Verse. 1314 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

اَلَّذِيْنَ يَلْمِزُوْنَ الْمُطَّوِّعِيْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ فِي الصَّدَقٰتِ وَالَّذِيْنَ لَا يَجِدُوْنَ اِلَّا جُہْدَہُمْ فَيَسْخَرُوْنَ مِنْہُمْ۝۰ۭ سَخِرَ اللہُ مِنْہُمْ۝۰ۡوَلَہُمْ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۷۹
Allatheena yalmizoona almuttawwiAAeena mina almumineena fee alssadaqati waallatheena la yajidoona illa juhdahum fayaskharoona minhum sakhira Allahu minhum walahum AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين» مبتدأ «يلمزون» يعيبون «المطوعين» المتنفلين «من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم» طاقتهم فيأتون به «فيسخرون منهم» والخبر «سخر الله منهم» جازاهم على سخريتهم «ولهم عذاب أليم».

79

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصدقات طوعاً وطبعاً. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم ذات يوم وحث على أن يجمعوا الصدقات، فجاءه عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: كان لي ثمانية آلاف درهم، فأمسكت لنفسي وعيالي أربعة وهذه الأربعة أقرضتها ربي، فقال: بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت. قيل: قبل الله دعاء الرسول فيه حتى صالحت امرأته ناضر عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً، وجاء عمر بنحو ذلك، وجاء عاصم بن عدي الأنصاري بسبعين وسقاً من تمر الصدقة، وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر، وقال: آجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله، فأخذت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر ربي، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضعه في الصدقات. فقال المنافقون على وجه الطعن ما جاؤوا بصدقاتهم إلا رياء وسمعة. وأما أبو عقيل فإنما جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر، والله غني عن صاعه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والكلام في تفسير اللمز مضى عند قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ } والمطوعون المتطوعون، والتطوع التنفل، وهو الطاعة لله تعالى بما ليس بواجب، وسبب إدغام التاء في الطاء قرب المخرج. قال الليث: الجهد شيء قليل يعيش به المقل، قال الزجاج: {إِلاَّ جُهْدَهُمْ } وجهدهم بالضم والفتح. قال الفراء: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم، وحكى ابن السكيت عنه الفرق بينهما فقال الجهد الطاقة. تقول هذا جهدي أي طاقتي. إذا عرفت هذا فالمراد بالمطوعين في الصدقات، أولئك الأغنياء الذين أتوا بالصدقات الكثيرة وبقوله: {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ } أبو عقيل حيث جاء بالصاع من التمر. ثم حكى عن المنافقين أنهم يسخرون منهم، ثم بين أن الله تعالى سخر منهم. واعلم أن إخراج المال لطلب مرضاة الله، قد يكون واجباً كما في الزكوات وسائر الإنفاقات الواجبة وقد يكون نافلة، وهو المراد من هذه الآية، ثم الآتي بالصدقة النافلة قد يكون غنياً فيأتي بالكثير، كعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان. وقد يكون فقيراً فيأتي بالقليل وهو جهد المقل ولا تفاوت بين البابين في استحقاق الثواب، لأن المقصود من الأعمال الظاهرة كيفية النية واعتبار حال الدواعي والصوارف. فقد يكون القليل الذي يأتي به الفقير أكثر موقعاً عند الله تعالى من الكثير الذي يأتي به الغني. ثم إن أولئك الجهال من المنافقين ما كان يتجاوز نظرهم عن ظواهر الأمور فعيروا ذلك الفقير الذي جاء بالصدقة القليلة، وذلك التعيير يحتمل وجوهاً: الأول: أن يقولوا إنه لفقره محتاج إليه، فكيف يتصدق به؟ إلا أن هذا من موجبات الفضيلة، كما قال تعالى: { أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } تفسير : [الحشر: 9] وثانيها: أن يقولوا أي أثر لهذا القليل؟ وهذا أيضاً جهل، لأن هذا الرجل لما لم يقدر إلا عليه فإذا جاء به فقد بذل كل ما يقدر عليه فهو أعظم موقعاً عند الله من عمل غيره، لأنه قطع تعلق قلبه عما كان في يده من الدنيا، واكتفى بالتوكل على المولى. وثالثها: أن يقولوا إن هذا الفقير إنما جاء بهذا القليل ليضم نفسه إلى الأكابر من الناس في هذا المنصب، وهذا أيضاً جهل، لأن سعي الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين، خير له من أن يسعى في أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة. وأما قوله: {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ } فقد عرفت القانون في هذا الباب. وقال الأصم: المراد أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروه من أعمال البر مع أنه لا يثيبهم عليها، فكان ذلك كالسخرية.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} هذا أيضاً من صفات المنافقين. قال قتادة: «يَلْمِزُونَ» يعيبون. قال: وذلك أن عبد الرحمن بن عوف تصدق بنصف ماله وكان مالُه ثمانية آلاف فتصدق منها بأربعة آلاف. فقال قوم: ما أعظم رياءه؛ فأنزل الله: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ}. وجاء رجل من الأنصار بنصف صُبرة من تمره فقالوا: ما أغنىٰ الله عن هذا؛ فأنزل الله عز وجل {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} الآية. وخرّج مسلم عن أبي مسعود قال: أمرنا بالصدقة قال: كنا نحامل، في رواية: على ظهورنا ـ قال: فتصدّق أبو عقيل بنصف صاع. قال: وجاء إنسان بشيء أكثر منه فقال المنافقون: إن الله لغنيً عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء: فنزلت: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ}. يعني أبا عقيل. واسمه الحَبْحاب. والجُهْد: شيء قليل يعيش به المُقِلّ. والجُهْد والجَهْد بمعنىً واحد. وقد تقدّم. و «يَلْمِزُونَ» يعيبون. وقد تقدّم و «الْمُطَّوِّعينَ» أصله المتطوعين أدغمت التاء في الطاء؛ وهم الذين يفعلون الشيء تبرعاً من غير أن يجب عليهم. «وَالَّذِينَ» في موضع خفض عطف على «الْمُؤْمِنِينَ». ولا يجوز أن يكون عطفاً على الاسم قبل تمامه. و {فَيَسْخَرُونَ} عطف على «يَلْمِزُونَ». {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} خبر الابتداء، وهو دعاء عليهم. وقال ابن عباس: هو خبر؛ أي سخر منهم حيث صاروا إلى النار. ومعنىٰ سخر الله مجازاتهم على سخريتهم. وقد تقدّم في «البقرة».

ابن كثير

تفسير : وهذا أيضاً من صفات المنافقين، لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل، قالوا: هذا مُراءٍ، وإن جاء بشيء يسير، قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا؛ كما روى البخاري: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو النعمان البصري، حدثنا شعبة عن سليمان عن أبي وائل عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت آية الصدقة، كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزلت: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ} الآية. وقد رواه مسلم أيضاً في صحيحه من حديث شعبة به، وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا الجريري عن أبي السليل قال: وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع، فقال: حدثني أبي أو عمي: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع، وهو يقول: «حديث : من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة؟» تفسير : قال: فحللت من عمامتي لوثاً أو لوثين، وأنا أريد أن أتصدق بهما، فأدركني ما يدرك ابن آدم، فعقدت على عمامتي، فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلاً أشد منه سواداً، ولا أصغر منه ولا آدم، ببعير ساقه لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها، فقال: يا رسول الله أصدقة؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: دونك هذه الناقة، قال: فلمزه رجل فقال: هذا يتصدق بهذه، فوالله لهي خير منه. قال: فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : كذبت، بل هو خير منك ومنها» تفسير : ثلاث مرات، ثم قال: «حديث : ويل لأصحاب المئين من الإبل» تفسير : ثلاثاً، قالوا: إلا من يا رسول الله؟ قال: «حديث : إلا من قال بالمال هكذاوهكذا» تفسير : وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «حديث : قد أفلح المزهد المجهد» تفسير : ثلاثاً. المزهد في العيش، المجهد في العبادة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء، وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا الصاع. وقال العوفي عن ابن عباس: إن رسول الله خرج إلى الناس يوماً، فنادى فيهم: أن اجمعوا صدقاتكم، فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله هذا صاع من تمر، بت ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما، وأتيتك بالآخر، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقات، فسخر منه رجال، وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا، وما يصنعون بصاعك من شيء؟ ثم إن عبد الرحمن بن عوف: قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل بقي أحد من أهل الصدقات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لم يبق أحد غيرك» تفسير : فقال له عبد الرحمن بن عوف فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أمجنون أنت؟ قال: ليس بي جنون، قال: أفعلت ما فعلت؟ قال: نعم، مالي ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف، فأقرضها ربي، وأماأربعة آلاف، فلي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بارك الله لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت» تفسير : ولمزه المنافقون، فقالوا: والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء، وهم كاذبون، إنما كان به متطوعاً، فأنزل الله عز وجل عذره وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر، فقال تعالى في كتابه: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـٰتِ} الآية، وهكذا روي عن مجاهد وغير واحد. وقال ابن إسحاق: كان من المطوعين من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف، تصدق بأربعة آلاف درهم، وعاصم بن عدي أخو بني العجلان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في الصدقة، وحض عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف، فتصدق بأربعة آلاف، وقام عاصم بن عدي، وتصدق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما، وقالوا: ما هذا إلا رياء، وكان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر، فأفرغه في الصدقة، فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تصدقوا، فإني أريد أن أبعث بعثاً» تفسير : قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: يا رسول الله عندي أربعة آلاف: ألفين أقرضهما ربي، وألفين لعيالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بارك الله لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت»تفسير : ، وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر، فقال: يا رسول الله أصبت صاعين من تمر، صاع أقرضه لربي، وصاع لعيالي، قال: فلمزه المنافقون، وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء، وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا؟ فأنزل الله: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـٰتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ} الآية، ثم رواه عن أبي كامل عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه مرسلاً، قال: ولم يسنده أحد إلا طالوت، وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة، حدثني خالد بن يسار عن ابن أبي عقيل عن أبيه، قال: بت أجر الجرير على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به، وجئت بالآخر أتقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فأخبرته، فقال: «حديث : انثره في الصدقة» تفسير : قال فسخر القوم، وقالوا: لقد كان الله غنياً عن صدقة هذا المسكين، فأنزل الله: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ} الآيتين، وكذا رواه الطبراني من حديث زيد بن حباب به، وقال: اسم أبي عقيل حباب، ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة، وقوله: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر منهم؛ انتصاراً للمؤمنين في الدنيا، وأعد للمنافقين في الآخرة عذاباً أليماً؛ لأن الجزاء من جنس العمل.

المحلي و السيوطي

تفسير : ولما نزلت آيةُ الصدقة جاء رجل فتصدّق بشيء كثير، فقال المنافقون: مُراءٍ، وجاء رجل فتصدّق بصاع فقالوا: إن الله غنيّ عن صدقة هذا، فنزل: {ٱلَّذِينَ } مبتدأ {يَلْمِزُونَ } يَعيبون {ٱلْمُطَّوِّعِينَ } المتنفلين {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَٰتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ } طاقتهم فيأتون به {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ } والخبر {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ } جازاهم على سخريتهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {الَّذِينَ يَلْمزُونَ الْمُطَّوِِّعينَ مِنَ الْمُؤْمِنِيَن فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} قرىء بضم الجيم وفتحها وفيه وجهان: أحدهما: أنهما يختلف لفظهما ويتفق معناهما، قاله البصريون. والثاني: أن معناهما مختلف، فالجهد بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة، قاله بعض الكوفيين. وقيل: كان ذلك في غزاة تبوك نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعاصم بن عدي وأبي عقيل الأراشي وسبب ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة ليتجهز للجهاد، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال هذا شطر مالي صدقة، وجاء عاصم بن عدي بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر وقال: إني آجرت نفسي بصاعين فذهبت بأحدهما إلى عيالي وجئت بالآخر صدقة، فقال قوم من المنافقين حضروه: أما عبد الرحمن وعاصم فما أعطيا إلا رياءً، وأما صاع أبي عقيل فالله غني عنه، فنزلت فيهم هذه الآية. {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم أظهروا حمدهم واستبطنوا ذمهم. والثاني: أنهم نسبوا إلى الرياء وأعلنوا الاستهزاء. {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه ما أوجبه عليهم من جزاء الساخرين. والثاني: بما أمهلهم من المؤاخذة. قال ابن عباس: وكان هذا في الخروج إلى غزاة تبوك.

