Verse. 1313 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

اَلَمْ يَعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ يَعْلَمُ سِرَّہُمْ وَنَجْوٰىہُمْ وَاَنَّ اللہَ عَلَّامُ الْغُيُوْبِ۝۷۸ۚ
Alam yaAAlamoo anna Allaha yaAAlamu sirrahum wanajwahum waanna Allaha AAallamu alghuyoobi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم يعلموا» أي المنافقون «أن الله يعلم سرهم» ما أسروه في أنفسهم «ونجواهم» ما تناجوا به بينهم «وأنّ الله علام الغيوب» ما غاب عن العيان ولما نزلت آية الصدقة جاء رجل فتصدق بشيء كثير فقال المنافقون: مُراءٍ وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا: إنّ الله غني عن صدقة هذا فنزل.

78

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُواْ } أي المنافقون {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ } ما أسرّوه في أنفسهم {وَنَجْوٰهُم } ما تناجَوْا به بينهم {وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ } ما غاب عن العيان.

ابو السعود

تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُواْ} أي المنافقون أو من عاهد الله وقرىء بالتاء الفوقانية خطاباً للمؤمنين فالهمزةُ على الأول للإنكار والتوبـيخِ والتهديد أي ألم يعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} أي ما أسرُّوا به في أنفسهم وما تناجَوا به فيما بـينهم من المطاعن وتسميةِ الصدقةِ جزيةً وغيرِ ذلك مما لا خيرَ فيه، وسرُّ تقديمِ السر على النجوىٰ سيظهر في قوله سبحانه: {أية : وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ }تفسير : {وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} فلا يخفىٰ عليه شيءٌ من الأشياء حتى اجترأوا على ما اجترأوا عليه من العظائم، وإظهارُ اسمِ الجلالةِ في الموقعين لإلقاء الروعةِ وتربـيةِ المهابةِ، وفي إيراد العلم المتعلّق بسرهم ونجواهم بصيغة الفِعلِ الدالِّ على الحدوث والتجدد، والعلمِ المتعلقِ بالغيوب الكثيرةِ الدائمةِ بصيغة الاسم الدالِّ على الدوام والمبالغة من الفخامة والجزالةِ ما لا يخفى وعلى الثاني لتقرير عِلمِ المؤمنين بذلك وتنبُّههم على أنه تعالى مؤاخِذُهم ومجازيهم بما علم من أعمالهم {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ} نصبٌ أو رفع على الذم، ويجوز جرُّه على البدلية من الضمير في سرَّهم ونجواهم وقرىء بضم الميم وهي لغة أي يعيبون {ٱلْمُطَّوّعِينَ} أي المتطوعين المتبرِّعين {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} حالٌ من المطّوعين وقوله تعالى: {فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ} متعلق بـيلمزون. (روي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حث الناسَ على الصدقة فأتى عبدُ الرحمٰن بنُ عوف بأربعين أوقيةً من ذهب وقيل: بأربعةِ آلافِ درهم وقال: لي ثمانيةُ آلافٍ فأقرضتُ ربـي أربعة وأمسكتُ لعيالي أربعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت» فبارك له حتى صولحت تُماضِرُ رابعةُ نسائِه عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً، وتصدق عاصمُ بنُ عدي بمائة وَسْقٍ من تمر وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر، فقال: بتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير على صاعين فتركت صاعاً لعيالي وجئت بصاع فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثُره على الصدقات فلمَزَهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبدُ الرحمٰن وعاصمٌ إلا رياءً وإنْ كان الله ورسولُه لغنيَّـيْن عن صاع أبـي عقيل ولكنه أحب أن يذكِّر بنفسه ليُعطىٰ من الصدقات فنزلت). {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} عطف على المطوعين أي ويلمزون الذين لا يجدون إلا طاقاتِهم وقرىء بفتح الجيم وهو مصدر جهد في الأمر إذا بالغ فيه وقيل: هو بالضم الطاقةُ وبالفتح المشقة {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ} عطف على يلمِزون أي يهزءون بهم والمرادُ بهم الفريقُ الأخير {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} إخبارٌ بمجازاته تعالى إياهم على ما فعلوا من السخرية والتعبـيرُ عنها بذلك للمشاكلة {وَلَهُمْ} أي ثابت لهم {عَذَابٌ أَلِيمٌ} التنوينُ للتهويل والتفخيم، وإيرادُ الجملةِ اسميةً للدلالة على الاستمرار.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الآية: 78]. قال: السر ما لا يطلع عليه إلا عالم الأسرار والنجوى ما يطلع عليه الحفظة.

