٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
75
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ولا شك أنهم أقسام وأصناف، فلهذا السبب يذكرهم على التفصيل فيقول: {أية : وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ } تفسير : [التوبة:61] {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ} تفسير : [التوبة:58] {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّى } تفسير : [التوبة:49] {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشأم، فلحقه شدة، فحلف بالله وهو واقف ببعض مجالس الأنصار، لئن آتانا من فضله لأصدقن ولأؤدين منه حق الله، إلى آخر الآية، والمشهور في سبب نزول هذه الآية أن ثعلبة بن حاطب قال: يارسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً. فقال عليه السلام: «حديث : يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه» تفسير : فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له، فاتخذ غنماً، فنمت كما ينمو الدود، حتى ضاقت بها المدينة، فنزل وادياً بها، فجعل يصلي الظهر والعصر ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة. وطفق يتلقى الركبان يسأل عن الأخبار، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فأخبر بخبره فقال: « حديث : يا ويح ثعلبة » تفسير : فنزل قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } فبعث إليه رجلين وقال: «حديث : مرا بثعلبة فخذا صدقاته» تفسير : فعند ذلك قال لهما: ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية، فلم يدفع الصدقة فأنزل الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ } فقيل له: قد أنزل فيك كذا وكذا، فأتى الرسول عليه السلام وسأله أن يقبل صدقته، فقال: إن الله منعني من قبول ذلك فجعل يحثي التراب على رأسه، فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : قد قلت لك فما أطعتني » تفسير : فرجع إلى منزله وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أتى أبا بكر بصدقته، فلم يقبلها اقتداء بالرسول عليه السلام ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر، ثم لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان. فإن قيل: إن الله تعالى أمره بإخراج الصدقة، فكيف يجوز من الرسول عليه السلام أن لا يقبلها منه؟ قلنا: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى منع الرسول عليه السلام عن قبول الصدقة منه على سبيل الإهانة له ليعتبر غيره به، فلا يمتنع عن أداء الصدقات، ولا يبعد أيضاً أنه إنما أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء، لا على وجه الإخلاص؛ وأعلم الله الرسول عليه السلام ذلك فلم يقبل تلك الصدقة، لهذا السبب، ويحتمل أيضاً أنه تعالى لما قال: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه، فلهذا السبب امتنع رسول الله عليه السلام من أخذ تلك الصدقة، والله أعلم. المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن بعض المنافقين عاهد الله في أنه لو آتاه مالاً لصرف بعضه إلى مصارف الخيرات، ثم إنه تعالى آتاه المال، وذلك الإنسان ما وفى بذلك العهد، وههنا سؤالات: السؤال الأول: المنافق كافر، والكافر كيف يمكنه أن يعاهد الله تعالى؟ والجواب: المنافق قد يكون عارفاً بالله، إلا أنه كان منكراً لنبوة محمد عليه السلام، فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله، ولكونه منكراً لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، كان كافراً. وكيف لا أقول ذلك وأكثر هذا العالم مقرون بوجود الصانع القادر؟ ويقل في أصناف الكفار من ينكره، والكل معترفون بأنه تعالى هو الذي يفتح على الإنسان أبواب الخيرات، ويعلمون أنه يمكن التقرب إليه بالطاعات وأعمال البر والإحسان إلى الخلق، فهذه أمور متفق عليها بين الأكثرين، وأيضاً فلعله حين عاهد الله تعالى بهذا العهد كان مسلماً، ثم لما بخل بالمال، ولم يف بالعهد صار منافقاً، ولفظ الآية مشعر بما ذكرناه حيث قال: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً }. السؤال الثاني: هل من شرط هذه المعاهدة أن يحصل التلفظ بها باللسان، أو لا حاجة إلى التلفظ حتى لو نواه بقلبه دخل تحت هذه المعاهدة؟ الجواب: منهم من قال: كل ما ذكره باللسان أو لم يذكره، ولكن نواه بقلبه فهو داخل في هذا العهد. يروى عن المعتمر بن سليمان قال: أصابتنا ريح شديدة في البحر، فنذر قوم منا أنواعاً من النذور، ونويت أنا شيئاً وما تكلمت به، فلما قدمت البصرة سألت أبي، فقال: يا بني ف به. وقال أصحاب هذا القول إن قوله: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ } كان شيئاً نووه في أنفسهم، ألا ترى أنه تعالى قال:{أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } وقال المحققون: هذه المعاهدة مقيدة بما إذا حصل التلفظ بها باللسان، والدليل عليه قوله عليه السلام: « حديث : إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسها ولم يتلفظوا به » تفسير : أو لفظ هذا معناه وأيضاً فقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَـٰنَا ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } إخبار عن تكلمه بهذا القول، وظاهره مشعر بالقول باللسان. السؤال الثالث: قوله: {لَنَصَّدَّقَنَّ } المراد منه إخراج مال، ثم إن إخراج المال على قسمين قد يكون واجباً، وقد يكون غير واجب. والواجب قسمان: قسم وجب بإلزام الشرع ابتداء، كإخراج الزكاة الواجبة، وإخراج النفقات الواجبة، وقسم لم يجب إلا إذا التزمه العبد من عند نفسه مثل النذور. إذا عرفت هذه الأقسام الثلاثة، فقوله: {لَنَصَّدَّقَنَّ } هل يتناول الأقسام الثلاثة، أو ليس الأمر كذلك؟ والجواب: قلنا أما الصدقات التي لا تكون واجبة، فغير داخلة تحت هذه الآية،والدليل عليه أنه تعالى وصفه بقوله: {بَخِلُواْ بِهِ } والبخل في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب، وأيضاً أنه تعالى ذمهم بهذا الترك وتارك المندوب لا يستحق الذم. وأما القسمان الباقيان، فالذي يجب بإلزام الشرع داخل تحت الآية لا محالة، وهو مثل الزكوات والمال الذي يحتاج إلى إنفاقه في طريق الحج والغزو، والمال الذي يحتاج إليه في النفقات الواجبة. بقي أن يقال: هل تدل هذه الآية على أن ذلك القائل، كان قد التزم إخراج مال على سبيل النذر؟ والأظهر أن اللفظ لا يدل عليه، لأن المذكور في اللفظ ليس إلا قوله: {لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } وهذا لا يشعر بالنذر، لأن الرجل قد يعاهد ربه في أن يقوم بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة إن وسع الله عليه، فدل هذا على أن الذي لزمهم إنما لزمهم بسبب هذا الالتزام، والزكاة لا تلزم بسبب هذا الالتزام، وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحولان الحول. قلنا: قوله: {لَنَصَّدَّقَنَّ } لا يوجب أنهم يفعلون ذلك على الفور، لأن هذا إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل، وهذا القدر لا يوجب الفور، فكأنهم قالوا: لنصدقن في وقت كما قالوا {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي في أوقات لزوم الصلاة، فخرج من التقدير الذي ذكرناه أن الداخل تحت هذا العهد، إخراج الأموال التي يجب إخراجها بمقتضى إلزام الشرع ابتداء، ويتأكد ذلك بما روينا أن هذه الآية إنما نزلت في حق من امتنع من أداء الزكاة، فكأنه تعالى بين من حال هؤلاء المنافقين أنهم كما ينافقون الرسول والمؤمنين، فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه، ولا يقومون بما يقولون والغرض منه المبالغة في وصفهم بالنفاق، وأكثر هذه الفصول من كلام القاضي. السؤال الرابع: ما المراد من الفضل في قوله: {لَئِنْ ءَاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ }. والجواب: المراد إيتاء المال بأي طريق كان، سواء كان بطريق التجارة، أو بطريق الاستنتاج أو بغيرهما. السؤال الخامس: كيف اشتقاق {لَنَصَّدَّقَنَّ }. الجواب: قال الزجاج: الأصل لنتصدقن. ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها. قال الليث: المصدق المعطي والمتصدق السائل. قال الأصمعي والفراء: هذا خطأ فالمتصدق هو المعطي قال تعالى: { أية : وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدّقِينَ } تفسير : [يوسف:88] السؤال السادس: ما المراد من قوله: {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }. الجواب: الصالح ضد المفسد، والمفسد عبارة عن الذي بخل بما يلزمه في التكليف فوجب أن يكون الصالح عبارة عما يقوم بما يلزمه في التكليف. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ثعلبة قد عاهد الله تعالى لئن فتح الله عليه أبواب الخير ليصدقن وليجعن، وأقول التقييد لا دليل عليه. بل قوله: {لَنَصَّدَّقَنَّ } إشارة إلى إخراج الزكاة الواجبة وقوله: {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } إشارة إلى إخراج كل مال يجب إخراجه على الإطلاق. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا ءَاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ } وهذا يدل على أنه تعالى وصفهم بصفات ثلاثة: الصفة الأولى: البخل وهو عبارة عن منع الحق. والصفة الثانية: التولي عن العهد. والصفة الثالثة: الإعراض عن تكاليف الله وأوامره. ثم قال تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً } فعل ولا بد من إسناده إلى شيء تقدم ذكره. والذي تقدم ذكره هو الله جل ذكره، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض ولا يجوز إسناد أعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التصدق أو الصلاح، لأن هذه الثلاثة أعمال الخير فلا يجوز جعلها مؤثره في حصول النفاق، ولا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى البخل والتولي والإعراض، لأن حاصل هذه الثلاثة كونه تاركاً لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثراً في حصول النفاق في القلب، لأن ذلك النفاق عبارة عن الكفر وهو جهل وترك بعض الواجب لا يجوز أن يكون مؤثراً في حصول الجهل في القلب. أما أولاً: فلأن ترك الواجب عدم، والجهل وجود العدم لا يكون مؤثراً في الوجود. وأما ثانياً: فلأن هذا البخل والتولي والإعراض قد يوجد في حق كثير من الفساق، مع أنه لا يحصل معه النفاق. وأما ثالثاً: فلأن هذا الترك لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو كان محرماً شرعاً، لأن سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً. وأما رابعاً: فلأنه تعالى قال بعد هذه الآية {بِمَا أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } فلو كان فعل الأعقاب مسند إلى البخل والتولي والإعراض لصار تقدير الآية فأعقبهم بخلهم وإعراضهم وتوليهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، وذلك لا يجوز، لأنه فرق بين التولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي ومعلوم أنه كلام باطل. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى شيء من الأشياء التي تقدم ذكرها إلا إلى الله سبحانه، فوجب إسناده إليه، فصار المعنى أنه تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم، وذلك يدل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى، وهذا هو الذي قال الزجاج إن معناه: أنهم لما ضلوا في الماضي، فهو تعالى أضلهم عن الدين في المستقبل، والذي يؤكد القول بأن قوله {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً } مسند إلى الله جل ذكره أنه قال: {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } والضمير في قوله تعالى: {يَلْقَوْنَهُ } عائد إلى الله تعالى، فكان الأولى أن يكون قوله: {فَأَعْقَبَهُمْ } مسنداً إلى الله تعالى. قال القاضي: المراد من قوله: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ } أي فأعقبهم العقوبة على النفاق، وتلك العقوبة هي حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذل والذم، ويدوم ذلك بهم إلى الآخرة. قلنا: هذا بعيد لأنه عدول عن الظاهر من غير حجة ولا شبهة، فإن ذكر أن الدلائل العقلية دلت على أن الله تعالى لا يخلق الكفر، قابلنا دلائلهم بدلائل عقلية، لو وضعت على الجبال الراسيات لاندكت. المسألة الثانية: قال الليث: يقال: أعقبت فلاناً ندامة إذا صيرت عاقبة أمره ذلك. قال الهذلي: شعر : أودى بني وأعقبوني حسرة بعد الرقاد وعبرة لا تقلع تفسير : ويقاتل: أكل فلان أكلة أعقبته سقماً، وأعقبه الله خيراً. وحاصل الكلام فيه أنه إذا حصل شيء عقيب شيء آخر يقال أعقبه الله. المسألة الثالثة: ظاهر هذه الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به، ومذهب الحسن البصري رحمه الله أنه يوجب النفاق لا محالة، وتمسك فيه بهذه الآية وبقوله عليه السلام: « حديث : ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن حان » تفسير : وعن النبي عليه السلام: « حديث : تقبلوا لي ستاً أتقبل لكم الجنة إذا حدثتم فلا تكذبوا وإذا وعدتم فلا تخلفوا وإذا ائتمنتم فلا تخونوا وكفوا أبصاركم وأيديكم وفروجكم. أبصاركم عن الخيانة وأيديكم عن السرقة وفروجكم عن الزنا » تفسير : قال عطاء بن أبي رباح: حدثني جابر بن عبد الله أنه صلى الله عليه وسلم إنما ذكر قوله ثلاث من كن فيه فهو منافق في المنافقين خاصة الذين حدثوا النبي صلى الله عليه وسلم فكذبوه وائتمنهم على سره فخانوه ووعدوا أن يخرجوا معه فأخلفوه، ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال: إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله وإذا وعد أخلف كما ذكره فيمن عاهد الله وإذا ائتمن على دين الله خان في السر فكان قلبه على خلاف لسانه ونقل أن واصل بن عطاء قال: أتى الحسن رجل فقال له: إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم أكله الذئب وكذبوه ووعدوه في قولهم: {وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } فأخلفوه وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه فهل نحكم بكونهم منافقين؟ فتوقف الحسن رحمه الله. المسألة الرابعة: {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } يدل على أن ذلك المعاهد مات منافقاً، وهذا الخبر وقع مخبره مطابقاً له، فإنه روي أن ثعلبة أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته فقال: إن الله تعالى منعني أن أقبل صدقتك، وبقي على تلك الحالة، وما قبل صدقته أحد حتى مات، فدل على أن مخبر هذا الخبر وقع موافقاً، فكان إخباراً عن الغيب فكان معجزاً. المسألة الخامسة: قال الجبائي: إن المشبهة تمسكوا في إثبات رؤية الله تعالى بقوله: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ } قال واللقاء ليس عبارة عن الرؤية، بدليل أنه قال في صفة المنافقين: {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } وأجمعوا على أن الكفار لا يرونه، فهذا يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية. قال: والذي يقويه قوله عليه السلام: « حديث : من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها حق امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان » تفسير : وأجمعوا على أن المراد من اللقاء ههنا: لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا. والقاضي استحسن هذا الكلام. وأقول: أنا شديد التعجب من أمثال هؤلاء الأفاضل كيف قنعت نفوسهم بأمثال هذه الوجوه الضعيفة؟! وذلك لأنا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرؤية في هذه الآية، وفي هذا الخبر لدليل منفصل، فلم يلزمنا ذلك في سائر الصور. ألا ترى أنا لما أدخلنا التخصيص في بعض العمومات لدليل منفصل، لم يلزمنا مثله في جميع العمومات أن نخصصها من غير دليل، فكما لا يلزم هذا لم يلزم ذلك فإن قال هذا الكلام إنما يقوى لو ثبت أن اللقاء في اللغة عبارة عن الرؤية، وذلك ممنوع. فنقول: لا شك أن اللقاء عبارة عن الوصول ومن رأى شيئاً فقد وصل إليه فكانت الرؤية لقاء، كما أن الإدراك هو البلوغ. قال تعالى: { أية : قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } تفسير : [الشعراء: 61] أي لملحقون، ثم حملناه على الرؤية فكذا ههنا، ثم نقول: لا شك أن اللقاء ههنا ليس هو الرؤية، بل المقصود أنه تعالى {فأعقبهم نفاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } أي حكمه وقضاءه، وهو كقول الرجل ستلقى عملك غداً، أي تجازى عليه، قال تعالى: {بِمَا أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } والمعنى: أنه تعالى عاقبهم بتحصيل ذلك النفاق في قلوبهم لأجل أنهم أقدموا قبل ذلك على خلف الوعد وعلى الكذب. ثم قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } والسر ما ينطوي عليه صدورهم، والنجوى ما يفاوض فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم، وهو مأخوذ من النجوة وهو الكلام الخفي كأن المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما وتباعدا من غيرهما، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } تفسير : [مريم: 52] وقوله: { أية : فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّا } تفسير : [يوسف: 80] وقوله: { أية : فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ... وَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلْبِرّ وَٱلتَّقْوَىٰ } تفسير : [المجادلة: 9] وقوله: { أية : إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَةً } تفسير : [المجادلة: 12]. إذا عرفت الفرق بين السر والنجوى، فالمقصود من الآية كأنه تعالى قال: ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرؤن على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر؟ ثم قال: {وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } والعلام مبالغة في العالم، والغيب ما كان غائباً عن الخلق. والمراد أنه تعالى ذاته تقتضي العلم بجميع الأشياء. فوجب أن يحصل له العلم بجميع المعلومات، فيجب كونه عالماً بما في الضمائر والسرائر، فكيف يمكن الاخفاء منه؟ ونظير لفظ علام الغيوب ههنا قول عيسى عليه السلام: { أية : إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } تفسير : [المائدة: 116] فأما وصف الله بالعلامة فإنه لا يجوز لأنه مشعر بنوع تكلف فيها يعلم والتكلف في حق الله محال.