ابن عطية

تفسير : قوله {الذين يلمزون } رد على الضمائر في قول {أية : يكذبون} تفسير : [التوبة:77] و {أية : ألم يعلموا} تفسير : [التوبة:87] و {أية : سرهم ونجواهم} تفسير : [التوبة:78] و {يلمزون } معناه ينالون بألسنتهم، وقرأ السبعة " يلمِزون" بكسر الميم، وقرأ الحسن وأبو رجاء ويعقوب وابن كثير فيما روي عنه " يلمُزون" بضم الميم، و {المطوعين} لفظة عموم في كل متصدق، والمراد به الخصوص فيمن تصدق بكثير دل على ذلك قوله، عطفاً على {المطوعين }، {والذين لا يجدون} ،ولو كان {الذين لا يجدون} قد دخلوا في {المطوعين} لما ساغ عطف الشيء على نفسه، وهذا قول أبي علي الفارسي في قوله عز وجل: {أية : من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل } تفسير : [ البقرة: 98] فإنه قال المراد بالملائكة من عدا هذين. وكذلك قال في قوله:{أية : فيهما فاكهة ونخل ورمان} تفسير : [ الرحمن: 68] وفي هذا كله نظر، لأن التكرار لقصد التشريف يسوغ هذا مع تجوز العرب في كلامها، وأصل {المطوعين} المتطوعين فأبدل التاء طاء وأدغم، وأما المتصدق بكثير الذي كان سبباً للآية فأكثر الروايات حديث : أنه عبد الرحمن بن عوف، تصدق بأربعة آلاف وأمسك مثلها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أنفقت . تفسير : وقيل هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه تصدق بنصف ماله، وقيل عاصم بن عدي تصدق بمائة وسق، وأما المتصدق بقليل فهو أبو عقيل حبحاب الأراشي، تصدق بصاع من تمر وقال يا رسول الله جررت البارحة بالجرير وأخذت صاعين تركت أحدهما لعيالي وأتيت بالآخر صدقة. فقال المنافقون: الله غني عن صدقة هذا، وقال بعضهم: إن الله غني عن صاع أبي عقيل، وقيل: إن الذي لمز في القليل أبو خيثمة، قاله كعب بن مالك صاحب النبي صى الله عليه وسلم، وتصدق عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقيل بأربعمائة أوقية من فضة، وقيل أقل من هذا. فقال المنافقون: ما هذا إلا رياء، فنزلت الآية في هذا كله، وقوله: {فيسخرون } معناه يستهزئون ويستخفون، وهو معطوف على {يلمزون}، واعترض ذلك بأن المعطوف على الصلة فهو من الصلة وقد دخل بين هذا المعطوف والمعطوف عليه قوله {والذين لا يجدون} ، وهذا لا يلزم، لأن قوله {والذين} معمول للذي عمل في {المطوعين} فهو بمنزلة قوله جاءني الذي ضرب زيداً وعمراً فقتلهما، وقوله: {سخر الله منهم} تسمية العقوبة باسم الذنب وهي عبارة عما حل بهم من المقت والذل في نفوسهم، وقوله: {ولهم عذاب أليم } معناه مؤلم، وهي آية وعيد محض، وقرأ جمهور " جُهدهم " بضم الجيم، وقرأ الأعرج وجماعة معه " جَهدهم " بالفتح، وقيل هما بمعنى واحد، وقاله أبو عبيدة، وقيل هما لمعنيين الضم في المال والفتح في تعب الجسم، ونحوه عن الشعبي، وقوله: {الذين يلمزون } يصح أن يكون خبر ابتداء تقديره هم الذين، ويصح أن يكون ابتداء وخبره {سخر }، وفي {سخر } معنى الدعاء عليهم. ويحتمل أن يكون خبراً مجرداً عن الدعاء، ويحتمل أن يكون {الذين } صفة جارية على ما قبل كما ذكرت أول الترجمة، وقوله تعالى {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون لفظ أمر ومعناه الشرط، بمعنى إن استغفرت أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، فيكون مثل قوله تعالى: {أية : قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم } تفسير : [التوبة: 53] وبمنزلة قول الشاعر: [كثير] شعر : أسيئي لنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت تفسير : وإلى هذا المعنى ذهب الطبري وغيره في معنى الآية، والمعنى الثاني الذي يحتمله اللفظ أن يكون تخييراً، كأنه قال له: إن شئت فاستغفر وإن شئت لا تستغفر ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم وإن استغفر {سبعين مرة} وهذا هو الصحيح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبيينه ذلك. وذلك أن عمر بن الخطاب سمعه بعد نزول هذه الآية يستغفر لهم فقال يا رسول الله، أتستغفر للمنافقين وقد أعلمك الله أنه لا يغفر لهم، فقال له "حديث : يا عمر إن الله قد خيرني فاخترت، ولو علمت أني إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت " تفسير : ، ونحو هذا من مقاولة عمر في وقت إرادة النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على عبد الله بن أبي ابن سلول، وظاهر صلاته عليه أن كفره لم يكن يقيناً عنده، ومحال أن يصلي على كافر، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار ووكل سريرته إلى الله عز وجل، وعلى هذا كان ستر المنافقين من أجل عدم التعيين بالكفر. وفي هذه الألفاظ التي لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفض إلزام دليل الخطاب، وذلك أن دليل الخطاب يقتضي أن الزيادة على السبعين يغفر معها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو علمت فجعل ذلك مما لا يعلمه، ومما ينبغي أن يتعلم ويطلب علمه من الله عز وجل، ففي هذا حجة عظيمة للقول برفض دليل الخطاب، وإذا ترتب كما قلنا التخيير في هذه الآية صح أن ذلك التخيير هو الذي نسخ بقوله تعالى: في سورة المنافقون {أية : سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} تفسير : [المنافقون:6] ولمالك رحمه الله مسائل تقتضي القول بدليل الخطاب، منها قوله: إن المدرك للتشهد وحده لا تلزمه أحكام الإمام لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " تفسير : فاقتضى دليل الخطاب أن من لم يدرك ركعة فليس بمدرك، وله مسائل تقتضي رفض دليل الخطاب، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم، "حديث : وفي سائمة الغنم الزكاة " تفسير : فدليل الخطاب أن لا زكاة في غير السائمة، ومالك يرى الزكاة في غير السائمة، ومنها أن الله عز وجل يقول في الصيد {أية : من قتله منكم متعمداً } تفسير : [المائدة:95] فقال مالك: حكم المخطىء والمتعمد سواء ودليل الخطاب يقتضي غير هذا، وأما تمثيله "السبعين" دون غيرها من الأعداد فلأنه عدد كثيراً ما يجيء غاية وتحقيقاً في الكثرة، ألا ترى إلى القوم الذين اختارهم موسى وإلى أصحاب العقبة وقد قال بعض اللغويين إن التصريف الذي يكون من السين والباء والعين فهو شديد الأمر، من ذلك السبعة فإنها عدد مقنع هي في السماوات وفي الأرض وفي خلق الإنسان وفي رزقه وفي أعضائه التي بها يطيع الله وبها يعصيه، وبها ترتيب أبواب جهنم فيما ذكر بعض الناس، وهي عيناه وأذناه ولسانه وبطنه وفرجه ويداه ورجلاه، وفي سهام الميسر وفي الأقاليم وغير ذلك. ومن ذلك السبع والعبوس والعنبس ونحو هذا من القول، وقوله {ذلك} إشارة إلى امتناع الغفران، وقوله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين } إما من حيث هم فاسقون، وإما أنه لفظ عموم يراد به الخصوص فيمن يوافي على كفره.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ} لما حث الرسول صلى الله عليه وسلم على النفقة في غزوة تبوك، جاء عبدالرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال هذه شطر مالي، وجاء عاصم بن عدي بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر وقال أجرت نفسي بصاعين فذهبت بأحدهما إلى عيالي وجئت بالآخر، فقال الحاضرون من المنافقين أما عبد الرحمن وعاصم فما أعطيا إلا رياء، وأما صاع أبي عقيل فإن الله ـ تعالى ـ غني عنه. فنزلت. الجُهد والجَهد واحد، أو بالضم الطاقة وبالفتح المشقة.

السيوطي

تفسير : أخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن ابن مسعود قال‏:‏ لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا مراء، وجاء أبو عقيل بنصف صاع فقال المنافقون‏:‏ إن الله لغني عن صدقة هذا‏.‏ فنزلت ‏ {‏الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏. وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثاً، فجاء عبد الرحمن فقال‏:‏ يا رسول الله، عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي وألفين لعيالي‏.‏ فقال‏: بارك الله لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت، وجاء رجل من الأنصار فقال‏:‏ يا رسول الله، إني بت أجر الحرير فأصبت صاعين من تمر، فصاعاً أقرضه ربي وصاعاً لعيالي، فلمزه المنافقون قالوا‏:‏ والله ما أعطى ابن عوف الذي أعطى إلا رياء‏.‏ وقالوا‏:‏ أو لم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏الذين يلمزون المطوعين‏}‏ الآية‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال ‏"‏أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بصدقته، وجاء المطوعون من المؤمنين، وجاء أبو عقيل بصاع فقال‏:‏ يا رسول الله، بت أجر الحرير فأصبت صاعين من تمر، فجئتك باحدهما وتركت الآخر لأهلي قوتهم فقال المنافقون‏:‏ ما جاء عبد الرحمن وأولئك إلا رياء، وإن الله لغني عن صدقة أبي عقيل، فأنزل الله ‏ {‏الذين يلمزون المطوّعين‏}‏ الآية‏"‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والبغوي في معجمه والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أبي عقيل قال ‏"‏بت أجر الحرير على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به، وجئت بالآخر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتقرب به إلى ربي، فاخبرته بالذي كان فقال‏:‏ انثره في المسجد‏.‏ فسخر القوم وقالوا‏:‏ لقد كان الله غنياً عن صاع هذا المسكين‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآيتين‏"‏‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏الذين يلمزون المطوّعين‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء رجل من الأنصار بصاع من طعام فقال بعض المنافقين‏:‏ والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلاّ رياء، وقالوا‏:‏ إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع‏. وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك قال‏:‏ الذي تصدق بصاع التمر فلمزه المنافقون‏:‏ أبو خيثمة الأنصاري‏.‏ وأخرج البغوي في معجمه وابن قانع وابن مردويه عن سعيد بن عثمان البلوي عن جدته ليلى بنت عدي‏.‏ أن أمها عميرة بنت سهل بن رافع صاحب الصاعين الذي لمزه المنافقون، أخبرتها أنه خرج بصاع من تمر وابنته عميرة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر فصبه‏. وأخرج عبد الرزاق وابن عساكر عن قتادة في قوله ‏ {‏الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات‏} ‏ قال‏:‏ تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله ثمانية آلاف دينار، فقال ناس من المنافقين‏:‏ إن عبد الرحمن لعظيم الرياء‏.‏ فقال الله عز وجل ‏ {‏الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات‏} ‏ وكان لرجل من الأنصار صاعان من تمر، فجاء بأحدهما فقال ناس من المنافقين‏:‏ إن كان الله عن صاع هذا لغني‏!‏ وكان المنافقون يطعنون عليهم ويسخرون منهم فقال الله عز وجل ‏ {‏والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم‏} ‏ الآية‏. وأخرج أبو نعيم في المعرفة عن قتادة قال ‏"‏أقبل رجل من فقراء المسلمين يقال له الحجاب أبو عقيل قال‏:‏ يا نبي الله بت أجر الحرير الليلة على صاعين من تمر، فاما صاع فأمسكته لأهلي وأما صاع فهو ذا‏.‏ فقال المنافقون‏:‏ إن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع هذا، فأنزل الله ‏{‏الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس للصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف فقال‏:‏ يا رسول الله هذه صدقة‏.‏ فلمزه بعض القوم فقال‏:‏ ما جاء بهذه عبد الرحمن إلا رياء، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر فقال بعض القوم‏:‏ ما كان الله أغنى عن صاع أبي عقيل، فنزلت ‏ {‏الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات‏}‏ إلى قوله ‏{‏فلن يغفر الله لهم‏} ‏ ‏"‏‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ حديث : أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يجمعوا صدقاتهم، وكان لعبد الرحمن بن عوف ثمانية آلاف دينار، فجاء بأربعة آلاف دينار صدقة فقال‏:‏ هذا ما أفرضه الله وقد بقي مثله‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "‏بورك لك فيما أعطيت وفيما أمسكت، وجاء أبو نهيك رجل من الأنصار بصاع تمر نزع عليه ليله كله، فلما أصبح جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل من المنافقين‏:‏ إن عبد الرحمن بن عوف لعظيم الرياء، وقال للآخر‏:‏ إن الله لغني عن صاع هذا‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات‏} ‏ عبد الرحمن بن عوف ‏ {‏والذين لا يجدون إلا جهدهم‏}‏ صاحب الصاع‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال‏:‏ ‏حديث : أصاب الناس جهد عظيم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصدقوا فقال ‏"أيها الناس تصدقوا‏. فجعل أناس يتصدقون، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعمائة أوقية من ذهب فقال‏:‏ يا رسول الله كان لي ثمانمائة أوقية من ذهب فجئت بأربعمائة أوقية‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: اللهمَّ بارك له فيما أعطى وبارك فيما أمسك"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ لما كان يوم فطر أخرج عبد الرحمن بن عوف مالاً عظيماً، وأخرج عاصم بن عدي كذلك، وأخرج رجل صاعين، وآخر صاعاً‏.‏ فقال قائل من الناس‏:‏ إن عبد الرحمن إنما جاء بما جاء به فخراً ورياء، واما صاحب الصاع أو الصاعين فإن الله ورسوله غنيان عن صاع وصاع، فسخروا بهم فأنزل الله فيهم هذه الآية ‏ {‏الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات‏} ‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال‏:‏ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتصدقوا فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ انما ذلك مال وافر فأخذ نصفه‏.‏ قال‏:‏ فجئت أحمل مالاً كثيراً‏.‏ فقال له رجل من المنافقين‏:‏ أترائي يا عمر‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أرائي الله ورسوله فاما غيرهما فلا‏.‏ قال‏:‏ وجاء رجل من الأنصار لم يكن عنده شيء فأجر نفسه بجر الحرير على رقبته بصاعين ليلته، فترك صاعاً لعياله وجاء بصاع يحمله، فقال له بعض المنافقين‏:‏ إن الله ورسوله عن صاعك لغنيان‏.‏ فذلك قوله ‏ {‏الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات‏} ‏‏. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة ‏ {‏الذين يلمزون المطوّعين‏} ‏ أي يطعنون على المطوعين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ‏ {‏والذين لا يجدون إلا جهدهم‏} ‏ قال‏:‏ هو رفاعة بن سعد. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي في قوله ‏ {‏والذين لا يجدون إلا جهدهم‏}‏ قال‏:‏ الجهد في القوت، والجهد في العمل‏. وأخرج أبو الشيخ عن سفيان في الآية قال‏:‏ الجهد جهد الإِنسان، والجهد في ذات اليد‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن إسحق قال‏:‏ كان الذي تصدق بجهده أبو عقيل واسمه سهل بن رافع، أتى بصاع من تمر فافرغها في الصدقة، فتضاحكوا به وقالوا‏:‏ إن الله لغني عن صدقة أبي عقيل‏. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال‏:‏ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً للناس فقال ‏"حديث : ‏يا أيها الناس تصدقوا أشهد لكم بها يوم القيامة، ألا لعل أحدكم أن يبيت فصاله راو وابن عمه طاو، ألا لعل أحدكم أن يثمر ماله وجاره مسكين لا يقدر على شيء، الا رجل منح ناقة من ابله يغدو برفد ويروح برفد، يغدو بصبوح أهل بيت ويروح بغبوقهم، ألا إن أجرها لعظيم‏.‏ فقام رجل فقال‏:‏ يا رسول الله عندي أربعة ذود‏.‏ فقام آخر قصير القامة قبيح السنة يقود ناقة له حسناء جميلة فقال رجل من المنافقين كلمة خفية لا يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعها‏:‏ ناقته خير منه‏.‏ فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ كذبت هو خير منك ومنها ثم قام عبد الرحمن بن عوف فقال‏:‏ يا رسول الله عندي ثمانية آلاف، تركت أربعة منها لعيالي وجئت بأربعة أقدمها لله، فتكاثر المنافقون ما جاء به، ثم قام عاصم بن عدي الأنصاري فقال‏:‏ يا رسول الله عندي سبعون وسقاً جذاذ العام، فتكاثر المنافقون ما جاء به وقالوا‏:‏ جاء هذا بأربعة آلاف وجاء هذا بسبعين وسقاً للرياء والسمعة فهلا أخفياها فهلا فرقاها‏.‏ ثم قام رجل من الأنصار اسمه الحجاب يكنى أبا عقيل فقال‏:‏ يا رسول الله مالي من مال غير اني أجرت نفسي من بني فلان، أجر الحرير في عنقي على صاعين من تمر، فتركت صاعاً لعيالي وجئت بصاع أقربه إلى الله تعالى، فلمزه المنافقون وقالوا‏:‏ جاء أهل الابل بالابل، وجاء أهل الفضة بالفضة، وجاء هذا بتمرات يحملها، فأنزل الله ‏ {‏الذين يلمزون المطوّعين‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي السليل قال‏:‏ وقف علينا شيخ في مجلسنا فقال‏:‏ حدثني أبي أو عمي أنه شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع قال ‏"‏حديث : من يتصدق اليوم بصدقة أشهد له بها عند الله يوم القيامة‏. فجاء رجل - لا والله ما بالبقيع رجل أشد سواد وجه منه، ولا أقصر قامة، ولا أذم في عين منه - بناقة - لا والله ما بالبقيع شيء أحسن منها - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: هذه صدقة‏؟‏ قال‏:‏ نعم يا رسول الله‏.‏ فلمزه رجل فقال‏:‏ يتصدق بها والله لهي خير منه‏.‏ فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته فقال‏:‏ كذبت بل هو خير منك ومنها، كذبت بل هو خير منك ومنها ثلاث مرات، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الا من قال بيده هكذا وهكذا وقليل ما هم، ثم قال‏:‏ "قد أفلح المزهد المجهد، قد أفلح المزهد المجهد‏‏‏ ".‏ تفسير : وأخرج أبو داود وابن خزيمة والحاكم وصححه ‏حديث : عن أبي هريرة‏.‏ أنه قال‏:‏ يا رسول الله أي الصدقة أفضل‏؟‏ قال "‏جهد المقل، وابدأ بمن تعول" ‏‏‏.

