Verse. 1311 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

فَلَمَّاۗ اٰتٰىہُمْ مِّنْ فَضْلِہٖ بَخِلُوْا بِہٖ وَتَوَلَّوْا وَّہُمْ مُّعْرِضُوْنَ۝۷۶
Falamma atahum min fadlihi bakhiloo bihi watawallaw wahum muAAridoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولَّوْا» عن طاعة الله «وهم معرضون».

76

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {فَلَمَّا ءاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ} منعوا حق الله منه. {وَتَوَلَّواْ} عن طاعة الله. {وَهُم مُّعْرِضُونَ} وهم قوم عادتهم الإِعراض عنها. {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ} أي فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقاً وسوء اعتقاد في قلوبهم، ويجوز أن يكون الضمير للبخل والمعنى فأورثهم البخل نفاقاً متمكناً في قلوبهم. {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} يلقون الله بالموت أو يلقون عملهم أي جزاءه وهو يوم القيامة {بِمَا أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ} بسبب إخلافهم ما وعدوه من التصدق والصلاح. {وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } وبكونهم كاذبين فيه فإن خلف الوعد متضمن للكذب مستقبح من الوجهين أو المقال مطلقاً وقرىء {يَكْذِبُونَ} بالتشديد. {أَلَمْ يَعْلَمُواْ} أي المنافقون أو من عاهد الله وقرىء بالتاء على الالتفات. {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ} ما أسروه في أنفسهم من النفاق أو العزم على الإخلاف. {وَنَجْوٰهُم } وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن، أو تسمية الزكاة جزية. {وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } فلا يخفى عليه ذلك. {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ} ذم مرفوع أو منصوب أو بدل من الضمير في سرهم. وقرىء {يُلْمِزُونَ} بالضم. {ٱلْمُطَّوّعِينَ} المتطوعين. {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـٰتِ} روي: أنه صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال كان لي ثمانية آلاف درهم فأقرضت ربي أربعة وأمسكت لعيالي أربعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت» تفسير : فبارك الله له حتى صولحت إحدى امرأتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم، وتصدق عاصم بن عدي بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع تمر فقال بت ليلتي أجر بالجرير على صاعين فتركت صاعاً لعيالي وجئت بصاع، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره على الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء ولقد كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنه أحب أن يذكر بنفسه ليعطى من الصدقات. فنزلت: {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} إلا طاقتهم. وقرىء بالفتح وهو مصدر جهد في الأمر إذا بالغ فيه. {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ} يستهزئون بهم. {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} جازاهم على سخريتهم كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئ بِهِمْ }تفسير : [البقرة: 15] {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} على كفرهم. {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} يريد به التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم كما نص عليه بقوله: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ}. روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان من المخلصين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض أبيه أن يستغفر له، ففعل عليه الصلاة والسلام فنزلت، فقال عليه الصلاة والسلام: لأزيدن على السبعين فنزلت: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ }تفسير : [المنافقون: 6] وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل فجوز أن يكون ذلك حداً يخالفه حكم ما وراءه، فبين له أن المراد به التكثير دون التحديد، وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة ونحوها في التكثير، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد فكأنّه العدد بأسره. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} إشارة إلى أن اليأس من المغفرة وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منا ولا قصور فيك بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنها. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } المتمردين في كفرهم، وهو كالدليل على الحكم السابق فإن مغفرة الكافر بالإِقلاع عن الكفر والإِرشاد إلى الحق، والمنهمك في كفره المطبوع عليه لا ينقلع ولا يهتدي، والتنبيه على عذر الرسول في استغفاره وهو عدم يأسه من إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم لقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ الجَحِيم}تفسير : [التوبة: 113] {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} بقعودهم عن الغزو خلفه يقال أقام خلاف الحي أي بعدهم، ويجوز أن يكون بمعنى المخالفة فيكون انتصابه على العلة أو الحال. {وَكَرِهُواْ أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} إيثاراً للدعة والخفض على طاعة الله، وفيه تعريض بالمؤمنين الذين آثروا عليها تحصيل رضاه ببذل الأموال والمهج. {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى ٱلْحَرّ} أي قال بعضهم لبعض أو قالوه للمؤمنين تثبيطاً. {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا} وقد آثرتموها بهذه المخالفة. {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} أن مآبهم إليها، أو أنها كيف هي ما اختاروها بإيثار الدعة على الطاعة. {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} إخبار عما يؤول إليه حالهم في الدنيا والآخرة أخرجه على صيغة الأمر للدلالة على أنه حتم واجب، ويجوز أن يكون الضحك والبكاء كنايتين عن السرور والغم والمراد من القلة العدم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّآ ءَاتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ } عن طاعة الله {وَهُم مُّعْرِضُونَ }.