القرطبي
تفسير : فيه ثمان مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} قال قتادة: هذا رجل من الأنصار قال: لئن رزقني الله شيئاً لأؤدّين فيه حقّه ولأتصدقنّ؛ فلما آتاه الله ذلك فعل ما نُصّ عليكم، فٱحذروا الكذب فإنه يؤدّي إلى الفجور. وروى علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة الباهلِي: حديث : أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري (فسماه) قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ادْعُ الله أن يرزقني مالاً. فقال عليه السلام؛ «وَيْحَك يا ثعلبة قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه». ثم عاود ثانياً فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أمَا ترضى أن تكون مثل نبيّ الله لو شئتُ أن تسير معي الجبال ذهباً لسارت». فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوتَ الله فرزقني مالاً لأعطينّ كلّ ذِي حقّ حقَّه. فدعا له النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فٱتخذ غنماً فنَمَت كما تَنْمِي الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحّى عنها ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، وترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تَنَمِي حتى ترك الجمعة أيضاً؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا وَيْحَ ثعلبة» ثلاثاً. ثم نزل {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}. فبعث صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة، وقال لهما: «مرَّا بثعلبة وبفلان ـ رجل من بني سُليم ـ فخذا صدقاتهما». فأتيا ثعلبة وأقرآه كتاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه إلا أُخت الجزية! انطلقا حتى تفرغا ثم تعوداتفسير : . الحديث، وهو مشهور. وقيل: سبب غناء ثعلبة أنه ورِث ابن عم له. قال ابن عبد البر: قيل إن ثعلبة بن حاطب هو الذي نزل فيه {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} الآية؛ إذ منع الزكاة، فالله أعلم. وما جاء فيمن شاهد بدراً يعارضه قوله تعالى في الآية: {أية : فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ} تفسير : [التوبة: 77] الآية. قلت: وذُكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية أن حاطب بن أبي بَلْتَعة أبطأ عنه ماله بالشام، فحلف في مجلس من مجالس الأنصار: إن سَلِم ذلك لأتصدقنّ منه ولأصِلنّ منه. فلما سَلِم بَخِل بذلك فنزلت. قلت: وثعلبة بَدْرِي أنصاري وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان؛ حسب ما يأتي بيانه في أوّل الممتحنة؛ فما روي عنه غير صحيح. قال أبو عمر: ولعل قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح، والله أعلم. وقال الضحاك: إن الآية نزلت في رجال من المنافقين نَبْتَل بن الحارث وجَدّ بن قيس ومُعَتِّب بن قشير. قلت: وهذا أشبه بنزول الآية فيهم؛ إلا أن قوله {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً} يدلّ على أن الذي عاهد الله لم يكن منافقاً من قبل، إلا أن يكون المعنى: زادهم نفاقاً ثبتوا عليه إلى الممات، وهو قوله تعالى: {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} على ما يأتي. الثانية ـ قال علماؤنا: لما قال الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} احتمل أن يكون عاهد الله بلسانه ولم يعتقده بقلبه. واحتمل أن يكون عاهد الله بهما ثم أدركته سوء الخاتمة؛ فإن الأعمال بخواتيمها والأيام بعواقبها. و «من» رفع بالابتداء والخبر في المجرور. ولفظ اليمين ورد في الحديث وليس في ظاهر القرآن يمين إلا بمجرد الارتباط والالتزام، أما إنه في صيغة القسم في المعنى فإن اللام تدلّ عليه، وقد أتى بلامين الأُولى للقسم والثانية لام الجواب، وكلاهما للتأكيد. ومنهم من قال: إنهما لاما القسم؛ والأول أظهر، والله أعلم. الثالثة ـ العهد والطلاق وكل حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر إلى غيره فيه فإنه يلزمه منه ما يلتزمه بقصده وإن لم يلفظ به؛ قاله علماؤنا. وقال الشافعيّ وأبو حنيفة: لا يلزم أحداً حكم إلا بعد أن يلفظ به؛ وهو القول الآخر لعلمائنا. ابن العربيّ: والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما رواه أشهب عن مالك، وقد سئل: إذا نوى الرجل الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه فقال: يلزمه؛ كما يكون مؤمناً بقلبه، وكافراً بقلبه. قال ابن العربيّ: وهذا أصل بديع، وتحريره أن يقال. عَقْدٌ لا يفتقر فيه المرء إلى غيره في التزامه فانعقد عليه بنيّة. أصله الإيمان والكفر. قلت: وحجة القول الثاني ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به»تفسير : . ورواه الترمذيّ وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم أن الرجل إذا حدّث نفسه بالطلاق لم يكن شيئاً حتى يتكلم به. قال أبو عمر: ومن ٱعتقد بقلبه الطلاق ولم ينطق به لسانه فليس بشيء. هذا هو الأشهر عن مالك. وقد روي عنه أنه يلزمه الطلاق إذا نواه بقلبه؛ كما يكفر بقلبه وإن لم ينطق به لسانه. والأوّل أصح في النظر وطريق الأثر؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تجاوز الله لأمتي عما وسوست به نفوسُها ما لم ينطق به لسان أو تعمله يد».تفسير : الرابعة ـ إن كان نذراً فالوفاء بالنذر واجب من غير خلاف وتركه معصية. وإن كانت يميناً فليس الوفاء باليمين واجباً باتفاق. بَيْدَ أن المعنىٰ فيه إن كان الرجل فقيراً لا يتعيّن عليه فرض الزكاة؛ فسأل الله ما لا تلزمه فيه الزكاة ويؤدّي ما تعيّن عليه من فرضه، فلما آتاه الله ما شاء من ذلك ترك ما التزم مما كان يلزمه في أصل الدين لو لم يلتزمه، لكن التعاطي بطلب المال لأداء الحقوق هو الذي أورطه إذ كان طلبه من الله تعالىٰ بغير نية خالصة، أو نية لكن سبقت فيه البداية المكتوب عليه فيها الشقاوة. نعوذ بالله من ذلك. قلت: ومن هذا المعنىٰ قوله عليه السلام: «حديث : إذا تمنّىٰ أحدكم فلينظر ما يتمنّىٰ فإنه لا يدري ما كُتب له في غيب الله عز وجل من أمنيته»تفسير : . أي من عاقبتها، فرُبّ أمنية يفتتن بها أو يطغي فتكون سبباً للهلاك دنيا وأخرىٰ، لأن أمور الدنيا مبهمة عواقبها خطرة غائلتها. وأما تمني أمور الدِّين والأُخرىٰ فتمنيها محمود العاقبة مخضوض عليها مندوب إليها. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} دليل على أن من قال: إن مَلَكْتُ كذا وكذا فهو صدقة فإنه يلزمه؛ وبه قال أبو حنيفة: وقال الشافعيّ: لا يلزمه والخلاف في الطلاق مثله، وكذلك في العتق. وقال أحمد بن حنبل: يلزمه ذلك في العتق ولا يلزمه في الطلاق؛ لأن العتق قُرْبة وهي تثبت في الذمة بالنذر؛ بخلاف الطلاق فإنه تصرّف في محل، وهو لا يثبت في الذّمة. احتج الشافعيّ بما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا نَذْرَ لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك» تفسير : لفظ الترمذيّ. وقال: وفي الباب عن عليّ ومعاذ وجابر وابن عباس وعائشة حديثُ عبد الله بن عمرو حديثٌ حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم. ابن العربيّ: وسرد أصحاب الشافعيّ في هذا الباب أحاديث كثيرة لم يصحّ منها شيء فلا يعَوَّل عليها، ولم يبق إلا ظاهر الآية. السادسة ـ قوله تعالىٰ: {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي أعطاهم. {بَخِلُواْ بِهِ} أي بإعطاء الصدقة وبإنفاق المال في الخير، وبالوفاء بما ضمنوا والتزموا. وقد مضىٰ البخل في «آل عمران». {وَتَوَلَّواْ} أي عن طاعة الله {وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} أي عن الإسلام، أي مظهرون للإعراض عنه. السابعة ـ قوله تعالىٰ: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً} مفعولان؛ أي أعقبهم الله تعالىٰ نفاقاً في قلوبهم. وقيل: أي أعقبهم البخل نفاقاً؛ ولهذا قال: «بَخِلُوا به». {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} في موضع خفض؛ أي يلقون بخلهم، أي جزاء بخلهم؛ كما يقال: أنت تلقى غداً عملك. وقيل: {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} أي يلقون الله. وفي هذا دليل على أنه مات منافقاً. وهو يبعد أن يكون المنزَّل فيه ثعلبة أو حاطب؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «حديث : وما يدريك لعلّ الله اطلّع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»تفسير : . وثعلبة وحاطب ممن حضر بدراً وشهدها. {بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} كذبهم نقضهم العهد وتركهم الوفاء بما التزموه من ذلك. الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {نِفَاقاً} النفاق إذا كان في القلب فهو الكفر. فأما إذا كان في الأعمال فهو معصية. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أربع من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خَصْلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا ٱئتمن خان وإذا حدّث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر»تفسير : . خرجه البخاريّ. وقد مضىٰ في «البقرة» اشتقاق هذه الكلمة، فلا معنىٰ لإعادتها. واختلف الناس في تأويل هذا الحديث؛ فقالت طائفة: إنما ذلك لمن يحدث بحديث يعلم أنه كذب، ويعهد عهداً لا يعتقد الوفاء به، وينتظر الأمانة للخيانة فيها. وتعلقوا بحديث ضعيف الإسناد: حديث : وأن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لقي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما خارجين من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما ثقيلان فقال عليّ: ما لي أراكما ثقيلين؟ قالا حديثاً سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال المنافقين «إذا حدّث كذب وإذا عاهد غدر وإذا ائتمن خان وإذا وعد أخلف». فقال عليّ: أفلا سألتماه؟ فقالا: هِبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لكني سأسأله؛ فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، خرج أبو بكر وعمر وهما ثقيلان، ثم ذكر ما قالاه، فقال: «قد حدثتهما ولم أضعه على الوضع الذي وضعاه ولكن المنافق إذا حدّث وهو يحدث نفسه أنه يكذب وإذا وعد وهو يحدّث نفسه أنه يُخلف وإذا ائتمن وهو يحدث نفسه أنه يخون»تفسير : . ٱبن العربيّ: قد قام الدليل الواضح على أن متعمّد هذه الخصال لا يكون كافراً، وإنما يكون كافراً باعتقاد يعود إلى الجهل بالله وصفاته أو التكذيب له تعالىٰ الله وتقدّس عن ٱعتقاد الجاهلين وعن زيغ الزائغين. وقالت طائفة: ذلك مخصوص بالمنافقين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتعلقوا بما رواه مقاتل بن حيان عن سعيد بن جُبَيْر حديث : عن ابن عمرو وابن عباس قالا: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه فقلنا: يا رسول الله، إنك قلت «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وصلّىٰ وزعم أنه مؤمن إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ومن كانت فيه خَصْلة منهنّ ففيه ثلث النفاق» فظننا أنا لم نسلم منهن أو من بعضهن ولم يسلم منهن كثير من الناس؛ قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين كما خصهم الله في كتابه أما قولي إذا حدث كذب فذلك قوله عز وجل {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ} ـ الآية ـ أفأنتم كذلك»؟ قلنا لا. قال:«لا عليكم أنتم من ذلك براء وأما قولي إذا وعد أخلف فذلك فيما أنزل الله عليّ «ومِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ الله لِئَن آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ» ـ الآيات الثلاث ـ «أفأنتم كذلك»؟ قلنا لا، والله لو عاهدنا الله على شي أوفينا به. قال: «لا عليكم أنتم من ذلك برآء وأما قولي وإذا ٱئمتن خان فذلك فيما أنزل الله عليّ {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ} ـ الآية ـ فكلّ إنسان مؤتمن على دينه فالمؤمن يغتسل من الجنابة في السر والعلانية (والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية) أفأنتم كذلك»؟ قلنا لا. قال: «لا عليكم أنتم من ذلك بُرآء»تفسير : . وإلى هذا صار كثير من التابعين والأئمة. قالت طائفة: هذا فيمن كان الغالب عليه هذه الخصال. ويظهر من مذهب البخاريّ وغيره من أهل العلم أن هذه الخلال الذميمة منافق من اتصف بها إلى يوم القيامة. قال ابن العربيّ: والذي عندي أنه لو غلبت عليه المعاصي ما كان بها كافراً ما لم يؤثر في الاعتقاد. قال علماؤنا: إن إخوة يوسف عليه السلام عاهدوا أباهم فأخلفوه، وحدّثوه فكذبوه، وٱئتمنهم على يوسف فخانوه وما كانوا منافقين. قال عطاء بن أبي رباح: قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء. وقال الحسن بن أبي الحسن البصريّ: النفاق نفاقان، نفاق الكذب ونفاق العمل؛ فأما نفاق الكذب فكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما نفاق العمل فلا ينقطع إلى يوم القيامة. وروى البخاريّ عن حذيفة أن النفاق كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان. قوله تعالىٰ: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} هذا توبيخ، وإذا كان عالماً فإنه سيجازيهم.
البيضاوي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} نزلت في ثعلبة بن حاطب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يرزقني مالاً فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه تفسير : ، فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له فاتخذ غنماً، فنمت كما ينمى الدود حتى ضاقت بها المدينة، فنزل وادياً وانقطع عن الجماعة والجمعة، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل كثر ماله حتى لا يسعه واد فقال: يا ويح ثعلبة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقين لأخذ الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه الكتاب الذي فيه الفرائض فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية فارجعا حتى أرى رأيي فنزلت، فجاء ثعلبة بالصدقة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله منعني أن أقبل منك فجعل يحثو التراب على رأسه فقال هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فلم يقبلها، ثم جاء إلى عمر رضي الله تعالى عنه في خلافته فلم يقبلها وهلك في زمان عثمان رضي الله تعالى عنه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه: لئن أغناه من فضله، ليصدقن من ماله، وليكونن من الصالحين، فما وفى بما قال، ولا صدق فيما ادعى، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقاً سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله عز وجل يوم القيامة، عياذاً بالله من ذلك، وقد ذكر كثير من المفسرين منهم ابن عباس والحسن البصري: أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير ههنا، وابن أبي حاتم من حديث معان بن رفاعة عن علي بن يزيد عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية عن أبي أمامة الباهلي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه» تفسير : قال: ثم قال مرة أخرى، فقال: «حديث : أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضةً لسارت» تفسير : قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله، فرزقني مالاً، لأعطين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم ارزق ثعلبة مالاً» تفسير : قال: فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، فنزل وادياً من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود، حتى ترك الجمعة، فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ليسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما فعل ثعلبة؟» تفسير : فقالوا: يا رسول الله اتخذ غنماً فضاقت عليه المدينة، فأخبروه بأمره، فقال: «حديث : يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة»تفسير : وأنزل الله جل ثناؤه: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً} تفسير : [التوبة: 103] الآية، ونزلت فرائض الصدقة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة من المسلمين، رجلاً من جهينة، ورجلاً من سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: «حديث : مرا بثعلبة وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما» تفسير : فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا، ثم عودا إليّ، فانطلقا، وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك، فقال: بلى، فخذوه؛ فإن نفسي بذلك طيبة، وإنما هي لله، فأخذاها منه، ومرا على الناس، فأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فقرأه فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآهما قال: «حديث : يا ويح ثعلبة» تفسير : قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي، فأنزل الله عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} الآية، قال: وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: «حديث : ويحك إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك» تفسير : فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني» تفسير : فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل صدقته، رجع إلى منزله، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئاً، ثم أتى أبا بكر رضي الله عنه حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يقبلها، فقبض أبو بكر ولم يقبلها. فلما ولي عمر رضي الله عنه، أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر، وأنا أقبلها منك؟ فقبض ولم يقبلها، فلما ولي عثمان رضي الله عنه، أتاه فقال: اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر، وأنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها منه، فهلك ثعلبة في خلافة عثمان، وقوله تعالى: {بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ} الآية، أي: أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم؛ كما في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» تفسير : وله شواهد كثيرة، والله أعلم. وقوله: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} الآية، يخبر تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه أعلم بضمائرهم، وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها، فإن الله أعلم بهم من أنفسهم؛ لأنه تعالى علام الغيوب، أي: يعلم كل غيب وشهادة، وكل سر ونجوى، ويعلم ما ظهر وما بطن.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ } وهو ثعلبة بن حاطب سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له أن يرزقه الله مالاً ويؤدّي منه كل ذي حق حقه فدعا له فَوُسِّعَ عليه فانقطع عن الجمعة والجماعة ومنع الزكاة كما قال تعالى:
الشوكاني
.تفسير : اللام الأولى، وهي {لَئِنْ ءاتَـٰنَا } الله {مِن فَضْلِهِ } لام القسم، واللام الثانية، وهي {لَنَصَّدَّقَنَّ } لام الجواب للقسم والشرط. ومعنى: {لَنَصَّدَّقَنَّ } لنخرج الصدقة، وهي أعمّ من المفروضة وغيرها {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } أي: من جملة أهل الصلاح من المؤمنين القائمين بواجبات الدّين التاركين لمحرّماته {فَلَمَّا ءاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ } أي: لما أعطاهم ما طلبوا من الرزق بخلوا به: أي بما آتاهم من فضله، فلم يتصدّقوا بشيء منه كما حلفوا به {وَتَوَلَّواْ } أي: أعرضوا عن طاعة الله وإخراج صدقات ما أعطاهم الله من فضله، والحال أنهم {مُّعْرِضُونَ} في جميع الأوقات قبل أن يعطيهم الله ما أعطاهم من الرزق وبعده. قوله: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } الفاعل: هو الله سبحانه، أي فأعقبهم الله بسبب البخل الذي وقع منهم والإعراض، نفاقاً كائناً في قلوبهم، متمكناً منها، مستمراً فيها {إلى يوم يلقون} الله عزّ وجلّ، وقيل: إن الضمير يرجع إلى البخل، أي فأعقبهم البخل بما عاهدوا الله عليه نفاقاً كائناً في قلوبهم إلى يوم يلقون بخلهم: أي جزاء بخلهم. ومعنى {فَأَعْقَبَهُمْ}: أن الله سبحانه جعل النفاق المتمكن في قلوبهم إلى تلك الغاية عاقبة ما وقع منهم من البخل، والباء في {بِمَا أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ} للسببية، أي بسبب إخلافهم لما وعدوه من التصدّق والصلاح، وكذلك الباء في {وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } أي: وبسبب تكذيبهم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أنكر عليهم فقال {أَلَمْ يَعْلَمُواْ } أي المنافقون، وقرىء بالفوقية خطاباً للمؤمنين {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } أي: جميع ما يسرونه من النفاق، وجميع ما يتناجون به فيما بينهم من الطعن على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه، وعلى دين الإسلام {وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } فلا يخفى عليه شيء من الأشياء المغيبة كائناً ما كان، ومن جملة ذلك ما يصدر عن المنافقين. قوله: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوّعِينَ } الموصول محله النصب، أو الرفع على الذم، أو الجرّ بدلاً من الضمير في سرّهم ونجواهم، ومعنى {يَلْمِزُونَ } يعيبون. وقد تقدّم تحقيقه، والمطوّعين: أي المتطوّعين، والتطوّع: التبرّع. والمعنى: أن المنافقين كانوا يعيبون المسلمين إذا تطوّعوا بشيء من أموالهم وأخرجوه للصدقة، فكانوا يقولون: ما أغنى الله عن هذا، ويقولون: ما فعلوا هذا إلا رياء، ولم يكن لله خالصاً، و {فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ } متعلق بيلمزون: أي يعيبونهم في شأنها. قوله: {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ } معطوف على المطوّعين: أي يلمزون المتطوّعين، ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم؛ وقيل: معطوف على المؤمنين: أي يلمزون المتطوّعين من المؤمنين، ومن الذين لا يجدون إلا جهدهم، وقرىء «جهدهم» بفتح الجيم، والجهد بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة، وقيل: هما لغتان ومعناهما واحد، وقد تقدّم بيان ذلك. والمعنى: أن المنافقين كانوا يعيبون فقراء المؤمنين الذين كانوا يتصدّقون بما فضل عن كفايتهم. قوله: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ } معطوف على يلمزون: أي يستهزءون بهم لحقارة ما يخرجونه في الصدقة مع كون ذلك جهد المقلّ، وغاية ما يقدر عليه ويتمكن منه، قوله: {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ } أي: جازاهم على ما فعلوه من السخرية بالمؤمنين بمثل ذلك، فسخر الله منهم بأن أهانهم وأذلهم وعذبهم، والتعبير بذلك من باب المشاكلة كما في غيره. وقيل: هو دعاء عليهم بأن يسخر الله بهم كما سخروا بالمسلمين {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: ثابت مستمر شديد الألم. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والعسكري في الأمثال، والطبراني، وابن منده، والبارودي، وأبو نعيم، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر، عن أبي أمامة الباهلي قال: جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: "حديث : ويلك يا ثعلبة قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه"تفسير : . قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: "حديث : ويحك يا ثعلبة: أما تحبّ أن تكون مثلي، فلو شئت أن يسير ربي هذه الجبال معي ذهباً لسارت"تفسير : ، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فوالذي بعثك بالحق إن آتاني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه، قال: "حديث : ويحك يا ثعلبة، قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيقه"تفسير : ، قال: يا رسول الله، ادع الله تعالى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهمّ ارزقه مالاً"تفسير : ؛ قال: فاتخذ غنماً فنمت كما تنمو الدود حتى ضاقت بها المدينة، فتنحى بها، فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يشهدها بالليل، ثم نمت كما تنمو الدود فتنحى بها، فكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نمت كما تنمو الدود فضاق بها مكانه، فتنحى بها فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الأخبار، وفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه، فأخبروه أنه اشترى غنماً، وأن المدينة ضاقت به وأخبروه خبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويح ثعلبة بن حاطب، ويح ثعلبة بن حاطب"تفسير : ؛ ثم إن الله تعالى أمر رسوله أن يأخذ الصدقات، وأنزل: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } تفسير : [التوبة: 103] الآية، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين، رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سلمة يأخذان الصدقات، وكتب لهما أسنان الإبل والغنم كيف يأخذانها وجوهها، وأمرهما أن يمرّا على ثعلبة بن حاطب، وبرجل من بني سليم، فخرجا فمرا بثعلبة فسألا الصدقة، فقال: أرياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذه إلا جزية، انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى قدما المدينة، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلمهما: "حديث : ويح ثعلبة بن حاطب"تفسير : ، ودعا للسلميّ بالبركة، وأنزل الله: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ } الثلاث الآيات، قال: فسمع بعض أقارب ثعلبة، فأتى ثعلبة فقال: ويحك يا ثعلبة أنزل فيك كذا وكذا، قال: فقدم ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه صدقة مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله قد منعني أن أقبل منك"تفسير : ، فجعل يبكي ويحثي التراب على رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذا عملك بنفسك، أمرتك فلم تطعني"تفسير : ، فلم يقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى، ثم أتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر: إقبل مني صدقتي فقد عرفت منزلتي من الأنصار، فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلها؟ فلم يقبلها أبو بكر؛ ثم ولي عمر بن الخطاب، فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل مني صدقتي، قال: ويثقل عليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر أقبلها أنا؟ فأبى أن يقبلها؛ ثم ولي عثمان فسأله أن يقبل صدقته، فقال: لم يقبلها رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها منه، فهلك في خلافة عثمان، وفيه نزلت: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـٰتِ } قال: وذلك في الصدقة، وهذا الحديث هو مرويّ من حديث معاذ بن رفاعة، عن عليّ بن زيد، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى عبد الله بن يزيد بن معاوية، عن أبي أمامة الباهلي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس، في قوله: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ } الآية، وذلك أن رجلاً كان يقال له ثعلبة من الأنصار أتى مجلساً فأشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه، وتصدّقت منه، وجعلت منه للقرابة؛ فابتلاه الله فآتاه من فضله، فأخلف ما وعده، فأغضب الله بما أخلفه ما وعده، فقص الله شأنه في القرآن. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، أن رجلاً من الأنصار هو الذي قال هذا، فمات ابن عمّ له فورث منه مالاً فبخل به، ولم يف بما عاهد الله عليه، فأعقبه بذلك نفاقاً في قلبه إلى أن يلقاه. قال ذلك {بِمَا أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ }. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، عن ابن مسعود، قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدّق بشيء كثير، فقالوا: مراء؛ وجاء أبو عقيل بنصف صاع، فقال المنافقون: إن الله لغنيّ عن صدقة هذا، فنزلت: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوّعِينَ } الآية، وفي الباب روايات كثيرة. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوّعِينَ } أي: يطعنون على المطوّعين.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءَاتَانَا مِن فَضْلِهِ...} الآية والتي بعدها نزلت في ثعلبة ابن حاطب الأنصاري. وفي سبب نزولها قولان: أحدهما: أنه كان له مال بالشام خاف هلاكه فنذر أن يتصدق منه، فلما قدم عليه بخل به، قاله الكلبي. والثاني: أن مولى لعمر قتل رجلاً لثعلبة فوعد إن أوصل الله الدية إليه أخرج حق الله تعالى منها، فلما وصلت إليه بخل بحق الله تعالى أن يخرجه، قاله مقاتل. وقيل إن ثعلبه لما بلغه ما نزل فيه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: "حديث : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَنِي أَن أَقْبَلَ مِنكَ صَدَقَتَكَ" تفسير : فجعل يحثي على رأسه التراب. وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئاً.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وقال الحسن: وفي معتب بن قشير معه، واختصار ما ذكره الطبري وغيره من أمره حديث : أنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعل لي مالاً فإني لو كنت ذا مال لقضيت حقوقه وفعلت فيه الخير، فراده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فعاود فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ألا تريد أن تكون مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو دعوت الله أن يسير الجبال معي ذهباً لسارت، فأعاد عليه حتى دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة، فتنحى عنها وكثرت غنمه، فكان لا يصلي إلا الجمعة ثم كثرت حتى تنحى بعيداً ونجم نفاقه، ونزل خلال ذلك فرض الزكاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث مصدقين بكتابه في أخذ زكاة الغنم، فلما بلغوا ثعلبة وقرأ الكتاب قال: هذه أخت الجزية، ثم قال لهم: دعوني حتى أرى رأيي، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه، قال "ويح ثعلبة" ثلاثاً ، ونزلت الآية فيه، فحضر القصة قريب لثعلبة فخرج إليه فقال أدرك أمرك، فقد نزل كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغب أن يؤدي زكاته فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال إن الله أمرني أن لا آخذ زكاتك تفسير : ، فبقي كذلك حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ورد ثعلبة على أبي بكر ثم على عمر ثم على عثمان يرغب إلى كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة، فكلهم رد ذلك وأباه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فبقي ثعلبة كذلك حتى هلك في مدة عثمان. وفي قوله تعالى: {فأعقبهم} نص المعاقبة على الذنب بما هو أشد منه، وقوله: {إلى يوم يلقونه} يقتضي موافاتهم على النفاق، ولذلك لم يقبل الخلفاء رضي الله عنهم رجوع ثعلبة لشهادة القرآن عليه بالموافاة، ولولا الاحتمال في أنه نفاق معصية لوجب قتله، وقرأ الأعمش " لنصدقن " بالنون الثقيلة مثل الجماعة " ولنَكونَن " خفيفة النون، والضمير الذي في قوله {فأعقبهم } يعود على الله عز وجل. ويحتمل أن يعود على " البخل" المضمن في الآية، ويضعف ذلك الضمير في {يلقونه }، وقوله {نفاقاً في قلوبهم} ، يحتمل أن يكون نفاق كفر ويكون تقرير ثعلبة بعد هذا النص والإبقاء عليه لمكان إظهاره الإسلام وتعلقه بما فيه احتمال. ويحتمل أن يكون قوله {نفاقاً} يريد به نفاق معصية وقلة استقامة، فيكون تقريره صحيحاً ويكون ترك في أول الزكاة عقاباً له ونكالاً. وهذا نحو ما روي أن عاملاً كتب إلى عمر بن عبد العزيز أن فلاناً يمنع الزكاة، فكتب إليه أن دعه واجعل عقوبته أن لا يؤدي الزكاة مع المسلمين، يريد لما يلحقه من المقت في ذلك، وقرأ الحسن والأعرج وأبو عمرو وعاصم ونافع وسائرهم {يكذبون } قرأ أبو رجاء " يكذبون " وذكر الطبري في هذه الآية ما يناسبها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً، إذا وعد أخلف وإذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان " تفسير : وفي حديث آخر "حديث : وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر" تفسير : ونحو هذا من الأحاديث، ويظهر من مذهب البخاري وغيره من أهل العلم أن هذه الخلال الذميمة منافق من اتصف بها إلى يوم القيامة. وروي أن عمرو بن العاص لما احتضر قال زوجوا فلاناً فإني قد وعدته لا ألقى الله بثلث النفاق، وهذا ظاهر كلام الحسن بن أبي الحسن، وقال عطاء بن أبي رباح قد فعل هذه الخلال إخوة يوسف ولم يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء، وهذه الأحاديث إنما هي في المنافقين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، الذين شهد الله عليهم، وهذه هي الخصال في سائر الأمة معاص لا نفاق. قال القاضي أبو محمد : ولا محالة أنها كانت مع التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، معاص لكنها من قبيل النفاق اللغوي، وذكر الطبري عن فرقة أنها قالت: كان العهد الذي عاهد الله عليه هؤلاء المنافقون شيئاً نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به. قال القاضي أبو محمد : وهذا فيه نظر، وقوله: {ألم يعلموا } الآية، لفظ به تعلق من قال في الآية المتقدمة إن العهد كان من المنافقين بالنية لا بالقول، وقرأ الجمهور " يعلموا " بالياء من تحت، وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن " ألم تعلموا " بالتاء، من فوق، وهذه الآية تناسب حالهم وذلك أنها تضمنت إحاطة علم الله بهم وحصره لهم، وفيها توبيخهم على ما كانوا عليه من التحدث في نفوسهم من الاجتماع على ثلب الإسلام، وراحة بعضم مع بعض في جهة النبي صلى الله عليه وسلم وشرعه، فهي تعم المنافقين أجمع، وقائل المقالة المذكورة ذهب إلى أنها تختص بالفرقة التي عاهدت.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ} نزلت والتي بعدها في حاطب بن أبي بلتعة كان له مال بالشام فنذر أن يتصدق منه فلما قدم عليه بخل، قاله الكلبي، أو قتل مولى لعمر حميما لثعلبة فوعد إن أوصل الله إليه الدية أن يخرج حق الله ـ تعالى ـ منها فلما وصلت بخل بحق الله ـ تعالى ـ فنزلت، فلما بلغته أتى الرسول صلى الله عليه وسلم بصدقته فلم يقبلها منه، وقال إن الله ـ تعالى ـ منعني أن أقبل صدقتك فجعل يحثو التراب على رأسه، فمات الرسول صلى الله عليه وسلم فأتى أبا بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ ثم عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ بعده، ثم عثمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ فلم يقبلوها.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} الآية. روى البغوي بسند الثعلبي عن أبي أمامة الباهلي قال: حديث : "جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه". ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمالك في رسول الله أسوة حسنة والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت". ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارزق ثعلبة مالاً". قال: فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل وادياً من أوديتها وهي تنموا كما ينمو الدود فكان يصلي مع رسول الله صل الله عليه وسلم الظهر والعصر ويصلي في غنمه سائر الصلوات ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة فصار لا يشهد إلا الجمعة ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة أيضاً حتى صار لا يشهد جمعة ولا جماعة فكان إذا كان يوم جمعة خرج فتلقى الناس يسألهم عن الأخبار فذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: "ما فعل ثعلبة"؟ فقالوا: يا رسول الله اتخذ ثعلبة غنماً ما يسعها وادٍ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة. فأنزل الله سبحانه وتعالى آية الصدقة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني سليم ورجلاً من جهينة وكتب لهما أسنان الصدقة وكيف يأخذان وقال لهما: "مرا على ثعلبة بن حاطب ورجل من بني سليم فخذا صدقاتهما"، فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليّ فانطلقا وسمع بها السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما رأياها قالا: ما هذه عليك. قال: خذاها فإن نفسي بذلك طيبة فمرا على الناس وأخذا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال أروني كتابكما فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية اذهبا حتى أرى رأيي. قالا: فأقبلا فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يتكلما: يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة ثم دعا للسلمي بخير فأخبراه بالذي صنع ثعلبة فأنزل الله سبحانه وتعالى فيه: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} الآية إلى قوله سبحانه وتعالى: {وبما كانوا يكذبون} وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة لقد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه صدقته فقال: إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك، فجعل يحثو على رأسه التراب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني"، فلما أبى أن يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقته رجع إلى منزله وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى أبا بكر فقال: اقبل صدقتي. فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا لا أقبلها. فقبض أبو بكر ولم يقبلها منه فلما ولي عمر أتاه فقال: اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر فأنا لا أقبلها منك فلم يقبلها. ثم ولي عثمان فأتاه فلم يقبلها منه وهلك في خلافة عثمان"تفسير : . وأخرجه الطبري أيضاً بسنده. قال بعض العلماء: إنما لم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة ثعلبة، لأن الله سبحانه وتعالى منعه من قبولها منه مجازاة له على إخلافه ما وعد الله عليه وإهانة له على قوله: إنما هي جزية أو أخت الجزية، فلما صدر هذا القول منه ردت صدقته عليه إهانة له وليعتبر غيره فيه فلا يمتنع من بذل الصدقة عن طيب نفس بإخراجها ويرى أنها واجبة عليه وأنه يثاب على إخراجها ويعاقب على منعها. وقال ابن عباس: إن ثعلبة أتى مجلساً من مجالس الأنصار فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت منه كل ذي حق حقه وتصدقت منه ووصلت القرابة فمات ابن عم له فورث منه مالاً فلم يف بما عاهد الله عليه فأنزل الله فيه هذه الآية. وقال الحسن ومجاهد: نزلت في ثعلبة ومعتب بن قشير وهما من بني عمرو بن عوف خرجا على ملأ قعود فقالا لئن رزقنا الله من فضله لنصدقن فلما رزقهما الله بخلا به. وقال ابن السائب: إن حاطب بن أبي بلتعة كان له مال بالشام فأبطأ عليه فجهد لذلك جهداً شديداً فحلف بالله لئن آتاني الله من فضله يعني ذلك المال لأصدقن منه ولأصلن فلما آتاه ذلك المال لم يف بما عاهد الله عليه فنزلت هذه الآية وحاصله أن ظاهر الآية يدل على أن بعض المنافقين عاهد الله لئن آتاه من فضله ليصدقن وليفعلن فيه أفعال الخير والبر والصلة فلما آتاه الله من فضله ما سأل لم يف بما عاهد الله عليه ومعنى الآية ومن المنافقين من أعطى الله عهداً لئن رزقنا من فضله بأن يوسع علينا في الرزق لنصدقن يعني لنتصدقن ولنخرجن من ذلك المال صدقته {ولنكونن من الصالحين} يعني: ولنعملن في ذلك المال ما يعمله أهل الصلاح بأموالهم من صلة الأرحام والإنفاق في سبيل الله وجميع وجوه البر والخير وإخراج الزكاة وإيصالها إلى أهلها والصالح ضد المفسد والمفسد هو الذي يبخل بما يلزمه في حكم الشرع. وقيل: إن المراد بقوله لنصدقن، إخراج الزكاة الواجبة، وقوله: ولنكونن من الصالحين إشارة إلى كل ما يفعله أهل الصلاح على الإطلاق من جميع أعمال البر والطاعة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمِنْهُم مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ...} الآية: حديث : هذه الآية نزلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطب الأنصاريِّ، قال الحسن: وفي مُعَتِّبِ بنِ قُشَيرٍ معه، وٱختصارُ ما ذكره الطبريُّ وغيره مِنْ أمره: أنه جاء إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ٱدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي مَالاً، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ ذَا مَالٍ، لَقَضَيْتُ حُقُوقَهُ، وَفَعَلْتُ فِيهِ الخَيْرَ، فَرَادَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: « قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لاَ تُطِيقُهُ » فَعَاوَدَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: « أَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَوْ دَعَوْتُ اللَّه أَنْ يُسَيِّرَ الجِبَالَ مَعِي ذَهَباً، لَسَارَتْ » فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى دَعَا لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، فٱتَخَذَ غَنَماً، فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ؛ حتى ضاقَتْ به المدينةُ، فتنحَّى عنها، وكَثُرت غنمه، حتَّى كان لا يُصَلِّي إِلا الجُمُعَةَ، ثم كَثُرَتْ حتى تَنَحَّى بعيداً، فترك الصَّلاَة، وَنَجَمَ نِفَاقه، وَنَزَلَ خلال ذلك فَرْضُ الزكاةِ، فبعَث النبيُّ صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقِينَ بكتابه في أخْذ زكاة الغَنَمِ، فلما بلغوا ثَعْلَبَةَ، وقرأ الكِتَابَ، قالَ: هَذِهِ أُخْتُ الجِزْيَةِ، ثم قال لهم: دَعُونِي حَى أَرَى رَأْيي، فلما أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وأَخْبَروه، قال:« وَيْح ثَعْلَبَة »ثَلاَثاً، ونزلَتْ الآية فيه، فحضر القصَّةَ قريبٌ لثعلبة، فخرج إِليه، فقال: أَدْرِكْ أَمرك، فقد نَزَلَ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَرَغِبَ أَنْ يؤدِّي زكاتَهُ، فأعرض عنه رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقال: « إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَلاَّ آخُذَ زَكَاتَكَ »تفسير : ، فبقي كذلك حَتَّى تُوُفِّي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثم وَرَدَ ثَعلبةُ على أبي بَكْر، ثم على عمر، ثم على عثمان، يرغَبُ إِلى كلِّ واحد منهم أنْ يأخذ منه الزكاةَ، فكلُّهم رَدَّ ذلك وأباه؛ ٱقتداءً بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فبقي ثعلبةُ كذلك حتى هَلَكَ في مدَّة عثمان. وفي قوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ}: نصٌّ في العقوبة على الذَّنْب بما هو أشدُّ منه. وقوله: {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ}: يقتضي موافاتَهُمْ على النِّفَاق، قال ابنُ العربيِّ: في ضمير {يَلْقَوْنَهُ} قولان: أحدهما: أنه عائدٌ على اللَّه تعالى. والثاني: أنه عائدٌ على النفاقِ مجازاً؛ على تقدير الجَزَاءِ؛ كأنه قال: فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إِلى يَوْمِ يلقون جَزَاءَهُ. انتهى من «الأحكام». و{يَلْمِزُونَ}: معناه: ينالون بألسنتهم، وأكثر الروايات في سَبَبِ نُرُولِ الآية أَنَّ عبد الرحمٰن بْنِ عَوْفٍ تصدَّق بأربعة آلاف، وأمْسَكَ مثلها. وقيل: هو عمر بنُ الخطَّاب تصدَّق بِنِصْفِ مالِهِ، وقيل: عاصمُ بْنُ عَدِيٍّ تصدَّق بمائَةِ وَسْقٍ، فقال المنافقون: ما هذا إِلا رياء، فنزلَتِ الآية في هذا كلِّه، وأما المتصدِّق بقليل، فهو أبو عقيل تصدَّق بصاعٍ من تمرٍ، فقال بعضهم: إِن اللَّه غنيٌّ عن صاعِ أبي عقيل، وخرَّجه البخاريُّ، وقيل: إِن الذي لُمِزَ في القليلِ هو أبو خَيْثَمَةَ؛ قاله كعب بن مالك. {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ}: معناه: يستهزئون ويستخفُّونْ وروى مسلمٌ عن جَرِيرِ بنِ عبد اللَّهِ، قال: كُنْتُ عند رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، قال: فجاءَه قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ متقلِّدي السُّيُوف، عَامَّتِهِم مِنْ مُضَرَ، بلِ كلُّهم مِنْ مُضَرَ، فتمعَّر وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ لِمَا رَأَى بهم مِن الفَاقَةِ، فذخل ثُمَّ خرج، فأمر بلالاً، فأَذَّن وأقَام، فصلَّى ثم خَطَبَ، فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} إِلى آخر الآية: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } تفسير : [النساء:1] والآية التي في سورة الحشر: { أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَـدٍ } تفسير : [الحشر:18] تَصَدَّقَ رَجُلٌ؛ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّه، مِنْ صَاعِ تَمْره؛ حَتَّى قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجَزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تتابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رأَيْتُ كُومَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ؛ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ». تفسير : انتهى.