القشيري

تفسير : عابوا الذين قَصُرَتْ أيديهم عن الإكثار في الصَدَقة وجادوا بما وصَلَتْ إليه أيديهم، فَشَكَرَ اللهُ سَعْيَ من أخلص في صدقته بعدما عَلمَ صِدْقَه فيها. وقليلُ أهلِ الإخلاص أفضلُ مِنْ كثيرِ أهلِ النفاقِ. ولمَّا أوجدوا المسلمين بسخريتهم وَصَفَ اللهُ - سبحانه وتعالى - نفْسَه بما يستحيل في وصفه - على التحقيق - هو السخرية بأحدِ.. تطيباً لقلوبِ أوليائه، فقد تقدَّس عن ذلك لعِزَّة ربوبيته.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين} رفع على الذم اى المنافقون هم الذين {يلمزون} قال فى القاموس اللمز العيب والاشارة بالعين ونحوها اى يعيبون ويغتابون {المطوعين} اى المتطوعين المتنفلين {من المؤمنين} حال من المطوعين {فى الصدقات} متعلق بيلمزون -حديث : روى- ان النبى صلى الله عليه وسلم فى تجهيز العسكر فكان اول من جاء بالصدقة ابو بكر الصديق رضى الله عنه جاء بجميع ماله اربعة آلاف درهم فقال له رسول الله "هل ابقيت لاهلك شيئاً" قال أبقيت لهم الله ورسوله وجاء عمر بن الخطاب رضى الله عنه بنصف ماله فقال له عليه السلام "هل ابقيت لاهلك شيئاً" قال النصف الثانى فقال "ما بينكما ما بين كلاميكما" .تفسير : ومنه يعرف فضل ابى بكر على عمر رضى عنه وانفق عثمان بن عفان رضى الله عنه نفقة عظيمة لم ينفق احد مثلها فانه جهز عشرة آلاف وانفق عليها عشرة آلاف دينار وصب فى حجر النبى عليه السلام الف دينار واعطى ثلاثمائة بعير باحلاسها واقتابها وخمسين فرسا وعند ذلك قال صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم ارض عن عثمان فانى عنه راض " .تفسير : وفى الحديث "حديث : سألت ربى ان لا يدخل النار من صاهرته او صاهرنى" تفسير : وقد كان عليه السلام زوج بنته رقية من عثمان فماتت بعد ما خرج رسول الله الى بدر فلما رجع من بدر زوجه ام كلثوم ولذا سمى عثمان بذى النورين ولما ماتت ام كلثوم قال عليه السلام "حديث : لو كان عندى ثالثة لزوجتكما" تفسير : وجاء عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه باربعة آلاف درهم فقال عليه السلام "حديث : بارك الله لك فيما امسكت وفيما اعطيت" تفسير : فبارك الله له حتى بلغ ماله حين مات وصولحت احدى نسائه الاربع عن ربع ثمنها على ثمانين الف درهم ونيف فكان ثمن ماله اكثر من ثلاثمائة الف وعشرين الفا وفى رواية جاء باربعين اوقية من ذهب ومن ثمة قيل عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف كانا خزانتين من خزائن الله فى الارض ينفقان فى طاعة الله تعالى وجاء العباس بمال كثير وكذا طلحة وتصدق عاصم بن عدى بمائة وسق من تمر والوسق ستون صاعا بصاع النبى عليه السلام وهو اربعة امداد وكل مد رطل وثلث رطل بالبغدادى عند ابى يوسف والشافعى والرطل مائة وثلاثون درهما وعند ابى حنيفة كل مد رطلا وبعثت النساء بكل ما يقدرون عليه من حليهن وجاء ابو عقيل الانصارى بصاع من تمر وقال يا رسول الله بت ليلتى كلها اجر بالجرير على صاعين اما احدهما فامسكته لعيالى واما الآخر فاقرضته ربى فامره رسول الله ان ينثره فى الصدقات فطعن فيهم المنافقون وقالوا ما اعطى عبد الرحمن وعاصم الارياء وسمعة وان ابا عقيل جاء ليذكر بنفسه ويعطى من الصدقة باكثر مما جاء به وان الله لغنى عن صاع ابى عقيل فانزل الله هذه الآية {والذين لا يجدون الا جهدهم} عطف على المطوعين اى ويلمزون الذين لا يجدون الا طاقتهم من الصدقة. قال الحدادى عابوا المكثر بالرياء والمقل بالاقلال يقال الجهد بالفتح المشقة والجهد بالضم الطاقة وقيل الجهد فى العمل والجهد فى القوة {فيسخرون منهم} عطف على يلمزون اى يستهزئون بهم والمراد بهم الفريق الاخير كابى عقيل {سخر الله منهم} اى جازاهم على سخريتهم فيكون تسمية جزاء السخرية سخرية من قبيل المشاكلة لوقوعه فى صحبة قوله فيسخرون منهم {ولهم} اى ثابت لهم {عذاب اليم} على كفرهم ونفاقهم شعر : اى كه دارد نفاق اندر دل خار بادش خليده اندر حلق هركه سازد نفاق بيشه خويش خوار كرددبنزد خالق وخلق تفسير : .قال الحدادى ولما نزلت هذه الآية اتى المنافقون الى رسول الله وقالوا يا رسول الله استغفر لنا فكان عليه السلام يستغفر لقوم منهم على ظاهر الاسلام من غير علم منه بنفاقهم وكان اذا مات احد منهم يسألون رسول الله الدعاء والاستغفار لميتهم فكان يستغفر لهم على انهم مسلمون فاعلمه الله انهم منافقون واخبر ان استغفاره لا ينفعهم فذلك قوله تعالى {إستغفر لهم أو لا تستغفر لهم} خرج الكلام مخرج الامر ومعناه الشرط اى ان شئت استغفر لهم وان شئت لا تستغفر فالامران متساويان فى عدم النفع الذى هو المغفرة والرحمة {ان تستغفر لهم سبعين مرة} قوله مرة انتصب على المصدر اى سبعين استغفارة او على الظرف اى سبعين وقتا وتخصيص السبعين بالذكر لتأكيد نفى المغفرة لان الشئ اذا بولغ فى وصفه اكد بالسبع والسبعين وهذا كما يقول القائل لو سألتنى حاجتك سبعين مرة لم اقضها لا يريد انه اذا زاد على السبعين قضى حاجته فالمراد التكثير لا التحديد {فلن يغفر الله لهم ذلك} اى امتناع المغفرة لهم ولو بعد المبالغة فى الاستغفار ليس لعدم الاعتداد باستغفارك بل {بانهم} اى بسبب انهم {كفروا بالله ورسوله} اى كفرا متجاوزا عن الحد كما يلوح وصفهم بالفسق فى قوله تعالى {والله لا يهدى القوم الفاسقين} فان الفسق فى كل شئ عبارة عن التمرد والتجاوز عن حدوده اى لا يهديهم هداية موصلة الى المقصد البتة لمخالفة ذلك للحكمة التى عليها يدور فلك التكوين والتشريع. واما الهداية بمعنى الدلالة على ما يوصل اليه فهى متحققة لا محالة ولكنهم بسوء اختيارهم لم يقبلوها فوقعوا فيما وقعوا. وفيه اشارة الى ان استغفار النبى عليه السلام لاحد من غير استغفاره لنفسه لا ينفعه فاليأس من المغفرة وعدم قبول استغفاره ليس لبخل من الله ولا لقصور فى النبى عليه الصلاة والسلام بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنها كما قال المولى جلال الدين فى شرح الهياكل المحال لا يدخل تحت قدرة قادر ولا يلزم من ذلك النقص فى القادر بل النقص فى المحال حيث لا يصلح لتعلق القدرة انتهى ومنه يعرف معنى قول العرفى الشيرازى شعر : ذات تو قادرست بايجاد هرمحال الا بآفريدن جون تو يكانه تفسير : وفى عبارته سوء ادب كما لا يخفى. واعلم ان من كفرهم وفسقهم سخريتهم فى امر الصدقات ولو كان لهم ايمان واصلاح لبالغوا فى الانفاق وجدوا فى البذل كالمخلصين. وفى التاويلات النجمية قلب المؤمن منور بالايمان وروحه متوجه الى الحق تعالى فالحق يؤيد روحه بتأييد نظر العناية وتوفيق العبودية فيسطع من الروح نور روحانى مؤيد بنور ربانى فتنبعث منه الخواطر الرحمانية الداعية الى الله تعالى باعمال موجبة للقربة من الفرائض والنوافل فتارة تكون الاعمال بدنية كالصوم والصلاة وتارة تكون تلك الاعمال مالية كالزكاة والصدقة فيتطوع بالصدقة فضلا عن الزكاة وفى الحديث "حديث : ان النافلة هدية المؤمن الى ربه فليحسن احدكم هديته وليطيبها" تفسير : وقلب المنافق مظلم بظلمات صفات النفس لعدم نور الايمان وروحه متوجه الى الدنيا وزخارفها بتبعية النفس الامارة بالسوء مطرود بالخذلان لان قرينه الشيطان فبتأثير الخذلان ومقارنة الشيطان يصعد من النفس ظلمة نفسانية تمنع القلب من قبول الدعوة واجابة الرسل واتباع الاوامر واجتناب النواهى بالصدق وتنبعث منه الخواطر الظلمانية النفسانية وبذلك يمتنع عن اداء الفرائض فضلا عن النوافل والتطوعات ويهزأ بمن يفعل ذلك -روى- ان داود عليه السلام سأل ربه ان يريه الميزان فاراه اياه فى المنام فلما رأى عظمته غشى عليه فلما افاق قال الهى من الذى يقدر ان يملأ كفته من الحسنات فقال يا داود انى اذا رضيت عن عبدى املأها بتمرة -وروى- ان الحسن مر به نخاس ومعه جارية جميلة فقال للنخاس أترضى فى ثمنها بدرهم او درهمين قال لا قال فاذهب فان الله يرضى فى الحور العين بالفلس والفلسين: قال السعدى قدس سره شعر : بدنيا توانى كع عقبى خرى بخرجان من ورنه حسرت خورى تفسير : واعلم ان النوافل مقبولة بعد اداء الفرائض والا فهى من علامات اهل الهوى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (الذين): مبتدأ حُذف خبره، أي: منهم الذين، أو خبر عن مبتدأ، أو منصوب على الذم، أو بدل من ضمير سرهم. وأصل المطوعين: المتطوعين، فأدغمت التاء في الطاء، (وجهدهم): مصدر جهد في الأمر: بالغ فيه. يقول الحق جل جلاله: ومنهم {الذين يلمزون} أي: يعيبون {المُطَّوِّعِين من المؤمنين في الصدقات}، روي أنه صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة، فجاء عبدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ بأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهم، وقال: كان لي ثمانية آلافٍ، فأقرضت ربي أربعة، وأمسكت لعيالي أربعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : باركَ الله لكَ فِيما أَعطَيت وفيما أمْسَكْتَُ ".تفسير : فبارك الله له حتى صالحته إحدى زوجتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم. وتصدق عاصم بن عدي بثمانية أوسق تمراً، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع تمر، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَنْثُرَه على تمر الصدقات، فلمزَهم المنافقون، وقالوا: ما أعطي عبد الرحمن عاصم إلا رياءً، ولقد كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل، فنزلت الآية. ونزلت في أبي عقيل: {والذين لا يجِدُون إلا جُهدهُم}؛ إلا طاقتهم، {فيسْخَرون منهم}؛ يستهزئون بهم. قال تعالى: {سخر الله منهم}؛ جازاهم على سخريتهم، كقوله: {أية : اللَّهُ يَستَهزئُ بِهِم}تفسير : [البقرة: 15]، {ولهم عذاب أليم} على كفرهم. {اسْتَغفِر لهم أو لا تستَغفر لهم}، يريد به التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة، كما نص عليه بقوله: {إن تستغفر لهم سبعينَ مرة فلن يغفر الله لهم}، رُوي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي ـ وكان من خيار المسلمين ـ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مرض أبيه، أن يستغفر له، ففعل، فنزلت: {أية : سَوآء علَيهم أَستَغفَرتَ لَهم أَم لَم تَستَغفر لَهم لَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم}تفسير : [المنافقون: 6]، وذلك لأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ فَهِمَ من السبعين العدد المخصوص، وقال: ولو علمت أني إن زدت على السبعين، غُفِر له، لزدت، فبيَّنَ له أن المراد به التكثير، دون التحديد، وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة في التكثر؛ لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنه بأسره قاله البيضاوي. {ذلك} أي: عدم قبول استغفارك بسبب أنهم {كفروا بالله ورسوله} أي: ليس لبُخل منا، ولا تقصير في حقك، بل لعدم قابليتهم؛ بسبب الكفر الصارف عنها. {والله لا يهدي القوم الفاسقين}؛ المتمردين في كفرهم، وهو كالدليل على الحكم السابق، فإن مغفرة الكافر بالإقلاع عن الكفر، والإرشاد إلى الحق، والمنهمك في كفره، المطبوع عليه، لا ينقلع ولا يهتدي، والتنبيه على عذر الرسول في استغفاره، وهو عدم يأسه من إيمانهم، ما لم يعلم مطبُوعون على الضلالة، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم؛ لقوله:{أية : مَا كَانَ للِنَّبيِ وَالَّذِينَ ءَامَنوا أن يستَغفِروا للِمُشرِكِينَ}تفسير : ... الآية [التوبة: 113] قاله البيضاوي. الإشارة: من نصب الميزان على المؤمنين فيما يصدر منهم، أو على الصالحين أو الأولياء فيما يظهر عليهم، حتى يسخر منهم، سخر الله منه، وأبعده من رحمته، فلا تنفع فيه شفاعة الشافعين ولا استغفار المستغفرين. وفي بعض الأخبار: "من تتبع عورة أخيه المؤمن تتبع الله عورته حتى يفضحه، ولو في جوف بيته". ومن اشتغل بإذاية الأولياء، ولم يتب، مات على سوء الخاتمة، وذلك جزاء من حارب الله ـ والعياذ بالله ـ. ثم ذكر تخلف المنافقين عن الجهاد، فقال: {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ}.

