عن التوبة {يُعذِّبهم اللهُ عذاباً أليماً فى الدُّنيا} بالخزى والإذلال والقتل {والآخِرةِ} بالنار {ومَا لَهم} فى الأرض على الإطلاق، أو فى أرض المدينة حيث كانوا، فإذا لم يكن لهم فى ذلك لم يكن لهم فى سائر الأرض بالأولى {مِنْ ولىٍّ} يمنعهم من وقوع العذاب {ولا نَصيرٍ} يدفعه عنهم بعد نزوله.
اطفيش
تفسير : {يَحْلِفُونَ} أَى المنافقون {بِاللهِ مَا قَالُوا} فيك ما بلغك عنهم من التكذيب لك والسب {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ} أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس رسولا من الله، أَو شكهم فى أَن ما يقول حق، وقول ابن أُبى: والله ما مثلنا، إِلخ.. إِلا كما قيل سمن كلبك يأكلك، وقول من قال: والله لئن كان صادقا كيف يملك الشام والروم {وَكَفَرُوا} أَظهروا الكفر الذى أَضمروا من قبل، وذلك أَنهم لم يخلصوا الإِيمان ثم ارتدوا، بل هم من أَول الأَمر على الكفر، أَظهروا التوحيد. {بَعْد إِسْلاَمِهِمْ} بعد إِظهارهم الإِسلام، روى أَنه صلى الله عليه وسلم خطب يوما بتبوك وقد مكث فيها شهرين ينزل عليه القرآن فذكر المنافقين وسماهم رجساً وعابهم. فقال الجُلاس ـ بضم الجيم وفتح اللام ـ إِن كان ما يقول محمد فى إِخواننا الذين خلفناهم بالمدينة حقا ـ يعنى ساداتهم الباقين بالمدينة مثل عبدالله ابن أبى ـ فنحن شر من الحمير، وروى أَنه سمعه عمير بن سعد فقال والله يا جُلاس إِنك لأَحب الناس إِلىَّ وأَحسنهم عندى أَثراً، ولقد قلت مقالة لئِن ذكرتها لتفضحنك، ولئِن سكت عنها لتهلكننى ولإِحداهما أَشد على الأُخرى، فمشى إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فحلف الجُلاس ما قال فنزلت الآية، فأَخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُذن عمير، فقال: حديث : لقد وفيت أُذنك يا غلام، وصدقك ربكتفسير : ، وقيل: سمعه عامر بن قيس الأَنصارى فقال: يا رجل إِن محمداً هو الصادق، وأَنتم شر من الحمير. فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى المدينة أَتاه عامر بن قيس فأَخبره بما قاله الجُلاس فقال الجُلاس: كذب يا رسول الله علي فأَمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن يحلفا عند المنبر، فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذى لا إِله إِلا هو ما قلت ولقد كذب علىَّ عامر، فحلف عامر بالله الذى لا إِله إِلا هو لقد قال وما كذبت، ثم رفع يده إِلى السماءِ فقال: اللهم أنزل على نبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون: "آمين". فنزل جبريل عليه السلام عليه صلى الله عليه وسلم قبل أَن يتفرقا بهذه الآية إِلى قوله {فإِن يتوبوا يك خيرا لهم} فقال الجُلاس: يا رسول الله إِن الله قد عرض على التوبة، صدق عامر بن قيس فيما قال، وأَنا قلته وأَنا أَستغفر الله وأَتوب إِليه، فقبل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسنت توبته، ولا ينافى توبته وقبولها ما روى عن ابن عباس أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس فى ظل شجرة، وقال: حديث : يأْتيكم إِنسان ينظر إِليكم بعينى شيطان فلا تكلموه إذِا جاءَ، فطلع رجل أَزرق العينين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: عَلاَم تشتمنى أَنت وأَصحابك؟ تفسير : فجاءَ بأَصحابه، فحلفوا ما فعلوا حتى تجاوز عنهم، فيحلفون للماضى عبر عنه بصيغة الحضور تقوية للماضى باستحضاره كأَنه يشاهده من لم يشاهده، وكأَنه شاهده الآن من شاهده أولا، وقال يحلفون والحالف واحد وهو الجُلاس لرضا إِخوانه بحلفه، وقيل: الآية فى عبدالله بن أُبى ابن سلول إِذ قال: لئِن رجعنا إِلى المدينة، روى أَنه اقتتل رجل من جهينة وآخر من غِفار، وكانت جهينة من حلفاءِ الأَنصار فظهر الغفارى على الجهينى، فقال عبدالله بن أُبى للأَوس: انصروا أَخاكم والله ما مثلنا ومثل محمد ـ صلى الله عليه وسلم وحاشاه عما يقول هذا المنافق ـ إِلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك والله "أية : لئِن رجعنا إِلى المدينة"تفسير : [المنافقون: 8] ليخرجن الآية، فأَخبر رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَرسل إِليه فجاءَه، فجعل يحلف بالله ما قال فنزل يحلفون الآية، وإِذا كان القول لبعض وأُسند للكل فلرضاهم {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} من الفتك بالنبى صلى الله عليه وسلم. توافق خمسة عشر رجلا عند أَحمد واثنا عشر عند مسلم عن عمار وحذيفة. وما رواه أَحمد هو حديث أَبى الطفيل عند الرجوع من تبوك أَن يدفعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راحلته ليقع فى الوادى فيموت، فأَخبره الله بذلك فلما وصل إِلى العقبة نادى مناديه بأَمره أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أَن يسلك العقبة فلا يسلكها أَحد غيره، واسلكوا يا معشر الجيش بطن الوادى فإِنه أسهل لكم وأَوسع، فسلك الناس بطن الوادى وسلك النبى صلى الله عليه وسلم العقبة والليل مظلم وعمار آخذ بزمام ناقته، وحذيفة سائقها أو بالعكس، فازدحموا إِليه متلثمين حتى نفرت ناقته فسقط بعض متاعه، فصرخ بهم حذيفة وضرب وجوه رواحلهم، وقيل ضربها عمار وقد سمع ضاربها منهما قعقعة السلاح، فقال: إليكم إِليكم يا أَعداءَ الله، فولوا مدبرين فأَسرعوا إِلى بطن الوادى واختلطوا بالناس. فقال صلى الله عليه وسلم لحذيفة: حديث : هل عرفت أحدا منهم؟ تفسير : قال: لا، كانوا متلثمين والليلة مظلمة قال: حديث : هل علمت مرادهم؟ تفسير : قال: لا. قال صلى الله عليه وسلم: حديث : أَرادوا المكر بىتفسير : ، وقيل: الذين همُّوا بما لم ينالوا عبدالله بن أُبى ومن معه، هموا بإِخراج الرسول إِذ قال: لئِن رجعنا، الآية، أَو هم من معه بأَن يتوجهوا، ولو لم يرض صلى الله عليه وسلم فقيل له: هلا نقلتهم؟ وقيل له: أَرسل إِلى أَهلهم يأْتوك برءوسهم. قال: لا فإِنه يتحدث أَنى لما كنت غالبا قتلت أَصحابى. ودعا الله أَن يحرق قلوبهم وهم من الأَوس والخزرج أَو من حلفائِهم لا قرشى فيهم، وقال الباقر ثمانية من قريش وأَربعة من العرب، ولا تصح هذه الرواية، وعند ابن إِسحاق منهم الجُلاس ولا ينافى ما مر من توبته وإِحسانه. على أَن المراد الغالب لا الكل فى مثل قوله هؤلاءِ المنافقون إلى يوم القيامة. ولا يخفى أَن قوله كفروا وقوله وهموا للمنافقين على التوزيع، فطائفة هموا بما لم ينالوا وطائفة قالوا: إِن كان ما يقول محمد إِلخ، ويجوز أَن يراد الكل فى الكلامين، لأَن كلا يرضى بما فعل الآخر، أَو يقول أَو جمع معه حاطبا وكان له مال بالشام، فأَبطأَ عنه فحلف لئِن تفضل الله عليه بمجىءِ ذلك المال لأَتصدق منه ولأَصلن قرابتى، ولما أتاه لم يف، واثنان جمع مجازا، وخلف الوعد نفاق، وقيل ما لم ينالوا هو تتويج عبدالله بن أُبى. قالوا، وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك: إِذا قدمنا المدينة عقدنا على رأْس عبدالله بن أُبى تاجا {وَمَا نَقَمُوا} ما ذكروا وما اعتقدوا يوجب الانتقام {إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ} أَو ما تكرهوا وتنكروا إِلا لأَجل أَن أَغناهم {اللهُ وَرَسُولُهُ} بعد قدومه المدينة وأَكثر أَهلها محاويج {مِنْ فَضْلِهِ} بالغنائِم والدية إِذ أَخذ الجُلاس بن سويد ـ بالجيم لا بالحاءِ ـ اثنى عشر أَلف درهم دية لمولى حر له قتل، فقيل ذلك دية وقد منع منها، فسعى صلى الله عليه وسلم فى أَخذها، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم أَدى حمالة كانت على الجلاس، وقيل الدية عشرة آلاف والزائد سنق كانوا يعطون الدية ويتكرمون بالزيادة عليها، وتسمى الزيادة عليها سنقا، يقال سنق الفصيل أَو الفرس إِذا تختم بالعلف، والإِغناء من فضل الله ليس مما ينكر فينقم عليه، فذلك من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كأَنه قيل إِن كان شىءٌ يوجب الانتقام أَو يثبت الانتقام لأَجل فهو إِغناءُ الله لهم من فضله، ولا يخفى أَن ذلك مما لا ينقم عليه فلا شىءَ ينقم عليه كقول النابغة: شعر : ولا عيب فينا غير أَن سيوفنا بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وقول بعض: شعر : ما نقم الناس من أُمية إِلاَّ أَنهم يحلمون إِن غضبوا تفسير : {فَإِنْ يَتُوبُوا} عن الإِشراك والنفاق كالجلاس {يَكُ} أَى يك التوب أَى التوبة المأْخوذ من قوله يتوبوا {خَيْراً لَّهُمْ} أَى نفعا أَو أَفضل مما يدعون أَن فيه فضلا وهو النفاق والإِشراك {وَإِنْ يَتَوَلَّوْا} عن إِخلاص الإِيمان والإِصرار على النفاق {يُعَذّبْهُمْ اللهُ عَذَاباً أَلِيماً} مؤلما كسميع بمعنى مسمع أَو تأَلم مجازاً {فِى الدُّنْيَا} بما شاءَ من الهموم العظيمة وغيرها، وإِن أدى بهم الإِصرار إِلى إِظهار الشرك فبالقتل أَيضا {وَالآخِرَةِ} بالنار {وَمَا لَهُمْ فِى الأَرْضِ} فى طولها وعرضها الواسعين {مِنْ وَلِىّ} يحفظهم من توجه العذاب إِليهم {وَلاَ نَصِيرٍ} يدفعه عنهم بعد مجيئه.
الالوسي
تفسير : {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ} استئناف لبيان ما صدر منهم من الجرائم الموجبة لما مر. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار وكانت جهينة خلفاء الأنصار فظهر الغفاري على الجهيني فقال عبد الله بن أبـي للأوس انصروا أخاكم والله ما مثلنا ومثل محمد صلى الله عليه وسلم وحاشاه مما يقول هذا المنافق إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه [فسأله] فجعل يحلف بالله تعالى ما قاله فنزلت. وأخرج ابن اسحاق وابن أبـي حاتم عن كعب بن مالك قال: لما نزل القرآن فيه ذكر المنافقين الجُلاس بن سويد: والله لئن كان هذا الرجل صادقاً لنحن شر من الحمير فسمعه عمير بن سعد فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلي وأحسنهم عندي أثراً ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن سكت عنها لتهلكني ولاحداهما أشد عليّ من الأخرى فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قال الجُلاس فحلف بالله تعالى ما قال ولقد كذب عليّ عمير فنزلت. وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين أنها لما نزلت أخذ النبـي صلى الله عليه وسلم بأذن عمير قال: «وعت أذنك يا غلام وصدقك ربك» وكان يدعو حين حلف الجلاس اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب. وأخرج عن عروة أن الجلاس تاب بعد نزولها وقبل منه، وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل شجرة فقال: انه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان فإذا جاء فلا تكلموه فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق العينين فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله تعالى ما قالوا حتى تجاوز عنهم وأنزل الله تعالى الآية»، وإسناد الحلف إلى ضمير الجمع على هذه الرواية ظاهر وأما على الروايتين الأوليين فقيل: لأنهم رضوا بذلك واتفقوا عليه فهو من إسناد الفعل إلى سببه أو لأنه جعل الكلام لرضاهم به كأنهم فعلوه ولا حاجة إلى عموم المجاز لأن الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز في المجاز العقلي وليس محلاً للخلاف، وإيثار صيغة الاستقبال في {يَحْلِفُونَ} على سائر الروايات لاستحضار الصورة أو للدلالة على تكرير الفعل وهو قائم مقام القسم، و {مَا قَالُواْ} جوابه. {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ} / هي ما حكي من قولهم والله ما مثلنا الخ أو والله لئن كان هذا الرجل صادقاً الخ أو الشتم الذي وبخ عليه الصلاة والسلام، والجملة مع ما عطف عليها اعتراض {وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ} أظهروا ما في قلوبهم من الكفر بعد إظهار الإسلام وإلا فكفرهم الباطن كان ثابتاً قبل والإسلام الحقيق لا وجود له {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} من الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من غزوة تبوك. أخرج البيهقي في «الدلائل» حديث : عن حذيفة بن اليمان قال "كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوق أو أنا أسوق وعمار يقود حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوا فيها فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ بهم فولوا مدبرين فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا يا رسول الله كانوا متلثمين ولكن قد عرفنا الركاب قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة. هل تدرون ما أرادوا؟ قلنا: لا، قال: أرادوا أن يزلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة فيلقوه منها قلنا: يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث لك كل قوم برأس صاحبهم قال: أكره أن يتحدث العرب عنا أن محمداً عليه الصلاة والسلام قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله تعالى بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال: اللهم ارمهم بالدبيلة، قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك» تفسير : وكانوا كلهم كما أخرج ابن سعد عن نافع بن جبير من الأنصار أو من حلفائهم ليس فيهم قرشي، ونَقْلُ الطبرسي عن الباقر رضي الله تعالى عنه أن ثمانية منهم من قريش وأربعة من العرب لا يعول عليه. وقد ذكر البيهقي من رواية ابن إسحٰق أسماءهم وعد منهم الجلاس بن سويد، ويشكل عليه رواية أنه تاب وحسنت توبته مع قوله عليه الصلاة والسلام في الخبر «حديث : هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة»تفسير : إلا أن يقال: إن ذلك باعتبار الغالب، وقيل: المراد بالموصول إخراج المؤمنين من المدينة على ما تضمنه الخبر المار عن قتادة، وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدى وأبو الشيخ عنه وعن أبـي صالح أنهم أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبـي بتاج ويجعلوه حكماً ورئيساً بينهم وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: أرادوا أن يقتلوا عميراً لرده على الجلاس كما مر. {وَمَا نَقَمُوا} أي ما كرهوا وعابوا شيئاً {إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} فالاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل أي وما نقموا الإيمان لأجل شيء إلا لإغناء الله تعالى إياهم فيكون الاستثناء مفرغاً من أعم العلل وهو على حد قولهم: مالي عندك ذنب إلا أني أحسنت إليك. وقوله:شعر : ما نقم الناس من أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا تفسير : وهو متصل على إدعاء دخوله بناء على القول بأن الاستثناء المفرغ لا يكون منقطعاً، وفيه تهكم وتأكيد الشيء بخلافة كقوله:شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم تفسير : البيت، ((وأصل النقمة كما قال الراغب الإنكار باللسان والعقوبة والأمر على الأول ظاهر وأما على الثاني فيحتاج إلى الاتكاب المجاز بأن يراد وجدان ما يورث النقمة ويقتضيه، وضمير {أَغْنَاهُمُ} للمنافقين على ما هو الظاهر، وكان إغناؤهم بأخذ الدية، فقد روي أنه كان للجلاس مولى قتل وقد غلب على ديته فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بها اثني عشر ألفاً فأخذها واستغنى، وعن قتادة أن الدية كانت لعبد الله بن أبـي وزيادة الألفين كانت على عادتهم في الزيادة على الدية تكرماً وكانوا يسمونها شنقاً كما في «الصحاح». وأخرج ابن أبـي حاتم عن عروة قال: كان جلاس تحمل حمالة أو كان عليه دين فأدى عنه / رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك قوله سبحانه: {وَمَا نَقَمُواْ} الآية، ولا يخفى أن الإغناء على الأول أظهر، وقيل: كان إغناؤهم بما من الله تعالى به من الغنائم فقد كانوا كما قال الكلبـي قبل قدوم النبـي صلى الله عليه وسلم المدينة محاويج في ضنك من العيش فلما قدم عليه الصلاة والسلام أثروا بها، والضمير على هذا يجوز أن يكون للمؤمنين فيكون الكلام متضمناً ذم المنافقين بالحسد كما أنه على الأول متضمن لذمهم بالكفر وترك الشكر، وتوحيد ضمير فضله لا يخفى وجهه. {فَإِن يَتُوبُواْ} عما هم عليه من القبائح {يَكُ} أي التوب، وقيل: أي التوبة ويغتفر مثل ذلك في المصادر. وقد يقال: التذكير باعتبار الخبر أعني قوله سبحانه: {خَيْراً لَّهُمْ} أي في الدارين، وهذه الآية على ما في بعض الروايات كانت سبباً لتوبته وحسن إسلامه لطفاً من الله تعالى به وكرماً {وَإِن يَتَوَلَّوْا} أي استمروا على ما كانوا عليه من التولي والإعراض عن إخلاص الإيمان أو أعرضوا عن التوبة. {يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي ٱلدُّنْيَا} بمتاعب النفاق وسوء الذكر ونحو ذلك، وقيل: المراد بعذاب الدنيا عذاب القبر أو ما يشاهدونه عند الموت، وقيل: المراد به القتل ونحوه على معنى أنهم يقتلون إن أظهروا الكفر بناءاً على أن التولي مظنة الإظهار فلا ينافي ما تقدم من أنهم لا يقتلون وأن الجهاد في حقهم غير ما هو المتبادر. {وَٱلآخِرَةِ} وعذابهم فيها بالنار وغيرها من أفانين العقاب {وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي في الدنيا، والتعبير بذلك للتعميم أي ما لهم في جميع بقاعها وسائر أقطارها {مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} ينقذهم من العذاب بالشفاعة أو المدافعة، وخص ذلك في الدنيا لأنه لا ولي ولا نصير لهم في الآخرة قطعاً فلا حاجة لنفيه. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } تفسير : [التوبة: 43] الخ فيه إشارة إلى علو مقامه صلى الله عليه وسلم ورفعة شأنه على سائر الأحباب حيث آذنه بالعفو قبل العتاب، ولو قال له: لم أذنت لهم عفى الله عنك لذاب، وعبر سبحانه بالماضي المشير إلى سبق الاصطفاء لئلا يوحشه عليه الصلاة والسلام الانتظار ويشتغل قلبه الشريف باستمطار العفو من سحاب ذلك الوعد المدرار، وانظر كم بين عتابه جل شأنه لحبيبه عليه الصلاة والسلام على الإذن لأولئك المنافقين وبين رده تعالى على نوح عليه السلام قوله: {أية : إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي } تفسير : [هود: 45] بقوله سبحانه: {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} إلى قوله تبارك وتعالى: {أية : إِنّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [هود: 46] ومن ذلك يعلم الفرق ـ وهو لعمري غير خفي ـ بين مقام الحبيب ورتبة الصفي، وقد قيل: إن المحب يعتذر عن حبيبه ولا ينقصه عنده كلام معيبه، وأنشد:شعر : ما حطك الواشون عن رتبة كلا وما ضرك مغتاب كأنهم أثنوا ولم يعلموا عليك عندي بالذي عابوا تفسير : وقال الآخر:شعر : في وجهه شافع يمحو إساءته عن القلوب ويأتي بالمعاذير تفسير : وقال:شعر : وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع تفسير : / وقوله سبحانه: {أية : لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } تفسير : [التوبة: 44] فيه إشارة إلى أن المؤمن إذا سمع بخبر خير طار إليه وأتاه ولو مشياً على رأسه ويديه ولا يفتح فيه فاه بالاستئذان، وهل يستأذن في شرب الماء ظمآن؟ وقال الواسطي: إن المؤمن الكامل مأذون في سائر أحواله إن قام قام بإذن وإن قعد قعد بإذن وإن لله سبحانه عباداً به يقومون وبه يقعدون، ومن شأن المحبة امتثال أمر المحبوب كيفما كان:شعر : لو قال تيها قف على جمر الغضى لوقفت ممتثلاً ولم أتوقف {أية : إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } تفسير : [التوبة: 45] الخ أي إنما يستأذنك المنافقون رجاء أن لا تأذن لهم بالخروج فيستريحوا من نصب الجهاد {وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً } فقد قيل:شعر : لو صح منك الهوى أرشد للحيل تفسير : {أية : وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} تفسير : [التوبة: 46] إشارة إلى خذلانهم لسوء استعدادهم {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [التوبة: 49] لأن الأخلاق السيئة والأعمال القبيحة محيطة بهم وهي النار بعينها غاية الأمر إنها ظهرت في هذه النشأة بصورة الأخلاق والأعمال وستظهر في النشأة الأخرى بالصورة الأخرى، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ } تفسير : [التوبة: 54] فيه إشارة إلى حرمانهم