Verse. 1312 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

فَاَعْقَبَہُمْ نِفَاقًا فِيْ قُلُوْبِہِمْ اِلٰى يَوْمِ يَلْقَوْنَہٗ بِمَاۗ اَخْلَفُوا اللہَ مَا وَعَدُوْہُ وَبِمَا كَانُوْا يَكْذِبُوْنَ۝۷۷
FaaAAqabahum nifaqan fee quloobihim ila yawmi yalqawnahu bima akhlafoo Allaha ma waAAadoohu wabima kanoo yakthiboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فأعقبهم» أي فصير عاقبتهم «نفاقا» ثابتا «في قلوبهم إلى يوم يلقونه» أي الله وهو يوم القيامة «بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون» فيه فجاء بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم بزكاته فقال إن الله منعني أن أقبل منك، فجعل يحثو التراب على رأسه ثم جاء إلى أبي بكر فلم يقبلها ثم إلى عمر فلم يقبلها ثم إلى عثمان فلم يقبلها ومات في زمانه.

77

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَأَعْقَبَهُمْ } أي فصيَّر عاقبتهم {نِفَاقاً } ثابتاً {فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } أي الله وهو يوم القيامة {بِمآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } فيه. فجاء بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم بزكاته فقال «حديث : إن الله منعني أن أقبل منك»تفسير : فجعل يحثو التراب على رأسه، ثم جاء بها إلى أبي بكر فلم يقبلها، ثم إلى عمر فلم يقبلها، ثم إلى عثمان فلم يقبلها ومات في زمانه.