الطوسي

تفسير : قيل: نزلت هذه الآية في علية بن زيد الحارثي وزيد بن اسلم العجلاني فجاء عليه بصاع نم تمر فنثره في الصدقة، وقال: يا رسول الله عملت في النخل بصاعين فصاعاً تركته لأهلي وصاعاً اقرضته ربي، وجاء زيد بن أسلم بصدقة فقال: معتب ابن قشير وعبد الله بن نهيك إنما أراد الرياء. وقال قتادة وغيره من المفسرين: إن هذه الآية نزلت في حجاب بن عثمان، لأنه أتى النبي صلى الله عليه وآله بصاع من تمر وقال: يا رسول الله إني عملت في النخل بصاعين من تمر فتركت للعيال صاعاً واهديت لله صاعاً. وجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف دينار وهي شطر ماله للصدقة، فقال المنافقون: إن عبد الرحمن لعظيم الرياء، وقالوا في الآخر: إن الله لغني عما أتى به، فأنزل الله تعالى الآية فقال {الذين يلمزون المطوعين} أي ينسبونهم إلى النقص في النفس يقولون: لمزه يلمزه لمزاً إذا انتقصه وعابه والمطوعين على وزن (المتفعلين) وتقديره المتطوعين. فأدغمت التاء في الطاء، ومعناه المتقلين من طاعة الله بما ليس بواجب عليهم، لأن الخير قد يكون واجباً وقد يكون ندباً وقد يكون مباحاً ولا يستحق المدح الا على الواجب والندب دون المباح، وقوله {والذين لا يجدون الا جهدهم} والجهد هو الحمل على النفس بما يشق تقول: جهده يجهده جهداً وجهداً - بالضم والفتح - كالوجد والوجد والضعف والضعف. وقال الشعبي: الجهد في العمل والجهد في القوت. وقوله {فيسخرون منهم} يعني المنافقين يهزؤون بالمطوعين {سخر الله منهم} اي يجازيهم على سخريتهم بأنواع العذاب {ولهم عذاب أليم} اي مؤلم موجع. ولما كان ضرر سخريتهم عائداً عليهم جاز ان يقال {سخر الله منهم} لا انه يفعل السخرية.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ} يعيبون {ٱلْمُطَّوِّعِينَ} المعطين للصّدقات المستحبّة او المعطين للصّدقات مطلقاً المبالغين المعتنين بها {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} متعلّق بيلمزون او بالمطّوّعين او بهما على سبيل التّنازع وهو امّا خبر مبتدءٍ محذوف، او مبتدء خبرٍ محذوفٍ، او مبتدء خبره فيسخرون او سخر الله منهم او قوله استغفر لهم او قوله ان تستغفر لهم (الآية) او بدل من قوله من عاهد الله وقوله تعالى لم يعلموا (الى آخر الآية) معترضة {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} الاّ قدر تعبهم فى التّحصيل والطّلب فيتصدّقون بما يتعبون انفسهم فى تحصيله، وقد ذكر فى نزوله انّ سالم بن عمير الانصارى جاء بصاعٍ من تمر فقال: يا رسول الله (ص) كنت اجرت نفسى ليلتى بصاعين من تمرٍ فجئت بصاعٍ اليك وتركت صاعاً لعيالى، وذكر فى نزوله ايضاً انّ عليّاً آجر نفسه فأتى باجرته الى النّبىّ (ص) فلمزه المنافقون {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} استعمال السّخرية فى الحقّ تعالى من باب المشاكلة اللّفظيّة والمشابهة المعنويّة وهى امّا دعائيّة فيكون عطف قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} لكونه ايضاً دعائيّاً او باعتبار الاخبار اللاّزم لذلك الدّعاء كأنّه قال لهم سخط الله ولهم عذابٌ اليمٌ، او خبريّة فلا اشكال فى العطف.

الأعقم

تفسير : {الذين يلمزون المطَّوِّعين من المؤمنين في الصدقات} يعني يعيبون المطوعين المتبرعين بالصدقة والآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف وأبي عقيل وعاصم وعدي، "حديث : وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حث على الصدقة فجاء عبد الرحمن بأربعة آلاف دينار، وقيل: بثمانية آلاف درهم، وقال: هذا نصف مالي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت" فبارك الله تعالى في ماله" تفسير : حتى أنه خلف مالاً وورثه امرأتين فجاء نصف الثمن مائة وتسعين ألف درهم، وقيل: كان ربع الثمن ثلاثين ألفاً، وتصدق عاصم بن عيد بثمانية أوسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع، فقال المنافقون: ما أعطي عبد الرحمن وعاصم إلاَّ رياء وإن الله لغني عن صاع عقيل، وقيل: نزل قوله تعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} في عبد الله بن أبي لما مات على النفاق، والصيغة صيغة الأمر والنهي والمراد بها الشرط تقديره استغفر لهم إن شئت أو لا تستغفر لهم إن شئت، وقيل: المعنى أن استغفارك وتركه سواء {إن تستغفر لهم سبعين مرة} حديث : لما نزلت هذه الآية قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "لأزيدن على السبعين"تفسير : ، فنزل قوله تعالى: {أية : سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} تفسير : [المنافقون: 6] {سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} الآية {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله}، قيل: نزلت في المتخلفين عن غزوة تبوك يعني الذين تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أمرهم بالغزو {وقالوا} يعني المنافقين بعضهم لبعض، وقيل: قالوا للمسلمين ذلك ليصدوهم عن الغزو {لا تنفروا في الحر} طلباً للراحة {قل} يا محمد {نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون} قوله تعالى: {فليضحكوا} تهديد لهم {قليلاً} يعني في الدنيا فإنهم يبكون في الآخرة {كثيراً} لا ينقطع {فإن رجعك} الله {إلى طائفة منهم} يعني ردك الله يا محمد إلى جماعة ممن تخلف عنك وإنما قال طائفة لأنه ليس من تخلف عن تبوك منافقاً بل كان منهم منافق ومنهم من تخلف لعذر، وقيل: لأن منهم من تاب من النفاق وندم على التخلف فاعتذر بعذر صحيح {فقل} لهم يا محمد {لن تخرجوا معي أبداً} ما بقيت في سفر ولا غزوة {ولن تقاتلوا معي عدواً} وذلك عقوبة لهم على فعلهم {إنكم} أيها المنافقون {رضيتم بالقعود أول مرة} يعني في غزوة تبوك {فاقعدوا} تهديداً لهم وليس بأمر {مع الخالفين}، قيل: مع المنافقين، وقيل: مع النساء والصبيان، وقيل: مع الزمنى والعميان {ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} الآية نزلت في عبد الله بن أبي، روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقوم على قبور المنافقين ويدعو لهم فلما مرض رأس المنافقين عبد الله بن أبي سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكفنه في قميصه الذي يلي جسده ويصلي عليه، فقال له عمر: اتصلي على عدو الله؟ وقيل: أراد أن يصلي عليه فنزل جبريل (عليه السلام) وأخذ بثوبه وقال: {لا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره}، وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كفن عبد الله بن أبي في قميص له لما سأله هبته، وقيل: "حديث : الذي سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ابن عبد الله بن أبي، فقال: "إن قميصي لا يغني عنه شيئاً وإني لأرجو أن يسلم من قومه جماعة" فلما سمع المنافقون بذلك أسلم يومئذ ألف رجل"تفسير : ، وقد روي أنه سأله أن يكفنه في قميصه وأن يقوم على قبره لئلا تشمت به الأعداء.