لذة طعم العبودية واحتجابهم عن مشاهدة جمال معبودهم وأنهم لم يعلموا أن المصلي يناجي ربه وأن الصلاة معراج العبد إلى مولاه، ومن هنا قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: «حديث : وجعلت قرة عيني في الصلاة»تفسير : . وقال محمد بن الفضل: من لم يعرف الآمر قام إلى الأمر على حد الكسل ومن عرف الآمر قام إلى الأمر على حد الاستغنام والاسترواح، ولذا كان عليه الصلاة والسلام يقول لبلال: «حديث : ارحنا يا بلال» تفسير : وقول تعالى: {أية : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ}تفسير : [التوبة: 55] فيه تحذير للمؤمنين أن يستحسنوا ما مع أهل الدنيا من الأموال والزينة فيحتجبوا بذلك عن عمل الآخرة ورؤيتها، وقد ذكروا أن الناظر إلى الدنيا بعين الاستحسان من حيث الشهوة والنفس والهوى يسقط في ساعته عن مشاهدة أسرار الملكوت وأنوار الجبروت، وقوله سبحانه: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } تفسير : [التوبة: 59] الخ فيه إرشاد إلى آداب الصادقين والعارفين والمريدين، وعلامة الراضي النشاط بما استقبله من الله تعالى والتلذذ بالبلاء، فكل ما فعل المحبوب محبوب. رؤي أعمى أقطع مطروح على التراب يحمد الله تعالى ويشكره، فقيل له في ذلك فقال: وعزته وجلاله لو قطعني إرباً إرباً ما ازددت له إلا حباً، ولله تعالى در من قال:شعر : أنا راض بالذي ترضونه لكم المنة عفواً وانتقاماً تفسير : ثم إنه سبحانه قسم جوائز فضله على ثمانية أصناف من عباده فقال سبحانه: {إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء} الخ، والفقراء في قول المتجردون بقلوبهم وأبدانهم عن الكونين {وَٱلْمَسَـٰكِينُ} هم الذين سكنوا إلى جمال الأنس ونور القدس حاضرين في العبودية بنفوسهم غائبين في أنوار الربوبية بقلوبهم فمن رآهم ظنهم بلا قلوب ولم يدر أنها تسرح في رياض جمال المحبوب، وأنشد:شعر : مساكين أهل العشق ضاعت قلوبهم فهم أنفس عاشوا بغير قلوب تفسير : {وَٱلْعَـٰمِلِينَ} هم أهل التمكين من العارفين وأهل الاستقامة من الموحدين الذين وقعوا في نور البقاء فأورثهم البسط والانبساط، فيأخذون منه سبحانه ويعطون له، وهم خزان خزائن جوده المنفقون على أوليائه، قلوبهم معلقة بالله سبحانه لا بغيره من العرش إلى الثرى {وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} هم المريدون السالكون طريق محبته تعالى برقة قلوبهم وصفاء نياتهم وبذلوا مهجهم في سوق شوقه وهم عند الأقوياء ضعفاء الأحوال {وَفِي ٱلرِّقَابِ} / هم الذين رهنت قلوبهم بلذة محبة الله تعالى وبقيت نفوسهم في المجاهدة في طريقه سبحانه لم يبلغوا بالكلية إلى الشهود فتارة تراهم في لجج بحر الإرادة، وأخرى في سواحل بحر القرب، وطوراً هدف سهام القهر، ومرة مشرق أنوار اللطف ولا يصلون إلى الحقيقة ما دام عليهم بقية من المجاهدة والمكاتَب عبد ما بقي عليه درهم والأحرار ما وراء ذلك وقليل ما هم:شعر : أتمنى على الزمان محالا ان ترى مقلتاي طلعة حر تفسير : {وَٱلْغَـٰرِمِينَ} هم الذين ما قضوا حقوق معارفهم في العبودية وما أدركوا في إيقانهم حقائق الربوبية، والمعرفة غريم لا يقضي دينه {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} هم المحاربون نفوسهم بالمجاهدات والمرابطون بقلوبهم في شهود الغيب لكشف المشاهدات {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} هم المسافرون بقلوبهم في بوادي الأزل وبأرواحهم في قفار الأبد وبعقولهم في طرق الآيات وبنفوسهم في طلب أهل الولايات {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ} على أهل الإيمان أن يعطوا هؤلاء الأصناف من مال الله سبحانه لدفع احتياجهم الطبيعي {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بأحوال هؤلاء وغيبتهم عن الدنيا {أية : حَكِيمٌ} تفسير : [التوبة: 60] حيث أوجب لهم ما أوجب، ومن الناس من فسر هذه الأصناف بغير ما ذكر ولا أرى التفاسير بأسرها متكفلة بالجمع والمنع {وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} عابوه عليه الصلاة والسلام وحاشاه من العيب بسلامة القلب وسرعة القبول والتصديق لما يسمع، فصدقهم جل شأنه ورد عليهم بقوله سبحانه: {قُلْ} هو {أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ} أي هو كذلك لكن بالنسبة إلى الخير، وهذا من غاية المدح فإن النفس القدسية الخيرية تتأثر بما يناسبها، أي أنه عليه الصلاة والسلام يسمع ما ينفعكم وما فيه صلاحكم دون غيره، ثم بين ذلك بقوله تعالى: {أية : يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 61] الخ، وقد غرهم ـ قاتلهم الله تعالى حتى قالوا ما قالوا ـ كرم النبـي صلى الله عليه وسلم لم يشافههم برد ما يقولون رحمة منه بهم، وهو عليه الصلاة والسلام الرحمة الواسعة، وعن بعضهم أنه سئل عن العاقل فقال: الفطن المتغافل وأنشد:شعر : وإذا الكريم أتيته بخديعة فرأيته فيما تروم يسارع فاعلم بأنك لم تخادع جاهلاً إن الكريم لفضله متخادع تفسير : {الْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ} أي هم متشابهون في القبح والرداءة وسوء الاستعداد {يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} أي يبخلون أو يبغضون المؤمنين فهو إشارة إلى معنى قوله سبحانه: {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ } تفسير : [آل عمران: 119] أو لا ينصرون المؤمنين أو لا يخشعون لربهم ويرفعون أيديهم في الدعوات {نَسُواْ ٱللَّهَ} لاحتجابهم بما هم فيه {أية : فَنَسِيَهُمْ } تفسير : [التوبة: 67] من رحمته وفضله {أية : وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } تفسير : [التوبة: 68] وهو عذاب الاحتجاب بالسوى {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} هي جنات النفوس {وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً} مقامات أرباب التوكل في جناب الأفعال {وَرِضْوٰنٌ مّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} إشارة إلى جنات الصفات {ذٰلِكَ} أي الرضوان {أية : هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } تفسير : [التوبة: 72] لكرامة أهله عند الله تعالى وشدة قربهم ولا بأس بإبقاء الكلام على ظاهره ويكون في قوله سبحانه: {وَمَسَـٰكِنَ طَيّبَةً} إشارة إلى الرؤية فإن المحب لا تطيب له الدار من غير رؤية محبوبه:شعر : أجيراننا ما أوحش الدار بعدكم إذا غبتم عنها ونحن حضور تفسير : ولكون الرضوان هو المدار لكل خير وسعادة والمناط لكل شرف وسيادة كان أكبر من / هاتيك الجنات والمساكن.شعر : إذا كنت عني يا منى القلب راضيا أرى كل من في الكون لي يتبسم تفسير : نسأل الله تعالى رضوانه وأن يسكننا جنانه.