الخازن

تفسير : {فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم} يعني فأعقبهم الله نفاقاً بأن صيرهم منافقين يقال أعقبت فلاناً ندامة إذا صارت عاقبة أمره إلى ذلك وقيل معناه أنه سبحانه وتعالى عاقبهم بنفاق قلوبهم {إلى يوم يلقونه} يعني أنه سبحانه وتعالى حرمهم التوبة إلى يوم القيامة فيوافونه على النفاق فيجازيهم عليه {بما أخلفوا الله ما وعدوه} يعني الصدقة والإنفاق في سبيله {وبما كانوا يكذبون} يعني في قولهم لنصدقن ولنكونن من الصالحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا ائتمن خان"تفسير : عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خلة وفي رواية خصلة منهن كان فيه خصلة من نفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر "تفسير : قال الشيخ محيي الدين النووي: هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلاً من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق مخلد في النار فإن أخوة يوسف عليه السلام جمعوا هذه الخصال وكذا قد يوجد لبعض السلف ولبعض العلماء بعض هذا أو كله. قال الشيخ: هذا ليس بحمد الله إشكالاً ولكن اختلف العلماء في معناه فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها يشبه المنافقين في هذه الخصال ويتخلق بأخلاقهم فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه وهذا موجود في صاحب هذه الخصال فيكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار وقوله صلى الله عليه وسلم كان منافقاً خالصاً معناه كان شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال قال بعض العلماء وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من ندر ذلك منه فليس ذلك حاصلاً فيه هذا هو المختار في معنى الحديث. وقال جماعة من العلماء: المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم حدثوا في أيمانهم فكذبوا وائتمنوا على دينهم فخافوا ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا وفجروا في خصوماتهم وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن البصري بعد أن كان على خلافه، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر وروياه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال القاضي عياض: وإليه مال أكثر أئتمنا. وحكى الخطابي قولاً آخر: إن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال وحكى أيضاً عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقولا فلان منافق وإنما يشير إشارة كقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما بال أقوام يفعلون كذا"تفسير : والله أعلم. وقال الإمام فخر الدين الرازي: ظاهر هذه الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به. وقوله سبحانه وتعالى: {ألم يعلموا} يعني هؤلاء المنافقين {أن الله يعلم سرهم} يعني ما تنطوي عليه صدورهم من النفاق {ونجواهم} يعني ويعلم ما يفاوض به بعضهم بعضاً فيما بينهم والنجوى هو الخفي من الكلام يكون بين القوم والمعنى أنهم يعلمون أن الله يعلم جميع أحوالهم لا يخفى عليه شيء منها {وأن الله علام الغيوب} وهذا مبالغاً في العلم يعني أن الله عالم بجميع الأشياء فكيف تخفى عليه أحوالهم. قوله عز وجل: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} الآية (ق) عن أبي مسعود البدري قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحمل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا مراء وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا إن الله لغني عن صاع هذا فنزلت {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم} الآية وقال ابن عباس وغيره من المفسرين: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف درهم جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله وأمسكت أربعة آلاف لعيالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت" تفسير : فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى أنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: يا رسول الله بت ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لعيالي وأتيتك بالآخر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثرة في الصدقات فلمزهم المنافقون. فقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء وإن الله ورسوله لغنيان عن صاع أبي عقيل ولكن أحب أن يذكر نفسه ليعطي من الصدقة فأنزل الله سبحانه وتعالى الذين يلمزون يعيبون المطوعين يعني المتبرعين من المؤمنين يعني عبد الرحمن بن عوف وعاصم بن عدي في الصدقات والتطوع التنفل بما ليس بواجب عليه {والذين لا يجدون إلا جهدهم} يعني أبا عقيل الأنصاري والجهد بالضم الطاقة وهي لغة أهل الحجاز وبالفتح لغيرهم وقيل: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة وقد يكون القليل من المال الذي يأتي به فيتصدق به أكثر موقعاً عند الله تعالى من الكثير الذي يأتي به فيتصدق به لأن الغني أخرج ذلك المال الكثير عن قدرة وهذا الفقير أخرج القليل إنما أخرجه عن ضعف وجهد وقد يؤثر المحتاج إلى المال غيره رجاء ما عند الله تعالى كما قال سبحانه وتعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة {فيسخرون منهم} يعني أن المنافقين كانوا يستهزئون بالمؤمنين في إنفاقهم المال في طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو قولهم لقد كان الله عن صدقة هؤلاء غنياً وكان يعيرون الفقير الذي يتصدق بالقليل ويقولون: إنه لفقير محتاج إليه فكان يتصدق به وجوابهم إن كل من يرجو ما عند الله من الخير والثواب يبذل الموجود لينال ذلك الثواب الموعود به وقوله سبحانه وتعالى: {سخر الله منهم} يعني أنه سبحانه وتعالى جازاهم على سخريتهم ثم وصف ذلك وهو قوله تعالى: {ولهم عذاب أليم} يعني في الآخرة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} [الآية: 77]. وهو ميراث البخل وهو الكذب والخلف والخيانة، لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: " حديث : علامة المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان ". تفسير : وظهرت هذه الثلاثة فى تقلبه.

القشيري

تفسير : أعقبهم ببخلهم نفاقاً في قلوبهم، ويصحُّ أعقبهم الله نفاقاً في قلوبهم، وفي الجملة: مَنْ نَقَضَ عهده في نفسه رفض الودَّ من أصله، وكلُّ من أظهر في الجملة خيراً واستبطن شراً فقد نافق بقسطه. والمنافق في الصف الأخير في دنياه، وفي الدَرْكِ الأسفل من النار في عقباه.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاعقبهم} اى جعل الله عاقبة فعلهم ذلك فالمعنى على تقدير المضاف اى اعقب فعلهم {نفاقا} راسخا {فى قلوبهم} وسوء اعتقاد يقال اعقبه الله خيرا اى صير عاقبة امره ذلك خيرا ويقال اكلت سمكة واعقبتنى سقما اى صيرت تلك الاكلة او السمكة عاقبة امرى سقما {الى يوم يلقونه} اى الى يوم موتهم الذى يلقون الله عنده دل على تأييد نفاقهم وان البخل ومنع حق الله تعالى مما اعطاه اياه يؤدى الى ان يموت وهو منافق ولا يثبت له حكم الاسلام أبدا نعوذ بالله كابليس ترك امرا واحدا فطرده عن بابه وضرب وجهه بعبادته ثمانين الف سنة ولعنه الى يوم الدين واعدله عذابا اليما أبدا الآبدين: قال الحافظ شعر : زاهد أيمن مشو ازبازئ غيرت زنهار كه ره از صو معه تادير مغان اين همه نيست تفسير : {بما اخلفوا الله ما وعدوه} بسبب اخلافهم ما وعدوه من التصدق والصلاح {وربما كانوا يكذبون} اى لكونهم مستمرين على الكذب فى جميع المقالات التى من جملتها وعدهم المذكور