الخازن

تفسير : {فلما آتاهم من فضله بخلوا به} يعني فلما رزقهم الله لم يفعلوا من أعمال البر شيئاً {وتولوا} يعني عما عاهدوا الله عليه {وهم معرضون} يعني عن العهد.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ} [الآية: 76]. سُئل أبو حفص: ما البخل؟ قال: نزل الإيثار عند الحاجة إليه. قال حمدون القصار: من رأى لنفسه ملكًا، فقد بخل لأنه قصر عنه الأيدى الأخرى.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين الذين عاهدوا الله، وقالوا متى آتانا الله من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين أنه آتاهم ما اقترحوه ورزقهم ما تمنوه من الأموال، وانهم لما آتاهم ذلك شحت نفوسهم عن الوفاء بالعهد. ومعنى (لما) معنى (اذا) إلا أن (لما) الغالب عليها الجزاء، وهي إسم، لأنها تقع في جواب (متى) على تقدير الوقت كقولك: متى كان هذا، فيقول السامع: لما كان ذلك. و (لما) و (لو) لا يكونان إلا لما مضى بخلاف (إن) و (إذا) فانهما لما يستقبل الا أن (لو) على تقدير نفي وجوب الثاني لانتفاء الأول و (لما) يدل على وقوع الثاني لوقوع الاول. والبخل منع النائل لشدة الاعطاء، ثم صار في اسماء الذي منع الواجب، لأن من منع الزكاة فهو بخيل. قال الرماني: ولا يجوز أن يكون البخل منع الواجب بمشقة الاعطاء قال الزهير: شعر : ان البخيل ملوم حيث كان ولـ ـكن الجواد على علاته هرم تفسير : قال: لأنه يلزم على ذلك ان يكون الجود هو بذل الواجب من غير مشقة. وإنما قال زهير ما قاله لأن البخل صفة نقص. قال الرماني: ومن منع ما لا يضره بذله ولا ينفعه منعه مما تدعو اليه الحكمة فهو بخيل، لانه لا يقع المنع على هذه الصفة إلا لشدة في النفس، وإن لم يرجع إلى ضرر؛ وقال عبد الله بن عمر والحسن ومحمد ابن كعب القرطي: يعرف المنافق بثلاث خصال: إذا حدث كذب، وإذا وعد خلف وإذا ائتمن خان. وخالفهم عطاء ابن ابي رياح في ذلك وقال: إن النبي صلى الله عليه وآله إنما قال ذلك في قوم من المنافقين. وروي ان الحسن رجع إلى قول عطاء. وقوله {وتولوا} اي أعرضوا عما عاهدوا الله عليه. وقوله {وهم معرضون} اخبار منه بأنهم معرضون عن الحق بالكلية.

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ} عن عهدهم {وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} عن الله ورسوله (ص).