اطفيش

تفسير : {الَّذينَ} خبر لمحذوف، أى هم الذين، أو المذمومون الذين، أو مفعول لمحذوف، أى أعنى الذين أذم، أو الذين أو بدل من الهاء فى سرهم، أو مبتدأ خبره سخر الله منهم {يَلْمزُونَ} ينالون بألسنتهم، وقرأ الحسن، وأبو رجاء، ويعقوب: بضم الميم وهو رواية عن ابن كثير {المطَّوِّعينَ} المتصدقين صدقة النفل، وأصله المتطوعين أبدلت التاء طاء وأدغمت فى الطاء. {مِنَ المؤمِنينَ فى الصَّدَقاتِ} كعبد الرحمن بن عوف، وعاصم ابن عدى، وعمر بن الخطاب، حديث : حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعمائة أوقية، وقيل: بأربعين أوقية، وقيل: بأربعة آلاف درهم، وقال: كان لى ثمانية آلاف فأقرضت ربى أربعة، وأمسكت لعيالى أربعة، فقال صلى الله عليه وسلم بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكتتفسير : ، فبارك الله له حتى صولحت إحدى امرأتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم، وقيل: بلغ ثُمْن ماله مائة وسبعين ألف درهم، وقيل: ترك أربع نسوة صولحت تماضر منهن عن ربع الثمن على ثمانين ألفا، وتصدق عاصم بمائة وسق تمراً، وتصدق عمر بنصف ماله، فقال المنافقون: ما تصدق هؤلاء إلا رياء وسمعة. {والَّذينَ} عطف خاص على عام فإن المتصدق بقليل داخل فى جملة المتطوعين، وذكر بعض أن المراد فى قوله: {المطوِّعين} خصوص المتصدقين بكثير، فالعطف عطف تغاير {لا يجِدُون إلاَّ جُهْدهُم} طاقتهم مصدر جهد فى الأمر إذا بالغ فيه، وذلك لغة الحجاز، وقرأ الأعرج وجماعة بفتح الجيم والمعنى واحد. وقيل: الضم فى المال، والفتح فى تعب الجسم، وذلك كأبى عقيل الأنصارى، وعن بعضهم: اسمه حجاب الأرشى، جاء بصاع تمر قال: بت ليلى أجر بالجرير على صاعين، فتركت صاعا لعيالى وجئت بصاع، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره فى الصدقات، وكأبى خيثمة، وقال المنافقون إن الله لغنى عما تصدقا به، وهما محتاجان فكيف يتصدقان، ولكن أحبا أن يذكر بأنفسهما ليعطيا من الصدقات فنزلت الآية فى ذلك. وفى حديثٍ: "حديث : من قال لمؤمن يا مرائى أحبط عنه عمل أربعين يوما وإن لم يكن له عمل فعليه وزر أربعين يوما" تفسير : وقد يكون القليل أعظم ثوابا مثل أن يكون من مقلّ اشتدت حاجته إليه. {فيسْخَرُون} يستهزئون {منْهُم} عطف على يلمزون {سَخِرَ اللهُ منْهُم} جازاهم على سخريتهم إخبار، وأجاز بعضهم كونه على طريق الدعاء {ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ} على ذلك، وروى ابن عمران عبد الله بن عبد الله بن أبىّ وكان مؤمنا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مرض أبيه أن يستغفر لأبيه، فاستغفر فنزل: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ...}.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ} مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين وقيل: أي منهم الذين، وقيل: مبتدأ خبره {فَيَسْخَرُونَ} والفاء لما في الموصول من شبه الشرط أو {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} أو منصوب بفعل محذوف أعني ـ أعني ـ أو أذم أو مجرور على البدلية من ضمير {أية : سِرَّهُمْ }تفسير : [التوبة: 78] على أنه للمنافقين مطلقاً. وقرىء بضم الميم وهو لغة كما علمت أي يعيبون {ٱلْمُطَّوِّعِينَ} أي المتطوعين، والمراد بهم من يعطي تطوعاً {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} حال من الضمير، وقوله سبحانه: {فِي ٱلصَّدَقَـٰتِ} متعلق بيلمزون، ولا يجوز كما قال أبو البقاء تعلقه بالمطوعين للفصل، أخرج البغوي في «معجمه» وأبو الشيخ عن الحسن قال «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً للناس فقال: حديث : يا أيها الناس تصدقوا يا أيها الناس تصدقوا أشهد لكم بها يوم القيامة ألا لعل أحدكم أن يبيت فصاله رواء وابن له طاو إلى جنبه ألا لعل أحدكم أن يثمر ماله وجاره مسكين لا يقدر على شيء ألا رجل منح ناقة من إبله يغدو برفد ويروح برفد يغدو بصبوح أهل بيته ويروح بغبوقهم ألا إن اجرها لعظيم فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي أبعرة عندي أربعة ذود فقام آخر قصير القامة قبيح الشبه يقود ناقة له حسناء جملاء فقال له رجل من المنافقين كلمة خفية لا يرى أن النبـي صلى الله عليه وسلم سمعها ناقته خير منه فسمعها عليه الصلاة والسلام فقال: كذبت هو خير منك ومنها، ثم قام عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله عندي ثمانية آلاف تركت منها أربعة لعيالي وجئت بأربعة أقدمها إلى الله تعالى فتكاثر المنافقون ما جاء به ثم قام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: يا رسول الله عندي سبعون وسقاً من تمر فتكاثر المنافقون ما جاء به وقالوا: جاء هذا بأربعة آلاف وجاء هذا بسبعين وسقا للرياء والسمعة فهلا أخفياها فهلا فرقاها، ثم قام رجل من الأنصار اسمه الحبحاب يكنى أبا عقيل فقال: يا رسول الله مالي من مال غير اني آجرت نفسي البارحة من بني فلان أجر الجرير في عنقي على صاعين من تمر فتركت صاعاً لعيالي وجئت بصاع أقربه إلى الله تعالى فلمزه المنافقون وقالوا: جاء أهل الإبل بالإبل وجاء أهل الفضة بالفضة وجاء هذا بتميرات يحملها فأنزل الله تعالى الآيةتفسير : ، ولم يبين الآلاف التي ذكرها عبد الرحمن في هذه الرواية وكانت على ما أخرجه ابن المنذر عن / مجاهد ـ دنانير ـ وفي رواية أنها دراهم، وأخرج ابن أبـي حاتم عن الربيع بن أنس أن عبد الرحمن جاء بأربعمائة أوقية من ذهب وهي نصف ما كان عنده وأن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك له فيما أعطى وبارك له فيما أمسك، وجاء في رواية الطبراني أن الله بارك له حتى صولحت إحدى امرأتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم، وفي «الكشاف» وعزاه الطيبــي «للاستيعاب» أن زوجته تماضر صولحت عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً، فعلى الأول يكون له زوجتان وعلى الثاني يكون له أربع زوجات، ويختلف مجموع المالين على الروايتين اختلافاً كثيراً، وفي رواية ابن أبـي حاتم عن ابن زيد أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان أحد المطوعين وأنه جاء بمال كثير يحمله فقال له رجل من المنافقين: أترائي يا عمر؟ فقال: نعم أرائي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فأما غيرهما فلا. وقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} عطف على {ٱلْمُطَّوِّعِينَ} وهو من عطف الخاص على العام، وقيل: عطف على {الْمُؤْمِنِينَ}. وتعقبه الأجهوري بأن فيه ايهام أن المعطوف ليس من المؤمنين. وقال أبو البقاء: هو عطف على {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ} وأراه خطأ صرفاً. والجهد بالضم الطاقة أي ويلمزون الذين لا يجدون إلا طاقتهم وما تبلغه قوتهم وهم الفقراء كأبـي عقيل واسمه ما مر آنفاً، وعن ابن إسحٰق أن اسمه سهل بن رافع، وعن مجاهد أنه فسر الموصول برفاعة بن سعد، ولعل الجمع حينئذ للتعظيم، ويحتمل أن يكون على ظاهره والمذكور سبب النزول، وقرأ ابن هرمز {جُهْدَهُمْ} بالفتح وهو إحدى لغتين في الجهد فمعنى المضموم والمفتوح واحد، وقيل: المفتوح بمعنى المشقة والمضموم بمعنى الطاقة قاله القتبـي، وقيل: المضموم شيء قليل يعاش به والمفتوح العمل. وقوله تعالى: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ} عطف على {يَلْمِزُونَ} أو خبر على ما علمت أي يستهزئون بهم، والمراد بهم على ما قيل الفريق الأخير {سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} أي جازاهم على سخريتهم، فالجملة خبرية والتعبير بذلك للمشاكلة وليس إنشائية للدعاء عليهم لأن يصيروا ضحكة لأن قوله تعالى جده: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} جملة خبرية معطوفة عليها فلو كانت دعاء لزم عطف الإخبارية على الإنشائية وفي ذلك كلام، وإنما اختلفتا فعلية واسمية لأن السخرية في الدنيا وهي متجددة والعذاب في الآخرة وهو دائم ثابت، والتنوين في العذاب للتهويل والتفخيم.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي، نزلت بسبب حادث حدث في مدّة نزول السورة، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حثّ الناس على الصدقة فجاء عبد الرحمٰن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وجاء عَاصم بن عَدِي بأوسقٍ كثيرة من تمر، وجاء أبو عَقيل بصاع من تمر، فقال المنافقون: ما أعطَى عبدُ الرحمٰن وعاصم إلاّ رياءً وأحَبَّ أبو عَقيل أن يُذكِّر بنفسه ليُعطى من الصدقات فأنزل الله فيهم هذه الآية. فالذين يلمزون مبتدأ وخبره جملة {سخر الله منهم}. واللمز: الطعن. وتقدّم في هذه السورة في قوله: {أية : ومنهم من يلمزك في الصدقات}تفسير : [التوبة: 58]. وقرأه يعقوب ــــ بضمّ الميم ــــ كما قرأ قوله: {أية : ومنهم من يلمزك في الصدقات}تفسير : [التوبة: 58]. و{المُطّوّعين} أصله المُتَطَوّعين، أدغمت التاء في الطاء لقرب مخرجيهما. و{في} للظرفية المجازية بجعل سبب اللمز كالظرف للمسبَّب. وعُطف الذين لا يجدون إلاّ جهدهم على المطوعين وهم منهم، اهتماماً بشأنهم والجُهد ــــ بضمّ الجيم ــــ الطاقة. وأطلقت الطاقة على مسبّبها الناشىءِ عنها. وحُذف مفعول {يجدون} لظهوره من قوله: {الصدقات} أي لا يجدون ما يتصدّقون به إلاّ جهدهم. والمراد لا يجدون سبيلاً إلى إيجاد ما يتصدّقون به إلاّ طاقتهم، أي جُهد أبدانهم. أو يكونُ وجَدَ هنا هو الذي بمعنى كان ذا جدة، أي غنىً فلا يقدر له مفعول، أي الذين لا مال لهم إلاّ جُهدهم وهذا أحسن. وفيه ثناء على قوة البدن والعمل وأنّها تقوم مقام المال. وهذا أصل عظيم في اعتبار أصول الثروة العامة والتنويه بشأن العامل. والسخرية: الاستهزاء. يقال: سخر منه، أي حصلت السخرية له من كذا، فمن اتّصالية. واختير المضارع في يلمزون ويسخَرون للدلالة على التكرر. وإسناد سخر إلى الله تعالى على سبيل المجاز الذي حسَّنتْه المشاكلة لفعلهم، والمعنى أنّ الله عامَلَهم معاملةً تُشبه سخرية الساخر، على طريقة التمثيل، وذلك في أنْ أمر نبيه بإجراء أحكام المسلمين على ظاهرهم زمناً ثم أمْرِه بفضحهم. ويجوز أن يكون إطلاق سَخر الله منهم على طريقة المجاز المرسل، أي احتقرهم ولعنهم ولمّا كان كلّ ذلك حاصلاً من قبل عبّر عنه بالماضي في {سخر الله منهم}. وجملة: {ولهم عذاب أليم} عطف على الخبر، أي سخر منهم وقضى عليهم بالعذاب في الآخرة.

