٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
80
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن عند نزول الآية الأولى في المنافقين، قالوا: يا رسول الله استغفر لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سأستغفر لكم، وأشتغل بالاستغفار لهم، فنزلت هذه الآية، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستغفار. وقال الحسن: كانوا يأتون رسول الله، فيعتذرون إليه ويقولون إن أردنا إلا الحسنى وما أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً، فنزلت هذه الآية. وروى الأصم: أنه كان عبد الله بن أبي بن سلول إذا خطب الرسول. قام وقال هذا رسول الله أكرمه الله وأعزه ونصره، فلما قام ذلك المقام بعد أحد قال له عمر: اجلس يا عدو الله، فقد ظهر كفرك وجبهه الناس من كل جهة، فخرج من المسجد، ولم يصل فلقيه رجل من قومه. فقال له: ما صرفك؟ فحكى القصة. فقال: ارجع إلى رسول الله يستغفر لك. فقال: ما أبالي أستغفر لي أو لم يستغفر لي فنزل { أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ } تفسير : [المنافقون: 5] وجاء المنافقون بعد أحد يعتذرون ويتعللون بالباطل أن يستغفر لهم. المسألة الثانية: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } وروى الشعبي قال: دعا عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة أبيه فقال له عليه السلام: «من أنت؟» فقال: أنا الحباب بن عبد الله قال: بل أنت عبد الله بن عبد الله، إن الحباب هو الشيطان، ثم قرأ هذه الآية. قال القاضي: ظاهر قوله: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } كالدلالة على طلب القوم منه الاستغفار، وقد حكيت ما روي فيه من الأخبار، والأقرب في تعلق هذه الآية بما قبلها ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما أن الذين كانوا يلمزون هم الذين طلبوا الاستغفار، فنزلت هذه الآية. المسألة الثالثة: من الناس من قال إن التخصيص بالعدد المعين، يدل على أن الحال فيما وراء ذلك العدد بخلافه، وهو مذهب القائلين بدليل الخطاب. قالوا: والدليل عليه أنه لما نزل قوله تعالى: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } قال عليه السلام: «حديث : والله لأزيدن على السبعين» تفسير : ولم ينصرف عنه حتى نزل قوله تعالى: { أية : سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } تفسير : [المنافقون: 6] الآية فكف عنهم. ولقائل أن يقول: هذا الاستدلال بالعكس أولى، لأنه تعالى لما بين للرسول عليه السلام أنه لا يغفر لهم ألبتة. ثبت أن الحال فيما وراء العدد المذكور مساو للحال في العدد المذكور، وذلك يدل على أن التقييد بالعدد لا يوجب أن يكون الحكم فيما وراءه بخلافه. المسألة الرابعة: من الناس من قال: إن الرسول عليه السلام اشتغل بالاستغفار للقوم فمنعه الله منه، ومنهم من قال: إن المنافقين طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يستغفر لهم فالله تعالى نهاه عنه والنهي عن الشيء لا يدل على كون المنهي مقدماً على ذلك الفعل، وإنما قلنا إنه عليه السلام ما اشتغل بالاستغفار لهم لوجوه: الأول: أن المنافق كافر، وقد ظهر في شرعه عليه السلام أن الاستغفار للكافر لا يجوز. ولهذا السبب أمر الله رسوله بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام إلا في قوله لأبيه { أية : لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } تفسير : [الممتحنة: 4] وإذا كان هذا مشهوراً في الشرع فكيف يجوز الإقدام عليه؟ الثاني: أن استغفار الغير للغير لا ينفعه إذا كان ذلك الغير مصراً على القبح والمعصية. الثالث: أن إقدامه على الاستغفار للمنافقين يجري مجرى إغرائهم بالإقدام على الذنب. الرابع: أنه تعالى إذا كان لا يجيبه إليه بقي دعاء الرسول عليه السلام مردوداً عند الله، وذلك يوجب نقصان منصبه. الخامس: أن هذا الدعاء لو كان مقبولاً من الرسول لكان قليله مثل كثيره في حصول الإجابة. فثبت أن المقصود من هذا الكلام أن القوم لما طلبوا منه أن يستغفر لهم منعه الله منه، وليس المقصود من ذكر هذا العدد تحديد المنع، بل هو كما يقول القائل لمن سأله الحاجة: لو سألتني سبعين مرة لم أقضها لك، ولا يريد بذلك أنه إذا زاد قضاها فكذا ههنا، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى في الآية: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ } فبين أن العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وإن بلغ سبعين مرة، كفرهم وفسقهم، وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين، فصار هذا التعليل شاهداً بأن المراد إزالة الطمع في أن ينفعهم استغفار الرسول عليه السلام مع إصرارهم على الكفر، ويؤكده أيضاً قوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } والمعنى أن فسقهم مانع من الهداية. فثبت أن الحق ما ذكرناه. المسألة الخامسة: قال المتأخرون من أهل التفسير، السبعون عند العرب غاية مستقصاة لأنه عبارة عن جمع السبعة عشر مرات، والسبعة عدد شريف لأن عدد السموات والأرض والبحار والأقاليم والنجوم والأعضاء، هو هذا العدد. وقال بعضهم: هذا العدد إنما خص بالذكر ههنا لأنه روي أن النبي عليه السلام كبر على حمزة سبعين تكبيرة، فكأنه قيل: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} بإزاء صلاتك على حمزة، وقيل الأصل فيه قوله تعالى: { أية : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } تفسير : [البقرة: 261] وقال عليه السلام: « حديث : الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة » تفسير : فلما ذكر الله تعالى هذا العدد في معرض التضعيف لرسوله صار أصلاً فيه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} يأتي بيانه عند قوله تعالىٰ: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً}.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلاً للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، وقد قيل: إن السبعين إنما ذكرت حسماً لمادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها، وقيل: بل لها مفهوم؛ كما روى العوفي عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية: «حديث : أسمع ربي قد رخص لي فيهم، فو الله لأستغفرن لهم أكثر من سبعين مرة؛ لعل الله أن يغفر لهم» تفسير : فقال الله من شدة غضبه عليهم: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} الآية. وقال الشعبي: لما ثقل عبد الله بن أبي، انطلق ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي قد احتضر فأحب أن تشهده وتصلي عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما اسمك؟» تفسير : قال: الحباب بن عبد الله، قال: «حديث : بل أنت عبد الله بن عبد الله، إن الحباب اسم شيطان»تفسير : ، فانطلق معه حتى شهده، وألبسه قميصه وهو عرق، وصلى عليه، فقيل له: أتصلي عليه وهو منافق؟ فقال: «حديث : إن الله قال: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً}، ولأستغفرن لهم سبعين و سبعين وسبعين» تفسير : وكذا روي عن عروة بن الزبير ومجاهد بن جبير وقتادة بن دعامة ورواه ابن جرير بأسانيده.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَسْتَغْفِرُ } يا محمد {لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } تخيير له في الاستغفار وتركه، قال صلى الله عليه وسلم: «إني خُيِّرْتُ فاخترت» يعني الاستغفار. رواه البخاري {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } قيل: المراد بالسبعين المبالغة في كثرة الاستغفار. وفي البخاري حديث «حديث : لو أعلم أني لو زدت على السبعين غَفَرَ، لَزِدتُ عليها»تفسير : وقيل المراد العدد المخصوص لحديثه أيضاً «حديث : وسأزيد على السبعين»تفسير : فبيَّن له حسم المغفرة بآية { أية : سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } تفسير : [6:63] {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ }.
الشوكاني
. تفسير : أخبر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن صدور الاستغفار منه للمنافقين وعدمه سواء، وذلك لأنهم ليسوا بأهل لاستغفاره صلى الله عليه وسلم، ولا للمغفرة من الله سبحانه لهم، فهو كقوله تعالى: {أية : قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ } تفسير : [التوبة: 53]، ثم قال: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } وفيه بيان لعدم المغفرة من الله سبحانه للمنافقين، وإن أكثر النبي من الاستغفار لهم، وليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولاً، كما في سائر مفاهيم الأعداد، بل المراد بهذا المبالغة في عدم القبول. فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير، والمعنى: أنه لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم استغفاراً بالغاً في الكثرة، غاية المبالغ، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن التقييد بهذا العدد المخصوص يفيد قبول الزيادة عليه، ويدل لذلك ما سيأتي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لأزيدنّ على السبعين"تفسير : . وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجهاً فقال: إن السبعة عدد شريف؛ لأنها عدد السموات، والأرضين، والبحار، والأقاليم، والنجوم السيارة، والأعضاء، وأيام الأسبوع، فصير كل واحد من السبعة إلى عشرة؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها. وقيل: خصت السبعون بالذكر لأنه صلى الله عليه وسلم كبر على عمه الحمزة سبعين تكبيرة، فكأنه قال: إن تستغفر لهم سبعين مرة بإذاء تكبيراتك على حمزة. وانتصاب {سبعين} على المصدر كقولهم: ضربته عشرين ضربة. ثم علل عدم المغفرة لهم بقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي: ذلك الامتناع بسبب كفرهم بالله ورسوله {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي: المتمرّدين الخارجين عن الطاعة المتجاوزين لحدودها، والمراد هنا: الهداية الموصلة إلى المطلوب، لا الهداية التي بمعنى الدلالة وإراءة الطريق. ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من قبائح المنافقين، فقال: {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ } المخلفون: المتروكون، وهم الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين، فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو الذين خلفهم الله وثبطهم، أو الشيطان، أو كسلهم، أو المؤمنون، ومعنى {بِمَقْعَدِهِمْ } أي: بقعودهم يقال: قعد قعوداً ومقعداً: أي جلس، وأقعده غيره، ذكر معناه الجوهري فهو متعلق بفرح: أي فرح المخلفون بقعودهم، وخلاف رسول الله منتصب على أنه ظرف لمقعدهم. قال الأخفش ويونس: الخلاف بمعنى الخلف: أي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن جهة الإمام التي يقصدها الإنسان تخالفها جهة الخلف. وقال قطرب والزجاج: معنى خلاف رسول الله: مخالفة الرسول حين سار وأقاموا، فانتصابه على أنه مفعول له: أي قعدوا لأجل المخالفة، أو على الحال مثل: وأرسلها العراك: أي مخالفين له، ويؤيد ما قاله الأخفش ويونس قراءة أبي حيوة "خلف رسول الله". قوله: {وَكَرِهُواْ أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } سبب ذلك الشحّ بالأموال والأنفس، وعدم وجود باعث الإيمان، وداعي الإخلاص، ووجود الصارف عن ذلك، وهو ما هم فيه من النفاق، وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين لأموالهم وأنفسهم في سبيل الله لوجود الداعي معهم، وانتفاء الصارف عنهم {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى ٱلْحَرّ } أي: قال المنافقون لإخوانهم هذه المقالة تثبيطاً لهم، وكسراً لنشاطهم، وتواصياً بينهم بالمخالفة لأمر الله ورسوله، ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: {نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } والمعنى: أنكم أيها المنافقون كيف تفرّون من هذا الحرّ اليسير، ونار جهنم التي ستدخلونها خالدين فيها أبداً أشدّ حرّاً مما فررتم منه، فإنكم إنما فررتم من حرّ يسير في زمن قصير، ووقعتم في حرّ كثير في زمن كبير، بل غير متناه أبد الآبدين، ودهر الداهرين.