البقاعي
تفسير : ولما أقام سبحانه الدليل على ما ذكر بهذه الآية التي ختمها بأنه أغناهم من فضله، أتبها بإقامة الدليل عليها وعلى أنهم يقبضون أيديهم وعلى اجترائهم على اقبح الكذب فقال: {ومنهم من عاهد الله} أي الذي لا أعظم منه {لئن آتانا} أي من خير ما عنده، واعتراف بأنه لا حق لأحد عليه بقوله: {من فضله} أي بأي طريق كان من تجارة أو غنيمة أو زراعة أو غيرها، وأكد لأنه كاذب يظن أن الناس يكذبونه، وهكذا كل كاذب فقال: {لنصدقن} أي مما آتانا من غير رياء - بما يشير إليه الإدغام {ولنكونن} أي كوناً هو الدال على أنا مجبولون على الخير {من الصالحين*} أي لكل خير نندب إليه {فلما آتاهم} وكرر قوله: {من فضله} تقريراً لما قاله المعاهد تأكيداً للإعلام بأنه لا حق عليه لأحد ولا صنع فيما ينعم به ولا قدرة عليه بوجه {بخلوا به} أي كذبوا فيما عاهدوا عليه وأكدوه غاية التأكيد، فلم يتصدقوا بل منعوا الحق الواجب إظهاره فضلاً عن صدقة السر {وتولوا} أي كلفوا أنفسهم الإعراض عن الطاعة لمن تفضل عليهم مع معرفتهم بقبح نقض العهد؛ ولما كان التولي قد يحمل على ما بالجسد فقط قال: {وهم معرضون*} أي بقلوبهم، والإعراض وصف لهم لازم لم يتجدد لهم، بل كان غريزة فيهم ونحن عالمون بها من حين أوقعوا العهد؛ قال أبو حيان: قال الضحاك: هم نبتل ابن الحارث وجد بن قيس ومعتب بن قشير وثعلبة بن حاطب وفيهم نزلت الآية - انتهى. وحسن تعقيبها بها أيضاً أن في الأولى كفران نعمة الغني من غير عهد، وفي هذه كفرانها مع العهد فهو ترق من الأدنى إلى الأعلى، ودل عظيم شأن العهد بتعظيم الجزاء على خيانته بقوله: {فأعقبهم} أي الله أو التمادي على البخل جزاء على ذلك {نفاقاً} متمكناً {في قلوبهم} أي بأن لا يزالوا يقولون ما لا يفعلون {إلى يوم يلقونه} أي بالموت عند فوت الفوت {بما أخلفوا الله} أي وهو الملك الأعظم {ما وعدوه} لأن الجزاء من جنس العمل؛ ولما كان إخلاف الوعد شديد القباحة، وكان مرتكبه غير متحاش من مطلق الكذب، قال: {وبما كانوا يكذبون*} أي يجددون الكذب دائماً مع الوعدد ومنفكاً عنه، فقد استكملوا النفاق: عاهدوا فغدروا ووعدوا فأخلفوا وحدثوا فكذبوا. ولما كانت المعاهدة سبباً للإغناء في الظاهر، وكان ذلك ربما كان مظنة لأن يتوهم من لا علم له أن ذلك لخفاء أمر البواطن عليه سبحانه، وكان الحكم هنا وارداً على القلب بالنفاق الذي هو أقبح الأخلاق مع عدم القدرة لصاحبه على التخلص منه، كان ذلك أدل دليل على أنه تعالى أعلم بما في كل قلب من صاحب ذلك القلب، فعقب ذلك بالإنكار على من لا يعلم ذلك والتوبيخ له والتقريع فقال: {ألم يعلموا أن الله} أي الذي له صفات الكمال {يعلم سرهم} وهو ما أخفته صدورهم {ونجواهم} أي ما فاوض فيه بعضهم بعضاً، لا يخفى عليه شيء منه {وأن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {علام الغيوب*} أي كلها، أي ألم يعلموا أنه تعالى لا يخادع لعلمه بالعواقب فيخشوا عاقبته فيوفوا بعهده، وفائدة الإعطاء مع علمه بالخيانة إقامة الحجة؛ قال أبو حيان: وقرأ علي وأبو عبد الرحمن والحسن {ألم تعلموا} بالتاء، وهو خطاب للمؤمنين على سبيل التقرير - انتهى. وفائدة الالتفات الإشارة إلى أن هذا العلم إنما ينفع من هيىء للإيمان. ولما أخبر تعالى أنه لم يكفهم كفران نعمة الغنى من غير معاهدة حتى ارتكبوا الكفران بمنع الواجب مع المعاهدة، أخبر أنه لم يكفهم أيضاً ذلك حتى تعدوه إلى عيب الكرماء الباذلين بصفة حبهم لربهم ما لم يوجبه عليهم، فقال تعالى معبراً بصيغة تصليح لجميع ما مضى من أقسامهم إفهاماً لأنهم كلهم كانوا متخلقين بذلك وإن لم يقله إلا بعضهم: {الذين يلمزون} أي يعيبون في خفاء {المطوعين} أي الذين ليس عليهم واجب في أموالهم فهم يتصدقون ويحبون إخفاء صدقاتهم - بما يشير إليه الإدغام {من المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان {في الصدقات} ولما كان ما مضى شاملاً للموسر والمعسر، نص على المعسر لزيادة فضله وإشارة إلى أن الحث على قليل الخير كالحث على كثيره فقال عاطفاً على {المطوعين}: {والذين لا يجدون} أي من المال {إلا جهدهم} أي طاقتهم التي أجهدوا أنفسهم فيها حتى بلغوها. ولما كان اللمز هو العيب، وهو ينظر إلى الخفاء كالغمز، ومادته بكل ترتيب تدور على اللزوم، والمعنى: يلزمون المطوعين عيباً ولا يظهرون ذلك لكل أحد وإنما يتخافتون به فيما بينهم، وهو يرجع إلى الهزء والسخرية، سبب عنه قوله: {فيسخرون منهم} ولما كان لا شيء أعظم للشخص من أن يتولى العظيم الانتقام له من ظالمه، قال: {سخر الله} أي وهو الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره {منهم} أي جازاهم على فعلهم بأهل حزبه، وزادهم قوله: {ولهم عذاب أليم*} أي بما كانوا يؤلمون القلوب من ذلك وإذا حوققوا عليه دفعوا عن أنفسهم ما يردعهم عنه بالأيمان الكاذبة، روى البخاري في التفسير عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلت {الذين يلمزون} - الآية. ولما كان صلى الله عليه وسلم معروفاً بكثرة الاحتمال وشدة اللين المشير إليه {عفا الله عنك لم أذنت لهم} للمبالغة في استجلابهم والحرص على نجاة جميع الخلق فكان معروفاً بالاستغفار لهم تارة على وجه الخصوص بسؤالهم عند اعتذارهم وحلفهم وتارة على وجه العموم عند استغفاره لجميع المسلمين، أخبره تعالى من عاقبة أمره بما يزهده فيهم ليعرض عنهم أصلاً ورأساً، لأنهم تجاوزوا حق الله في ترك الجهاد ومنع الصدقة وحقه صلى الله عليه وسلم في لمزه في الصدقات ووصفه بما يجل عنه إلى حقوق المجاهدين الذين هو سبحانه خليفتهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم مع ما سبق في علمه للمنافقين من أنه لا يغفر لهم فقال: {استغفر} أي اطلب الغفران {لهم أو لا تستغفر لهم} أي استوى في أمرهم استغفارك لهم وتركه {إن تستغفر} أي تسأل الغفران {لهم سبعين مرة} أي على سبيل الحقيقة أو المبالغة؛ ولما كان الإخبار باستواء الأمرين: الاستغفار وتركه ربما كان مسبباً عن الغفران وربما كان مسبباً عن الخسران، عينه في هذا الثاني فقال: {فلن يغفر الله} أي الذي قضى بشقائهم وهو الذي لا يرد أمره {لهم} وهو يحتمل أن يكون جواباً للأمر، وجواب الشرط محذوف لدلالته عليه، والمراد بالسبعين على ما ظهر في المآل المبالغة في أنه لا يغفر لهم لشيء من الأشياء ولو غفر لهم لشيء لكان لقبول شفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، والعرب تبالغ بما فيه لفظ السبعة لأنها غاية مستقصاة جامعه لأكثر أقسام العدد، وهي تتمة عدد الخلق كالسماوات والأرض والبحار والأقاليم والأعضاء. ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على رشدهم ونفعهم، وكان حقيقة نظم الآية التخيير في الاستغفار وتركه ونفي المغفرة بالاستغفار بالعدد المحصور في سبعين، جعل صلى الله عليه وسلم الآية مقيدة لما في سورة المنافقين فاستغفر لابن أبيّ وصلى عليه وقام على قبره وصرح بأنه لو يعلم انه لو زاد على السبعين قبل لزاد، واستعظم عمر رضي الله عنه ذلك منه صلى الله عليه وسلم وشرع يمسكه بثوبه ويقول: أتصلي عليه وقد نهاك الله عن ذلك! لأنه لم يفهم من الآية غير المجاز لما عنده من بغض المنافقين، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فرأى التمسك بالحقيقة لما في الرفق بالخليفة من جميل الطريقة بتحصيل الائتلاف الواقع للخلاف وغيره من الفوائد وجليل العوائد، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول لما نزل النهي الصريح: فعجبت بعد من جراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أي تفطنت بعد هذا الصريح أن ذلك الأول كان محتملاً وإلا لأنكر الله الصلاة عليه، وفي موافقة الله تعالى لعمر رضي الله عنه منقبة شريفة له، وقد وافقه الله تعالى مع هذا في أشياء كثيرة، روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما توفى عبد الله بن أبيّ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله رضي الله عنه - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله ان يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه؛ وفي رواية في اللباس، فأعطاه قميصه وقال: إذا فرغت فآذنا، فلما فرغ آذنه فجاء، وفي رواية: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! تصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما خيرني الله فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة} وسأزيده على السبعين؛ وفي رواية؛ لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها، قال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأنزل الله عز وجل {ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} إلى {وهم فاسقون} فترك الصلاة عليهم، قال: فعجيب بعد من جراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم: وله في أواخر الجهاد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما كان يوم بدر أتي بالأسارى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي صلى الله عليه وسلم قميصاً فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه، فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه، قال ابن عيينة: كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم يد فأحب أن يكافئه، وفي رواية عنه في اللباس أنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبيّ بعد ما أدخل قبره فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه - انتهى. فكأن ابنه رضي الله عنه استحى من أن يؤذن النبي صلى الله عليه وسلم به لما كان يعلم من نفاقه، أو آذنه صلى الله عليه وسلم به فصادف منه شغلاً فدفنه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إدخاله القبر وقبل تمام الدفن فأخرجه تطييباً لخاطر ابنه الرجل الصالح ودفعاً لما قد يتوهمه من إحنة عليه وتأليفاً لغيره، فقد روي أنه قال صلى الله عليه وسلم: إني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب، فأسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ففي بعض الروايات أنه هو الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفنه في قميصه، وتعطفه عليه، أدعى إلى تراحم المسلمين وتعاطف بعضهم على بعض، وقوله: وألبسه قميصه - بالواو لا ينافي الرواية الأولى، وتحمل الرواية الأولى على أنه وعده إعطاء القميص لمانع كان من التنجيز وقت السؤال، فحمل الجزم بالإعطاء على الوعد الصادق ثم أنجزه بعد إخراجه من القبر - والله أعلم؛ ووردت هذه الآية على طريق الجواب لمن كأنه قال: ما تقدم من أحوال المنافقين كان انتهاكاً لحرمة الله أو لحق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يرد فيه أنه يهينهم بالإماتة على النفاق، فكان يكفي فيه استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وأما هذان القسمان فأحدهما أخبر بأنه يميتهم منافقين، والثاني انتهك حرمة المخلصين من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فهل ينفعهم الاستغفار لهم؟ فكأنه قيل: استوى الاستغفار وعدمه في أنه لا ينفعهم، وختمها بعلة عدم المغفرة في قوله: {ذلك} أي الأمر الذي يبعد فعله من الحكيم الكريم {بأنهم كفروا بالله} أي وهو الملك الأعظم {ورسوله} أي فهم لا يستأهلون الغفران لأنهم لم يهتدوا لإصرارهم على الفسق وهو معنى قائم بهم في الزيادة على السبعين كما هو قائم بهم في الاقتصار على السبعين {والله} أي المحيط علماً وقدرة {لا يهدي القوم الفاسقين} أي أنه لا يهديهم لأنه جبلهم على الفسق، وكل من لا يهديه لأنه جلبه على الفسق لا يغفر له، فهو لا يغفر لهم لما علم منهم مما لا يعلمه غيره، فهو تمهيد لعذر النبي صلى الله عليه وسلم في استغفاره قبل العلم بالطبع الذي لا يمكن معه رجوع.
السيوطي
تفسير : أخرج الحسن بن سفيان وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والعسكري في الأمثال والطبراني وابن منده والباوردي وأبو نعيم في معرفة الصحابة وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال "حديث : جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا. قال: ويحك يا ثعلبة...! أما ترضى أن تكون مثلي؟ فلو شئت أن يسير ربي هذه الجبال معي لسارت. قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فوالذي بعثك بالحق إن آتاني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه. قال: ويحك يا ثعلبة...! قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيق شكره. فقال: يا رسول الله، ادع الله تعالى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ ارزقه مالاً. فاتَّجَرَ واشترى غنماً فبورك له فيها ونمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة فتنحى بها - فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشهدها بالليل، ثم نمت كما ينمو الدود فتنحى بها، فكان لا يشهد الصلاة بالنهار ولا بالليل إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نمت كما ينمو الدود فضاق به مكانه فتنحى به، فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الأخبار. وفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه؟ فأخبروه أنه اشترى غنماً، وأن المدينة ضاقت به وأخبروه بخبره. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويح ثعلبة بن حاطب...! ثم إن الله تعالى أمر رسوله أن يأخذ الصدقات، وأنزل الله تعالى {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] الآية. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين، رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سلمة يأخذان الصدقات، فكتب لهما اسنان الابل والغنم كيف يأخذانها على وجهها، وأمرهما أن يمرا على ثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سليم، فخرجا فمرا بثعلبة فسألاه الصدقة. فقال: ارياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية، انطلقا حتى تفرغا ثم مرا بي. قال: فانطلقا وسمع بهما السليمي فاستقبلهما بخيار إبله فقالا: إنما عليك دون هذا. فقال: ما كنت أتقرب إلى الله إلا بخير مالي! فقبلاه، فلما فرغا مرا بثعلبة فقال: أرياني كتابكما. فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية. انطلقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى قدما المدينة، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلمهما: ويح ثعلبة بن حاطب. ودعا للسليمي بالبركة، وأنزل الله {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} الثلاث آيات. قال: فسمع بعض من أقارب ثعلبة فأتى ثعلبة فقال: ويحك يا ثعلبة...! أنزل الله فيك كذا وكذا. قال: فقدم ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه صدقة مالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قد منعني أن أقبل منك قال: فجعل يبكي ويحثي التراب على رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك بنفسك أمرتك فلم تطعني، فلم يقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى. ثم أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر اقبل مني صدقتي، فقد عرفت منزلتي من الأنصار. فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلها؟! فلم يقبلها أبو بكر، ثم ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل مني صدقتي. وتوسل إليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر أقبلها أنا؟! فأبى أن يقبلها، ثم ولي عثمان فهلك في خلافة عثمان، وفيه نزلت {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} [التوبة : 79] قال: وذلك في الصدقة ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} وذلك أن رجلاً كان يقال له ثعلبة من الأنصار، أتى مجلساً فاشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه وتصدقت منه وجعلت منه للقرابة. فابتلاه الله فأتاه من فضله. فخلف ما وعده، فأغضب الله بما أخلفه ما وعده نقص الله شأنه في القرآن. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: اعتبروا المنافق بثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وذلك بأن الله تعالى يقول {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمر قال: ثلاث من كن فيه فهو منافق. إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. وتلا هذه الآية {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} إلى آخر الآية. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : آية المنافق ثلاث. إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ والخرائطي في مكارم الأخلاق عن محمد بن كعب القرظي قال: سمعت بالثلاث التي تذكر في المنافق. إذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، فالتمستها في الكتاب زماناً طويلاً حتى سقطت عليها بعد حين، وجدنا الله تعالى يذكر فيه {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} إلى قوله {وبما كانوا يكذبون} و {أية : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض} تفسير : [الأحزاب: 72] إلى آخر الآية {أية : إذا جاءك المنافقون} تفسير : [المنافقون: 1] إلى قوله {أية : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} تفسير : [المنافقون: 1]. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رجلاً من الأنصار هو الذي قال هذا، فمات ابن عم له فورث منه مالاً فبخل به ولم يف الله بما عاهد عليه، فأعقبه بذلك نفاقاً إلى أن يلقاه قال: ذلك {بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} . وأخرج أبو الشيخ عن أبي قلابة قال: مثل أصحاب الأهواء مثل المنافقين كلامهم شتى وجماع أمرهم النفاق، ثم تلا {ومنهم من عاهد الله} {أية : ومنهم من يلمزك} تفسير : [التوبة: 58] {أية : ومنهم الذين يؤذون النبي} تفسير : [التوبة: 61]. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله {بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} قال: "اجتنبوا الكذب فإنه باب من النفاق، وعليكم بالصدق فإنه باب من الإِيمان، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدث "حديث : أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاء بالتوراة لبني إسرائيل قالت بنو إسرائيل: إن التوراة كثيرة، وانا لا نفرغ لها فسل لنا جماعاً من الأمر نحافظ عليه ونتفرغ لمعايشنا. قال: مهلاً مهلاً أي قوم، هذا كتاب الله وبيان الله ونور الله وعصمة الله. فردوا عليه مثل مقالتهم، فعل ذلك ثلاث مرات فقال الرب تبارك وتعالى: فإني آمرهم إن هم حافظوا عليهن دخلوا الجنة بهن: أن يتناهوا إلى قسمة مواريثهم ولا يتظالموا فيها، وأن لا يدخلوا أبصارهم البيوت حتى يؤذن لهم، وأن لا يطعموا طعاماً حتى يتوضأوا كوضوء الصلاة. فرجع موسى عليه السلام إلى قومه بهن ففرحوا، ورأوا أن سيقومون بهن، فوالله إن لبث القوم إلا قليلاً حتى جنحوا فانقطع بهم فلما حدث نبي الله صلى الله عليه وسلم هذا عن بني إسرائيل قال: تكفلوا لي بست أتكفل لكم بالجنة. إذا حدثتم فلا تكذبوا، وإذا وعدتم فلا تخلفوا، وإذا ائتمنتم فلا تخونوا، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، وفروجكم تفسير : . قال قتادة: شداد والله إلا من عصم الله".
ابو السعود
تفسير : {وَمِنْهُمُ} بـيانٌ لقبائح بعضٍ آخرَ منهم {مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} لنؤتين الزكاةَ وغيرَها من الصدقات {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: يريد الحج وقرىء بالنون الخفيفة فيهما. قيل: نزلت في ثعلبةَ بنِ حاطب أتى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ادعُ الله أن يرزُقَني مالاً فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : يا ثعلبةُ قليلٌ تؤدّي حقه خيرٌ من كثير لا تطيقه» تفسير : فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حق حقَّه فدعا له فاتخذ غنماً فنمت كما ينمي الدودُ حتى ضاقت بها المدينةُ فنزل وادياً وانقطع عن الجماعة والجمعة فسأل عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقيل: كثرَ مالُه حتى لا يسعُه وادٍ فقال: «يا ويحَ ثعلبةَ» فبعث مصدِّقين لأخذ الصدقات فاستقبلها الناسُ بصدقاتهم ومرا بثعلبةَ فسألاه الصدقة وأقرآه كتابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه الفرائضُ فقال: ما هذه إلا أختُ الجزية وقال: ارجعا حتى أرى رأيـي وذلك قوله عز وجل: {فَلَمَّا ءاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ} أي منعوا حق الله منه {وَتَوَلَّواْ} أي أعرضوا عن طاعة الله سبحانه فلما رجعا قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلماه: «يا ويحَ ثعلبةَ» مرتين فنزلت فجاء ثعلبةُ بالصدقة فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله منعني أن أقبل منك» فجعل يحثو التراب على رأسه فقال عليه الصلاة والسلام: «هذا عملُك قد أمرتك فلم تُطعني» فقُبض عليه الصلاة والسلام فجاء بها إلى أبـي بكر رضى الله عنه فلم يقبلها وجاء بها إلى عمرَ رضي الله عنه في خلافته فلم يقبلها وهلك في خلافة عثمانَ رضي الله عنه وقيل: نزلت فيه وفي سهل بن الحارثِ وجَدِّ بنِ قيس ومعتب بن قُشير والأول هو الأشهرُ {وَهُم مُّعْرِضُونَ} جملة معترضة أي وهم قوم عادتُهم الإعراضُ أو حالية أي تولوا بإجرامهم وهم معرضون بقلوبهم. {فَأَعْقَبَهُمْ} أي جعل الله عاقبةَ فعلِهم ذلك {نِفَاقاً} راسخاً {فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} إلى يوم موتِهم الذي يلقون الله تعالى عنده أو يلقَون فيه جزاءَ عملِهم وهو يومُ القيامة وقيل: فأورثهم البخلَ نفاقاً متمكناً في قلوبهم ولا يلائمه قوله عز وجل: {بِمَا أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ} أي بسبب إخلافِهم ما وعده تعالى من التصدق والسلاح {وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} أي وبكونهم مستمرِّين على الكذب في جميع المقالاتِ التي من جملتها وعدُهم المذكورُ، وتخصيصُ الكذبِ به يؤدّي إلى تخلية الجمعِ بـين صيغتي الماضي والمستقبلِ عن المزية فإن تسببَ الإعقابِ المذكورِ بالإخلاف والكذب يقضي بإسناده إلى الله عز وجل إذ لا معنى لكونهما سببـين لإعقاب البخلِ للنفاق، والتحقيقُ أنه لما كانت الفاءُ الدالةُ على الترتيب والتفريعِ منبئةً عن ترتب إعقابِ النفاقِ المخلّدِ على أفعالهم المحكيةِ عنهم من المعاهدة بالتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض ـ وفيها ما لا دخل له في الترتيب المذكور كالمعاهدة ـ أزيح ما في ذلك من الإبهام بتعيـين ما هو المدارُ في ذلك والله تعالى أعلم وقرىء بتشديد الذال.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} [الآية: 75]. قال: سمعت النصرآباذى يقول فى هذه الآية: الفضل رؤية الإحسان راءٍ من أنفسهم إحسانًا لم يعلموه بعد، وصدقة لم يتصدقوا بها وصححوا لأنفسهم أفعالاً بقوله: لنصدقن، فنقضوا العهد لما أظفرهم بما سألوه، فتولدهم من ذلك البخل الذى قال النبى صلى الله عليه وسلم " حديث : أى داء أدوى من البخل " تفسير : والتوانى عن سبيل الرشد، والإعراض عن مناهج الحق. وقال: البخل يتولد منه أنواع الأدواء فبخل تستعمله فى نفسك مع نفسك وبخل تستعمله مع بنى جنسك. وبخل تستعمله فى التحية، قال النبى صلى الله عليه وسلم: " حديث : البخيل من ذكرت عنده ولم يُصل علىّ صلى الله عليه وسلم " تفسير : . وقال: " حديث : أبخل الناس من بخل بالسلام ".