القشيري

تفسير : خوَّفَهم بعلمه كما خوَّفهم بفعله في أكثر من موضعٍ من كتابه. و {سِرَّهُمْ} ما لا يطلع عليه غير الله. و {وَنَجْوَاهُمْ} ما يتسارون بعضهم مع بعض. ويحتمل أن يكونَ ما لنفوسهم عليه إشرافٌ من خواطرهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم يعلموا} اى من عاهدوا الله والاستفهام للتقرير اى قد علموا {ان الله يعلم سرهم} اى ما اسروه فى انفسهم من العزم على الاخلاف ولم يتكلموا به سرا ولا جهرا {ونجواهم} وما يتناجون به فيما بينهم من تسمية الزكاة جزية وغير ذلك ممالا خير فيه. والتتاجى [بايكديكر راز كردن] يقال نجاه نجوى وناجاه مناجاة ساره والنجوى السر كالنجى {وان الله علام الغيوب} فلا يخفى عليه شيء من الاشياء فكيف يجترئون على ما هم عليه من النفاق والعزم على الاخلاف شعر : مكن انديشه عصيان جو ميدانى كه ميداند مبين در روى اين وآن جوميدانى كه مى بيند تفسير : وفى الآيات اشارات منها ان من نذر نذرا فيه قربة نحو ان يقول ان رزقنى الله الف درهم فعلى ان تصدق بخمسائة لزمه الوفاء به ومن نذر ما ليس بقربة او بمعصية كقوله نذرت ان ادخل الدار او قال لله ان اقتل فلانا اليوم فحنث يلزمه الكفارة وهى عتق رقبة او اطعام عشرة مساكين او كسوتهم فالواجب واحد من هذه الثلاثة والعبد مخير فيه فان عجز عن احد هذه الاشياء الثلاثة صام ثلاثة ايام متتابعات وان علق النذر بشرط يريد وجوده نحو ان يقول ان قدم فلان او ان قدمت من سفرى او ان شفى الله من مريضى او قضى دينى فلله على صيام او صدقة او ان ملكت عبدا او هذا العبد فعلى ان اعتقه يلزمه الوفاء بما نذر لانه نذر بصيغة وليس فيه معنى اليمين وان علقه بشرط لا يريد وجوده كقوله ان كلمت فلانا او دخلت الدار فعلى صوم سنة يجزئه كفارة يمين والمنذور اذا كان له اصل فى الفروض اى واجب من جنسه لزم الناذر كالصوم والصلاة والصدقة والاعتكاف وما لا اصل له فى الفروض فلا يلزم الناذر كعيادة المريض وتشييع الجنازة ودخول المسجد وبناء القنطرة والرباط والسقاية وقرآة القرآن ونحوها والاصل فيه ان ايجاب العبد معتبر بايجاب الله تعالى تحصيلا للمصلحة المعلقة بالنذر والنذر الغير المعلق لا يختص بزمان ومكان ودرهم وفقير بخلاف المعلق فلو قال الناذر على ان اتصدق فى هذا اليوم بهذا الدرهم على هذا الفقير فتصدق غدا بدرهم آخر على غيره اجزأه عندنا ولا يجزئه عند زفر. واعلم ان المساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجد الرسول والمسجد الاقصى لكونها ابنية الانبياء عليهم السلام لها فضيلة تامة ولهذا اقل الفقهاء لو نذر ان يصلى فى احد هذه الثلاثة تعين بخلاف سائر المساجد فان من نذر ان يصلى فى احدهما له ان يصلى فى الآخر. ومنها ان النفاق عبارة عن الكذب وخلف الوعد والخيانة الى ما ائتمن كما ان الايمان عبارة عن الصدق وملازمة الطاعة لان الله تعالى خلق الصدق فظهر من ظله الايمان وخلق الكذب فظهر من ظله الكفر والنفاق وفى الحديث "حديث : ثلاث من كن فيه فهو منافق وان صام وصلى وزعم انه مسلم اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا ائتمن خان" تفسير : يعنى من يحدث عالما بانه كذب وتعهد عازما على عدم الوفاء وينتظر الامانة للخيانة ولعل هذا يكون فى حق من اعتاد بهذه الخصال لا فى حق من ندرت منه كما هو مذهب البخارى وبعض العلما ومذهب الجمهور على ان هذه الخصال خصال المنافقين وصاحبها شبيه لهم فاطلاق اسم المنافق عليه على سبيل التجوز تغليظا كما ان الله تعالى قال ومن كفر مكان ومن لم يحج لكمال قبحه. قال صاحب التحفة ليس الغرض ان آية المافق محصورة فى الثلاث بل من ابطن خلاف ما اظهر فهو من المنافقين. واعلم ان المنافقين صنفان صنف معلنوا الاسلام ومسروه فى بدء الامر وذلك لغلبة صفات النفاق وقوتها فى النفس معلنوا الاسلام ومسروه فى بدء الامر الى ان استعملوا هذه الصفات المستكنة فى النفس فيظهر بالفعل كما كان بالقوة وذلك لضعفها فى النفس فيعقبهم النفاق الى الابد بالشكوك الواقعة فى قلوبهم وهم عن هذا النوع من النفاق غافلون وهم يصومون ويصلون ويزعمون انهم مسلمون. قال عمر بن عبد العزيز لو جاءت كل امة بمنافقيها وجئنا بالحجاج فضلناهم. يقول الفقير سامحه الله القدير هذا الكلام بالنسبة الى ذلك الوقت ولو انه رأى وزراء آل عثمان ووكلاءهم فى هذا الزمان لوجدهم ارجح من كل منافق لانه بلغ نفاقهم الى حيث اخذوا الرشوة من الكفار ليسامحوهم فى مقاتلتهم ومحاربتهم خذلهم الله دمرهم. ومنها ذم البخل والحرص على الدنيا وفى الحديث "حديث : ثلاثة لا يحبهم الله ورسوله وهم فى لعنة الله والملائكة والناس اجمعين البخيل والمتكبر والاكول " .تفسير : وفى الحديث "حديث : ويل للاغنياء من الفقراء يوم القيامة يقولون ربنا ظلمونا حقوقنا التى فرضت لنا عليهم فيقول الله تعالى بعزتى وجلالى لأبعدنهم ولأقربنكم " .تفسير : قال الحافظ شعر : كنج قارون كه فروميرود از قهر هنوز خوانده باشى كه هم ازغيرت درويشانست تفسير : وفى الحديث "حديث : ما جبل ولى لله الا على السخاء" تفسير : واجود الاجواد هو الله تعالى ألا ترى انه كيف خلع خلعة الوجود على عامة الكائنات مجانا وانعم عليهم انواع النعم الظاهرة والباطنة اى حيث منع الخلق عن المهالك كالشهوات لا بخلا بل شوقا الى اللذات الباقية