اطفيش

تفسير : {فَلمَّا آتاهُم} مالا {مِنْ فَضْله بَخلُوا بهِ} أى بفضله الذى تفضل به عليه، أو بالمال الذى آتاهم والمقصد واحد، والبخل منع الواجب فى المال {وَتَولَّوا} عن طاعة الله سبحانه وتعالى والوفاء بالعهد {وهُم مُعْرضون} عن ذلك.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ} الهاءُ من به عائِد إلى مفعول محذوف، أَى فلما آتاهم الله مالا بخلوا به، ولما آتاهم ما سأَلوا بخلوا به، ومن للابتداء ولو جعلناها تبعيضية وقلنا من التبعيضية اسم لكانت مفعولا لآتى وعادت إِليه الهاءُ، ويجوز عودها إِلى فضله العام المذكور مرادًا بها الفضل الخاص وهو ما أَعطاه الله على طريق الاستخدام، وبخلهم هو منعهم الزكاة {وَتَوَلَّوْا} عما عاهدوا من الزكاة والطاعة {وَهُمْ مُعْرِضُونَ} فى غير ذلك أَيضا عن الحق، ومن عادتهم الإِعراض، جاءَ ثعلبة بن حاطب الأَنصارى ـ بثاءٍ مثلثة وعين مهملة ـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أَن يرزقنى مالا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدى شكره خير من كثير لا تطيقهتفسير : . وكان قبل ذلك يحافظ على الصلاة مع الجماعة، ويعجل الخروج من المسجد، فقال صلى الله عليه وسلم له: حديث : فيك خصلة نفاقتفسير : . فقال ما لنا للصلاة إِلا هذا الثوب فأَتعجل به إلى زوجى لتصلى به، ثم أَتاه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله ادع الله أُن يرزقنى مالا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : أَما لك فىَّ أُسوة حسنة، والذى نفسى بيده لو أَردت أَن تسير الجبال معى ذهبا وفضة لسارت"تفسير : ، ثم أَتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله، ادع الله أَن يرزقنى مالا، والذى بعثك بالحق لئن رزقنى الله مالاً لأُعطين كل ذى حق حقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اللهم ارزق ثعلبة مالاتفسير : . فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت عنه المدينة، فتنحى عنها ونزل واديا من أَوديتها فكان يصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر ويصلى سائِر الصلوات فى غنمه، ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة فصار لا يشهد إِلا الجمعة، فزادت حتى لا يشهد جماعة ولا جمعة، وإِذا كان يوم الجمعة تلقى الناس يسأَلهم عن الأَخبار فذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: حديث : ما فعل ثعلبة؟ تفسير : فقالوا: يا رسول الله اتخذ ثعلبة غنما لا يسعها واد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة!! تفسير : ونزلت آية الصدقة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بنى سليم ورجلا من بنى جهينة وكتب لهما أَسنان الصدقة، وكيف يأْخذانها وقال لهما: مرَّا على ثعلبة بن حاطب وفلان من بنى سليم فخذا صدقتهما فخرجا حتى أَتيا ثعلبة فسأَلاه الصدقة وأَقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ما هذه إِلا جزية. ما هذه إِلا أُخت الجزية. انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إِلى فانطلقا، وسمع بهما السلمى فنظر إِلى خيار أَسنان إِبله فعزلها للصدقة واستقبلهما بها، فقالا: ما عليك هذا. قال: خذاه فإِن نفسى طيبة، فقالا: حتى يأْذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرا على الناس وأَخذا الصدقات ثم رجعا إِلى ثعلبة، فقال: أَريانى كتابكما فقرأَه وقال: ما هذه إِلا جزية، ما هذه إِلا أُخت الجزية، اذهبا حتى أَرى رأْيى، فرجعا فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أَن يتكلما: حديث : يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبةتفسير : ، وأَخبراه بخبر السلمى، فقبل عنه ودعا له بخير، وأَخبراه بخبر ثعلبة ونزل فيه: {ومنهم من عاهد الله لئِن آتاها من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين. فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} وروى أَيضا أَنه أَتى مجلس الأَنصار فقال: عهدت إِليه إِن آتانى مالا تصدقت منه وأَديت حقه، فورث ابن عم له ولم يف بالوعد، وكذا معتب بن قشير وعد فأوتى مالا فلم يف، وكان لحاطب أيضا مال بالشام فأَبطأَ عنه فجاءَه ولم يف، فلعل الآية نزلت فى ذلك كله.