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ}. منهم مَنْ أَكَّدَ العَقْدَ مع الله، ثم نَقَضَه، فَلَحِقَه شُؤْمُ ذلك؛ فَبقِي خالداً في نِفاقِه. ويقال تطلَّبَ إحسانَ ربِّه، وتقرَّبَ إليه بإبرام عهده فلمَّا حقَّق اللهُ مسؤولَه واستجاب مأموله، فَسخَ ما أبرمه، وانسلخ عما التزمه، واستولى عليه البُخْلُ، فَضَنَّ بإخراج حقه، فَلَحِقَه شؤمُ نِفاقِه، بأنَ بَقِيَ إلى الأبد في أَسْرِه. وحدُّ البخل - على لسان العلم - مَنْعُ الواجب. وبُخْلِ كلِّ أحدٍ على ما يليق بحاله، وكلُّ مَنْ آثر شيئاً من دون رضاء ربِّه فقد اتصف ببخله، فَمَنْ يَبْخَلْ بماله تَزلْ عنه البركةُ حتى يؤول إلى وارثٍ أو يزول بحارث. ومَنْ يبخلْ بنَفْسِه ويتقاعس عن طاعته تفارقه الصحةُ حتى لا يستمتع بحيائه. والذي يبخل بروحِه عنه يُعاقَبُ بالخذلان حتى تكون حياتُه سبباً لشقائه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومنهم} اى من المنافقين {من عاهد الله} المعاهدة المعاقدة واليمين {لئن آتينا} اى الله تعالى {من فضله} [از فضل خود مالى] {لنصدقن} اى لنؤتين الزكاة وغيرها من الصدقات واصله لنتصدقن ادغمت التاء فى الصاد والمتصدق معطى الصدقة وسميت صدقة لدلالتها على صدق العبد فى العبودية {ولنكونن من الصالحين} قال ابن عباس رضى الله عنهما يريد الحج نزلتحديث : فى ثعلبة بن حاطب الانصارى كان ملازما لمسجد رسول الله ليلا ونهارا وكان يلقب لذلك حمامة المسجد وكانت جبهته كركبة البعير من كثرة السجود على الارض والحجارة المحماة بالشمس ثم جعل يخرج من المسجد كلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفجر بالجماعة من غير لبث واشتغال بالدعاء فقال له عليه السلام يوما "مالك صرت تعمل عمل المنافقين بتعجيل الخروج" فقال يا رسول الله انى فى غاية الفقر بحيث لى ولامرأتى ثوب واحد وهو الذى على وانا اصلى فيه وهى عريانة فى البيت ثم اعود اليها فانزعه وهى تلبسه فتصلى فيه فادع الله ان يرزقنى مالا فقال عليه السلام "ويحك يا ثعلبة" (وهى كلمة عذاب وقيل كلمة شفقة) "قليل تؤدى شكره خير من كثير لا تطيقه" فراجعه فقال عليه السلام "اما ترضى ان تكون مثل نبى الله فوالذى نفسى بيده لو شئت ان تسير معى الجبال ذهبا وفضة لسارت" واشار الى علم الكيمياء "ولكن اعرف ان الدنيا حظ من لا حظ له وبها يغتر من لا عقل له" فراجعه وقال يا رسول الله والذى بعثك بالحق نبيا لو دعوت الله ان يرزقنى مالا لاؤدين كل ذى حق حقه فقال عليه السلام "اللهم ارزق ثعلبة مالا" ثلاث مرات فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت بها ازقة المدينة فنزل واديا حتى فاتته الجماعة لا يصلى بالجماعة الا الظهر والعصر ثم نمت وكثرت فتنحى مكانا بعيد حتى انقطع عن الجماعة والجمعة فسأل عنه رسول الله فقيل كثر ماله حتى لا يسعه وادٍ اى وادٍ واحد بل يسعه اودية وصحارى فخرج بعيدا فقال عليه السلام "يا ويح ثعلبة" فلما نزل قوله تعالى {خذ من اموالهم صدقة} [التوبة: 103] استعمل النبى عليه السلام رجلين على الصدقات رجلا من الانصار ورجلا من بنى سليم وكتب لها الصدقة واسنانها وامرهما ان يأخذاها من الناس فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسألاه الصدقة واقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الفرائض فقال ما هذه الا جزية ما هذه اخت الجزية وقال ارجعا حتى أرى رأيى وذلك قوله تعالى {فلما آتيهم} الله تعالى المال {من فضله} وكرمه {بخلوا به} اى منعوا حق الله منه {وتولوا} اى اعرضوا عن طاعة الله والعهد معه {وهم معرضون} وهو قوم عادتهم الاعراض فلما رجعا قال لهما رسول الله قبل ان يكلماه "يا ويح ثعلبة" مرتين فنزلت فركب عمر رضى الله عنه راحلته ومضى الى ثعلبة وقال ويحك يا ثعلبة هلكت قد انزل الله فيك كذا وكذا فجاء ثعلبة بالصدقة فقال عليه السلام "ان الله منعنى ان اقبل منك" فجعل يحثو التراب على رأسه لا لانه تاب عن النفاق بل للحوق العار من عدم قبول زكاته مع المسلمين فقال عليه السلام "هذا" (اى عدم قبول صدقتك) "عملك" اى جزاء عملك اراد قوله هذه جزية امرتك فلم تطعنى فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها الى ابى بكر رضى الله عنه فلم يقبلها ثم جاء بها الى عمر رضى الله عنه فى خلافته فلم يقبلها وهلك فى خلافة عثمان رضى الله عنه. قال الحدادى لم يقبل منه عثمان تفسير : صدقته انتهى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ومنهم من عاهد الله} قال: {لئن آتانا من فضله لنصدِّقنّ ولنكونَنَّ من الصالحين}، وهو ثعلبة بن حاطب، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ادعُ الله يرزقني مالاً. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا ثعلبة، قليلٌ تُؤدي شُكرَهُ خيرٌ من كثير لا تُطيقه،تفسير : فراجعه، وقال: والذي بعثك بالحق، لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فدعا له، فاتخذ غنماً، فَنَمت كما تنمو الدود، حتى ضاقت بها المدينة، فنزل وادياً، وانقطع عن الجماعة والجمعة، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: كثر ماله حتى لا يسعه وادٍ، فقال: "حديث : يا ويح ثعلبة".تفسير : فبعث له مُصدقين لأخذ الصدقات؛ فاستقبلهما الناس بصدقاتهم، ومروا بثعلبة فسألاه الصدقة، وأقرآه الكتابَ الذي فيه الفرائض، فقال: ما هذه صدقة، ما هذه إلا أخت الجزية، فارجعا حتى أرى رأيي، فنزلت فيه الآية، فجاء ثلعلبة بالصدقة، فقال: إن الله منعني أن أقبل منك، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذا منك؛ فقد أمرتُك فلم تطعني"تفسير : . فقُبض الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاء بها إلى أبي بكر، فلم يقبلها، ثم جاء بها إلى عمر في خلافته، فلم يقبلها منه، وهلك في زمن عثمان، بعد أن لم يقبلها منه. وهذا معنى قوله: {فلما آتاهم من فضله بخلوا به} أي: منعوا حق الله منعه، {وتولوا} عن طاعة الله {وهم مُعرضون} أي: وهم قوم عادتهم الإعراض عنها، {فأعقَبهم} أي: فأردفهم {نفاقاً في قلوبهم}؛ عقوبة على العصيان بما هو أشد منه، أو فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقاً متمكناً في قلوبهم وسوء اعتقاد. قال البيضاوي: ويجوز أن يكون الضمير للبخل، والمعنى: فأورثهم البخلُ نفاقاً متمكناً في قلوبهم {إلى يوم يَلْقونه}، أي: يلقون الله بالموت، والمراد: يلقون جزاءه أو عقابه. وذلك {بما أخَلَفوا اللَّه ما وعدوه} أي: بسبب إخلافهم ما وعده من التصدق والصلاح، {وبما كانوا يكذبُون} أي: وبكونهم كاذبين فيه؛ فإن خلف الوعد متضمن للكذب، مستقبح من الوجهين. {ألم يعلموا} أي: المنافقون، أو من عاهد الله، {أن الله يعلمُ سِرهُمْ} أي: ما أسروا في أنفسهم من النفاق، {ونجواهم}؛ ما يتناجون فيه، فيما بينهم، من المطاعن وتسمية الزكاة جزية، {وأنَّ الله علامُ الغيوب}؛ فلا يخفى عليه شيء من ذلك، والله تعالى أعلم. الإشارة: في الحِكَم العطائية: "من تمام النعمة عليك: أن يرزقك ما يكفيك، ويمنعك ما يطغيك". وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : خير الرِّزقِ ما يَكفي، وخَيرُ الذِّكرِ الخَفيُّ".تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما طَلَعت شمسٌ إلا وَبِجَنْبيها ملكان يُناديَان، يُسمعان الخَلائِقَ: أيُّها النَّاس، هلمُّوا إلى ربَّكم، ما قَلَّ وكَفى خَيرٌ مما كَثرَ وألهى".تفسير : وقال بعض العارفين: كل من لا يعرف قدر ما زوي عنه في الدنيا، ابتلى بأحد وجهين: إما بحرص مع فقر يتقطع به حسرات، أو رغبة في غنى تنسيه شكر ما أنعم به عليه. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لَيْسَ الغِنى بكَثرةِ العَرَض، إنما الغِنى غِنى النَّفسِ".تفسير : وغنى النفس عن الدنيا: شرف الأولياء المختارين، وعز أهل التقوى المؤمنين المحسنين. ولقد صدق قول الشاعر: شعر : غِنَى النَّفسِ ما يُغنِيكَ عنْ سَد خُلَّةٍ فإن زِدتَ شَيئاً عَادَ ذَلك الغِنى فَقْرا تفسير : وقد قيل: من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أعمى الله عيني قلبه. وقالت الجارية المجنونة لعبد الواحد بن زيد: يا عبد الواحد، اعلم أن العبد إذا كان في كفاية، ثم مال إلى الدنيا، سلبه الله حلاوة الزهد، فيظل حيراناً والِهاً، فإن كان له عند الله تعالى نصيب، عاتبه وحياً في سره، فقال: عبدي؛ أردتُ أن أرفع قدرك عند ملائكتي وحملة عرشي، وإجعلك دليلاً لأوليائي وأهل طاعتي في أرضي، فملت إلى عرض من أعراض الدنيا وتركتني؛ فورثتك بذلك الوحشة بعد الأنس، والذل بعد العز، والفقر بعد الغنى، عبدي؛ ارجع إلى ما كنت عليه، أرجعْ بك إلى ما كنت تعرفه. هـ. وقد تقدمت الحكاية. وفي بعض الكتب: إن أهون ما أصنع بالعالِمِ، إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتي. هـ. ثم ذم المنافقين بعيب آخر، فقال: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى أن من جملة المنافقين الذين تقدم ذكرهم {من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} أي منه {ولنكونن من الصالحين} بانفاقه في طاعة الله وصلة الرحم والمواساة وأن يعمل الاعمال الصالحة التي يكون بها صالحاً. وقيل: نزلت الآية في بلتعة بن حاطب كان محتاجاً فنذر لئن استغنى ليصدقن فأصاب اثني عشر الف درهم، فلم يتصدق، ولم يكن من الصالحين. هكذا قال الواقدي. وقال ابن اسحاق: هما بلتعة ومقنب بن قشير. وقيل: سبب ذلك أنه قتل مولى له فأخذ ديته اثني عشر ألف درهم: أعطاه النبي صلى الله عليه وآله. فإن قيل: كيف يصح أن يعاهد الله من لا يعرفه؟ قلنا: إذا وصفه بأخص صفاته جاز منه أن يصرف عهده اليه وإن جاز أن يكون غير عارف وقال الجبائي: كانوا عارفين، وانما كفروا بالنبي صلى الله عليه وآله. والمعاهدة هي أن يقول علي عهد الله لأفعلن كذا، فانه يكون قد عقد على نفسه وجوب ما ذكره، لأن الله تعالى حكم بذلك وقدر وجوبه عليه في الشرع. والآية دالة على وجوب الوفاء بالعهد. واللام الاولى من قوله {لئن آتانا من فضله} والثانية من قوله {لنصدقن} جميعهما لام القسم غير أن الأولى وقعت موقع الجواب، والتقدير علينا عهد الله لنصدقن إن آتانا من فضله. ولا يجوز أن تكون اللام الأولى لام الابتداء، لأن لام الابتداء لا تدخل إلا على الاسم المبتدأ، لأنها تقطع ما قبلها أن يعمل فيما بعدها إلا في باب (إنّ) فانها زحلقت إلى الخبر لئلا يجتمع تأكيدان، ويجوز ان يقول: ان رزقني الله مالا صلحت بفعل الصلاة والصوم لأن ذلك واجب عليه آتاه مالا أولم يؤته.
الجنابذي
تفسير : { وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ...} نزولها فى "حديث : ثعلبة بن حاطب من اصحاب رسول الله (ص) كان محتاجاً وسأل رسول الله (ص) ان يغنيه الله فقال له: يا ثعلبة قليل تؤدّى شكره خير من كثير لا تطيقه فقال: والّذي بعثك بالحقّ لئن رزقنى لاعطينّ كلّ ذى حقّ حقّه، فدعا له فاتّخذ غنماً وكثر غنمه حتّى ضاقت بها المدنية فنزل وادياً وانقطع عن الجمعة والجماعة وخدمة الرّسول (ص)، فبعث رسول الله (ص) المصدّق فأبى عن الصدقة وبخل"تفسير : ، لكنّها جارية فى كلّ من كان مثله وهم اكثر اهل الارض.
الأعقم
تفسير : {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} "حديث : الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: "يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه"، فراجعه فقال: والذي بعثك بالحق نبياً لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له فاتخذ غنماً فنمت كما ينمى الدود وضاقت بها المدينة ونزل وادياً حتى انقطع عن الجمعة والجماعة، فسأل عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقيل: كثر ماله حتى لا يسعه وادي فقال: "ويح ثعلبة" وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مصدقين لأخذ الصدقة، فاستقبلهما الناس بصدقاتهم، ومرَّا بثعلبة وسألاه الزكاة وأقرآه كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي فيه الفرائض: فقال ما هذه إلاَّ جزية ما هذه إلا أخت الجزية، وبخل بالصدقة، فلما رجعا قال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن يكلماه: "يا ويح ثعلبة" مرتين فنزلت فجاء ثعلبة بالصدقة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن الله منعني أن أقبل منك" فجعل التراب على رأسه فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني" ثم قبض (صلى الله عليه وآله وسلم) وما قبل من ثعلبة وجاء بها إلى أبي بكر ولم يقبلها، وقبض أبو بكر وجاء بها إلى عمر في خلافته فلم يقبلها، وهلك في زمن عثمان"تفسير : ، وقوله تعالى: {فأعقبهم نفاقاً} أي فأعقبهم البخل بالصدقة نفاقاً متمكناً {في قلوبهم} لأنه كان سبباً فيه وداعياً إليه والظاهر أن الضمير لله عز وجل، والمعنى فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم لسبب اخلافهم ما وعدوا الله من التصدق والصلاح {ألم يعلموا} هذا استفهام، والمراد به التقرير أي قد علموا {أن الله يعلم سرهم} أي ما يسر بعضهم بعضاً أو ما يخفي أحدهم {ونجواهم} ما يتناجون به من الطعن في الاسلام.
الهواري
تفسير : قوله: { وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ ءَاتَٰنَا مِن فَضْلِهِ} فأوسع علينا من الرزق { لَنَصَّدَّقَنَّ} يعني الصدقة {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي: ممن يطيع الله ورسوله. قال هذا المنافقون. قال الله: { فَلَمَّا ءَاتَٰهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ} عن الإِنفاق في سبيل الله وعن الصدقة ومنعوا حق الله. { وَتَوَلَّوا} أي عن الصلاح والطاعة { وَّهُم مُّعْرِضُونَ} أي عن أمر الله. { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ} لا يتوبون منه { إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} قال الحسن: ثلاث من المنافق: إذا وعد أخلف، وإذا حدَّث كذب، وإذا اؤتمن خان. ذكروا عن الحسن قال: هؤلاء المنافقون؛ ائتمنهم الله فخانوه، أي: لم يكملوا بما كانوا أقروا الله من القول والعمل. أي: قالوا ولم يفعلوا، ووعدوه فأخلفوه حين قالوا: {لَئِنْ ءَاتَٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ}. أي المؤمنين المستكملين للقول والعمل.
اطفيش
تفسير : {ومنْهُم من عَاهَد اللهَ} أعطى له عهدا وهو بمنزلة حلف لله فقوله: {لنصدقن} جوابه وجواب إن محذوف، وهذه اللام للتأكيد والأولى تمهيد للجواب، أو يقدر قسم مفسرا لهذا العهد واللام الأولى مؤذنة. {لئن آتانا مِنْ فَضْله لنصَّدقَنَّ} نخرج الصدقة الواجبة والنافلة، ونصل الرحم، ونعمل فيه بالبر، وقيل: أراد الصدقة الواجبة فقط {ولنَكوننَّ} وقرىء بإسكان النونين فى الموضعين، وقرأ الأعمش بإسكانها فى الثانى فقط {مِنَ الصَّالحِينَ} فى سائر الأعمال، وقيل: فى حق المال فرضا ونفلا، وعن ابن عباس أراد بالصلاح الحج، ولعله أراد التمثيل لسائر أعمال الطاعة، قالت فرقة: كان ذلك العهد شيئا نووه فى قلوبهم، لم يتكلموا به أو المشهور خلافه. عن ابن عباس: نزلت فى ثعلبة بن حاطب الأنصارى، أتى مجلسا للأنصار فقال: لئن أتانا من فضله أخرجت الحقوق، وتصدقت، ووصلت، فورث ابن عمه ولم يف بما وعد، وقال الحسن، ومجاهد: فيه وفى معتب بن قشير، وهما من بنى عمرو بن عوف، نذرا لئن رزقنا لنصدق فرزقها وبخلا، وقيل: فى حاطب بن أبى بلتعة أبطأ ماله بالشام، فحلف لئن تفضل الله به إليه ليصدقن، ولما آتاه بخل. "حديث : والمشهور أنها فى ثعلبة، وأنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ادع الله أن يوتينى مالا، فقال صلى الله عليه وسلم: "يا ثعلبة قليلا تؤدى شكره خيره من كثير لا تطيقه" ثم أتاه بعد ذلك فعاوده ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: "ويحك أما لك فى رسول الله أسوة حسنة، والذى نفسى بيده لو أردت أن تسير معى الجبال ذهبا وفضة لسارت" ثم أتاه فعاود وحلف بالذى بعثه بالحق: لئن رزقنى لأعطين كل ذى حق حقه، فقال: "اللهم ارزق ثعلبة مالا" فنمت كما ينمى الدود، فضاقت المدينة بها، فنزل واديا من أوديتها، وكان ما يصلى مع رسول الله إلا الظهر والعصر، ثم ضاق الوادى فتباعد حتى لا يشهد إلا الجمعة، ثم تباعد لفرط نموّها حتى لا يشهدها، وكان يخرج يوم الجمعة يتلقى الأخبار. وذكره يوما صلى الله عليه وسلم قال: "ما فعل ثعلبة؟" فقيل له: إن له غنما لا يسعها واد، فقال صلى الله عليه وسلم: "يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة" فنزلت آية الصدقة، فبعث رجلا من سليم ورجلان من جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة، وكيف يأخذان، وأمرهما أن يمرا على ثعلبة ورجل من بنى سليم، فيأخذا صدقاتهما، فسألا ثعلبة الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انطلقا حتى تفرغا، ثم عودا إلىَّ وسمع بهم السليمى فاستقبلهما بخيار إبله، فقالا: أما هذا عليك فقال: طابت بذلك نفسى، ولما فرغا عادا إلى ثعلبة فقال: أرونى كتابكما فقرأه فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ارجعا حتى أرى رأيى، ولما رآهما صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يتكلما: "يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة" ثم دعا للسليمى بخير، فأخبراه بما قال ثعلبة فنزلت الآية فيه، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم قريب له، فخرج إليه وقال له: لقد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة بصدقته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "منعنى الله أن أقبلها منك" فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له: "هذا عملك قد أمرتك فلم تطعنى" فرجع فجاء فى خلافة أبى بكر فلم يقبلها، ثم فى خلافة عمر فلم يقبلها، ثم فى خلافة عثمان فلم يقبلها، وفيها مات لم يقبلها الله مجازة على خلف الوعد، وإهانة على قوله: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية ". تفسير : وليعتبر غيره فيعطيها بطيب نفس احتسابا للثواب وخوفا من العقاب.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْهُمْ} من المنافقين {مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} مالا واسعا (لَنَصَّدَّقَنَّ) لنتصدقن منه على الفقراءِ، وفى وجوه، أُبدلت التاء صادا فأُدغمت الصاد فى الصاد {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} نعمل أَعمال أَهل الصلاح من صلة الرحم وإِيتاءِ الزكاة والإِنفاق فى الجهاد وسائرِ أَنواع الأَجر والاشتغال بالعبادة، ومقتضى الظاهر آتانى من فضله لأَصدقن ولأَكونن، وكذا بإِفراد ضمائِر الغيبة بعد، ولعل الجمع لأَن له من رضى فعل ورغب فيه.