الطوسي

تفسير : بين الله تعالى أنه أعقب هؤلاء المنافقين ومعناه أورثهم وأداهم إلى نفاق في قلوبهم بخلهم بما آتاهم الله من فضله مع الاعراض عن أمر الله، وهو قول الحسن وقال مجاهد: معناه أعقبهم ذلك بحرمان التوبة كما حرم ابليس، وجعل ذلك إمارة ودلالة على أنهم لا يتوبون أبداً لأحد شيئين: من قال: اعقبهم بخلهم رد الضمير اليه. والمعنى يلقون جزاء بخلهم. ومن ذهب إلى ان الله أعقبهم رد الضمير إلى اسم الله. وقوله {بما أخلفوا الله ما وعدوه} فالاخلاف نقض ما تقدم به العقد من وعد أو عزم وأصله الخلاف، لأنه فعل خلاف ما تقدم به العقد. والوعد متى كان بأمر واجب أو ندب أو أمر حسن قبح الاخلاف، وان كان الوعد وعداً بقبيح كان إخلافه حسناً. وقوله {وبما كانوا يكذبون} يقوي قول من قال: إن الضمير عائد إلى الله لأنه بين انه انما فعل ذلك جزاء على اخلافهم وعده وجزاء على ما كانوا يكذبون في اخبارهم عليه.

الجنابذي

تفسير : {فَأَعْقَبَهُمْ} البخل والتّولىّ {نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ} لا فى السنتهم وصدورهم فقط، او المراد بالقلوب نفوسهم {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} اعلم، انّ الصّدق والكذب كالحقّ والباطل كما يجريان فى الاقوال اللّسانيّة والعلوم النّفسانيّة يجريان فى الافعال والاخلاق والاحوال، فكما انّ القول اخبار عن الواقع وصدقه باعتبار مطابقة نسبته للواقع وكذبه بعدم مطابقتها له كذلك فعل الانسان الجارى على جوارحه باعتبار نسبته الى صورته ينبئ عن انّه صادر عن انسانيّته وغايته استكمال انسانيّته، فكلّما كان هذا الاخبار مطابقاً للواقع بمعنى كون الفعل صادراً عن الانسانيّة وراجعاً الى استكمال الانسانيّة فالفعل صدق والفاعل صادق، وكلّما لم يكن هذا الاخبار مطابقاً للواقع بمعنى انّ الفعل الجارى على صورة الانسان لم يكن صادراً عن الانسانيّة، بل عن البهيميّة او السبعيّة او الشّيطانيّة كان الفعل كذباً وفاعله كاذباً وهكذا الحال فى الاخلاق والاحوال، ويجرى ايضاً هذا الاعتبار فى الاقوال والعلوم فانّها ان كانت صادرة عن الانسانيّة وراجعة الى استكمالها فهى صادقة بهذا الاعتبار، وان لم يكن كذلك فهى كاذبة وان كانت صادقة باعتبارها فى انفسها، والمعتبر عند اهل الله فى الصّدق والكذب فى الاقوال والعلوم هو اعتبار المبدء والمرجع دون الواقع فقط، ولذا ورد عنهم (ع): من فسّر القرآن برأيه يعنى بحيثيّة شيطانيّته لا بحيثيّة انسانيّة واصاب الحقّ فقد أخطأ، وورد نفى العلم عمّن لم يكن عمله متوجّهاً الى حيثيّة انسانيّته وآخرته من غير اعتبار مطابقته وعدم مطابقته كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة:102]، فقد نفى العلم عنهم مع اثباته لهم مطابقاً لما فى نفس الامر حيث كان الواقع كما علموا، لكن لمّا لم يكن علمهم متوجّهاً الى جهة استكمال الانسانيّة نفاه عنهم واثبت الجهل لهم بنفى العلم عنهم، اذا تقرّر هذا فاعلم، انّ الانسان له مراتب ولكلّ مرتبة منها درجات فهو ما دام فى مرتبة نفسه فاذا كان فى درجة النّفس الامّارة فكلّ ما يصدر عنه فهو كذب، واذا ترقّى من هذه الدّرجة ووقع فى درجة النّفس اللّوامة فقد يكون ما يصدر عنه صادقاً وقد يكون كاذباً، واذا ترقّى الى درجة النّفس المطمئنّة ولا يكون هذا التّرقّى الاّ اذا تمكّن فى مرتبة القلب فكلّ ما يصدر عنه يكون صادقاً، فالمنافق الواقع فى درجة النّفس الامّارة لا يكون منه الاّ الكذب ويصير الكذب سجيّة له ولذلك اتى بالماضى فى قوله بما اخلفوا الله وبالمضارع الدّالّ على الاستمرار التّجدّدى فى الكذب مع تخلّل كان الدّالّ على انّ مدخوله صار سجيّة.