الطوسي

تفسير : الالف في قوله {ألم يعلموا} الف استفهام والمراد به الانكار. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله {ألم يعلموا} هؤلاء المنافقون {أن الله يعلم سرهم} يعني ما يخفون في أنفسهم وما يتناجون بينهم، والمعنى انه يجب عليهم أن يعلموا ذلك. تقول: اسره إسراراً، واستسّر استسراراً، وساره مسارة وسراراً، وتسارا إسراراً، والاسرار اخفاء المعنى في النفس والنجوى رفع الحديث باظهار المعنى لمن يسلم عنده من اخراجه إلى عدّو فيه لأنه من النجاة تقول: ناجاه مناجاة، وتناجوا تناجياً فكأن هؤلاء المنافقون يسرّون في أنفسهم الكفر ويتناجون به بينهم. وقيل: السرّ والنجوى واحد مكرر باختلاف اللفظين كما يقول القائل: آمرك بالوفاء وأنهاك عن الغدر والمعنى واحد مكرر باختلاف اللفظين. وقوله {أن الله علام الغيوب} معناه يعلم كل ما غاب عن العباد مما غاب عن احساسهم او ادراكهم من موجود أو معدوم من كل وجه يصح ان يعلم منه، لأنها صفة مبالغة واقتضى ذكر العلم - ها هنا - حال المنافقين في كفرهم سرّاً وإظهارهم الايمان جهراً، فقيل لهم ان المجازي لكم يعلم سركم ونجواكم، كما قال: ذو الرمة في معنى واحد بلفظين مختلفين: شعر : لمياء في شفتيها حوة لعس وفي اللثات وفي انيابها شنب تفسير : فاللعس حوة وكرر لاختلاف اللفظين، ويمكن ان يكون لما ذكر الحوة خشي أن يتوهم السامع سواداً قبيحاً فبين انه لعس لأنه يستحسن ذلك.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ} خفاياً امورهم من خطراتهم وخيالاتهم واخلاقهم واحوالهم {وَنَجْوَاهُمْ} ما يظهر على الستنهم بحيث يخفى على غيرهم، او المراد بالسّرّ الاخلاق والاحوال الموجودة ومكمونات النّفس الّتى لم توجد بالفعل بعد وبالنّجوى ما ظهر على اللّسان بطريق الخفية وما ظهر على النّفوس من الخطرات والخيالات شيطانيّة كانت او رحمانيّة، والاستفهام للتّوبيخ والتّقريع {وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} من ذكر العامّ بعد الخاصّ تحقيقاً للخاصّ وتأكيداً له.