الواحدي

تفسير : {الذين يلمزون} يعيبون ويغتابون {المطوعين} المتطوعين المُتنفلِّين {من المؤمنين في الصدقات} وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حثَّ على الصَّدقة، فجاء بعض الصحابة بالمال الكثير، وبعضهم - وهم الفقراء - بالقليل، فاغتابهم المنافقون وقالوا: مَنْ أكثرَ [أكثر] رياءً، ومَنْ أقلَّ أراد أن يذكر نفسه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {والذين لا يجدون إلاَّ جهدهم} وهو القليل الذي يتعيَّش به {فيسخرون منهم سخر الله منهم} جازاهم جزاء سخريتهم حيث صاروا إلى النَّار، ثمَّ آيس الله رسوله من إيمانهم ومغفرتهم فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} وهذا تخييرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قال: {إن تستغفر لهم سبعين مرة} أَيْ: إن استكثرت من الدُّعاء بالاستغفار للمنافقين لن يغفر الله لهم. {فرح المخلفون} يعني: الذين تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين {بمقعدهم} بقعودهم {خلاف رسول الله} مخالفةً له {وقالوا: لا تنفروا} مع محمدٍ إلى تبوك {في الحرِّ قل نار جهنم أشدُّ حراً لو كانوا يفقهون} يعلمون أنَّ مصيرهم إليها. {فليضحكوا قليلاً} في الدُّنيا، لأنَّها تنقطع عنهم {وليبكوا كثيراً} في النار بكاءً لا ينقطع {جزاءً بما كانوا يكسبون} في الدُّنيا من النِّفاق. {فإن رجعك الله} ردَّك {إلى طائفة منهم} يعني: الذين تخلَّفوا بالمدينة {فاستأذنوك للخروج} إلى الغزو معك {فقل لن تخرجوا معي أبداً} إلى غزاةٍ {ولن تقاتلوا معي عدواً} من أهل الكتاب {إنكم رضيتم بالقعود أول مرة} حين لم تخرجوا إلى تبوك {فاقعدوا مع الخالفين} يعني: النِّساء والصِّبيان والزَّمنى الذين يخلفون الذَّاهبين إلى السَّفر، ثمَّ نُهِيّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الصَّلاة عليهم إذا ماتوا، والدُّعاء لهم عند الوقوف على القبر.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 79- ومن نقائص هؤلاء المنافقين مع بخلهم أنهم يعيبون على الموسرين من المؤمنين تصدقهم على المحتاجين، ويسخرون بغير الموسرين من المؤمنين لتصدقهم مع قلة أموالهم، وقد جازاهم اللَّه على سخريتهم بما كشف من فضائحهم، وجعلهم سخرية للناس أجمعين، ولهم فى الآخرة عذاب شديد. 80- لن ينفعهم أن تستجيب لدعاء بعضهم، وتطلب المغفرة من اللَّه لهم، فسواء أن تستغفر لهم - أيها النبى - أم لا تستغفر لهم، ومهما أكثرت من طلب المغفرة لهم، فلن يعفو اللَّه عنهم؛ لأنه لا أمل فى العفو والمغفرة مع الكفر والإصرار عليه، وقد كفر هؤلاء باللَّه ورسوله، واللَّه لا يهدى الخارجين عليه وعلى رسوله، لتمردهم على شرعه ودينه. 81- إن المنافقين تخلفوا عن الخروج مع رسول اللَّه والمسلمين، وفرحوا بقعودهم فى المدينة بعد خروج النبى منها، وبمخالفتهم أمره بالجهاد معه، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم، ويضحوا بأرواحهم فى سبيل إعلاء كلمة اللَّه ونصر دينه، وأخذوا يثبطون غيرهم، ويُغرونهم بالقعود معهم، ويخوفونهم من النفور إلى الحرب فى الحر، فقل - أيها الرسول - لهؤلاء: لو كنتم تعقلون، لذكرتم أن نار جهنم أكثر حرارة وأشد قسوة مما تخافون. 82- فليضحكوا فرحا بالقعود، وسخرية من المؤمنين، فإن ضحكهم زمنه قليل، لانتهائه بانتهاء حياتهم فى الدنيا، وسيعقبه بكاء كثير لا نهاية له فى الآخرة، جزاء لهم بسبب ما ارتكبوه من سيئات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يلمزون: أي يعيبون ويطعنون. المطوّعين: أي المتصدقين بأموالهم زيادة على الفريضة. إلا جهدهم: إلا طاقتهم وما يقدرون عليه فيأتون به. فيسخرون منهم: أي يستهزئون بهم احتقاراً لهم. استغفر لهم: أي اطلب لهم المغفرة أو لا تطلب. لا يهدي القوم الفاسقين: أي إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم وذلك لتوغلهم في العصيان. معنى الآيتين: ما زال السياق في التنديد بالمنافقين وكشف عوارهم فقد أخبر تعالى أن {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. أخبر تعالى أنه سخر منهم جزاء سخريتهم بالمتصدقين وتوعدهم بالعذاب الأليم. وكيفية لمزهم المتطوعين أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى الصدقة فإذا جاء الرجل بمال كثير لمزوه وقالوا مراء، وإذا جاء الرجل بالقليل لمزوه وقالوا: الله غني عن صاعك هذا فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ففضحهم وسخر منهم وتوعدهم بأليم العذاب وأخبر نبيه أن استغفاره لهم وعدمه سواء فقال {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} وبين علة ذلك بقوله {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}، وهذه العلة كافية في عدم المغفرة لهم لأنها الكفر والكافر مخلد في النار. وأخبر تعالى أنه حرمهم الهداية فلا يتوبوا فقال {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} لأن الفسق قد أصبح وصفاً لازماً لهم فلذا هم لا يتوبون، وبذلك حرموا هداية الله تعالى. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- حرمة لمز المؤمن والطعن فيه. 2- حرمة السخرية بالمؤمن. 3- غيرة الله على أوليائه حيث سخر الله ممن سخر من المطوعين. 4- من مات على الكفر لا ينفعه الاستغفار له، بل ولا يجوز الاستغفار له. 5- التوغل في الفسق أو الكفر أو الظلم يحرم صاحبه الهداية.

القطان

تفسير : يلمزون: يعيبون. المطوعين: المتطوعين وهم الذين يؤدون ما يزيد على الفريضة. جهدهم: طاقتهم. بعد ان ذَكر الله بُخلَ المافقين وشُحَّهم بأموالهم حتى بعد أن عاهدوا على ان يتصدّقوا اذا رَزَقََهم من فضله، عَرَضَ هنا لوناً آخر من رأي المنافقين في الزكاة، وكشَفَ عن الغمز واللّمزِ النابعَين عن طبعهم المنحرف. {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ}. من نقائص هؤلاء المنافقين علاوة على بُخلم أنهم يَعيبون على الموسِرين من المؤمنين تصدُّقََهم على المحتاجين. روى ابن جرير عن عكرمة قال: "حديث : حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فجاء عبدُ الرحمن ابن عوف بأربعة آلافٍ، وقال: يا رسول الله: مالي ثمانيةُ آلاف، جئتكم بنصفِها وامسكت نصفها. فقال:باركَ الله لك فيما امسكتَ وفيما أعطيت". تفسير : وتصدق عاصِمُ بن عديّ بمائة وسَقْ وثلاثمائةٍ وعشرين رِطلاً من تمر، وجاء أبو عقيل بصاعٍ من تمر، قال فلمزه المنافقون وقالوا: ما الذي أعطى ابنُ عوف إلا رياء. وقالوا: ألم يكنْ الله ورسوله غنيَّين عن صاع هذا!!؟). {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. ولذلك يلمزون الذين لا يجِدون إلا طاقتَهم من فقراء المسملين، ويسخَرون منهم لأنهم تصدّقوا بالقليل الذي وجدوه وقَدَروا عليه، جازاهم الله على سخريتهم بما كشف من فضائحهم، وجعلَهم سخريةً للناس أجمعين، ولهم في الآخرة عذابٌ شديد. ثم بيّن الله تعالى عقابهم وسوّاهم بالكافرين فقال: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ}. لقد تقرر مصير هؤلاء المنافقين حتى إن الاستغفارَ لهم وطلبَ العفو عنهم لن يجدي، فسواءٌ ان تستغفر لهم أيها النبي ام لا، ومهما أكثرتَ من طلب المغفرة لهم، فلن يعفو الله عنهم، وهذا معنى "إن تستغفرْ لهم سبعين مرة فلن يغفرَ الله لهم" فالمراد كثرة الاستغفار لا العدَد المحدد. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ}. ولقد كفر هؤلاء بالله ورسوله، فلا أملَ في العفو والمغفرة مع الكفر والاصرار عليه، واللهُ لا يهدي الخارجين عليه وعلى رسوله، أولئك الذين انحرفوا عن الطريق فلم تعدْ تُرجى لهم توبة، وفسَدت قلوبُهم فلم يعدْ يُرجى لها صلاح.

د. أسعد حومد

تفسير : {الصَّدَقَاتِ} (79) - وَمِنْ صِفَاتِ هَؤُلاَءِ الْمُنَافِقِينَ أَيْضاً أَنَّهُمْ لاَ يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ عَيْبِهِمْ، وَلَمْزِهِمْ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ. إِنْ جَاءَ أَحَدٌ يَتَصَدَّقُ بِمَالٍ جَزِيلٍ قَالُوا: هَذَا مُرَاءٍ. وَإِنْ جَاءَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، قَالُوا: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا. وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَضَّ يَوْماً عَلَى الصَّدَقَةِ وَرَغَّبَ فِيهَا، فَتَطَوَّعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَتَصَدَّقَ بِأَرْبَعَةِ آلاَفِ دِرْهَمٍ، فَقَالُوا هَذَا مُرَاءٍ. وَجَاءَ أَنْصَارِيٌّ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا. وَسَخِرَ الْمُنَافِقُونَ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ الذِينَ اجْتَهَدُوا فِي التَّصَدُّقِ قَدْرَ طَاقَتِهِمْ، فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: إِنَّهُ جَازَاهُمْ بِمِثْلِ ذَنْبِهِمْ، فَجَعَلَهُمْ سُخْرِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ، بِفَضِيحَتِهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِبَيَانِ مَخَازِيهِمْ وَعُيُوبٍِهِمْ، وَادَّخَرَ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً يَوْمَ القِيَامَةِ. الَّذِينَ يَلْمِزُونَ - الذِينَ يُعِيبُونَ. جُهْدَهُمْ - طَاقَتَهُمْ وَوِسْعَهُمْ. سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ - أَهَانَهُمْ وَأَذَلَّهُمْ جَزَاءً وِفَاقاً.