اطفيش

تفسير : {فأعْقَبهُم} أى الله أو البخل كما قال الحسن وقتادة، والأول أولى لذكر لفظ الجلالة بالتصريح، ولمناسبة الهاء فى يلقونه، ولأن الإسناد إلى الله فى ذلك حقيقة {نِفاقاً} متمكنا {فى قُلُوبهم} أى جعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقا وسوء اعتقاد، أو أورثهم البخل نفاقا، وفى قلوبهم نعت لنفاقا كما رأيت، أو متعلق بأعقب، ثم ظهر لى وجه آخر فى معنى أعقبهم نفاقا وهو أن أعقب بمعنى جازى، أى جزاهم نفاقا قال فى القاموس: أعقبه جازاه. {إلَى يَوْم} متعلق بأعقب لتضمنه معنى أثبت، أو بمحذوف نعت لنفاقا {يَلْقونَهُ} أى الله صفة يوم، والراجح محذوف، أى فيه وهو يوم موتهم فيلقونه منافقين، وقيل: يوم القيامة، ومعنى لقاءهم الله فى يوم القيامة بالنفاق، أنهم يلقونه غير تائبين، لأنهم ماتوا عليه فلا توبة، ويجوز عود هاء يلقونه إلى اليوم، فتكون هى الراجع، فالمعنى لقاء العمل ليوم أى جزاء العمل فى اليوم وهو يوم القيامة. {بما اخْلفُوا} أى بسبب إخلافهم {الله مَا وَعدُوه} ومن التصدق والكون من الصالحين {وبمَا كانُوا} أى وبسبب كونهم {يكْذِبُون} فى القول الذى قالوه، وهو ما ذكر من الوعد، أو فى القول مطلقا، وخلف الوعد مستقبح من حيث هو خروج عما التزم، ومن حيث تضمنه الكذب، وقرأ أبو رجاء يكذبون بالتشديد، أى يكذبون أمر الآخرة والشريعة، وهم مشركون فى الباطن على ما قالوا، أو نزل مخالفة أفعالهم لأقوالهم تكذيبا، وقراءة التخفيف وفتح الياء أولى لكثرة وصف المنافق بالكذب، ولأنه أنسب بكونه منافقاً، وقد ورد فى أحاديث أن للمنافق علامات: الكذب إذا تحدث، والخلف إذا وعد، والخيانة إذا ائتمن، والفجور إذا خاصم، وكل من فعل مثل ذلك من الموحدين فهو منافق أى مخالف لما يقول. ويعتقد من الجمل الثلاث ونحوهن، وكافر للنعم، وشبيه للمنافق الذين أثبتهم المخالفون، وبعضنا وهم من أسروا الشرك، وزعم بعض أنهم المراد فى تلك الأحاديث، وأنهم فى عصره صلى الله عليه وسلم لا غير، وزعم بعض أن المراد فيهن منافق واحد معين فى عصره، وبعض: أن المراد التحذير عن هذه الخصال وان تأملهن من الموحدين ليس منافقا، وهذا كله خروج عن الظاهر، وأجاز بعضهم أن يكون المراد أن ترك قبول الزكاة هو العقاب. كتب عامل إلى عمر بن عبد العزيز، إن فلانا يمنع الزكاة، فكتب إليه أن دعه، واجعل عقابه أن لا يؤدى الزكاة مع المسلمين، أى لما يلحقه من المقت فى ذلك وما يفوته من الخير.