شعر : فكنت كالساعي إلى مثعب موائلاً من سبل الراعد تفسير : وجواب "لو" في {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } مقدّر، أي: لو كانوا يفقهون أنها كذلك لما فعلوا ما فعلوا. قوله: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا } هذان الأمران معناهما الخبر، والمعنى: فسيضحكون قليلاً، ويبكون كثيراً، وإنما جيء بهما على لفظ الأمر، للدلالة على أن ذلك أمر محتوم لا يكون غيره، وقليلاً كثيراً منصوبان على المصدرية أو الظرفية: أي ضحكاً قليلاً، وبكاءً كثيراً، أو زماناً قليلاً، وزماناً كثيراً {وَجَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي: جزاء بسبب ما كانوا يكسبونه من المعاصي، وانتصاب {جزاء} على المصدرية: أي يجزون جزاء {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مّنْهُمْ } الرجع متعدّ كالردّ، والرجوع: لازم، والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها، وإنما قال {إِلَىٰ طَائِفَةٍ } لأن جميع من أقام بالمدينة لم يكونوا منافقين بل كان فيهم غيرهم من المؤمنين لهم أعذار صحيحة، وفيهم من المؤمنين من لا عذر له، ثم عفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتاب الله عليهم كالثلاثة الذين خلفوا، وسيأتي بيان ذلك، وقيل: إنما قال: {إلى طائفة}، لأن منهم من تاب عن النفاق، وندم على التخلف {فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ } معك في غزوة أخرى بعد غزوتك هذه {فَقُلْ } لهم: {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَـٰتِلُواْ مَعِىَ عَدُوّا } أي: قل لهم ذلك عقوبة لهم، ولما في استصحابهم من المفاسد، كما تقدم في قوله: {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً } تفسير : [التوبة: 47]، وقرىء بفتح الياء من معي في الموضعين، وقرىء بسكونها فيهما، وجملة: {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } للتعليل، أي لن تخرجوا معي، ولن تقاتلوا، لأنكم رضيتم بالقعود والتخلف أوّل مرّة، وهي غزوة تبوك، والفاء في {فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ } لتفريع ما بعدها على ما قبلها، والخالفين جمع خالف، كأنهم خلفوا الخارجين، والمراد بهم: من تخلف عن الخروج، وقيل: المعنى: فاقعدوا مع الفاسدين. من قولهم: فلان خالف أهل بيته إذا كان فاسداً فيهم، من قولك: خلف اللبن: أي فسد بطول المكث في السقاء. ذكر معناه الأصمعي، وقرىء: "فاقعدوا مع الخلفين" وقال الفراء: معناه: المخالفين. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عروة أن عبد الله بن أبيّ قال: لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله، وهو القائل: {أية : لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ } تفسير : [المنافقون: 8] فأنزل الله: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأزيدنّ على السبعين"تفسير : . فأنزل الله: {أية : سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } تفسير : [المنافقون: 6]. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، نحوه. وأخرج أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، والنحاس، وابن حبان، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه فقام عليه، فلما وقف قلت: أعلى عدوّ الله عبد الله بن أبيّ القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا؟ أعدد أيامه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم حتى إذا أكثرت قال: "حديث : يا عمر أخر عني، إني قد خيرت، قد قيل لي: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له، لزدت عليها"تفسير : ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشى معه حتى قام على قبره، حتى فرغ منه، فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم. فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان {وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعد حتى قبضه الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ } الآية قال: عن غزوة تبوك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال: يا رسول الله الحر شديد، ولا نستطيع الخروج، فلا تنفروا في الحرّ، فقال الله: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } فأمره بالخروج. وأخرج ابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا } قال: هم المنافقون والكفار الذين اتخذوا دينهم هزواً ولعباً، يقول الله: فليضحكوا قليلاً في اللدنيا، وليبكوا كثيراً في الآخرة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مّنْهُمْ } قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين، وفيهم قيل ما قيل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ } قال: هم الرجال الذين تخلفوا عن الغزو.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتـَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} وهذا على وجه المبالغة في اليأس من المغفرة وإن كان على صيغة الأمر، ومعناه أنك لو طلبتها لهم طلب المأمور بها أو تركتها ترك المنهي عنها لكان سواء في أن الله تعالى لا يغفر لهم. قوله {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} ليس بحد لوقوع المغفرة بعدها، وإنما هو على وجه المبالغة بذكر هذا العدد لأن العرب تبالغ بالسبع والسبعين لأن التعديل في نصف العقد وهو خمسة إذا زيد عليه واحد كان لأدنى المبالغة، وإذا زيد عليه اثنان كان لأقصى المبالغة، ولذلك قالوا للأسد سبُع أي قد ضوعفت قوته سبع مرات، وهذا ذكره علي بن عيسى. وحكى مجاهد وقتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لُهُمْ أَكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً" تفسير : فأنزل الله تعالى {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتُ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} فكف.
ابن عبد السلام
تفسير : {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} آيسه من الغفران لهم. {سَبْعِينَ مَرَّةً} ليس بحد لوجود المغفرة بما بعدها، والعرب تبالغ بالسبع والسبعين، لأن التعديل في نصف العقد وهو خمسة فإذا زيد عليه واحد كان لأدنى المبالغة وإن زيد اثنان كان لأقصى المبالغة، وقيل للأسد سبع لأن قوته تضاعفت سبع مرات، قاله علي بن عيسى. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم سوف أستغفر لهم أكثر من سبعين فنزلت {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}تفسير : الآية [المنافقون: 6] فكف.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} قال المفسرون: لما نزلت الآيات المتقدمة في المنافقين وبان نفاقهم وظهر للمؤمنين جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه ويقولون استغفر لنا فنزلت استغفر لهم أو لا تستغفر فلن يغفر الله لهم وإنما خص سبحانه وتعالى السبعين من العدد بالذكر لأن العرب كانت تستكثر السبعين ولهذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى على عمه حمزة رضي الله تعالى عنه سبعين تكبيرة ولأن آحاد السبعين سبعة وهو عدد شريف فإن السموات والأرضين سبع والأيام سبع والأقاليم سبع والبحار سبع والنجوم السيارة سبع فلهذا خص الله تبارك وتعالى السبعين بالذكر للمبالغة في اليأس من طمع المغفرة لهم. قال الضحاك ولما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله قد رخص لي فسأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم"تفسير : فأنزل الله سبحانه وتعالى سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم (ق) عن ابن عمر قال: حديث : لما توفي عبد الله يعني بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلىالله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله نصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "إنما خيرني الله عز وجل فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على السبعين"تفسير : قال إنه منافق فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل ولا تصلي على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون زاد في رواية فترك الصلاة عليهم. وقوله سبحانه وتعالى: {ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله} يعني أن هذا الفعل من الله وهو ترك العفو عنهم وترك المغفرة لهم من أجل أنهم اختاروا الكفر على الإيمان بالله ورسوله {والله لا يهدي القوم الفاسقين} يعني والله لا يوافق للإيمان به وبرسوله من اختار الكفر والخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله. قوله عز وجل: {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله} يعني فرح المتخلفون عن غزوة تبوك والمخلف المتروك بمقعدهم يعني بقعودهم في المدينة خلاف رسول الله يعني بعده وعلى هذا المعنى خلاف بمعنى خلف فهو اسم للجهة المعينة لأن الإنسان إذا توجه إلى قدامه فمن تركه خلفه فقد تركه بعده وقيل معناه مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار إلى تبوك وأقاموا بالمدينة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أمرهم بالخروج إلى الجهاد فاختاروا القعود مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله سبحانه وتعالى: {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} والمعنى أنهم فرحوا بسبب التخلف وكرهوا الخروج إلى الجهاد وذلك أن الإنسان يميل بطبعه إلى إيثار الراحة والقعود مع الأهل والولد ويكره إتلاف النفس والمال وهو قوله سبحانه وتعالى: {وقالوا لا تنفروا في الحر} وكانت غزوة تبوك في شدة الحر فأجاب الله عن هذا بقوله سبحانه وتعالى: {قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون} يعني: قل يا محمد لهؤلاء الذين اختاروا الراحة والقعود خلافك عن الجهاد في الحر أن نار جهنم التي هي موعد في الآخرة أشد حراً من حر الدنيا لو كانوا يعلمون. قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه وذلك في الصيف. فقال رجال: يا رسول الله الحر شديد ولا نستطيع الخروج فلا تنفر في الحر فقال الله عز وجل قل نار جهنم أشد حراً لوكانوا يفقهون فأمره الله تعالى بالخروج {فليضحكوا قليلاً} يعني فليضحك هؤلاء الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحين قليلاً في الدنيا الفانية بمقعدهم خلافه {وليبكوا كثيراً} يعني مكان ضحكهم في الدنيا وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلا أن معناه الإخبار والمعنى: أنهم وإن فرحوا وضحكوا طول أعمارهم في الدنيا فهو قليل بالنسبة إلى بكائهم في الآخرة لأن الدنيا فانية والآخرة باقية والمنقطع الفاني بالنسبة إلى الدائم الباقي قليل {جزاء بما كانوا يكسبون} يعني أن ذلك البكاء في الآخرة جزاء لهم على ضحكهم وأعمالهم الخبيثة في الدنيا (خ). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً " تفسير : وروى البغوي بسنده عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : يا أيها الناس ابكوا فإن لم تستطيعوا أن تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن سفناً أجريت فيها لجرت "