الالوسي
تفسير : بيان لقبائح بعض آخر من المنافقين، والآية نزلت في ثعلب بن حاطب ويقال له ابن أبـي حاطب وهو من بني أمية بن زيد، وليس هو البدري لأنه قد استشهد بأحد رضي الله تعالى عنه. أخرج الطبراني والبيهقي في «الدلائل» وابن المنذر وغيرهم عن أبـي أمامة الباهلي قال: حديث : جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يرزقني مالاً. فقال عليه الصلاة والسلام: ويحك يا ثعلبة أما تحب أن تكون مثلي فلو شئت أن يسير الله تعالى ربـي هذه الجبال معي ذهباً لسارت. قال: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يرزقني مالاً فوالذي بعثك بالحق أن آتاني الله سبحانه مالاً لأعطين كل ذي حق حقهُ، فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيقه. قال: يا رسول الله ادع الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أرزقه مالاً فاتخذ غنماً فبورك له فيها ونمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة فتنحى بها فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشهدها بالليل ثم نمت كما ينمو الدود فضاق به مكانه فتنحى بها فكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نمت كما ينمو الدود فضاق به مكانه فتنحى بها فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الأخبار وفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه فأخبروه أنه اشترى غنماً وأن المدينة ضاقت به. فقال عليه الصلاة والسلام: ويح ثعلبة بن حاطب ويح ثعلبة بن حاطب ثم إن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الصدقات وأنزل {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ} [التوبة: 103] الآية فبعث رجلين رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سلمة يأخذان الصدقات وكتب لهما أسنان الإبل والغنم ويكف يأخذانها وأمرهما أن يمرا على ثعلبة ورجل من بني سليم فخرجا فمرا بثعلبة فسألاه الصدقة فقال: أرياني كتابكما؟ فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية انطلقا حتى تفرغا ثم مرَّا بـي فانطلقا وسمع بهما السليمي فاستقبلهما بخيار إبله فقالا: إنما عليك دون هذا فقال: ما كنت أتقرب إلى الله تعالى إلا بخير مالي فقبلا فلما فرغا مرا بثعلبة فقال: أرياني كتابكما؟ فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية انطلقا حتى أرى رأيـي فانطلقا حتى قدما المدينة فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلمهما: ويح ثعلبة بن حاطب ودعا للسليمي بالبركة وأنزل الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ} الآيات الثلاث فسمع بعض من أقاربه فأتاه فقال: ويحك يا ثعلبة أنزل فيك كذا وكذا فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه صدقة مالي. فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله قد منعني أن أقبل منك فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك بنفسك أمرتك فلم تطعني فلم يقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى، ثم أتى أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقال: يا أبا بكر أقبل مني صدقتي فقد عرفت منزلتي من الأنصار. فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلها؟ فلم يقبلها أبو بكر، ثم ولى عمر / رضي الله تعالى عنه فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل مني صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر أقبلها أنا؟ فأبى أن يقبلها، ثم ولي عثمان رضي الله تعالى عنه فلم يقبلها منه وهلك في خلافتهتفسير : . وفي بعض الروايات أن ثعلبة هذا كان قبل ذلك ملازماً لمسجد النبـي صلى الله عليه وسلم حتى لقب حمامة المسجد ثم رآه النبـي صلى الله عليه وسلم يسرع الخروج منه عقيب الصلاة فقال عليه الصلاة والسلام له: مالك تعمل عمل المنافقين؟ فقال: إني افتقرت ولي ولامرأتي ثوب واحد أجيء به للصلاة ثم أذهب فأنزعه لتلبسه وتصلي به فادع الله تعالى أن يوسع عليَّ رزقي إلى آخر ما في الخبر. والظاهر أن منع الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام عن القبول منه كان بوحي منه تعالى له بأنه منافق والصدقة لا تؤخذ منهم وإن لم يقتلوا لعدم الإظهار، وحثوه للتراب ليس للتوبة من نفاقه بل للعار من عدم قبول زكاته مع المسلمين. ومعنى هذا عملك هذا جزاء عملك وما قلته، وقيل: المراد بعمله طلبه زيادة رزقه وهذا إشارة إلى المنع أي هو عاقبة عملك، وقيل: المراد بالعمل عدم إعطائه للمصدقين. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ثعلبة أتى مجلساً من مجالس الأنصار فأشهدهم لئن آتاني الله تعالى من فضله تصدقت منه وآتيت كل ذي حق حقه فمات ابن عم له فورث منه مالاً فلم يف بما عاهد الله تعالى عليه فأنزل الله تعالى فيه هذه الآيات. وقال الحسن: إنها نزلت في ثعلبة ومعتب بن قشير خارجا على ملأ قعود فحلفا بالله تعالى لئن آتانا من فضله لنصدقن فلما آتاهما بخلا. وقال السائب: إن حاطب بن أبـي بلتعة كان له مال بالشام فأبطأ عليه فجهد لذلك جهداً شديداً فحلف بالله لئن أتانا الله من فضله ـ يعني ذلك المال ـ لأصدقن ولأصلن فلما آتاه ذلك لم يف بما عاهد الله تعالى عليه وحكي ذلك عن الكلبـي، والأول أشهر وهو الصحيح في سبب النزول، والمراد بالتصدق قيل: إعطاء الزكاة الواجبة وما بعده إشارة إلى فعل سائر أعمال البر من صلة الأرحام ونحوها. وقيل: المراد بالتصدق إعطاء الزكاة وغيرها من الصدقات وما بعده إشارة إلى الحج على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو إلى ما يعمه والنفقة في الغزو كما قيل. وقرىء {لنصدقن ولنكونن} بالنون الخفيفة فيهما.
ابن عاشور
تفسير : قيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب من المنافقين سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بسعة الرزق فدعا له فأثرى إثرَاءً كثيراً فلمّا جاءه المصدّقون ليعطي زكاة أنعامه امتنع من ذلك ثم ندم فجاء بصدقته فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها منه. وذكروا من قصته أنّه تاب ولكن لم تقبل صدقته في زمن النبي ولا في زمن الخلفاء الثلاثة بعده عقوبة له وإظهاراً للاستغناء عنه حتّى مات في خلافة عثمان، وقد قيل: إنّ قائل ذلك هو معتِّب بن قشير، وعلى هذا فضمائر الجمع في لنصدّقنّ وما بعده مراد بها واحد وإنّما نسبت الفعل إلى جماعة المنافقين على طريقة العرب في إلصاق فعل الواحد بقبيلته. ويحتمل أنّ ثعلبة سأل ذلك فتبعه بعض أصحابه مثل معتب بن قشير فأوتي مثل ما أوتي ثعلبة وبخل مثل ما بخل وإن لم تجىء فيه قصة كما تقدّم آنفاً. وجملة {لنصدقن} بيان لجملة {عاهد الله} وفعل {لنصدقن} أصله لنتصدقن فأدغم للتخفيف. والإعراض: إعراضهم عن عهدهم وعن شكر نعمة ربّهم. و{أعقبهم نفاقاً} جعل نفَاقاً عَقب ذلك أي إثْرَه ولمّا ضمن أعقب معنى أعطى نصب مفعولين والأصل أعقبهم بنفاق. والضمير المستتر في أعْقَبهم للمذكور من أحوالهم، أو للبخل المأخوذ من بَخلوا، فإسناد الإعقاب مجاز عقلي، أو يعود إلى اسم الله تعالى في قوله {من عاهد الله} أي جَعل فعلهم ذلك سبباً في بقاء النفاق في قلوبهم إلى مَوتهم، وذلك جزاء تمرّدهم على النفاق. وهذا يقتضي إلى أنّ ثعلبة أو معتِّبا ماتَ على الكفر وأنّ حرصه على دفع صدقته رياء وتقية وكيف وقد عُدّ كلاهما في الصحابة وأوّلهما فيمن شَهد بدراً، وقيل: هما آخران غيرهما وافقا في الاسم. فيحتمل أن يكون أطلق النفاق على ارتكاب المعاصي في حالة الإسلام وهو إطلاق موجود في عصر النبوءة كقول حنظلة بن الربيع للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله «نافَق حنظلة». وذكر ارتكابه في خاصّته ما ظنّه معصية ولم يغيّر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولكن بَيَّن له أنّ ما توهّمه ليس كما توهّمه، فيكون المعنى أنّهم أسلموا وبقُوا يرتكبون المعاصي خلاف حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقد يومىء إلى هذا تنكير {نفاقاً} المفيد أنّه نفاق جديد وإلاّ فقد ذُكروا منافقين فكيف يكون النفاق حاصلاً لهم عقب فعلهم هذا. واللقاء مصادفة الشيءِ شيئاً في مكان واحد. فمعنى إلى يوم يلقونه إلى يوم الحشر لأنّه يومُ لقاء الله للحساب، أو إلى يوم الموت لأنّ الموت لقاء الله كما في الحديث «حديث : من أحبّ لقاءَ الله أحبَّ الله لقاءه»تفسير : ، وفسّره بأنّه محبّة تعرض للمؤمن عند الاحتضار. وقال بعض المتقدّمين من المتكلّمين: إنّ اللقاء يقتضي الرؤية، فاستدلّ على ثبوت رؤية الله تعالى بقوله تعالى: {أية : تحيتهم يوم يلقونه سلام}تفسير : من سورة الأحزاب (44) فنقَض عليهم الجُبَّائي بقوله: {إلى يوم يلقونه} في هذه الآية فإنّ الاتّفاق على أنّ المنافقين لا يَرون الله. وقد تصدّى الفخر لإبطال النقض بما يصيّر الاستدلال ضعيفاً، والحقّ أنّ اللقاء لا يستلزم الرؤية. وقد ذكر في «نفح الطيب» في ترجمة أبي بكر بن العربي قصةً في الاستدلال بآية الأحزاب على بعض معتزلة الحنابلة ونقض الحنبلي المعتزلي عليه بهذه الآية. والباء للسببية أو للتعليل، أي بسبب إخلافهم وعد ربّهم وكذبهم. وعبّر عن كذبهم بصيغة {كانوا يكذبون} لدلالة كان على أنّ الكذب كائن فيهم ومتمكّن منهم ودلالة المضارع على تكرّره وتجدّده. وفي هذا دلالة على وجوب الحذر من إحداث الأفعال الذميمة فإنّها تفسد الأخلاق الصالحة ويزداد الفساد تمكّناً من النفس بطبيعة التولّد الذي هو ناموس الوجود.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ومنهم: أي من المنافقين. لئن آتانا من فضله: أي مالاً كثيراً. بخلوا به: أي منعوه فلم يؤدوا حقه من زكاة وغيرها. فأعقبهم نفاقاً: أي فأورثهم البخل نفاقاً ملازماً لقلوبهم لا يفارقها إلى يوم يلقون الله تعالى. بما أخلفوا الله: أي بسبب إخلافهم ما وعدوا الله تعالى به. سرهم ونجواهم: أي ما يسرونه في نفوسهم ويخفونه، وما يتناجون به فيما بينهم. علام الغيوب: يعلم كل غيب في الأرض أو في السماء. معنى الآيات: ما زال السياق في المنافقين وهم أصناف وهذا صنف آخر منهم قد عاهد الله تعالى لئن أغناهم من فضله وأصبحوا ذوي ثروة ومال كثير ليصدقن منه ولينفقنّه في طريق البر والخير، فلما أعطاهم الله ما سألوا وكثر مالهم شحوا به وبخلوا، وتولوا عما تعهدوا به وما كانوا عليه من تقوى وصلاح، وهم معرضون. فأورثهم هذا البخل وخلف الوعد والكذب {نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ} لا يفارقهم حتى يلقوا ربهم. هذا ما دل عليه قوله تعالى {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} أما الآية الأخيرة [78] وهي قوله تعالى {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ}؟ فإنها تضمنت توبيخ الله تعالى للمنافقين الذين عاهدوا الله وأخلفوه بموقفهم الشائن كأنهم لا يعلمون أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأنه تعالى علام الغيوب، وإلا كيف يعدونه ويحلفون له أم يحسبون أن الله لا يسمع سرهم ونجواهم فموقفهم هذا موقف مخز لهم شائن، وويل لهم حيث لازمهم ثمرته وهو النفاق حتى الموت وبهذا أغلق باب التوبة في وجوههم وهلكوا مع الهالكين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الوفاء بالعهود وخاصة عهود الله تعالى. 2- ذم البخل وأهله. 3- تقرير مبدأ أن السيئة يتولد عنها سيئة. 4- جواز تقريع وتأنيب أهل الباطل. 5- وجوب مراقبة الله تعالى إذ لو راقب هؤلاء المنافقون الله تعالى لما خرجوا عن طاعته.
القطان
تفسير : أعقبهم: أورثهم. ونجواهم: كلامهم الخفي. تُعتبر هذه الآياتُ بياناً لحال طائفة اخرى من المنافقين: أغناهم اللهُ بعد فقرٍ، فلما كثر مالُهم وأصبحوا من الأغنياء كفرو النعمة وهضَموا الحقوق. {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ}. ومن المنافقين نَفَرٌ أعطى اللهَ عهدَه وميثاقه لئن آتاه مالاً وثروة ليشكرنّ الله على نعمته بالصَدَقة، وليعملنَّ عمل أهل الصلاح من صِلة الرَّحْم والإنفاق في سبيل الله. {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ}. فلما استجابَ الله لهم، وأعطاهم من فضله ما طلبوا، بخلوا بما أُوتوا وأمسكوه، فلم يتصدّقوا منه بشيء وانصرفوا عن الخير، وهم معرضون عنه وعن الله. {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ}. كانت عاقبةُ بُخلِهم أن تمكَّنَ النفاقُ في قلوبهم الى ان يموتوا ويلقوا الله يوم الحساب. ثم ذكر سببين هما من أخصّ أوصاف المنافقين: إخلافُ الوعد والكذِب فقال: {بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ}. ذلك بسبب نقضِهم لعهدهم وكِذْبِهم في يمينهم. {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ}. الم يعلموا - وهم يدَّعون الإيمان - أن الله مطَّلِعٌ على السرائر، لا يخفى عليه ما يُضمِرونه في السر من نقض العهد، وما يتناجَوْن به في الخفاء من الطعن في الدين وتدبير المكايد للمسلمين! وان الله يعلم الغيوب كلَّها لا يخفى عليه شيء في هذا الكون. وقد وردت عدة روايات في سبب نزول هذه الآيات. روى ابن جرير حديث : ان ثَعلبةَ بن حاطِبٍ الأنصاري قال لرسول الله: ادعُ الله أن يرزقَني مالا، فقال له رسول الله: "ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدّي شُكرَه خيرٌ من كثيرٍ لا تُطيقه". فراجعه مرة اخرى وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطينَّ كل ذي حق حقه، فدعا له فأَخذ غنماً، فنمت كما ينمى الدود حتى ضاقت بها المدينة. فنزل وادياً وانقطع عن الجماعة والجمعة. فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: كثُرَ ماله حتى لا يَسَعُه واد، فقال: يا ويح ثعلبة، فبعث رسول الله مصدقين لأَخذ الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسألاه وأقرءآه الكتاب الذي فيه الفرائض فقال ما هذه إِلا جزية ما هذه إِلا اخت الجزية فارجعا حتى أرى رأيي، فلما جرعا أَخبرا رسول الله بما قال ثعلبة، فقال: ويح ثعلبة، فانزل الله تعالى: "ومنهم من عاهد الله لئن آتاهم من فضله لنصدقن..." فسمع بذلك ثعلبة فجاء بالصدقة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إِن الله منعني أَن أَقبل منك صدقتك. فجعل يحثوا على رأسه التراب. وقبض رسول الله فجاء أبا بكر الصديق فلم يقبلها، ثم جاء عمر فلم يقبلها، وجاء عثمان فمل يقبلها رضي الله عنهم، وهلك في خلافة عثمان . تفسير : وهذه الصورة من البشر موجودة في كل زمان ومكان، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقول الاصوليون.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَاهَدَ} {لَئِنْ} {آتَانَا} {ٱلصَّالِحِينَ} (75) - وَمِنَ المُنَافِقِينَ مَنْ أَعْطَى اللهَ عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ لَئِنْ أَغْنَاهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَعْطَاهُ مَالاً وَثَرْوَةً لَيَشْكُرَنَّ اللهَ عَلَى نِعْمَتِهِ بِالصَّدَقَةِ مِنْهَا، وَلَيَعْمَلَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الصَّلاَحِ، مِنَ صِلَةِ الرَّحِمِ وَالإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ.