اطفيش

تفسير : {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} وكان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت الآية رجل من أَقارب ثعلبة فذهب إِليه فقال: قد نزلت فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أَتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأَله أَن يقبل صدقته. فقال: حديث : إِن الله منعنى أَن أَقبل صدقتكتفسير : . فجعل يحثو التراب على رأْسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : هذا عملك قد أَمرتك فلم تعطنىتفسير : ، وأَتى أَبا بكر فى خلافته فقال: لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أَقبلها، وأَتى عمر فى خلافته فقال له: لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أَبو بكر فلا أَقبلها، وأَتى عثمان فى خلافته فلم يقبلها ومات فى خلافته، ولو أَدرك الإِمام عليا لم يقبلها منه كما لم يقبلها من قبله، وهو كأَشدهم عزوفا عن الدنيا ومالها ولذاتها، والواجب أَداءُ الزكاة بطيب نفس أَو بالصبر عليه والاحتساب، والضمير فى أَعقب عائد إِلى البخل أَى أَورثهم، أَو إِلى الله عز وجل أَى صير عاقبتهم نفاقا، يقال: أعقبك الله خيرا أى صير عاقبتك خيرا، وهذا أَولى لعود هاءِ فضله وهاءِ يلقونه إِليه تعالى، قيل ولأَن إِسنَاد إِعقاب النفاق إِلى البخل بعيد لقوله بما أَخلفوا الله ما وعدوه، فإِن الإِخلاف هو بالبخل فكأنه أَعقب البخل نفسه، الجواب أَنه نفاق أَعقب نفاقا آخر، والمعصية تورث معصية. وفى متعلق بنعت محذوف أى راسخا فى قلوبهم، والنفاق فى القلب والنفاق بالجارحة تابع له وأَجاز بعضهم عود الهاءِ من يلقونه للبخل أَى جزاءَ بخلهم والفاءُ فى قوله فأَعقبهم والباءُ فى قوله بما أَخلفوا سببيتان وما مصدرية، أَى بإِخلافهم الله، ويوم القيامة وقت الموت أَو البعث، والذى وعدوا الله به الصلاح وأداءُ حقوق المال والنفل منه، وكذبهم هو خلف الوعد، فذلك تأْكيد لأَن إِخلاف الوعد متضمن للكذب إِلا أَن يقال: الكذب أَولا فى حين نطقوا بالوعد وهو لفظ ونفاقه إِضمار شرك بدليل قراءَة يكذبون، ولو كان حثو التراب على رأْسه يدل على أَن له تصديقا، ويناسب الإِشراك قوله ما هذه إِلا جزية، وقوله ما هذه إِلا أُخت الجزية، ولو أَتى بها بعد، وما مصدرية، والمصدر من الكون الذى له خبر وهو دال على الحدث فيتعلق به الظروف فالتقدير بكونهم يكذبون. هذا هو الحق لا ما قيل أَنه لا يدل على الحدث وأَنه لا يعلق به الظروف وأَن المصدر مما بعده هكذا. ويكذبهم أَلا ترى إلى قوله: (وكونك إِياه عليك يسير) وترجمة مصدره بلى بفتح اللام بلغة البربر، ومن حديث أَبى هريرة مرفوعاً: حديث : آية النفاق ثلاث: إِذا حدث كذب، وإِذا وعد أَخلف، وإِذا أُؤتِمَن خانتفسير : . ومن حديث عبدالله بن عمر وابن العاص مرفوعاً: حديث : أَربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خلة ـ وفى رواية خصلة ـ منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إِذا حدث كذب، وإِذا عاهد غدر، وإِذا وعد أَخلف، وإِذا خاصم فجرتفسير : ، وهذا ظاهر فى أَن النفاق يطلق فى إِضمار الشرك مع إِظهار التوحيد، وفى الفسق ممن يوحد الله فى قلبه ولسانه، وقومنا لما خصوا النفاق بإِضمار الشرك وإِظهار التوحيد احتاجوا إِلى أَن يقولوا: شبه الفاسق بمن أَظهر الشرك وأَظهر التوحيد وإلى أَن يقول بعض منهم: إِن ذلك فى الفاسق الغالب عليه ذلك وإلى أَن يقول بعض: ذلك فى المنافقين على عهده صلى الله عليه وسلم وإِلى أَن يقول بعض: ذلك فى رجل مخصوص فى عهده، وذلك خبط والحق ما قلت أولا.