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {معي أبدأ} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص والمفضل {معي عدو} بالفتح: حفص فقط. الوقوف: {أو لا تستغفر لهم} ط { فلن يغفر الله لهم} ط {ورسوله} ط {الفاسقين} ه {في الحر} ط {حراً} م لأن المعنى لو كانوا يفقهون حرارة النار لما قالوا لا تنفروا في الحر. ولو وصل لأوهم أن جهنم لا يكون نارها أشد حراً إذا لم يفقهوا ذلك {يفقهون} ه {كثيراً} ج لأن {جزاء} يصلح أن يكون مفعولاً له أو مصدر محذوف أي يجزون جزاء {يكسبون} ه {معي عدوّاً} ط {الخالفين} ه {على قبره} ط {فاسقون} ه {وأولادهم} ط {كافرون} ه {القاعدين} ه {لا يفقهون} ه {وأنفسهم} ط {الخيرات} ز لابتداء وعد الفلاح على التعظيم بدليل تكرار {أولئك} مع اتفاق الجملتين. {المفلحون} ه {خالدين فيها} ط {العظيم} ه. التفسير: عن ابن عباس أن عند نزول الآية الأولى في المنافقين قالوا: يا رسول الله استغفر لنا واشتغل بالاستغفار لهم فنزل {استغفر لهم} الآية، ومن المفسرين من قال: إنهم طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم وإن الله نهاه عنه. والنهي عن الشيء لا يدل على أن المنهي أقدم على ذلك الفعل. ثم إن الدليل قد يدل على أنه ما اشتغل بالاستغفار لأن المنافق كافر، وقد ظهر في شرعه أن الاستغفار للكافر غير جائز، ولأن الاستغفار للمنافق يجري مجرى اغرائه على مزيد النفاق ولأنه يلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم غير مجاب الدعوة وإن أكثر في الدعاء. ومن الفقهاء من قال: التخصيص بالعدد المعين يدل على أن الحال فيما وراء ذلك العدد بخلافه لما روي أنه لما نزلت الآية قال صلى الله عليه وسلم: حديث : لأزيدن على السبعين تفسير : فنزل {أية : سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم}تفسير : [المنافقون: 6] فكف عنه. فلولا أنه فهم بدليل الخطاب أن الأمر فيما وراء السبعين بالخلاف لم يقل لأزيدنّ على ذلك. وأجيب بأنه أراد إظهار الرحمة والرأفة بأمته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم لبعض لا أنه فهم منه ذلك، كيف وقد قال تعالى {لن يغفر الله لهم} وأردفه بقوله {ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله}. فليس المقصود بهذا العدد تحديد المنع وإنما هو كقول القائل لمن يسأله حاجة: لو سألتني سبعين مرة لم أقضها. ولهذا بين العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وهي كفرهم وفسقهم، وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين. وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجهاً هو أن السبعة عدد شريف لأنه عدد السموات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع، فضرب السبعة في عشرة لأن الحسنة بعشر أمثالها. وقيل: خص بالذكر لأنه صلى الله عليه وسلم كبّر على حمزة سبعين تكبيرة وكأنه قال: إن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء تكبيراتك على حمزة: هذا وقد مر في تفسير قوله{أية : قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً}تفسير : [التوبة: 53] أن هذا أمر في معنى الخبر كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لا، وانتصاب سبعين على المصدر كقولك: ضربته عشرين ضربة. ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعالهم فقال {فرح المخلفون} قيل: إنهم احتالوا أن يتخلفوا وكان الأولى أن يقال فرح المتخلفون. وأجيب بأنهم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو أريد خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان، أو المجاهدون لما لم يوافقوهم في القعود فكأنهم خلفوهم، أو أطلق عليهم المخلفون باعتبار أنهم سيصيرون ممنوعين من الخروج في الآية الآتية {فإن رجعك الله} إلى قوله {ولن تقاتلوا معي عدواً} ومعنى {بمقعدهم} بقعودهم قاله مقاتل. أو بموضع قعودهم وهو المدينة قاله ابن عباس. ومعنى {خلاف رسول الله} صلى الله عليه وسلم مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار وأقاموا قاله قطرب والزجاج فانتصابه على أنه مفعول له أي قعد والأجل خلافه أو على الحال مثل "فأرسلها العراك" أي مخالفين له، وقال الأخفش ويونس: الخلاف بمعنى الخلف أي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن جهة الأمام التي يقصدها الإنسان يخالفها جهة الخلف {وكرهوا أن يجاهدوا} كيف لا يكرهون وليس فيهم باعث الإيمان وداعي الإخلاص ومعهم صارف الكفر والنفاق؟ وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين أموالهم وأرواحهم في الله المؤثرين ذلك على الدعة والخفض. واعلم أن الفرح بالإقامة يدل على كراهية الذهاب إلا أنه صريح بذلك للتوكيد، ولعل المراد أنه مال طبعهم إلى الإقامة لإلفهم بالبلد واستئناسهم بالأهل والولد، وكرهوا الخروج إلى الغزو لأنه تعريض بالنفس والمال للقتل والإهدار. {قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون} أن بعد هذه الدار دار أخرى وبعد هذه الحياة حياة أخرى. وهذه المشقة منقضية سهلة وتلك باقية صعبة ولبعضهم وكأنه صاحب الكشاف: شعر : مسرة أحقاب تلقيت بعدها مساءة يوم أنها شبه أنصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة وراء تقضيها مساءة أحقاب تفسير : وفي هذا استجهال عظيم لهم. ثم قال {فليضحكوا} وهو خبر إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم لا يكون غيره ومعناه فسيضحكون قليلاً أي ضحكاً قليلاً أو زماناً قليلاً وسيبكون كثيراً. يروى أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم. ثم عرف نبيه وجه الصلاح في سائر الغزوات فقال {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم} أي إن ردّك إلى المدينة. الرجع متعد مثل الرد، والرجوع لازم. وإنما قال طائفة لأن منهم من تاب عن النفاق وندم أو اعتذر بعذر صحيح. وقيل: لم يكن المخلفون كلهم منافقين فأراد بالطائفة المخلفين من المنافقين. {فاستأذنوك للخروج} إلى غزوة أخرى بعد غزوة تبوك {فقل لن تخرجوا معي أبداً} عاقبهم بإسقاط عن ديوان الغزاة جزاء على تخلفهم لما فيه من الذم والطرد وصلاحاً لأمر الجهاد لما في استصحابهم من المفاسد المذكورة في قوله{أية : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلاَّ خبالاً}تفسير : [التوبة: 47] ويعني بأول مرة غزوة تبوك. وإنما لم يقل أول المرات معرفاً مجموعاً لأن المعنى إن فصلت المرات مرة مرة كانت هذه أولها نظيره "هو أفضل رجل" يعني إن عدّ الرجال رجلاً رجلاً كان هو أفضلهم. وإنما لم يقل "أولى مرة" لأن أكثر اللغتين "هند أكبر النساء" ولا يكاد يقال "هي أكبر امرأة" {فاقعدوا مع الخالفين} كقوله{أية : وقيل اقعدوا مع القاعدين} تفسير : {التوبة: 46] والخالف من يخلف الرجل في قومه. وعن الأصمعي أنه الفاسد من خلف اللبن والنبيذ إذا فسد. وعن الفراء معناه المخالف. قال قتادة: ذكر لنا أن الخالفين الذين أمروا بالقعود كانوا اثني عشر رجلاً. عن ابن عباس أنه لما اشتكى عبد الله ابن أبيّ ابن سلول عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ويعطيه قميصه الذي يلي جلده ليكفن فيه ففعل كل ذلك. وعنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه فقام إليه، فلما وقف علي يريد الصلاة تحوّلت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله أعلى عدوّ الله عبد الله ابن أبيّ القائل يوم كذا كذا وكذا؟ أعدد أيامه ورسوله صلى الله عليه وسلم يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت، قد قيل لي استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت. قال: ثم صلى عليه ومشى معه فقام على قبره حتى فرغ منه قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم. قال: فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزل {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً} الآية. فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله. قال المفسرون: وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل بعبد الله بن أيّ قال: وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إن كنت لأرجو أن يسلم به ألف من قومه وكان كما قال. وقيل: لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه غلب على ظن الرسول أنه انتقل إلى الإيمان لأنه وقت يتوب فيه الكافر فرغب أن يصلي عليه. وذكر من أسباب دفع القميص أن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أسيراً ببدر ولم يجدوا له قميصاً طويلاً فكساه عبد الله قميصه، ومنها أن المشركين قالوا له يوم الحديبية إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك. فقال: إن لي في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فشكر رسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعه. ومنها أنه كان لا يرد السائل لقوله تعالى{أية : وأما السائل فلا تنهر}تفسير : [الضحى: 10] ومنها أن ابنه عبد الله كان من الصالحين فالرسول أكرمه لمكان ابنه. ومنها إظهار الرأفة والرحمة كما مر. قوله {مات} صفة لأحد {وأبداً} ظرف لقوله {لا تصل} وإنه يحتمل تأبيد النفي ونفي التأبيد والظاهر الأول، لأن القرائن تدل على منعه من أن يصلي على أحد منهم منعاً كلياً دائماً. قال الزجاج: معنى قوله {ولا تقم على قبره} أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع ههنا منه. وقال الكلبي: معناه لا تقم بإصلاح مهمات قبره و {أنهم كفروا} تعليل للنهي ويرد عليه أن الكفر حادث وحكم الله قديم والحادث لا يكون علة للقديم. وأجيب بأن العلة ههنا بمعنى الإمارة المعرفة للحكم. قال في الكشاف: وإنما قيل مات وماتوا بلفظ الماضي والمعنى على الاستقبال على تقدير لكون والوجود لأنه كائن موجود لا محالة. وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه، والكذب والنفاق والخداع والجبن والخبث مستقبح في جميع الأديان. أما قوله {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم} فقد سبق مثله في هذه السورة بتفاوت ألفاظ فوجب علينا أن نذكر سبب التفاوت، ثم فائدة التكرار فنقول والله تعالى أعلم بمراده: إنما ذكر النهي ههنا بالواو وهناك بالفاء لأنه لا تعلق له ههنا بما قبله وهو موتهم على حالة الفسق خلاف ما هنالك. وإنما قال ههنا {وأولادهم} بدون "لا" لأن المراد هنالك الترقي من الأدون إلى الأعلى وهو أن إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم كقولك: لا يعجبني أمر النائب ولا أمر المنوب. وههنا أراد المعية فقط إما اكتفاء بما سبق هناك، وإما لأن هؤلاء أقوام آخرون لم يكن عندهم تفاوت بين الأمرين. وقيل: إنه هناك لما علق الثاني بالأول تعليق الجزاء بالشرط أكد معنى النهي بتكرار "لا"، وإنما قال ههنا {إن يعذبهم} لأنه إخبار عن قوم ماتوا على الكفر فتعلق الإرادة بما هم فيه وهو العذاب. وأما في الآية المتقدمة فالمفعول محذوف وقد مر. وقيل: الفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله محال وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه "أن"، وإنما حذف الحياة ههنا اكتفاء بما ذكر هنالك وقيل تنبيهاً على أن الحياة الدنيا لا تستحق أن تسمى حياة لخستها. وأما فائدة التكرير فهي المبالغة في التحذير من الأموال والأولاد لأنها جذابه للقلوب فتحتاج إلى صارف قوي، ويحتمل أن تكون الأولى في قوم والثانية في آخرين. وقيل: الثانية في اليهود والأولى في المنافقين. ثم عاد إلى توبيخ المنافقين فقال {وإذا أنزلت سورة} أي تمامها ويجوز أن يزاد عليها كما يقع القرآن والكتاب على بعضه. وقيل: هي براءة لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد {أن آمنوا} "أن" هي المفسرة لأن إنزال السورة في معنى القول. وقال الواحدي: تقديره بأن آمنوا وإنما قدم الأمر بالإيمان لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان {أولوا الطول} ذو الفضل والسمعة من طال عليه طولاً قاله ابن عباس والحسن. وقال الأصم: الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وخصوا بالذكر لأن الذم لهم ألزم إذ لا عذر لهم في القعود {مع القاعدين} مع أصحاب الأعذار من الضعفة والزمنى. والخوالف النساء اللواتي تخلفن في البيت، وجوز بعضهم أن يكون الخوالف جمع خالف وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف. ثم قال {وطبع على قلوبهم} كقوله{أية : ختم الله على قلوبهم}تفسير : [البقرة: 7] وقد مر البحث فيه، وقال الحسن: الطبع بلوغ القلب في الكفر إلى حد كأنه مات عن الإيمان. وقالت الأشاعرة: هو حصول داعية الكفر المانعة من الإيمان. والطبع في اللغة الختم وهو التأثير في الطين ونحوه، ومنه الطبع للسجية التي جبل عليها الإنسان {فهم لا يفقهون} أسرار حكمة الله في الجهاد أو في الذهاب من السعادة وما في التخلف من الشقاء. وفي قوله {لكن الرسول} نكتة هي أنه إن تخلف هؤلاء فقد أنهض إلى الغزو من هو خير منهم وأصدق نية كقوله{أية : فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين}تفسير : [الأنعام: 89] ثم ذكر منافع الجهاد على الإجمال فقال {وأولئك لهم الخيرات} وهي شاملة لمنافع الدارين. وقيل: هي الحور لقوله{أية : فيهن خيرات حسان}تفسير : [الرحمن: 70] وقوله {وأولئك هم المفلحون} المراد منه الخلاص من المكاره. ثم فصل ما أجمل فقال {أعد الله} الآية وقيل: الخيرات الفلاح في الدنيا وهذه في الآخرة. و {الفوز العظيم} عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعة ودرجة عالية. التأويل: إنما لم يؤثر استغفار الرسول في حقهم لقصور في القائل لا لتقصير في الفاعل، والأثر يتوقف على الأمرين {جزاء بما كانوا يكسبون} من رين القلوب وكدورة الأرواح بظلمة الصفات الحيوانية. {وهم كافرون} مستورو القلوب بحجاب حب الأموال والأولاد. لهم الخيرات لما سعوا سعي العبودية نالوا خيرات الربوبية، {هم المفلحون} المتخلصون عن حجب صفات النفس {ذلك الفوز العظيم} إذ لا حجاب أعظم من حجاب النفس والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}: المعنى: أَنَّ اللَّه خَيَّر نبيَّه في هذا، فكأنه قال له: إِن شئْتَ فٱستغفر لهم، وإِن شئت لا تستغفر، ثم أعلمه أنَّه لا يغفِرُ لهم، وإِن ٱستغْفَرَ سبعين مرَّةً، وهذا هو الصحيحُ في تأويل الآية، لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم لعمر: « حديث : إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَيَّرَنِي فَٱخْتَرْتُ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنِّي إِذَا زِدتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُمْ لَزِدْتُ... » تفسير : الحديث، وظاهرُ لفْظِ الحديثِ رفْضُ إِلزام دليل الخطَاب، وظاهرُ صلاته صلى الله عليه وسلم عَلَى ٱبْنِ أُبَيٍّ أَنَّ كُفْره لم يكنْ يقيناً عنده، ومحالٌ أَنْ يُصلِّيَ على كافرٍ، ولكنه راعى ظواهره من الإِقرار ووَكَلَ سريرته إِلى اللَّه عزَّ وجلَّ، وعلَى هذا كان سَتْرُ المنافقين، وإِذا ترتَّب كما قلنا التخييرُ في هذه الآيةِ، صَحَّ أَنَّ ذلك التخييرَ هو الَّذِي نُسِخَ بقوله تعالى في «سورة المنافقين: [6]»: { أية : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } تفسير : . * ت *: والظاهر أن الآيتين بمعنًى، فلا نَسْخ، فتأمَّله، ولولا الإِطالة لأَوْضَحْت ذلك. قال * ع *: وأما تمثيله بالسبعين دُونَ غيرها من الأعدادِ، فلأَنه عددٌ كثيراً مَّا يجيءُ غايةً ومقنعاً في الكَثْرة. وقوله: {ذَٰلِكَ } إِشارة إِلى ٱمتناع الغُفْرَانِ. وقوله عزَّ وجلَّ: {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ...} الآية: هذه آية تتضمَّن وصف حالِهِمْ، على جهة التوبيخ، وفي ضمنها وعيدٌ، وقوله: {ٱلْمُخَلَّفُونَ}: لفظٌ يقتضي تحقيرَهُم، وأنهم الذين أبعدهم اللَّه مِنْ رضاه و«مقْعَد»: بمعنى القُعُود، و«خِلاَف»: معناه: «بَعْدَ»؛ ومنه قولُ الشاعر: [الطويل] شعر : فَقُلْ لـلَّـذِي يَبْغِي خِلاَفَ الَّذِي مَضَى تَأَهَّبْ لأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَد تفسير : يريد: بعد الذي مَضَى. وقال الطبريُّ: هو مصدرُ: خَالَفَ يُخَالِفُ، وقولهم: {لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ}: كان هذا القول منهم؛ لأن غزوة تبوك كَانَتْ في شدَّة الحَرِّ وطِيب الثمار.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم حديث : عن عروة أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله، وهو القائل {ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] فأنزل الله عز وجل {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} قال النبي "لأزيدن على السبعين . فأنزل الله {سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم}" تفسير : [المنافقون: 6]. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال:حديث : لما نزلت {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} قال النبي صلى الله عليه وسلم "سأزيد على سبعين، فأنزل الله في السورة التي يذكر فيها المنافقون {لن يغفر الله لهم} [المنافقون: 6] ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما نزلت هذه الآية أسمع ربي قد رخص لي فيهم، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم. فقال الله من شدة غضبه عليهم {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} [المنافقون:6] ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم والنحاس وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: لما توفي عبد الله بن أبي، دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام عليه فلما وقف قلت أعلى عدوّ الله عبد الله بن أبي القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا؟! أعدد أيامه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، حتى إذا أكثرت قال "حديث : يا عمر أخر عني اني قد خيرت، قد قيل لي {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة} فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها، ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه، فعجبت لي ولجراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم - والله ورسوله أعلم - فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان {ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعده حتى قبضه الله عز وجل ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم حديث : عن الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لقد أصبت في الإِسلام هفوة ما أصبت مثلها قط، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذت بثوبه فقلت: والله ما أمرك الله بهذا، لقد قال الله {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد خيرني ربي فقال {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير القبر، فجعل الناس يقولون لابنه: يا حباب افعل كذا يا حباب افعل كذا: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحباب اسم شيطان أنت عبد الله" . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله {استغفر لهم...} الآية. قال: نزلت في الصلاة على المنافقين قال: حديث : لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق قال النبي صلى الله عليه وسلم لو أعلم إن استغفرت له إحدى وسبعين مرة غفر له لفعلت فصلى عليه الله الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم، فأنزل الله {ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] ونزلت العزمة في سورة المنافقين {سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} [المنافقون: 6] الآية .
ابو السعود
تفسير : {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} إخبارٌ باستواء الأمرَين الاستغفارُ لهم وتركُه في استحالة المغفرة، وتصويرُه بصورة الأمر للمبالغة في بـيان استوائِهما كأنه عليه الصلاة والسلام أُمر بامتحان الحالِ بأن يستغفر تارة ويتركَ أخرى ليظهرَ له جليةُ الأمر كما في قوله عز وجل: {أية : قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} تفسير : [التوبة: 53] {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} بـيانٌ لاستحالة المغفرة بعد المبالغةِ في الاستغفار إثرَ بـيانِ الاستواءِ بـينه وبـين عدمِه. (روي أن عبدَ اللَّه بنَ عبدِ اللَّه بنِ أُبـيّ وكان من المخلِصين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض أبـيه أن يستغفرَ له ففعل عليه الصلاة والسلام فنزلت فقال عليه الصلاة والسلام محافظةً على ما هو الأصلُ من أن مراتبَ الأعداد حدودٌ معينةٌ يخالف حكمُ كلَ منها حكمَ ما فوقها: «حديث : إن الله قد رخّص لي فسأزيد على السبعين»تفسير : فنزلت {أية : سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } تفسير : [المنافقون: 6] وقد شاع استعمالُ السبعةِ والسبعين والسبعِمائةِ في مطلق التكثيرِ لاشتمال السبعة على جملة أقسام العددِ فكأنها العددُ بأسره وقيل: هي أكملُ الأعدادِ لجمعها معانيَها ولأن الستة أولُ عددٍ تامَ لتعادل أجزائِها الصحيحةِ إذ نصفُها ثلاثة وثلثُها اثنان وسدسُها واحد وجملتها ستةٌ وهي مع الواحد سبعةٌ فكانت كاملةً إذ لا مرتبةَ بعد التمام إلا الكمالُ ثم السبعون غايةُ الكمالِ إذ الآحادُ غايتُها العشرات والسبعُمائة غايةُ الغايات. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى امتناع المغفرةِ لهم ولو بعد المبالغةِ في الاستغفار، أي ذلك الامتناعُ ليس لعدم الاعتدادِ باستغفارك بل {بِأَنَّهُمْ} أي بسبب أنهم {كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} كفراً متجاوزاً عن الحد كما يلوح به وصفُهم بالفسق في قوله تعالى عز وجل: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} فإن الفسقَ في كل شيء عبارةٌ عن التمرُّد والتجاوز عن حدوده أي لا يهديهم هدايةً مُوصلةً إلى المقصد البتةَ لمخالفة ذلك للحكمة التي عليها يدور فلكُ التكوينِ والتشريعِ، وأما الهدايةُ بمعنى الدِلالة على ما يوصِل إليه فهي متحققةٌ لا محالة ولكنهم بسوء اختيارِهم لم يقبلوها فوقعوا فيما وقعوا، وهو تذيـيلٌ مؤكدٌ لما قبله من الحُكم فإن مغفرةَ الكافرِ إنما هي بالإقلاع عن الكفر والإقبالِ إلى الحق، والمنهمكُ فيه المطبوعُ عليه بمعزل من ذلك، وفيه تنبـيهٌ على عذر النبـيِّ صلى الله عليه وسلم في استغفاره لهم وهو عدمُ يأسِه من إيمانهم حيث لم يعلم أنهم مطبوعون على الغي والضلالِ إذ الممنوعُ هو الاستغفارُ لهم بعد تبـيُّن حالِهم كما سيتلى من قوله عز وجل: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ }تفسير : [التوبة: 113] الآية.
القشيري
تفسير : خَتَمَ القضايا بأنَّه لا يغفر لأهل الشِرْكِ والنفاق، فلا تنفعهم الوسائل، ولا ينتعش منهم الساقط. ويقال: مَنْ غَلَبَتْه شِقْوتُنا لم ينفعه تضرعه ودعوته. ويقال: صريعُ القدرة لا يُنْعِشُه الجُهد والحيلة.
الطوسي
تفسير : قوله {استغفر لهم} صيغته صيغة الأمر والمراد به المبالغة في الأياس من المغفرة انه لو طلبها طلبة المأمور بها أو تركها ترك المنهي عنها لكان ذلك سواء في ان الله لا يفعلها، كما قال في موضع آخر {أية : سواء عليهم أَستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم }. تفسير : والاستغفار طلب المغفرة من الله تعالى بالدعاء بها والمغفرة ستر المعصية برفع العقوبة عليها. وتعليق الاستغفار بالسبعين مرة، والمراد به المبالغة لا العدد المخصوص، ويجري ذلك مجرى قول القائل: لو قلت ألف مرة ما قبلت، والمراد بذلك إني لا أقبل منك، وكذلك الآية المراد بها نفي الغفران جملة. وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال "حديث : والله لأزيدن على السبعين" تفسير : خبر واحد لا يلتفت اليه؛ ولان في ذلك ان النبي صلى الله عليه وآله استغفر للكفار وذلك لا يجوز بالاجماع. وقد روي أنه قال "حديث : لو علمت اني لو زدت على السبعين مرة لغفر لفعلت . تفسير : وكان سبب نزول هذه الاية ان النبي صلى الله عليه وآله كان اذا مات ميت صلى عليه واستغفر له، ولم يكن بمنزلة المنافقين بعد، فأعلمه الله تعالى ان في جملة من تصلي عليهم من هو منافق وإن استغفاره له لا ينفع قل ذلك ام كثر، ثم نهى الله نبيه أن يصلي على أحد منهم وأن يستغفر له حين عرفه اياهم بقوله {أية : ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره } تفسير : الاية. وقوله {ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله} اشارة منه تعالى إلى ان ارتفاع الغفران انما كان لأنهم كفروا بالله وجحدوا نعمه، وكفروا برسوله فجحدوا نبوته {والله لا يهدي القوم الفاسقين} فمعناه انه لا يهديهم إلى طريق الجنة والثواب. فأما الهداية إلى الايمان بالاقرار بالتوحيد لله والاعتراف بنبوة النبي صلى الله عليه وآله فقد هدى الله اليه كل مكلف متمكن من النظر والاستدلال؛ بأن نصب له على ذلك الدلالة وأوضحها له.
الجنابذي
تفسير : {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الامر والنّهى ههنا للتّسوية غير منظور منهما حقيقة الامر والنّهى، ولفظة او للتّخيير على ما روى "حديث : انّه (ص) قال فى جواب من قال: اما نهاك ربّك عن الاستغفار للمنافقين؟ - حين صلّى على ميّت عبد الله بن ابىّ: انّ الله خيّرنى" تفسير : {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} وهذا عتاب له بايّاك اعنى واسمعى يا جارة، وعتاب المقرّبين تعريضاً بمن استحقّ العتاب فى الحقيقة تقريب لهم واهانة بالمستحقّين حيث اسقطهم عن درجة الخطاب والعتاب ولذا لم يقل: لم يجب الله لك بل قال لن يغفر الله لهم حيث لم يتوجّه العتاب اليه (ص) والاشكال بانّ استغفاره (ص) مجابٌ لا محالة لانّ غيره اذا توسّل به الى الله اجابه فكيف اذا استغفر هو لم يجبه ولن يغفر للمستغفر له؛ مدفوع بانّ المراد المبالغة فى عدم استحقاقهم للمغفرة بحيث لو فرض استغفار الرّسول (ص) الّذى لا ينفكّ الاجابة عنه لهم لما غفر لهم، ومثل هذا كثيرٌ فى كلامهم حيث يعلّقون نفى الجزاء على امرٍ مستلزمٍ لتحقّق الجزاء مبالغةً فى عدم تحقّقه، واستعمال السّبعين لاستعماله كثيراً فى معنى الكثرة لكونه من مراتب الاعداد التّامّة كالسّبعة والسّبعمائة ولذا يأتون بالواو بعد السّبعة ويسمّونه واو الثّمانية او للاشارة الى مراتبه السّبعين مبالغةً فى عدم استحقاقهم للمغفرة {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تدارك لما يتوهّم من عدم قبول مسئلته واستغفاره بانّ عدم المغفرة لهم ليس لعدم استحقاقك للاجابة بل لعدم استحقاقهم للمغفرة {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} وضع الظّاهر موضع المضمر للاشارة الى ذمٍّ آخر وعلّة الحكم.