ابن عاشور
تفسير : {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}. لمّا كان معظم ما أخِذ على المنافقين هو كلماتٍ دالّةً على الطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك من دلائل الكفر وكانوا إذا نُقِل ذلك عنهم تنصّلوا منه بالأيمان الكاذبة، عُقّبت آية الأمر بجهادهم بالتنبيه على أنّ ما يتنصّلون به تنصلٌ كاذب وأن لا ثِقة بحَلفهم، وعلى إثبات أنّهم قالوا ما هو صريح في كفرهم. فجملة {يحلفون} مستأنفة استئنافاً بيانياً يثيره الأمر بجهادهم مع مشاهدة ظاهر أحوالهم من التنصّل ممّا نقل عنهم، إن اعتبر المقصود من الجملة تكذيبهم فِي حلفهم. وقد تكون الجملة في محلّ التعليل للأمر بالجهاد إن اعتبر المقصود منها قوله: {ولقد قالوا كلمة الكفر} وما بعده، وأن ذلك إنّما أخَّر للاهتمام بتكذيب أيمانهم ابتداء، وأتِي بالمقصود في صورة جملة حاليَّة. ومعلوم أنّ القيد هو المقصود من الكلام المقيَّد. ويرجّح هذا أنّ معظم ما في الجملة هو شواهد كفرهم ونقضِهم عهد الإسلام، إذ لو كان المقصود خصوص تكذيبهم فيما حلفوا لاقتُصر على إثبات مقابله وهو {ولقد قالوا كلمة الكفر}، ولم يكن لما بعده مزيد اتّصال به. وأيّاً ما كان فالجملة مستحقّة الفصل دون العطف. ومفعول ما قالوا محذوف دلّ عليه قوله: {ولقد قالوا كلمة الكفر}. وأكَّد صدور كلمة الكفر منهم، في مقابلة تأكيدهم نفي صدورها، بصيغة القَسم ليكون تكذيب قولهم مساوياً لقولهم في التأكيد. وكلمةُ الكفر الكلام الدالّ عليه، وأصل الكلمة اللفظ الواحد الذي يتركّب منه ومن مثله الكلام المفيد، وتطلق الكلمة على الكلام إذا كان كلاماً جامعاً موجَزاً كما في قوله تعالى: {أية : كلا إنها كلمة هو قائلها}تفسير : [المؤمنون: 8] وفي الحديث: «حديث : أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل»تفسير : . فكلمة الكفر جنس لكلّ كلام فيه تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم كما أطلقت كلمة الإسلام على شهادة أن لا إلٰه إلا الله وأنّ محمداً رسول الله. فالكلمات الصادرة عنهم على اختلافها، ما هي إلاّ أفرادٌ من هذا الجنس كما دلّ عليه إسناد القول إلى ضمير جماعةِ المنافقين. فعن قتادة: لا عِلْمَ لنا بأنّ ذلك من أيّ إذ كان لا خبر يوجب الحجّة ونتوصّل به إلى العلم. وقيل: المراد كلمة صدرت من بعض المنافقين تدلّ على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم فعن عروة بن الزبير، ومجاهد، وابن إسحاق أنّ الجُلاَسَ ــــ بضم الجيم وتخفيف اللام ــــ بنَ سُويد بننِ الصامت قال: لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن أشرّ من حميرنا هذه التي نحن عليها، فأخبَر عنه ربيبُه النبي فدعاه النبي وسأله عن مقالته، فحلف بالله ما قال ذلك، وقيل: بل نزلت في عبد الله بن أُبي بن سَلُول لقوله الذي حكاه الله عنه بقوله: {أية : يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليُخْرِجَنّ الأعز منها الأذلّ}تفسير : [المنافقون: 8] فسعى به رجل من المسلمين فأرسل إليه رسول الله فسأله فجعل يحلف بالله ما قال ذلك. فعلى هذه الروايات يكون إسناد القول إلى ضمير جمعٍ كناية عن إخفاء اسم القائل كما يقال ما بال أقوام يفعلون كذا. وقد فعله واحد، أو باعتبار قولِ واحدٍ وسماع البقية فجُعلوا مشاركين في التبعة كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنّما قتله واحد من القبيلة، وعلى فرض صحّة وقوع كلمة من واحد معيّن فذلك لا يقتضي أنّه لم يشاركه فيها غيره لأنّهم كانوا يتآمرون على ما يختلقونه. وكان ما يصدر من واحد منهم يتلقفه جلساؤه وأصحابه ويشاركونه فيه. وأمّا إسناد الكفر إلى الجمع في قوله: {وكفروا بعد إسلامهم} فكذلك. ومعنى {بعد إسلامهم} بعد أن أظهروا الإسلام في الصورة، ولذلك أضيف الإسلام إليهم كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}تفسير : [التوبة: 66]. والهَمّ: نيَّة الفعل سواء فُعل أم لم يفعل. ونوال الشيء حصوله، أي همّوا بشيء لم يحصّلوه والذي همّوا به هو الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم عند مرجعه من تبوك تواثقَ خمسةَ عشرَ منهم على أن يترصّدوا له في عَقبة بالطريق تحتها وادٍ فإذا اعتلاها ليْلاً يدفعونه عن راحلته إلى الوادي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سائراً وقد أخذَ عَمَّار بن يَاسِر بخطام راحلته يقودها. وكان حذيفة بن اليمان يسوقها فأحس حذيفة بهم فصاح بهم فهربوا. وجملة: {وما نقموا} عطف على {ولقد قالوا} أي والحال أنّهم ما ينقمون على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على دخول الإسلامِ المدينةَ شيئاً يدعوهم إلى ما يصنعونه من آثار الكراهية والعداوة. والنقْم الامتعاض من الشيء واستنكاره وتقدّم في قوله تعالى: {أية : وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا} تفسير : في سورة الأعراف (126). وقوله: إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} استثناء تهكّمي. وهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه كقول النابغة:شعر : ولا عيبَ فيهم غير أنّ سيوفهم بهِنَّ فُلُول من قِراع الكتائب تفسير : ونكتته أنّ المتكلّم يظهر كأنّه يبحث عن شيء ينقض حكمَه الخبري ونحوَه فيذكر شيئاً هو من مؤكدات الحكم للإشارة إلى أنّه استقصى فلم يجد ما ينقضه. وإنّما أغناهم الله ورسوله بما جلبه حلول النبي عليه الصلاة والسلام بينهم من أسباب الرزق بكثرة عمل المهاجرين وبوفرة الغنائم في الغزوات وبالأمْن الذي أدخله الإسلام فيهم إذ جعل المؤمنين إخوة فانتفت الضغائن بينهم والثارات، وقد كان الأوس والخزرج قبل الإسلام أعداء وكانت بينهم حروبٌ تفانَوا فيها قُبيل الهجرة وهي حروب بعاث. والفضل: الزيادة في البذل والسخاء. و{مِن} ابتدائية. وفي جعل الإغناء من الفضل كنايةٌ عن وفرة الشيء المغنَى به لأنّ ذا الفضلِ يعطي الجَزل. وعطف الرسول على اسم الجلالة في فعل الإغناء لأنّه السبب الظاهر المباشر. {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. التفريع على قوله: {أية : جاهد الكفار والمنافقين}تفسير : [التوبة: 73] على عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد والعكس فلمّا أمر بجهادهم والغِلظة عليهم وتوعّدهم بالمصير إلى النار، فرّع على ذلك الإخبارَ بأنّ التوبة مفتوحة لهم وأنَّ تدارك أمرهم في مكنتهم، لأنّ المقصود من الأمر بجهادهم قطع شافة مضرّتهم أو أن يصلح حالهم. والتوبة هي إخلاصهم الأيمانَ. والضمير يعود إلى الكفّار والمنافقين، والضمير في {يك} عائد إلى مصدر {يتوبوا} وهو التوبُ. والتولّي: الإعراض والمراد به الإعراض عن التوبة. والعذاب في الدنيا عذاب الجهاد والأسر، وفي الآخرة عذاب النار. وجيء بفعل {يك} في جواب الشرط دون أن يقال فإن يتوبوا فهو خيرٌ لهم لتأكيد وقوع الخَيْر عند التوبة، والإيماءِ إلى أنّه لا يحصل الخير إلاّ عند التوبة لأنّ فعل التكوين مؤذن بذلك. وحَذف نون «يكن» للتخفيف لأنّها لسكونها تهيّأت للحذف وحسَّنه وقوع حركة بعدها والحركة ثقيلة فلذلك شاع حذف هذه النون في كلامهم كقوله: {أية : وإن تك حسنة يُضاعفها}تفسير : في سورة النساء (40). وجملة: {وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} عطف على جملة {يعذّبهم الله} الخ فتكون جواباً ثانياً للشرط، ولا يريبك أنّها جملة اسمية لا تصلح لمباشرة أداة الشرط بدون فاء رابطة. لأنّه يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في المتبوعات فإنّ حرف العطف كاف في ربط الجملة تبعاً للجملة المعطوف عليها. والمعنى أنّهم إن تولّوا لم يجدوا من ينصرهم مِن القبائل إذ لم يبق من العرب من لم يدخل في الإسلام إلاّ من لا يعبأ بهم عَدداً وعُدداً، والمراد نفي الولي النافع كما هو مفهوم الولي وأمّا من لا ينفع فهو حبيب وودود وليس بالولي.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ}. صرح في هذه الآية الكريمة: أن المنافقين ما وجدوا شيئاً ينقمونه أي يعيبونه وينتقدونه إلا أن الله تفضل عليهم فأغناهم بما فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم من الخير والبركة. والمعنى أنه لا يوجد شيء يحتمل أن يعاب أو ينقم بوجه من الوجوه، والآية كقوله: {أية : وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ}تفسير : [البروج: 8] وقوله: {أية : وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا} تفسير : [الأعراف: 126]. وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ} تفسير : [الحج: 40]. ونظير ذلك من كلام العرب: قول نابغة ذبيان: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وقول الآخر: شعر : ما نقموا من أمية إلا أنهم يضربون إن غضبوا تفسير : وقول الآخر: شعر : فما بك في من عيب فإني جبان الكلب مهزول الفصيل
الواحدي
تفسير : {يحلفون بالله ما قالوا} نزلت حين أساء المنافقون القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعنوا في الدِّين، وقالوا: إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أُبيّ تاجاً يباهي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَسُعِي بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فحلفوا ما قالوا {ولقد قالوا كلمة الكفر} سبَّهم الرَّسول وطعنهم في الدِّين {وهموا بما لم ينالوا} من عقدهم التَّاج على رأس ابن أُبيّ. وقيل: من الاغتيال بالرَّسول {وما نقموا} كرهوا {إلاَّ أن أغناهم الله ورسوله من فضله} بالغنيمة حتى صارت لهم الأموال، أَيْ: إنَّهم عملوا بضدِّ الواجب، فجعلوا موضع شكر الغنى أن نقموه، ثمَّ عرض عليهم التَّوبة فقال: {فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإنْ يتولوا} يعرضوا عن الإِيمان {يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا} بالقتل {و} في {الآخرة} بالنار {وما لهم في الأرض من وليٍّ ولا نصير} لا يتولاَّهم أحدٌ من المسلمين. {ومنهم مَنْ عاهد الله} يعني: ثعلبة بن حاطب، عاهد ربَّه لئن وسَّعَ عليه أن يؤتى كلَّ ذي حقٍ حقَّه، ففعل الله ذلك فلم يفِ بما عاهد، ومنع الزَّكاة، فهذا معنى قوله: {لئن آتانا من فضله لنصدقنَّ} لنعطينَّ الصَّدقة، {ولنكوننَّ من الصالحين} ولنعملنَّ ما يعمل أهل الصَّلاح في أموالهم. {فلما آتاهم من فضله بخلوا به...} الآية. {فأعقبهم نفاقاً} صيَّر عاقبة أمرهم إلى ذلك بحرمان التَّوبة، حتى ماتوا على النِّفاق جزاءً لإخلافهم الوعد، وكذبهم في العهد، وهو قوله: {إلى يوم يلقونه...} الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 74- إن المنافقين يحلفون أمامك - أيها الرسول - باللَّه أنهم ما قالوا منكرا مما بلغك عنهم، وهم كاذبون فى الإنكار، حانثون فى اليمين، وإنهم قد قالوا كلمة الكفر، وظهر كفرهم بعد أن كان باطنا، وما كان سبب نقمتهم عليك إلا بطرا بالنعمة، بعد أن أغناهم اللَّه ورسوله بما حصلوا عليه من الغنائم التى شاركوا فيها المسلمين، فإن يرجعوا إلى اللَّه بترك النفاق والندم على ما كان منهم يقبل اللَّه توبتهم ويكون ذلك خيراً لهم، وإن يعرضوا عن الإيمان يعذبهم اللَّه فى الدنيا بمختلف ألوان البلاء، وفى الآخرة بنار جهنم، وليس لهم فى الأرض من يُدافع عنهم أو يشفع لهم، أو ينصرهم. 75- ومن المنافقين منْ أقسم باللَّه وعاهده: لئن آتاهم اللَّه مالا وأغناهم من فضله، ليتصدقن وليكونن من الصالحين فى أعمالهم. 76- فلما استجاب اللَّه لهم، وأعطاهم من فضله، بخلوا بما أوتوا فلم ينفقوا، ولم يوفوا بالعهد، وانصرفوا عن الخير، وهم معرضون عنه وعن اللَّه. 77- فكانت عاقبة بخلهم أن تمكن النفاق فى قلوبهم إلى أن يموتوا ويلقوا اللَّه، بسبب نقضهم لعهدهم، وكذبهم فى يمينهم. 78- كيف يتجاهلون أن اللَّه مُطلع عليهم؛ لا يخفى عليه ما يضمرونه فى السر من نقض العهد، وما يتناجون به فى الخفاء من الطعن فى الدين وتدبير المكايد للمسلمين، وهو - جل شأنه - العليم الذى لا يغيب عنه شئ.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِسْلاَمِهِمْ} {أَغْنَاهُمُ} {وَٱلآخِرَةِ} (74) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِحَقِّ رَئِيسِ الْمُنَافِقِينَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلولٍ، فَقَدِ اخْتَصَمَ غُلاَمٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَغُلاَمٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمَا عَلَى المَاءِ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ لِلأَنْصَارِ: أَلاَ تَنْصُرُونَ أَخَاكُمْ؟ وَاللهِ مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ مُحَمَّدٍ إِلاَّ كَمَا قَالَ القَائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ. وَقَالَ: (وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعْزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ). فَسَعَى بِهَا غُلاَمٌ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ إَلَى عَبْدِ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللهِ مَا قَالَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ تَكْذِيباً لَهُ. وَفِيهَا عَدَّ اللهُ تَعَالَى الْمُنَافِقِينَ قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ. كَمَا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ هَمَّ بِالفَتْكِ بِرَسُولِ اللهِ وَهُوَ مُنْصَرِفٌ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَنَالُوا ذَلِكَ لأَِنَّ اللهَ قَدْ عَصَمَهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَيْسَ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذَنْبٍ عِنْدَ هَؤُلاَءِ الْمُنَافِقِينَ يَقْتَضِي مِنْهُمْ هَذِهِ الْكَرَاهِيَةَ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَالإِسْلاَمِ، وَهَذِهِ الرَّغْبَةَ فِي الانْتِقَامِ، إِلاَّ أَنَّ اللهَ قَدْ أَغْنَاهُمْ بِبَرَكَةِ رَسُولِهِ الكَرِيمِ، وَيُمْنِ سَعَادَتِهِ بِمَا أَصَابُوا مِنَ الغَنَائِمِ. ثُمَّ دَعَاهُمُ اللهُ تَعَالَى إِلَى التَّوْبَةِ مِنَ النِّفَاقِ، وَمَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنْ سَيِّىءِ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، لأَِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ. أَمَّا إِذَا أَصَرُّوا عَلَى مَسْلَكِهِمْ، وَرَفَضُوا التَّوْبَةَ فَإِنَّ اللهَ سَيُعَذِّبَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا بِالقَتْلِ وَالهَمِّ وَالغَمِّ، وَيُعَذِّبُهُمْ فِي الآخِرَةِ بِالنَّكَالِ وَالهَوَانِ وَالصَّغَارِ وَالْعَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ مَنْ يَسْتَطِيعُ إِنْجَادَهُمْ وَنَصْرَهُمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ وَعَذَابِهِ، وَدَفْعِ السُّوءِ وَالمَذَلَّةِ عَنْهُمْ. مَا نَقَمُوا - مَا كَرِهُوا وَمَا عَابُوا شَيْئاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وفي هذه الآية الكريمة يبين لنا الحق سبحانه وتعالى حلقات الحلف بالكذب للمنافقين؛ فهم يحلفون أنهم ما قالوا، ويجعلون الله عرضة لأيمانهم؛ مع أنهم قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد أن أعلنوا الإسلام بلسانهم، وإسلامهم إسلامٌ مُدَّعًى. ولهذه الآية الكريمة قصة وقعت أحداثها في غزوة تبوك التي حارب المسلمون فيها الروم، وكانت أول قتال بين المسلمين وغير العرب، حيث دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغزوة في فترة شديدة الحرارة، وكان كل واحد في هذه الفترة يفضل الجلوس في الأخياف، أي الحدائق الصغيرة، ويجلسون تحت النخيل والشجر في جو رطب ولا يرغبون في القيام من الظل. وعندما دعا رسول الله للجهاد في سبيل الله، والذهاب إلى قتال الروم، تلمَّس المنافقون الأعذار الكاذبة حتى لا يذهبوا للجهاد؛ فظلَّ القرآن ينزل في هؤلاء الذين تخلفوا عن هذه الغزوة شهرين كاملين، فقال رجل اسمه الجلاس بن سويد: والله إن كان ما يقوله محمد عن الذين تخلفوا عن القتال صِدْقاً فنحن شرٌّ من الحمير. وهنا قال عامر بن قيس الأنصاري: لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم شر من الحمير. وأنت يا جلاس شر من الحمار. وهنا قام عدد من المنافقين ليفتكوا بعامر بن قيس الأنصاري؛ لأن الجلاس بن سويد كان من سادة قومه. وذهب عامر بن قيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما حدث، فاستدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن سويد وسأله عن الخبر، فحلف بالله أن كل ما قاله عامر بن قيس لم يحدث. وتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن حلف بالله. وهنا رفع عامر بن قيس يده إلى السماء، وقال: اللهم إني أسألك أن تنزل على عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم تصديق الصادق وتكذيب الكاذب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "آمين". ولم ينتهوا من الدعاء حتى نزل الوحي بقول الحق جل جلاله: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ}. وهكذا حسمت هذه الآية الكريمة الموقف. وأظهرت من هو الصادق ومن هو الكاذب؛ فيما رواه عامر بن قيس وأنكره الجلاس. ولكن الآية الكريمة تجاوزت ما عُرف من الحادثة إلى ما لم يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} ذلك أن الله تبارك وتعالى أراد أن يُعلم المنافقين أن سبحانه يخبر نبيه بما يخفيه المنافقون عنه، ولو نزلت الآية فقط في حادثة الحلف الكذب، لقال المنافقون: ما عرف محمد - عليه الصلاة والسلام - إلا ما قاله عامر، ولكن هناك أشياء لم يسمعها عامر؛ وهم قالوها، ذلك أن المنافقين كانوا قد تآمروا على حياة النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا على قتله عند عبوره العقبة، والعقبة هذه هي مجموعة من الصخور العالية التي تعترض الطريق، فيتحايلون على اجتياز هذه العقبة بأن يعبروها أحياناً من أنفاق منخفضة، وأحياناً يعبرونها بأن يصعدوا فوقها ثم ينزلوا. ودبر المنافقون أن يدفعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعلى الصخور، فيسقط في الوادي، ولكن حذيفة بن اليمان الذي كان يسير خلف ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبه للمؤامرة، فهرب المنافقون، وهكذا لم ينالوا ما يريدون، مثلما لم ينالوا ما أرادوه عندما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة، فقد كانوا يعدون العُدَّة ليجعلوا عبد الله بن أبيّ ملكاً عليهم، ولكن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُمكنهم من ذلك. وقيل: إنهم تآمروا على قتل عامر بن قيس؛ لأنه أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله الجلاس بن سويد، ولكنهم لم يتمكنوا. وقول الحق سبحانه وتعالى: {وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} و {نَقَمُوۤاْ} تعني: كرهوا، والغنى - كما نعلم - أمر لا يُكره، ولكن وروده هنا دليل على فساد طبعهم وعدم الإنصاف في حكمهم؛ لأن الغنى والأمن الذي أصابهم ليس عيباً ولا يولد كراهية. بل كان من الطبيعي أن يولد حباً وتفانياً في الإيمان. والحق سبحانه وتعالى يوضح لهم: ماذا تعيبون على محمد؟ وماذا تكرهون فيه؟ هل تكرهونه وقد جاءكم بالعزة والغنى؟ وقبل أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان الذين كرهوا مجيء الرسول إلى المدينة فقراء لا يملكون شيئاً، ولكنهم لما نافقوا ودخلوا في الإسلام، أخذوا من الغنائم، وأغناهم الله؛ بل إن الجلاس بن سويد لما قُتِل له غلام دفع له رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألف درهم ديّة. إذن: فقد جاء على يد الرسول صلى الله عليه وسلم الغنى للجميع، فهل هذا أمر تكرهونه؟ طبعاً لا. ولكنه دليل على فساد طباعكم وعدم إنصافكم في الحكم، وما دام الله سبحانه وتعالى قد أغناكم بمجيء رسوله؛ ما كان يصح أن يُعاب ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان يجب أن يُمدح به، وأن تتفانوا في الإيمان به ونصرته. وقول الحق سبحانه وتعالى: {مِن فَضْلِهِ} يلفتنا إلى أسلوب القرآن الكريم. ولقد قال الحق سبحانه وتعالى: {ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} وكان قياس كلام البشر أن يقال "الله ورسوله من فضلهما"، ولكنه قال: {مِن فَضْلِهِ} لأن الله لا يُثنَّى مع أحد، ولو كان محمد بن عبد الله. ولذلك عندما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً يخطب ويقول: من أطاع الله ورسوله فقد نجا، ومن عصاهما فقد هلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس خطيب القوم أنت؛ لأن الخطيب جمع جَمْعَ تثنية بين الله ورسوله. وهنا توقف الخطيب وقال: فماذا أقول يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل ومَنْ يعْص الله ورسوله فقد هلك، ولا تقل: عصاهما، لا تجمع مع الله أحداً ولا تُثنِّ مع الله أحداً؛ ولذلك نجد القرآن الكريم لم يَقُلْ "أغناهم الله ورسوله من فضلهما"، ولكنه قال: {مِن فَضْلِهِ} لأن الفضل واحد. فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضل؛ فهو من فضل الله. وعلى أية حال فالله لا يُثنَّى معه أحد؛ ولذلك نجد في القرآن الكريم: {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [التوبة: 62]. وهنا نرى أيضاً أن الحق سبحانه قد استخدم صيغة المفرد في الرضا؛ لأن رضا الله سبحانه وتعالى ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم يتحدان، ولأنه إذا جاء اسم الله فلا يُثنَّى معه أحد. وبعد أن فضح الحق سبحانه وتعالى المنافقين وبيّن ما في قلوبهم؛ لم تتخلَّ رحمته عنهم؛ لأنه سبحانه وتعالى رحيم بعباده، ولذلك فتح لهم باب التوبة فقال: {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ}، وفَتْحُ باب التوبة رحمة لحركة الحياة كلها؛ فلو أغلق الله باب التوبة لأصبح كل من ارتكب ذنباً مصيره للنار. وإذا علم الإنسان أن مصيره للعذاب مهما فعل، فلا بد أن يستشري في الذنب، ويزداد في الإثم، ما دام لا فرق بين ذنب واحد وذنوب متعددة. ولكن حين يعلم أي إنسان يخطئ أن باب التوبة مفتوح؛ فهو لا يستشري في الإثم، ثم إن الذي يعاني من الشرور والآثام حقيقة هو المجتمع ككل، فإذا وُجد لص خطير مثلاً؛ فالذي يعاني من سرقاته هو المجتمع. وإذا وُجد قاتل محترف فالذي يعاني من جرائمه هم الذين سيقتلهم من أفراد المجتمع. إذن: ففتح باب التوبة رحمة للمجتمع؛ لأنها لا تدفع المجرم إلى الاستشراء في إجرامه. وإذا نظرت إلى الآية الكريمة، فالله سبحانه وتعالى بعد أن أظهر الحق، وبيّن للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أشياء كان المنافقون يخفونها؛ فتح للمنافقين باب التوبة، وحينئذ قال الجلاس بن سويد زعيم المنافقين: يا رسول الله. لقد عرض الله عليّ التوبة. والله قد قلت ما قاله عامر، وإن عامراً لَصَادقٌ فيما قاله عني. وتاب الجلاس وحسُن إسلامه. أما الذين تُعرَض عليهم التوبة ولا يتوبون إلى الله، فقد قال سبحانه: {وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. إذن: فجزاء من يرفض التوبة ولا يعترف بخطئه هو العذاب الأليم، لا في الآخرة فقط، ولكن في الدنيا والآخرة. وعذاب الدنيا إما بالقتل وإما بالفضيحة، وعذاب الآخرة في الدرك الأسفل من النار. ولكن قول الحق سبحانه وتعالى: {وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} قد يفهمه بعض الناس فهماً خاطئاً، بأن العذاب في الدنيا فقط، ولكن هناك أرض في الدنيا؛ وأرض في الآخرة هي أرض المعاد؛ مصداقاً لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَاتُ ...} تفسير : [إبراهيم: 48]. إذن: فكلمة {ٱلأَرْضِ} تعطينا صورتين في الدنيا وفي الآخرة. وقوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} يوضح لنا أن الوليّ هو القريب منك الذي تفزع إليه عند الشدائد، ولا تفزع عند الشدائد إلا لمن تطمع أن ينصرك، أو لمن هو أقوى منك، أما النصير فهو من تطلب منه النصرة. وقد يكون من البعيدين عنك ولا ترتبط به ولاية، إذن: فلا الوليّ القريب منك، ولا الغريب الذي قد تفزع إليه لينصرك يستطيعان أن يفعلا لك شيئاً، فلا نجاة من عذاب الله لمن كفر أو نافق. ثم يعرض الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى من صور المنافقين؛ فيقول: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ}. قال: قال رجل من المنافقين: لئن كان ما يقول محمد حقا، لنحن شر من الحمير. فقال له رجل من المؤمنين: والله إِن ما يقول محمد حق ولا أَنت شر من حمار. فهمّ المنافق بقتل المؤمن، فذلك همهم {بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} [الآية: 74]. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن حصين بن عبد الرحمن، عن أبي مالك في قوله: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ} [الآية: 79]. قال أَمر رسول الله بالصدقة، فجاءَ عبد الرحمن ابن عوف بقبضة ذهب، وجاءَ رجل من الأَنصار بصاع من تمر فقال المنافقون لعبد الرحمن بن عوف، ما جاءَ بهذا إِلا رياءً وقالوا للأَنصاري، إِن كان الله لغنيا عن صاع هذا. أنا عبد الرحمن نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} [الآية: 79]. يعني: عبد الرحمن بن عوف إِذ جاءَ بصدقة ماله. {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} [الآية: 79]، رجلا من الأَنصار آجر نفسه ليلة على صاع من تمر فجاءَ به إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال المنافقون: لقد كان الله غنيا عن صاع هذا. أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: قال: لما نزلت: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} [الآية: 80]. قال رسول الله: سأَزيد على سبعين مرة، فأَنزل الله، عز وجل، في سورة المنافقين:{أية : لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ}تفسير : [المنافقون: 6] عزماً. / 30ط / أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلْخَوَالِفِ} [الآية: 87]. يعني: النساءَ وهي وما بعدها إِلى قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} [الآية: 96]. في المنافقين.
همام الصنعاني
تفسير : 1111- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ}: [الآية: 74]، قال: نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):