الالوسي

تفسير : {فَأَعْقَبَهُمْ} أي جعل الله تعالى عاقبة فعلهم ذلك {نِفَاقاً} أي سوء عقيدة وكفراً مضمراً {فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} أي الله تعالى، والمراد بذلك اليوم وقت الموت؛ فالضمير المستتر في أعقب لله تعالى وكذا الضمير المنصوب في {يَلْقَوْنَهُ}، والكلام على حذف مضاف، والمراد بالنفاق بعض معناه وتمامه إظهار الإسلام وإضماء الكفر، وليس بمراد كما أشرنا إلى ذلك كله، ونقل الزمخشري عن الحسن وقتادة أن الضمير الأول للبخل وهو خلاف الظاهر بل قال بعض المحققين: إنه يأباه قوله تعالى: {بِمَا أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} إذ ليس لقولنا أعقبهم البخل نفاقاً بسبب اخلافهم الخ / كثير معنى، ولا يتصور على ما قيل أن يعلل النفاق بالبخل أولاً ثم يعلل بأمرين غيره بغير عطف، ألا ترى لو قلت: حملني على إكرام زيد علمه لأجل أنه شجاع وجواد كان خلفاً حتى تقول حملني على إكرام زيد علمه وشجاعته وجوده. وقال الإمام: ولأن غاية البخل ترك بعض الواجبات وهو لا يوجب حصول النفاق الذي هو كفر وجهل في القلب كما في حق كثير من الفساق، وكون هذا البخل بخصوصه يعقب النفاق والكفر لما فيه من عدم إطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وخلف وعده كما قيل لا يقتضي الأرجحية بل الصحة ولعلها لا تنكر، واختيار الزمخشري كان لنزغة اعتزالية هي أنه تعالى لا يقضي بالنفاق ولا يخلقه لقاعدة التحسين والتقبيح، وجوز أن يكون الضمير المنصوب للبخل أيضاً، والمراد باليوم يوم القيامة، وهناك مضاف محذوف أي يلقون جزاءه و {مَا} مصدرية. والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع للإيذان بالاستمرار أي بسبب إخلافهم ما وعدوه تعالى من التصدق والصلاح وبسبب كونهم مستمرين على الكذب في جميع المقالات التي من جملتها وعدهم المذكور، وقيل: المراد كذبهم فيما تضمنه خلف الوعد فإن الوعد وإن كان إنشاء لكنه متضمن للخبر فإذا تخلف كان قبيحاً من وجهين الخلف والكذب الضمني، وفيه نظر لأن تخصيص بذلك يؤدي إلى تخلية الجمع بين الصيغتين عن المزية. وقد اشتملت الآية على خصلتين من خصال المنافقين، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان»تفسير : ويستفاد من «الصحاح» آية أخرى له «حديث : إذا خاصم فجر» تفسير : . واستشكل ذلك بأن هذه الخصال قد توجد في المسلم الذي لا شك فيه ولا شبهة تعتريه بل كثير من علمائنا اليوم متصفون بأكثرها أو بها كلها، وأجيب بأن المعنى أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها يشبه المنافقين في التخلق بها، والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام على ما في بعض الروايات الصحيحة «حديث : أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً» تفسير : أنه كان شديد الشبه بالمنافقين لا أنه كان منافقاً حقيقة. وقيل: إن الأخبار الواردة في هذا الباب إنما هي فيمن كانت تلك الخصال غالبة عليه غير مكترث بها ولا نادم على ارتكابها ومثله لا يبعد أن يكون منافقاً حقيقة، وقيل: هي في المنافقين الذين كانوا في زمنه عليه الصلاة والسلام فإنهم حدثوا في أيمانهم فكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في النصرة للحق فأخلفوا وخاصموا ففجروا، وروي هذا عن ابن عباس وابن عمر، وهو قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبـي رباح، وإليه رجع الحسن بعد أن كان على خلافه، قال القاضي عياض: وإليه مال أكثر أئمتنا، وقيل: كان ذلك في رجل بعينه وهو خارج مخرج قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما بال أقوام يفعلون كذا» تفسير : لأناس مخصوصين منعه كرمه عليه الصلاة والسلام أن يواجههم بصريح القول. وحكى الخطابـي عن بعضهم أن المقصود من الأخبار تحذير المسلم أن يعتاد هذه الخصال ولعله راجع إلى ما أجيب به أولا، وبالجلمة يجب على المؤمن اجتناب هذه الخصال فإنها في غاية القبح عند ذوي الكمال:شعر : مساو لو قسمن على الغواني لما أمهرن إلا بالطلاق تفسير : وقرى {يكذبون} بتشديد الذال.