الهواري

تفسير : قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} فسرهم الذي يخفونه والذي في قلوبهم من النفاق، ونجواهم ما يتناجون به من النفاق فيما بينهم. أي: قد عملوا ذلك فيما أنزل الله في كتابه، وقامت به الحجة عليهم. {وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ}. قوله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. ذكروا حديث : أن عبد الرحمن بن عوف جاء بنصف ماله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقرّب به إلى الله فقال: يا رسول الله، هذا صدقة [وأحسبه قال: يا رسول الله هذا نصف مالي أتيتك به، وتركت نصفه لعيالي. فدعا الله أن يبارك له فيما أعطى وفيما أمسك] . تفسير : فلمزه المنافقون، وقالوا: ما أعطى إلا رياء وسمعة. حديث : وجاء الحثحاث أبو عقيل، رجل من الأنصار، إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله: بت البارحة أجر الجرير على صاعين من تمر. فأما صاع فأمسكته لأهلي، وأما صاع فهذا هو. [فقال له نبي الله عليه السلام خيراً]تفسير : ؛ فقال المنافقون: والله إن كان الله ورسوله لغنيِّيْنِ عن صاع أبي عقيل. فأنزل الله هذه الآية. وقال: { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} أي خالفوا الله ورسوله { وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} أي لا يكونون بالفسق مهتدين عند الله. وهذا فسق النفاق، وهو فسق دون فسق، وفسق فوق فسق. وكانوا يأتون النبيَّ عليه السلام ويعتذرون إليه، ويقولون: (أية : إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحُسْنَى) تفسير : [التوبة:107] و (أية : إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً) تفسير : [النساء:62]. فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : قد خيّرني ربي، فوالله لأزيدنَّهم على السبعين تفسير : ؛ فأنزل الله هذه الآية في سورة المنافقون (أية : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ) تفسير : [المنافقون:6] وهو فسق النفاق. وهذا مما يدل أهل الفراق أن لو كانوا مشركين كما وصفوا لم يستغفر لهم رسول الله، ولم يقل لأزيدن على السبعين مرة في الاستغفار لهم؛ وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجهل الشرك فيستغفر لأهله، وقد قال الله: (أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ) تفسير : [التوبة:113].