اطفيش
تفسير : {استغفر لهم أو لا تستغفر} أى استوى الأمران، فإن الاستغفار لهم لا ينفعهم كما قال: {إنْ تَسْتغفِر لَهم سَبْعين مَرَّةً فَلَن يغْفِر الله لَهم} وليس السبعون حدا إن جاوزه فى الاستغفار رجئت المغفرة، بل تمثيل للكثرة، فإن المراد أنه لا يغفر لهم ولو استغفر لهم عدد التراب، بدليل وصفهم بالكفر بعد هذا، وهو مانع من الغفران، وبدليل: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} وخص السبعين لأن العرب تستكثرها، وقد كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة رضى الله عنه سبعين تكبيرة، وشاع استعمال السبعة والسبعين، والسبعمائة ونحوها فى التكثير، لأن السبعة تشتمل على جملة أقسام العدد، وهى آحاد وعشرات ومئون وآحاد ألف وعشرات ألوف ومئات ألوف وآحاد ألوف ألوف، فكأنها العدد. وقد كثرت السباعيات: كالسماوات، والأرضين، والأيام، والأقاليم، والبحار، والنجوم السيارة، وأبواب النار، والأعضاء، وأصحاب العقبة فى منى، ومختارى موسى، أو خلق الإنسان ورزقه، فإن صح حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه استغفر لهم بعد نزول هذه الآية، وقال له عمر: أتستغفر يا رسول الله للمنافقين وقد أعلمك الله أنه لا يغفر لهم؟ فقال له: "يا عمر إن الله خيرنى فاخترت ولأستغفرن لهم ما لم أنه" وأنه قال: "لأزيدن على السبعين وقد رخص لى ربى مع تلك الدلائل على المنع وعدم الغفران" تفسير : فوجهه أنه حمل السبعين على العدد المخصوص، لأنه الأصل، فجوز أن يكون حدا، وإنما فوقه نافع فمال إلى هذا الاحتمال لما فيه من الرحمة، وأيضا قوله: "حديث : لأزيدن على السبعين" تفسير : يحتمل فيما قيل أن يكون إظهاراً لغاية رحمته، كقول إبراهيم: {أية : ومن عصانى فإنك غفور رحيم} تفسير : تعليما لنا أن نتراحم. وذكر بعض أنه قال: "حديث : لو علمت أنى إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت" تفسير : وقد يستدل بذلك على أن هؤلاء المنافقين ونحوهم فى عصره صلى الله عليه وسلم غير مشركين، وإلا لم يستغفر لهم كذا قيل، وقد يبحث فيه على طريق مذهب القائل وهو منا بأنه أيضا لا يستغفر لهم إذا كانوا منافقين بمعنى ذوى كبائر غير شرك، والظاهر أنه أسروا ما هو شرك، وربما نطقوا به كقولهم: إنما القرآن كلامه لا كلام الله، وليس النفاق مختصا فى عصره بمن يفعل كبائر غير شرك كما قال جمهور أصحابنا وشدّدوا على من قال بخلافه، ولا بمن أسر شركا كما زعم المخالفون، بل يوجد الفريقان، وأولى ما يتخرج عليه فى استغفاره أنه يأخذ بظاهر قولهم: إنا لم نفعل، وإنا تبنا ما لم ينزل النص على النهى، أو على تعيين شقاوة أحد، ثم إنه لا مانع من أن يقال: إن استغفاره لأهل الكبائر غير الشرك من خصوصياته صلى الله عليه وسلم، وقد نهاه عن الاستغفار للمشركين، إذ قال: {أية : ما كان للنبى والذين آمنوا} تفسير : الآية. {ذلِكَ} المذكور من انتفاء المغفرة {بأنَّهم كَفرُوا بالله ورَسُولهِ} أى بسبب كفرهم الصارف عنها، لا لبخل منَّا، ولا لقصور فى استغفارك، ووصفهم بأنهم كفروا بالله ورسوله ظاهر فى أنهم أسرُّوا الشرك، إذ لا يقال لذى الكبيرة: كفر بالله ورسوله، وإذا قلنا: إنهم مشركون ففى الوعيد على اللمز والسخرية الواقعين منهم دلالة على أن المشركين مخاطبون بفروع الشريعة. {واللهُ لا يَهْدى القَوْم الفاسِقينَ} المصرِّين على الفسق ولا مغفرة للمصر.
الالوسي
تفسير : {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ} الظاهر أن المراد به وبمثله التخيير، ويؤيد إرادته هنا فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ستعلم إن شاء الله تعالى ذلك منه فكأنه قال سبحانه له عليه الصلاة والسلام: إن شئت فاستغفر لهم وإن شئت فلا، وكلام النسفي تنسفه صحة الأخبار نسفاً. واختار غير واحد أن المراد التسوية بين الأمرين كما في قوله تعالى: {أية : أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } تفسير : [التوبة: 53] والبيت المار:شعر : أسيئي بنا أو أحسني تفسير : الخ، والمقصود الإخبار بعدم الفائدة في ذلك وفيه من المبالغة ما فيه، وقال بعض المحققين بعد اختياره للتسوية في مثل ذلك: إنها لا تنافي التخيير فإن ثبت فهو بطريق الاقتضاء لوقوعها بين ضدين لا يجوز تركهما ولا فعلهما فلا بد من أحدهما ويختلف الحال فتارة يكون الإثبات كما في قوله تعالى: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [البقرة: 6] وأخرى النفي كما هنا وفي قوله سبحانه: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } تفسير : [المنافقون: 6] {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ } بيان لعدم المغفرة وإن استغفر لهم حسبما أريد إثر التخيير أو بيان لاستحالة المغفرة بعد المبالغة في الاستغفار اثر بيان الاستواء بين الاستغفار وعدمه. / وسبب النزول على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما نزل قوله سبحانه: {أية : سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ } تفسير : [التوبة: 79] الخ سأله عليه الصلاة والسلام اللامزون الاستغفار لهم فهمَّ أن يفعل فنزلت فلم يفعل. وقيل: نزلت بعد أن فعل، واختار الإمام [الرازي] عدمه وقال: إنه لا يجوز الاستغفار للكافر فكيف يصدر عنه صلى الله عليه وسلم. ورد بأنه يجوز لأحيائهم بمعنى طلب سبب الغفران، والقول بأن الاستغفار للمصر لا ينفع لا ينفع، لأنه لا قطع بعدم نفعه إلا أن يوحى إليه عليه الصلاة والسلام بأنه لا يؤمن كأبي لهب، والقول بأن الاستغفار للمنافق إغراء له على النفاق لا نفاق له أصلاً وإلا لامتنع الاستغفار لعصاة المؤمنين ولا قائل به، وقال بعضهم: إنه على تقدير وقوع الاستغفار منه عليه الصلاة والسلام والقول بتقديم النهي المفاد بقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 113] لا إشكال فيه إذ النهي ليس للتحريم بل لبيان عدم الفائدة وهو كلام واه لأن قصارى ما تدل عليه الآية المنع من الاستغفار للكفار وهو لا يقتضي المنع عن الاستغفار لمن ظاهر حاله الإسلام، والقول بأنه حيث لم يستجب يكون نقصاً في منصب النبوة ممنوع لأنه عليه الصلاة والسلام قد لا يجاب دعاؤه لحكمة كما لم يجب دعاء بعض إخوانه الأنبياء عليهم السلام ولا يعد ذلك نقصاً كما لا يخفى. ومناسبة الآية لما قبلها على هذه الرواية في غاية الوضوح إلا أنه قيل: إن الصحيح المعول عليه في ذلك أن عبد الله وكان اسمه الحباب وكان من المخلصين ابن عبد الله بن أبـي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض أبيه أن يستغفر له ففعل فنزلت فقال عليه الصلاة والسلام: لأزيدن على السبعين فنزلت {أية : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ } تفسير : [المنافقون: 6] الخ، وفيه رد على الإمام أيضاً في اختياره عدم الاستغفار وكذا في إنكاره كون مفهوم العدد حجة كما نقله عنه الإسنوي في «التمهيد» مخالفاً في ذلك الشافعي رضي الله تعالى عنه فإنه قائل بحجيته كما نقله الغزالي عنه في «المنخول» وشيخه إمام الحرمين في البرهان وصرح بأن ذلك قول الجمهور. وفي «المطلب» لابن الرفعة أن مفهوم العدد هو العمدة عندنا في عدم تنقيص الحجارة في الاستنجاء على الثلاثة والزيادة على ثلاثة أيام في الخيار، وما نقل عن النووي من أن مفهوم العدد باطل عند الأصوليين محمول على أن المراد باطل عند جمع من الأصوليين كما يدل عليه كلامه في «شرح مسلم» في باب الجنائز وإلا فهو عجيب منه. وكلام العلامة البيضاوي مضطرب، ففي المنهاج التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص أي انه نص في مدلوله لا يحتمل الزيادة والنقصان، وفي «التفسير» عند هذه الآية بعد سوق خبر سبب النزول أنه عليه الصلاة والسلام فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل فجاز أن يكون ذلك حداً يخالفه حكم ما وراءه فبين عليه الصلاة والسلام أن المراد به التكثير لا التحديد، وذكر في تفسير سورة البقرة [29] عند قوله سبحانه: {أية : فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } تفسير : أنه ليس في الآية نفي الزائد، وإرادة التكثير من السبعين شائع في كلامهم وكذا إرادته من السبعة والسبعمائة، وعلل في «شرح المصابيح» ذلك بأن السبعة مشتملة على جملة أقسام العدد فإنه