الثعلبي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} قال أهل التفسير: "حديث : حثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف فجئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، فأمسكت أربعة آلاف لعيالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت ". تفسير : فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى مات وعنده امرأتين يوم مات فبلغ ثمن مالهما مائة وستون ألف درهم لكل واحدة منهما ثمانون ألفاً، وتصدّق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وستين وسقاً من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري واسمه الحباب بصاع من تمر وقال: يا رسول الله بتُ ليلتي أجرّ بالجرير أحبلا حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لأهلي وأتيتك بالآخر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقات، فلمزهم المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلاّ رياء، ولقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع أبي عقيل، ولكنه أحبَّ أن يزكي نفسه ليعطي الصدقة فأنزل الله عزّ وجلّ: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ} أي يعيبون ويغتابون المطوعين المتبرعين من المؤمنين في الصدقات. وقال النضر بن شميل: هو الطيب نفسه في الصدقة يعني عبد الرحمن وعاصم. {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ} طاقتهم يعني أبا عقيل. قرأ عطاء والأعرج: جهدهم بفتح الجيم، وهما لغتان مثل الجهد والجهيد، والضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة أهل نجد. وكان الشعبي يفرق بينهما فيقول الجُهد: في العمل والجَهد في القوة، وقال القتيبي في الجُهد: الطاقة والجَهد المشقة {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} أو جازاهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. روى ابن عليّة عن الحريري عن أبي العليل قال: "حديث : وقف على الحجر رجل فقال: حدثني أبي أو عمّي قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: من يصّدق اليوم بصدقة أشهد له بها عند الله يوم القيامة". قال: وعليَّ عمامة لي فنزعت منها لوثاً أو لوثين لأتصدق بها ثم أدركني بما يدرك ابن آدم فعصّبت بها رأسي، قال: فجاء رجل لا أرى بالبقيع رجلا أقصر قامة ولا أشدّ سواد ولا أَدم منه يقود ناقة لم أرَ بالبقيع ناقة أحسن ولا أجمل منها. فقال: هي وما في بطنها صدقة يا رسول الله، فألقى إليه بخطامها قال: فلمزه رجل جالس فقال: والله لِمَ يتصدق بها ولهي خير منه. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "بل هو خير منك ومنها"تفسير : ، يقول ذلك ملياً فأنزل الله عزّوجل هذه الآية ثم قال {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} يعني لهؤلاء المنافقين {أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} لفظه [أمر ومعناه] جزاء تقديره: إن أستغفرت لهم أو لم تستغفر لهم {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} والسبعون عند العرب غاية تستقصا بالسبعة، والأعضاء، والسبعة تتمة عدد الخلق، كالسموات والأرض والبحار والأقاليم. ورأيت في بعض التفاسير: إن تستغفر لهم سبعين مرّة بأزاء صلواتك على [قبر] حمزة لن يغفر الله لهم. قال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنِّ الله قد رخّص لي فسأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم ". تفسير : فأنزل الله عزّ وجلّ: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ}تفسير : [المنافقون: 6]. وذكر عروة بن الزبير أن هذه الآيات نزلت في عبد الله بن أُبي حين قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضّوا من حوله، ثمّ قال: {لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} [المنافقون: 8]. فأنزل الله تعالى {ٱسْتَغْفِرْ}. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأزيدن على السبعين"تفسير : فأنزل الله: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ}تفسير : [المنافقون: 6] فأبى الله أن يغفر لهم {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ * فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ} عن غزوة تبوك {بِمَقْعَدِهِمْ} بقعودهم {خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} قال قطرب والمؤرخ: يعني مخالفة لرسول الله حين سار وأقاموا، وقال أبو عبيدة: يعني بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ). وأنشد الحرث بن خالد: شعر : عقب الربيع خلافهم فكأنما بسط الشواطب بينهن حصيرا تفسير : أي بعدهم، ويدل على هذا التأويل قراءة عمرو بن ميمون: خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ} وكانت غزوة تبوك في شدة الحر {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} يعلمون ذلك، هُو في مصحف عبد الله {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً} في الدنيا {وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} قال أبو موسى الأشعري: إن أهل النار ليبكون الدموع في النار حتى لو أجريت السفن من دموعهم لجرت، ثمّ إنهم ليبكون الدم بعد الدموع ولمثل ماهم فيه فليبكي. وقال ابن عباس: إن أهل النفاق ليبكون في النار عمر الدنيا فلا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم. شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال أنس: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيراً كثيراً {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ} رجعك الله من غزوة تبوك {إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} يعني من المخلّفين فإنما قال طائفة منهم لأنه ليس كل من تخلّف عن تبوك كان منافقاً {فَٱسْتَأْذَنُوكَ} في أن يكونوا في غزاة أخرى {فَقُلْ} لهم {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} عقوبة لهم على تخلّفهم {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} بمعنى تخلّفوا عن غزوة تبوك {فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ} قال ابن عباس: الرجال الذين تخلفوا بغير عذر. الضحاك: النساء والصبيان والمرضى والزمنى، وقيل: مع الخالفين. قال الفراء: يقال: عبد خالف وتخالف إذ كان مخالفاً، وقيل: (ضعفاء) الناس ويقال: خلاف أهله إذ كان ذويهم، وقيل مع أهل الفساد من قولهم: خلف الرجل على أهله يخلف خلوفاً إذ فسد، ونبيذ خَالِفٌ أي فاسد (من قولك): خلف اللبن خلوفاً إذا حمض من طول وضعه في السقاء، وخلف فَمُ الصائم إذا تغيَّرت ريحه، ومنه خلف سوء، وقرأ مالك بن دينار: مع المخالفين. {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} قال المفسرون بروايات مختلفة: "حديث : بعث عبد الله بن أُبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أهلكك يهود، فقال: يارسول الله إني لم أبعث اليك لتؤنبني ولكن بعثت اليك لتستغفر لي وسأله أن يكفنه في قميصه ويصلي عليه، فلما مات عبد الله بن أُبي إنطلق ابنه إلى النبي (عليه السلام) ودعاه إلى جنازة أبيه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما اسمك؟ قال: الحباب بن عبد الله فقال صلى الله عليه وسلم: أنت عبد الله بن عبد الله، فإنَّ الحباب هو الشيطان". ثم انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام قال له عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : يا رسول الله تصلي على عدو الله ابن أُبي القائل يوم كذا وكذا، وجعل يعد أيامه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم حتى إذا أكثر عليه قال: عني يا عمر إنما خيرني الله فاخترت، قيل لي {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} هو أعلم فإن زدت على السبعين غفر له؟؟ ثم شهَّده وكفَّنه في قميصه ونفث في جنازته ودلاه في قبره . تفسير : قال عمر (رضي الله عنه): فعجبت من جرأتي على رسول الله (صلى الله عليه وسلم). فما لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ يسيراً حتى نزلت {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} {وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} أي لا تصلي على قبره بمحل لا تتولَّ دفنه: من قولهم قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره. {إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قبض، "حديث : وعُيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله والله إني كنت أرجو أن يُسلم به ألف من قومه ". تفسير : قال الزجاج: فأسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الإستغفار بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أسرّ إلى حذيفة أثني عشر رجلا من المنافقين فقال ستة يكفيهم الله بألف مائة شهاب من نار تأخذ كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتاً. فسأل عمر حذيفة عنهم فقال: ما أنا بمخبرك أحدٌ منهم ما كان حياً. فقال عمر: يا حذيفة أمنهم أنا؟ قال: لا. قال: أفي أصحابي منهم أحد. فقال: رجل واحد. قال: قال: فكأنما دلّ عليهم عمر حتى نزعه من غير أن يخبره به. {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا} الآية {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ} الغني منهم جدّ بن قيس ومعتب بن قشير وأمثالهما {وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ} ورحالهم {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} يعني النساء {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ * لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ} يعني الحسنات. وقال المبرد: يعني الجواري الفاضلات. قال الله تعالى: {أية : فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ}تفسير : [الرحمن: 70] واحدها الخيرة وهي الفاضلة من كل شيء. قال الشاعر: شعر : ولقد طعنت مجامع الربلات ربلات هند خير الملكاتِ تفسير : {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ} الآية {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ} قرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن والضحاك وحميد ويعقوب ومجاهد وقتيبة: المعذرون خفيفة، ومنهم المجتهدون المبالغون في العذرة، وقال الضحاك: "حديث : هم رهط عامر بن الطفيل تخلّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تبوك خوفاً على أنفسهم فقالوا: يا رسول الله إن نحن غزونا معك تُغِيرُ أعراب طيّ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: قد أنبأني الله من أخباركم وسيغنيني الله عنكم ". تفسير : قال ابن عباس: هم الذين تخلفوا بغير إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الميم لا تدغم في العين، وقرأ مسلمة: المعذرون بتشديد العين والذال ولا وجه لها لأن الميم لا يدغم في العين لبعد مخرجيهما، وقرأ الباقون: بتشديد الذال، وهم المقصرون. يقال: أعذر في الأمر بالمعذرة وعذر إذا قصر. وقال الفراء: أصله المعتذر فأُدغمت التاء في الذال وقلبت حركة التاء إلى العين. {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ} قراءة العامة بتخفيف الذال يعنون المنافقين، وقرأ أُبي والحسن: كذبوا الله بالتشديد {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ثم ذكر أهل العذر فقال {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ} قال ابن عباس: يعني الزمنى والمشايخ والعجزة { وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} يعني الفقراء {حَرَجٌ} إثم {إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ} في مغيبهم {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : واللمز: معناه العيب، ولكن بطريق خفي، كإشارة بالعين أو باليد أو بالفم أو بغير ذلك. إذن: فهناك مجموعة من المنافقين يعيبون في المطوِّعين لجمع الزكاة من المؤمنين، ومن هؤلاء المنافقين من يعيب بالقول، ومن يعيب بالفعل، ومن يعيب بالإشارة، والمطوِّعون هم الذين يتطوعون بشيء زائد من جنس ما فرض الله. فالله فرض مثلاً خمس صلوات، وهناك من يصلي خمس صلوات أخرى تطوعاً، وفرض الحق الزكاة اثنين ونصفاً بالمائة، وهناك من يصرف عشرة بالمائة تطوعاً، وفرض الحق صيام شهر رمضان، وهناك من يصوم فوق ذلك كل اثنين وخميس. وهذا ما نسميه دخول المؤمن في مقام الإحسان؛ بأن تتقرب إلى الله بما يزيد على ما فرضه الله عليك، من جنس ما فرضه الله. وأنت إن أديت المفروض تكون قد التزمت بالمنهج، وقد سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرائض الإسلام ثم قال: لا أزيد ولا أنقص، فقال الرسول الكريم: "حديث : أفلح إن صدق ". تفسير : والزيادة على ما فرضه الله، ومن جنس ما فُرِضَ يكون لها ملحظان: الأول: أن العبد يشهد لربه بالرحمة؛ لأنه كُلِّفَ دون ما يستحق. والملحظ الثاني: هو أن عمل الطاعة قد خفّف على المؤمن فاستراح بها. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة: "حديث : أرحنا بها يا بلال ". تفسير : إذن: فالمطوِّع هو الذي يزيد على ما فرض الله عليه من جنس ما فرض الله؛ وهؤلاء هم المحسنون؛ الذين قال الحق عنهم في سورة الذاريات: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 15-19]. فالمنهج لا يلزمني بأن أنام قليلاً من الليل وأقضي بقيته في الصلاة، ولم يلزمني أحد بالاستغفار في الأسحار. ولم يقل الله سبحانه في هذه الآية إن في المال حقاً معلوماً؛ لأن الإنسان المؤمن هنا يعطي بأكثر مما فُرِض. وعندما يتطوع مؤمن ويزيد على ما فرض الله، أيستحق أن يُذَمَّ ويُعَابَ ويُلْمز؟ أم أنه يستحق أن يُكرَّم ويُقدَّر؟ ولكنّه اختلال موازين المنافقين في الحكم على الأشياء. لذلك اعتبروا الحسنة نقيصة، تماماً كالذي يُخرج ماله للفقراء، ونجد من يسخر منه بالقول عنه "إنه أبله"، مع أن المؤمن حين يتصدق كثيراً؛ فهو يشيع فائدة ماله في المجتمع، وهو الأكثر ذكاء منهم؛ لأنهم أنفقوا المال على أنفسهم فَأفْنَوْه، بينما تصدق هو به فأبقاه. وقول الحق سبحانه وتعالى: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} لها واقعة، فقد هاجر عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة، وترك أمواله وكل ما يملك في مكة، وآخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار، فجعل لكل رجل من الأنصار رجلاً من المهاجرين يشاركه في ماله. ولما جاء عبد الرحمن بن عوف قال له أخوه من الأنصار: أقاسمك مالي. قال: بارك الله لك في مالك، دُلَّني على السوق. وذهب إلى السوق. وبارك الله له في تجارته. فكان يقسم ربحه نصفين نصفاً للصدقة ونصفاً لأهله. وقد جاء عبد الرحمن بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله اكتسبت ثمانية آلاف درهم أقرض الله أربعة وأبقي لأهلي أربعة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بارك الله لك فيما أقرضت وفيما أبقيت"تفسير : . وحينما مات عبد الرحمن بن عوف أحصوا ثروته، وحدث خلاف في تقديرها، وأراد الورثة أن يسترضوا زوجته الرابعة، وكان اسمها "تماضر" بأن يعطوها ثمانين ألف درهم، ولما كانت تماضر واحدة من أربع نساء، والنساء الأربع يرثن ثُمُنَ الثروة، أي: أن قيمة الثروة كلها على أقل تقدير بلغت مليونين وخمسمائة وستين درهماً. وكان عبد الرحمن لا يتاجر إلا في ماله. فلما بلغ المنافقين ما تصدق به عبد الرحمن بن عوف قالوا: ما تصدق عبد الرحمن إلا رياء وسمعة. وهل الرياء يطلع عليه الناس أم يعرفه الله وحده؟ وجاء عاصم بن عدي، وكان صاحب بستان أعطى ثمراً كثيراً، فجاء بمائة حمْل من التمر وتصدق بها، فقال المنافقون: والله ما فعل عاصم هذا إلا رياء. وجاء رجل يُدْعَى أبا عقيل الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، لقد بِتُّ ليلتي أعمل، وأخذت أجري صاعين من التمر، احتفظت لأهلي بصاع وجئتك بصاع لأتصدق به. قال المنافقون: تصدق بصاعٍ من التمر، الله ورسوله غني عن صاعك يا أبا عقيل. هم إذن قد عابوا على عبد الرحمن بن عوف الذي تصدق بالكثير وقالوا هذا رياء، وعندما جاء عاصم بن عديّ قالوا: يرائي بالتصدق بنصف ثمار حديقته، وعندما جاء من لا يملك إلا صاع تمر يتصدق به قالوا: الله ورسوله غني عن تمرك، لقد سخروا ممن أعطى الكثير، وسخروا ممن أعطى القليل. وكان يجب أن يُمدَح المتصدقون ولا يُسخَر منهم؛ لأن كلاً منهم تصدق على قدر طاقته، وهم أعطوا منه فضل ما أعطاهم الله؛ قلَّ أو كثُر. ولذلك فمَنْ يسخر من هؤلاء المؤمنين؛ لا بد أن يُلاَمَ على الخُلق السيىء الذي تمثل في مقابلة السلوك الإيماني بالسخرية والاستهزاء، ولذلك كان جزاء الساخرين أن سخر الله منهم، وجعل لهم عذاباً أليماً. والسخرية هي الاستهزاء بفعل شخص ما. وهؤلاء المنافقون حين يسخرون من المؤمنين، فسخريتهم لم تتجاوز عدم رضاهم عمَّنْ فعل الخير، وهم بسخريتهم لم يستطيعوا إلا الإيذاء المعنوي للمؤمنين المتصدقين، ولكن حين يسخر الله؛ فهذه أولاً عدالة الجزاء لأنها من جنس ما فعلوا، ولكن هل سخرية الحق سبحانه وتعالى تقتصر على عدم الرضا أم أن هناك جزاء؟ هناك جزاء من الله. وإذا كان الجزاء يتفاوت بتفاوت قدرة الساخر. فهناك فارق شاسع بين قدرات الله وقدرات البشر. والذين سخروا من المؤمنين حين تصدقوا بالقليل الذي يملكونه؛ تصدى الله سبحانه وتعالى ليرد عليهم وعلى سخريتهم. ويريد الحق بذلك أن يعطينا صورة عن كيفية دفاعه عن المؤمنين المخلصين في إيمانهم. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحق تبارك وتعالى، هو الذي سيعاقب المنافقين، فالعقاب سيكون أليماً مهيناً. وقلنا من قبل: إن الذي يخطئ في حق غيره، فهذا الغير يرد الخطأ بعقاب على حسب قدرته. ولكن إن عفا عنه، نقول لمن أخطأ: لا تعتبر هذا العفو لصالحك، بل هو عكس ذلك تماماً؛ لأن الذي يعفو إنما ترك الحكم لله، وسوف يكون عقابك لا قدر قوة وطاقة مَنْ عفا عنك، ولكنه ترك عقابك لله، وسيكون عقابك على قدر قدرات الله. إذن: فالذي ينتقم ويرد على من أخطأ في حقه، إنما يأخذ على قدر قُوَّته، وأما الذي يعفو فهو يأخذ على قدر قدرات الله، وهناك مرتبة أعلى من ذَلك جعلها الله سبحانه وتعالى للمذنب، والذي وقع الاعتداء عليه؛ لأن الحق سبحانه وتعالى رب الاثنين: فإن أساء إليك إنسان قد ترد عليه الإساءة بطاقتك، وقد تعفو فيرد الله عليه بقدرته وطاقته. ولكن خير من ذلك أن تحس أن الذي أساء إليك في حقيقة الأمر قد أحسن إليك، مع أنه لم يقصد ذلك، كيف؟ إذا دخلت بيتك ووجدت أحد أبنائك قد ضرب أخاه وأساء إليه، مع من يكون قلبك وعطفك؟ إن قلبك يكون مع الذي اعتدي عليه وأسيء إليه فتحاول أن ترضيه، وتأتي إليه بهدية أو تعطيه مبلغاً من المال، أو غير ذلك من أنواع الإرضاء، وقيل: من آداب دينك - الإسلام - أن تحسن إلى مَنْ أساء إليك؛ لأنه يقدم معروفاً دون أن يقصد. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يطلب منك أن تعفو عمن أساء إليك. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} وإذا سمعت فعلاً من البشر يقابله فعل من الله، إياك أن تفهم الفعل من الله كما فهمتَ فعل البشر، فحين يقول سبحانه: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ...} تفسير : [آل عمران: 54]. وحين يقول: {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ...} تفسير : [النساء: 142]. هنا نجد فعلاً من صنع الله، وقد نرى من البشر من يفعل نفس الفعل، لكن نحن المسلمين نأخذ الفعل من الله على غير الفعل من البشر. وعلى سبيل المثال: إذا جئنا لقول الله: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} المكر هو التغلب بالحيلة على الخصم؛ بأن توهمه أنك تفعل له خيراً، بينما أنت تضمر له الشر، كأن تحفر حفرة كبيرة مثلاً وتغطيها ببعض الحشائش والزهور، ثم تطلب من خصمك أن يأتي لك بزهرة، فيسقط في الحفرة وتتكسر عظامه. إذن: فأنت قد كِدْتَ له كَيْداً خَفِيّاً. والكيد والمكر لا يَدُلان على القوة؛ إنما يدلان على الضَعف؛ لأن الشجاع القوي هو الذي يجاهر بعدائه؛ لأنه قادر على عدوه، لكن الضعيف هو الذي يستخدم الحيلة والمكر ليوقع بخصمه. ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في النساء: {أية : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} تفسير : [يوسف: 28]. وما دام كيدهن عظيماً، فضعفهن عظيم؛ لأن الضعيف هو من يكيد، ولكن القوي لا يعجزه طلب خصمه ويقول له: اذهب حيثما شئت، وسآتي بك عندما أريد، لا يوجد مكان تهرب فيه مني، إنما الضعيف إذا تملك من خصمه فإنه يقضي عليه تماماً؛ لأنه يعرف أنها فرصة لن تتكرر. ولذلك قال الشاعر: شعر : وَضَعِيفَةٌ فإذَا أصَابَتْ فُرْصة قتلت كذلِكَ فُرْصَةُ الضُّعفَاءِ تفسير : أما القوي فإنه يقدر ويعفو؛ لأنه يعرف أنه يستطيع الإتيان بخصمه وقتما يشاء. والأصل في المكر هو الشجرة الملتفة الأغصان كأنها مجدولة؛ بحيث لا تستطيع أن تميز الورقة التي تراها من أي فرع نبتت، فيلتبس عليك الأمر، كذلك المكر تختلط عليك الأمور بحيث لا تعرف أين الحقيقة. وأنت تمكر بقدر تفكيرك وعقلك، ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يجازيك بمكرك يكون الجزاء رهيباً؛ لأن مكرك مفضوح عند الله، ولكنك لا تعرف شيئاً مما أعدَّه الله لك. ولقد نصر الحق سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الأمور العلنية في المعارك، ونصره أيضاً في كل أمر مكروا فيه وبيَّتوه له. وعلى سبيل المثال، حين وقف الكفار على باب بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه في ليلة الهجرة. أوحى له ربه أن: اخرج ولا تَخْشَ مكرهم، فخرج صلى الله عليه وسلم ليجدهم نياماً وهم واقفون، أعينهم مفتوحة ولكن لا تبصر. ويخرج صلى الله عليه وسلم من وسطهم. ويأخذ التراب، ويلقيه عليهم وهو يقول: "حديث : شاهت الوجوه ". تفسير : وعندما يبتعد صلى الله عليه وسلم عن المكان يستيقظون مرة أخرى، ويتعجبون كيف أفلت منهم. وقد أراد الحق سبحانه أن يعلموا أنهم لن يستطيعوا النَّيْل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بالمعارك المفتوحة ولا بالمكر الخفي. وقوله تبارك وتعالى: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ} تعرف منه أن سخرية الله جاءت جزاءً لهم على سخريتهم، والساخر من البشر لا يتجاوز في فعله أكثر من العيب في غيره. ولكن سخرية الله تتجاوز إلى العذاب. ولذلك قال الحق سبحانه: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وهذا هو التميُّز في فعل الله عن فعل البشر، فالذين سخروا من المؤمنين عابوا عليهم ما فعلوه، يسخر منهم الحق يوم القيامة أمام خلقه جميعاً، ثم يزيد على ذلك بالعذاب الأليم. لقد عرفنا من قبل أن هناك عذاباً أليماً، وهناك عذاب عظيم، وعذاب مهين، وكلها صفات للعذاب، فالعذاب هو الإيلام، ولكن هناك من يفزعه الألم فيصرخ. وهناك من يحاول أن يتجلد ويتحمل؛ لأن كبرياءه يمنعه أن يصرخ، وفي هذه الحالة يكون عذابه مهيناً؛ لأنه بكبريائه تحمَّل الألم؛ فيُهَانُ في كبريائه وبذلك يكون عذابه مهيناً. والعذاب قد يأخذ زمناً طويلاً أو قصيراً، وهناك عذاب عظيم في الإيلام وعظيم في الإهانة. والعذاب العظيم في الإيلام؛ أي مبالغ فيه من ناحية الألم. والعذاب العظيم في الإهانة مبالغ فيه من ناحية الإهانة. والعذاب العظيم في الوقت مبالغ فيه من ناحية الزمن، ولذلك يقال عنه "عذاب مقيم" أي: يأخذ الزمن كله لا يتوقف ولا يقل. ثم يعرض الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى من صور تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المنافقين. ومع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين، وقد أعلمه سبحانه بأمرهم حين قال: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ...} تفسير : [محمد: 30]. أي: بمجرد نظر رسول الله إليهم، وكأن على جبهة كل منهم توجد كلمة "منافق" وهو يعرفهم مصداقاً لقوله الحق: {أية : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ...} تفسير : [محمد: 30]. وبمجرد أن ينطقوا يعرفهم صلى الله عليه وسلم من طريقة نطقهم. ولكن الله يريد أن يُخرج رسوله إلى المؤمنين به وبرسالته سليم الصدر، بدون انقباض عن أحد، حتى يتجلى نوره على الجميع، ولعل شعاعاً من النور يمسُّ منافقاً؛ فيتوب إلى الله ويعود إلى الإيمان الصحيح، كما حدث لكثير من المنافقين، فقد أعلن بعضهم التوبة وحَسُنَ إسلامهم. ونحن نعرف أن رأس المنافقين عبدالله بن أبيّ بن سلول، كان سيُتوَّج ملكاً على المدينة. وأثناء الإعداد لمهرجان التتويج؛ فوجئوا بوصول رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة. وكان هذا من أسباب حقد عبد الله بن أبيّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ضاع منه الملْك. وكان لعبد الله بن أبيّ ولد أسلم وحَسُن إسلامه اسمه عبد الله بن عبد الله بن أبيّ. وكان من حُسْن إسلام هذا الابن أنه ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حين علم أنه صلى الله عليه وسلم سيأمر بقتل أبيه؛ لأنه قال في غزوة من الغزوات. {أية : لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} تفسير : [المنافقون: 8]. وكان ابن أبيّ يعني بـ "الأعز" المنافقين في المدينة؛ وبـ "الأذل" المسلمين من المهاجرين والأنصار. ورد الله سبحانه بأن صدَّق على قوله أن الأعز سيُخرج الأذل، فقال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ...} تفسير : [المنافقون: 8]. فكأن الحق سبحانه وتعالى قد أقر على أن الأعز هو الذي سيخرج الأذل من المدينة، ولكن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، إذن: فسيخرج المنافقون من المدينة، وسيبقى فيها المؤمنون، وتكون لهم العزة. ولما علم عبد الله بن عبد الله بن أبيّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيأمر بقتل والده عبد الله بن أبيّ، ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله إن كنت ولا بد آمراً بقتل أبي فأمرني أنا بقتله؛ لأني أخاف أن يقتله أخ مؤمن فأكرهه، وأنا لا أحب أن أكره مؤمناً. وهكذا نرى قوة وصدق الإيمان، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرم ذلك المنافق من أجل ابنه فلم يأمر بقتله، ومن بعد ذلك قال الابن: يا رسول الله استغفر لأبي، أي: اطلب له من الله المغفرة؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أنه قد أرسل رحمة للعالمين؛ لذلك طلب المغفرة لعبد الله بن أبيّ. وحينئذ نزلت الآية الكريمة: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ جُهْدَهُمْ} معناه إِلاَّ طَاقَتهُمْ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا أيضا من مخازي المنافقين، فكانوا -قبحهم اللّه- لا يدعون شيئا من أمور الإسلام والمسلمين يرون لهم مقالا إلا قالوا وطعنوا بغيا وعدوانا، فلما حثَّ اللّه ورسوله على الصدقة، بادر المسلمون إلى ذلك، وبذلوا من أموالهم كل على حسب حاله، منهم المكثر، ومنهم المقل، فيلمزون المكثر منهم، بأن قصده بنفقته الرياء والسمعة، وقالوا للمقل الفقير: إن اللّه غني عن صدقة هذا، فأنزل اللّه تعالى: { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ } أي: يعيبون ويطعنون { الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ } فيقولون: مراءون، قصدهم الفخر والرياء. { و } يلمزون { الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ } فيخرجون ما استطاعوا ويقولون: اللّه غني عن صدقاتهم { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ } . فقابلهم الله على صنيعهم بأن { سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فإنهم جمعوا في كلامهم هذا بين عدة محاذير. منها: تتبعهم لأحوال المؤمنين، وحرصهم على أن يجدوا مقالا يقولونه فيهم، واللّه يقول: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. ومنها: طعنهم بالمؤمنين لأجل إيمانهم، كفر باللّه تعالى وبغض للدين. ومنها: أن اللمز محرم، بل هو من كبائر الذنوب في أمور الدنيا، وأما اللمز في أمر الطاعة، فأقبح وأقبح. ومنها: أن من أطاع اللّه وتطوع بخصلة من خصال الخير، فإن الذي ينبغي[هو] إعانته، وتنشيطه على عمله، وهؤلاء قصدوا تثبيطهم بما قالوا فيهم، وعابوهم عليه. ومنها: أن حكمهم على من أنفق مالا كثيرا بأنه مراء، غلط فاحش، وحكم على الغيب، ورجم بالظن، وأي شر أكبر من هذا؟!! ومنها: أن قولهم لصاحب الصدقة القليلة: "اللّه غني عن صدقة هذا" كلام مقصوده باطل، فإن اللّه غني عن صدقة المتصدق بالقليل والكثير، بل وغني عن أهل السماوات والأرض، ولكنه تعالى أمر العباد بما هم مفتقرون إليه، فاللّه -وإن كان غنيا عنهم- فهم فقراء إليه { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } وفي هذا القول من التثبيط عن الخير ما هو ظاهر بين، ولهذا كان جزاؤهم أن سخر اللّه منهم، ولهم عذاب أليم. على وجه المبالغة، وإلا فلا مفهوم لها. { فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } كما قال في الآية الأخرى { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } ثم ذكر السبب المانع لمغفرة اللّه لهم فقال: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } والكافر لا ينفعه الاستغفار ولا العمل ما دام كافرا. { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } أي: الذين صار الفسق لهم وصفا، بحيث لا يختارون عليه سواه ولا يبغون به بدلا يأتيهم الحق الواضح فيردونه، فيعاقبهم اللّه تعالى بأن لا يوفقهم له بعد ذلك.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [79] 243- أنا بشر بن خالد، نا غُندر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود قال: لما أمَرَنا رسول / الله صلى الله عليه وسلم بالصَّدقة، تصدَّق أبو عَقِيل بنصف صاع، وجاء إنسان بشيء أكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغنيٌّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياءً، فنزلت {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ}.

همام الصنعاني

تفسير : 1112- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ}: [الآية: 79]، قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله، وكان ماله ثمانية آلاف دينار، فتصدق بأربعة آلاف، فقال ناسٌ من المنافقين: إن عبد الرحمن لعظيم الرياء، فقال الله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ}: [الآية: 79]، وَكَان لرجُل مِنَ الأنْصارِ صاعان من تمر فجاء بأحدهما، فقال ناسٌ من المنافقين: إن كان الله لَغَنِياً عن صاع هذا. وكان المنافقون يطعنون عليهم ويسخرون منهم، فقال جلّ ثناؤه: {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.