اطفيش

تفسير : {ألَم يعْلَموا} أى المخالفون أو المنافقون مطلقا، وقرأ أبو عبد الرحمن، والحسن بالمثناة الفوقية على الالتفات {أنَّ اللهَ يعْلَم سرَّهم} قال علىّ: ما أسروه فى أنفسهم من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه {ونَجْواهُم} ما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن فى الدين، وتسمية الزكاة جزية، وتدبير منعها، وهذا منه تفسير بالمنافقين مطلقا، ويحتمل أن يكون تفسيرا للمخالفين العهد، فإنهم لا يخلون أيضا عن طعن، وفى ذلك رجوع للغيبة بعد الانصراف عنها على قراءة من قرأ تعلموا بالفوقية خطابا لهم، إلا أن يقال خطاب للمؤمنين، كأنهم تعجبوا من أمر هؤلاء، أو استعظموه، أو ضجروا منهم فخوطبوا بذلك، وعلى هذا فلا التفات، وقد ذكر السر ما هو أنسب بكون العهد بالنية. {وأنَّ اللهَ عَلاَّمُ الغُيوبِ} فلا يخفى عليه ذلك.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُوا} أَى المنافقون عموماً أَو المنافقون المذكورون فى قوله من عاهد الله. {أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ} أَى مسرورهم فى أَنفسهم بلا نطق {وَنَجْوَاهُمْ} أَى منجوهم فيما بينهم بنطق خفى، ومثله ما جهروا به حيث لا يسمع أحد فهما مصدران بمعنى مفعول، وذلك أَنهم أَسروا فى قلوبهم وفيما بينهم النفاق، والإِخلاف والطعن وتسمية الزكاة جزية أَو أَختها والتكذيب والفتك بالنبى صلى الله عليه وسلم {وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} جمع للغيب الذى هو مصدر بمعنى غائب، هو علام لأَنواع ما غاب من خلقه فكيف يخفى عنه حال المنافقين، وحث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خطبة على صدقة بعد نزول آية الزكاة وشهرتها ومضى مدة، فجاءَ عبدالرحمن بن عوف رضى الله عنه بأَربعة آلاف درهم، فقال: كان لى ثمانية آلاف درهم، فأَقرضت ربى أَربعة وأَمسكت لعيالى أربعة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : بارك الله لك فيما أَعطيت وفيما أَمسكت"تفسير : ، فبارك الله له حتى صولحت إِحدى امرأَتيه على ثمانين أَلف درهم، فثمن ما له أَكثر من مائة أَلف درهم وستين أَلف درهم، كما يدل له المصافحة مبادرة، وقيل أَنه جاءَ إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأَربعمائةِ أُوقية ذهباً، واسم تلك المرأَة تماضر، وقيل أَزواجه أَربع فصولحت تلك المرأَة عن ربع الثمن عن ثمانين أَلفاً، فثمن ماله أَكثر من ثلاث مائَة أَلف وعشرين أَلف درهم، وما بورك له به أَنه أَعتق ثلاثين أَلف رقبة، وأَوصى بخمسين أَلف دينار، وأَلف فرس فى سبيل الله، وأَوصى لكل واحد ممن بقى من أَهل بدر بأَربع مائة دينا والباقون مائَة رجل، وأَظن أَنه بورك له فى الآخرة بأَكثر من سبع مائة لكل حسنة، وجاءَ عاصم بن عدى بمائة وسق تمرا، والوسق ستون صاعاً أَو حمل بعير، وجاءَ أَبو عقيل الأَنصارى واسمه الحيحاب، وقيل سهل بن رافع بصاع تمراً. فقال: بت ليلتى أَجر بالجرير على صاعين فتركت صاعاً لعيالى وجئت بصاع، فأَمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن ينثره على الصدقات، والجرير الحبل يسقى به على بعيره أَو على ظهره من البئر لشجرهم ونخلهم أَو حرثهم، أَو يرفع به التراب بجرد به فى وعاءٍ، ثم رأَيت ما يعين الأَول وهو السقى، وهو لفظ البخارى ومسلم: بت ليلتى أجر بالجرير الماءَ حتى نلت صاعين فأَمسكت أَحدهما لعيالى إِلخ، فقال المنافقون: ما أَعطى عبد الرحمن وعاصم إِلا رياءً، وقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع أَبى عقيل، ولكن أَحب أَن يذكره ليعطى من الصدقة، وقد قال صلى الله عليه وسلم خلاف قولهم:" حديث : أَفضل الصدقة جهد المقل"تفسير : ، ونزل فى ذلك كله قوله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المطَّوّعِينَ مِنَ الْمُؤمِنِينَ فِى الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} كالحيحاب ورفاعة بن سعد، وقال مجاهد: هو رفاعة بن سعد جمع تعظيماً: أَو هو سبب النزول، ففسر الجمع به {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أَى هم الذين يلمزون، والضمير للمنافقين، أَو أَعنى الذين أَو أَذم الذين أَو مبتدأُ والخبر سخر الله منهم، أَو بدل من هاءِ سرهم، ويلمزون يعيبون والمطوعين المتطوعين أُبدلت التاءُ طاءً وأُدغمت الطاءُ فى الطاءِ، ومعناه معالجون للطاعة بالنفل، والذين لا يجدون إِلا جهدهم عطف على المطوعين عطف خاص على عام لأَن المطوعين شامل للذين لا يجدون إِلا جهدهم، لا على المؤمنين لئَلا يوهم أَن الذين لا يجدون إِلا جهدهم ليسوا من المؤْمنين، ولو أَمكن عطفه عليه عطف خاص على عام أَيضاً، والجهد الطاقة، ويسخرون معطوف على يلمزون، ومعناه يستهزئُون، وسخر الله منهم جازاهم على سخرهم، وهذا مشاكلة واستعارة تبعية لآن جزاءَ السخر مثل السخر، ولهم عذاب أَليم على كفرهم ونفاقهم، عطفه على سخر الله منهم عطف اسمية على فعلية، وجاءُوا يعتذورن ويقولون: استغفر لنا يا رسول الله، وكذا عبد الله بن أَبى لما مرض أَبوه طلب الاستغفار له فنزل قوله تعالى: {اسْتَغْفَرَ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} أَمر ونهى مراد بهما الإِخبار باستواء الاستغفار وعدمه فى عدم المغفرة لهم كقوله تعالى: "أية : سواءٌ عليهم استغفرتَ لهمْ أَمْ لمْ تستغفرْ لهم لن يغفرَ اللهُ لهم"تفسير : [المنافقون: 6] وقد قيل نزل سواءٌ عليهم إِلخ بعد طلب الاستغفار، وهو من سورة أُخرى ولا ينافى أن آخر سورة نزلت سورة براءَة لجواز نزول بعض آية مثلا فى أخرى، وأَيضاً قد قيل الأُخرى نزولا المائدة وكالآية قوله تعالى: "أية : قل أَنفقوا طوعاً أَو كرهاً"تفسير : [التوبة: 53] فإِنه صورة الأَمر بالإِنفاق طوعا أَو كرها، والمراد الإِخبار بالمساواة بين الطوع والكره فى عدم القبول، وفائدة الإِنشاءِ بدل الإِخبار التأْكيد فى المساواة كأَنه قيل استغفر لهم تارة فتشاهد عدم المغفرة، وإِن شئْت فلا تستغفر لهم فتشاهد أَيضاً عدم المغفرة، أَو استغفر تارة فترى عدمها ولا تستغفر أُخرى فترى عدمها أَيضاً، ويقال استغفر لوالد عبدالله لما طلبه عبدالله فنزل قوله تعالى {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ} فقال لأَزيدن على السبعين فنزلت "أية : سواءٌ عليهم"تفسير : [المنافقون: 6] إِلخ فجعلت فى سورة أُخرى على أَنه صلى الله عليه وسلم فهم أَنه إِن استغفر لهم أَكثر من سبعين جاز له، كذا قيل، وهذا الفهم بعيد عنه صلى الله عليه وسلم لأَنه اشتهر بين الناس أَن السبعين مثل للإِياس والزيادة عليها لا تفيد، فإِن صح عنه وهو رواية للبخارى ومسلم وابن ماجه فلعل هذا الاستعمال وقع وشهر بعد نزول الآية، ثم إِنه لا يتصور منه أَن يستغفر لهم وهم مشركون، وكذا روى الضحاك أَنه قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِن الله قد رخص لى فسأَزيد على السبعين"تفسير : ، أَو قوله: سأَزيد مجرد مزيد الشفقة لا ظاهره من إِيقاع الزيادة فيكون كقوله: هواى مع الركب اليمانين مصعد... إِلخ. فى كون المراد غير الظاهر، وكالكناية المستعملة فى غير ما اللفظ له، وعن ابن عباس عن ابن عمر: لو علمت أَنى زدت على السبعين يغفر له لزدت، وهذا تقييد لإِطلاق الزيادة على السبعين، الحديث يقيد بعضه بعضاً، ثم الشفقة المذكورة لا تتم لهم بل لغيرهم إِذ لا يشفق عليهم بعد إِقناطه عنهم، وقد شاع استعمال السبعة واستعمال السبعين وسبع مائة وسبعة آلاف ونحو ذلك فى الإِقناط، ووجه ذلك أَن السبعة مشتملة على جمع أَنواعِ العدد فكأَنه قيل: العدد كله، فهى كناية على الكثرة بلا حد، وإِيضاح ذلك أَن العدد إِما زوج أَو فرد، أَو زوج زوج أَو زوج فرد، فالزوج الاثنان الفرد الثلاثة، وزوج الزوج أَربعة، وزوج