ينقسم إلى فرد وزوج وكل منهما إلى أول ومركب فالفرد الأول ثلاثة والمركب من خمسة والزوج الأول إثنان والمركب أربعة، وينقسم أيضاً إلى منطق كالأربعة وأصم كالستة؛ والسبعة تشتمل على جميع هذه الأقسام، ثم إن أريد المبالغة جعلت آحادها أعشاراً وأعشارها مئات، وأريد بالفرد الأول الذي لا يكون مسبوقاً بفرد آخر عددي كالثلاثة إذ الواحد ليس بعدد بناء على أنه ما ساوى نصف مجموع حاشيته الصحيحتين، وبالفرد المركب الذي يكون مسبوقاً بفرد آخر فإن الخمسة مسبوق بثلاثة، وأريد بالزوج الأول الغير مسبوق بزوج آخر كالاثنين وبالمركب / ما يكون مسبوقاً به كالأربعة المسبوقة بالاثنين، وقد يقسم العدد ابتداء إلى أول ومركب ويراد بالأول ما لا يعده إلا الواحد كالثلاثة والخمسة والسبعة وبالمركب ما يعده غير الواحد كالأربعة فإنه يعدها الاثنان والتسعة فإنه يعدها الثلاثة، وللمنطق إطلاقان فيطلق ويراد به ما له كسر صحيح من الكسور التسعة، والأصم الذي يقابله ما لا يكون كذلك كأحد عشر، ويطلق ويراد به المجذور وهو ما يكون حاصلاً من ضرب عدد في نفسه كالأربعة الحاصلة من ضرب الاثنين في نفسها والتسعة الحاصلة من ضرب الثلاثة في نفسها والأصم الذي يقابله ما لا يكون كذلك كالاثنين والثلاثة وهذا مراد شارح «المصابيح» حيث مثل الأصم بالستة مع أن لها كسراً صحيحاً بل كسران النصف والسدس لكنها ليست حاصلة من ضرب عدد في نفسه، ومعنى اشتمال السبعة على هذه الأقسام أنه إذا جمع الفرد الأول مع الزوج المركب أو الفرد المركب مع الزوج الأول كان سبعة، وكذا إذا جمع المنطق كالأربعة مع الأصم كالثلاثة كان الحاصل سبعة وهذه الخاصة لا توجد في العدد قبل السبعة، فمن ظن أن الأنسب بالاعتبار بحسب هذا الاشتمال هو الستة لا السبعة لأنها المشتملة على ما ذكر فهو لم يحصل معنى الاشتمال أو لم يعرف هذه الاصطلاحات لكونها من وظيفة علم الأرتماطيقي. ومما ذكرنا من معنى الاشتمال يندفع أيضاً ما يتوهم من أن التحقيق أن كل عدد مركب من الوحدات لا من الأعداد التي تحته إذ ليس المراد من الاشتمال التركيب على أن في هذا التحقيق مقالاً مذكوراً في محله. وقال ابن عيسى الربعي: إن السبعة أكمل الأعداد لأن الستة أول عدد تام وهي مع الواحد سبعة فكانت كاملة إذ ليس بعد التمام إلا الكمال، ولذا سمي الأسد سبعاً لكمال قوته، وفسر العدد التام بما يساوي مجموع كسوره وكون الستة كذلك ظاهر فإن كسورها سدس وهو واحد وثلث وهو إثنان ونصف وهو ثلاثة ومجموعها ستة، لكن استبعد عدم فهم من هو أفصح الناس وأعرفهم باللسان صلى الله عليه وسلم إرادة التكثير من السبعين هنا، ولذا قال البعض: إنه عليه الصلاة والسلام لم يخف عليه ذلك لكنه خيل بما قال إظهاراً لغاية رأفته ورحمته لمن بعث إليه كقول إبراهيم عليه السلام: {أية : وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ } تفسير : [إبراهيم: 36] يعني أنه صلى الله عليه وسلم أوقع في خيال السامع أنه فهم العدد المخصوص دون التكثير فجوز الإجابة بالزيادة قصداً إلى إظهار الرأفة والرحمة كما جعل إبراهيم عليه السلام جزاء من عصاني أي لم يمتثل أمر ترك عبادة الأصنام قوله: {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} دون إنك شديد العقاب مثلاً فخيل أنه سبحانه يرحمهم ويغفر لهم رأفة بهم وحثاً على الاتباع، وتعقب بأن ذكره للتمويه والتخييل بعدما فهم عليه الصلاة والسلام منه التكثير لا يليق بمقامه الرفيع، وفهم المعنى الحقيقي من لفظ اشتهر مجازه لا ينافي الفصاحة والمعرفة باللسان فإنه لا خطأ فيه ولا بعد إذ هو الأصل، ورجحه عنده عليه الصلاة والسلام شغفه بهدايتهم ورأفته بهم واستعطاف من عداهم، ولعل هذا أولى من القول بالتمويه بلا تمويه. وأنكر إمام الحرمين صحة ما يدل عليه أنه عليه الصلاة والسلام فهم على أن حكم ما زاد على السبعين بخلافه وهو غريب منه، فقد جاء ذلك من رواية البخاري. ومسلم. وابن ماجه والنسائي وكفى بهم، وقَولُ الطبرسي: إن خبر «لأزيدن» الخ خبر واحد لا يعول عليه لا يعول عليه، وتمسك في ذلك بما هو كحبل الشمس وهو عند القائلين بالمفهوم كجبال القمر، وأجاب المنكرون له بمنع فهم ذلك لأن ذكر السبعين للمبالغة وما زاد عليه مثله في الحكم وهو مبادرة عدم المغفرة فكيف يفهم منه المخالفة، ولعله علم صلى الله عليه وسلم أنه غير مراد هٰهنا بخصوصه سلمناه لكن لا نسلم فهمه منه، ولعله / باق على أصله في الجواز إذ لو لم يتعرض له بنفي ولا إثبات والأصل جواز الاستغفار للرسول عليه الصلاة والسلام وكونه مظنة الإجابة ففهم من حيث أنه الأصل لا من التخصيص بالذكر، وحاصل الأول منه فهمه منه مطلقاً بل إنما فهم من الخارج، وحاصل الثاني تسليم فهمه منه في الجلمة لكن لا بطريق المفهوم بل من جهة الأصل. وأنت تعلم أن ظاهر الخبر مع القائلين بالمفهوم غاية الأمر أن الله سبحانه أعلم نبيه عليه الصلاة والسلام بأية المنافقين أن المراد بالعدد هنا التكثير دون التحديد ليكون حكم الزائد مخالفاً لحكم المذكور فيكون المراد بالآيتين عند الله تعالى واحداً وهو عدم المغفرة لهم مطلقاً، لكن في دعوى نزول آية المنافقين بعد هذه الآية إشكال، أما على القول بأن براءة آخر ما نزل فظاهر وأما على القول بأن أكثرها أو صدرها كذلك وحينئذ لا مانع من تأخر نزول بعض الآيات منها عن نزول بعض من غيرها فلأن صدر ما في سورة المنافقين يقتضي أنها نزلت في غير قصة هذه التي سلفت آنفاً، وظاهر الأخبار كما ستعلم إن شاء الله تعالى يقتضي أنها نزلت في ابن أبـي ولم يكن مريضاً، وما تقدم في سبب نزول ما هنا نص في أنه نزل وهو مريض، والقول بأن تلك نزلت مرتين يحتاج إلى النقل ولا يكتفي في مثله بالرأي وأنى به، على أنه يشكل حينئذ قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : لأزيدن على السبعين» تفسير : مع تقدم تزول المبين للمراد منه، والقول بالغفلة لا أراه إلا ناشئاً من الغفلة عن قوله تعالى: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } تفسير : [الأعلى: 6] بل الجهل بمقامه الرفيع عليه الصلاة والسلام ومزيد اعتنائه بكلام ربه سبحانه، ولم أر من تعرض لدفع هذا الإشكال، ولا سبيل إلى دفعه إلا بمنع نزول ما في سورة المنافقين في قصة أخرى ومنع دلالة الصدر على ذلك. نعم ذكروا أن الصدر نزل في ابن أبـي ولم يكن مريضاً إذ ذاك؛ ولم نقف على نص في أن العجز نزل فيه كذلك، والظاهر نزوله بعد قوله سبحانه: {أية : وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم } تفسير : [التوبة: 84] الخ وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يؤيد ذلك عند تفسير الآية فافهم. {ذٰلِكَ} أي امتناع المغفرة لهم ولو بعد ذلك الاستغفار {بِأَنَّهُمْ} أي بسبب أنهم {كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} يعني ليس الامتناع لعدم الاعتداد باستغفارك بل بسبب عدم قابليتهم لأنهم كفروا كفراً متجاوزاً للحد كما يشير إليه وصفهم بالفسق في قوله سبحانه: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} فإن الفسق في كل شيء عبارة عن التمرد والتجاوز عن حدوده، والمراد بالهداية الدلالة الموصلة لا الدلالة على ما يوصل لأنها واقعة لكن لم يقبلوها لسوء اختيارهم، والجملة تذييل مؤكد لما قبله من الحكم فإن مغفرة الكفار بالإقلاع عن الكفر والإقبال إلى الحق والمنهمك فيه المطبوع عليه بمعزل من ذلك، وفيه تنبيه على عذر النبـي صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لهم وهو عدم يأسه من إيمانهم حيث لم يعلم إذ ذاك أنهم مطبوعون على الغي لا ينجع فيهم العلاج ولا يفيدهم الإرشاد، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم بموتهم كفاراً كما يشهد له قوله سبحانه: {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَىٰ مِن بَعْدَمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [التوبة: 113] ولعل نزول قوله سبحانه: {بِأَنَّهُمْ} الخ متراخ عن نزول قوله سبحانه: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الخ كما قيل وإلا لم يكن له صلى الله عليه وسلم عذر في الاستغفار بعد النزول. والقول بأن هذا العذر إنما يصح لو كان الاستغفار للحي كما مر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيه نظر.