د. أسعد حومد

تفسير : (77) - فَكَانَتْ عَاقِبَةُ ذَلِكَ البُخْلِ وَالتَّوَلِي بَعْدَ العَهْدِ وَالْمِيثَاقِ أَنْ تَمَكَّنَ النِّفَاقُ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَلاَزَمَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لأَِنَّهُمْ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ مَعْ هَذَا النِّفَاقِ فِي التَّوْبَةِ، وَذَلِكَ لِتَمَكُّنِ صِفَتَيْنِ مِنْ صِفَاتِ أهْلِ النِّفَاقِ فِي قُلُوبِهِمْ وَهُمَا: الْكَذِبُ فِي الْيَمِينِ، وَإِخْلاَفُ الْعَهْدِ. (وَيُرْوَى فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حَاطِبٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اُدْعُ اللهَ لِي أَنْ يَرْزِقَنِي مَالاً. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ لاَ تُطْيقُهُ. قَالَ ثَعْلَبَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَئِنْ دَعَوْتَ اللهَ فَرَزَقَنِي مَالاً لأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: (الَّلهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالاً). فَاتَّخَذَ ثَعْلَبَةُ غَنَماً فَنَمَتْ فَضَاقَتْ عَلَيْهَا الْمَدِينَةُ، فَتَنَحَّى عَنْهَا، فَنَزَلَ وَادِياً مِنْ أَوْدِيَتِهَا حَتَّى جَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمَاعَةً، وَيَتْرُكُ مَا سِوَاهُمَا. ثُمَّ نَمَتْ فَكَثُرَتْ فَتَنَحَّى حَتَّى تَرَكَ الصَّلَوَاتِ إلاَّ الْجُمْعَةَ، ثُمَّ تَرَكَ الْجُمْعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّةً عَنْ ثَعْلَبَةَ فَأَخْبَرُوهُ بِأَمْرِهِ، فَقَالَ: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ".

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَأَعْقَبَهُمْ} أي: جعل العاقبة لهذا التصرف؛ أن جعل في قلوبهم النفاق {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} أي: إلى يوم القيامة. وما دام الله قد قال هذا فمعناه أن الذي عمل مثل هذا العمل، وسئل الصدقة فمنعها وبخل وتولى وأعرض، فهذا إعلام من الله أن هذا الإنسان لا يموت على إيمان أبداً. ولم يمت واحد من هؤلاء على الإيمان، وقد كان هذا العقاب بسبب أنهم أخلفوا الله ما وعدوه فقال سبحانه: {بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ} وكذلك جاءهم العقاب بسبب أنهم: {كَانُواْ يَكْذِبُونَ} فكأن الواحد منهم قد كذب كلمة العهد أولاً، وكذب ثانياً في أنه قال: أهي أخت الجزية؟ مع أنه يعرف أن الزكاة عن المال هي ركن من أركان الإسلام. ويقول الحق بعد ذلك: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ ...}.