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ} أي منعوا حق الله تعالى منه {وَتَوَلَّواْ} أي أعرضوا عن طاعة الله سبحانه، {وَهُم مُّعْرِضُونَ} أي وهم قوم عادتهم الإعراض عن الطاعات فلا ينكر منهم هذا؛ والجملة مستأنفة أو حالية والاستمرار المقتضي للتقدم لا ينافي ذلك، والمراد على ما قيل: تولوا بإجرامهم وهم معرضون بقلوبهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَاهُمْ} (76) - فَلَمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ، وَأَعْطَاهُمْ مَا طَلَبُوا، لَمْ يُوفُوا بِالعَهْدِ، وَبَخِلُوا بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَمْسَكُوهُ فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا مِنْهُ بِشَيءٍ. وَتَوَلَّوْا وَانْصَرَفُوا عَنِ الاْسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالصَّلاَحِ، وَإِصْلاَحِ حَالِهِمْ وَحَالِ أُمَّتِهِمْ، كَمَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولله عطاءان: عطاء الأسباب، وعطاء التفضل. و "عطاء الأسباب" يتمثل في أن يَجدَّ الإنسان في أي عمل من الأعمال؛ فيعطيه الله ثمرة عمله؛ مؤمناً كان أو كافراً؛ طائعاً أو عاصياً؛ لأن الإنسان قد أخذ الأسباب وأتقنها، ولذلك تجد بعضاً من الكافرين بالله وهم يعيشون في سعة؛ لأنهم يحسنون الأسباب، وما داموا قد أحسنوا الأسباب، وهم عبيد الله أيضاً، وسبحانه هو الذي استدعاهم للوجود، فضمن لهم أن تستجيب لهم الأسباب، ولا تضِنّ عليهم؛ فالشمس تشرق على المؤمن والكافر، وعلى الطائع والعاصي، والمطر ينزل على الأرض. وكذلك كل شيء في الأرض تستجيب عناصره لما يزرعون أو لما يفعلون، إذن فهذا عطاء الأسباب. ولكن الحق سبحانه يستر عطاء الفضل في عطاء الأسباب، كمن يسير في طريق مجهول فيجد كنزاً، أو أن ثمار محصوله لا يأتي عليها ريح أو إعصار يقلل من ناتج المحصول. ويبارك له الحق سبحانه في بيع محصوله، ويبارك له في رزقه منه، فلا يصرفه فيما يضيع ويذهب ماله. وهذا كله اسمه عطاء الفضل. وعطاء الأسباب عَامٌّ للناس جميعاً. أما عطاء الفضل فهو خاص بأولياء الله الذين أخلصوا عملهم لله طاعة وامتثالاً. وقول الحق سبحانه وتعالى: {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ} دليل على أن الرزق الذي جاءهم لم يخضع للأسباب وحدها. بل زاد عما تعطيه الأسباب بفضل من الله. فالتكاثر الذي حدث في أغنام ثعلبة لم يكن تكاثراً بالأسباب فقط، بل فيه بركة جعلت البطن الواحدة من الشاة تأتي بأكثر من وليد، والعشب الذي ترعاه يُدِرّ كمية كبيرة من اللبن. {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ} ما هو البخل؟ هناك في اللغة أسماء للامتناع عن العطاء، فهناك بُخْل، وشُح، وكزازة، وكلها أسماء للامتناع عن عطاء شيء، لكن منازل العطاء والبخل تختلف؛ بمعنى أن هناك إنساناً لا يعطي إلا من سأله؛ تلك منزلة، وإنساناً آخر لا يعطي كل من سأله، بل يعطي من سأله بأسباب تثير عواطفه نحوه، كأن يقول: ولدي مريض، أو احترق بيتي، فالسائل هنا لا يسأل فقط، ولكنه يجيء بعلة السؤال مثيرة للعواطف. وهناك من يعطي بغير سؤال. هي إذن: ثلاث مراحل للعطاء؛ واحد يعطي من يراه هكذا؛ مظنة أن حالته رقيقة من غير أن يسأل، وهذه منزلة من منازل القرب من الله، ينير الله بها بصائر قوم لتكون يدهم هي يد الله عند خلق الله. بل إن هناك أناساً يعاتبون أنفسهم إذا جاء إنسان فسألهم صدقة أو معونة؛ كالرجل الذي ذهب فطرق الباب، فخرج إليه صاحب البيت فسأله عما يريد، فطلب السائل منه مالاً فدخل صاحب البيت بيته وأخذ شيئاً من مال وأعطاه للسائل، فعلمت امرأته أنه جاء يسأله مالاً فأعطاه، ولكن الزوج الذي أعطى مالاً رجع يبكي. فقالت له: وما يبكيك وقد أجبْتَهُ إلى مطلبه؟ فقال: يبكيني أنني تركته ليسألني، أي: أنه يبكي لأنه لم يملك فِطْنَةً تجعله يستشفُّ مسائل الناس من حوله ليعطي المحتاجين بغير سؤال. إذن: فواحد يعطي عن مسألة؛ تلك مرتبة، وهناك من يعطي من غير مسألة، بل يعطي عن فضل عنده، أي: يملك الكثير ويعطي منه. وثالث: يعطي نصف ما عنده؛ يقاسمه فيما يملك، أو يعطي أكثر ما عنده حسب ما ينقدح في ذهنه من حاجة الإنسان المعطي. هي إذن ثلاث مراحل: رجل يعطي من غير سؤال، ورجل يعطي بسؤال فيه أسباب مثيرة ومُهيِّجة للعاطفة، ورجل يعطي بمجرد السؤال. فمن هو البخيل؟ أفظع درجة للبخل؛ أن يبخل الرجل على من يسأله مسألة مُسبَّبة بأحداث تهيج العواطف، ومع ذلك لا يرق قلبه، هذا هو البخيل. {فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} واحد من هؤلاء لم يبخل فقط، بل انصرف عن الذي يسأله، مثل الذي انصرف عن العامل الذي جاء يأخذ الصدقة، وقد كان عليه - مثلاً - أن يُجْلس العامل، ويقدم له التحية الواجبة؛ ثم يقول له سنرى رأينا، ولكنه تولَّى وأعرض عنه. ويأتي الحق هنا بعقاب من يسلك مثل هذا السلوك فيقول: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ ...}.