ابن عاشور
تفسير : هذا استئناف ابتدائي ليس متصلاً بالكلام السابق، وإنّما كان نزوله لسبب حدث في أحوال المنافقين المحكية بالآيات السالفة، فكان من جملة شرح أحوالهم وأحكامهم، وفي الآية ما يدلّ على أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر لهم. روى المفسّرون عن ابن عباس أنّه لمّا نزلت بعض الآيات السابقة في أحوالهم إلى قوله: {أية : سخر الله منهم ولهم عذاب أليم}تفسير : [التوبة: 79]. قال فريق منهم: استغفر لنا يا رسول الله، أي ممّن صدر منه عمل وبِّخُوا عليه في القرآن دون تصريح بأنّ فاعله منافق فوعدهم النبي عليه الصلاة والسلام بأن يستغفر للذين سألوه. وقال الحسن: كانوا يأتون رسول الله فيعتذرون إليه، ويقولون: إن أردْنا إلاّ الحسنى. وذلك في معنى الاستغفار، أي طلب مَحْومَا عُدّ عليهم أنّه ذنب، يريدون أنّه استغفار من ظاهر إيهام أفعالهم. وعن الأصمّ أنّ عبد الله بنَ أُبي بن سَلول لمّا ظهر ما ظهر من نفاقه وتنكّر الناس له من كلّ جهة لقيه رجل من قومه فقال له: ارجع إلى رسول الله يستغفر لك، فقال: ما أبالي استغفر لي أم لم يستغفر لي. فنزل فيه قوله تعالى في سورة المنافقين (5، 6): {أية : وإذا قيل لهم تعالَوا يستغفر لكم رسولُ الله لَوَوْا رُؤُوسَهم ورأيتَهم يَصُدُّون وهم مستكبرون سواءٌ عليهم أسْتَغْفَرْتَ لهم أم لم تستغفر لهم لَن يغفرَ الله لهم} تفسير : يعني فتكون هذه الآية مؤكّدةً لآية سورة المنافقين عند حدوث مثل السبب الذي نزلت فيه آية سورة المنافقين جمعاً بين الروايات. وعن الشعبي، وعروة، ومجاهد، وابن جبير، وقتادة أنّ عبد الله بن أُبَيْ ابن سلول مرض فسألَ ابنُه عبدُ الله بنُ عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر له ففعل. فنزلت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنّ الله قد رخَّص لي فسأزيدُ على السبعين فنزلت {أية : سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم}تفسير : [المنافقون: 6]. والذي يظهر لي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا أوحي إليه بآية سورة المنافقين، وفيها أنّ استغفاره وعدمه سواء في حقّهم. تأوَّلَ ذلك على الاستغفار غيرِ المؤكّد وبعثته رحمته بالناس وحرصه على هداهم وتكدّره من اعْتراضهم عن الإيمانِ أن يستغفر للمنافقين استغفاراً مكرّراً مؤكّداً عسى أن يغفر الله لهم ويزول عنهم غضبه تعالى فيهديهم إلى الإيمان الحقّ. بما أنّ مخالطتهم لأحوال الإيمان ولو في ظاهر الحال قد يجرّ إلى تعلّق هديه بقلوبهم بأقلّ سبب، فيكون نزول هذه الآية تأيِيساً من رضى الله عنهم، أي عن البقية الباقية منهم تأييساً لهم ولمن كان على شاكلتهم ممّن اطّلع على دخائلهم فاغتبط بحالهم بأنّهم انتفعوا بصحبة المسلمين والكفار، فالآية تأييس من غير تعيين. وصيغة الأمر في قوله: {استغفر} مستعملة في معنى التسوية المراد منها لازمها وهو عدم الحذر من الأمر المباح، والمقصود من ذلك إفادة معنى التسوية التي تَرد صيغة الأمر لإفادتها كثيراً، وعدَّ علماءُ أصول الفقه في معاني صيغة الأمر معنى التسوية ومثّلوه بقوله تعالى: {أية : اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا}تفسير : [الطور: 16]. فأمَّا قوله: {أو لا تستغفر لهم} فموقعه غريب ولم يُعْنَ المفسّرون والمعرِبون ببيانه فإنّ كونه بعد {لا} مجزوماً يجعله في صورة النهي، ومعنى النهي لا يستقيم في هذا المقام إذ لا يستعمل النهي في معنى التخيير والإباحة. فلا يتأتّى منه معنىً يعادل معنى التسوية التي استُعمل فيها الأمر. ولذلك لم نر علماء الأصول يذكرون التسوية في معاني صيغة النهي كما ذكروها في معاني صيغة الأمر وتأويل الآية: إمّا أن تكون {لا} نافية ويكون جزم الفعل بعدها لكونه معطوفاً على فعل الأمر فإن فعل الأمر مجزوم بلام الأمر المقدرة على التحقيق وهو مذهب الكوفيين واختاره الأخفش من البصريين، وابن هشام الأنصاري وأبو علي بن الأحوص، شيخ أبي حيّان، وهو الحقّ لأنّه لو كان مبنياً للزم حالةً واحدةً، ولأنّ أحوال آخره جارية على أحوال علامات الجزم فلا يبعد أن يكون ذلك التقدير ملاحظاً في كلامهم فيعطف عليه بالجزم على التوهّم. ولا يصح كون هذا من عطف الجمل لأنّه لا وجه لِجزم الفعل لو كان كذلك، لا سيما والأمر مؤول بالخبر، ثم إنّ ما أفاده حرف التخيير قد دلّ على تخيير المخاطب في أحد الأمرين مع انتفاء الفائدة على كليهما. وإمّا أن تكون صيغة النهي استعملت لمعنى التسوية لأنّها قارنت الأمر الدالّ على إرادة التسوية ويكون المعنى: أمرك بالاستغفار لهم ونهيُك عنه سواء، وذلك كناية عن كون الآمِر والناهي ليس بمغيِّر مراده فيهم سواء فُعل المأمور أو فُعل المنهي ويجوز أن يكون الفعلان معمولين لفعل قول محذوف. والتقدير: نقول لك: استغفر لهم، أو نقول لا تستغفر لهم. و{سبعين مرة} غير مراد به المقدارُ من العدد بل هذا الاسم من أسماء العدد التي تستعمل في معنى الكثرة. قال «الكشاف»: «السبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثر». ويدل له قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لو أعلم أنّي لو زدت على السبعين غُفر له لزدت»تفسير : . وهو ما رواه البخاري والترمذي من حديث عمر بن الخطاب. وأمّا ما رواه البخاري من حديث أنس ابن عياض وأبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : وسأزيد على السبعين»تفسير : فهو توهم من الراوي لمنافاته روايةَ عمرَ بن الخطاب، وروايةُ عمَر أرجح لأنّه صاحب القصّة، ولأنّ تلك الزيادة لم تُرو من حديث يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عند الترمذي وابن ماجة والنسائي. وانتصب {سبعين مرةً} على المفعولية المطلقة لبيان العدد. وتقدّم الكلام على لفظ مرّة عند قوله تعالى: {أية : وهم بدأوكم أول مرة} تفسير : في هذه السورة (13). وضمائر الغيبة راجعة إلى المنافقين الذين علم اللَّهُ نفاقهم وأعلم نبيه عليه الصلاة والسلام بهم. وكان المسلمون يحسبونهم مسلمين اغتراراً بظاهر حالهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُجري عليهم أحكام ظاهر حالهم بين عامّة المسلمين، والقرآن ينعتهم بسيماهم كيلا يطمئنّ لهم المسلمون وليأخذوا الحذر منهم، فبذلك قُضي حقّ المصالح كلّها. ومن أجل هذا الجري على ظاهر الحال اختلف أسلوب التأييس من المغفرة بين ما في هذه الآية وبين ما في آية {أية : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين}تفسير : [التوبة: 113] لأنّ المشركين كفرُهم ظاهر فجاء النهي عن الاستغفار لهم صريحاً، وكُفر المنافقين خفي فجاء التأييس من المغفزة لهم منوطاً بوصف يعلمونه في أنفسهم ويعلمه الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ ولأجل هذا كان يستغفر لمن يسأله الاستغفار من المنافقين لئلا يكون امتناعه من الاستغفار له إعلاماً بباطن حاله الذي اقتضت حكمةُ الشريعة عدمَ كشفه. وقال في أبي طالب: «لأستغفرنّ لك ما لم أُنه عنك» فلمّا نهاه الله عن ذلك أمسك عن الاستغفار له. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الجنازة على من مات من المنافقين لأنّ صلاة الجنازة من الاستغفار حديث : ولمّا مات عبدُ الله بن أبي بن سلول رأسُ المنافقين بعد نزول هذه الآية وسألَ ابنُه عبدُ الله بنُ عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه، فصلّى عليه كرامة لابنه وقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم قد نهاك ربك أن تصلي عليه، قال له على سبيل الرد «إنّما خَيّرني الله»تفسير : ، أي ليس في هذه الآية نهي عن الاستغفار، فكان لصلاته عليهم واستغفاره لهم حكمة غير حصول المغفرة بل لمصالح أخرى، ولعلّ النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بأضعف الاحتمالين في صيغة {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} وكذلك في لفظ عدد {سبعين مرة} استقصاء لمظنّة الرحمة على نحو ما أصّلناه في المقدمة التاسعة من مقدّمات هذا التفسير. والإشارةُ في قوله: {ذلك بأنهم كفروا} لانتفاء الغفران المستفاد من قوله: {فلن يغفر الله لهم}. والباء للسببية، وكفرهم بالله هو الشرك. وكفرهم برسوله جحدهم رسالته صلى الله عليه وسلم وفي هذه الآية دليل على أن جاحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم يطلق عليه كافر. ومعنى {والله لا يهدي القوم الفاسقين} أنّ الله لا يُقَدّر لهم الهدي إلى الإيمان لأجل فسقهم، أي بُعدهِم عن التأمّل في أدلّة النبوة، وعن الإنصاف في الاعتراف بالحق فمن كان ذلك ديدنه طُبع على قلبه فلا يقبل الهُدى فمعنى {لا يهدي} لا يخلق الهُدى في قلوبهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْفَاسِقِينَ} (80) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ لَيْسُوا أَهْلاً لِلاسْتِغْفَارِ، وَأَنَّهُ لَوِ اسْتَغْفَرَ لَهُم النَّبِيُّ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ، وَذَلِكَ لإِصْرَارِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَجُحُودِهِمْ بِوَاحْدَانِيَّةِ اللهِ، وَوَحْيهِ لِرَسُولِهِ، وَلِشَكِّهِمْ فِي أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى، وَغَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. وَيُرْوَى أَنَّهُ حِينَ مَرِضَ رَئِيسُ الْمُنَافِقِينَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، انْطَلَقَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِن أَبِي يُحْتَضَرُ فَأُحِبُّ أَنْ تَشْهَدَهُ وَتُصَلِّي عَلَيْهِ. فَانْطَلَقَ مَعَهُ حَتَّى شَهِدَهُ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَقَالَ إِنَّ اللهَ قَالَ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ولأَسْتَغْفِرَنَّ لَهُمْ سَبْعِينَ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ووقف العلماء في هذه الآية عند شيء اسمه مفهوم المخالفة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى حدد مرات الاستغفار غير المقبول بسبعين مرة، وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسلَ رحمة للعالمين؛ أنه ما دامت مرات الاستغفار قد حُددت بسبعين مرة فلأزيد على السبعين قليلاً وبذلك غلّب الرسول الكريم جانب الرحمة، وجانب الإكرام لعبد الله بن عبد الله بن أبي الذي أسلم وحَسُنَ إسلامه. وكانت السبعة دائماً هي نهاية العدد عند العرب، وعندما يأتي عدد آخر يكون زائداً، فالأصل في العدد هو مكررات الواحد، أي: أن الواحد أصل العدد، يضاف له واحد يكون اثنين، ويضاف لهما واحد فيكون المجموع ثلاثة، وتستمر الإضافة حتى يصير العدد سبعة، وإذا تركنا الواحد جانباً لأنه الأصل، نجد عندنا ثلاثة أعداد زوجية، هي: اثنان وأربعة وستة، وثلاثة أعداد فردية هي: ثلاثة وخمسة وسبعة، ويكون العدد سبعة جامعاً للمفرد والمثنى والجمع. ولذلك كانوا إذا أرادوا الزيادة على سبعة فلابد أن يأتوا بحرف العطف. ونجد قول الحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف: {أية : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ...} تفسير : [الكهف: 22]. ولم يقل: ثامنهم كلبهم، بل جاء بواو العطف؛ لأن الثمانية كانت من نوع آخر. وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم "السبعين"؛ قال: نزيد على السبعين، وبذلك يكون قد احترم قول الله، واحترم تكريمه لعبد الله بن عبد الله بن أبيّ؛ الذي طلب منه أن يستغفر لأبيه. وهنا قالوا: كيف يغيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي يقول عن نفسه: "أنا أفصح العرب بيد أنِّي من قريش"، أن عدد السبعين يُقصد به الكثرة مهما بلغت، والشاعر القديم يقول: شعر : أسِيئي بِنَا أوْ أحْسِني لاَ مَلُومةَ تفسير : أي: افعلي ما تشائين. فكأن الحق سبحانه وتعالى في قوله: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} شاء أن يأتي بمضاعفات العدد النهائية وهي السبعون ليحسم الأمر. وجاء قول الحق سبحانه: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ...} تفسير : [المنافقون: 6]. أي: مهما استغفرت بأي عدد من الأعداد فلن يغفر الله لهم. ونقول: إن الأمر هنا له شقان؛ الشق الأول: أن يغفر الله. والشق الثاني: هو مجاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عبد الله بن أبيّ، فهو صلى الله عليه وسلم يعلم أن الله لن يغفر للمنافقين. وفي استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو لاحترام طلب الابن، وأيضاً فالاستغفار من رسول الله كان مجرد مجاملة لعلمه أن الله لن يغفر للمنافقين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن استغفاره من أجل منافق لن يقبله الله، وهناك استغفار تنشأ عنه المغفرة، واستغفار ينشأ عنه إرضاء عبد الله بن عبد الله بن أبيّ. ولكن ألا توجد ذاتية للأب؟ نقول: إن التاريخ يقول إن عبد الله بن أبيّ نال حظه من الدنيا، والحق سبحانه يقول: {أية : إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} تفسير : [الكهف: 30]. وجزاء العمل يُعطى للبعض في الدنيا، ويُعْطى للبعض في الآخرة؛ مصداقاً لقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]. ولقد حدثنا علماء السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أبا لهب يُخفَّفُ عنه العذاب يوم الاثنين"تفسير : ، وأبو لهب نزل فيه قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} تفسير : [المسد: 1-3]. ولماذا يُخفَّف العذاب عن أبي لهب يوم الاثنين؟ لأن هذا اليوم هو الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سُرَّ أبو لهب بميلاد الرسول الكريم، فأعتق الجارية التي بشَّرته بميلاد الرسول؛ ومن هنا يُخفَّف العذابُ عن أبي لهب يوم الاثنين جزاء عمله. كما أن عبد الله بن أبيّ كان له موقف يحسب له في واقعة الحديبية حين ذهب المسلمون لأداء العمرة، وصدهم الكفار عن بيت الله الحرام؛ وانتهت بصلح الحديبية وهي أول معاهدة بين الإيمان والكفر، ورغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رُدُّوا عن بيت الله الحرام، فقد فطن أبو بكر لما في يوم الحديبية من عطاءات الله؛ من اعتراف كفار قريش بمحمد وبالمسلمين حين وقعوا معاهدة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرغ نبينا الكريم للدعوة في الجزيرة العربية، وهو آمن من قريش، وانتشر الإسلام إلى أن نقضت قريش العهد وتم فتح مكة. نعود إلى قصة عبد الله بن أبيّ يوم الحديبية: لقد كان الكفار يعلمون أن في نفسه شيئاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم منع تتويج عبد الله بن أبيّ ملكاً على المدينة. وكانوا يعلمون أيضاً أنه أسلم نفاقاً؛ فأرادوا أن يُحدثوا ثغرة في نفوس المسلمين، فقالوا: محمد وأصحابه لا يدخلون، ولكننا نسمح لعبد الله بن أبيّ ومن معه بدخول مكة وأداء العمرة فرفض عبد الله بن أبيّ وقال: إن لي في رسول الله أسوة حسنة، لا أريد أن أذهب للعمرة إلا إذا ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا موقف يُحمد له. كذلك كان له موقف آخر في غزوة بدر، حينما أُسر العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان العباس طويل القامة وثيابه تمزقت في المعركة، فلم يجدوا طويلاً مثله إلا عبد الله بن أبيّ، فأعطاهم قميصه ليلبسه العباس، فلم يَنْسَ رسول الله ذلك له. ومن أجل هذا استغفر له رسول الله، لكن الحكم الأعلى قد جاء {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} فليس المهم فقط هو استغفار رسول الله؛ لأن هناك ممحصات للذنب، فمن أذنب عليه أن يأتيك أولاً يا رسول الله، ليستغفر الله، ثم يسألك أن تستغفر له الله، حتى يجد الله تواباً رحيماً، فسبحانه القائل: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 64]. فالذي يريد أن يتوب ويستغفر، لا يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا إذا استغفر مرتكب الذنب أولاً، فلا بد أن يستغفروا الله من الذنوب أولاً ثم يستغفر لهم الرسول. ولا يستغفر لهم الرسول وهم لا يستغفرون، وهكذا نعلم أن عبد الله بن أبيّ لم يفطن إلى كيفية الاستغفار، فقد كان عليه أن يأتي لرسول الله صاغراً ليستغفر الله أمامه، لا أن يبحث عمن يطلب له الاستغفار. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى موضحاً سبب عدم غفرانه، فيقول: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} وحين ينفي الحق سبحانه وتعالى الهداية عن إنسان، فليس معنى هذا أن يقول الفاسق: الله لم يَهْدِني فماذا أفعل؟ ويُحمِّل المسألة كلها لله. بل نسأل الفاسق: لماذا لم يَهْدِك؟ لأنك فسقت. إذن: فعدم الهداية من الله لك كان بسبب أنك أخذت طريق الفسق والبعد عن منهج الله، ومن هنا فالهداية المقصودة في هذه الآية؛ ليست هي الهداية بمعنى الدلالة على طريق الخير؛ لأن الدلالة إلى طريق الخير تأتي من الله للمؤمن والكافر, فمنهج الله الذي يُبلَّغ للناس كافة، يريهم طريق الخير ويدلهم عليه. ولكن المقصود هنا هو الهداية الأخرى التي يعطيها الحق لمن دخل في رحاب الإيمان وآمن وحَسُنَ عمله، وتتمثل في قوله الحق: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. إذن: فكل مَنْ مشى في طريق الإيمان أعانه الله عليه. وفي المقابل نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأحقاف: 10]. وكذلك قوله سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [التوبة: 37]. وأيضاً قوله الكريم: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [الصف: 5]. لا نقول أبداً: إن هؤلاء معذورون؛ لأن الله لم يَهْدِهم؛ لأنه سبحانه قد هداهم ودَلَّهم جميعاً على طريق الخير، ولكنهم هم الذين أخذوا طريق الكفر والظلم والفسوق. واقرأ إن شئت قول الله عز وجل: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} تفسير : [فصلت: 17]. فماذا صنعوا في هدايته لهم: {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}، أي: أن الحق سبحانه بيَّن لثمود طريق الخير، ولكنهم اختاروا الضلالة. إذن: فهداية الدلالة للجميع، وهداية المعونة للمؤمنين. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى للمنافقين فيقول: {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ...}.
الأندلسي
تفسير : {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية، سأل عبد الله بن أبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رجلاً صالحاً أن يستغفر لأبيه في مرضه ففعل. فنزلت. فقال عليه السلام: حديث : قد رخص لي فأزيد على السبعينتفسير : . فنزلت سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم وعلى هذا فالضمائر عائدة على جميع المنافقين، والخطاب بالأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والظاهر أن المراد بهذا الكلام التخيير، وهو الذي روي عنه صلى الله عليه وسلم وقد قال له عمر: حديث : كيف تستغفر لعدو الله وقد نهاك الله عن الاستغفار لهم؟ فقال عليه السلام: ما نهاني ولكنه خيّرني تفسير : .فكأنه قال له: إن شئت فاستغفر وإن شئت فلا تستغفر، ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم وإن استغفر سبعين مرة. {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ} الآية، لما ذكر تعالى ما ظهر من النفاق والهزء من الذين خرجوا معه إلى غزوة تبوك من المنافقين، ذكر حال المنافقين الذي لم يخرجوا معه وتخلفوا عن الجهاد، واعتذروا بأعذار وعلل كاذبة حتى أذن لهم، فكشف الله تعالى لرسوله عن أحوالهم وأعلمه بسوء فعالهم، فأنزل عليه فرح المخلفون أي عن غزوة تبوك، وكان عليه السلام قد خلفهم بالمدينة لما اعتذروا فأذن لهم. وهذه الآية تقتضي التوبيخ والوعيد. ولفظة المخلفون تقتضي الذم والتحقير، ولذلك جاء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وهي أمكن من لفظ المتخلفين، إذ هم مفعول بهم ذلك ولم يفرح إلا منافق فخرج من ذلك الثلاثة وأصحاب العذر. ولفظ المقعد يكون للزمان والمكان والمصدر وهو هنا للمصدر، أي بقعودهم. وهو عبارة عن الأمة بالمدينة. وانتصب خلاف على الظرف أي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال فلان أقام خلاف الحي أي بعدهم إذا ظعنوا ولم يظعن معهم. ومنه قول الشاعر: شعر : وقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تأهب لأخرى مثلها وكأن قد تفسير : {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى فإِن رجعك الله من سفرك هذا وهو غزوة تبوك. {فَٱسْتَأْذَنُوكَ} عطف على محذوف تقديره فاردت الخروج بعد الرجوع فأستأذنوك. وجواب الشرط قوله: فقل، وأمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم لن تخرجوا معي هي عقوبة لهم وإظهار لدناءة منزلتهم وسوء حالهم. وأكد نفي الخروج في المستقبل بقوله: {أَبَداً} وهو ظرف مستقبل وانتقل بالنفي من الشاق عليهم وهو الخروج إلى الغزاة إلى الأشق وهو قتال العدو لأنه أعظم الجهاد وثمرة الخروج وموضع بارقة السيوف التي تحتها الجنة. ثم علل انتفاء الخروج والقتال بكونهم رضوا بالقعود أول مرة، ورضاهم ناشىء عن نفاقهم وكفرهم وخداعهم وعصيانهم أمَر الله تعالى في قوله: {أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً} تفسير : [التوبة: 41]. وقالوا هم لا تنفروا في الحر، فعلل بالمسبب وهو الرضا الناشىء عن السبب وهو النفاق وأول مرة هو الخرجة إلى غزوة تبوك ومرة مصدر، كأنه قيل: أول خرجة دعيتم إليها، لأنها لم تكن أول خرجة خرجها الرسول عليه السلام للغزاة فلا بد من تقييدها، إذ الأولية تقتضي السبق. وقيل: التقدير أول خرجة خرجها الرسول لغزو الروم بنفسه. وقيل: أول مرة قبل الاستئذان.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة: 80] من هذه صفتهم وأحوالهم وأنهم لا يتغيرون عنها، {أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] لأنه تعالى غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً يشير إلى أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم حين يستغفر لنفسه. كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ}تفسير : [النساء: 64] وإنما قال: لا يقبل استغفار النبي صلى لله عليه وسلم لهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالله ولا برسوله، فبشؤم كفرهم منعوا قبول الاستغفار لهم لا بأن ليس لاستغفاره، أثر قبول عند الله كما قال تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} [التوبة: 80] أي: الخارجين عن إصابة النور المرشش عليهم في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". تفسير : وقال الله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40] من نعوت المنافقين ذكر قوله تعالى: {فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} [التوبة: 81] أي: قعودهم عن الجهالة، ومخالفة سيرة رسول الله واتباعه وليس من أمارات الإيمان فرحهم بذلك، {وَكَرِهُوۤاْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة: 81] أي: كرهوا بذلها في طلب الحق ولو كان فيهم الإيمان ما فرحوا بالقعود وما كرهوا الجهاد، {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ} [التوبة: 81] يشير إلى أنهم لو يؤمنوا بنار جهنم حتى احترزوا عن حر الشمس ولم يحترزوا عن نار جهنم، {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 81] فقه القلوب بنور الإيمان، {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً} [التوبة: 82] يشير إلى سرور النفوس بالتمتعات الحيوانية من المراتع البهيمية في الدنيا أياماً قلائل. {وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً} [التوبة: 82] يشير إلى مقاسات الشدائد الأخروية الباقية، {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [التوبة: 82] من رين القوب وكدورة الأرواح بظلمة التمتعات الحيوانية وتعدية صفات النفس إليها.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [80] 244- أنا عمرو بن علي، نا يحيى، نا عُبيد الله، حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر قال: حديث : لما مات عبد الله (بن) أُبَيٍّ، جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم (فقال: ) اعطني قميصك حتى أُكَفِّنه وَصَلِّ عليه، واستَعْفر له، فأعطاه قميصه، ثم قال: "إذا فَرَغتم فآذِنُوني أُصلي عليه" فجذبه عمر، وقال: قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين، قال: "أنا بين خِيرَتين، قال {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}" فصلى عليه، فأنزل الله عز وجل {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ} [84] فترك الصلاة عليهم . تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} [84] 245- أنا محمد بن رافع، ومحمد بن عبد الله بن المبارك قالا: حدثنا حُجَين بن المُثنى، نَا لَيث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب رحمه الله قال: حديث : لما مات عبد الله بن أُبَي بن سَلول، دُعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثَبْت إليه، ثم قلت: يا رسول الله، أَتُصلي على ابن أُبيٍّ؟ وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا، أُعَدِّد عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال: "أَخِّر عني يا عمر" فلما أكثرت عليه، قال: "إني خُيِّرت، فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السَّبعين غُفر له لزِدت عليها، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يمْكُث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ / أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً} فعجِبْتُ من جُرْأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسُوله أعلم ".
همام الصنعاني
تفسير : 1113- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: لما نزلت {ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ}: [الآية: 80]، قال: النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأزيدنَّ على سبعين"،تفسير : فقال الله عز وجل: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ}تفسير : : [المنافقون: 6].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):