الفرد الستة والواحد على المشهور ليس عدداً فالسبعة ستة وواحد والسبعة أَكمل الأَعداد يجمعها معانى الأَعداد لأَن الستة أَول عدد تام لأَنها تعادل أَجزاءَها إِذ نصفها ثلاثة وثلثها اثنان وسدسها واحد والجملة ستة، وهى مع الواحد سبعة وليس بعد التمام إِلا الكمال، فإِذا أُريدت المبالغة جعلت آحادها عشرات فتكون سبعين أَو زيادة المبالغة جعلت عشرات السبعين مئَات، وهكذا. وعنصر ذلك سبعة، وقد ذكرت فى شرح القلطدى كلاماً مناسباً لهذا، وقد قيل: خص الله تعالى السبعين بالذكر لأَن العرب تستكثر السبعين كما كبر صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة سبعين ولأَن السبعة عدد شريف، كما أَن السماءَ سبع، والأَرض سبع، والأَيام سبعة والأَقاليم سبعة والبحر والنجوم السيارة سبعة، وإِنما أَمكن صلى الله عليه وسلم الاستغفار لأَنه يدعى التوبة ويظهرها ولو كان ينقضها {ذَلِكَ} المذكور من انتقاء المغفرة لهم {بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} بسبب كفرهم الصارف عنها لا لبخل منا، ولا لقلة ما عندنا ولا لعدم الاعتداد بذلك، وعدم المغفرة لمن أَصر على الذنب شرعى عند الأَشعرية والعقل يسيغها له وقالت المعتزلة: عقلى لا يسوغ، قلنا عقلى لأَن إِهمال المكلف غير حكمة وشرعى أَيضاً {وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} المقضى عليهم بالشقوة فهم لا يعقلون عن الفسق المنافى للمغفرة، فالله لا يغفر لهم بعد أَن هداهم هدى بيان فأَصروا.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُواْ} أي المنافقون أو من عاهد الله تعالى، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ بالتاء على أنه خطاب للمؤمنين، وقيل: للأولين على الالتفات ويأباه قوله تعالى: / {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} وجعله التفاتاً آخر تكلف، والمراد من السر على تقدير أن يكون الضمير للمنافقين ما أسروه في أنفسهم من النفاق ومن النجوى ما يتناجون به من المطاعن، وعلى التقدير الآخر المراد من الأول العزم على الإخلاف ومن الثاني تسمية الزكاة جزية، وتقديم السر على النجوى لأن العلم به أعظم في الشاهد من العلم بها مع ما في تقديمه وتعليق العلم به من تعجيل إدخال الروعة أو السرور على اختلاف القراءتين وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ينفعك هنا أيضاً. {وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} فلا يخفى عليه سبحانه شيء من الأشياء. والهمزة إما للإنكار والتوبيخ والتهديد أي ألم يعلموا ذلك حتى اجترأوا على ما اجترأوا عليه من العظائم أو للتقرير والتنبيه على أن الله سبحانه مؤاخذهم ومجازيهم بما علم من أعمالهم، وإظهار الاسم الجليل لإلقاء الروعة وتربية المهابة أو لتعظيم أمر المؤاخذة والمجازاة، وفي إيراد العلم المتعلق بسرهم ونجواهم الحادثين شيئاً فشيئاً بصيغة الفعل الدال على الحدوث والتجدد والعلم المتعلق بالغيوب الكثيرة بصيغة الاسم الدال على الدوام والمبالغة من الفخامة والجزالة ما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : استئناف لأجل التقرير. والكلامُ تقرير للمخاطَب عنهم لأنّ كونهم عالمين بذلك معروف لدى كلّ سامع. والسر ما يخفيه المرء من كلام وما يضمر في نفسه فلا يُطلع عليه الناس وتقدم في قوله {أية : سراً وعلانية} تفسير : في سورة البقرة (274). والنجوى: المحادثة بخفاء أي يعلم ما يضمرونه في أنفسهم وما يتحادثون به حديثَ سر لئلا يطلع عليه غيرهم. وإنّما عطفت النجوى على السرّ مع أنّه أعمّ منها لينبئهم باطّلاعه على ما يتناجَون به من الكيد والطعن. ثم عَمّم ذلك بقوله: {وأن الله علام الغيوب} أي قوي علمُه لجميع الغيوب. والغيوب: جمع غيب وهو ما خفي وغاب عن العيان. وتقدّم قوله: {أية : الذين يؤمنون بالغيب} تفسير : في سورة البقرة (3).