الثعلبي
تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} الآية. روى القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أُمامة الباهلي قال: حديث : جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك يا ثعلبة قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه" ثم أتاه بعد ذلك. فقال: يارسول الله أدع الله أن يرزقني مالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، والذي نفسي بيده لو أردت أن تصير الجبال معي ذهباً وفضة لصارت" ثم أتاه بعد ذلك فقال: يارسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطينّ كلّ ذي حق حقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم ارزق ثعلبة مالاً". قال: فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها، فنزل وادياً من أوديتها وهي تنمو كما تنمو الدود، وكان يصلّي مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، ويصلّي في غنمه ساير الصلوات، ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة فصار لا يشهد إلا الجمعة، ثم كثرت ونمت فتباعد حتى كان لايشهد جمعة ولا جماعة، فكان إذا كان يوم الجمعة يمر على الناس يسألهم عن الأخبار، فذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأل ذات يوم فقال: مافعل ثعلبة؟ قالوا يا رسول الله اتخذ ثعلبة غنماً مايسعها واد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا ويح ثعلبة، ياويح ثعلبة، ياويح ثعلبة" وأنزل الله تعالى آية الصدقة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني سليم ورجل من جهينة وكتب لهما إتيان الصدقة وكيف يأخذان وقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مُرّا بثعلبة بن حاطب ورجل من بني سليم فخذا صدقاتهما". فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وقرءا له كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أُخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليّ، فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان ابله، فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلمّا زادها قالا: ما هذا عليك، قال: خذاه فإن نفسي بذلك طيبة، فمرّا على الناس وأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة فقال: أروني كتابكما فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ما هذه الا أُخت الجزية، إذهبا حتى أرى رأيي، قال: فأقبلا فلمّا رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتكلّما قال: "ياويح ثعلبة، ياويح ثعلبة، ياويح ثعلبة" ثم دعا للسلمي بخير فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله فيه {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} إلى قوله {وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع قوله فخرج حتى أتاه فقال: ويحك ياثعلبة قد أنزل الله عز وجل فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه الصدقة. فقال: "إن الله تعالى منعني أن أقبل منك صدقتك" فجعل يحثي على رأسه التراب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني" فلما نهى أن يُقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع إلى منزله وقُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبض ولم يقبل منه شيئاً تفسير : ثم أتى أبا بكر رضي الله عنه حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم موضعي من الأنصار فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقبلها؟ فلم يقبل، وقُبض أبو بكر فلم يقبلها، فلمّا ولي عمر رضي الله عنه أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر، أنا لا أقبلها، فقُبض عمر ولم يقبلها، ثم ولي عثمان فأتاه فسأله أن يقبل صدقته فقال: لم يقبلها منك رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر، أنا لا أقبلها منك، فلم يقبلها منه وهلك في خلافة عثمان. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: أتى ثعلبة مجلساً من الأنصار فأشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله أتيت منه كل ذي حق حقه، تصدّقت منه، ووصلت القرابة، فمات ابن عم له فورثه مالاً فلم يوف بما قال، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. وقال مقاتل: مرّ ثعلبة على الأنصار وهو محتاج، فقال: لئن آتاني الله من فضله لأصّدقن ولأكوننّ من الصالحين فآتاه الله من فضله وذلك أن مولى لعمر بن الخطاب قتل رجلاً من المنافقين خطأً فدفع النبي صلى الله عليه وسلم ديته إلى ثعلبة، وكان قرابة المقتول فبخل ومنع حق الله فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. وقال الحسن ومجاهد: نزلت هذه الآية في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشيو وهما رجلان من بني عمرو بن عوف خرجا على ملأ قعود فقالا: والله لئن رزقنا الله لنصّدقنّ، فلمّا رزقهما الله تعالى بخلا. وقال الضحاك: نزلت في رجال من المنافقين [نبتل] بن الحرث وجدّ بن قيس وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير قالوا: لئن آتانا الله من فضله لنصّدقنّ، فلمّا آتاهم الله من فضله وبسط لهم الدنيا بخلوا به ومنعوا الزكاة. وقال الكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، كان له مال بالشام فجهد لذلك جهداً شديداً فحلف بالله: لئن آتانا الله من فضله من رزقه يعني المال الذي بالشام لأصدّقن منه ولأصلنّ ولآتين حق الله منه، فآتاه الله ذلك المال فلم يفعل ما قال، فأنزل الله عزّ وجلّ {وَمِنْهُمْ} يعني من المنافقين {مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} ولنوفّينّ حق الله منه {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي نعمل ما يعمل أهل الصلاح بأموالهم من صلة الرحم والنفقة في الخير {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ} فأتبعهم، وقيل فجازاهم ببخلهم. قال النابغة: شعر : فمن أطاعك فانفعه بطاعته كما أطاعك وادللـه على الرشد تفسير : {نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} حرمهم الله التوبة {بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} قال معبد بن ثابت: إنما هو [شيء] ظاهر في أنفسهم ولم يتكلموا به، ألم تسمع قول الله عزّ وجلّ {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ}؟ عن مسروق عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خصم فجر ". تفسير : الأشعث عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث من كُنَّ فيه فهو منافق وإن صلّى وصام وزعم أنه مؤمن. إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، إذا أؤتمن خان ". تفسير : وقال عبد الله بن مسعود اعتبروا المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، أنزل الله تصديق ذلك في كتابه {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} إلى قوله {كَانُواْ يَكْذِبُونَ}، وهذا خبر صعب الظاهر. فمن لم يعلم تأويله عظم خطؤه وتفسيره. أخبرني شيخي الحسن بن محمد بن الحسن بن جعفر، قال: أخبرني أبي عن جدي الحسين بن جعفر، قال: حدّثنا محمد بن يزيد السلمي، قال: حدّثنا عمار بن قيراط عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: كنت على قضاء سمرقند فقرأت يوماً حديث المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث من كُنّ فيه فهو منافق: إذا حدّث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف ". تفسير : فتوزع فيه فكري وانقسم قلبي وخفت على نفسي وعلى جميع الناس وقلت من ينجو من هذه الخصال؟ [فأخللت] بالقضاء وأتيت بخارى وسألت علماءها فلم أجد فرجاً، فأتيت مرو فلم أجد فرجاً، فأتيت نيشابور فلم أجد عند علمائها فرجاً، فبلغني أن شهر بن حوشب بجرجان فأتيته وعرضت عليه قصتي وسألت عن الخبر، فقال لي: لم [أكن] أنا [حين] سمعت هذا الخبر كالحبة على المقلاة خوفاً فأدركْ سعيد بن جبير فأنه متولد بالريّ فاطلبه وسله لعلك تجد لي ولك، وسمعت أن عنده فرجاً، فأتيت الري وطلبت سعيداً فأتيته وعرضت عليه القصة وسألته عن معنى الخبر. فقال: أنا كذلك خائف على نفسي منذ بلغني هذا الخبر، وأنا خائف عليك وعلى نفسي من هذه الخصال: ولقد قاسيت وعانيت سفراً طويلاً وبلاياً فعليك بالحسن البصري فإني أرجو أنك تجد عنده لي ولك وللمسلمين فرجاً، فأتيت البصرة وطلبت الحسن وقصصت عليه القصة بطولها، فقال رحم الله شهراً قد بلغها النصف من الخبر ولم يبلغهما النصف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال هذا الخبر شغل قلوب أصحابه (وهابوا) أن يسألوه، فأتوا فاطمة وذكروا لها شغل قلوبهم بالخبر، فأتت فاطمة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته شغل قلوب أصحابه، فأمر سلمان فنادى الصلاة جامعة، فلمّا اجتمعوا صعد المنبر فقال: "حديث : يا أيها الناس أما إنّي كنت قلت: ثلاث من كُنّ فيه فهو منافق: إذا حدّث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، ما عنيتكم بها، إنّما عنيت بها المنافقين، إنما قولي: إذا حدّث كذب فإن المنافقين أتوني وقالوا لي: والله إن إيماننا كإيمانك وتصديق قلوبنا كتصديق قلبك، فأنزل الله عزّ وجلّ: {إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} [المنافقون: 1] الآية، وأما قولي: إذا أؤتمن خان: فإن الأمانة الصلاة والدين كلّه أمانة، قال الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 142] وفيهم قال: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4-5] وأما قولي: إذا وعد أخلف، فإنّ ثعلبة بن حاطب أتاني فقال: إني فقير ولي غنيمات فادع الله أن يبارك فيهن، فدعوت الله فنمتْ وزادت حتى ضاقت الفجاج بها، فسألته الصدقات فأبى عليّ وبخل بها، فأنزل الله عزّ وجلّ {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} إلى قوله {بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ}".تفسير : فسُرّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكبّروا وتصدّقوا بمال عظيم. وروى القاسم بن بشر عن أُسامة عن محمد [المخرمي] قال: سمعت الحسن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: [من] إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان " تفسير : فقال الحسن: يا أبا سعيد والله لئن كان لرجل عليَّ دين فلقيني فتقاضاني وليس عندي فخفت أن يحبسني ويهلكني فوعدته أن أقضيه رأس الهلال فلم أفعل أمنافق أنا ؟! هكذا جاء الحديث. ثم حدّث عن عبد الله بن عمرو أن أباه لما حضره الموت قال: زوّجوا فلاناً فإني وعدته أن أزوجه، لا ألقى الله بثلث النفاق، قال: قلت: يا أبا سعيد ويكون ثلث الرجل منافقاً وثلثاه مؤمناً؟ قال: هكذا جاء الحديث. قال محمد: فحججت فلقيت عطاء بن أبي رباح فأخبرته بالحديث الذي سمعته من الحسن وما الذي قلت له عن المنافق وما قال لي: فقال لي أعجزت أن تقول له: أخبرني عن إخوة يوسف ألم يَعِدُوا أباهم فأخلفوه وحدثوه فكذبوه وائتمنهم فخانوه أفمنافقين كانوا ألم يكونوا أنبياء، أبوهم نبيّ وجدّهم نبيّ؟ فقلت لعطاء: يا أبا مُحَمّد حَدّثَني بأصل هذا الحديث، فقال: حَدّثَني جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا الحديث في المنافقين خاصة الذين حدثوا النبي صلى الله عليه وسلم فكذبوه وائتمنهم على سرّه فخانوه ووعدوه أن يخرجوا معه إلى الغزو فأخلفوه، قال: فخرج أبو سفيان من مكة فأتى جبريل فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا"تفسير : فكتب رجل من المنافقين إليه: إن محمداً يريد بعثكم فأنزل الله عزّ وجلّ {أية : لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ}تفسير : [الأنفال: 27] وأنزل في المنافقين {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا} إلى قوله تعالى: {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ}.قال: إذا أتيت الحسن فاقرأه مني السلام فأخبره أصل هذا الحديث وبما قلت لك. فقدمت على الحسن وقلت: يا أبا سعيد إن أخاك محمّداً يقرئك السلام، فأخبرته بالحديث الذي حدث. فأخذ الحسن يدي فأحالها وقال: يا أهل العراق أعجزتم أن تكونوا مثل هذا، سمع منا حديثاً فلم يقبله حتى استنبط أصله، صدق عطاء هكذا الحديث في المنافقين خاصة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {وَمِنْهُمْ} أي: من المنافقين الذين عرض الله صوراً كثيرة لهم في هذه السورة الكريمة، فقال: {وَمِنْهُمْ}، و {وَمِنْهُمْ} و {وَمِنْهُمْ}، واختلفت روايات المفسرين والرواة في مدلول قوله تعالى {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ}. فقال بعضهم: إنه ثعلبة بن حاطب، وقال آخرون: إنه مُعتِّب بن قشير، وقال رأي ثالث: إنه الجد بن قيس، وقال قائل رابع: إنه حاطب بن أبي بلتعة. كل هذه خلافات تحتملها الآية الكريمة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قال: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} ولم يقل الحق: "فلما آتيناه من فضلنا بخل به" بحيث ينطبق على حالة واحدة، ولكن الحق تبارك وتعالى جاء بها بصيغة الجمع فقال سبحانه: {أية : فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ ...} تفسير : [التوبة: 76]. إذن: فهناك جمع. والروايات كلها يمكن أن تكون صحيحة في أن الآية الكريمة نزلت في أفراد متعددين، وسبحانه يقول: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} فكيف يكون للمنافقين عهد مع الله؟ نقول: لقد عُومل هؤلاء المنافقون بظواهر ألسنتهم، فهم قد أعلنوا إسلامهم، وكان الواحد منهم يقول: أعاهد الله على كذا وكذا؛ تماماً كما يأتي الواحد منهم للصلاة ويحرص بعضهم على التواجد في الصف الأول للمصلين، فهل منعه النفاق من الصلاة ظاهراً؟ لم يمنعه أحد، كذلك عندما يعاهد الله فهو يعاهده بظاهر لسانه. وقصة الآية: أن رجلاً فقيراً من الأنصار ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني فقير مملق - أي شديد الفقر - فادع لي الله يا رسول الله أن يوسع عليّ دنياي. وبفطنة النبوة قال صلى الله عليه وسلم: إن قليلاً تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فعاوده وقال: ادع الله لي أن يوسّع عليّ. فدعا له فوسّع الله عليه. ولسائل أن يسأل: كيف يستجيب الرسول ويدعو لمنافق؟ وإذا كان الرسول قد دعا ترضية له وتأليفاً لقلبه؛ فكيف يجيب الله رسوله في طلب منافق منه؟ ونقول: ربما كان ذلك؛ لأن المنافق أراد أن يجرب: أرسول الله رسول حق، بحيث إن دعا الله أجيب؟ فلما دعا رسول الله؛ أراد الحق سبحانه وتعالى أن يُعْلم هذا المنافق أنه: نعم هو رسول الله؛ وإن دعا لأي أحد يُجِبْه الله، فتكون هذه للنبي صلى الله عليه وسلم. فلما دعا رسول الله لثعلبة، أو للجد بن قيس، أو لحاطب بن أبي بلتعة؛ استجاب الله لدعاء رسوله؛ وأعطى مَنْ سأل الدعاء مالاً وفيراً، وقالوا: ولقد تكاثر مال ثعلبة، وكانت ثروته من الأغنام قد تناسلت حتى ضاقت بها شعَاب المدينة؛ فهرب بها إلى شعاب الجبال، وإلى الصحراء الواسعة، فامتلأت، فشغلته أمواله أول ما شغلته عن صلاة الجماعة، وأصبح لا يذهب للصلاة إلا في يوم الجمعة؛ فلما كثرت كثرة فاحشة؛ شغلته أيضاً عن صلاة الجمعة. وفي ذلك دليل صدق لتنبؤ رسول الله له. إذن: فكل الأمر إنما جاء تأييداً لمنطق الرسول معهم؛ حتى يُسفِّههم في أنهم نافقوا في الإسلام. وبعد ذلك سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنه في الشعاب شغله ماله. فقال: يا ويح ثعلبة. وأرسل إليه عامل الصدقة؛ لأن ثعلبة قد عاهد الله وقال: {لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} فذهب عامل الصدقة إليه، فلما قال له: هات ما كتب الله عليك من الصدقة من مالك. قال: أهي أخت الجزية؟ وذكَّره عامل الصدقة: أنت الذي عاهدت، ومن ضمن عهدك أنك إن أوتيت تصدقت وكنت من الصالحين، فما لك لا توفي بالعهد. ورد ثعلبة على عامل الصدقة: اذهب حتى أرى رأيي. إذن: هو قد عاهد الله، ودعا رسول الله، واستجاب الله له، وكثرت أمواله، وبعد ذلك صدَّقَ الله نبيه في قوله: "قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه"، فلما عاد عامل الصدقة إلى رسول الله بردِّ ثعلبة. قال صلى الله عليه وسلم: ويح ثعلبة. فلما علم ثعلبة أن قرآناً قد نزل فيه، انزعج انزعاجاً شديداً، وأسرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرض عليه الزكاة. فلم يقبلها رسول الله منه، فأخذ يتردد عليه للقبول، فلم يقبلها رسول الله منه. لقد أراد صلى الله عليه وسلم بذلك أن يثبت أن الله وفقراء الله في غنى عن مالك يا ثعلبة. فلما انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى جاء ثعلبة بالصدقات المؤخرة عليه كلها إلى أبي بكر، فقال أبو بكر: ما كان لرسول الله أن يمتنع عنها ثم يأخذها أبو بكر. لما توفي أبو بكر جاء إلى عمر، فقال عمر مقالة أبي بكر. وجاء لعثمان، إلا أنه قبل أن يصل إليه كان قد هلك في عهد عثمان. {لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ}، وكلمة {لَئِنْ} قَسَم، والقَسَم هو صورة العهد، فكأنه قال: أقسم بالله إن أتاني الله مالاً لأفعلنَّ كذا. وقد فهمنا أنها قَسَم من وجود اللام في جواب القَسَم {لَنَصَّدَّقَنَّ} و "الصدقة" هي الصدقة الواجبة أي الزكاة، و {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي: نزيد في التطوعات، والمروءة، والأريحية، وكل ما يدل على الصلاح. ويقول الحق بعد ذلك: {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن المنافقين، وتفضح أسرارهم، وتكشف أحوالهم، باعتبار خطرهم الداهم على الإِسلام والمسلمين. اللغَةَ: {أَعْقَبَهُمْ} قال الليث: يقال أعقبت فلاناً ندامة إِذا صارت عاقبة أمره ذلك، ويقال: أكل أكلة أعقبته سقماً أي حصل له بها السقم قال الهذلي: شعر : أودى بني وأعقبوني حسرة بعد الرقاد وعبرة لا تقلع تفسير : {سِرَّهُمْ} السر: ما ينطوي عليه الصدر {نَجْوَاهُمْ} النجوى: ما يكون بين شخصين أو أكثر من الحديث مأخوذ من النجوة وهو الكلام الخفي، كأن المتناجيين منعا إِدخال غيرهما معهما {يَلْمِزُونَ} يعيبون واللمز: العيب {ٱلْمُخَلَّفُونَ} المخلف، المتروك الذي تخلف عن الجهاد {ٱلطَّوْلِ} الغنى {ٱلْمُعَذِّرُونَ} جمع معذر كمقصِّر وهو الذي يعتذر بغير عذر قال الجوهري: هو الذي يعتذر بالكذب وأصله من العذر وفي الأمثال "أُعذر من أنذر" أي بالغ في العذر من تقدم إِليك فأنذرك. سَبَبُ النّزول: أ - روي حديث : أن رجلاً يسمى ثعلبة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ادع الله أن يرزقني مالاً فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره، خير من كثير، لا تطيقه، فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، فلم يزل يراجعه حتى دعا له، فاتخذ غنماً فنمَت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت حتى ترك الجمعة والجماعة، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فأخبروه يخبره فقال: يا ويح ثعلبة ثلاثاً، فأنزل الله {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ..} الآية تفسير : فهلك في خلافة عثمان. ب - عن ابن عمر قال: حديث : لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فقال يا رسول الله: أعلى عدو الله تصلي؟ فقال: أخر عني يا عمر إِني خُيرت فاخترت فقيل لي {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية ولو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت، ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره فما كان إِلا يسيراً حتى أنزل الله {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً..} تفسير : الآية. التفسِير: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} أي ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه {لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ} أي لئن أعطانا الله من فضله ووسع علينا في الرزق {لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} أي لنصدقن على الفقراء والمساكين، ولنعملن فيها بعمل أهل الخير والصلاح {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي فلما رزقهم الله وأغناهم من فضله {بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} أي بخلوا بالإِنفاق ونقضوا العهد وأعرضوا عن طاعة الله ورسوله {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} أي جعل الله عاقبتهم رسوخ النفاق في قلوبهم إِلى يوم لقاء الله {بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ} أي بسبب إِخلافهم ما عاهدوا الله عليه من التصدق والصلاح {وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} أي وبسبب كذبهم في دعوى الإِيمان والإِحسان {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} الاستفهام للتوبيخ والتقريع أي ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله يعلم أسرارهم وأحوالهم, ما يخفونه في صدورهم، وما يتحدثون به بينهم؟ {وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} أي لا يخفى عليه شيء مما غاب عن الأسماع والأبصار والحواس؟ {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} أي يعيبون المتطوعين المتبرعين من المؤمنين في صدقاتهم {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ} أي ويعيبون الذين لا يجدون إِلا طاقتهم فيهزءون منهم روى الطبري عن ابن عباس قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء رجل من الأنصار بصاعٍ من تمر، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إِلا رياءٌ، وإِن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع فنزلت {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} أي جازاهم على سخريتهم وهو من باب المشاكلة {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي عذاب موجع، هو عذاب الآخرة المقيم {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} أمر ومعناه الخبر أي سواء يا محمد استغفرت لهؤلاء المنافقين أم لم تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} قال الزمخشري: والسبعون جارٍ مجرى المثل في كلامهم للتكثير والمعنى مهما أكثرت من الاستغفار لهم وبالغت فيه فلن يغفر الله لهم أبداً {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي عدم المغفرة لهم بسبب كفرهم بالله ورسوله كفراً شنيعاً حيث أظهروا الإِيمان وأبطنوا الكفر {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} أي لا يوفق للإِيمان الخارجين عن طاعته، ولا يهديهم إِلى سبيل السعادة {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} أي فرح المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك بقعودهم بعد خروج الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفة له حين سار وأقاموا {وَكَرِهُوۤاْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي وكرهوا الخروج إِلى الجهاد إِيثاراً للراحة وخوف إِتلاف النفس والمال لما في قلوبهم من الكفر والنفاق {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ} أي قال بعضهم لبعض: لا تخرجوا إِلى الجهاد في وقت الحر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استنفرهم إِلى هذه الغزوة في حر شديد، قال أبو السعود: وإِنما قال {وَكَرِهُوۤاْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} على قوله "وكرهوا أن يخرجوا إِلى الغزو" إِيذاناً بأن الجهاد في سبيل الله مع كونه من أجلِّ الرغائب، وأشرف المطالب، التي يجب ان يتنافس فيها المتنافسون قد كرهوه، كما فرحوا بأقبح القبائح الذي هو القعود خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا لإِخوانهم تواصياً فيما بينهم بالشر والفساد لا تنفروا في الحر، فقد جمعوا ثلاث خصال من الكفر والضلال: الفرح بالقعود، وكراهية الجهاد، ونهي الغير عن ذلك، قال تعالى رداً عليهم {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً} أي قل لهم يا محمد: نار جهنم التي تصيرون إِليها بتثاقلكم عن الجهاد أشد حراً مما تحذرون من الحر المعهود، فإِن حر الدنيا يزول ولا يبقى، وحر جهنم دائم لا يفتر، فما لكم لا تحذرون نار جهنم؟ قال الزمخشري: وهذا استجهال لهم، لأن من تصوَّن من مشقة ساعة، فوقع بذلك التصون في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} أي لو كانوا يفهمون لنفروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الحر، ليتقوا به حر جهنم الذي هو أضعاف أضعاف هذا ولكنهم "كالمستجير من الرمضاء بالنار" {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً} أمر يراد به الخبر معناه: فسيضحكون قليلاً، وسيبكون كثيراً، قال ابن عباس: الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإِذا انقطعت الدنيا وصاروا إِلى الله عز وجل استأنفوا بكاءً لا ينقطع أبداً {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي جزاءً لهم على ما اجترحوا من فنون المعاصي {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} أي فإِن ردك الله من غزوة تبوك إِلى طائفة من المنافقين الذين تخلفوا بغير عذر {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} أي طلبوا الخروج معك لغزوة أخرى {فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً} أي قل لهم لن تخرجوا معي للجهاد أبداً {وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} أي لن يكون لكم شرف القتال معي لأعداء الله، وهو خبر معناه النهي للمبالغة، جارٍ مجرى الذم لهم لإِظهار نفاقهم {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي قعدتم عن الخروج معي أول مرة حين لم تخرجوا إِلى تبوك {فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ} أي فاقعدوا مع المتخلفين عن الغزو من النساء والصبيان {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} أي لا تصل يا محمد على أحدٍ من هؤلاء المنافقين إِذا مات، لأن صلاتك رحمة، وهم ليسوا أهلاً للرحمة {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} أي لا تقف على قبره للدفن، أو للزيارة والدعاء {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي لأنهم كانوا في حياتهم منافقين يظهرون الإِيمان ويبطنون الكفر {وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} أي وماتوا وهم على نفاقهم خارجون من الإِسلام متمردون في العصيان، نزلت في ابن سلول {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ} أي لا تستحسن ما أنعمنا به عليهم من الأموال والأولاد {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا} أي لا يريد بهم الخير إِنما يريد أن يعذبهم بها في الدنيا بالمصائب والنكبات {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} أي تخرج أرواحهم ويموتوا على الكفر منشغلين بالتمتع بالأموال والأولاد عن النظر والتدبر في العواقب {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} التنكير للتفخيم أي وإِذا أنزلت سورة جليلة الشأن {أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ} أي بأن آمنوا بالله بصدقٍ ويقين، وجاهدوا مع الرسول لنصرة الحق وإِعزاز الدين {ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ} أي استأذنك في التخلف أُولوا الغنى والمال الكثير {وَقَالُواْذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ} أي دعنا نكن مع الذين لم يخرجوا للغزو وقعدوا لعذر، قال تعالى تقبيحاً لهم وذماً {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} أي رضوا بأن يكونوا مع النساء والمرضى والعجزة الذين تخلفوا في البيوت {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي ختم عليها {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} أي فهم لا يفهمون ما في الجهاد وطاعة الرسول من السعادة، وما في التخلف عنه من الشقاوة {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} قال الرازي: لما شرح حال المنافقين، بيّن حال الرسول والمؤمنين بالضد منه، حيث بذلوا المال والنفس في طلب رضوان الله والتقرب إِليه والمعنى: إِن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا، فقد جاهد من هو خير منهم وأخلص نية واعتقاداً {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ} أي لهم منافع الدارين: النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة والكرامة في الآخرة {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي الفائزون بالمطلوب {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي أعد الله لهم على إِيمانهم وجهادهم بساتين تجري من تحت قصورها الأنهار {خَالِدِينَ فِيهَا} أي لابثين في الجنة أبداً {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي ذلك هو الظفر العظيم الذي لا فوز وراءه {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} أي جاء المعتذرون من الأعراب الذين انتحلوا الأعذار وتخلفوا عن الجهاد {لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} أي في ترك الجهاد، وهذا بيان لأحوال المنافقين من الأعراب بعد بيان أحوال المنافقين من أهل المدينة، قال البيضاوي: هم "أسد" و "غطفان" استأذنوا في التخلف معتذرين بالجهد وكثرة العيال {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي وقعد عن الجهاد الذين كذبوا الله ورسوله في دعوى الإِيمان، وهم قوم لم يجاهدوا ولم يعتذروا عن تخلفهم {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وعيد لهم شديد أي سينال هؤلاء المتخلفين الكاذبين في دعوى الإِيمان عذاب أليم بالقتل والأسر في الدنيا، والنار في الآخرة {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ} أي ليس على الشيوخ المسنين، ولا على المرضى العاجزين الذين لا يستطيعون الجهاد لعجزهم أو مرضهم {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} أي الفقراء الذين لا يجدون نفقة للجهاد {حَرَجٌ} أي إِثم في القعود {إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ} أي أخلصوا الإِيمان والعمل الصالح، فلم يرجفوا بالناس ولم يثبطوهم، ولم يثيروا الفتن، فليس على هؤلاء حرج إِذا تركوا الغزو لأنهم أصحاب أعذار {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} أي ليس عليهم جناح ولا إِلى معاتبتهم سبيل قال في التسهيل: وصفهم بالمحسنين لأنهم نصحوا لله ورسوله، ورفع عنهم العقوبة والتعنيف واللوم، وهذا من بليغ الكلام لأن معناه: لا سبيل لعاتب عليهم، وهو جارٍ مجرى المثل {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي عظيم المغفرة والرحمة حيث وسع على أهل الأعذار {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} نزلت في البكائين الذين أرادوا الغزو مع رسول الله ولم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم ما يحملهم عليه قال البيضاوي: هم البكاءون سبعة من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد نذرنا الخروج فاحملنا نغزو معك، فقال عليه السلام: لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم يبكون {قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} أي ليس عندي ما أحملكم عليه من الدواب {تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً} أي انصرفوا وأعينهم تسيل دمعاً من شدة الحزن {أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} أي لأنهم لم يجدوا ما ينفقونه لغزوهم، ولم يكن عند الرسول ما يحملهم عليه {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ} أي إِنما الإِثم والحرج على الذين يستأذنونك في التخلف وهم قادرون على الجهاد وعلى الإِنفاق لغناهم {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} أي رضوا بأن يكونوا مع النساء والمرضى والعجزة {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ختم عليها فهم لذلك لا يهتدون. البَلاَغَة: 1- {يَعْلَمُ.. وعَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} بين يعلم وعلام جناس الاشتقاق. 2- {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} التنوين في عذابٌ للتهويل والتفخيم. 3- {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} بينهما طباق السلب، وقد خرج الأمر عن حقيقته إِلى التسوية. 4- {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً} فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة. 5- {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} الخوالف: النساء المقيمات في دار الحي بعد رحيل الرجال ففيه استعارة، وإِنما سمي النساء خوالف تشبيهاً لهن بالخوالف وهي الأعمدة تكون في أواخر بيوت الحي فشبههن لكثرة لزوم البيوت بالخوالف التي تكون في البيوت. 6- {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} هو من عطف الخاص على العام اعتناءً بشأنهم أفاده الألوسي. فَائِدَة: قال الزمخشري عند قوله تعالى {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} لفظ السبعين جارٍ مجرى المثل في كلام العرب للتكثير قال علي بن أبي طالب: شعر : لأصبحن العاص وابن العاصي سبعين ألفاً عاقدي النواصي تفسير : فذكرها ليس لتحديد العدد، وإِنما هو للمبالغة جرياً على أساليب العرب. تنبيهْ: إِنما منع صلى الله عليه وسلم من الصلاة على المنافقين، لأن الصلاة على الميت دعاء واستغفار واستشفاع له، والكافر ليس بأهل لذلك. لطيفَة: حديث : اشتهر "حذيفة بن اليمان" بأنه صاحب سر الرسول صلى الله عليه وسلم وقد قال له صلى الله عليه وسلم: إِني مسرٌ إليك سراً فلا تذكره لأحد، إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان، لرهط ذوي عدد من المنافقين، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يأتيه فيقول: أسألك باللهِ هل عدَّني رسول الله من المنافقين؟! .
الجيلاني
تفسير : {وَمِنْهُمْ} أي: من المنافقين {مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ} مالاً، وأعطانا رزقاً كثيراً {لَنَصَّدَّقَنَّ} منها للفقراء المستحقين {وَلَنَكُونَنَّ} بالبذل والإنفاق، أداء الشكر {مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [التوبة: 75] الشاكرين المنفقين، طلباً لمراضاة الله. {فَلَمَّآ آتَاهُمْ} الله {مِّن فَضْلِهِ} ما طلبوا منه {بَخِلُواْ بِهِ} ومنعوا حق الله منه {وَتَوَلَّواْ} عن امتثال أمر الله وإطاعة رسوله {وَّهُمْ} قوم {مُّعْرِضُونَ} [التوبة: 76] عادتهم الإعراض عن إطاعة الله ورسوله؛ لخبث طينتهم. {فَأَعْقَبَهُمْ} الله بسبب فعلهم هذا {نِفَاقاً} راسخاً متمكناً {فِي قُلُوبِهِمْ} مستمراً {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} أي: الله سبحانه في يوم الجزاء، فيجازيهم على مقتضى نفاقهم وشقاقهم أسوأ الجزاء؛ ذلك {بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ} من الصدق والصلاح، والشكر والفلاح، ونقضوا عهده {وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} [التوبة: 77] أي: ويكذبهم حين العهد والميثاق بلا موافقة من قبلهم. {أَلَمْ يَعْلَمُواْ} حين همُّوا إلى القول الكذب مع الله {أَنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائرهم {يَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {سِرَّهُمْ} إي: إخلافهم الوعد من حصول المطلوب {وَنَجْوَاهُمْ} أي: مناجاتهم معه لا عن إخلاص ناشئ من محض المعرفة والإيمان بالله، والإقرار بربوبيته؛ لرسوخ الكفر والشرك في جبلتهم {وَ} لم يعلموا أيضاً {أَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} [التوبة: 78] لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فمن آمن بتوحيده وإحاطة علمه وقدرته، كيف خرج عن أمره وإطاعته؟. ومن المنافقين المصرين على النفاق والشقاق مع المؤمنين، هم {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ} ويتسهزئون {ٱلْمُطَّوِّعِينَ} المتطوعين {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي} إعطاء {الصَّدَقَاتِ} خصوصاً المؤمنين {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ} من الصدقة {إِلاَّ جُهْدَهُمْ} أي: يبذلون مقدار طاقتهم؛ طلباً لمرضاة الله {فَيَسْخَرُونَ} أولئك اللامزون المستهزئون {مِنْهُمْ} أي: من الذين بذلوا جهدهم في أمر الصدقة {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} في الآخرة؛ مجازاة على سخريتهم هذه {وَلَهُمْ} فيها {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79] بدلَّ لذتهم بسخريتهم. وذلك أنه صلى الله عليه وسلم حثَّ المؤمنين يوماً على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف دينار وقال: لي ثمانية آلاف فأقرضت ربي أربعة آلاف، وأمسكت لعيالي أربعة، فقال: صلى الله عليه وسلم: "حديث : بارك الله لك فيما أعطيت، وفيما أمسكت ". تفسير : وأتى عاصم بن عدي بمائة وسق من تمر، وجاء عقيل الأنصاري بصاع تتمر، فقال: بت ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر، وتركت صاعاً لعيالي، وأتيت بالآخر، فأمره صلى الله عليه وسلم أن ينثره على الصدقات تبركاً، فلمزهم المنافقون، فقالو: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء، ولقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع عقيل، ولكنه أحب أن يعد نفسه مع المتصدقين فنزلت. {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} يا أكمل الرسل لهؤلاء اللازمين المستهزئين، المستسخرين من المؤمين بإنقاذهم من العذاب أو تخفيفه {أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} سواء عند الله في انتقامهم وعذابهم، بل {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} لا مرة ولا مرتين، بل {سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} ألبتة؛ لعظم جرمهم وفسقهم {ذٰلِكَ} أي: عدم غفرانهم {بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ} وأشركوا معه غيره في الألوهية، مع أنه منزه عن الشريك مطلقاً {وَرَسُولِهِ} أي: كذبوا رسوله، وبما جاء به من عند ربه، واستهزءوا بالمؤمنين المصدقين له، المتصفين في سبيل الله {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} [التوبة: 80] عن مقتضى أوامر الله ونواهيه المسيئين الأدب مع الله ورسوله والمؤمنين.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن آفة حب الدنيا والركون إليها بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} [التوبة: 75] إلى قوله: {عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} [التوبة: 78] {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ} تشير إلى أن نفوس المنافقين مستدعية في أصل الخلقة لنقض العهد مع الله تعالى وأخلاق الوعد والخيانة في الأمانة والكذب كما نطق بها الحديث إنها تعد المنافق بالصلاحية والسخاوة، وحمل أعباء الشريعة على خلاف طبعها وجبلها حرصاً على الدنيا واستيفاء شهواتها، وأنها لا توفي بما وعدته. وإن المنافقين صنفان: صنف معلن الإسلام مستتر الكفر في بدء الأمر وذلك لغلبات صفات النفاق وقوتها في النفس، فيظهر بالفعل ما كان بالقوة وذلك لضعفها في النفس، فيعقبهم النفاق إلى الأبد بالسلوك الواقع في قلوبهم، وهم عن هذا النوع من النفاق غافلون وهم يصومون ويصلون ويزعمون أنهم مسلمون كما نطق به الحديث: "حديث : وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ". تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ} [التوبة: 76] يشير إلى أن نفس المنافق كذبت فيما حدثت وأخلفت فيما وعدت بالسخاء فبخلت، {وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} [التوبة: 76] من الصلاحية وعن حمل أعباء الشريعة، {فَأَعْقَبَهُمْ} [التوبة: 77] هذه الصفات والمعاملات. {نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} [التوبة: 77] أي: يلقون جزاء النفاق، {بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} [التوبة: 77] إن كان سبب النفاق ومنيته في القلوب خلف الوعد وكذب الحديث، {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ} [التوبة: 78] أي: النفاق والمستكمن في النفوس صفاته وهم لا يشعرون، {وَنَجْوَاهُمْ} [التوبة: 78] أي: يناجيهم به النفوس من النفاق وتسول لهم ولهم الشعور به، {وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} [التوبة: 78] أي: هو عالم بما توسوس به نفوسهم وهو غيب عن الخلق، وعالم بما يكن في قلوبهم وهو غيب عن نفوسهم، ولهذا قال: {عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} وبها يشير إلى الصنفين من المنافقين. ثم أخبر عن نعت أهل النفاق مع أهل الوفاق بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة: 79] يشير إلى الاستعداد الفطري للمؤمنين والمنافقين، وذلك أن قلب المؤمن منور بالإيمان وروحه متوجهة إلى الحق، فالحق يؤيد روحه بتأييده بنظر العناية وتوفيق العبودية فيطلع من الروح نور روحاني مؤيد بنور رباني فتنبعث منه الخواطر الربانية الداعية إلى الله تعالى بأعمال موجبة القربة من الفرائض والنوافل، فتارة تكون تلك الأعمال بدنية كالصوم والصلاة، وتارة تكون مالية كالزكاة والصدقات فيطوع بالصدقة فضلاً عن الزكاة عن استطاعته كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} [التوبة: 79] وأن قلب المنافق مظلم بظلمات صفات النفس؛ لعدم نور الإيمان وروحه متوجه إلى الدنيا وزخارفها بتبعية النفس الأمارة بالسوء مطروداً بالخذلان قرين الشيطان، فيتأثر الخذلان وظلمة الشيطان تصعد من النفس ظلمة نفسانية تنفي القلب عن قبول الدعوة، وإجابة الرسول، واتباع الأوامر واجتناب النواهي بالصدق وتنبعث منه الخواطر النفسانية والظلمانية، فبذلك تمتع عن أداء الفرائض فضلاً عن النوافل والتطوعات، ويعيب المطوعين من المؤمنين في الرياضات والذين لا يجدون إلا جهدهم وينظر إليهم وإلى أعمالهم وصدقاتهم بنظر الحقارة. {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79] ذكر سخرية المنافقين من المؤمنين بصيغة الاستقبال والحال، وذكر سخرية الله من المنافقين بصيغة الماضي يشير إلى أن سخريتهم من نتائج سخريته منهم وهي الخذلان؛ فالمعنى: أن خذلان الله إياهم وقعوا في سخرية المؤمنين، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79] من الخذلان وهو القطيعة من الله تعالى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ومن هؤلاء المنافقين من أعطى اللّه عهده وميثاقه { لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ } من الدنيا فبسطها لنا ووسعها { لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ } فنصل الرحم، ونقري الضيف، ونعين على نوائب الحق، ونفعل الأفعال الحسنة الصالحة. { فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } لم يفوا بما قالوا، بل { بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا } عن الطاعة والانقياد { وَهُمْ مُعْرِضُونَ } أي: غير ملتفتين إلى الخير. فلما لم يفوا بما عاهدوا اللّه عليه، عاقبهم { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ } مستمرا { إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } فليحذر المؤمن من هذا الوصف الشنيع، أن يعاهد ربه، إن حصل مقصوده الفلاني ليفعلن كذا وكذا، ثم لا يفي بذلك، فإنه ربما عاقبه اللّه بالنفاق كما عاقب هؤلاء. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت في الصحيحين: "حديث : آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف ". تفسير : فهذا المنافق الذي وعد اللّه وعاهده، لئن أعطاه اللّه من فضله، ليصدقن وليكونن من الصالحين، حدث فكذب، وعاهد فغدر، ووعد فأخلف. ولهذا توعد من صدر منهم هذا الصنيع، بقوله: { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ } وسيجازيهم على ما عملوا من الأعمال التي يعلمها اللّه تعالى، وهذه الآيات نزلت في رجل من المنافقين يقال له "ثعلبة" جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وسأله أن يدعو اللّه له، أن يعطيه الله من فضله، وأنه إن أعطاه، ليتصدقن، ويصل الرحم، ويعين على النوائب، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فكان له غنم، فلم تزل تتنامى، حتى خرج بها عن المدينة، فكان لا يحضر إلا بعض الصلوات الخمس، ثم أبعد، فكان لا يحضر إلا صلاة الجمعة، ثم كثرت فأبعد بها، فكان لا يحضر جمعة ولا جماعة. ففقده النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر بحاله، فبعث من يأخذ الصدقات من أهلها، فمروا على ثعلبة، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، فلما لم يعطهم جاءوا فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة" ثلاثا. فلما نزلت هذه الآية فيه، وفي أمثاله، ذهب بها بعض أهله فبلغه إياها، فجاء بزكاته، فلم يقبلها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء بها لأبي بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها، ثم جاء بها بعد أبي بكر لعمر فلم يقبلها، فيقال: إنه هلك في زمن عثمان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):