د. أسعد حومد

تفسير : {وَنَجْوَاهُمْ} {عَلاَّمُ} (78) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ أَنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَ وَالنَّجْوَى، وَأَنَّهُ أَعْلَمُ بِضَمَائِرِ هَؤُلاَءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُسِرُّونَ غَيْرَ مَا يُعْلِنُونَ، وَإِنْ أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ أَنَّهُمْ إِنْ حَصَلَ لَهُمْ مَالٌ تَصَدَّقُوا وَشَكَرُوا عَلَيْهِ، فَاللهُ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، لأَِنَّهُ تَعَالَى عَلاَّمُ الغُيُوبِ، فَكَيْفَ يَكْذِبُونَ عَلَى اللهِ بِمَا يُعَاهِدُونَهُ عَلَيْهِ؟ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ - مَا أَسَرُّوهُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ النِّفَاقِ. نَجْوَاهُمْ - مَا يَتَنَاجَوْنَ بِهِ مِنَ المَطَاعِنِ فِي الدِّينِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والعلم هنا مقصود به معرفة الخبر الذي لم يكن معروفاً قبل ذلك، وقوله سبحانه: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ} فيه همزة الاستفهام؛ ولم النافية مثل قول الحق سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. ونحن نعرف أن الإخبار بين المتكلم والمخاطب له عدة صور: الصورة الأولى؛ أن يخبر المتكلم المخاطب بما عنده، وهذا "خبر". والصورة الثانية: أن لا يخبر المتكلم مخاطبه بالخبر، بل يجعل المتكلم نفسه يقول الخبر، مثل قول أحد المحسنين: ألم أحسن إليك؟ وكان في استطاعته أن يقول "أنا أحسنت إليك"، فيكون خبراً من جهته، لكنه يريد أن يعطي للخبر قوة، فجعل الكلام من المسْتَفهَم منه، وكأن عرض الأمر مَعْرِض السؤال في معرض النفي؛ ثقة في أن المخاطَب لن يجد إلا جواباً واحداً هو: نعم أحسنت إليّ. إذن: فالخبر إما أن يكون خبراً مجرداً عن النفي، أو خبراً معه النفي، أو خبراً معه الاستفهام. وأقوى أنواع الإخبار: الخبر الموجود معه النفي، والموجود مع النفي الاستفهام؛ لأن الخبر على الصورة الأولى يكون من المتكلم، والخبر من المتكلم قابل لأن يكون صادقاً وأن يكون كاذباً. ولكن الاستفهام يقتضي جواباً من المخاطَب، ولا يجيب المخاطَب إلا بما كان في نفس المتكلم؛ ولو كان المتكلم يعلم أن المخاطَب قد ينكر فلن يسأله. أو يقول لإنسان: أنا راضي ذمتك، وهذا القول يعني أن قائله علم أنه لا حق غير هذا، ومن يدير الكلام في عقله لن يجد إلا أن ما يسمعه هو الحق. {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} وما هو السر؟ وما هي النجوى؟ السر: هو ما تكتمه في نفسك ولا تطلع عليه أحداً، فليس السر هو ما تُسِرُّ به للغير؛ لأن هذه هي النجوى، وأصل النجوى البُعْد. ويقال: فلان بنجوة عن كذا، أي: بعيد عن كذا. وأصل النجوى أيضاً المكان المرتفع في الجبل، فكأن المرتفع بالجبل بعيد عن مستوى سطح الأرض. وحين يرغب إنسان أن يكلم أحداً بكلام لا يسمعه غيرهما؛ فهو يستأذنه في الابتعاد عن بقية الجلوس ليتكلم معه كما يريد، أو يُخفض من صوته فلا يسمعه سوى الإنسان الذي يريد أن يهمس له بكلمة، ولا يسمعها أحد آخر، ولذلك سموها المناجاة؛ وهي كلام لا يسمعه القريب؛ لأنك خفضت صوتك خَفْضاً يخفى على القريب، فكأنه صار بعيداً. إذن: فالسر: هو ما احتفظت به في نفسك، والنجوى: هو ما أسررت به للغير بحيث لا يعلمه من يجالسك. والذين منعوا الصدقة، لا بد أنهم اتفقوا على ذلك فيما بينهم، وأنهم تكلموا في هذا الأمر - منع الصدقة - بعد أن صاروا أغنياء ولهم أموال كثيرة، وتمردوا على منطق الإسلام مع أنهم كانوا حريصين دائماً أن يظهروا في إسلامهم مظهراً يفوق المسلمين الحقيقيين، فكانوا دائماً في الصفوف الأولى للصلاة كي يستروا نفاقهم. وحين يوضح الحق سبحانه وتعالى أنهم أسرّوا في نفوسهم كلاماً؛ فهذا الإسرار في النفس حين يُخبر به الله؛ هو هتك لحجاب المكان والزمان معاً، وأعلم سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بما دار في هذا الإسرار، كما هتك له من قبل حجب الزمان الماضي. وذلك في الأمور التي لم يشهدها، ولم يسمعها من معلم، ولم يقرأها في كتاب لأنه أمّي، فأخبر رسول الله عن أكثر من أمر لم يشهده ولم يسمعه ولم يقرأه. إذن: من أين جاء بذلك؟ أعلمه به الحق سبحانه الذي يعلم خُبْأة السماوات والأرض، وهتك له أيضاً حجاب الزمن المستقبل؛ فعلم صلى الله عليه وسلم الأحداث قبل أن تقع، وأعلمه إياها مَنْ ملكَ ناصية الزمان، وملك ناصية المكان، وملك ناصية الأحداث. وهذا هو هَتْكُ حجاب الزمن المستقبل، وهتك سبحانه لرسوله حجاب المكان، فكان صلى الله عليه وسلم يخبرهم عن شيء في نفوسهم، فقد أوحى له الحق: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ...} تفسير : [المجادلة: 8]. بالله عندما يسمع الرجل من هؤلاء لما قاله في نفسه، ويخبره رسول الله بما قال، فمن الذي هتك الحجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إن الذي هتك الحجاب لرسول الله هو من يعلم السرّ وأخفى؛ فلا توجد حجب غائبة عن الله؛ لأن حجب الغيب إنما تكون على البشر؛ حجاب ماضٍ، وحجاب مستقبل، وحجاب مكان، وحجاب زمان. {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} أي: أن علم الله ليس مقصوراً على معرفة أمورهم هم، بل علم الله سرّهم ونجواهم؛ لأن صفته القيومية، وأنه علام الغيوب؛ يعلم غيب هذا، وغيب هذا، وغيب هذا، وغيب هذا، وجاءت المبالغة من تكرار علم غيب كل أحد. إذن: {عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تعني أنه يعلم حتى ما حاولْتَ كتمه وستره، فقد قال سبحانه: {أية : إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ...} تفسير : [لقمان: 16]. إذن: فعلم الحق جل جلاله لا يغيب عنه شيء. ثم ينقلنا الحق سبحانه وتعالى إلى صورة أخرى من صور المنافقين وما يفعلونه بالمؤمنين.. فقال جل جلاله: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ...}.